٢٠ - شبهة: نكاح المحارم .
نص الشبهة:
١ - زعموا أن الإسلام أحل نكاح المحارم.
٢ - نقلوا في ذلك مذهب أبي حنيفة في إسقاط الحد على من تزوج إحدى المحارم.
٣ - نقلوا عن الشافعي جواز نكاح البنت من الزنى.
وفهموا من هذا أن نكاح المحارم في الإسلام جائز!
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: القرآن والسنة يدلان على تحريم المحارم .
الوجه الثاني: مسألة من نكح امرأة أبيه أو أحدى محارمه عالمًا عامدًا.
الوجه الثالث: الحكمة من تحريم نكاح المحرمات.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: القرآن والسنة يدلان على تحريم المحارم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ٢٢ - ٢٤).
وواضح أن هذه الآية أرشدت إلى أن أنواع المحرمات حرمة مؤبدة ثلاثة:
١ - محرمات بالنسب.
٢ - محرمات بالرضاع.
٣ - محرمات بالمصاهرة.
فأما المحرمات بالنسب فهن:
١ - الأمهات.
٢ - البنات.
٣ - الأخوات.
٤ - العمات.
стр. 6512
٥ - الخالات.
٦ - بنات الأخ.
٧ - بنات الأخت.
وهؤلاء يحرم الزواج بهن على التأبيد، أي: لا يحل الزواج بهن بحال من الأحوال، ويدخل في الأمهات الجدات؛ وإن علون، كما يدخل في البنات بناتهن، وإن سفلن، وكذلك الأخوات سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، والعمات والخالات؛ وإن علين سواء كن من جهة الأب أم الأم.
وأما المحرمات من الرضاع:
فهن سبع أيضًا، كما هو الحال في النسب، لقوله ﵊: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". (١)
والآية الكريمة لم تذكر من المحرمات بالرضاع سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع، ووضحت السنة النبوية ذلك بالتفصيل وبصريح العبارة كما في الحديث السابق.
وأما المحرمات بسبب المصاهرة:
فقد ذكرت الآية الكريمة منهن أربعًا، وهن كالتالي:
١ - زوجة الأب: لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
٢ - زوجة الابن.
٣ - أم الزوجة.
٤ - بنت الزوجة إذا دخل بأمها لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، والأصل في هذا أن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم للآية الكريمة: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾
وقد استنبط العلماء هذه القاعدة:
العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.
стр. 6513
وقد أشارت الآية الكريمة إلى من يحرمن حرمة مؤقتة، وذكرت نوعين:
الجمع بين الأختين لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وألحقت السنة المطهرة الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها زيادة على الجمع بين الأختين، كما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". (١)
قال محمد بن الحسن: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
زوجة الغير أو معتدته رعايةً لحق الزوج، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: المتزوجات من النساء، والمعتدة حكمها حكم المتزوجة ما دامت في العدة. (٢)
فانظر أيها القارئ في هذه الآية وهي صريحة في التحريم، فكيف يقال إنها تدل على الحل كما زعم صاحب الشبهة؟ ! وهنا ضابط لا بد من معرفته للتفريق بين كلام اللَّه وكلام المفسرين، فإذا كان الكلام في كتب التفسير فلا يقال القرآن أحل كذا وكذا، إنما يقال: فلان يستنبط حِلَّ كذا وكذا من آية كذا، وهذا عندنا يعني أنه بشر يُقبل منه ويُردُّ عليه.
أما القرآن فهو حق كله، ولذا فنحن نقول هذا تفسير للقرآن، ولا نقول هذا هو القرآن، بخلاف ما عليه النصارى مثلًا من كونهم يقولون ويكتبون -الكتاب المقدس أو العهد الجديد- وما هو إلا ترجمة من ترجماته؛ فإن كان الكاتب يتعامل مع المسلمين كما تعاملوا هم مع كتابهم فنقول له: لا، وليس الأمر كذلك، إنما هذا تفسير للقرآن قد يصيب قائله وقد يخطئ.
ولقد اختار الكاتب مفسرًا نسب إليه هذا الكلام وهو الإمام القرطبي، فما الرأي لو قرأنا معًا شيئًا من كلام القرطبي لنتعلم معًا الأمانة في النقل والصدق في الحديث.
قال ﵀:
стр. 6514
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فصار حرامًا في الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أووطئها بغير زواج حرمت على ابنه. . . ثم قال ﵀ بعد أن ذكر شيئًا من زواج العرب لحلائل الآباء: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ عقب بالذم البالغ التتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. . . (١)
ثم قال: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ أي: نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم، فذكر اللَّه -تعالى- في هذه الآية ما يحل من النساء، وما يحرم كما ذكر تحريم حليلة الأب، فحرم اللَّه سبعًا من النسب وستًا من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة وهي الجمع بين المرأة وعمتها ونص عليه الإجماع، ثم سرد المحرمات على النحو السابق، ثم قال: قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن؟ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار، وقالت طائفة من السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى، قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: اللاتي بهن دخلتم، ثم قال: وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق في ذلك، وقالوا: لو وطئها بزنا أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها، وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، ثم قال: قوله تعالى:
стр. 6515
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم فيه، وكذلك تحريم البنات والأخوات، ومن ذكر من المحرمات ثم قال أيضًا: أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء؛ كان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، فإن نكح أحدهما نكاحًا فاسدًا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح.
ونقل عن ابن المنذر: إجماع علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده، وقال أيضًا: قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عطف على المحرمات والمذكورات قبل. (١)
فهذه مقتطفات من كلام القرطبي ﵀ على الآية، وليس فيها ما يدل على جواز نكاح المحرمات كما زعم الزاعم، وبمثل ما قاله في هذه المسألة قال غيره من أهل العلم، ومن ذلك ما يلي:
قال الطبرى: فكل هؤلاء اللواتي سماهن اللَّه -تعالى- وبَيَّنَ تحريمهن في هذه الآية محرمات، غير جائز نكاحهن لمن حرم اللَّه ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة، لا
стр. 6516
اختلاف بينهم في ذلك إلا في أمهات نسائنا اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن. (١)، فها هو ذكر الإجماع على التحريم.
وقال ابن حزم: بعد ذكر هؤلاء المحرمات:
وكل هذا لا خلاف فيه بين أحد من المسلمين إلا الأمة وابنتها بملك اليمين، فإن قومًا أحلوهما. (٢)
وقال ابن كثير: يحرم تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. (٣)
وقال الشنقيطي: نهى اللَّه تعالى في هذه الآية عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب، هل هو العقد أو الوطء؟ لكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (الأحزاب: ٤٩)، فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه، وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه، وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعًا وإن لم يمسها. اهـ (٤)
الوجه الثاني: مسألة من نكح امرأة أبيه أو أحدى محارمه عالمًا عامدًا "
أولًا: عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: "لقيت عمي ومعه راية، فقلت له أين تريد؟ فقال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله" (٥)
стр. 6517
ثانيًا: إن صاحب الدعوى التي نصُّها: أن الإسلام أباح نكاح زوجة الأب لم يعتمد على قرآن ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول الجمهور، بل ولا قول أحد من أهل العلم أصلًا؛ لأنه كما سبق أجمع أهل العلم على تحريم ذلك، ولكن صاحب الدعوى يعتمد على عبارة جاءت في كتاب "الحدود من كتاب المحلى لابن حزم" وها هي:
وقال أبو حنيفة: لا حَدَّ على من تزوج أمه التي ولدته، وابنته، وأخته، وجدته، وعمته وخالته، وبنت أخيه، وبنت أخته عالمًا بقرابتهن منه عالمًا بتحريمهن عليه ووطئهن كلهن، فالولد لا حق به، والمهر واجب لهن عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط، وهو قول سفيان الثوري. اهـ (١)
هذه عبارة ابن حزم نقلًا عن أبي حنيفة، ولم ينقلها صاحب الشبهة بتمامها.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: إيرادها في كتاب الحدود يدد على إسقاط الحد بما يراه الإمام شبهة، وهذا ما اختلفت فيه الأنظار - لا على الحل والإباحة.
الوجه الثاني: أبو حنيفة مع غيره من العلماء يحرم ذلك كما سبق في نقلنا الإجماع.
الوجه الثالث: جميع العلماء على خلاف قوله في هذه المسألة -إسقاط الحد- حتى أصحابه ومقلدوه.
الوجه الرابع: لماذا انتقى صاحب الشبهة هذه العبارة من كتاب ابن حزم ليشنع بها وقد أوردها ابن حزم للرد عليها.
هذا بشكل إجمالي، وهذا هو الجواب بالتفصيل،
الوجه الأول:
إيرادها في كتاب الحدود يدل على أن المسألة في إقامة الحد على من أذنب ذنبًا كهذا، وأَنَّ أبا حنيفة يرى أَنَّ كونَه عقد عقدًا فهذه شبهة تسقط الحد فقط، لكن لا يدل على
стр. 6518
الإباحة عنده بدليل أنه قال في كلامه إعلامًا بتحريمهن: يعزر، فكيف يجمع بين قوله عالمًا بتحريمهن، وبين قول من يقول: إِنَّ أبا حنيفة يرى الإباحة.
ومما يدل على هذا عند ابن حزم نفسه؛ وأنه لا يعتقد أن أبا حنيفة يقول بهذا أنه لما أورد المسألة في كتاب النكاح لم ينقل هذا الخلاف عن أبي حنيفة ﵀ فقال: وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ زَوَاجُ امْرَأَةِ أَبِيهِ، وَلَا مَنْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَبُوهُ وَحَلَّتْ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، أَوْ التَّلَذُّذُ مِنْهَا بِزَوَاجٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَهُ تَمَلُّكُهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ زَوَاجُ امْرَأَةٍ، وَلَا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ حَلَّ لِوَلَدِهِ وَطْؤُهَا أَوْ التَّلَذُّذُ مِنْهَا بِزَوَاجٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَصْلًا. وَالْجَدُّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ عَلَا مِنْ قِبَلِ الأَبِ أَوْ الأُمِّ كَالأَبِ، وَلَا فَرْقَ. وَابْنُ الأَبْنِ، وَابْنُ الأَبْنَةِ وإِنْ سَفُلَا كَالابْنِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا فَرْقَ.
ثم قال: أَمَّا مَنْ عَقَدَ فِيهَا الرَّجُلُ زَوَاجًا فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا فِي الأَبَدِ عَلَى أَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ، وَعَلَى بَنِيهِ وَعَلَى مَنْ تَنَاسَلَ مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ أَبدًا. وَأَمَّا مَنْ حَلَّتْ لِلرَّجُلِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى مَنْ وَلَدَ، وَعَلَى مَنْ وَلَدَهُ وَفِيمَا لَمْ يَطَأْهَا خِلَافٌ. . . (١)
فانظر لما كانت المسألة في الحل والحرمة نقل إجماعًا على الحرمة، ولم يذكر خلافًا عن أبي حنيفة، ولا غيره.
ولما كانت المسألة في الحد نقل الخلاف السابق، وبهذا يظهر أن المسألة التي نقلها صاحب الشبهة غير المسألة التي يتكلم فيها أصلًا، وهذه في الحد وإسقاطه بالشبهة، وفيها الخلاف المذكور، وهذه في الحل والحرمة ولا خلاف فيها على الحرمة.
الوجه الثاني: أبو حنيفة نفسه يرى كغيره من العلماء حرمة هذا النكاح، وأنه زنا، ولم ينقل عنه خلاف في ذلك:
وبيان ذلك: أن المعهود في كتب الحنفية التي تذكر الخلاف في المذهب، والتي تذكر خلاف المذهب مع غيره من المذاهب أنها تنقل خلاف أبي حنيفة لصاحبيه، ولمن معهم في المذهب إن
стр. 6519
حدث ذلك، فهل ذكر خلاف في هذه المسألة عن أبي حنيفة في كتب الحنفية أو غيرها؟ !
وللإجابة على ذلك: نحتاج أن ننقل مسألة نكاح المحارم من كتب الحنفية لنقف سويًا على حقيقة الأمر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.
قال المرغيناني: لا يحل أن يتزوج بأمه، ولا بجدته من قبل الرجال أو النساء لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣)، والجدات أمهات إذ الأم هي الأصل لغة، أو ثبت حرمتهن بالإجماع، ولا ببنته لما تلوْنا، ولا ببنت ولده وإن سفلت للإجماع، ولا بأخته ولا ببنات أخته، ولا بعمته ولا بخالته لأن حرمتهن منصوص عليها في هذه الآية، وتدخل فيها العمات المتفرقات، وبنات الأخوات المتفرقات، وبنات الإخوة المتفرقين؛ لأن جهة الاسم عامة، ولا بأم امرأته التي دخل بابنتها أو لم يدخل. . . . إلخ. (١)
الوجه الثالث: إن جميع العلماء على خلاف قوله في مسألة إقامة الحد على من عقد على محرم، حتى تلاميذه وأتباع مذهبه سوى الثوري وزفر ومن ذلك ما يلي:
قال السرخسي: رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَدَخَلَ بِهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ أَوْ غَيْرَ عَالمٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ يُوجَعُ عُقُوبَةً إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَكُلِّ امْرَأَةٍ إذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
(وَحُجَّتُهُمَا) فِي ذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا زِنًى، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وَالْفَاحِشَةُ اسْمُ الزِّنَا، وَفِي
стр. 6520
حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ "مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ مَنْكُوحَةَ أَبِيهِ، وَأَمَرَني أَنْ أَقْتُلَهُ"، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَمَحَلُّ النِّكَاح هُوَ الْحِلُّ؛ لأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لمِلْكِ الْحِلِّ، فَالْمَحْرَمِيَّةُ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلْحِلِّ، وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ لَا تَحِلُّ لَهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَكَانَ لَغْوًا كَمَا يَلْغُوَا إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَى الذُّكُورِ وَالْبَيْعُ إلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَقْدَ المُنْعَقِدَ لَوْ ارْتَفَعَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَبْقَ شُبْهَةً مُسْقِطَةً لِلْحَدِّ، فَالَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا أَوْلَى. (١)
قال ابن نجيم: قوله "وَبِمُحرَّمٍ نَكْحُهَا" أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ امْرَأَةَ مَحْرَمٍ لَهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَيَلْغُو كَمَا إذَا أُضِيفَ إلَى الذُّكُورِ، ثم قال: قَدْ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ بِقَوْلِهِمَا قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ وَنَحْنُ نَأْخُذُ بِهِ أَيْضًا وَفِي الْخُلَاصَةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلهِمَا (٢).
وقال المرغيناني: وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَوَطِئَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَكِنْ يُوجَعُ عُقُوبَةً إذَا كَانَ عَلِمَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَيَلْغُو كَمَا إذَا أُضِيفَ إلَى الذُّكُورِ (٣).
وقال الجصاص: قال أبو حنيفة والثوري: لا يحد وإن علم عزر، وقال أبو يوسف ومحمد: يحد إذا علم بتحريمها عليه، وقال مالك: يحد ولا يلحق نسب الولد وإن لم تعلم هي ذلك، وإن كانت علمت وهو لم يعلم ألحقت به، وأقيم عليها الحد، وقال الحسن بن حي والشافعي: عليه الحد. (٤)
стр. 6521
ثم إن هذا المدعي لو أنه قرأ كلام ابن حزم كاملًا لأراح نفسه وأراحنا، ولذا فإني أسأله: إذا كنت تحتج علينا بنقل ابن حزم، فلماذا لا تأخذه كله؟ أم أنك تحتج علينا بما نقل عن أبي حنيفة في مسألة غير مسألتك التي تتحدث فيها، وقد ردها عليه علماء الإسلام، فماذا بقي لك؟
الوجه الرابع: لماذا انتقى صاحب الشبهة هذه العبارة من كتاب ابن حزم ليشنع بها وقد أوردها ابن حزم للرد عليها. وها هو شيء من كلام ابن حزم على هذه المسألة:
فقال: قالت طائفة: من تزوج أمه أو بنته أو حريمته، أو زنى بواحدة منهن فكل ذلك سواء وهو كله زنى، والزواج كله زواج. . . إذا كان عالمًا بالتحريم وعليه حد الزنى كاملًا، ولا يلحق الولد في العقد، وهو قول: الحسن، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ صاحبي أبي حنيفة، وقال أبو حنيفة: لا حدَّ عليه في ذلك كله، ولا حدَّ على من تزوج أمه التي ولدته وابنته وأخته وجدته وعمته وخالته وبنت أخيه وبنت أخته عالمًا بقرابتهن منه عالمًا بتحريمهن عليه ووطئهن كلهن فالولد لاحِقٌ به والمهر واجب عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط، وهو قول سفيان الثوري، فأما وطئهن بغير عقد نكاح فهو زنى عليه ما على الزاني من الحد.
وساق حجة أبي حنيفة وهي: أنه يفرق بين الزواج والزنى فلو قيل: زنى بأمه فعليه ما على الزاني، ولو قيل: تزوج أمه فالزواج غير الزنى فلا حد في ذلك؛ وإنما هو نكاح فاسد فحكمه حكم النكاح الفاسد من سقوط الحد وإلحاق الولد ووجوب المهر، وما نعلم لهم تمويهًا غير هذا، وهو كلام فاسد، واحتجاج فاسد، وعمل غير صالح.
وأما قوله: إن اسم الزنا غير اسم الزواج، فحق لا شك فيه إلا أن الزواج هو الذي أمر اللَّه به وأباحه، وهو الحلال الطيب والعمل المبارك، وأن كل عقد أو وطء لم يأمر اللَّه به ولا أباحه؛ بل نهى عنه فهو الباطل والحرام والمعصية والضلال، ومن سمى ذلك زواجًا فهو كاذبٌ آفكٌ متعدٍ، وليست التسمية في الشريعة إلينا ولا كرامة، إنما اللَّه تعالى قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (النجم: ٢٣).
стр. 6522
أما من سمى كل عقد فاسد ووطء فاسد وهو الزنى المحض زواجًا ليتوصل به إلى إباحة ما حرم اللَّه تعالى أو إلى إسقاط حدود اللَّه -تعالى-: فهو كمن سمي الخنزير كبشًا ليستحله بذلك الاسم، وكمن سمى الخمر نبيذًا أو طلاء ليستحلها بذلك الاسم، وكمن سمى البيعة والكنيسة مسجدًا، واليهودية إسلامًا، وهذا هو الانسلاخ من الإسلام ونقض عقد الشريعة، وليس في المحال أكثر من قول القائل: هذا نكاح فاسد وهذا ملك فاسد؛ لأن هذا كلام ينقض بعضه بعضًا، ولئن كان نكاحًا أو ملكًا فإنه لصحيح حلال؛ لأن اللَّه تعالى أحل الزواج والملك، وقال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المعارج: ٣٠).
فما كان زواجًا أو ملك يمين فهو حلال طلق ومباح طيب ولا ملامة فيه ولا مأثم، وكل ما كان فيه اللوم والإثم فليس زواجًا ولا ملكًا مباحًا للوطء، ولا كرامة بل هو العدوان والزنى المجرد، لا شيء إلا فراش أو عهر حرام، فإن وجد لنا يومًا ما أن نقول: نكاح فاسد، أو زواج فاسد، أو ملك فاسد، فإنما هو حكاية أقوال لهم وكلام على معانيهم كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ (الشورى: ٤٠).
ثم قال: فصح من هذا أن كل عقد لم يأمر اللَّه به؛ فمن عقده فهو باطل، وإن وطئ فيه؛ فإن كان عالمًا بالتحريم عالمًا بالسبب المحرم فهو زانٍ مطلق، ومن جهل التحريم في شيء من ذلك بأن لم تبلغه أو بتأويل لم تقم عليه الحجة في فساده؟ فهو معذور لا حد عليه، ومن قذفه فعليه الحد، كمن دخل بلدًا فتزوج من لا يعرفها فوجدها أمه أو ابنته، فهذا يلحق فيه الولد ولا يحد فيه حد بالإجماع وبهذا بطل قول أبي حنيفة المذكور.
ثم قال: فصح أن من وطئ من امرأة أبيه بعقد سماه نكاحًا أو بغير عقد كما جاءت ألفاظ الحديث المذكورة، فقتله واجب ولا بد، وتخميس ماله فرض، ويكون الباقي لورثته إن كان مسلمًا وللمسلمين إن كان ارتد.
стр. 6523
ثم قال: وأما نحن فلا يجوز أن نتعدى حدود اللَّه فيما وردت به فنقول: إن من وقع على امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد، أو عقد عليها باسم نكاح وإن لم يدخل بها، فإنه يقتل ولا بد محصنًا كان أو غير محصن ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها، وأما من وقع على غير امرأة أبيه من سائر ذوات محارمه، كأمه التي ولدته من زنى أو بعقد باسم نكاح فاسد مع أبيه، فهي أمه وليست امرأة أبيه، أو أخته، أو بنته، أو عمته، أو خالته، أو واحدة من ذوات محارمه بصهر أو رضاع فسواء كان ذلك بعقد أو بغير عقد، فهو زانٍ وعليه الحد فقط، وإن أحصن فعليه الجلد والرجم كسائر الأجنبيات لأنه زنا، وأما الجاهل في كل ذلك فلا شيء عليه. اهـ (١)
ثالثًا: الحكمة من تحريم نكاح المحرمات
لقد حرم الباري -جل وعلا- نكاح المحرمات سواء كانت القرابة عن طريق النسب أو الرضاع أو المصاهرة، وجعل هذه الحرمة مؤبدة لا تحل بحال من الأحوال، وذلك لحكم عظيمة جليلة نبينها بإيجاز فيما يلي:
أما تحريم النساء من النسب فإن اللَّه -جل ثناؤه- جعل بين الناس من الصلة ما يتراحمون بها ويتعاونون على جلب المنافع ودفع المضار، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة، ولما اقتضت طبيعة الوجود تكوين الأسرة، وكانت هذه الأسرة محتاجة إلى الاختلاط بين أفرادها بسبب هذه الصلة القوية (صلة النسب)، فلو أبيح الزواج من المحارم لتطلعت النفوس إليهن، وكان فيهن مطمع، والنفوس بطبعها مجبولة على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وعلى أخته، وتغار المرأة من بنتها على زوجها، وذلك يدعو إلى النزاع والخصام وتفكك الأسرة وحدوث القتل الذي يدمر الأسرة والمجتمع، ثم هذا الوليد يتكون جنينًا من دم الأم ثم يكون طفلًا يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصة من ثديها عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحبط أحدًا في الدنيا مثل أمه، أفليس من
стр. 6524
الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحبَّ العظيم بين الوالدين والأولاد حبُ الاستمتاع بالشهوة؛ فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة، ولأجل هذا كان تحريم الأمهات هو الأشد القدم في الآية، ويليه تحريم البنات، ثم الأخوات، ثم العمات والخالات إلخ.
وقد أودع اللَّه في الإنسان فطرة نقية تحجزه عن التفكير في محارمه فضلًا عن حب الاستمتاع بهن، ولولا ما عهد في الإنسان من الشذوذ والجناية على الفطرة، والعبث بها لكان للمرء أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات لأن هذا من قبيل المستحيلات في نظر الإنسان العاقل سليم الفطرة والتفكير.
ثم إن هنا حكمة جسدية حيوية عظيمة، وهي أن زواج الأقارب بعضهم ببعض يضعف النسل، فإذا تسلسلت واستمرت يستمر الضعف والنحافة حتى ينقرض النسل.
وأما المحرمات بالمصاهرة فإن اللَّه أكرم البشرية بهذه الرابطة الإنسانية، وامتن على الناس بقرابة الصهر التي تجمع بين النفوس المتباعدة المتنافرة بروابط الألفة والمحبة ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ (الفرقان: ٥٤).
فإذا تزوج الإنسان من عشيرة صار كأحد أفرادها؛ فينبغي أن تكون أم زوجته كأمه في الاحترام، وبنتها التي في حجره كبنته التي من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنته وهكذا، ومن القبح أن تكون البنت ضرة لأمها، والابن طامعًا في زوجة أبيه؛ فإن ذلك ينافي حكمة المصاهرة، ويكون سبب فساد العشيرة.
وأما المحرمات بالرضاع فإن الحكمة فيهن ظاهرة وهي: أن من رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءًا منها؛ لأنه تكون من لبنها، فصارت في هذا كأمه التي ولدته وصار أولادها إخوة له؛ لأن لتكوين أبدانهم أصلًا واحدًا هو ذلك اللبن، واللَّه أعلم. (١)
стр. 6525
قلت: فهذه بعض الحكم من هذا التحريم، وبالنظر في هذه الحكمة ترى أنها تدل على عظمة هذا الدين وعلى كمال هذه الشريعة.
كذلكم احتجوا بأن الإسلام أحل نكاح المحارم بأن الشافعي ﵀ أفتى بجواز نكاح الرجل ابنته من الزنا:
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حكم نكاح البنت من الزنا عند جمهور علماء المسلمين.
الوجه الثاني: هل نص الشافعي على ذلك في البنت من الصلب؟
الوجه الثالث: وإذا كان فما هي حجته ووجهة نظره، والرد عليها؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: حكم نكاح البنت من الزنى عند جمهور علماء المسلمين .
نكاح البنت من الزنا حرام عند جمهور العلماء والأدلة على ذلك فيما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾
قال ابن قدامة: وهذه بنته؛ فإنها أنثى مخلوقة من مائه، هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة. (١)
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزنى عليه بعموم قوله -تعالى- ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. (٢)
وقال ابن النجار: المحرمات في النكاح ضربان: ضرب على الأبد، وهن خمسة أقسام: قسم بالنسب، وهن سبعة. . .، وذكر منهن البنات، فقال: والبنات وبنات الولد وإِنْ سَفُلَ، ولو منفيات بلعان أو من زنا. . .
وقال البهوتي في الشرح: (وَالْبَنَاتُ) لِصُلْبٍ، (وَبَنَاتُ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَإِنْ سَفَلَ) وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، (وَلَوْ) كُنَّ (مَنْفِيَّاتٍ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْن عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَحْفَظَهَا حَتَّى تَضَعَ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، فَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهمْ.
وَالثاني: أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ، فَتَحْرُمْ عَلَى الْجَمِيعِ. . . فَإِنْ أَلْحَقَتْهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ، حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْبَاقِينَ، وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ مِمَّنْ وَطِئَ أُمَّهَا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى رَبِيبَتِهِ. (١)
٣ - ومن أدلة الجمهور على التحريم: ما ثبت في الصحيح أن اللَّه تعالى أنطق ابن الراعي الزاني عندما سأله جريج من أبوك؟ فقال: أبي فلان الراعي، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب. (٢)
٤ - القياس على تحريم الاستمناء باليد ، فإن الشافعي حرم ذلك.
قال ابن القيم: ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمنى الإنسان بيده ويقول هو نكاحٌ لِيَدِهِ، ويُجّوز للإنسان أن ينكح بعضه، ثم يُجّوز له أن يستفرش بعضه الذي خلقه اللَّه من مائه، وأخرجه من صلبه كما يستفرش الأجنبية (٣).
أجمعت الأمة على تحريم أمه عليه، وخلقُه من مائها وماء الزاني خلقٌ واحدٌ، وإثمهما فيه سواء، وكونه بعضًا له مثل كونه بعضًا لها. . . (٤)
٥ - ومن الأدلة للجمهور على هذا الحكم عدم ورود الإباحة للبنت من الزنا عن أحد من الصحابة والتابعين.
قال ابن تيمية: ولم يحل ذلك أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيره من العلماء مع كثرة اطلاعهم في ذلك نزاعًا بين السلف فأفتى أحمد ابن حنبل إن فَعَلَ ذلك قُتِلَ، فقيل له: إنه حكى فلانٌ في ذلك خلافًا عن مالك، فقال: يكذب فلان. (٥)
стр. 6528
وتحريم هذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، ومالك وجمهور أصحابه، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأنكروا أن يكون الشافعي نص على خلاف ذلك، وقالوا إنما نص علي بنته من الرضاع دون الزانية التي زنى بها واللَّه أعلم. (١)
كان عمر بن الخطاب ﵁ يُلِيط (٢) أولاد الجاهلية بمن ادَّعاهم في الإسلام، وهذا إذا لم يكن هناك فراش لأنهم في الجاهلية كانوا يسافحون ويناكحون، وأكثر نكاحاتهم على حكم الإسلام غير جائزة، وقد أمضاها رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء الإسلام أبطل به رسول اللَّه ﷺ حكم الزنى لتحريم اللَّه إياه، وقال: "للعاهر الحجر" (٣)، فنفى أن يلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك نقلًا عن نبيها ﷺ ، وجعل رسول اللَّه ﷺ كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقًا به على كل حال إلى أن ينفيه بلعان. (٤)
ثم قال أبو عمر: وقد ظُنَّ أنَّ عمرَ بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم سواء كان هناك فراش أم لا، وذلك جهل وغباوة وغفلة مفرطة، وإنما الذي كان عمر يقضى به أن يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم إذا لم يكن هناك فراش، وفيما ذكرنا من قول رسول اللَّه ﷺ الولد للفراش، وللعاهر الحجر ما يكفي ويغني، وإن كان مستحيلًا أن يظن به أحدٌ أنه خالف بحكمه حكم رسول اللَّه ﷺ في الولد للفراش وللعاهر الحجر - إلا جاهل، لا سيما مع استفاضة هذا الخبر عند الصحابة، ومن بعدهم. (٥)
٦ - ومن الأوجه الدالة على تحريم هذه المسألة:
стр. 6529
القياس على التحريم بلبن الفحل، والمعني: أن الرجل لو أرضعت زوجته بنتًا حرمت عليه؛ لأنه هو المتسبب في اللبن الذي أثر في جسمها، فكونها تحرم لأنها تكونت من مائه مباشرةً، فهذا أولى وهذا قياس جلي.
قال ابن القيم: وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزنى دلالة الأولى والأحرى؛ لأنه إذا حرم عليه أن ينكح من قد خُلق من نفس مائه بوطئه؟ وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطءُ الرجلِ سببًا فيه؟ ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائه؟ ! هذا من المستحيل، فإن البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائه أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه؛ فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة من مائه، فنصفها أو أكثرها بعضه قطعًا، والشطر الآخر للأم، وهذا قول جمهور المسلمين، ولا يعرف في الصحابة من أباحها، ونص الإمام أحمد على أن من تزوجها قتل بالسيف محصنًا كان أو غيره، وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتًا في حكمين فقط الحرمة والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم وتوجب حلها؛ فكذا بنته من الزنا تكون بنتًا في التحريم وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها، واللَّه -سبحانه- خاطب العرب بما تعقله في لغتها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله الشارع عن موضعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية.
وقد ثبت في الصحيح أن اللَّه تعالى أنطق ابن الراعي بقوله: أبي فلان الراعي، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب.
وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز نكاحها.
وقال ابن قدامة: ويحرم على الرجل نكاح ابنته من الزنا، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنا، وهو قول عامة الفقهاء.
стр. 6530
وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله لأنها أجنبية منه، ولا تنسب إليه شرعًا، ولا يجرى التوارث بينهما، ولا تعتق عليه، ولا تلزمه نفقتها فلم تحرم عليه كسائر المحرمات، ولنا قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وهذه بنته، فإنها أنثى مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ في امرأة هلال بن أمية: "انظروه -يعني ولدها- فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سمحاء" يعني الزاني، ولأنها مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة، فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة، ولأنها بضعة منه ما لم تحل له كبنته من النكاح، وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتًا، كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين. إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه مثل: أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره، ثم يحفظها حتى تضع، أو مثل: أن يشترك جماعة في وطء امرأة فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره، فإنها تحرم على جميعهم. . . (١)
قلت: فليت الناقل عن ابن قدامة قرأ كلامه كاملًا، ولو نظر بعين الإنصاف والبحث عن الحق لم يقل ما قاله.
وقال ابن قدامة: تحرم أبدًا الأم وكل جدة وإن علت، والبنت وبنت الابن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلت.
وقال ابن عثيمين وهو يشرح قوله: من حلال وحرام:
وبنت الزنا حرام خالص، فإذا زنى رجل بامرأة أو جامعها جماعًا في حكم الزنى مثل: أن يعقد عليها عقدًا باطلًا ويجامعها وهو يعلم أنه باطل، فهذا العقد صورة لا حقيقة، مثل أن يتزوج امرأة معتدة من غيره وهو يعلم أن ذلك حرام، ثم يجامعها وتأتي منه ببنت، فهذه بنت زنا؛ لأن وجود العقد هنا كعدمه، فهذه من حرام خالص فلا يتزوجها مع أنها لا تنسب إليه
стр. 6531
شرعًا ولا يرثها ولا ترثه؛ لأن قوة التحريم في النكاح لها نفوذ أكثر من الإرث والنسب. (١)
وقال الشنقيطي في أضواء البيان: وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١١).
فالإجماع على أنها لا ترث ولا تدخل في آيات المواريث دليل صريح على أنها أجنبية منه وليست بنتًا شرعًا، ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي أن يتزوجها بحال وذلك لأمرين:
الأول: أن كونها مخلوقة من مائه يجعلها شبيهة شبهًا صوريًا بابنته شرعًا، وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزعه عن تزويجها به.
الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيء سبب وجوده معصيته لخالقه -جل وعلا- فالندم على فعل الذنب الذي هو ركن من أركان التوبة لا يلائم التلذذ بما نشأ عن نفس الذنب. (٢)
وسئل ابن تيمية: هل تزوج بنت الزنا بأبيها ؟
فأجاب: الحمد للَّه - مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها وهو الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين - والمنقول عن أحمد أنه يقتل من فعل ذلك، والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا حجتهم في ذلك أنهم قالوا:
ليست هذه بنتًا في الشرع، بدليل أنهما لا يتوارثان، ولا يجب نفقتها، ولا يلي نكاحها ولا تعتق عليه بالملك ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتًا في الشرع لم تدخل آية التحريم فتبقى داخلة في قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
стр. 6532
وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قول اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وهو متناول لكل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقةً أو مجازًا، وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريم خاصة، وليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها.
وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
١ - أن آية التحريم تتناول: البنت، وبنت الابن، وبنت البنت، ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها من الآيات والنصوص التي تتعلق فيها الأحكام بالأنساب.
٢ - إن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة؛ فقد حرم اللَّه على المرأة أن تتزوج من طفل غذته من لبنها، أو تنكح أولاده. . . بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه، فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع، ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب سوى التحريم والحرمة، فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه، وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبن در بوطئه؟ ! فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب، ومن جهة التنبيه والفحوى وقياس الأولى.
٣ - أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾
قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (الأحزاب: ٣٧)، ومعلوم أنهم في الجاهلية يستلحقون ولد الزنى أعظم مما يستلحقون ولد المتبنى، فإذا كان اللَّه تعالى قيد ذلك بقوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ علم أن لفظ البنات يشتمل كل من كان في لغتهم داخلًا في هذا الاسم.
ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين لا على وجه القدح فيه ولا على وجه المتابعة له فيها، فإن في ذلك ضربًا من الطعن في الأئمة واتباع
стр. 6533
الأقوال الضعيفة، وبمثل ذلك صار يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد. واللَّه أعلم. (١)
الوجه الثاني: هل نص الشافعي ﵀ على هذا الحكم في البنت من الصلب ؟
والجواب على ذلك يظهر من إيراد الشافعي ﵀ لهذه المسألة حيث أوردها في المحرمات بالرضاع، ولم يشر إليها مجرد إشارة في الحديث عن المحرمات من النسب، ولم يستثنها من البنت المذكورة في كتاب اللَّه -تعالى-، وبعد قراءة نص كلامه ﵀ يظهر وجه المسألة إن شاء اللَّه -تعالى-، وهذه كلامه تحت عنوان:
الدليل الأول للشافعية: في لبن الرجل والمرأة قال: . . .
واللبن إذا كان من حمل ولا أحسبه يكون إلا من حمل، فاللبن للرجل وللمرأة، كما يكون الولد للرجل والمرأة، فانظر إلى المرأة، فإن كان لبنها نزل بولد من رجل؛ نُسِبَ ذلك الولد إلى والد لأن حمله من الرجل، فإن رضع به مولود فالمولود أو المرضع بذلك اللبن ابن الرجل الذي الابن ابنه من النسب، كما يثبت للمرأة، وكما يثبت الولد منها ومنه، . . .، وإن كان اللبن الذي أرضعت به المولود لبن ولد لا يثبت نسبه من الرجل الذي الحمل منه فأسقط اللبن فلا يكون المرضع ابن الذي الحمل منه إذا سقط النسب الذي هو أكثر منه سقط اللبن الذي أقيم مقام النسب في التحريم، فإن النبي ﷺ قال "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، فإن ولدت امرأة حملت من الزنا اعترف الذي زنا بها أو لم يعترف؛ فأرضعت مولودًا فهو ابنها، ولا يكون ابن الذي زنا بها، وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولد له من الزنا كما أكرهه للمولود من زنا، وإن نكح من بناته لم أفسخه لأنه ليس بابنه في حكم رسول اللَّه ﷺ ، فإن قال قائل: فهل من حجة فيما وصفت؟
стр. 6534
قيل لهم: قضى النبي ﷺ بابن أمة زمعة لزمعة، وأمر سودة أن تحتجب منه لما رأى من شبهه بعتبة فلم يرها، وقد قضى أنه أخوها حتى لقيت اللَّه . لأن ترك رؤيتها مباح وإن كان أخًا لها، وإنما منعني من فسخه أنه ليس بابنه إذا كان من زنا. (١)
قلت: وبعد النظر في كلام الشافعي يتبين الآتي:
١ - أن المسألة التي أوردها في الرضاع ليست في الصُّلب، ويتأيد هذا بما نقله ابن تيمية ﵀ عن بعض الشافعية من أنهم أنكروا أن يكون الشافعي قد صرح بذلك إلا في مسألة الرضاع (أي الناتج عن حمل من زنا).
٢ - ثم إنه قال: وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولد له من زنا كما أكرهه للمولود من زنا، وإن نكح من بناته لم أفسخه لأنه ليس بابنه في حكم رسول اللَّه ﷺ وفي هذه الفقرة ما يلي:
أ- أن قوله أكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولد له من زنا، ليس صريحا في أنهما بنته من الزنا، إنما قال بنات الذي ولد له أي بنات المرأة التي زنا بها، وهذا يمكن أن يراد به نجاتها غير هذه البنت، وهذا موضوع آخر يدخل في التحريم بالمصاهرة، وليس في التحريم بالنسب، وهو مبني على أنه: هل الزنا يقوم في التحريم مقام النكاح أم لا؟ والشافعي يرى أنه لا يقوم مقامه، وهذه هي نفس المسألة التي أوردها هناك في التحريم بالمصاهرة، فأوردها هنا في المحرمات بالرضاع على اعتبار أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ فإذا كان الزنا بالأم لا يحرم البنت، فالزنا بالأم من الرضاع لا يحرم بنتها من الرضاع من باب أولى وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي ﵀، وعلى هذا فإن كلام الشافعي يحتمل بنات المزني بها من غيره رضاعًا، ويحتمل بنتها منه، أو سياق كلامه وبقية كلام
стр. 6535
العلماء يؤيد الأول، فلماذا يحمل على الثاني من غير مرجع.
ب - كما أكرهه للمولود من زنا، وإن نكح من بناته لم أفسخه لأنه ليس بابنه في حكم رسول اللَّه ﷺ معناه أنه يكره للمولود من زنا أن ينكح البنات اللاتي رضعن بلبن الزاني المترتب على الزنا؛ لأنه ليس ابنًا له، وبالتالي فهن لسن أخوات له، ولذلك لا يفسخ، فأين التصريح في كلام الشافعي أن الزاني ينكح ابنته من الزنا؟ ! فالكلام في هذه الفقرة لا ذكر فيه للزاني، وإنما الضمير يعود في قوله: وإن نكح من بناته. . . إلخ يعود على المولود من الزنى لأنه أقرب مذكور وهو المولود من الزنى، ومما يؤكد هذا أنه وإن نكح من بناته، فهذا لا يمكن أن يكون المراد به الزاني نفسه لاحتمال أن يكون له بنات من غير الزنى، والكلمة عامة، فهل يقال: إن الشافعي يجيز للزاني أن ينكح بناته من غير الزنا! وهذا حينئذ من أعجب العجب، ومن خلال هذا الذي مَرَّ يتبين قوة نظر من قال من الشافعية إنه لم ينص على البنت الصلبية؛ إنما نص على البنت من الرضاع، أي من الزنا، على النحو الذي مَرَّ، هاذا كان هذا؛ فإن هذه المسألة ينبغي أن لا تنسب إلى الشافعي، وإنما تنسب إلى الشافعية القائلين بذلك، ومما يدل على هذا إنكار أحمد أن يكون في المسألة خلافٌ، وهو معاصره وتلميذ للشافعي.
وأما الحديث الذي استدل به الشافعي من أن النبي ﷺ قال في الغلام الذي ولد على فراش سودة وهو يشبه عتبة بن أبي وقاص: "هولك يا عبدُ بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ثم قال لسودة: "احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي اللَّه" (١).
فقد يستدل به على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبهة بالزاني، وصحح ذلك الحافظ في الفتح. (٢)
وقال ابن القيم: نص الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا، ولم يقل فقط
стр. 6536
إنه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه اللَّه ورسوله ﷺ ، وقد قال اللَّه -تعالى- عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣ - ٣١)، ثم قال ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وفي الصحيح "أن اللَّه كره لكم قيل، وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" (١)، فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام اللَّه ورسوله ﷺ ، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث؛ فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. اهـ. (٢)
وقال الألباني: ولهذا نقول لقد أخطأ من نسب إلى الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنى بحجة أنه صرح بكراهة ذلك، والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه، ثم
стр. 6537
نقل كلام ابن القيم السابق ذكره. (١)
ونحو ما سبق فيما نسب إلى الشافعي يقال فيما نسب إلى مالك، وهو أوضح.
قال ابن رشد: والرضاع يحرم بين المسلمين والمسلمات، الحرائر والإماء، الأحياء والأموات، من قبل الأم ومن قبل الفحل؛ إن كان الوطء حلالًا أو بوجه شبهة يلحق به الولد، واختلفوا إن كان الوطء حرامًا لا شبهة فيه كوطء الزنا، ومن تزوج من لا تحل له وهو عالم هل تقع الحرمة به من قبل الفحل أم لا؟ على قولين: فكان مالك ﵀ يرى أن كل وطء لا يلحق به الولد فلا يحرم بلبنه يريد من قبل فحله، ثم رجع إلى أنه يحرم، وإلى هذا ذهب سُحْنون، وقال: ما علمت من قال من أصحابه إنه لا يحرم إلا عبد الملك، وهو خطأ صراح، وقد أمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب من ولد ألحقه بأبيها لما رأى من شبهه بعتبة.
قال ابن المواز: إذا أرضعت بلبن الزنا صبيًا فهو لها ابن ولا يكون ابنًا للذي زنا بها، ولو كانت صبية فتزوجها الذي زنا بها لم أقض بفسخ نكاحه، وأحب إلى أن يتجنبه من غير تحريم، وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها. اهـ. (٢)
وبهذا يتبين ما يلي:
١ - أن هذه هي عين المسألة التي تكلم فيها الشافعي، والتي نسب إليه وإلى مالك فيها القول بإباحة نكاح البنت من الزنا.
٢ - أن المسألة في الرضاع وليس في البنت الصلبية كما مر بيانه.
٣ - أن الراجح أنها (البنت من الرضاع) تحرم عند مالك ﵀.
٤ - وبهذا يتبين بطلان نسبة هذا القول إلى الشافعي ومالك.
٥ - من هنا يتضح وجهة أحمد ﵀ في إنكاره أن في المسألة خلاف.
٦ - إن هذا الخلاف حدث بعد إجماع سبق، ولهذا فلا عبرة به كما يتضح ذلك من نقل ابن تيمية فيما مَرَّ.
стр. 6538
وقال ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في تفسير قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾:
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزنى عليه بعموم قوله تعالى:
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت فتدخل في العموم كما هو مذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١١)؛ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، واللَّه أعلم (١).
قلت: فهذا ابن كثير يؤخر قول الشافعي -مع أنه من أصحاب الشافعي- ويحكيه بصيغة التمريض (حكى) ولو كان كلام الشافعي في الأم في عين هذه المسألة لما خفي موضعه على ابن كثير، ولنسبه إليه بدلًا من قوله وحُكِيَ شيءٌ، واللَّه أعلم.
ومما يدل على هذا قول الشافعي نفسه في تعريف البنت المحرمة:
стр. 6539
والبنات بنات الرجل لصلبه وبنات بنيه، وإن سفلن فكلهن يلزمهن اسم البنات. (١)
وقول غيره في تعريفها (هي كل أنثى لك عليها ولادة) (٢)، ولم يذكر في هذا الموضوع نكاحًا أو سفاحًا، وصنيعهم هذا يدل على عدم اعتبار هذا القيد في هذا الموضوع. . . . حتى أيام الشافعي وأحمد، ﵏.
الوجه الثالث: حجة الشافعي ووجهة نظره، والرد عليها ؟
وعلى فرض أنه قال بهذا، وعلى أنه قول علماء الشافعية، فما هي حجتهم في ذلك؟ وهل نسلم لهم تلك الحجة، وما هي القاعدة في قبول ورد هذه الأقوال الاجتهادية في شريعة الإسلام؟ . . . وما هو البيان لذلك؟
استدل الشافعية على هذا الفرع بما يلي: (٣)
ليست هذه بنتًا في الشرع بدليل حديث وليدة سودة، وأن النبي ﷺ قال في وليدها هو لك يا عبد بن زمعة، واحتجبي منه يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة. . . (٤)
وأجيب عن هذا الدليل من قبل الجمهور من وجوه:
الوجه الأول: أن العموم في آية التحريم ليس كالعموم في آية الفرائض ونحوها وبيان ذلك ما يلي:
١ - إن آية التحريم تتناول البنت، وبنت الابن، وبنت البنت، كما يتناول لفظ العمة عمة الأب، والأم، والجدة، وكذلك بنت الأخت، ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض، ولا في نحوها من الآيات والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.
стр. 6540
٢ - إن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة كما قال النبي ﷺ "يحرم من الرضاعة ما يحرم النسب" (١)، وهذا حديث متفق على صحته، وعمل الأئمة به: فقد حرم اللَّه على المرأة أن تتزوج بطفل غذته بلبنها أو أن تنكح أولاده. . . بل حرم على الطفلة المرتضعة من اللبن أن تنكح الفحل صاحب اللبن، وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه، فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح ابنته من الرضاع، ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب سوى التحريم، وما يتبعه من الحرمة، فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه، وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبن در بوطئه؟ فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب، ومن جهة التنبيه والفحوى وقياس الأولى.
٣ - أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال: لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا، ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبني، فإذا كان اللَّه تعالى قيد ذلك بقوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ علم أن لفظ البنات، ونحوها يشمل كل من كان في لغتهم داخلًا في الاسم. (٢)
الوجه الثاني: أنه ﷺ قضى بالمولود لعبد بن زمعة لأن الفراش كان معلومًا فقضى بالظاهر ثم قال لسودة "احتجبي منه" فكأنه حكم بحكمين حكم ظاهر وهو الولد للفراش، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبهة، كأنه قال ليس بأخ لك يا سودة إلا في حكم اللَّه بالولد للفراش فاحتجبي منه لما رأى من شبهه لعتبة، قاله بعض أصحاب مالك وضارع في ذلك قول العراقيين، وأما الكوفيون فذهبوا إلى أن الزنا يحرم، وأن له في هذه القصة حكمًا باطنًا أوجب الحجاب، والحكم الظاهر لحاق ابن وليدة زمعة بالفراش. (٣)
стр. 6541
وقال ابن القيم: وأما أمر سودة بالاحتجاب منه، فإما أن يكون على سبيل الاحتياط والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البَيِّنُ بعتبة، وإما أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالًا للدليلين، فإن الفراش دليلُ لحقوقِ النسبِ، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي لقوته، وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه؛ فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة وغيرها؛ وقد يختلف بعض أحكام النسب عنه مع نبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة فلا ينكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلا محض الفقه. (١)
الوجه الثالث: ما نقله ابن عبد البر عن المزني:
أن النبي ﷺ أجاب عن المسألة، فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب الفراش وصاحب زنًى (يعني عند ذلك يكون الولد للفراش)؛ فهذا حكم خرج على المسألة ليعرفهم كيف الحكم في مثلها إذا نزل، ولذلك قال لسودة "احتجبي منه" لأنه حكم على المسألة، فلما لم يصح دعوى سعد لأخيه، ولا دعوى عبد بن زمعة، ولا أقرت سودة أنه ابن أبيها؛ فيكون أخاها؛ منعه من رؤيتها، وأمرها بالاحتجاب منه، ولو ثبت أنه أخوها ما أمرها بالاحتجاب منه لأنه ﷺ بُعِثَ بصلة الأرحام، وقال لعائشة في عمها من الرضاعة "إنه عمك فليلج عليك" (٢)، ويستحيل أن يأمر زوجة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة، ويأمر زوجة أخرى تحتجب من أخيها من أبيها (٣).
وقال الطبرى: معنى قوله "هو لك يا عبد بن زمعه" أي: هو لك عبدُ ملكٍ؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، وهذا أبطله ابن عبد البر (٤)، وابن
стр. 6542
القيم في زاد المعاد (١).
وقال الطحاوى: هو لك، يدك عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع بيدك عليه كل من سواك منه، كما قال في اللقطة: هي لك، فيدُكَ عليها تدفعُ غيرك عنها حتى يجيء صاحبها، ليس على أنها ملك له، قال: ولا يجوز أن يجعله ﷺ ابنًا لزمعة ثم يأمر أخته تحتجب منه هذا محال، لا يجوز أن يضاف إلى النبي ﷺ . (٢)
قال ابن القيم: فهذا الحكم النبوي أصل في ثبوت النسب بالفراش وفي أن الأمة تكون فراشًا بالوطء، وفي أن الشبه إذا عارض الفراش قدم، وفي أن أحكام النسب تتبعض فتثبت من وجه دون وجه آخر، وهو الذي يسميه الفقهاء حكما بين حكمين، وفي أن القافة (٣) حق وأنها من الشرع. (٤)
الدليل الثاني للشافعية: أنه لا يثبت في حقها الميراث:
وجوابه من قِبل الجمهور: أن النسب تتبعض أحكامه، فقد تثبت بعض أحكام النسب دون بعض، كما وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا يرثه، ومما يدل على أن النسب تتبعض أحكامه فيثبت بعضها دون بعض حديث ابن وليدة زمعة السابق، والذي استدلوا به على الجواز كما سبق حيث جعله النبي ﷺ أخاها في الميراث دون الحرمة. (٥)
الدليل الثالث: أنه لا تلزمه نفقة هذه البنت لأنها أجنبية عنه:
والجواب عن ذلك: أنه إذا كانت بنته من الرضاعة بنتًا في حكمين فقط الحرمة والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم وتوجب حلها، فكذا
стр. 6543
ابنته من الزنا تكون بنتًا في التحريم وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها. (١)
" الخلاصة في مسألة نكاح البنت من الزنى "
١ - المسألة فيها قولان لأهل السنة قول بالإباحة، وهو خطأ، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وقول بالحرمة؛ وهو قول الجمهور، وعلى هذا فأهل السنة هم الذين بينوا خطأ هذا القول الأول، فعلى كل حال لم يخرج الصواب عن قول أهل السنة.
٢ - الشافعي لم يصرح بإباحة نكاح البنت من الزنى في شيء من كتبه فيما أعلم، وممن ذكر ذلك ابن القيم وعنه الألباني.
٣ - لا يصح عن مالك أيضًا أنه قال بذلك.
٤ - لم يرد عن أحد من السلف قبل الشافعي أنه أباح هذا الأمر، ولذلك نفى أحمد ﵀ أن يكون في المسألة خلافٌ.
٥ - أن من قال بهذه المسألة له مأخذ، وإن كان ضعيفًا، فإن الذي بَيَّن ضعفه وخطَّأه هم أهل السنة أيضًا فلم يخرج الصواب عن قولهم. (٢)
٦ - إن مثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين لا على وجه القدح فيه ولا على وجه المتاهة له فيها فإن في ذلك ضربًا من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة. (٣)
ثالثًا: نكاح المحرمات في كتابهم وواقعهم
ونحن إن شاء اللَّه تعالى في هذه الجولة نقسمها إلى قسمين:
الأول: نصوص من كتابهم المقدس.
الثاني: إحصائيات من واقعهم المعاصر أقرتها الكنيسة.
стр. 6544
١ - نصوص من كتابهم المقدس:
بالنظر فيما سبق يتضح لنا أن العقد على المحارم يستوي مع عدمه، فالكل زنا يجب فيه الحد، ولذا فنحن لا نفرق بين العقد وعدمه، كذلك في النقل عن الكتاب المقدس؛ لأن الكل زنا، وإليك بعض هذه النصوص، ولكن قبل أن أسوق هذه النصوص أؤكد على أننا معشر المسلمين بريئون إلى اللَّه تعالى من هذه الاعتقادات السوء في حق أنبياء اللَّه -تعالى- ورسله، وما نقلت هذا القول إلا لزامًا على النصارى، وما ورد في كتابهم فهم يعترفون به، واعتقادنا في أنبياء اللَّه ليس هكذا، وهم عندي أطهر خلق اللَّه وأشرفهم، وأن اللَّه اصطفاهم من خيرة خلقه.
أولًا: قولهم في نبي اللَّه لوط ﵇:
في سفر التكوين (١٩ - ٢٩): وَحَدَثَ لَمَّا أَخْرَبَ اللَّهُ مُدُنَ الدَّائِرَةِ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرْسَلَ لُوطًا مِنْ وَسَطِ الانْقِلَابِ. حِينَ قَلَبَ المُدُنَ الَّتِي سَكَنَ فِيهَا لُوطٌ. ٣٠ وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. ٣١ وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. ٣٢ هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٣ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. ٣٤ وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٥ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، ٣٦ فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. ٣٧ فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، وَهُوَ أَبُو المُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. ٣٨ وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ.
"أَيْنَ الزَّانِيَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي عَيْنَايِمَ عَلَى الطَّرِيقِ؟ " فَقَالُوا: "لَمْ تَكُنْ ههُنَا زَانِيَة". ٢٢ فَرَجَعَ إِلَى يَهُوذَا وَقَالَ: "لَمْ أَجِدْهَا. وَأَهْلُ الْمَكَانِ أَيْضًا قَالُوا: لَمْ تَكُنْ هَهُنَا زَانِيَة". ٢٣ فَقَالَ يَهُوذَا: "لِتَأْخُذْ لِنَفْسِهَا، لِئَلَّا نَصِيرَ إِهَانَةً. إِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ هذَا الْجَدْيَ وَأَنْتَ لَمْ تَجِدْهَا".
٢٤ وَلَمَّا كَانَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أُخْبِرَ يَهُوذَا وَقِيلَ لَهُ: "قَدْ زَنَتْ ثَامَارُ كَنَّتُكَ، وَهَا هِيَ حُبْلَى أَيْضًا مِنَ الزِّنَا". فَقَالَ يَهُوذَا: "أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ". ٢٥ أَمَّا هِيَ فَلَمَّا أُخْرِجَتْ أَرْسَلَتْ إِلَى حَمِيهَا قَائِلَةً: "مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي هذِهِ لَهُ أَنَا حُبْلَى! " وَقَالَتْ: "حَقِّقْ لِمَنِ الْخَاتِمُ وَالْعِصَابَةُ وَالْعَصَا هذِهِ. ٢٦ فتَحَقَّقَهَا يَهُوذَا وَقَالَ: "هِيَ أَبَرُّ مِنِّي، لأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ ابْنِي". فَلَمْ يَعُدْ يَعْرِفُهَا أَيْضًا.
٢٧ وَفِي وَقْتِ وِلَادَتِهَا إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. ٢٨ وَكَانَ فِي وِلَادَتِهَا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَخْرَجَ يَدًا فَأَخَذَتِ الْقَابِلَةُ وَرَبَطَتْ عَلَى يَدِهِ قِرْمِزًا، قَائِلَةً: "هذَا خَرَجَ أَوَّلًا". ٢٩ وَلكِنْ حِينَ رَدَّ يَدَهُ، إِذَا أَخُوهُ قَدْ خَرَجَ. فَقَالَتْ: "لِمَاذَا اقْتَحَمْتَ؟ عَلَيْكَ اقْتِحَامٌ! ". فَدُعِيَ اسْمُهُ "فَارِصَ". ٣٠ وَبَعْدَ ذلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ الَّذِي عَلَى يَدِهِ الْقِرْمِزُ. فَدُعِيَ اسْمُهُ "زَارَحَ".
خامسًا: ثم إن هذا نبى اللَّه موسى وأخوه هارون أولاد حرام (زواج غير شرعي):
يقول سفر اللاويين (١٨: ١٢): عورة أخت أبيك لا تكشف. إنها قريبة أبيك. إلا أن عمرام أبو نبي اللَّه موسى قد تزوج عمته: ﴿الخروج ٦: ٢٠﴾: وأخذ عمرام يوكابد عمته زوجة له. فولدت له هارون وموسى. وكانت سنو حياة عمرام مئة وسبعا وثلاثين سنة.
مع الأخذ في الاعتبار أن النصارى لا يقرون النسخ في دينهم.
سادسًا: وهذا نبي اللَّه يعقوب يجمع بين الأختين:
فقد تزوج ليئة وراحيل الأختين وأنجب منهما - تكوين ٢٩: ٢٣ - ٣٠، بينما يحرم سفر اللاويين الجمع بين الأختين - اللاويين ١٨: ١٨.
سابعًا: وهذا نبي اللَّه إبراهيم يتزوج من أخته لأبيه:
ففي سفر التكوين (٢٠: ١٢): - تزوج إبراهيم ﵇ من سارة وهي أخته من أبيه هذا على الرغم من أن سفر اللاويين يحرم الزواج من الأخت لأب أو لأم.
стр. 6548
قلت: فماذا ترى في كتابهم المقدس عن أنبياء اللَّه من نكاح المحارم والزنا بهن، وإقرارهم على ذلك ونحن على كل حال نبرأ إلى اللَّه من هذا -ولكن ذكرناه لهم- ونذكر لهم أيضًا أنهم لا يقولون بالنسخ - فما هو موقفهم من تلك النصوص التي في كتابهم المقدس؟ !
ثم أنتقل بك أيها القارئ الى إحصائيات من هذا القبيل أقرتها الكنيسة ورضيت بها .
في السويد التي تعتبر قمة في الحضارة. . . حيث أعلى مستوى للمعيشة، فإن الدولة تدرس هناك قانونًا يبيح العلاقة الجنسية بين الأخ وأخته! ! نعم لقد انتهوا من إباحة الزنا، ثم إباحة اللواط. .، ثم إباحة الإجهاض. . .، وتوصلوا إلى احترام الأمهات العذارى كما يسمونهن! ! ويالها تسمية تناقض الواقع مناقضة تامة! ! وأخيرًا بعد كل هذا وصلوا إلى إباحة الزنا بالأخت. . وقريبًا سيصدر تشريع بإباحته مع البنت والأم! !
ولذلك؛ فإن السويد تتمتع بأعلى معدلات الانتحار في العالم، كما تتمتع بأعلى معدلات الطلاق، وهكذا السويد دائمًا سباقة في كل ميدان من ميادين التقدم! !
وقد نشرت صحيفة الهيرالدتريبيون في عددها الصادر ٢٩/ ٦/ ١٩٧٩ ملخصًا لأبحاث قام بها مجموعة من الأخصائيين من القضاة والأطباء الأمريكيين حول ظاهرة غريبة ابتدأت في الانتشار في المجتمع الأمريكي، وفي المجتمعات الغربية بصورة عامة، وهي ظاهرة نكاح المحارم، ويقول الباحثون: إن هذا الأمر لم يعد نادر الحدوث، وإنما هو منتشر لدرجة يصعب تصديقها فهناك عائلة من كل عشر عائلات أمريكية يمارس فيها الشذوذ، والأغرب من هذا أن الغالبية العظمى (٨٥%) من الذين يمارسون هذه العلاقات الشاذة مع بناتهم وأولادهم، أو بين الأخ وأخته، أو الابن وأمه؛ هم من العائلات المحترمة في المجتمع. . . والناجحة في أعمالها والتي لا تعاني من أي مرض نفسي، وليسوا من المجرمين ولا من العتاة، وإنما هم في الغالب من رجال الأعمال أو الفنيين الناجحين في أعمالهم وحياتهم. .
ويذكر التقرير أن حالة واحدة من بين عشرين حالة هي التي تصل إلى القضاء أو إلى الدوائر الطبية، ومعظم هذه الحالات هي حالات اعتداء من الأب على ابنته ولا يقتصر الاعتداء على الابنة البالغة، وإنما قد حصلت حالات كثيرة من اعتداء الأب على طفلته
стр. 6549
الصغيرة، وسجلت حالات من الاعتداء ابتداء من سن ثلاثة أشهر إلى سن البلوغ، وينتج عن ذلك الاعتداء أمراض تناسلية وتهتكات في الجهاز التناسلي للطفلة بالإضافة إلى الإصابات النفسية البالغة للطفلة، كما أن عدة حالات حمل قد سجلت نتيجة اعتداء الأب على ابنته، وفي كثير من هذه الحالات كانت العلاقة بين الأب وابنته تمتد إلى سنوات عديدة، أما العلاقة بين الأخ وأخته فيعتبرها الباحثون علاقة شاذة، ولكنها ليست بذات ضرر، وينبغي أن لا يهتم بها الوالدان إذا لاحظوها، بل يتركوها للزمن فهو كفيل بمعالجتها، ولا يعتبرون أن في ذلك أية إساءة، ويستحسن أن تترك بدون علاج.
وأما العلاج الوقائي فيقترحون: أن لا ينام الأطفال مع والديهم في نفس السرير، وكذلك ينبغي عزل الأولاد عن البنات كما أن على الوالدين أن يتجنبا العلاقات الجنسية أمام أطفالهم (وهذا شبه شائع في أمريكا وأوربا الآن) كما أن عليهما أن يمنعا عن الأطفال المناظر الجنسية المثيرة سواء كانت على هيئة أفلام أو مجلات أو قصص، ويحتار الباحثون في علاج الحالات الموجودة، فوصولها إلى القضاء يعني سجن الوالد وتحطيم الأسرة، ولكنهم يقترحون إبعاد الطفل المُعْتَدَي عليه إلى مصحة نفسية، وإذا كانت الفتاة بالغة تغير بيئتها وتخرج إلى ميدان العمل وتبتعد عن جو الأسرة، وهذا ما يحصل في الواقع في كثير من الحالات تلقائيًا، ولا تقتصر حوادث العدوان على الآباء، ولكن هناك حالات من اتصال الأم من ابنها جنسيًا، ويعتبر التقرير هذه الحالات أشدها خطرًا على حياة الأسرة، كما أن هناك حالات من اتصال الجد أو العم أو الخال بحفيدته أو ابنة أخيه أو ابنة أخته، يقف الباحثون أمام هذه الظاهرة قلقين لكن دون أن يدركوا العلاج الحقيقي! !
وأخيرًا نشرت التايم الأمريكية في عددها الصادر ١٤ إبريل سنة ١٩٨٠ تحت عنوان مهاجمة التابو (المحرم المقدس) الأخير attacking the last taboo وتحته مباشرة بعنوان فرعي: الباحثون يعملون لإباحة المحرمات، وإليك نص الترجمة:
стр. 6550
(يحب علماء الجنس أن يصدموا الجمهور من حين لآخر، ولكن يبدو أنه أصبح من العسير عليهم أن يفعلوا ذلك فقد تعودت الجماهير في الغرب أن تنظر إلى العلاقات الجنسية حتى الشاذة منها نظرة باردة، ولَكِنَّ الباحثين يعملون الآن بجد يساندهم في ذلك بعض الأكاديميين لإزاحة آخر صنم في المجال الجنسي وهو منع نكاح المحرمات من الأمهات والأخوات والبنات).
ويقول الباحث جون موني من جامعة جون هوبكتر وأحد أشهر الباحثين في الأمة الأمريكية: إن تجارب الطفل الجنسية مع أحد أقاربه الكبار أو غيرهم من البالغين لا يشكل بالضرورة ضررًا على حياة الطفل)، ويشكو الباحث وزميلته جيرترود وليامز في كتابهما (الأفعال الجنسية الضارة وإهمال الأطفال). . يشكو المؤلفان من أن الجمهور لا يزال يعتبر أي اتصال جنسي بالطفل مهما كان حميدًا؛ فإنه اتصال ضار ومحطم للطفل، ويواصل الباحثان فيقولان: (إن المجتمع يعتبر من يمارس الجنس مع المحرمات مثل الأمهات والأخوات والبنات وكأنه مارق على الدين في مجتمع متدين).
ويقولان: بينما قد استطاع المجتمع الأمريكي التغلب على مشكلة الدين؛ فلا ينظر إلى الإنسان بأنه مارق إذا خالف دين المجتمع، فإنه للأسف حتى الآن لم ينظر المجتمع بنفس التسامح لمن يقوم بنكاح أخته أو أمه أو ابنته.
ويقول الباحث واردل بومري بصراحة أكثر:
لقد آن الأوان بأن نعترف بأن نكاح المحرمات ليس شذوذًا ولا دليلًا على الاضطراب العقلي. . .، نعم في الواقع قد يكون نكاح المحرمات وخاصة الأطفال وذويهم أمرًا مفيدًا لكليهما! !
ويقول العالم الانثروبولجي سيمور باركر من جامعة يوتاوه بحذر:
(أنه من المشكوك فيه أن يكون الثمن الذي يدفعه من يقوم بنكاح المحرمات من الشعور بالذنب والجفوة بين أفراد الأسرة الواحدة أمر ضروري أو حتى مرغوب فيه، وعليه فينبغي إزاحة هذه الشعور بالذنب عندما يقوم شخص بنكاح ابنته أو أخته أو أمه: