← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

تفوق ما قد ينتج عن ذلك الالتهاب من عقم. (١) وصدق اللَّه اذ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢)، نعم هو أذى للزوجة وأذى للزوج، وعدم قربان المرأة في المحيض طهارة من الأنجاس والأمراض. ويقول الدكتور البار متحدثا عن الأذى الذي في المحيض: يُقذَف الغشاء المبطن للرحم بأكمله أثناء الحيض وبفحص دم الحيض تحت المجهر نجد بالإضافة إلى كرات الدم الحمراء والبيضاء قطعًا من الغشاء المبطن للرحم، ويكون الرحم متقرحًا نتيجة إلى ذلك تمامًا كما يكون الجلد مسلوخًا فهو معرض بسهولة لعدوان البكتريا الكاسح، ومن المعلوم طبيًا أن الدم هو خير بيئة لتكاثر الميكروبات ونموها، وتقل مقاومة الرحم للميكرويات الغازية نتيجة لذلك، ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطرًا داهمًا على الرحم، ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزو البكتريا تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض، إذ يقل إفراز المهبل للحامض الذي يقتل الميكروبات، ويصبح الإفراز أقل حموضة إن لم يكن قلوي التفاعل، كما تقل المواد المطهرة الموجودة بالمهبل على أدنى مستوى لها. ليس ذلك فحسب، ولكن جدار المهبل المكون من عدة طبقات من الخلايا يرق أثناء الحيض ويصبح رقيقًا ومكونًا من طبقة من الخلايا بدلًا من الطبقات العديدة التي نراها في أوقات الطهر، وخاصة في وسط الدورة الشهربة حيث يستعد الجسم بأكمله للقاء الزوج؛ لهذا فإن إدخال القضيب إلى الفرج والمهبل في أثناء الحيض ليس إلا إدخالًا للميكروبات في وقت لا تستطيع فيه أجهزة الدفاع أن تقاوم، كما أن وجود الدم في المهبل والرحم يساعد على نمو تلك الميكروبات وتكاثرها. (٢) الوجه السادس: المرأة الحائض في الكتاب المقدس نجسة ومخطئة وكالمصابة بالجذام: في الكتاب المقدس عند النصارى: بماذا وصفوا المرأة حال حيضتها؟ ففي سفر اللاويين ١٥: ١٩ - ٣٠ يقول: وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِي لَحْمِهَا، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٠ وَكُلُّ مَا

стр. 6477

تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُل مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. ٢١ وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٢ وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٣ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٤ وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ يَسِيلُ سَيْلُ دَمِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً فِي غَيْرِ وَقْتِ طَمْثِهَا، أَوْ إِذَا سَالَ بَعْدَ طَمْثِهَا، فَتَكُونُ كُلَّ أَيَّامِ سَيَلَانِ نَجَاسَتِهَا كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ. ٢٦ كُلُّ فِرَاشٍ تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ كُلَّ أَيَّامِ سَيْلِهَا يَكُونُ لَهَا كَفِرَاشِ طَمْثِهَا. وَكُلُّ الأَمْتِعَةِ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا تَكُونُ نَجِسَةً كَنَجَاسَةِ طَمْثِهَا. ٢٧ وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُنَّ يَكُونُ نَجِسًا، فَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٨ وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسُبُ، لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ. ومعنى هذا: أن المرأة الحائض تقضي ربع عمرها واقفة لا تجلس ولا تنام لأن كل ما ستجلس عليه سيكون نجسًا، وإن اقترح أحدهم أن يكون لها كرسي مخصص، أو سرير مخصص لهذا الوقت. فلك أن تتخيل مدى الفضيحة التي ستكون فيها عند وجود أقرباء أو ضيوف بالبيت، ولك أن تتخيل مدى الإحراج الذي ستكون عليه بجلوسها منفردة معزولة. الكل يفر منها ويبتعد عنها حتى لا يتنجس! وقد كان اليهود لا يتركونهن يخرجن للشارع لكي لا يتنجس المارة وخاصة المؤمنين منهم، وكانوا يضعون سريرًا أو خيمة للمرأة في فناء البيت لتنام عليه قريبًا من الكلب أثناء فترة طمثها حتى تطهر، وكانت إذا لمست الكلب كان عليهم أن يُحَمّوه (من الاستحمام)! ؛ لأنه قد تنجس من ملامستها إياه وكانت القطط تهرب منها، لأنها تعلم لو لمستها امرأة ستستحم بالماء الأمر الذي تكرهه القطط. فلك أن تحكم على قوم حكموا أن الكلب أطهر من المرأة فهل هذا كلام اللَّه وهل هؤلاء أناس كرموا المرأة أم أهانوها؟ . (١) والأهم من هذا أن السيدة مريم أم الإله عند النصارى كانت نجسة بعد ولادتها الإله

стр. 6478

لمدة أربعين يومًا تقريبًا، وكان الإله أيضًا نجسًا في هذا الوقت لأنها كانت تحمله وترضعه وتغير له ملابسه التي يبول فيها أو يتبرز، كما ظل هذا الإله على الأقل ربع حياته نجسًا (سبعة أيام في الشهر التي تأتي أمه فيها الدورة الشهرية) إلى أن انفصل عنها. أما إن كانت مريضة بمرض يسبب لها نزيفًا فقد قضى عليها الرب بالموت إهمالًا فأي طبيب هذا الذي سيتجرأ للكشف عليها لينجس نفسه، حتى من مسَّها واستحم سيكون نجسًا للمساء، ولا أدري هل لو مس فرد ما أحد هؤلاء الأنجاس حتى المساء هل سيتنجس هو الآخر معه حتى المساء، وكيف سيكون الحال لو مسها أحد في المساء، فإلى متى تستمر نجاسته؟ وبهذا الوضع تسبب المرأة الحائض شللًا للحياة العامة. وعلى هذا تكون عندهم فكرة المواصلات العامة فكرة فاشلة؛ لأن الكل سيكونون أنجاس، أو على السائق أو الركاب تفتيش النساء تفتيشًا ذاتيًا حتى يضمنوا عدم نجاستهم لكي تقبل صلاتهم، ولا يمكن لها أن تبيع وتشتري لأن النقود التي ستمسكها ستكون نجسة وستنجس من يأخذها، ولا يمكنها خدمة زوجها أو أولادها في البيت أو تطبيب أو إسعاف أحد منهم، ولا يصح لها أن تعمل بالطب، أو التمريض أو الصيدلة، أو المحاماة، أو التدريس، أو البيع والشراء، أو تصنيع الغذاء، أو أي شيء، فأي تعقيد وإهانة أرادها هذا الكتاب للمرأة, أي إذلال يمكن أن يكون بعد ذلك! فعلى هذا فلا يمكن أن يكون هذا الكتاب الذي يفضح أخص خصوصيات المرأة ويعريها من الستر ويجردها من الحياء أمام البشر كتابًا منزلًا من عند اللَّه، فإن هذا الدين وهذا الكتاب غير صالح لكل زمانٍ، بل غير صالح لأي زمانٍ. (١) * * *

стр. 6479

١٨ - شبهة: نكاح المرأة في دبرها . نص الشبهة: قالوا: إن الإسلام أحل نكاح دبر المرأة بدليل الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣). قالوا: إن الإسلام أحل نكاح دبر المرأة بدليل بعض الفتاوى التي أحلت ذلك. هذا ما وقفوا عليه تجاه هذه الشبهة. والرد على ذلك من الوجوه. الوجه الأول: آية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . .﴾ فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر، وليس العكس. الوجه الثاني: آية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر كما في كلمة ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾. الوجه الثالث: آية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ تدل أيضًا من وجه آخر على حرمة وطء المرأة في الدبر. الوجه الرابع: آية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ فيها دلالة أخرى. الوجه الخامس: السنة النبوية تؤكد حرمة وطء المرأة في الدبر. وإليك التفصيل الوجه الأول: آية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر، وليس العكس كما في كلمة (حَرْث)، حيث ذكر كلمة (حَرْث) يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة، إذ هو مزدرع الذرية كما أن الحرث مزدرع النبات، فقد شبه ما يلقى في أرحامهم من النطفة التي منها النسل بما يلقي في الأرض من البذور التي منها النبات، بجامع أن كل واحدة منها مادة لما يحصل منه. وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل، وهذا على

стр. 6480

سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالزرع. (١) قال محمد رشيد رضا: فهو يقول أنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر الدين وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودًا فتأتوا النساء في المحيض حيث لاستعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث. (٢) الوجه الثاني: الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر كما في كلمة أنى شئتم: قال الطبري: معنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي من أي وجه شئتم؛ وذلك أن (أَنَّى) في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام عن المسألة عن الوجوه والمذاهب فكأن القائل إذا قال لرجل أنى لك هذا المال؟ يريد من أي الوجوه لك، ولذلك يجيب المجيب فيه بأنه يقول: من كذا وكذا، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٣٧). وهي مقاربة أين وكيف في المعنى؛ ولذلك تداخلت معانيها فأشكلت (أَنَّى) على سامعها ومتأولها حتى تأولها بعضهم بمعنى أين، وبعضهم بمعنى كيف، وآخرون بمعنى متى، وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات؛ وذلك أن أين إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال، وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلًا لو سأل آخر فقال أين مالك؟ لقال بمكان كذا ولو قال له أين أخوك؟ لكان الجواب أن يقول ببلدة كذا أو بموضع كذا فيجيبه بالخبر عن محل ما مسألة عن محله؛ فيعلم أن أين مسأله عن المحل.

стр. 6481

ولو قال قائل كيف أنت؟ لقال صالح، أو بخير، أو في عافية، وأخبره عن حاله التي هو فيها، فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسئول عن حاله، ولو قال له: أنى يحيى اللَّه هذا الميت؟ لكان الجواب أن يقال من وجه كذا ووجه كذا، فيصف قولًا نظير ما وصف اللَّه تعالى ذكره للذي قال: ﴿يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فعلًا حين بعثه اللَّه بعد مماته؛ ولذلك فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها فقال الكميت بن زيد: تذكر من أنى ومن أين شربة ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل فيجاء بـ "أنّى" للمسألة عن الوجوه، وبـ " أين" للمسألة عن المكان؛ فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب؟ والذي يدل على فساد قول من تأول قول اللَّه تعالى ذكره: ﴿حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ بـ "كيف شئتم"، أو تأوله بمعنى"حيث شئتم"، أو تأوله بمعنى "متى شئتم". أن قائلًا لو قال للآخر: أنى تأتي أهلك؟ لكان الجواب أن يقول: من قبلها أو من دبرها. وإذا كان هذا هو الجواب فمعلوم أن معنى قول اللَّه تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إنما هو: فأتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتى. وأن ماعدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذا كان ذلك هو الصحيح؛ فيتبين خطأ قول من زعم أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ دليل على إباحة إتيان النساء في أدبارهن. (١) قال الطحاوي: ثم رجعنا على تأويل قول اللَّه ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل، وكان النسل موجودًا في الوطء في الفرج ومعدومًا في الوطء في غيره؛ فدلّ أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل لاما لا يكون عنه النسل، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعًا يذهبون إليه في هذا الباب. (٢)

стр. 6482

وقال القنوجي: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو مزدرع الذرية كما أن الحرث مزدرع النبات فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منها مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل، وهذا على سبيل التشبيه فجعل فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالزرع. ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي من أي جهة شئتم من خلف وقدام وباركة ومستلقية ومضطجعة وقائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة إذا كان في موضع الحرث. ثم قال: وقد ذهب السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ما ذكرناه من تفسير الآية، وأن إتيان الزوجة في دبرها حرام. (١) قال الشوكاني: فمن زعم منهم -أي من المخالفين- أنه فهم ذلك من الآية -أي على الإباحة- فقد أخطأ في فهمه وقد فسرها لنا رسول اللَّه ﷺ وأكابر أصحابه بخلاف ما قاله هذا المخطئ في فهمه كائنًامن كان، ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلًا أتى امرأته في دبرها؛ فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك فقد أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام (٢). الوجه الثالث: آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. . .﴾ تدل أيضًا من وجه آخر على حرمة وطء المرأة في الدبر:

стр. 6483

إن اللَّه أمر الرجال أن يعتزلوا النساء حال الحيض، فإذا تطهرن كان لهم الحق أن يأتوهن من موضع الإتيان الذي شرعه اللَّه، وهو الفرج حيث قال: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وقد أمر اللَّه بالوطء في الفرج ولو كان الدبر مباحًا لبينه اللَّه في الآية. الوجه الرابع: آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. . .﴾ تدل أيضًا من وجه وهو: لو أن إتيان المرأة في دبرها مباح لبينه اللَّه حينما أمر باعتزال موضع الدم حال الحيض وكان بمثابة البديل عن الفرج في هذه المدة المحرمة، ولكن لعدم مشروعيته لم يذكره، بل ذكر أن المباح هو الفرج، وفي حال الحيضة يجب الاعتزال. الوجه الخامس: السنة النبوية تؤكد على حرمة وطء المرأة في الدبر وترشدنا إلى المعنى الصحيح لآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إذا تتبعنا بدقة وبفهم صحيح لكلام النبي ﷺ لوجدنا أن كل الأحاديث التي ثبتت في هذا الباب تدل على حرمة الوطء في الدبر، بل وتلعن فاعله. فقد ثبت عن الصحابة الكرام الذين عايشوا النبي ﷺ إنكار هذا الأمر، ولم يثبت عن أحد إباحته وما نقل عن أحد منهم خلاف ذلك وسيأتي مناقشة هذا الأمر في حينه. وإليك أيها المعترض بعض الأحاديث التي تدلك على معنى الآية الصحيح وهي قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وسبب نزولها ليتأكد لك حرمة وطء المرأة في الدبر. ١ - عن جابر بن عبد اللَّه: أَنَّ يَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أُتِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا ثُمَّ حَمَلَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ. قَالَ: فَأُنْزِلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وزاد مسلم في حديث النعمان عن الزهري "إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ". (١)

стр. 6484

٢ - عن عبد الرحمن بن سابط قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ: إِنِّى سَائِلُكِ عَنْ أَمْرٍ، وَأَنَا أَسْتَحِى أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْهُ؛ فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحِى يَا ابْنَ أَخِى، قَالَ: عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِى أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا لَا يُجِبُّونَ النِّسَاءَ وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِنَّهُ مَنْ جَبَّى امْرَأَتُهُ كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ نَكَحُوا فِي نِسَاءِ الأَنْصَارِ فَجَبُّوهُنَّ، فَأَبَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا؛ فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: لَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتِ: اجْلِسِى حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّه اسْتَحَتِ الأَنْصَارِيَّةُ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَخَرَجَتْ، فَحَدَّثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: "ادْعِى الأَنْصَارِيَّةَ. فَدُعِيَتْ فَتَلَا عَلَيْهَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (صِمَامًا وَاحِدًا) ". (١) وهذا يدل على أمور: - أن اليهود كانوا على علم أن المهاجرين كانوا يجامعون من الدبر في القبل وليس في الدبر؛ لأن الدبر ليس هو موضع الولادة، ولذلك قالوا: إن من فعل ذلك كان الولد أحول! فأنزل اللَّه الآية. - ولو أن المهاجرين كانوا يجامعون في الدبر ما سكت اليهود على ذلك وفضحوا أمرهم، ولذلك لما علموا أنهم كانوا يجامعون المرأة مجبية أي من دبر في فرجها أشاعوا أن من فعل ذلك كان ولده أحول فأنزل اللَّه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. - أن التجبية كما قال ابن منظور تكون في حالتين:

стр. 6485

١ - أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم. ٢ - أن ينكب على وجهه باركًا، وهذا الوجه هو المعروف عند العرب. (١) وقال النووي: المُجَبِّيَة بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم باء موحدة مشددة مكسورة ثم ياء مثناة من تحت أي: مكبوبة على وجهها. ولذا قال: ففيه إباحة وطئها في قبلها إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. (٢) قلت: وقد بينت الزيادة التي عند مسلم من قول الزهري: (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ) والصمام الواحد هو القبل بأي وضع كان. وعن ابن عباس ﵄ قال: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ وَاللَّه يَغْفِرُ لَهُ - أَوْهَمَ؛ إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَىُّ مِنَ الأَنْصَارِ-وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ- مَعَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ يَهُودَ -وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ- وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ؛ فَلَمّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِى حَتَّى شَرِىَ أَمْرُهُمَا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ (٣).

стр. 6486

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه هَلَكْتُ قَالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ". قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِى اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ شَيْئًا قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحِيضَةَ". (١) وفي هذا الحديث دليل على حرمة الوطء في الدبر أيضًا وليس العكس، وليس فيه دليل على أن عمر بن الخطاب ﵁ نكح في الدبر، وذلك لما يلي: ١ - أن عمر ﵁ ما نكح في دبر زوجته؛ لأنهم كانوا يعلمون حرمة ذلك من القرآن ومن كلام النبي ﷺ . ٢ - أن عمر ﵁ ما نكح في دبر زوجته، بل حول كيفية الجماع، ولذلك قال: حولت رحلي الليلة. قال ابن الأثير في مادة رحل (٢): كنى برحله عن زوجته، أراد به غشيانها في قبلها من جهة ظهرها، لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها، فحيث ركبها من جهة ظهرها كنى عنه بتحويل رحله، إما أن يريد به المنزل أو المأوى، وإما أن يريد به الرجل الذي تركب عليه الإبل وهو الكور. أهـ، ولذلك ظن -أي عمر- أنه خالف الشرع، فجاء إلى النبي ﷺ يسأله عما وقع فيه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر اللَّه إليه". (٣)

стр. 6487

وعنه أيضًا أن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد". (١) وعن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر ﵄ ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت الدبر، فقال: هل فعل ذلك أحد من المسلمين! ! (٢) وعن خزيمة بن ثابت ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن اللَّه لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" (٣). وقول عبد اللَّه بن عمرو في الذي يأتي امرأته في دبرها: هي اللوطية الصغرى. (٤)

стр. 6488

قال الطحاوي: فلما تواترت هذه الآثار عن رسول اللَّه ﷺ بالنهي عن وطء المرأة في دبرها ثم جاء عن أصحابه وعن تابعيهم ما يوافق ذلك وجب القول به وترك ما يخالفه. (١) قلت: وهذا هو الثابت الصريح عن النبي ﷺ وعن الصحابة الكرام كما عرضنا أقوالهم. وإليك الأسباب والعلل الشرعية التي منعت هذا الفعل: ١ - إن من مقاصد الشريعة حفظ النفس وحفظ العرض ولذا حرم الوطء في الدبر: فإن مما يجب أن يعلم أن شريعة اللَّه تعالى فيها تحقيق لمصالح العباد، وهي كلها رحمة وحكمة وعدل، ليس فيها شيء خارج عن ذلك، بل كل تشريع فيها يحقق للمكلف النفع والمصلحة في دينه ودنياه، وهذه المصالح المترتبة على التشريع فيها المصالح الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهي المعروفة عندنا بمقاصد الشريعة، وهي التي لأجلها شرع اللَّه الشرائع وأنزل الأحكام وربما الثواب والعقاب ومن هذه المقاصد حفظ النفس وحفظ العرض، ومما شرع لحفظ النفس الزواج وذلك لبقاء النوع وتكثيره وعدم الوقوع في الفواحش، وقد جاء مقصد "حفظ العرض" مكملًا لذلك لوقايته من أسباب الفجور والرذيلة، ومن المسائل التي لها تعلق بهذين المقصدين مسألة "وطء المرأة في دبرها" فهي من جهة كونها مما يتفرع على عقد النكاح تندرج في المقصد الأول ومن جهة كونها انتهاكًا كالعرض والشرف تندرج في المقصد الثاني الذي جاءت الشريعة بحمايته (٢)؛ من أجل هذا كله حرم اللَّه وطء المرأة في دبرها.

стр. 6489

٢ - كرم الإسلام المرأة وذكر لها حقوقها فحرم وطئها في دبرها: لقد كرم الإسلام المرأة أعظم تكريم بعد ما كانت مهانة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفع شأنها وأعلى قدرها، فكرمها في جميع حياتها وأطوارها وهي بنت وهي زوجة، وهي أم، وكان لها حقوق كثيرة وهي زوجة مذكورة في القرآن وفي سنة النبي ﷺ ، وكان من حقوقها على زوجها مسألة الجماع أو الوطء، وكان لها حق في أن تتمتع بهذا الأمر، ولذا إذا وطئت المرأة في دبرها كان في ذلك فواتًا لحقها الذي شرعه اللَّه ﵎ فكيف يشرع الإسلام وطء المرأة في دبرها الذي يضيع حق المرأة ويفوت عليها لذتها؟ ، وهذا من تكريم الإسلام للمرأة لأنه إذا أبيح للرجل الوطء في الدبر فإن في هذا قضاء لشهوته وحرمان المرأة من حقها في الاستمتاع وفي هذا ضرر بها من وجهين: أحدهما: تحريك باعث الشهوة فيها من غير أن تنال شيئًا من حقها في الاستمتاع وفي هذا ضرر بها. الثاني: إن وطء المرأة في دبرها يضر بها في صحتها مع عدم منفعتها منه بشيء. (١) من مقاصد النكاح النسل والنسل من غير وطء في القبل لا يكون فلا يأتي من الوطء في الدبر. (٢) إن النكاح في الشرع الإسلامي له مقاصد عديدة منها النسل وقد حثنا النبي ﷺ على الإكثار من النسل كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره عن أنس مرفوعًا "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". (٣) ومن هنا لا يتأتى الإكثار من النسل بالوطء في الدبر بل يكون في القبل لذا شرع الإسلام القبل الذي يكون منه النسل، وحرم الدبر الذي لا يكون منه النسل بل منه الأذى والضرر.

стр. 6490

قال الرازي: لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد لم تحصل الحكمة المطلوبة ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل وذلك على خلاف حكم اللَّه فوجب الحكم بتحريمه قطعًا حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضي إلى الولد. (١) إن الشرع قد شرع شرائعه على قواعد وأسس منها كما في الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)، حديث النبي ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، ومن المعلوم كما أثبت أهل الطب أن وطء المرأة في دبرها يضر بالرجل والمرأة ويوقعهما في التهلكة ولذا حرم اللَّه تعالى الوطء في الدبر، وإليك بيان ذلك: قال ابن القيم: "عن الوطء في الدبر" فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل "أي الوطء" ولم يخلق له وإنما هيئ له الفرج. وقال أيضًا: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم لأن الفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضًا فإنه يحدث الهم والغم والنفره عن الفاعل والمفعول. وأيضًا فإنه يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدًا لمخالفته للطبيعة. (٣) وقد أثبت الطب الحديث صحة ما ذهب إليه ابن القيم حيث بين د/ محمد عبد الحميد شاهين أستاذ الفقاريات وعلم الأجنة المساعد بقسم العلوم البيولوجية كلية التربية بجامعة عين شمس في بحثه حول العلاقة الجنسية بين الإسلام والطب دراسة نسيجية مقارنة بين المهبل والشرج: أن التركيب لكل من المهبل وقناة الشرج مرتبط ارتباطا كليًا بالوظيفة المنوط به القيام بها، فبطانة المهبل تختلف عن بطانة الشرج والوسط الحامضي

стр. 6491

يختلف عن وسط قناة الشرج، والعضلات التي تساهم في حركة المهبل تختلف عن تلك التي تتسبب الانقباضات في قناة الشرج، والألياف المرنة الكثيرة التي تسبب في مرونة المهبل لا توجد في الشرج، بمعنى أن المهبل مهيأ تمامًا لأداء وظيفته وهي استقبال عضو الجماع وكممر للولادة، بينما وظيفة الشرج الرئيسية هي المساهمة مع المستقيم في إخراج فضلات الطعام على هيئة براز، وسبحان اللَّه كيف يستخدم ممر مهيأ لخروج الفضلات على هيئة براز كبديل لمكانٍ مهيأ لخروج خلق جديد. (١) إن المهبل كمستقبل لعضو الجماع به ما يؤهله للمحافظة على هذا العضو فسيولوجيًا وما يسهل عملية الإيلاج، ويجعل للجماع كل أهدافه السامية التي تنتهي بتكوين خلق جديد بإذن اللَّه تعالى. يقول الدكتور محمد علي البار: وبما أن المصابين بالشذوذ الجنسي (اللواط) يقدرون في الولايات المتحدة بـ ١٨ مليونًا حسب آخر الإحصائيات؛ فإن عددًا كبيرًا منهم يعاني من الأمراض الجنسية، وكذلك ينتشر بينهم الهربس (٢) بصورة تبلغ عدة أضعاف ما هي عليه عند الزناة ثم يقول: "وتنتشر الأمراض الجنسية في الشاذين بصورة مرعبة حقًا يكادون ينفردون ببعض الأمراض وأشهرها وأكثرها إثارة (الإيدز)، أو (مرض فقدان المناعة المكتسبة)، وخطورة هذا المرض أنه مميت في خلال عامين أو ثلاثة منذ ظهور الأعراض. (٣) ومن أخطر الآثار المترتبة على وطء المرأة في دبرها: أن ذلك يؤدي إلى توسعة الشرج وارتخاء المعرّة الشرجية وقد يصاب بسلس غائطي، أي يخرج البراز بشكل لا إرادي، وقد يصاب بالانعكاس النفسي لانعكاس الوطء من

стр. 6492

الوضع الطبيعي إلى الشذوذ. (١) وبعد؛ فلقد سد الإسلام كل المنافذ التي تجعل الرجل ينحرف جنسيًا حفاظًا على صحته ونسله؛ لذا حرم وطء المرأة في دبرها، وقد جاء النهي صراحة في السنة النبوية -كما فصلنا قبل ذلك- علاوة على الأمراض التي تصيب الرجل والمرأة على حد سواء، فالتوازن الذي أوجده اللَّه تعالى في جسم الإنسان بين الأجهزة المختلفة ووظيفة كل جهاز والملائمة بين الوظيفة والتركيب ليس عشوائيًا؛ إنما كل عضو له تركيب نسيجي معين مرتبط بوظيفة معينة، فما بالنا أبعد ما نكون عن فهم هذا التوازن في جسم الإنسان خاصة في عصرنا الحالي! ! . (٢) ولهذه العلل وهذه القواعد حرم الإسلام الدبر، وهذا التحريم موافق للمنقول والمعقول وقواعد الشريعة التي جاءت بإزالة الضرر وتقليله؛ حيث أثبت الطب أن الوطء في الدبر يكون سببًا في أمراض خبيثة منهكة كما ذكرنا. وقد يحتج أصحاب هذه الشبهة بما ورد عن ابن عمر في المسألة. فقد روى نافع عنه: أنه كان ﵁ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِى فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا. ثُمَّ مَضَى. (٣) وعنه أيضًا قال: كنت أمسك على ابن عمر ﵄ المصحف إذ تلا هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال: أن يأتيها في دبرها. (٤) وعن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر ﵄ أنه -يعني عن الوطء في الدبر- فقال: لا بأس به. (٥)

стр. 6493

والرد على ذلك بما يلى: ١ - ذهب بعض العلماء إلى القول بوهم النقلة عن ابن عمر ونفي الوهم عنه كما قال ابن القيم، ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح غلط وأفحشه اهـ. (١) قلت: وقد ذكر ذلك نافع كما في الرواية التي سنذكرها الآن. قال ابن حجاج: وأما ما حكي أن قومًا من السلف أجازوا ذلك فلا يصلح مع ما ذكره من إضافته إليهم بل يحمل على سوء ضبط النقلة والاشتباه عليهم فإن الدبر اسم للظهر؛ قال تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أي ظهره والمرأة تؤتى من قبل ومن دبر أي، أنها تؤتى من جهة الظهر في قبلها. (٢) ٢ - ثبت عن ابن عمر خلاف ذلك حيث قطع بالتحريم وهو الأولى أن يقدم في المسألة: فعن أبي النضر أنه قال لنافع: قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن! قال نافع: لقد كذبوا علي؛ ولكن سأخبرك كيف كان الأمر؛ إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: يا نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد

стр. 6494

كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل اللَّه ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. (١) قال ابن القيم: فهذا هو الثابت عن ابن عمر، ولم يفهم عنه من نقل عنه غير ذلك. (٢) قلت: وفي هذا تصريح من نافع أنه نفى أنه روى عن ابن عمر بجواز الإتيان في الدبر وهو الأولى أن يقدم في هذه المسألة، ووضح من هذا أيضًا ما جاء عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن, قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن! قال: أف أويفعل هذا مسلم! ! ! . (٣) قال ابن القيم: فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الإتيان في الفرج من ناحية الدبر، وهو الذي رواه عنه نافع وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل الوطء لا طريقًا إلى وطء الفرج فكذبهم نافع، وأيضًا إنه إن كان قد حفظ عن ابن عمر أنه رخص في الإحماض للجواري؛ فإنما مراده إتيانهن من طريق الدبر، فإنه قد صرح في الرواية الأخرى بالإنكار على من وطأهن في الدبر وقال أو يفعل هذا مسلم؟ فهذا يبين تصادق الروايات وتوافقها عنه. ثم قال: فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقًا إلى موضع الوطء أو هو مأتى، واشتبه على من اشتبه عليه "من" بمعنى "في" فوقع الوهم. (٤) ولو سلمنا جدلًا أن ابن عمر قد ثبت عنه الجواز ولم يثبت عنه التحريم ما قبل رأيه؛ لأنه مخالف لكلام النبي ﷺ ، وكلام النبي ﷺ مقدم لأنه الأصل -على كلام الصحابة- فقد يتكلم الصحابب بكلام خلاف كلام النبي وهذا ليس لكونه يعارض كلام النبي، كلا وإنما لأن كلام

стр. 6495

النبي ﷺ لم يصله، وهذا ما عليه الصحابة أجمعون، وقد دلت آيات كثيرة على مثل هذا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩)، وقال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥). ومما احتجوا به في هذه الشبهة كلام بعض أهل العلم في هذه المسألة . فاحتجوا بما ذكره النووي عن الشافعية فقال: قال أصحابنا: ولو غيب الحشفة في دبر أمرأة، أو دبر رجل، أو فرج بهيمة أو دبرها، وجب الغسل سواء كان المولج فيه حيًا، أو ميتًا، صغيرًا، أو كبيرًا، وسواء كان ذلك عن قصد أم نسيان، وسواء كان مختارًا أو مكرهًا. . . إلخ. (١) والجواب على ذلك: أولًا: هذا كلام ذكره الإمام النووي يبين فيه حكمًا فقهيًا لمن وقع في هذا الأمر، وليست له علاقة بإباحة وطء الدبر، وهذا واضح من خلال عرضه لهذه المسألة، ولذلك ذكرها في الأبواب الفقهية فذكر حكمًا شرعيًا افتراضيًا ليس إلا، ويؤكد هذا كلام النووي نفسه عن هذه المسألة من الناحية الشرعية من ناحية الحل والحرم. فقد قال: قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال. (٢) وقال أيضًا: فقد استدل الجمهور بهذه الأحاديث التي تقرب من درجة التواتر على تحريم إتيان المرأة في دبرها. (٣) قلت: سلمنا جدلًا أن الإمام النووي أو أحدًا من أهل العلم أفتى بجواز الوطء في الدبر السؤال: هل تعتمد على فتواه؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس معصومًا من الخطأ، وليس

стр. 6496

هناك معصوم إلا الأنبياء والمرسلين فإذا اجتهد وأخطأ فله أجر على اجتهاده، ولا تعتمد فتواه لأمر وهو أنه خالف الدليل، والأصل عندنا الأدلة من القرآن أو السنة بفهم سلف الأمة، ولذلك قال الإمام مالك: كل يأخذ منه ويرد إلا المعصوم ﷺ . (١) ومن هنا نقول فالاحتجاج بمثل هذا باطل، وهذا ينطبق أيضًا على ما ورد، وفي صحة وروده خلاف بين أهل العلم عن الإمامين مالك والشافعي -رحمهما اللَّه- وسيتبين أيضًا أنه قد ورد عنهم خلاف ذلك أي، بحرمة وطء المرأة في الدبر، أو رجعوا عن قولهم بالإباحة إلى المحرمة بعد ورود الدليل إليهم. أما الإمام مالك رحمه اللَّه تعالى فله في المسألة قولان ذكرهما ابن العربي (٢)، والقرطبي (٣). هذا، وقد ذكر ابن الحاج القول الثاني للإمام مالك. قال: عن عبد الرحمن بن القاسم أن شرطي المدينة دخل على مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى فسأله عن رجل رفع إليه أنه أتى امرأته في دبرها! فقال مالك: أرى أن توجعه ضربًا؛ فإن عاد إلى ذلك ففرق بينهما. (٤) وقال ابن حجر: وروى الخطيب في "الرواة عن مالك" من طريق اسرائيل بن روح قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب! هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ قال الحافظ: وعلى هذه القصة اعتمد المتأخرون عن المالكية، فلعل مالكًا رجع عن قوله الأول. (٥)، والذي يترجح القول بالرجوع إلى القول التحريم (٦).

стр. 6497

وأيضًا ما ورد عن الشافعي كما قال ابن القيم: فإن قيل فما تقولون فيما نقله محمد ابن عبد اللَّه بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ليس فيه عن رسول اللَّه ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياس أنه حلال؟ (١). قال ابن القيم: فلعل الشافعي ﵀ توقف فيه أولًا، ثم لما تبين له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه، وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها، ثم يقول: والقياس حله، ويقول: وليس فيه عن رسول اللَّه ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت على طريق الجدل! بل إن كان ابن عبد الحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لما تبين له صريح التحريم. واللَّه أعلم. والشافعي ﵀ قد صرح في كتبه بالتحريم واحتج بحديث خزيمة الذي ذكرناه قبل ذلك كما في كتاب الأم فقال: أخبرنا عَمِّي محمد بن عَلِيِّ بن شَافِعٍ عن عبد اللَّه بن عَلِيِّ بن السَّائِبِ عن عَمْرِو بن أحيحة أو بن فُلَانِ بن أحيحة بن فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ قال: قال محمد بن عَلِيٍّ، وكان ثِقَةً عن خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ أَنَّ سَائِلًا سَأَل رَسُولَ اللَّه ﷺ عن إتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ فقال رسول اللَّه ﷺ : حَلَالٌ، ثُمَّ دَعَاهُ أو أَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فقال: كَيْفَ قُلْت؟ في أَيِّ الْخَرِبَتَيْنِ أو في أَيِّ الخْرَزَتَيْنِ أو في الْخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبْرِهَا في قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ من دُبْرِهَا في دُبْرِهَا فَلَا؛ إنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِ من الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ" (٢). ثم قال الشافعي: قلت: عمي ثقة، وعبد اللَّه بن علي ثقة، وقد أخبرني محمد عن الأنصاري المحدث بها أنه أثنى عليه خيرًا وخزيمة ممن لا يشك علم في ثقته فلست أرخص فيه بل أنهى عنه (٣)، أي أنهى عن إتيان النساء في أدبارهن. قلت: وهذا هو الأولى أن يحفظ عن الشافعي لموافقته للأدلة الثابتة عن النبي ﷺ اهـ.

стр. 6498

وختامًا نذكر كلام البدر العيني والشوكاني في هذا الخلاف وترجيحه. قال البدر العيني: قال شيخنا في شرح الترمذي قد انعقد الإجماع آخرًا على تحريم إتيان المرأة في الدبر وإن كان فيه خلاف قديم قد انقطع، وكل من روي عنه إباحته فقد روي عنه إنكاره" (١). قال الشوكاني: وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة، ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم؛ فإنهم لم يأتوا بدليل على الجواز. فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه كائنًا من كان، ومن زعم منهم أن سبب نزول هذه الآية أن رجلًا أتى امرأته في دبرها فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك فقد أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام؛ فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازله في تحليله؛ فإن الآيات النازلات على أسباب تأتي تارة بتحليله هذا، وتارة بتحريمه". (٢). * * *

стр. 6499

١٩ - شبهة: زواج التحليل . نص الشبهة: اعتمدت شبهتهم أن القرآن أحل المحلل على محورين: ١ - قالوا: إن القرآن أحل المحلل كما فُهم من الآية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (البقرة: ٢٣٠). ٢ - قالوا: إن الإسلام أحل المحلل بدليل أن النبي ﷺ اشترط أن ينكح المحلل الزوجة في فرجها؛ حيث قال: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وبدليل الآية أيضًا: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وهذا أيضًا فيه دعوى إلى ممارسة الجنس. والرد على المحور الأول من وجوه الوجه الأول: الفهم الصحيح للآية هو النكاح المطلق وليس النكاح المقيد وهو التحليل. الوجه الثاني: الأمة التي تعايش القرآن تبين الفهم الصحيح للآية. الوجه الثالث: أن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ونكاح المحلل ليس بنكاح عند الإطلاق. الوجه الرابع: أن التحليل لو كان جائزًا لدعى إليه النبي ﷺ . الوجه الخامس: كلام النبي ﷺ الثابت يحرم زواج التحليل ليؤكد على كلام القرآن الذي أنزل عليه. الوجه السادس: النكاح في شرعنا مبني على الدوام والسكنى والمودة وزواج التحليل ليس فيه هذا فكيف يكون حلالًا؟ ! الوجه السابع: إجماع الصحابة على حرمة التحليل دليل على عدم جوازه. (١) الوجه الثامن: جمهور علمائنا على فساد نكاح التحليل الذي دخل فيه شرط التحليل. والرد على المحور الثاني من وجوه أيضًا:

стр. 6500

الوجه الأول: السنة تضع شروطًا للزواج الصحيح ولا تحلل نكاح التحليل. الوجه الثاني: زواج المرأة بالثاني كان عن رغبة وبدون قصد التحليل. الوجه الثالث: لو أن زواج التحليل كان مباحًا ما أتت هذه المرأة واستخبرت عن أمرها. الوجه الرابع: أمعاشرة الرجل لزوجته دعوة للجنس وفساد للأخلاق؟ ! ! الوجه الخامس: وأخيرًا ماذا عن المرأة في الكتاب المقدس؟ وإليك التفصيل الرد على المحور الأول: الوجه الأول: الفهم الصحيح للآية هو النكاح المطلق وليس النكاح المقيد وهو التحليل . إن الآية ذكرت شرط رجوع الزوجة إلى زوجها بعد تطليقها ثلاثًا؛ وهو أن تنكح رجلًا آخر، ولم تذكر نكاحًا مقيدًا بالتحليل؛ فالنكاح لم يقيد بالنكاح المحلل؛ بل أطلق على عمومه، وإذا أريد بهذا الزواج التحليل لذكرته الآية حتى يفهم سياقها وقيل فيها حتى تنكح محللًا غيره، ولكن لما كان هذا الزواجُ الثاني غير مقصودٍ للتحليل؛ جاء مطلقًا كما في الآية. قال ابن تيمية: ونكاح المحلل ليس بنكاح عن الإطلاق، وليس المحلل بزوج؛ وذلك لأن النكاح في اللغة الجمع والضم على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعًا بالعقود فهو الجمع بينهما على وجه الدوام واللزوم، ولهذا يقال استنكحه المذي إذا لازمه وداومه. . .، ويبين هذا أن الزوج المطلق في الخطاب إنما يعقل منه الرجل الذي يقصد مقامه ودوامه مع المرأة؛ بحيث ترضى مصاهرته وتعتبر كفاءته ويطيب للمرأة ووليها أن يملكها، وهذا المحلل الذي جيء به للتحليل ليس بزوج؛ وإنما هو تيس استعير لضرابه. والنكاح المفهوم في عرف أهل الخطاب إنما هو نكاح الرغبة لا يعقلون عند الإطلاق إلا هذا، ولو أن الرجل قال لابنه: اذهب فانكح فصار محللًا؛ لعدّه أهل العرف غير ممتثلٍ لأمر أبيه، إنما يسمى ما دون هذا نكاحًا بالتقييد فيقال نكاح المحلل.

стр. 6501

واللَّه سبحانه قد قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يرد بكل ما يسمى نكاحًا مع الإطلاق أو التقييد بإجماع الأمة؛ فإن ذلك يدخل فيه نكاح ذوات المحارم، فلابد أن يراد به ما يفهم من لفظ النكاح عند الإطلاق في عرف المسلمين، ويقوي هذا أن التحريم قبل هذا النكاح ثابت بلا ريب ونكاح الرغبة رافع لهذا التحريم بالاتفاق، وأما نكاح المحلل فلا نعلمه مرادًا من هذا الخطاب، ولا هو مفهوم منه عند الإطلاق، فيبقى التحريم ثابتًا حتى يقوم الدليل على أنه نكاح مباح. واللَّه سبحانه أطلق النكاح في هذه الآية وفسره لسهولة المبين مراده بأن النكاح التام الذي يحصل فيه مقصود النكاح وهو الجماع المتضمن ذوق العسيلة، فعلم أنه لم يكتفِ بمجرد نكاح على التقييد؛ وإنما أراد ما هو النكاح المعروف الذي يفهم عند الإطلاق؛ وذلك إنما هو نكاح الرغبة المتضمن ذوق العسيلة، وهذا بَيِّنٌ إن شاء اللَّه تعالى. فإذا ثبت أن هذا ليس بنكاح ثبت أنه حرام؛ لأن الفرج حرام إلا بنكاح أو ملك يمين، وثبت أنها لا تحل للمطلق إذ اللَّه حرمه عليه حتى تنكح زوجًا غيره. اهـ (١) الوجه الثاني: الأمة التي تعايش القرآن تبين الفهم الصحيح للآية: إن أهل القرآن هم الذين نعتوا بهذا الفهم الدقيق الذي استنبطوه من كلام رب العالمين، وكذلك أجمعوا قاطبة على حرمة نكاح التحليل، وفي شرحهم لهذه الآية بينوا الفهم الصحيح لها. ونحن نذكر بعض أقوالهم ليكون ذلك حجةً وأوضح بيانًا. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، ثم قال: والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا المرأة قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع في التزويج. . . ثم قال: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحللها للأول فهذا هو المحلل الذي وردت فيه

стр. 6502

الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة. (١) وقال القنوجي: وفي الآية دليل على أنه لابد أن يكون ذلك نكاحًا شرعيًا مقصودًا لذاته لا نكاحًا غير مقصود لذاته؛ بل صلة للتحليل وذريعة إلى ردها للزوج الأول، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فعله وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع ولُعِنَ مَنْ اتخذه لذلك. (٢) وقال المراغي: والآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا ما كان زواجًا صحيحًا عن رغبة مقصودة لذاتها، فمن تزوج بامرأة بقصد إحلالها للزوج الأول كان زواجًا غيرَ صحيحٍ ولا تحل به المرأة للأول إذا طلقها، وهو معصية لعن الشارع فاعلها؛ وبهذا قال أحمد، ومالك، والثوري. (٣) وقال رشيد رضا: أفلا يعلم كل مسلم -وليعلم أيضًا غير المسلم- أن الآية صريحة في أن النكاح التي تحل به المطلقة ثلاثًا هو ما كان زواجًا صحيحًا عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوج بامرأة مطلقة ثلاثًا يقصد إحلالها للأول كان زواجه صوريًا غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول؛ بل هو معصية لَعَنَ الشارعُ فاعلَها، وهو لا يلعن من فعل فعلًا مشروعًا ولا مكروهًا؛ بل الشهور عند جمهور العلماء أن اللَّعنَ إنما يكون على كبائر المعاصي. (٤) الوجه الثالث: أن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ونكاح المحلل ليس بنكاح عند الإطلاق .

стр. 6503

فليس المحلل زوج؛ ذلك لأن النكاح في اللغة الجمع والضم على أتم الوجوه؛ فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعًا بالعقود فهو الجمع بينهما على وجه التمام واللزوم. والمحلل الذي لم يقصد شيئًا من ذلك لا يسمى ناكحًا، ويبين هذا أن الزوج المطلق في الخطاب إنما يعقل منه الرجل الذي يقصد مقامه ودوامه مع المرأة بحيث ترضى مصاهرته وتعتبر كفاءته، وهذا المحلل الذي جيء به للتحليل ليس بزوج؛ وإنما هو تيسٌ استعير لضِرابِه، والنكاح المفهوم في عرف أهل الخطاب إنما هو نكاح الرغبة لا يعقلون عند الإطلاق إلا هذا، ولو تزوج محللًا لعده أهل العرف نكاحًا بالتقييد؛ فيقال نكاح المحلل، وفرق بين ما يقتضيه مطلق اللفظ وما يقتضيه مع التقييد، واللَّه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولم يرد به كل ما يسمى نكاحًا مع الإطلاق أو التقييد بإجماع الأمة؛ فإن ذلك يدخل فيه نكاح ذوات المحارم، فلا بد أن يراد به ما يفهم من لفظ النكاح عند الإطلاق في عرف المسلمين، يقوي هذا أن التحريم قبل هذا النكاح ثابت بلا ريب، ونكاح الرغبة رافع لهذا التحريم بالاتفاق، وأما نكاح المحلل فلا نعلمه مرادًا من هذا الخطاب، ولا هو مفهوم منه عند الإطلاق، فيبقى التحريم ثابتًا حتى يقوم الدليل على أنه نكاح مباح، ومعلومٌ أنه لا يمكن أحدٌ أن يذكر نصًا يُحِلُّ مثل هذا النكاح ولم يثبت دخوله في اسم النكاح المطلق. (١) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يدل على أن للزوج الثاني أن يطلق وأن يقيم، والتحليل ليس فيه هذا، فدلت الآية على أن النكاح المراد في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ هو النكاح المطلق، وليس النكاح المقيد بالتحليل. قال ابن تيمية في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.

стр. 6504

يعني: فإن طلقها هذا الزوج الثاني الذي نكحته فلا جناح عليهما، وعلى المطلق الأول ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وحرف "إن" في لسان العرب: لِمَا يمكن وقوعه أو عدم وقوعه فأما ما يقع لازمًا فيقولون فيه: "فإذا"، فلما قال: فإن طلقها علم أن ذلك النكاح المتقدم نكاح يقع فيه الطلاق تارة ولا يقع أخرى، ونكاح المحلل يقع فيه الطلاق لازما أو غالبًا. (١) قال ابن القيم: في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: أي فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليهما وعلى الأول أن يرجع إليها بعقد جديد، فأتى بحرف "إن" الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم، والتحليل لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين بل يشرطون عليه أنه متى وطئها فهي طالق. (٢) الوجه الرابع: أن التحليل لو كان جائزًا لدعى إليه النبي ﷺ -: كان النبي ﷺ أرحم الناس بأمته وأحبهم لمياسر الأمور، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فكان أبعد الناس منه (٣)، وقد جاءت امرأة رفاعه القرظي مرةً بعده مرةٍ كما سيأتي -إن شاء اللَّه- وهو يرى من حرصها على العود إلى الزوج الأول ما يرق القلب لحالها ويوجب إعانتها على مراجعة الأول إن كانت ممكنة، ومعلوم أن التحليل إذا لم يكن حرامًا فلا يخص من يتزوجها فيبيبت عندها ليلة ثم يفارقها، ولو أنه من قد كان يستمتع -وقد كان- يمكن للنبي ﷺ أن يقول لبعض المسلمين حلل هذه لزوجها، فلما لم يأمر هو ولا أحد من خلفائه بشيء من ذلك مع مسيس الحاجة إليه علم أن هذا لا سبيل إليه، ومن تأمل هذا المسلك وعَلِمَ كثرة وقوع الطلاق على عهد النبي ﷺ وخلفائه وأنهم لم يأذنوا لأحد في تحليل - علم قطعًا أنه ليس من الدين؛ فإن المقتضى من الفعل إذا كان قائمًا وجب وجوده إلا أن يمنع منه

стр. 6505

مانع فلما لم يوجدْ تحليل مع قوة مقتضية - علم أن في الدين ما يمنع منه. (١) الوجه الخامس: كلام النبي ﷺ الثابت يحرم زواج التحليل ليؤكد على كلام القرآن الذي أنزل عليه . لقد أكدت السنة النبوية المطهرة حرمة زواج التحليل، وعدته من الكبائر، ووردت آثار كثيرة عن الصحابة تذم هذا الأمر وتعده من المحرمات، وهاك أيها المعترض بعض هذه الأحاديث لتزول شبهتك بإذن اللَّه تعالى: عن ابن مسعود ﵁ قال: "لعن رسول اللَّه المُحِلّلَ والمُحَلَّلَ له". (٢) وعن عقبة بن عامر ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: المحلل، لعن اللَّه المحلل والمحلل له". (٣) وعن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ قال: لا إلا نكاح رغبة؛ كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ". (٤) وعن قبيصة بن جابر الأسدي قال عمر بن الخطاب: لا أوتي بمحلل ولا بمحلله إلا رجمتهما. (٥)

стр. 6506

وعن عبد اللَّه بن شريك قال: سمعت ابن عمر يسأل عن رجل طلق بنت عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحلها له، فقال ابن عمر كلاهما زانٍ وإن مكثا كذا وكذا، ثم ذكر عشرين سنة أو نحو ذلك إذا كان اللَّه يعلم أنه يريد أن يحلها له. (١) وعن عبد الملك بن المغيرة قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، قال: ذَلِكَ السِّفَاحُ، لَوْ أَدْرَكَكُمْ عُمَرُ لَنَكَّلَكُمْ. (٢) الوجه السادس: النكاح في شرعنا مبني على الدوام والسكنى والمودة وزواج التحليل ليس فيه هذا فكيف يكون حلالًا ! حينما ننظر إلى الشرع الإسلامي نجد أنه قد بُنِيَ على ضوابط وأسس من أهمها: الدوام، والسكنى، والرغبة في العيش. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١)، وفي النكاح طلب الذرية والولد الصالح الذي يتربى في بيت إيماني تربية حسنة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤). قال ابن القيم: فإن اللَّه جعل النكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه فهذا زوج وهذا زوج، وهذا نكاح وهذا نكاح، ثم قال ذاك زوج راغب قاصدٌ للنكاح باذل للمهر ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح، والمحلل بريء من ذلك كله غير ملتزم لشيء منه، وكذلك المحلل الذي ليس له غرض إلا

стр. 6507

قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها، وذلك كله محرم. (١) كيف يكون حلالًا وقد أسماه الشرع بالمحلل لأنه أحل ما حرم اللَّه ورسوله: (٢) بعد أن بينا أن الشرع حرم نكاح التحليل ولذلك أطلق الشرع على من خالف وفعل هذه المعصية وسماه بالمحلل؛ لأنه أحل شيئًا حرمه اللَّه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فعلم أن المحلل اسم لمن قصد التحليل وجعلها حلالًا وحرامًا إما في ذاته أو في الاعتقاد، ثم إنه يقال للرجل أحل الشيء إذا أطلقه لمن يطيعه وحرمه إذا منع من يطيعه منه اهـ (٣). الوجه السابع: إجماع الصحابة على حرمة التحليل دليل على عدم جوازه . (٤) ذكرنا بعض الآثار المشهورة عن الصحابة الكرام ﵃؛ والتي تنكل على من أقدم على التحليل، وقد ثبت ذلك عن أكثر من واحد كما قال عمر ﵁ "لا أوتي بمحلل أو محلل له إلا رجمتهما"، والصحابة هم أفضل الناس بعد الأنبياء وهم أحرص الناس على اتباع تعاليم النبي ﷺ ، ولذا كان كلامهم موافقًا لكلام رسول اللَّه ﷺ في زجر هؤلاء الذين يقدمون على هذا العمل الذي حرمه اللَّه ورسوله ﷺ فدل ذلك على حرمة نكاح التحليل. (٥) الوجه الثامن: جمهور علمائنا على فساد نكاح التحليل الذي دخل فيه شرط التحليل . (٦)

стр. 6508

والسؤال كيف يحكم علماؤنا بهذا الحكم، أي على فساد نكاح التحليل والقرآن قد أحل نكاح التحليل؟ ما حَكَمَ علماؤنا بهذا الحكم إلا بعد علمهم القطعي أن القرآن قد حرم نكاح التحليل وأكد على ذلك النبي ﷺ ، ولذلك استقروا على هذا الحكم. لِيُعْلَمَ أن القرآن ما أحلَّ هذا النكاح. الرد على المحور الثاني: وفي المحور يدور حول ما زعموه أن القرآن أحل نكاح المحلل بدليل أنه أمره أن يطأها في فرجها كما في الآية ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وما ورد عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّه: "إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزّبِيرِ الْقُرَظِيَّ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلتكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلتهُ". (١) يعني الجماع. وقالوا أيضًا: إن فيه دعوة للمارسة الجنسية وسوء الأخلاق! ! والرد على هذا المحور من وجوه أيضًا: الوجه الأول: السنة تضع شروطًا للزواج الصحيح ولا تحلل نكاح التحليل. الوجه الثاني: زواج المرأة بالثاني كان عن رغبة وبدون قصد التحليل. الوجه الثالث: لو أن زواج التحليل كان مباحًا ما أتت هذه المرأة واستخبرت عن أمرها. الوجه الرابع: أمعاشرة الرجل لزوجته دعوة للجنس وسوء للأخلاق؟ ! ! وإليك التفصيل

стр. 6509

الوجه الأول: السنة تضع شروطًا للزواج الصحيح ولا تحلل نكاح التحليل . فقد بينت الآية أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين فإنها تحرم عليه حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح. (١) كما جاء في الحديث "حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ". فمن تزوجت برجل وطلقها ثلاثًا؛ ثم تزوجت بآخر عن رغبة في العشرة وبدون قصد التحليل، ثم كرهت معه العشرة أو مات عنها؛ فهل لها أن ترجع إلى الأول بعد طلاقها وانقضاء عدتها أم لا؟ نعم لها ذلك بشرط الجماع لقوله ﷺ "حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلتَكِ". قال ابن تيمية: فمن الدلالة أن النبي ﷺ بين مع إرادتها أن ترجع إلى الزوج الأول لا تحل له حتى يجامعها، فعلم أنه إذا جامعها حلت للأول، ولو كانت إرادتها تحليلًا مفسدًا للنكاح أو محرمًا للعود إلى الأول لم تحل له سواء جامعها أو لم يجامعها. (٢) الوجه الثاني: زواج المرأة بالثاني كان عن رغبة وبدون قصد التحليل . ليس هناك دليل يثبت أن نكاح المرأة للزوج الثاني قصده التحليل وإنما كان زواجًا عن رغبة، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: وأما حديث رفاعة فذاك كان قد تزوجها نكاحًا ثابتًا لم يكن قد تزوجها ليحلها للمطلِّق. (٣) الوجه الثالث: لو أن زواج التحليل كان مباحًا ما أتت هذه المرأة واستخبرت عن أمرها . هذه المرأة التي أتت النبي ﷺ تسأله عن أمرها خشية أن تقع في المحرم، وهنا نقول: لو أن نكاح التحليل مباحًا ما جاءت المرأة وسألت عن حالها، واكتفت بما فعلت ورجعت إلى الأول، ولكن لعلمها أنها قد تقع في شبهة التحليل، جاءت إلى النبي ﷺ تسأله. الوجه الرابع: أمعاشرة الرجل لزوجته دعوة للجنس وسوء للأخلاق ! إن هذا لشيء عجاب، أليست زوجة لهذا الرجل وله أن يمارس معها ما شاء بما أحل اللَّه؟ أأصبح جماع الرجل لزوجهِ ممارسة جنسية منكرة؟ ! وقد أحل اللَّه للزوجين

стр. 6510

الاستمتاع كل منهما بالآخر وهذه دعوة للعفة والطهارة ليسد الإسلام بهذا التشريع أبواب الحرام ويقطع أسبابه. الوجه الخامس: ماذا عن المرأة في الكتاب المقدس ؟ وأخيرًا أيهما أكرم للمرأة أن تتزوج بأول وتطلق منه، ثم تتزوج بآخر زواج رغبة ويعاشرها معاشرة الأزواج وبدون تحليل للأول، ثم لم يكتب لهما اللَّه الاستمرار في هذه الحياة أو مات عنها، ويجيز الشرع الحنيف أن ترجع إلى الزوج الأول إن ظنا أن يقيما حدود اللَّه -وفي الغالب يأبي كثير من الناس أن يتزوج بامرأة تزوجت مرتين- أم يُحكم بنجاستها ولا يجوز لها الرجوع؟ عندكم تقولون: إن هذه المرأة لا يجوز أن ترجع إلى الأول لأنها تنجست! ! أفي هذا تكريمٌ للمرأة وإعطاؤها حقها أم إطلاقُ ألفاظٍ مثل هذه عليها؟ أصارت المرأة نجسة بسبب زواجها الثاني؟ ! أي عقل سوي يقبل هذا الكلام؟ ففي سفر التثنية (٢٤/ ٤: ١): إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، ٢ وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، ٣ فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، ٤ لَا يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ. فَلَا تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا. * * *

стр. 6511

٢٠ - شبهة: نكاح المحارم . نص الشبهة: ١ - زعموا أن الإسلام أحل نكاح المحارم. ٢ - نقلوا في ذلك مذهب أبي حنيفة في إسقاط الحد على من تزوج إحدى المحارم. ٣ - نقلوا عن الشافعي جواز نكاح البنت من الزنى. وفهموا من هذا أن نكاح المحارم في الإسلام جائز! والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: القرآن والسنة يدلان على تحريم المحارم . الوجه الثاني: مسألة من نكح امرأة أبيه أو أحدى محارمه عالمًا عامدًا. الوجه الثالث: الحكمة من تحريم نكاح المحرمات. وإليك التفصيل الوجه الأول: القرآن والسنة يدلان على تحريم المحارم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ٢٢ - ٢٤). وواضح أن هذه الآية أرشدت إلى أن أنواع المحرمات حرمة مؤبدة ثلاثة: ١ - محرمات بالنسب. ٢ - محرمات بالرضاع. ٣ - محرمات بالمصاهرة. فأما المحرمات بالنسب فهن: ١ - الأمهات. ٢ - البنات. ٣ - الأخوات. ٤ - العمات.

стр. 6512

٥ - الخالات. ٦ - بنات الأخ. ٧ - بنات الأخت. وهؤلاء يحرم الزواج بهن على التأبيد، أي: لا يحل الزواج بهن بحال من الأحوال، ويدخل في الأمهات الجدات؛ وإن علون، كما يدخل في البنات بناتهن، وإن سفلن، وكذلك الأخوات سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، والعمات والخالات؛ وإن علين سواء كن من جهة الأب أم الأم. وأما المحرمات من الرضاع: فهن سبع أيضًا، كما هو الحال في النسب، لقوله ﵊: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". (١) والآية الكريمة لم تذكر من المحرمات بالرضاع سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع، ووضحت السنة النبوية ذلك بالتفصيل وبصريح العبارة كما في الحديث السابق. وأما المحرمات بسبب المصاهرة: فقد ذكرت الآية الكريمة منهن أربعًا، وهن كالتالي: ١ - زوجة الأب: لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ٢ - زوجة الابن. ٣ - أم الزوجة. ٤ - بنت الزوجة إذا دخل بأمها لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، والأصل في هذا أن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم للآية الكريمة: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وقد استنبط العلماء هذه القاعدة: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.

стр. 6513

وقد أشارت الآية الكريمة إلى من يحرمن حرمة مؤقتة، وذكرت نوعين: الجمع بين الأختين لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وألحقت السنة المطهرة الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها زيادة على الجمع بين الأختين، كما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". (١) قال محمد بن الحسن: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. زوجة الغير أو معتدته رعايةً لحق الزوج، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: المتزوجات من النساء، والمعتدة حكمها حكم المتزوجة ما دامت في العدة. (٢) فانظر أيها القارئ في هذه الآية وهي صريحة في التحريم، فكيف يقال إنها تدل على الحل كما زعم صاحب الشبهة؟ ! وهنا ضابط لا بد من معرفته للتفريق بين كلام اللَّه وكلام المفسرين، فإذا كان الكلام في كتب التفسير فلا يقال القرآن أحل كذا وكذا، إنما يقال: فلان يستنبط حِلَّ كذا وكذا من آية كذا، وهذا عندنا يعني أنه بشر يُقبل منه ويُردُّ عليه. أما القرآن فهو حق كله، ولذا فنحن نقول هذا تفسير للقرآن، ولا نقول هذا هو القرآن، بخلاف ما عليه النصارى مثلًا من كونهم يقولون ويكتبون -الكتاب المقدس أو العهد الجديد- وما هو إلا ترجمة من ترجماته؛ فإن كان الكاتب يتعامل مع المسلمين كما تعاملوا هم مع كتابهم فنقول له: لا، وليس الأمر كذلك، إنما هذا تفسير للقرآن قد يصيب قائله وقد يخطئ. ولقد اختار الكاتب مفسرًا نسب إليه هذا الكلام وهو الإمام القرطبي، فما الرأي لو قرأنا معًا شيئًا من كلام القرطبي لنتعلم معًا الأمانة في النقل والصدق في الحديث. قال ﵀:

стр. 6514

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فصار حرامًا في الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أووطئها بغير زواج حرمت على ابنه. . . ثم قال ﵀ بعد أن ذكر شيئًا من زواج العرب لحلائل الآباء: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ عقب بالذم البالغ التتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. . . (١) ثم قال: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ أي: نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم، فذكر اللَّه -تعالى- في هذه الآية ما يحل من النساء، وما يحرم كما ذكر تحريم حليلة الأب، فحرم اللَّه سبعًا من النسب وستًا من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة وهي الجمع بين المرأة وعمتها ونص عليه الإجماع، ثم سرد المحرمات على النحو السابق، ثم قال: قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن؟ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار، وقالت طائفة من السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى، قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: اللاتي بهن دخلتم، ثم قال: وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق في ذلك، وقالوا: لو وطئها بزنا أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها، وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، ثم قال: قوله تعالى:

стр. 6515

﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم فيه، وكذلك تحريم البنات والأخوات، ومن ذكر من المحرمات ثم قال أيضًا: أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء؛ كان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، فإن نكح أحدهما نكاحًا فاسدًا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح. ونقل عن ابن المنذر: إجماع علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده، وقال أيضًا: قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عطف على المحرمات والمذكورات قبل. (١) فهذه مقتطفات من كلام القرطبي ﵀ على الآية، وليس فيها ما يدل على جواز نكاح المحرمات كما زعم الزاعم، وبمثل ما قاله في هذه المسألة قال غيره من أهل العلم، ومن ذلك ما يلي: قال الطبرى: فكل هؤلاء اللواتي سماهن اللَّه -تعالى- وبَيَّنَ تحريمهن في هذه الآية محرمات، غير جائز نكاحهن لمن حرم اللَّه ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة، لا
следующие страницы →