← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

فبان بهذا أن منهم من أورده وبين ضعفه، ومنهم من أورده وبين أنه لا يدل على تبادل الزوجات ولا أراد ذلك عيينة. ومما يؤكد هذا الوجه ويدل عليه ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب فقال: فذكر سُنَيْدٌ حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء عيينة بن الحصن إلى النبي ﷺ وعنده عائشة فقال: من هذه وذلك قبل أن ينزل الحجاب قال: "هذه عائشة"، قال: أفلا أنزل لك عن أم البنين فتنكحها فغضبت عائشة وقالت: من هذا؟ فقال: رسول اللَّه ﷺ : "هذا أحمق مطاع" يعني في قومه. (١) فانظر قوله: (أفلا أنزل لك عن أم البنين فتنكحها) وهذا واضح في أنه يعرض عليه أن يطلق زوجته حتى تستوفي عدتها ثم يتزوجها النبي ﷺ ، ولا ذكر فيه البتة لتبادل الزوجات الذي يدعيه صاحب الشبهة. وهذا إسناد معلق ومرسل، ورواه الطبراني بنحوه موصولًا في الكبير، فقال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُطِيعٍ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن أَبِي غَنِيَّةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّ عُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ الْجَالِسَةُ إِلَى جَانِبِكَ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ)، قَالَ: أَفَلا أَنْزَلُ لَكَ عَنْ خَيْرٍ مِنْهَا؟ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : (لا)، قَالَ لَهُ النبي ﷺ : (اخْرُجْ فَاسْتَأْذِنْ)، قَالَ: إِنَّهَا يَمِينٌ عَلَيَّ أَنْ لا أَسْتَأْذِنَ عَلَى مُضَرِيٍّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَحِمَهَا اللَّه-: مَنْ هَذَا؟ قَالَ (هَذَا أَحْمَقُ مُتَّبَعٌ) " (٢). وبنحوه أخرجه أبو زيد بن شبة في تاريخ المدينة عن إسماعيل عن قيس عن جرير (٣). وأخرجه ابن سعد من طريق الواقدي عن عائشة في الجزء المتمم للطبقات (٤).

стр. 6582

وأورد نحوه الذهبي من طريق يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وقال مرسل، ويزيد متروك (١). ونحو ذلك ما جاء عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: عندي امرأتان أحسن من هذه الحميراء، أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ وعائشة جالسة -قبل أن يضرب الحجاب- فقالت: أهي أحسن أم أنت؟ فقال بل أنا أحسن منها وأكرم. فضحك النبي ﷺ لأنه كان دميمًا (٢). وهذا كله لا ذكر للمبادلة ولا لإباحتها فيه، وإنما عرض عليه أن يطلقها ليتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، فأين المبادلة؟ الوجه الرابع: في حال عيينة في هذا الوقت . قال ابن عبد البر: أسلم بعد الفتح، وقيل: قبل الفتح وشهد الفتح مسلمًا، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من الأعراب الجفاة (٣). قال ابن حجر: قال ابن السكن: له صحبة وكان من المؤلفة ولم يصح له رواية، أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنينًا والطائف، وبعثه النبي ﷺ لبني تميم فسبي بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ومال إلى طلحة فبايعه فأخذ أسيرًا وحمل إلى أبي بكر ﷺ فكان صبيان المدينة يقولون: يا عدو اللَّه، أكفرت بعد إيمانك؟ فيقول: ما آمنت باللَّه طرفة عين، ثم عاد إلى الإسلام فأطلقه أبو بكر، وكان فيه جفاء سكان البوادي. قال إبراهيم النخعي: جاء عيينة بن حصن إلى النبي ﷺ وعنده عائشة، فقال: من هذه وذلك قبل أن ينزل الحجاب، فقال: "هذه عائشة" فقال: ألا أنزل لك عن أم البنين، فغضبت عائشة

стр. 6583

وقالت: من هذا فقال النبي ﷺ : "هذا الأحمق المطاع" يعني في قومه، رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش عنه مرسلا ورجاله ثقات. وأخرجه الطبراني موصولا من وجه آخر عن جرير أن عيينة بن حصن دخل على النبي ﷺ فقال وعنده عائشة: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: "عائشة"، قال: أفلا أنزل لك عن خير منها يعني امرأته؟ فقال له النبي ﷺ : "اخرج فاستأذن"، فقال: إنها يمين على ألا أستأذن على مضري، فقالت عائشة: من هذا فذكره. . . . وذكر أبو حاتم السجستاني في كتاب الوصايا: أن حصن بن حذيفة وصى ولده عند موته وكانوا عشرة قال: وكان سبب موته أن كرز بن عامر العقيلي طعنه فاشتد مرضه فقال لهم: الموت أروح مما أنا فيه فأيكم يطيعني؟ قالوا: كلنا، فبدأ بالأكبر فقال: خذ سيفي هذا فضعه على صدري ثم اتكىء عليه حتى يخرج من ظهري، فقال: يا أبتاه هل يقتل الرجل أباه؟ فعرض ذلك عليهم واحدًا واحدًا فأبوا إلا عيينة، فقال له: يا أبت أليس لك فيما تأمرني به راحة وهوى ولك فيه مني طاعة؟ قال: بلى، قال: فمرني كيف أصنع، قال: ألق السيف يا بني فإني أردت أن أبلوكم فأعرف أطوعكم في حياتي فهو أطوع لي بعد موتي، فاذهب أنت سيد ولدي من بعدي ولك رياستي، فجمع بني بدر فأعلمهم ذلك، فقام عيينة بالرياسة بعد أبيه وقتل كرزًا. وهكذا ذكر الزبير في الموفقيات. وفي صحيح البخاري أن عيينة قال لابن أخيه الحر بن قيس: استأذن لي على عمر، فدخل عليه فقال: ما تعطي الجزل ولا تقسم بالعدل فغضب، وقال له الحر بن قيس: إن اللَّه يقول: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فتركه بهذا الحديث أو نحوه. وذكر ابن عبد البر أن عثمان تزوج بنته فدخل عليه عيينة يومًا فأغلط له فقال له عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه. وقال البخاري في التاريخ الصغير: حدثنا محمد بن العلاء، وقال المحاملي في أماليه: حدثنا هارون بن عبد اللَّه واللفظ له قالا: حدثنا عبد الرحمن بن حميد المحاربي، حدثنا

стр. 6584

حجاج بن دينار عن أبي عثمان عن محمد بن سيرين، عن عبيدة بن عمرو قال: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن إلى أبي بكر الصديق ﵁ فقالا: يا خليفة رسول اللَّه، إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة فإن رأيت أن تقطعناها، فأجابهما وكتب لهما، وأشهد القوم وعمر ليس فيهم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه فيه، فتناول الكتاب وتفل فيه ومحاه فتذمرا له وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، إن اللَّه قد أعز الإسلام، اذهبا فاجهدا علي جهدكما لا رعى اللَّه عليكما إن رعيتما، فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: ما ندري واللَّه أنت الخليفة أو عمر، فقال: لا، بل هو لو كان شاء، فجاء عمر وهو مغضب حتى وقف على أبي بكر، فقال: أخبرني عن هذا الذي أقطعتهما أرض هي لك خاصة أو للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة قال: فما حملك على أن تخص بها هذين، قال: استشرت الذين حولي فأشاروا علي بذلك، وقد قلت لك إنك أقوى على هذا مني فغلبتني. وقرأت في كتاب الأم للشافعي في باب من كتاب الزكاة: أن عمر قتل عيينة بن حصن على الردة ولم أرَ من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظا فلا يذكر عيينة في الصحابة، لكن يحتمل أن يكون أمر بقتله فبادر إلى الإسلام فترك فعاش إلى خلافة عثمان، واللَّه أعلم. الوجه الخامس: أنه لم يحدث أن طلب النبي ﷺ مثل هذا من أحد أصحابه، ولا عرضه عليه أحد ولا حدث بين أصحابه ﵃. وهذا هو الإسلام في القرن الخامس عشر ولم يقل أحد من أهل العلم بجواز ذلك، فكيف يحتج على الإسلام بفعل جماعة من السفهاء أو رواية لا تصح، وهي مع ذلك أُسيء فهمها لأنها علي فرض الصحة لا تدل على جواز مثل هذا في دين الإسلام. وأما قولهم بأن جماعة من المسلمين يبيحون تبادل الزوجات فهذا منتسب مجرم يعاقب علي إجرامه، ولا تنسب جريمته إلى الإسلام الذي حرم هذا وأوجب العقوبة عليه بأشد أنواع القتل؛ وهي الرجم؛ لأن هذا الفعل في ميزان الإسلام زنا وهذا الزاني محصن وحده الرجم حتى الموت.

стр. 6585

ثم انظر إلى ما عندكم من (المعاشرة الجنسية بين المجموعة)؛ وهو تبادل الزوجات، فالزوج يتنازل عن زوجته لآخر مقابل زوجة هذا الشخص مدة قد تصل إلى ليلة كاملة، وقد يكون هذا التبادل في حجرة واحدة بين الأربعة، ويكثر هذا التبادل في الحفلات الخاصة وفي بعض الأندية، والدولة تقر ذلك ولا تعارضه. وقد تقدم النقل عن كتابكم الذي تقدسونه وفيه من الإباحية ما يفسد الأخلاق وقد ذكرنا مواضع مما عندكم فلا داعي للتكرار. * * *

стр. 6586

٢٤ - شبهة: المستأجرة من الزنا . نص الشبهة: قالوا: إن استئجار المرأة للزنى جائز، وموطن ذلك عبارة نقلها من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة عن المذهب الحنفي قال: قالوا: إذ استأجر الرجل امرأة للزنى فقبلت ووطئها فلا يقام الحد عليهما. والجواب على ذلك كما يلى: ١ - هذا النقل مبتور ناقص لا يبين المراد. ٢ - لا خلاف بين علماء الإسلام أن استئجار المرأة للزنا حرام. ٣ - يرى أبو حنيفة إسقاط الحد في هذه الصورة لا لأن الاستئجار مباح، وإنما لأنه شبهه حيث ظن هذا الفاعل أن الإجارة أباحت له ذلك، فأسقط عنه الحد في الدنيا وأوجب التعزيز وذكر أن عليه إثم الزنا في الآخرة، وذلك لأجل مصلحة أخرى وهي الحفاظ على الدماء. ١ - مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة مذهب مرجوح عند أهل العلم والصواب ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة من وجوب إقامة الحد. ويستثنى من ذلك ما إذا ثبت فعلًا وبالقرائن القوية جهل هذا الرجل وهذه المرأة بهذا الحكم الشرعي كأن يكونا حديثي عهد بإسلام أو نشأ الرجل والمرأة ببلاد بعيدة ونحو ذلك. وإليك نص ما ذكره صاحب الفقه على المذاهب الأربعة لتعلم مد التدليس والإيهام في هذا النقل المبتور: قال مؤلف الكتاب ﵀: استئجار المرأة للزنا: الحنفية قالوا: إذ استأجر الرجل امرأة للزنا فقبلت ووطئها فلا يقام الحد عليهما ويعزران بما يرى الإمام وعليهما إثم الزنا يوم القيامة. (١)

стр. 6587

ثم ساق المؤلف الأمور التي من شأنها أن تدخل الشبهة على هذا الرجل وهذه المرأة في هذا الأمر قال المارودي: ١. لما روى أن امرأة طلبت من راعي غنم في الصحراء أن يسقيها لبنًا فأبى أن يسقيها لبنًا حتى تمكنه من نفسها ونظرًا لضرورتها وحاجتها إلى الطعام قبلت المرأة ووطئها الراعي ثم رفع الأمر إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ فدرأ الحد عنهما وقال ذاك مهرها وعد هذا استئجارًا لها. ٢. ولأن الإجارة تمليك المنافع ومنفعة البضع من المنافع فأوردت شبهة عندهم. ٣. ولأن اللَّه تعالى قد سمي المهر أجرًا في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فهو كمن قال: أمهرك كذا فهو نكاح فاسد. ٤. وسواء كان المؤجر لها وليها أم سيدها حرة كانت أو أمة إذا لم تكن في عصمة رجل. ٥. ولأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد عنه مع أنه يحرم الأقدام على ذلك. (١) الصاحبان (٢) قالا: يجب إقامة الحد عليهما لأن منافع البضع لا تملك بالإجارة فأصبح وجود الإجارة وعدمها سوًاء فلا تعد شبهة تدرأ الحد عنهما وصار الرجل كأنه وطئها من غير شرط وذلك الرأي هو الراجح المعمول به في المذاهب. (٣) المالكية والشافعية والحنابلة قالوا: يقام الحد عليهما ولا يصير الاستئجار شبهة تدرأ الحد عنهما لأن حد الإجارة لا يستباح به الفرج شرعًا ولا عرفًا فصار كما لو استأجرها للطبخ ونحوه ثم زنى بها فإنه يقام عليه الحد في هذا الحال من غير خلاف من العلماء. انتهى كلام الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة. (٤)

стр. 6588

وهو واضح وفيه خلاصة ما جاء في كتب الإسلام في هذه المسألة فإذا كان هذا المعترض يرتاد لنفسه دينًا يعبد اللَّه به فأنا أدعوه إلى الإنصاف والأمانة في النقل وادعوا اللَّه له بالهداية بل في الأمر أوضح وأكثر بيانًا أن مذهب الأحناف لا يجيز استئجار المرأة ومن ذلك: ١ - كره الحنفية استئجار المرأة للخدمة لأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها والوقوع في المعصية، ولأن الخلوة بها معصية. (١) ٢ - قال أبو حنيفة أكره أن يستأجر الرجل امرأة حرة يستخدمها ويخلوا بها وكذلك الأمة وهو قول أبي يوسف ومحمد أما الخلوة فلأن الخلوة بالمرأة -أي المرأة الأجنبية- معصية، وأما الاستخدام فلأنه لا يؤمن معه الإطلاع عليها والوقوع في المعصية. (٢) * * *

стр. 6589

٢٥ - شبهة: الطلاق . نص الشبهة: قالوا: إن الإسلام أباح الطلاق، وفيه استهانة بقدر المرأة، وفيه استهانة بقدسية الزواج، ثم لماذا يكون الطلاق بيد الرجل؟ وبيان بطلان هذا الكلام كما يلي: الوجه الأول: الإطار العام الذي يتم فيه الطلاق في الشريعة الإسلامية . الوجه الثاني: الرد على زعمهم أن الطلاق ظلم للمرأة، واعتداء على قدسية الزواج. الوجه الثالث: بيان أن فطرة الناس يلزمها الطلاق. الوجه الرابع: لماذا يكون الطلاق بيد الرجل وحده؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: الإطار العام الذي يتم فيه الطلاق في الشريعة الإسلامية. وبيان ذلك ما يلي: ١. حسن المعاشرة بين الزوجين هو الأصل لأن الإسلام هيأ النفوس إلى الزواج لا إلى الطلاق فجعل عقد الزواج أوثق العقود وأكرمها على اللَّه تعالى قال عز شأنه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: ٢١)، فهو أغلظ المواثيق على اللَّه تعالى، وجعل اللَّه تعالى الزواج من أعظم آياته في خلقه قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١)، فمن تمام رحمته تعالى ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة؛ وهي المحبة والرحمة والرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمته بها بأن يكون له منها ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما. (١) ولهذا فقد حث الشرع الحنيف كلًا من الزوجين على حسن المعاشرة والتسامح فيما بينهما، وحض على إمساك زوجته ومعاشرتها بالمعروف حتى لو كره منها صفة ما دامت لم تتجاوز بها ما لا يقره اللَّه تعالى قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ

стр. 6590

تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ (النساء: ١٩). فالأصل -إذن- في المعاشرة الزوجية أن يلزم كل من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف، ولا يمطله حقه، ولا يظهر الكراهة لقوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، والقرآن الكريم يقطع بأن المعاشرة تقوم على التماثل؛ والتماثل هنا في تأدية كل منهما ما عليه لصاحبه ببشاشة وطلاقة ولا يتبعه أذى ولا منة، لأن هذا من المعروف الذي أمر اللَّه به، ولقد ندب الشرع الحكيم إلى حسن الصحبة في المعاشرة، فأوجب أن يتوفق كل صاحب بصاحبه، ويحتمل ما يكون من جهته، ولقد أوصى الرسول ﷺ بذلك، وبدأ بالرجال فقال: "استوصوا بالنساء خيرًا" (١) وخلاصة القول: أن اللَّه تعالى في الشريعة الغراء أوجب المعاشرة بالمعروف؛ والمعروف هو ما يجب دينًا وخلقًا ومروءة من مثله لمثلها ومن مثلها لمثله على الذي ارتضاه أهل المروءة والنبل من كرام الناس، وفي كل الأحوال ندب للزوج أن يأخذ بحديث رسول اللَّه ﷺ "لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" (٢)، ويفهم من حديث رسول اللَّه ﷺ أن الرسول ﷺ يوصي بالصبر عليهن وهي الثانية. ٢. إن الشرع يأمر بالمعاشرة بالمعروف، فإذا صدر من المرأة ما يسوء الرجل فإن الشرع ندب إلى الصبر عليها وعلى ما لا يستقيم من أخلاقها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" (٣) وفي رواية "فدارها تعش بها". (٤)

стр. 6591

وقد مر الحديث: "لا يبغض مؤمنٌ مؤمنةً". وفيه النهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خلق من أخلاقها؛ فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها وإن كانت مشتملة على المحبوب والمكروه فلا ينبغي ترجيح مقتضى الكراهة على مقتضى المحبة. (١) ٣. حتى لو لم يستطع أن يصبر عليها وأحب فراقها لا يجوز له أن يضيق عليها لتتنازل عن حقوقها إلا إن أتت بفاحشة ظاهرة بالبيَّنة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ (النساء: ١٩)، والخطاب هنا للأزواج، وفيه نهي لهم عن التضييق على الزوجات ولو كانوا لهن كارهين ولفراقهن محبين، والعضل هو المنع، والتضييق وهو محرم على الزوج إلا أن تأتي الزوجة بفاحشة مبينة، وهي هنا كما قال عبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عباس رضوان اللَّه عليهم وكذا الضحاك وقتادة: البغض والنشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء. (٢) فالكتاب والسنة أمر الأزواج بحسن الصحبة والعشرة، وفي ذلك قال الطبري ﵀: فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن فيجعل اللَّه في إمساككم إياهن على كره منكم لهن خيرًا كثيرًا من ولد يرزقكم منهن أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن. (٣) ٤. ومع الأمر بالعشرة بالمعروف والصبر على الأذى والنهي عن العضل رفض التشريع الحكيم أن يعتاد المسلم الطلاق وسَمَّى الذين يفعلون من المسلمين بالذواقين والذواقات لأنهم يسعون للطلاق كي يتزوجوا من آخرين: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "لا تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ، إلا مِنْ رِيبَةٍ، فَإِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَات" (٤).

стр. 6592

قال العلماء: هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. (١) ٥. فإذا استمرت المرأة على السوء وعلى النشوز وجاء الرجل يسأل ماذا أفعل مع امرأتي؟ فقد نشزت عليّ أو ظهرت منها علامة نشوز: فهل قال له الشرع طلقها لتعلم النساء أن من نشزت فجزاؤها الطلاق؟ كلا لم يأمره ولم يدله على الطلاق في هذه المرحلة، وإنما دله على أمور وهي: ١ - الوعظ: قال تعالى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤). فالنشوز في الأصل هو الارتفاع، فالمرأة التي تخرج عن حقوق زوجها قد ترفعت عليه، وحاولت أن تكون فوقه، بل ترفعت أيضًا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل؛ فتكون كالناشز من الأرض التي خرجت عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يُقال: لِمَ ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟ أو لِمَ لَمْ يقل واللاتي ينشزن؟ ! لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة، وهي: أن اللَّه تعالى لما كان يجب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودةٍ وتراضٍ والتآم لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء إسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع؛ لأنه خروج عن الأصل الذي تقوم به الفطرة وتطيب به المعيشة. في هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة، وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من حسن السياسة لها وحسن التطلف في معاملتها حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يَؤُول إلى الترفع

стр. 6593

وعدم القيام بحقوق الزوجية؛ فعليه أولًا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها التخويف من اللَّه وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء، والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي. والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته (١). ٦. فإذا قام الزوج بالوعظ ولم تتأثر المرأة ولم تكُفْ. . . فلا يقول له الشرع طلق إنما دله على الهجر في المضجع: قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: ٣٤). والهجر ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها، ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصدّ (وقد جرت العادة بأن الاجتماع في المضجع يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول ما كان في نفوسهما من اضطراب أثارته الحوادث قبل ذلك)، فإذا هو فعل ذلك دعاها هذا إلى السؤال عن أسباب الهجر والهبوط بها من نَشَز المخالفة إلى مستوى الموافقة. (٢) ٧. فإن لم يفد الهجر فلا يسارع إلى الطلاقَ، بل له أن يجرب الضرب غير المبرح: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤): أي: غير المؤذي إيذاءً شديدًا كالضرب باليد أو بعصا صغيرة، وقد يستعظم البعض مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستعصمون أن تنشز هي وتترفع عليه، فتجعله وهو الرئيس مَرْءُوسًا محتقرًا، وتصرّ على نشوزها، فلا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، فإن كان ثقل عليهم ذلك، فليعلموا أن الإفرنج أنفسهم يضربون نساءهم العالمات المهذبات، بل فعل هذا حكماؤهم وعلماؤهم وملوكهم وأمراؤهم فهو ضرورة لا يستغنى عنها، ولا سيما في دين عام للبدو والحضر من جميع أصناف البشر، وكيف يُسْتَنْكَرُ هذا والإسلام والعقل يدعوان إليه إذا فسدت البيئة، وغلبت الأخلاق الفاسدة، ولم ير الرجل مناصًا منه، ولم ترجع المرأة عن نشوزها إلا به

стр. 6594

لكن إذا صلحت البيئة وصارت النساء يستجبن للنصيحة؛ أو يزدجرن بالهجر وجب الاستغناء عنه إذ نحن مأمورون بالرفق بالنساء، واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان. (١) والخلاصة: أن الضرب علاج مُرٌّ قد يستغنى عنه الخَيِّرُ الكريمُ، ولكنه لا يزول من البيوت إلا إذا عم التهذيب الرجالَ والنساءَ؟ وعرف كل ما له وما عليه من الحقوق، وكان للدين سلطان على النفوس تجعلها تراقب اللَّه في السر والعلن، فإذا أتى الضرب غير المبرح بثمرته المرجوة، وأطاعت المرأة زوجها، أو أطاعت بغيره من الوسيلتين السابقتين؛ فإن اللَّه يقول: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا، ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها، فابدؤا بما بدأ اللَّه به من الوعظ، فإن لم يُجْدِ فبالهجر، فإن لم يُفِدْ فبالضرب، ثم هدد وتوعد على الظلم والبغي على النساء، فقال في ختام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فَذَكَّرَ عباده بقدرته وكبريائه عليهم ليتعظوا ويخشوه في معاملتهن، فكأنه يقول لهم: إن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على نسائكم، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم، وإن تجاوزتم عن هفواتهن كرمًا تجاوز عنكم؛ وكفر عنكم سيئاتكم. (٢) ٨. فإذا لم يجد الضرب فهل يطلق ؟ والجواب لا. لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: ٣٥). وهذه فرجة جديدة لرأب الصدع، وإزالة الشقاق، وتفادِي الطلاق. وهذا الخطاب عام يدخل فيه الزوجان وأقاربُهما فإن قاموا بذلك فذاكَ، وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما.

стр. 6595

والخلاف بينهما قد يكون بنشوز المرأة، وقد يكون بظلم الرجل، فإن كان بالأول فعلاجه ما مر من المراحل الثلاث، وإن كان بالثاني أو عجز عن إنزالها عن نشوزها وخيف أن يحول الشقاق بينهما دون إقامتهما لأركان الزوجية الثلاثة: من السكون والمودة والرحمة وجب على الزوجين وذوي القربى أن يبعثوا الحكمين، وعليهم أن يوجهوا إرادتهم إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة وصحت العزيمة؛ فاللَّه كفيل بالتوفيق بفضله وجودة، وبهذا تعلم شدة عناية اللَّه تعالى بأحكام الأسر والبيوت وكيف لم يذكر مقابل التوفيق وهو التفريق لأنه يبغضه؛ ولأنه يود أن يُشعر المسلمين بأنه لا ينبغي أن يقع، ثم ذكر أن ما شرع من الأحكام جاء وفق الحكمة والمصلحة لأنه حكيم خبير بأحوال عباده فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. وفي الآية إرشاد إلى أن ما يقع بين الزوجين من خلاف وإن ظن أنه مستعص يتعذر علاجه قد يكون في الواقع على غير ذلك من أسباب عارضة يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين -لقربهما منهما- أن يمحصا ما علق من أسبابه بقلوبهما فيزيلاها متى حسنت النية وصحت العزيمة، ولتعلم أن الرابطة الزوجية أقوى الروابط التي تربط بين البشر فبها يشعر كل من الزوجين بشركة مادية ومعنوية بها يأخذ كل منهما شريكَةُ على أدق الأمور وأصغرها، فيحاسبه على فلتات اللسان، وبالظنة والوهم وخفايا حلجات القلب، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها! وأعسر التوقي منها وكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والعتاب إلى الكره والبغضاء، فعليك أن تكون حكيمًا في معاملة الزوجة خبيرًا بطباعها وبذا تحسن العشرة بينكما. اهـ (١) ٩. واستمرارًا لعلاج النشوز والشقاق قبل الوقوف على باب الطلاق يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: ١٢٨) والمعنى: إن توقعت من بعلها نشوزًا، أو إعراضًا، ترفعًا

стр. 6596

عليها بما لاح لها من مخايل ذلك وأماراته؛ بأن منعها نفسه، ونفقته، والمودة، والرحمة التي تكون بين الرجل والمرأة، أو آذاها بسب، أو ضرب، أو نحو ذلك، أو إعراضًا عنها بأن قلل من محادثتها ومؤانستها لبعض أسباب من طعن في سن أو دمامة أو شيء في الأخلاق أو الخلق، أو ملال، لها أو طموح إلى غيرها، أو غير ذلك. فالجواب: عليها أن تتثبت فيما تراه من علامات الإعراض فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها مسائل من مشاكل الحياة الدينية أو الدنيوية، وهي أسباب خارجية لا دخل له فيها ولا تعلق لها بكرامتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره وتصبر على ما لا تحب من ذلك. أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبة عنها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ أي فلا بأس بهما أن يصلحا بينهما صلحًا كأن تسمح له ببعض حقها عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته مكرمة، أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها كما جاء في قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ "وإنما يحل له ذلك إذا كان برضاها لاعتقادها أن في ذلك الخير لها بلا ظلم لها ولا إهانة. وقد روي أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكانت لها منه ولدٌ فقالت له: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي، وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إليّ، فأقرها على ما طلبت. "والصلح خير" من التسرع والفراق لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق وعروض الخلاف بين الزوجين وما يترتب عليه من نشوز وإعراض وسوء معاشرة من الأمور الطبيعية التي لا يمكن زوالها من البشر، وأجمل في الإسلام لمنعه هو المساواة بينهما في كل شيء إلا القيام برياسة الأسرة لأنه أقوى من المرأة بدنًا وعقلًا، وأقدر على الكسب، وعليه النفقة كما جاء في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، فيجب على الرجل أن

стр. 6597

يعاشرها بالمعروف، وأن يتحرى العدل بقدر المستطاع. (١) وهذا واضح في عدم التسرع في أخذ قرار الطلاق من جهة المرأة والرجل بأمر الشارع الحكيم نظرًا لأنه مبدئيًا ليس من الأمور المرغب فيها. وهذا كله تضييق في أمر الطلاق يبين لنا أن الأصل في الطلاق أنه يُكره لغير الحاجة - عند كثير من أهل العلم؛ وذلك لأنه عمل يهدم الصالح المترتبة على الزواج، وسبب لتشتت الأطفال، وسبب من أسباب القطيعة والوقيعة بين المسلمين، وسبب لتولد الضغائن بينهم ووقوع الشحناء، ولأنه عمل يسعد الشيطان كما تقدم ورب العزة يقول في كتابه الكريم ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: ١٢٨). فلذلك يكره لغير الحاجة أما إذا دعت الحاجة فَحُكْمُهُ بحسب الحاجة الداعية إليه. (٢) ومما يبين ذلك ما أخرجه مسلم عن جابر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ" (٣) أي: نعم الفعلة التي صنعتها؛ وهي التفريق بين المرء وزوجه وهذا مما يحبه إبليس أنه شكر له صنعه. (٤) ١٠. وبعد محاولات الصلح بين الزوجين، وبعد بعث الحكمين فإما أن تستقيم حياتهما فلا حاجة إلى الطلاق وهذا هو المطلوب، وإما أن تفشل عمليات الإصلاح ويستحكم الشقاق ويشتد النزاع بحيث يشعر كل من الزوجين أنه في سجن مع الآخر ويحتاج أن يحل قيده من هذا السجن وهنا نجد أن الطلاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك: فهو في اللغة الترك مطلقًا والتخلية من القيد سواء كان هذا القيد حسيًا كترك الناقة

стр. 6598

وإرسالها ترعى أو معنويًا كتطليق الزوجة وطلاق النساء لمعنيين: أحدهما: حل عقد النكاح، والآخر بمعنى: التخلية والإرسال. قال الجرجاني: الطلاق في اللغة: إزالة القيد والتخلية وفي الشرع إزالة ملك النكاح، والطلاق لفظ جاهلي جاء الشرع بتقريره، فهو ليس من خصائص الأمة الإسلامية، وإنما حلٌ شرعيٌّ لضرورة شرعية تقتضي حل لفظ النكاح بلفظ طلاق ونحوه. وقال الشيزاري: والطلاق والإطلاق ضد الحبس، وهو التخلية بعد اللزوم والإمساك. (١) وبهذا المعنى يفهم من وَصَلَ حالُه مع زوجته إلى ما ذكرنا أن الطلاق فرج وفرجة نحو الخير لكل من الزوجين طلبًا للغنى من عند اللَّه تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (النساء: ١٣٠). فالشريعة الإسلامية إذا كانت تحض الرجال على أن يُبقوا على زوجاتهم وألا يفصلوا ما بينهم وبينهن من روابط، فإنها في الوقت نفسه لا تغلق الباب في وجوههم إغلاقًا، ولا تلزمهم أن يبقوا على الزوجات وهم كارهون عاجزون عن عشرة طيبة وعن علاج ما يدب بينهم وبين زوجاتهم من سوء، وهي تحض النساء أيضًا على أن يسمعوا لأزواجهن، ويحاولن مرضاخهم بما وسعه جهدهن، وهي في الوقت نفسه لم تجبرهن على الخضوع البغيض، بل جعلت لإحداهن الحق في طلب الطلاق إذا رأت أنها لا تطيق الصبر على أذى زوجها وكيده لها وإذا كانت هناك زوجات مصدر للشقاء، فهناك أزواج لا ينبض قلب الواحد منهم بقطرة من الرحمة والمودة اللتين هما أساس الحياة الزوجية قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: ٢١). فإذا ما حل الخلاف والنفرة محل المودة والرحمة والمحبة انهارت أركان الزوجية، ولم

стр. 6599

يبق سوى اللجوء إلى الطلاق، وبهذا يتضح أمام الباحث المنصف الحكمة من وراء مشروعية الطلاق في الإسلام، وأنه من محاسنه ومزاياه؛ لأنه راعي واقع النفوس البشرية وطبيعتها وما يعتريها من تغير في كل الأزمان. (١) ١١. ومن خلال ما مر عليك أيها القارئ الكريم ترى أن من أقوى الأسباب الداعية إلى الطلاق حدوث الشقاق: وهناك سبب آخر يدعو إلى الطلاق؛ وهو العقم، فإذا كان الرجل عقيمًا انقطع عن النسل الذي هو من ضمن حكم وفضائل الزواج؛ والمرأة بفطرتها تهوى الأمومة فكيف يمكن تحصيلها مع زوج لا حظ له في الأبوة؟ ، وكيف يمكن الارتباط بغيره إلا بعد الانطلاق منه والانحلال من قيده؟ وهذا واضح إذا كان العقم في الرجل، أما إذا كان في المرأة، فقد يقال: يمسكها ويتزوج بأخرى لكن القوم يمنعون تعدد الزوجات، وقد لا ترضى المرأة فتقول لا أحيا مع رجل يتزوج بغيري، فقل لي بربك كيف يمكن لهذا الرجل أن يشبع رغبته في حنان الأبوة بغير الطلاق الذي يتيح له الزواج بأخرى ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار. (٢) ١٢. وبعد استحكام الشقاق واستحالة الوفاق ووجوب الطلاق في نظر كل من الزوجين: نرى أن الشارع الحكيم يفتح بابا جديدًا للتريث والتأني والإبقاء على الحياة الزوجية، فلعل الغضب يزول، ولعل الشقاق يُمحى لأي سبب من الأسباب، فإن الشدائد مثلًا تكشف عن معادن البشر؛ وكم من شدة يبدو بعدها خير كثير "وهذا الباب هو أنه نُهى عن إيقاع الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه: وسمي هذا الطلاق الواقع في الحيض أو في طهر جومعت فيه بدعيًا، وهذا فيه مراعاة

стр. 6600

لحق المرأة من وجه آخر حيث اتفق العلماء (١) على أن وقوع الطلاق في الحيض ضار بالمرأة لأن فيه تطويل العدة عليها، وفي ذلك إضرار بها. وأيضًا: فإن الطلاق أبيح للحاجة، ولذا وجب أن يكون في وقت كمال الرغبة في قربان الزوجة وزمان الحيض ليس كذلك، فلا يكون الطلاق فيه سنة، ولا يكون الإقدام لحاجة، فيكون مخالفًا للسنة ويكن سفهًا كذلك. (٢)، وأما أنه لا يطلقها في طهر جامعها فيه؛ فلربما تحمل منه، فيعدل عن الطلاق (٣). وعن عبد اللَّه بن عمر ﵁ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول اللَّه ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فقال رسول اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (٤). وهذه القصة أصل في باب الطلاق الموافق لما ورد في القرآن، وهو الذي يسمى طلاق السنة. قال ابن العربي: قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع سبعة شروط: أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرًا لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض (٥). وهذه الشروط السبعة مستقرآت من حديث ابن عمر، وقد بقي من شروط طلاق السنة: أن يطلقها وهي حامل، وهذه الصورة أيضًا ثابتة في حديث ابن عمر في بعض رواياته: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا (٦)، (٧)

стр. 6601

وبهذا يبدوا واضحًا الحفاظ على المرأة وعلى قدسية الزواج. ١٣. وهنا نجد أن اللَّه تعالى في شريعته الغراء منع من إيقاع الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه لما سبق بيانه ، لكنه أصر على الطلاق فبين له أنه حقه المشروع هو إنفاذ طلقة واحدة فإذا جمع الثلاث في مجلس واحد فقد تعدى حدود اللَّه وظلم نفسه ويكون آثمًا مستحقًا للعقاب. (١) فالشرع مع من أراد إلى النهاية، فيقول له في النهاية، إن كان لا بد من الطلاق فواحدة حتى لا تندم. وعن ابن عباس ﵁ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني عبد المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فحزن حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول اللَّه ﷺ "كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال في مجلس واحد؟ قال. نعم. قال: فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت، قال فراجعها" (٢). فكان الناس في عهد رسول اللَّه ﷺ يعملون بما أمر اللَّه به في كتابه فيطلقون طلقة واحدة يستقبلون بها عدة نساء، ولذلك غضب رسول اللَّه ﷺ لما بلغه أن رجلًا طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم حتى قام رجل وقال يا رسول اللَّه ألا أقتله" (٣). قال الشيخ أحمد شاكر: وأغلب الظن أن هذا الرجل هو ركانة بن عبد يزيد. (٤) ومن هنا تعلم أن الزواج يحافظ على عقد الزواج إلى أخر مرحلة فيشرع طلقة واحدة

стр. 6602

لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرًا. ١٤. فإذا حدث وزال الشقاق وانتهى النزاع وجد الزوج والزوجة فرصة للرجعة: فبعد أن شرع له طلقة واحدة شرع له الرجعة والعودة إلى زوجته ما دامت في العدة، أو بعقد جديد إذا انتهت العدة، وذلك لمرتين بعد الطلقة الأولى، بعد الثانية فتلك فترتان متكررتان لمراجعة الحساب وتقدير الظروف ومحاكمة الأمور وتعقل النتائج والآثار وهذا يحدث غالبًا. فكل من الزوجين يندم ويتنازل عن أمور ويقلع عن أخلاق ويرضى بالعيش في ظل حياة زوجية لا توفر له كل ما يرغب بالمقارنة مع حياة العزلة والانفراد والاتكال على الأهل الذين يضايقهم عادة تحمل أعباء جديدة من النفقة والخدمة وغيرها (١). وفي هذا فرصة لكل من الزوجين في المراجعة في العدة، أو العودة بعد انتهاء العدة ففي هذا تمام المراعاة لحق الرجل والمرأة معًا وفي تشريع العدة تمام التقديس لحق الزواج. ١٥. ونظرًا لأن بعض الأزواج قد يتعسف فما استخدام حق الرجعة ضد المرأة: فقد جعل الإسلام للطلاق حدًا لا يتعداه، فلم يتركه على ما كان عليه في الجاهلية حتى لا تبقى المرأة القوية في يد الرجل، كما أنه لم يجعله مرة واحدة تنقطع بها العلاقة الزوجية إلى غير رجعة لما يترتب على ذلك من بواعث الحسرة والألم حيث إن الطلاق كثيرًا ما يقع من الزوجين بناءً على تقدير سيء للواقع وعقله من عواقبه، ولكنه جعله ثلاث تطليقات وذلك لاعتبارين: الأول: عدم استرسال الرجل فيه، واعتياده عليه لأن النطق به مؤلم موجع القلب. الثاني: في تحديد الطلاق ردع للزوج وزجر له إذا وقع منه لعلمه أن الطلقة الثالثة هي التي لا مطمع بعدها إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره نكاحًا مؤبدًا، ثم لو حدث شقاق وطلقها جاز له أن ينكحها من جديد، ومن يدري أن هذا يكون؟ ، ولا شك أن هذا فيه من الألم ما هو معلوم، فظهر بهذا أن تحديد الطلاق بثلاث فيه مراعاة لمصلحة الرجل

стр. 6603

والمرأة. (١) ١٦. ومما يتعلق بذلك الرجل إذا علم أن المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجًا غيره ، فإنه يرتدع؛ لأنه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، ولا سيما إذا كان الزوج الآخر عدوًا أو مناظرًا للأول، وزيادة على ذلك: أن الذي يطلق زوجته ثم يشعر بالحاجة إليها فيرتجعها نادمًا على طلاقها، ثم يمقت عشرتها بعد ذلك، فيطلقها، ثم يبدوا له ويرجع عنده عدم الاستغناء عنها، فيرتجعها ثانية، فإنه يتم له بذلك اختبارها؛ لأن الطلاق الأول ربما جاء عن غير روية تامة ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى امرأته، ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك، لأنه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان منه أولًا، والشعور بأنه كان خطًا ولذا قلنا أن الاختبار يتم به، فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحًا لإمساكها على تسريحها، ويبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالاختبار التام مرجوحًا، فإن هو عاد وطلق ثالثة كان ناقص العقل والتأديب، فلا يستحق أن تجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء، ويرتجعها متى شاء هواه، بل يكون من الحكمة أن يتبين منه، ويخرج أمرها من يده لأنه علم بأنه لا ثقة بالتآمهما وإقامتهما حدود اللَّه تعالى. (٢) ففي هذا أيضًا ردع للرجال عن الطلاق عن طريق هذه الصورة التي يستبشعها الغيور الشهم إذا تدبر فيها، وما هي إلا صورة من صور الدفاع عن المرأة في شريعة الطلاق. الوجه الثاني: الرد على زعمهم أن الطلاق ظلم للمرأة واعتداء على قدسية الزواج . أما قولهم: إن في مشروعية الطلاق امتهان للمرأة كلام باطل: والصواب أن في الطلاق تكريم للمرأة، وإلا فما الكرامة مع رجل يسيء عشرتها، ولا يخجل أن يتخذ الأخدان بمرأى منها أو مسمع، أو يقتِّر عليها في الإنفاق، أو يقضي ليله على موائد القمار أو شرب الخمر، أو نحو ذلك. إن هذا هو أعظم امتهان يمكن أن تُمتهن به

стр. 6604

المرأة التي يؤذيها وجودها على ذمة هذا الزوج حتى لتتحول الحياة معه في نظرها إلى جحيم لا يطاق، وبهذا يتضح أن في مشروعية الطلاق تكريمًا للمرأة، وليس امتهانًا لها كما زعم أعداء الإسلام. (١) هذا ولقد طرحت مجلة اجتماعية أمريكية (٢) سؤالًا أمام قرائها عما إذا كانت الحياة العائلية في أمريكا تواجه المشكلات؟ فجاءت ٧٦% من الإجابات بـ "نعم"، وأعرب ٨٥% من القراء عن خيبة أملهم في حياة زوجية سعيدة، وطبقًا لما نشرته مجلة نيوزويك في مايو ١٩٧٨ م عن نتائج استطلاعها لآراء القراء حول الحياة العائلية الأمريكية فإن نصف الزيجات في الولايات المتحدة تنتهي إلى الطلاق ليعقد الزوج مرة أخرى ثم يحدث الطلاق. .، ويصف رونالد كيلي وهو مستشار قانوني لشئون الزواج في الولايات المتحدة هذا الوضع المأساوي قائلًا: من أكثر ما يثير الأسى في نفسي كمستشار لشئون الزواج هو أن هناك أفرادًا كثيرين متزوجين إلا أنهم يعيشون في بيوتهم كغرباء فيبدوا أنهم لا يشارك بعضهم بعضًا إلا في قليل فالكل ينطلق في طريقه أو طريقها، وهم لا يتوقفون إلا للحديث في مناسبات قليلة، وكثيرًا ما تكون هذه مناقشات حادة حول المال، أو تربية الأولاد، أو الجنس. والمرء يستغرب كيف اجتمع هؤلاء في أول الأمر؟ ! (٣) وهذا يبين مدى حاجة هذه البيوت إلى الطلاق ليغني اللَّه كلًا من سعته. ومما يظهر به تكريم المرأة في شريعة الطلاق طلاق المولي والإيلاء من المرأة: أن يحلف الرجل ألا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارا معصية، والحلف عليه حلف على ما لا يرضى اللَّه تعالى به لما فيه

стр. 6605

من ترك التوادّ والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، وحكم هذا المولي أنه يجب عليه أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال: حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيع له العدل هذا الهضم والظلم ولذلك أنزل اللَّه فيه هذا الحكم؛ وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه المدة هي التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده، ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. أي: صمموا وعزموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم، فإن اللَّه سميع عليم، أي: فليراقبوا اللَّه تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليمٌ بنيتهم فيه، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكئر من أربعة أشهر، فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين: الرجوع إلى المعاشرة الزوجية، أو الطلاق وعليه أن يراقب اللَّه تعالى فيما يختاره منها، فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل أي إنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرر وقيل ترفع أمرها للحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا لكن لا خلاف في أنها لا تبقى على عصمته وعدم إباحة مضرتها وقد فضل اللَّه الفيئة على الطلاق إذ جعل بعدها المغفرة والرحمة وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق (١). قلت: فأي ظلم يقع على المرأة أن تبقى مع رجل حلف أن لا يجامعها، أو تطلق منه ليثيبها اللَّه بغيره وهل هذا في الإسلام دفاع عن حق الرجل أو عن حق المرأة؟ ! ومن مظاهر التكريم للمرأة في هذه الشريعة: أنها تأخذ إذا طلقت قبل الدخول تعويضًا لها قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ (البقرة: ٢٣٦). لأن الطلاق قبل الدخول

стр. 6606

ربما أوهم عند بعض الناس أن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه منها شيء، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله أَيْ: لعذر يختص به لا من قِبَلِهَا، أي: لا لعلة فيها لأن اللَّه تعالى أمرنا أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة، فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس، فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر وهو آسف عليها معترف بفضلها، لا أنه رأى عيبًا فيها، أو رابه شيء من أمرها. ولما كان في الطلاق ظنونٌ تحوم حول المرأة أكثر ممن طلقت بعده، جعل بعض العلماء متعة المطلقة قبل الدخول واجبة على الرجل (١)، فما أكمل هذه الشريعة! وهذا الدين الذي يراعي حق الرجل؟ فيأذن له في الرجوع عما عزم عليه، أو حل ما دخل فيه من شركه، لكنها لا تنسى المرأة، فتعوضها في كل حال من الأحوال بما يناسبها. هل يعجبك ويسرك أيها المدافع عن عقد الزواج أن يكون العقد مستمرًا بين زوجين كل منهما له علاقة جنسية بغير زوجه، أم تذهب إلى ما تراه بعض المحاكم الأوربية من أن الطلاق لا يقع إلا بعد وقوع جريمة الزنا، فيضطرُ الزوجان إلى أحد أمرين: إما إلى أن يكذبا ويعترفا بالزنا ولم يزنيا، وإما أن تزني من أجل الحصول على الطلاق؛ فيكون طريق الخلاص في هذه المحاكم المتعصبة لما تراه هو الزنا: باللَّه ما هذا السفه والازدراء للآدمية والبشرية؟ ! إما أن يعيشا معًا وهي تزني، وإما أن تزني لكي يحصلا على الطلاق، وإما أن ينسبا الزنا من غير حدوثه لنفس الغاية، أليست الكرامة والستر في شريعة الطلاق خير من الإهانة والفضيحة في هذه التفاهات التي زعموا بها تقديس عقد الزواج؟ ! إن المرأة قد يصل بها الحال إلى طلب الطلاق، فيرفض الرجل:

стр. 6607

فتطلب منه أن تفدي نفسها بالمال وهو الخلع، فيرفض كذلك، وترى أن الضرر الواقع عليها لا يُحتمل دنيًا ودينًا، فترفع أمرها إلى القاضي، فإذا ثبت الضرر طلق القاضي: والسؤال: أين الظلم والاستهانة بالمرأة في مثل هذه الصورة؟ ! ومن خلال هذا ترى أن كل امرأة تستطيع شأنها شأن الرجل أن تنهي عقد الزواج؛ دون تعلل بأن المرأة التي تخلع نفسها تفقد حقوقها؛ على اعتبار أن الرجل الذي يطلق زوجته يفقد ما أنفقه عليها، كما يدفع كل التزاماته نحوها، بل ويفقدها هي نفسها، وعليها إذا شاءت إنهاء الزواج أن تتحمل نفس الأعباء التي يتحملها الرجل، أو مثلها على الأقل (١) وجوز الشرع الخلع دفعًا للضرر عن المرأة، والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا كره المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا كرهت الرجل. (٢) وقد حدث في صدر الإسلام فيما رواه ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ ، فقالت: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال النبي ﷺ "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت نعم، قال رسول اللَّه ﷺ "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، وفي لفظ ولكني لا أطيقه. وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عند ابن ماجه أن ثابت بن قيس كان دميمًا، وأن امرأته قالت: لولا مخافة اللَّه لبصقت في وجهه". ولأبي داود والترمذي وحسنه: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة. (٣)

стр. 6608

فإذا كرهت المرأة الرجل، وعلمت أنها لا تؤدي حق اللَّه في طاعته حين ذلك جاز لها الخلع على العوض، وذلك لأن بين الزوجين عقدًا بموجب النكاح الصحيح له شروطه كسائر العقود، فلما كان من أسباب انعقاده وشروطه أن يدفع الزوج لها مهرًا ويلتزم بحقها في الإنفاق عليها بالمعروف، فإن أبغضته ونفرت منه بحيث لا تستطيع إمضاء العقد إلى الأبد مع الخوف من الوقوع من المعصية من عدم طاعته؛ كان لها كطرف من طرفي العقد أن تطلب فضه، ولما كان في ذلك إضرار لاحق به، كان لا بد من تعويضه عن هذا الضرر اللاحق به، ولأنها عندما قبلت العقد كان ذلك القبول بعوض هو المهر والنفقة قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: ٢٢٩). فدل على مشروعية فض العقد بفداء، فإن لم يكن خوفٌ لم يجز لها أن تخلع. (١) وهنا أسأل هذا المجادل: أين الظلم للمرأة في فض وإنهاء عقد الزواج عن طريق الخلع؟ ، وأين الاعتداء على قدسية الزواج؟ ، وهل من قدسية الزواج أن تبقى مع شريعة تأمرك أن تبقى مع زوجة كلما رأتك بصقت في وجهك، أو تبحث عن شريعة تعطيك ما أنفقت تعويضًا لك، وتعطي المرأة حقها الشرعي والطبيعي والإنساني في البحث عن رجل تؤدي حق اللَّه فيه؟ إنها شريعة الإسلام فالحمد للَّه على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة. أما إذا لم تستطع الزوجة أن تحصل على الخلع ووقع الضرر عليها فرفعت أمرها للقاضي، فرق بينهما فما هذه الحال دفاعًا عن حق المرأة: وحالات التفريق هي: أ- التفريق للعيب: والعيوب الموجبة للتفريق: العِنَّة، والخصاء، والجب؛ أي: قطع الذكر. بشرط أن ترفع المرأة أمرها للقاضي مطالبة بهذا التفريق، فأي دفاع عن المرأة في أن ترفع أمرها إلى القاضي لأن زوجها لا يقدر على الجماع أبدًا فيرفض القاضي لأن ما يجمعه

стр. 6609

اللَّه لا يفرقه إنسان؟ ! ثم هب أن الزوج به جنون، أو برص، أو جذام، ولم تطق العيش، ولم يرض أن يطلقها ولم يوافق القاضي لأن الطلاق لا يجوز فماذا تفعل هذه المرأة؟ ! ب- التفريق لعدم الإنفاق: فهب أنها لا تجد طعاما، ولا شرابًا، ولا لباسًا، ولا سكنًا، عند هذا الزوج وأبى أن يطلقها ليغنيها اللَّه من سعته. فالقاضي يفرق بينهما لكن إذا امتنع حفاظا على قدسية الزواج المزعومة الممقوته فماذا تفعل؟ ! جـ - التفريق للإساءة الشديدة: وهذه أيضًا في مسار التفريق دفعٌ للضرر عن المرأة. د- التفريق للغياب الطويل وفقد الزوج إذا تضررت المرأة بذلك، ورفعت أمرها للقاضي، فهب أنها شابة ستنحرف، وعضها الفقر بنابه، وهي على ذمة رجل لا تعرف له أرضًا ولا سماءً، فرفعت أمرها إلى قاضي ممن يقولون بحرمة الطلاق إلا للزنا، هل تزني لتطلق فإذا طلقت لا يجوز لها أن تتزوج لأنها مطلقة أم تزني لتعيش؟ ، فإذا ثبتت عليها تهمة الزنا طُلقت نعوذ باللَّه من تقديس للزواج هذا مصيره. (١) أن يقال لهذا المعترض على خالقه وبارئه هل رأيت بعينكِ أو سمعت بأذنكِ أن شركة من الشركات اشترطت على من يدخلها من الأطراف أن لا يخرج منها إلا بالموتَ ؛ إن كان هذا فهو نهي عن الدخول فيها أصلًا: قال متى (٥ - ٣٢): إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي. وهذا يقضي على مؤسسة الزواج؛ وهي الأسرة قضاءً كاملًا، وإلا فهل تخيل الرب بعلمه الأزلي أن الزوجين المتنافرين المتصارعين سيكونان أسرة سعيدة رحمة على أطفالهما ولم يكن عندهما أطفال؟ فلماذا يصر الرب على إفساد باقي حياتهما وهل منع الرب المشاكل التي تحدث بين الزوجين وهل مكن الرب الحب في قلب كل زوج وزوجة على وجه الأرض حتى لا تحتاج أسرة إلى طلاق؟ (٢) أما تدبر هذا المتكلم قول اللَّه تعالى بعد ذكر آية الرجعة:

стр. 6610

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) (البقرة: ٢٢٨).

стр. 6611

وهي درجة الإصلاح، والتقويم، والرعاية، والحماية، كقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وليست قوامة تسلط، وتشفي، وانتقام، ولكنها قوامة رأفة، ورحمة، وأخذ باليد إلى طريق النجاة في الدارين. فهل يقال إن في هذا إعلاء للرجل وظلم؟ بل إعلاء للرجل لحماية المرأة ولرعايتها؟ أيها المدافع عن المرأة هب أن رجلًا تزوج امرأة، وله أم فقالت له زوجته: لا أعيش معك إلا إذا أخرجت أمك من البيت إلى أي مكان آخر - وهو لا يليق بها كأم- أفيطرد أمه ويسيء إليها بعد أن ربته وأحسنت إليه؟ ، أم يطلق زوجته؟ ، أم أنك لا ترى آلام امرأة؟ ! وكذا هب أن رجلًا تزوج امرأة فماتت، وله منها بنت فتزوج امرأة أخرى فقالت: لا أريد هذه البنت في البيت، ولا أريدك تصلها لأن ذلك يدل على أنك تحب أمها أو تطلقني، وهذه البنت فلذة كبدك وجزء منك، فماذا تصنع لو كنت هذا الرجل؟ ، هل تطلق لأجل البنت، والمرأة تتزوج بآخر يرزقها اللَّه به؟ أم ترمي بالبنت في الشارع لتكون عرضة لكل خبيث قبيح يتعدى عليها بكل وجه من أوجه الاعتداء؟ ، أم أن هذه البنت الآن ليست من النساء اللاتي تدافع عنهن أنت؟ ! أرجو منك أن تكيل بمكيال واحد لكل النساء، وأن تزن بميزان واحد للأم، والبنت، والزوجة، والأخت، . . . إلخ، . وأن تراعي مصالح الكل. إلا إذا كنت ممن يرون إلقاء الأم في دار المسنين، فهذا عار عليك، والبنت في دور الأيتام -فما مت بعد حتى تجعلها مع الأيتام- ولو تيتمت لكان خيرًا لها من العيش معك

стр. 6612

بهذا القلب المتحجر، وهذا العقل الضال، وهذا الفهم الخطأ، فالحمد للَّه على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة. الوجه الثالث: بيان أن فطرة الناس يلزمها الطلاق . الطلاق أمر موافق للفطرة ولذا تراه موجودًا عند جميع الأمم في كل العصور، ومن ذلك ما يلي: ١ - الطلاق عند قدماء المصريين: لم تكن هناك قيود على الطلاق عندهم، فقد كان للرجل أن يطلق زوجته متى شاء. ٢ - في بابل القديمة: أما في بابل القديمة، فنجد في قوانين حمورابي بعد أن قامت الروابط الزوجية على أسس غير مؤقتة؛ أن القانون يجعل للزوج الحق المطلق في الطلاق، أما بالنسبة للزوجة، فإنه قد جعل لها الحق في طلب الطلاق متى كان الخطأ من جانب الزوج، أما إذا طلبت الطلاق وكان الخطأ من جانبها، فإنها تعاقب بالموت لسوء عشرتها وجرأتها على طلب الطلاف. ٣ - أما في اليونان القديمة ، فللرجل أن يطلق زوجته متى شاء، ولأي سبب، وبدون أية إجراءات، ولم يكن يُصرَّح للمرأة إلا في عصر متأخر وهو العصر الكلاسيكي. ٤ - أما عند الرومان قبل عصر المسيحية ، فقد كان للرجل الحق أن يطلق زوجه بنفس الطريقة التي تم بها زواجه منها، فإذا كان الزواج قد تم في المعبد يتم الطلاق أيضًا في المعبد، وإذا كان الزواج تم عن طريق شراء الزوجة، فإن عليه أن يبيعها فيتم الطلاق، وكان لا يجوز للرجل الذي تزوج في المعبد في أول الأمر أن يطلق زوجته إلا إذا أثبت عليها جريمة الزنا، أو محاولة قتلة بالسم، وإذا ثبت عليها تزييف مفاتيح داره، ولكن عندما صدر قانون الألواح الاثنا عشر سنة ٤١١ ق. م أبيح للرجل حرية الطلاق حتى كثرت حالات الطلاق بطريقة جعلت المرأة تحسب عمرها بعدد مرات طلاقها وقد حدث الطلاق الكثير من القياصرة أمثال: يوليو قيصر، وأنطونيوس، وأغسطس، ولكنه قبل مجيء عيسى ﵇ بدأ تقييد عملية الطلاق، فأصبح من الضروري لإتمام عملية الطلاق

стр. 6613

حضور سبعة من الشهود ثم تعطي المرأة وثيقة الطلاق، ولم يكن الأمر قاصرًا على الطلاق بل كان للرجل أن يقتل امرأته على بعض الجرائم مثل جريمة السكر كما أنه لم يكن من حقها طلب الطلاق. . . إلخ. (١) وبهذا ترى أن الإسلام سبق إلى شريعة الطلاق لكنه سبق إلى توجيهها توجيهًا إصلاحيًا. ٥ - الطلاق عند العرب: أما عند العرب قبل الإسلام، فقد جاء الإسلام والطلاق من النظم الاجتماعية السائدة؛ بمعنى أن الإسلام لم يبدأ فيهم شريعة الطلاق كما قد يتوهم البعض، فقد ظهر الإسلام وحق الرجل في الطلاق حق مقرر يمارسه الناس دون حرج أو إنكار من أحد، ولكنه كان حقًا واسعًا مسرفًا في سعته، فكان للرجل أن يطلق زوجته أي عدد يشاء من المرات، وله أن يراجعها ما دامت في عدتها، وكثيرًا ما كان يستخدم هذا الأسلوب للإضرار بالزوجة؛ الأمر الذي اقتضى من الإسلام ضرورة تعديله، فقد أظهرت أحدى الحالات فساد وشناعة عدم وضع حد أقصى لعدد الطلقات التي يمارسها الرجل، ضرورة وضع هذا الحد، فقد هدد رجل زوجته في عهد الرسول ﷺ مستندًا على هذا الحق بأنه لا يؤويها ولا يرسلها أبدًا، فلما استفسرت منه عن الطريقة أخبرها أنه يطلقها حتى إذا قاربت إنهاء عدتها راجعها ثم يمضي في هذا العمل إلى غير ما نهاية، فاضطرت المرأة إلى رفع الأمر على هذه الصورة إلى النبي ﷺ للفصل فيه، وقد استبان للرسول الكريم من هذه الحالة خطورة هذا الحق على سعادة المرأة وراحتها، فقد دلت هذه الحالة على أن هذا الحق قد ينقلب على يد من لا خلاق لهم إلى أداة تعذيب للزوجة وإرهاقها، وأنه لا بد لإنقاذ المرأة من وضع حد لهذه السلطة الدكتاتورية، ومن هنا نزلت شريعة التحديد من الآيتين الكريمتين ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا

стр. 6614

فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وبهذا استل من يد الرجل هذا السلاح الرهيب الذي ييسر له إرهاق الزوجة، وتعذيبها، وابتزاز أموالها، إذا أرادت التخلص منه، فالإسلام لم يظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق، وإنما ظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق حدًا يقف عنده، ولا يهتم بما قد ينشأ عنه من عنت وإرهاق، فلم يحظر الطلاق؛ ولكنه حدده فجعل أقصاه ثلاث طلقات لا غير، وهذا في ضوء ما أمرنا إليه من آداب متعلقة في هذا الباب (١). ٦ - الطلاق في شريعة موسى ﵇ -: اعلم أيها المتكلم أن الطلاق كان موجودًا في شريعة موسى ﷺ ، فإن قلت إنه نسخ بما جاء في شريعة عيسى ﵇، فقد اعترفت بالنسخ وعندئذ فلا مانع من كون التحريم في شريعة عيسى ﵇ نسخ بشريعة محمد ﷺ ، وإن قلت لا نسخ كما تقول أنت وتعتقد، فيبقى الحال كما هو عليه في شريعة موسى ﵇ من إباحة الطلاق، ومما يدل على هذا ما جاء في العهد القديم سفر التثنية إصحاح (٢٤/ ١ - ٣): إذا أخذ الرجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينية لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجه لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتعود له زوجه بعد أن تنجست لأن ذلك رجس لدى الرب. فكما قلت إما أن تقر بالنسخ؛ فتكون قد اعترفت به، ولهذا تكون الشريعة المحمدية نسخت أشياء في الشريعة العيسوية ومنها الطلاق، وإما أن تنكر النسخ، فيكون الأمر على ما جاء في الشريعة الموسوية من إباحة الطلاق (٢). وكما هو واضح في النص السابق أن اللَّه شرع لهم الطلاق، وجعله في يد الزوج، ولا يحتاج الطلاق في اليهودية إلا إلى إثباته أمام القاضي، وللرجل مطلق الحق في تطليق زوجته

стр. 6615

إذا لم تحسن في عينه، وإن كانت اليهودية تقرر أن من الأفضل أن يكون الطلاق بعذر. يقول أ/ زكي علي السيد: بل أعطى الحق في الطلاق للأب تشاول اليهودي زوج ابنته لميكال، وكانت زوجة لداود، ووالد زوجة شمشون طلقها منه لغيابه فترة، ويقع الطلاق في شريعة التوراة بمجرد النية، فإذا نوى الرجل أن يطلق زوجته وجب عليه أن ينفذ ما نوى عليه فورًا، ومع ذلك فالطلاق في اليهودية لا يرغب فيه كما هو في الإسلام (فاحذروا لروحكم ولا يغدر أَحَدٌ بامرأة شبابه لأنه يكره الطلاق. (١) وأشنع ما في الطلاق في اليهودية، أن المرأة لا عدة عليها بعد الطلاق، ولذلك؛ فإنها قد تتزوج وتكون حاملًا ويأتي الولد لغير اسم أبيه الحقيقي. وقد جاء في سفر التكوين (٢ - ٢٤): لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وذلك النص ما بني عليه المسيحيون القول بأن ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان، وقد قال علماء اليهود في التلمود بأن هذا النص لا يناقض إباحة الطلاق، فليس معنى الجسد الواحد هو الرجل والمرأة بل المقصود نتاجهما وهو الطفل، وقد ظل الطلاق، معمولًا به في الشريعة اليهودية إلى أن قرر المجمع اليهودي في عهد الرومان تقييد حرية الرجل في الطلاق كما حصر حالات طلب المرأة للطلاق في سبعة أسباب لا يزال معمولًا بها إلى يومنا هذا ولم توضع هذه القيودُ في كتابهم المقدس، بل وضت في المجامع البشرية وهي: ١ - عدم القدرة على مضاجعة الزوجة. ٢ - تغير الدين. ٣ - إسراف الزوج. ٤ - الامتناع عن الإنفاق. ٥ - هروب الزوج من البلاد لجريمة ارتكبها.

стр. 6616

٦ - سوء معاملة الزوجة باستمرار. ٧ - إصابة الزوج بمرض خبيث أو ممارسته عملًا أو تجارة محرمة. (١) ٧ - الطلاق عند النصارى: والآن نصل معًا إلى النظر في شريعة النصارى في العهد الجديد وفي القانون لديهم؛ لنرى هل استطاع القوم الإبقاء على تحريم وضع الطلاق؟ أم أن هذا أمر لا يطاق؟ وبدايةً: ١ - اعلم أن الذين نتكلم بلسانهم كانوا يحرمون الطلاق تحريمًا قطعيًا نهائيًا، وكانوا يعيبون على الإسلام أنه يبيح الطلاق، ولكنهم بعد أن وجدوا أنفسهم محرجين غاية الإحراج أمام مجتمعاتهم، وأن الكنيسة الغربية أفلست في هذا المضمار، ووجدوا أن الناس هناك قد ضربوا بقدسية الزواج عرض الحائط، وصار كل رجل وكل امرأة تحت ظل بيت الزوجية يوهم نفسه أنه زوج، أو توهم نفسها أنها زوجة؛ ثم ينطلق كل واحد منهما لإشباع رغباته وشهواته مع الأصدقاء، والأخلاء، والصديقات، والخليلات على غير رضا اللَّه ، وشاعت الفواحش، وما تزال شائعة حتى الآن، فوجدوا أنفسهم مجبرين أن يبيحوا الطلاق، فأباحوه، ولكن أباحوه على غير نظام، ولا اتزان، وبكل تعسف؛ إلى أن رأينا ما نرى، وسمعنا ما نسمع من نسب الطلاق المرتفعة جدًا في الغرب؛ بسبب أنهم لا يتبعون هدى اللَّه، وإنما يتبعون أهواءهم وما تزينه لهم عقولهم، فهذا حال من نتكلم بلسانهم وندافع عنهم، وإلا فاعلم أن في المنع من الطلاق إهانة للمرأة وللرجل وللبشرية كافة ولعقد الزواج الذي ينادي باحترامه، وهذا واضح، وهذه تجربة الهند في تصعيب الحصول على الطلاق: كان المصلحون الدينيون الأوائل قد حظروا الطلاق، فضلًا عن سد كافة الطرق أمام المرأة للحصول على الزواج الثاني؛ لاستئصال أي نزعة للحصول على الطلاق، والتشريعات التي وضعت في هذا الشأن قضت بأنه لا يحق للرجل أن يطلق امرأته بعد

стр. 6617

استكمال اجراءات الزواج كما لا يمكن للمرأة أن تتزوج مرة ثانية في حالة انفصالها عن زوجها الأول، إلا أن الأسلوب لم يطابق الطبيعة مما أدى بالمجتمع الهندوسي إلى أن يدفع ثمنه باهظًا فانعدام الانسجام والاتفاق بين رجل وامرأة هندوسيين بعد الزواج كان يعني تحول حياتهما إلى الجحيم بصفة دائمة، فلم يكن بوسع الرجل أن يطلق زوجته ولا بوسع المرأة أن تتزوج مرة ثانية بعد الطلاق، وكان السبيل الوحيد للمرأة الهندوسية أن تعيش في عذاب دائم مع زوج غير مرغوب فيه، وأن تسلم نفسها إلى النار المحرقة إذا مات زوجها في حياتها، وقد اتخذت هذه المشكلة وضعًا جديدًا في الوقت الحاضر، فبالرغم من أن القانون الهندي يبيح للمرأة أن تنفصل عن زوجها وتتزوج مرة أخرى إلا أن المجتمع الهندوسي مازال متشتتًا من الناحية العملية بالتقاليد الموروثة منذ آلاف السنين، ومن نتائجها المروعة ارتفاع عدد النساء اللاتي يقبلن على الانتحار؛ لعدم التوافق والانسجام مع أزواجهن، إلى جانب هذا الانتحار يعمد الأزواج للتخلص من زوجات غير مرغوب فيهن إلى حرقهن، ثم الادعاء بأنهن قد انتحرن، وحوادث الحرق هذه كثيرة في أنحاء الهند، والغالبية العظمى منها بين الهندوس إلا أن طوائف أخرى لم تسلم من هذه الجرائم. (١) وهذا أمر من الأمور التي ترتبت على المنع من الطلاق أن يتم التخلص بهذه التي رأيت، وهناك شيء آخر نتج عن عدم إباحة الطلاق؛ وهو عدم الدخول في الزواج أصلًا، وهذا ملخص لما نشرته صحيفة هندية عن أوضاع المرأة الغربية نقلًا عن تقارير صحفية غربية: الزواج الفعلي وهو أن يعيش رجل وامرأة معًا بدون زواج قانوني؛ لا يتزايد فقط في مدينة هامبورج الألمانية، بل أخذ هذا النوع من العيش المشترك طابعًا ألمانيًا متميزًا؛ بأن الزوجين يستعينان بالمحامين لإعداد عقود واضحة ومفصلة بين الزوجين غير المترابطين بالزواج، وقد زاد عدد الأزواج الذين يعيشون معًا بدون زواج على أربعة أضعاف خلال السنوات العشر السابقة طبقًا لإحصاء أجرته شركة إيميند أما في الشباب الذين تتراوح

стр. 6618

أعمارهم بين ١٨ - ٢٥ سنة زاد هذا النوع من الارتباط عشرة أضعاف عما كان عليه قبل عشر سنوات، وهذا يعني أن مليون ألماني ومليون ألمانية يستيقظان كل يوم معًا بدون ارتباط بزواج قانوني، وقريب من هذا في فرنسا حتى تساءل علماء الاجتماع: ما هذا الذي يحدث لمؤسسة الزواج؟ . وفي جوابهم عن ذلك جعلوا من أسباب انتشار هذا الزواج الغير قانوني سهولة الحصول على الطلاق فيه بسهولة. ويقول المركز القومي لإحصاءات الصحة في الولايات المتحدة الأمريكية: إنّ نسبة الزواج بين النساء الأمريكيات قد وصل أدنى معدل له. ويقول تقرير آخر: إن نسبة الزواج بين النساء البالغات من العمر ١٥ - ٤٤ سنة قد انخفض عن مائة لكل ألف امرأة، وهذا واضح إذا كان الحصول على الطلاق صعبًا؛ لأن النهي عن الخروج من الشركة نهي عن الدخول فيها. (١) ٢ - جاء في إنجيل متى (٥: ١٧ - ١٩). قول عيسى: لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. ١٩ فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. ٢٠ فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ. وأمر الجموع من أتباعه أن يلتزموا به: حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلَامِيذَهُ ٢ قَائِلًا: "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، ٣ فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالهِمْ لَا تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ. فهذه نصوص تدل على أن المسيح جاء متبعًا مكملًا لشرع موسى ﵇ لا ينقض الناموس.

стр. 6619

٣ - وعلى الرغم من التزامه بالناموس والدعوة للعمل به والتمسك به فقد نسب إليه نقض الناموس بتحريمه الطلاق إلا لعلة الزنا وحدها كما في متى أنه قال: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي. (متى ٥ - ٣٢). ٤ - ووجهة نظر المسيحية في الطلاق: أن ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان؛ إنما أخذت من نظام الرومان في وثنيتهم، إذ كان يشترط لإحداث الطلاق إقامة حفل ديني بنفس الشروط والأوضاع التي أقيم بها حفل الزواج، إذ أن الآلهة وحدها هي التي تستطيع أن تفرق شمل ما جمعت. ٥ - واستقرت المسيحية على شرط واحد من الشروط الثلاثة التي شرعها الرومان لإحداث الطلاق وهو الزنا، وإن كانت المرأة ليس لها حق في الطلاق حالة زنا الرجل لأنه لا يصح أن تتساوى معه. ٦ - ومعنى ذلك أن المرأة التي تريد الطلاق في المسيحية ليس أمامها إلا الرضوخ للحياة الكئيبة التي تحياها مع رجل تكرهه؛ تكيد له، ويكيد لها ويتمنى كل منهما التخلص من الآخر، أو على الأقل موت الآخر، أو إنها تزني في بيت الزوجية ليضبطها زوجها فيقتلها، أو يأتي بشهود عليها ليتخلص منها. ٧ - وقد يأتي الرجل بشهود زور ليشهدوا على زوجته بالزنا دون وقوعه ليتمكن من طلاقها، فأين بناء الأسرة في ظل جو المشاحنات والكيد والكره الذي يملأ البيت؟ ! هل عدم الطلاق أو تعليقه على شرط الزنا يقيم أسرة قويمة نفسيًا أو أخلاقيًا وهل هذا من صالح المجتمع الذي يعيش فيه النصارى؟ ٨ - هل النص المنسوب لعيسى ﵇ قد نسخ ما قاله موسى في الناموس، وجعل الطلاق الذي شُرع لموسى وقومه من أجل غلاظة قلوب بني إسرائيل، وأوقفه على الزنا فقط. قال (متّى ١٩: ٣ - ١٢): "٣ وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ

стр. 6620

الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ ٥ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٦ إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". ٧ قَالُوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْني، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْني". ١٠ قَالَ لَهُ تَلَامِيذُهُ: "إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَلَا يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ! " ١١ فَقَالَ لَهُمْ: "لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا الْكَلَامَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم. ٩ - وبنظرة سريعة على النص نجد أن عيسى ﵇ قاله على سبيل الاستحسان لا على سبيل الفرض لذا قال من استطاع أن يقبل فليقبل. (متّى ١٩ - ١٠). ١٠ - ومقولة "أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى" حجه على النصارى لا لهم، فهو يحكي خبر لا شريعة فالطلاق لم يكن موجودًا عندما كانت البشريةُ رجلًا وامرأةً لهما نفس الطباع والثقافة ولا يوجد بشر غيرهما، ولكنه قد شرع لزيادة أعداد الناس وتطور المجتمعات وهذا ينفي وجود الرهبنة عندهم. . . ويناقض النص الذي يطالب الرجل المؤمن أن يخص نفسه وما دام اللَّه قد خلق الإنسان كذكر وأنثى للتناسل فلابد أن يكون الطلاق محللًا على الأقل في حالة العقم، إلا أن الطلاق عندهم لا يقع أيضًا حالة عقم الزوج أو الزوجة، أو الإصابة بمرض يمنع من القيام بواجبات الزوجية، أو للكراهة، أو سوء المعاشرة، أو عدم الإنفاق، أو عدم التوافق الجنسي، والعاطفي، والأخلاقي. . . إلخ. ولا يسمحون بالتعدد الذي قد يَجْبُرَ هذا. أيُّ: جحيم هذا الذي يسمى بالزواج؟ ! وما هذا التحكم في الإنسان من إجباره على حياه كرهها أو كرهتها؟ قد تتغير حالته النفسية أو الأخلاقية فيما بعد دون وجود مخرج من هذه الزيجة؟ ١١ - وقد أدرك التلاميذ صعوبة تطبيق هذه التعاليم غير المثالية للبشر حتى إن الدكتور (هستون) أسقف درهام قال في حديث له عن الطلاق عام ١٩٢٣ م:
следующие страницы →