← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

٦ - سوء معاملة الزوجة باستمرار. ٧ - إصابة الزوج بمرض خبيث أو ممارسته عملًا أو تجارة محرمة. (١) ٧ - الطلاق عند النصارى: والآن نصل معًا إلى النظر في شريعة النصارى في العهد الجديد وفي القانون لديهم؛ لنرى هل استطاع القوم الإبقاء على تحريم وضع الطلاق؟ أم أن هذا أمر لا يطاق؟ وبدايةً: ١ - اعلم أن الذين نتكلم بلسانهم كانوا يحرمون الطلاق تحريمًا قطعيًا نهائيًا، وكانوا يعيبون على الإسلام أنه يبيح الطلاق، ولكنهم بعد أن وجدوا أنفسهم محرجين غاية الإحراج أمام مجتمعاتهم، وأن الكنيسة الغربية أفلست في هذا المضمار، ووجدوا أن الناس هناك قد ضربوا بقدسية الزواج عرض الحائط، وصار كل رجل وكل امرأة تحت ظل بيت الزوجية يوهم نفسه أنه زوج، أو توهم نفسها أنها زوجة؛ ثم ينطلق كل واحد منهما لإشباع رغباته وشهواته مع الأصدقاء، والأخلاء، والصديقات، والخليلات على غير رضا اللَّه ، وشاعت الفواحش، وما تزال شائعة حتى الآن، فوجدوا أنفسهم مجبرين أن يبيحوا الطلاق، فأباحوه، ولكن أباحوه على غير نظام، ولا اتزان، وبكل تعسف؛ إلى أن رأينا ما نرى، وسمعنا ما نسمع من نسب الطلاق المرتفعة جدًا في الغرب؛ بسبب أنهم لا يتبعون هدى اللَّه، وإنما يتبعون أهواءهم وما تزينه لهم عقولهم، فهذا حال من نتكلم بلسانهم وندافع عنهم، وإلا فاعلم أن في المنع من الطلاق إهانة للمرأة وللرجل وللبشرية كافة ولعقد الزواج الذي ينادي باحترامه، وهذا واضح، وهذه تجربة الهند في تصعيب الحصول على الطلاق: كان المصلحون الدينيون الأوائل قد حظروا الطلاق، فضلًا عن سد كافة الطرق أمام المرأة للحصول على الزواج الثاني؛ لاستئصال أي نزعة للحصول على الطلاق، والتشريعات التي وضعت في هذا الشأن قضت بأنه لا يحق للرجل أن يطلق امرأته بعد

стр. 6617

استكمال اجراءات الزواج كما لا يمكن للمرأة أن تتزوج مرة ثانية في حالة انفصالها عن زوجها الأول، إلا أن الأسلوب لم يطابق الطبيعة مما أدى بالمجتمع الهندوسي إلى أن يدفع ثمنه باهظًا فانعدام الانسجام والاتفاق بين رجل وامرأة هندوسيين بعد الزواج كان يعني تحول حياتهما إلى الجحيم بصفة دائمة، فلم يكن بوسع الرجل أن يطلق زوجته ولا بوسع المرأة أن تتزوج مرة ثانية بعد الطلاق، وكان السبيل الوحيد للمرأة الهندوسية أن تعيش في عذاب دائم مع زوج غير مرغوب فيه، وأن تسلم نفسها إلى النار المحرقة إذا مات زوجها في حياتها، وقد اتخذت هذه المشكلة وضعًا جديدًا في الوقت الحاضر، فبالرغم من أن القانون الهندي يبيح للمرأة أن تنفصل عن زوجها وتتزوج مرة أخرى إلا أن المجتمع الهندوسي مازال متشتتًا من الناحية العملية بالتقاليد الموروثة منذ آلاف السنين، ومن نتائجها المروعة ارتفاع عدد النساء اللاتي يقبلن على الانتحار؛ لعدم التوافق والانسجام مع أزواجهن، إلى جانب هذا الانتحار يعمد الأزواج للتخلص من زوجات غير مرغوب فيهن إلى حرقهن، ثم الادعاء بأنهن قد انتحرن، وحوادث الحرق هذه كثيرة في أنحاء الهند، والغالبية العظمى منها بين الهندوس إلا أن طوائف أخرى لم تسلم من هذه الجرائم. (١) وهذا أمر من الأمور التي ترتبت على المنع من الطلاق أن يتم التخلص بهذه التي رأيت، وهناك شيء آخر نتج عن عدم إباحة الطلاق؛ وهو عدم الدخول في الزواج أصلًا، وهذا ملخص لما نشرته صحيفة هندية عن أوضاع المرأة الغربية نقلًا عن تقارير صحفية غربية: الزواج الفعلي وهو أن يعيش رجل وامرأة معًا بدون زواج قانوني؛ لا يتزايد فقط في مدينة هامبورج الألمانية، بل أخذ هذا النوع من العيش المشترك طابعًا ألمانيًا متميزًا؛ بأن الزوجين يستعينان بالمحامين لإعداد عقود واضحة ومفصلة بين الزوجين غير المترابطين بالزواج، وقد زاد عدد الأزواج الذين يعيشون معًا بدون زواج على أربعة أضعاف خلال السنوات العشر السابقة طبقًا لإحصاء أجرته شركة إيميند أما في الشباب الذين تتراوح

стр. 6618

أعمارهم بين ١٨ - ٢٥ سنة زاد هذا النوع من الارتباط عشرة أضعاف عما كان عليه قبل عشر سنوات، وهذا يعني أن مليون ألماني ومليون ألمانية يستيقظان كل يوم معًا بدون ارتباط بزواج قانوني، وقريب من هذا في فرنسا حتى تساءل علماء الاجتماع: ما هذا الذي يحدث لمؤسسة الزواج؟ . وفي جوابهم عن ذلك جعلوا من أسباب انتشار هذا الزواج الغير قانوني سهولة الحصول على الطلاق فيه بسهولة. ويقول المركز القومي لإحصاءات الصحة في الولايات المتحدة الأمريكية: إنّ نسبة الزواج بين النساء الأمريكيات قد وصل أدنى معدل له. ويقول تقرير آخر: إن نسبة الزواج بين النساء البالغات من العمر ١٥ - ٤٤ سنة قد انخفض عن مائة لكل ألف امرأة، وهذا واضح إذا كان الحصول على الطلاق صعبًا؛ لأن النهي عن الخروج من الشركة نهي عن الدخول فيها. (١) ٢ - جاء في إنجيل متى (٥: ١٧ - ١٩). قول عيسى: لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. ١٩ فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. ٢٠ فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ. وأمر الجموع من أتباعه أن يلتزموا به: حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلَامِيذَهُ ٢ قَائِلًا: "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، ٣ فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالهِمْ لَا تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ. فهذه نصوص تدل على أن المسيح جاء متبعًا مكملًا لشرع موسى ﵇ لا ينقض الناموس.

стр. 6619

٣ - وعلى الرغم من التزامه بالناموس والدعوة للعمل به والتمسك به فقد نسب إليه نقض الناموس بتحريمه الطلاق إلا لعلة الزنا وحدها كما في متى أنه قال: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي. (متى ٥ - ٣٢). ٤ - ووجهة نظر المسيحية في الطلاق: أن ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان؛ إنما أخذت من نظام الرومان في وثنيتهم، إذ كان يشترط لإحداث الطلاق إقامة حفل ديني بنفس الشروط والأوضاع التي أقيم بها حفل الزواج، إذ أن الآلهة وحدها هي التي تستطيع أن تفرق شمل ما جمعت. ٥ - واستقرت المسيحية على شرط واحد من الشروط الثلاثة التي شرعها الرومان لإحداث الطلاق وهو الزنا، وإن كانت المرأة ليس لها حق في الطلاق حالة زنا الرجل لأنه لا يصح أن تتساوى معه. ٦ - ومعنى ذلك أن المرأة التي تريد الطلاق في المسيحية ليس أمامها إلا الرضوخ للحياة الكئيبة التي تحياها مع رجل تكرهه؛ تكيد له، ويكيد لها ويتمنى كل منهما التخلص من الآخر، أو على الأقل موت الآخر، أو إنها تزني في بيت الزوجية ليضبطها زوجها فيقتلها، أو يأتي بشهود عليها ليتخلص منها. ٧ - وقد يأتي الرجل بشهود زور ليشهدوا على زوجته بالزنا دون وقوعه ليتمكن من طلاقها، فأين بناء الأسرة في ظل جو المشاحنات والكيد والكره الذي يملأ البيت؟ ! هل عدم الطلاق أو تعليقه على شرط الزنا يقيم أسرة قويمة نفسيًا أو أخلاقيًا وهل هذا من صالح المجتمع الذي يعيش فيه النصارى؟ ٨ - هل النص المنسوب لعيسى ﵇ قد نسخ ما قاله موسى في الناموس، وجعل الطلاق الذي شُرع لموسى وقومه من أجل غلاظة قلوب بني إسرائيل، وأوقفه على الزنا فقط. قال (متّى ١٩: ٣ - ١٢): "٣ وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ

стр. 6620

الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ ٥ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٦ إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". ٧ قَالُوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْني، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْني". ١٠ قَالَ لَهُ تَلَامِيذُهُ: "إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَلَا يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ! " ١١ فَقَالَ لَهُمْ: "لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا الْكَلَامَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم. ٩ - وبنظرة سريعة على النص نجد أن عيسى ﵇ قاله على سبيل الاستحسان لا على سبيل الفرض لذا قال من استطاع أن يقبل فليقبل. (متّى ١٩ - ١٠). ١٠ - ومقولة "أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى" حجه على النصارى لا لهم، فهو يحكي خبر لا شريعة فالطلاق لم يكن موجودًا عندما كانت البشريةُ رجلًا وامرأةً لهما نفس الطباع والثقافة ولا يوجد بشر غيرهما، ولكنه قد شرع لزيادة أعداد الناس وتطور المجتمعات وهذا ينفي وجود الرهبنة عندهم. . . ويناقض النص الذي يطالب الرجل المؤمن أن يخص نفسه وما دام اللَّه قد خلق الإنسان كذكر وأنثى للتناسل فلابد أن يكون الطلاق محللًا على الأقل في حالة العقم، إلا أن الطلاق عندهم لا يقع أيضًا حالة عقم الزوج أو الزوجة، أو الإصابة بمرض يمنع من القيام بواجبات الزوجية، أو للكراهة، أو سوء المعاشرة، أو عدم الإنفاق، أو عدم التوافق الجنسي، والعاطفي، والأخلاقي. . . إلخ. ولا يسمحون بالتعدد الذي قد يَجْبُرَ هذا. أيُّ: جحيم هذا الذي يسمى بالزواج؟ ! وما هذا التحكم في الإنسان من إجباره على حياه كرهها أو كرهتها؟ قد تتغير حالته النفسية أو الأخلاقية فيما بعد دون وجود مخرج من هذه الزيجة؟ ١١ - وقد أدرك التلاميذ صعوبة تطبيق هذه التعاليم غير المثالية للبشر حتى إن الدكتور (هستون) أسقف درهام قال في حديث له عن الطلاق عام ١٩٢٣ م:

стр. 6621

إنه لو كان عيسى موجودًا في هذه الأيام لكان أعقل مما كان عليه من قبل! ١٢ - أما الطوائف المسيحية الأولى فالطلاق كان متفشيًا فيهم بدليل أنه حين اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية سنة ٣٢٤ م وجد الطلاق متفشيًا كما كان قبل عهد السيد المسيح ولذلك اضطر إلى أن يصدر أمرًا بتحديد الحالات التي يجوز فيها الطلاق، ثم جاء بعده الإمبراطور جستنيان سنة ٥٢٩ فحصرها في أربع حالات فقط، ومعنى ذلك أن نص عدم الطلاق لم يكن موجودًا وقتها في الأناجيل وإلا لما أَقْدَمَ قسطنطين أو جثنيان على اتخاذ هذا القرار، وأين كان آباء الكنيسة الذين كانوا يقومون بالتطليق وقتها؟ ! . ١٣ - ولاستحالة تطبيق تعاليم الأناجيل التي تفرض على النصارى من العصمة والملائكية ما لم تفرضه على الأنبياء فقد تحايل رجال الدين، والفكر، والقانون، النصارى على هذه التعاليم وشرعوا رغم أنفهم الطلاق المدني أي الذي يتم بغير الكنيسة، وأسموه بالتطليق حتى لا يقال إنهم نسخوا أو ألفوا الطلاق فاستبدلوا لفظ التطليق بالطلاق! ١٤ - وكذلك تحايل النصارى للحصول على الطلاق من صور هذا التحايل: (أ) تغيير المذهب أو الملة للحصول على الطلاق. (ب) قد يتفق الزوجان على إثبات الزنا بأن يتهم أحدهما الآخر فيقر، أو بتدبير حيلة ما لإثباته، ولك أن تتخيل أن زوجتك أم أولادك تقف في المحكمة وتشهد على نفسها بالزنا لتطلق من زوجها وكيف تصبح صورة الأولاد في مجتمعهم بعد ذلك؟ (جـ) ومن الحيل التي تتخذ في تلك البلاد الأوربية أن تذهب المرأة مع عشيق لها إلى أحد الفنادق وتثبت اسمها واسم عشيقها في سجلات الفندق وتمكث مع عشيقها المدة التي تريدها ثم تذهب هي بعد ذلك إلى المحكمة لتبلغ عن جريمتها حتى توافق المحكمة على طلاقها، وبهذا قتلوا حياء المرأة الذي هو شعبة من الإيمان بسبب وقف الطلاق على الزنا فقط. (د) القتل للتخلص من الزوج حتى يصبح القاتل أرملًا فيجوز له الزواج مرة أخرى.

стр. 6622

(هـ) الهجرة وترك البلد بما فيها، وبالتالي تخلص الزوج من كل مسئولياته تجاه الزوجة وأولاده فأين نفقتها؟ وأين مؤخر صداقها؟ وإلى أن تثبت أنه هاجر أو اختفى ولن يعود، فلا بد من مرور أربع سنوات حتى يعترف القانون أن الرجل قد فُقد. (و) الانفصال التام ولو بدون طلاق وكل طرف يمارس حياته الاجتماعية والشخصية ويقيم علاقات جنسية من معاشرة كاملة وغيرها مع عدم اعتراض من الطرف الآخر. ١٥ - وبذلك يلاحظ أن الزواج الفاشل عند النصارى هو سجن إجباري لا فكاك منه إلا بارتكاب جرائم كالقتل والزنا والقذف، لذا ظهرت فكرة الـ (boy frind) في الغرب ليختبر الأحبة حياتهم قبل الدخول في سجن لا مخرج منه، فالنصرانية لم ترع يومًا واقع البشر، ويتغنى النصارى بتعاليم المسيح التي لا يمكن أن تكون من عند اللَّه ولا نطق بها المسيح فهي تبدوا مثالية في الظاهر، ولكن في حقيقة الأمر هي تعاليم خربة لا تزيد اتباعها إلا شقاء. ١٦ - فالمرأة لو طلقت ليس لها الحق في الزواج مرة أخرى ولتحيى هكذا كالأموات حتى لو طلقت بلا ذنب يقول بولس (٩. لتكتتب أرملة إن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة امرأة رجل واحد ١٠. مشهودًا لها في أعمال صالحة إن تكن قد ربت الأولاد أضافت الغرباء غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين اتبعت كل عمل صالح ١١. أما الأرامل والحدثات فارفضهن لأنهن متى بطرن على المسيح يردن أن يتزوجن ١٢. ولهن دينونة لأنهن رفضن الإيمان الأول. تيموثاوس الأولى (٥: ٩ - ١٢). ١٧ - فها هو لا يبيح للمرأة الزواج إذا كانت أقل من الستين ويهينها ويتهجم عليها. ١٨ - أما يسوع عندهم فقد حرم على المطلقة الزواج مرة أخرى حتى لو كان طلاقها بسبب الزنا كما أمر واعتبر كل من يتزوج بها زان. ١٩ - وأيضًا فالمطلقة كانت تعامل دائمًا في الكتاب المقدس على أنها حقيرة شأنها شأن الزانية والمدنسة ولننظر بما أمر رجال الدين المقربون وفق التوراة:

стр. 6623

(٦. مقدسين يكونون لإلههم ولا يدنسون اسم إلههم لأنهم يغربون وقائد الرب طعام إلههم فيكونون قدسًا ٧. امرأة زانية أو مدنسة لا يأخذوا ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها لأنه مقدس لإلهه. . . إلخ (سفر اللاويين ٢١: ٦ - ٧). (١٤. أما الأرملة والمطلقة والمدنسة والزانية فمن هؤلاء لا يأخذ بل يتخذ عذراء من قومه امرأة (لاويين ٢١: ١٤). ٢٠ - وهكذا نستوعب وضع المطلقات والأرامل عند أهل الكتاب، وهو حلقة في سلسلة إهانة المرأة في هذا المعتقد بينما أنصف الإسلام، فجاء سيد الأولين والآخرين فعلمنا أن طلاق المرأة أو موت زوجها لا يقدح فيها أبدًا فكانت كل زوجاته أرامل ومطلقات باستثناء عائشة ﵂ فالحمد للَّه على نعمة الإسلام (١). ٢١ - وما ذكرنا سابقًا من إيقاع الطلاق بسبب العيوب المذكورة سابقًا إنما هو شريعة النبي ﷺ الإسلام، وكذا نحوه عند اليهود كما مر - أما شريعة النصارى فلا تجيز للمرأة حق طلب الطلاق لأي عيب من هذه العيوب، ثم هم يزعمون أنهم يدافعون عن حقوق المرأة. ٢٢ - لكن الكنائس الأرثوذكسية خرجت عن هذا الاتجاه العام عندهم، وأباحوا للمرأة طلب التفريق بسبب العيوب، ولهم اتجاهان: الأول: وهو الاتجاه القائم على اعتبار كل من الجنون، والعجز الجنسي، والمرض المعدي، من مبررات الطلاق وفي هذا تقول الخلاصة القانونية: إذا حدث لأحد الزوجين بعد الزواج

стр. 6624

ما يمتنع بواسطته الاجتماع المقصود بالزيجة؛ من الموانع الشخصية غير الممكن برؤها، ورغب المعافى منها الفرقة بعد أن تكون قد مضت مدة ثلاث سنوات مستمرًا مع قرينه من عهد ما أصيب بذلك المرض المانع، ولم يتمكنا من الاجتماع الزوجي التناسلي، وتحقق ذلك جليًا يجاب وتفسخ الزيجة (١)، كذلك نصت هذه الخلاصة على أن "العنة، والخنوثة، والخصاء، وعيب المرأة الذي يمنع المعاشرة، والجنون المطبق، والجذام، والبرص. . . . " (٢) كذلك سلكت هذا المسلك المادة ٥٤ من مجموعة ١٩٣٨ حيث نصت على أنه: إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معد يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض؛ وثبت أنه غير قابل للشفاء، ويجوز للزوجة أيضًا أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بالعنَّة إذا مضى على إصابته ثلاث سنوات؛ وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة. الاتجاه الثاني: وهو قائم على الجنون والعنَّة من مبررات الطلاق دون غيرهما من العيوب والأمراض الأخرى وهذا هو نص المادة ٥٢ من مجموعة ١٩٥٥ حيث قالت: إذا أُصيب أحد الزوجين بجنون مطبق يجوز للآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى خمس سنوات على الجنون، وثبت أنه غير قابل للشفاء، ويجوز للزوجة أيضًا أن تطلب الطلاق إذا أصيب زوجها بالعنة، وثبت أنه غير قابل للشفاء، وكانت الزوجة في سن يخشى عليها من الفتنة؛ ولم يكن قد مضى على الزواج خمس سنوات. (٣) وهكذا أجمعت الكنيسة عند الأقباط الأرثوذكس على اعتبار كل من الجنون والعجز الجنسي والمرض المعدي من مبررات الطلاق ما عدا مجموعة ١٩٥٥ يتعارض مع اتجاه

стр. 6625

نصوص المجموعات الكنسية ذلك الاتجاه الذي استقر عليه عرف الأقباط الأرثوذكس وبالتالي يتعين عدم التعويل عليه خصوصًا وإن مجموعة ١٩٥٥ ليست لها قوه ملزمة. (١) وفي شريعة الأرمن من الأرثوذكس المادة ٣٩ من قانون الأحوال الشخصية: يجوز الحكم بالطلاق بعد مضي ثلاث سنوات من إصابة أحد الزوجين الجنون لا يشفي. وفي المادة ٤٩ منه إصابة أحد الزوجين بمرض سري أثناء الزواج يجيز للآخر طلب الطلاق. (٢) ومن خلال النظر في نصوص الأرثوذكس السابقة نفهم أن العلة التي توجب الفسخ بسبب العيوب والأمراض هي: ١ - تفويض المقصود الأصلي من الزواج وهو التوالد والتناسل. ٢ - الإعفاف عن المعاصي ٣ - استحالة الحياة الزوجية وتعذرها. ٤ - دفع الضرر الواقع على الزوج الآخر. (٣)

стр. 6626

وهكذا نرى أن الأرثوذكس رجعوا بأنفسهم في شريعة الطلاق إلى قريب مما عليه حال المسلمين، غير أنهم جعلوه عند القاضي لهذه الأسباب، وعلى كل حال فقد خرجوا عن أصلهم الموجود في الإنجيل أن الطلاق لا يجوز إلا لعلة الزنا، وعن أصلهم القائل إن ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان، وما خرجوا هذا الخروج عن أصلهم، إلا لاستحالة تطبيق شريعة المنع من الطلاق، فهل يقول هذا المتكلم: إن التطليق عند الأرثوذكس بهذه الشروط عند القاضي هدم لقدسية الزواج واعتداء على المرأة؟ أم أنه سيكيل بمكيالين؟ (٢٣) "قولهم ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان" هذه هي فلسفة النصارى في المنع من الطلاق لكن كيف أصحاب هذا الاتجاه من النصارى الذين يوافقون على الطلاق على هذه الفلسفة؟

стр. 6627

يقول القمص أندراوس عزيز بعد بيانه أن المنع من الطلاق مع كون الزوجين لا يتفقان يقود إلى الزنا: ويجب أن نعرف جيدًا أنه بالنسبة لكلام الكتاب المقدس ما جمعه اللَّه لا يفرقه إنسان (متى ١٩/ ١٦). فالذي يقوم بدور اللَّه في الوحدة بين العريس والعروس هو الكاهن الذي يربط الاثنان برباط الزوجية لا ينزل اللَّه غير المرئي، ويعقد الزواج من دون أن نرى أحدًا ولكن الكاهن فيها محل اللَّه الذي يجمع الاثنين هنا هو اللَّه على يد الكاهن؛ والكاهن الذي جمع الاثنين يستطيع أن يفك ما جمعه الذي يستطيع أن يربط يستطيع أن يحل للأسباب الاستثنائية التي سنذكرها فيما بعد، وهذا بموجب السلطان المخول له من قبل اللَّه "ما حللتموه على الأرض يكون محلولًا في السماء وما ربطموه على الأرض يكون مربوطًا في السماء" (متى ١٦: ١٩). فهذا السلطان وضع أصلًا لحل هذه المشاكل، لا لكي يتخذ لأجل الخصام، أو الانتقام، أو الحقد، أو التشفي، بل لحل مثل هذه المشاكل التي ليس لها قاعدة وتختلف من إنسان لآخر. (٢٤) يقول بولس: أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة كورنثوس الأولى (٧/ ٢٧). فبولس يسمح بالطلاق وإعادة الزواج تحت ظروف محددة وإن لم يكن عنده في الطلاق من عند الرب شيء كما قال: وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب. ولكن عدم وروده عن الرب ليس حكمًا نهائيًا كونيًا، ففي رأي بولس أن القاعدة العامة تسمح الاستثناءات، فتحريم يسوع للطلاق هو قاعدة عامة، ولو وضعت كقانون فهو يحتاج إلى تفسيره وشرحه، إذ بولس يتلقى الوحي من نفس الروح الذي في يسوع، فهو يرغب أن يعطي رأيه في المطلقين الذين لم يتزوجوا ثانية، وبولس هنا يقرر حريتهم في الزواج مرة أخرى فالزواج مرة أخرى بعد الطلاق مباح في بعض الظروف. (١)

стр. 6628

وهكذا يرى بولس الطلاق في ظروف معينة، فهل هو في نظرك معتدٍ على المرأة وقدسية الزواج. الوجه الرابع: لماذا يكون الطلاق بيد الرجل وحده ؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال نورد نحن سؤالًا آخر وهو: إذا كان لا بد من الطلاق وقد اعترفوا به وأباحته كنائِسُهم في كل بلادهم ودولهم وقوانينهم، إذا كان لا بد من الطلاق فما هي الصور التي يمكن أن تخطر في البال ليتم هذا الطلاق؟ ومن الذي يملك هذا الحق؟ : إما أن يكون حق الطلاق بيد المرأة وحدها، وإما أن يكون بيد الرجل وحده، أو بيدهما معًا، أو بيد جهة أخرى لا الزوج ولا الزوجة، ولا يتصور أن نلغي الطلاق نهائيًا وهذا ليس من المصلحة في شيء وقد ذاقوا وبال أمرهم حينما كانوا يحرمونه نهائيًا فلنتصور كيف يكون الأمر ولماذا جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل وحده وكيف نعالج بقية الصور التي ذكرتها؟ (١) وبداية ينبغي أن يعلم أن إنهاء العلاقة الزوجية في الإسلام حق مشترك بين الرجل والمرأة لكن وسيلة الحصول عليه تختلف في الرجل عن المرأة. على النحو التالي: أولًا: بالنسبة للرجل وسيلة الحق مباشرة فيملك الزوج الطلاق من جانبه وحده. ثانيًا: وبالنسبة للمرأة وسيلة غير مباشرة فيقع الطلاق من الرجل بناءً على طلبها في حالتين: ١ - الخلع وهو مقابل ما تدفعه المرأة لزوجها، وقد يكون المقابل هو تنازلها عن حقها في النفقة ومؤخر الصداق. ٢ - أن يوقع الرجل الطلاق بناءً على طلب الزوجة تنفيذًا لشرط اشترطته في العقد كأن تشترط عليه عدم الزواج عليها، أو عدم السفر بها على موطن آخر ثم خالف الزوج الشرط. ثالثًا: إذا كرهت الزوج ولم ترد الحياة معه وتعسف هو ولم يطلق ولم يقبل الخلع رفعت أمرها إلى القاضي فطلق عليه القاضي، وكذا التفريق للضرر والمرض المبيح لذلك

стр. 6629

كالبرص، والجذام، والعنة، . . . إلخ. (١) إذا ثبت هذا فقد عرفت أن الطلاق بداية بيد الرجل. . . هذه واحد، وفي يد المرأة أحوال سبق ذكرها في الكلام الماضي ليظهر لك عدم التعسف ضد المرأة في هذه الشريعة لكن لماذا جعلت البداية بيد الرجل وحده؟ والجواب ما يلي: ١ - جعله الإسلام بيد الرجل مع الإرشاد والتوجيه على الوضع المناسب للرجل والمرأة في ذلك وقد سبق بيان هذا (٢). ٢ - أن القوامة في البيت بيد الرجل، ومن لوازمها أن يكون الطلاق بيد الرجل، وسبق أن ذكرنا أن القوامة لا تعني التسلط؛ إنما تعني الحفظ والرعاية والحماية من الانهيار والدمار. . . إلخ. ٣ - إذا جعل الطلاق في يد المرأة وحدها ففي ذلك فساد ذلك أن نظام الأسرة قام على المغانم والمغارم، فكل من غنم مغنمًا يجب أن يغرم مقابله مغرمًا، ويقدم شيئًا من التنازل حتى يقوم نظام الأسرة، فإذا كان الرجل وحده هو الذي يدفع من جيبه المهر كاملًا، إذًا كان الرجل وحده هو الذي يجهز بيت الزوجية تجهيزًا كاملًا فتتمتع به المرأة ويتمتع به الأولاد، وإذا كان الرجل وحده هو الذي ينفق على بيت الزوجية، وينفق على زوجته، وعلى أولاده؛ ولو كانت المرأة ثريةً جدًا فإنها لا تطالب في الإسلام أن تنفق قرشًا واحدًا على البيت؛ إنما الرجل ولو كان فقيرًا يجب عليه وجوبًا شرعيًا أن ينفق النفقة الكاملة على بيت الزوجية منذ اليوم الأول إلى أن يلقيا وجه اللَّه تعالى، فإذا كان الأمر كذلك وسلمت قضية الطلاق إلى المرأة فأي إنصاف هذا؟ فالرجل إذا أراد أن يطلق فإنه يحسب ألف حساب، فلو أنه طلق سيخسر هذا كله، وسيدفع مرة أخرى إذا أراد أن يتزوج؛ سيدفع مهرًا ويجهز بيتًا بنفقة جديدة، أما المرأة فقد

стр. 6630

يهون عليها إذا غضبت وما أكثر ما تغضب المرأة، وإذا فقدت أعصابها وما أكثر ما تفقد أعصابها، إذا خطر لها أن تطلق فإنها لا تجد كابحًا من الكوابح، فإن الطلاق لا يكلفها شيئًا ماديًا بل إذا طلقت نفسها لو كان الطلاق بيدها فإنها مباشرة إذا سعت لزوج جديد فإنها تكسب مهرًا جديدًا ونفقة جديدة وبيتًا جديدًا وزوجًا جديدًا، فليس من الحكمة مما يراه أي عاقل أن يكون الطلاق بيد المرأة. أولًا: لأن الطلاق والزواج لا يكلفها شيئًا فيسهل عليها الطلاق، فمع أول هجمة من الشيطان عليها تقوم بهدم بيت الزوجية أي مصلحة في جعل الطلاق بيدها مبدئيًا ومن أول الأمر؟ (١) ٤ - إن المرأة في الغالب سريعة الغضب سريعة الانفعال سريعة التأثر، وطبيعتها تدفعها غالبًا إلى الانقياد وراء عاطفتها، أما الرجل فالغالب فيه الأناه والتؤدة والتروي في عواقب الأمور وقياس ما يكون من المنفعة والضرر بمقياس حكيم. (٢) ويقرر الدكتور فروسية في دائرة المعارف له: أنه نتيجة لضعف دم المرأة ونمو مجموعها العصبي ترى مزاجها العصبي أكثر تهيجًا من مزاج الرجل، وتركيبها أقل مقاومة؛ لأن تأديتها لوظائف الحمل والأمومة والرضاع يسبب لها أحوالًا مرضية كثيرة أو قليلة الخطر (٣). والدكتور أليكسس كارل في كتابه (الإنسان ذلك المجهول)، يقرر بأن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة تنشأ من تكون الأنسجة نفسها ومن تلقيح الجسم كله بمواد محدده يفرزها المبيض، ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقن الجنسان تعليمًا واحدًا وأن يمنحا سلطات واحدة ومسئوليات متشابهة (٤).

стр. 6631

ثم قال: فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن دون أن يحاولن تقليد الرجال، فإن دورهن في تقدم الحضارة أسمى من دور الرجل، يجب عليهن أن لا يتخلين عن وظائفهن المحددة. ولما كان اختلاف التكوين واختلاف الوظائف الطبيعية في الحياة هما سبب اختلاف الأحكام التشريعية بين الرجال والنساء فيما تماثلا فيه كالحدود، والمعاملات المالية، والعبادات بصفة عامة، ولكنه في أحكام الصلاة أعفى المرأة منها نهائيًا في مدة الحيض مراعاة لظروف النساء وما خصهن اللَّه به من وظائف الأمومة وما يتعلق بها، ثم اعفى اللَّه النساء من فريضة القتال والجهاد لعدم استعدادهن الفطري لذلك ولانشغالهن بوظائف الأمومة، وفي هذا أو غيره لم يجامل الإسلام المرأة فاللَّه خالق الرجال والنساء، فإذا خَصَّ الرجال بالقوامة، وفرق بين الرجال والنساء في أمور فلا مجال البتة للقول بالمساواة لأن المساواة؛ فيما تختلف فيه الوظائف الطبيعية ظلم وجهالة لا يرضى به ألو الألباب من الرجال والنساء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٣٢). (١) ٥ - إن الطلاق يُحَمِّلُ الزوجَ تبعاتٍ ماليةً كالمهر المؤجل، ونفقة العدة، وأجرة الرضاعة، والحضانة إن كانت له أطفال من زوجته المطلقة، وهذا يجعل الزوج يُحَكِّمُ عقلَه لا عاطفته حين الإقدام على الطلاق، وبهذا يظهر واضحًا جليًا أن اللَّه جعل الطلاق بيد الرجل، لا لأنه أقدر على إيقاعه ولكن لأنه أقدر على عدم إيقاعه. (٢) ٦ - ومن خلال ما مَرَّ ترى أن من الخير للحياة الزوجية وللزوجة نفسها أن يكون البَتُّ في مصير الحياة الزوجية في يد من هو أحرص عليها وأضن بها، على أن الشريعة الإسلامية لم تهمل جانب المرأة في إيقاع الطلاق كما مر، ومن خلاله نرى أن في الإسلام خمس طرق للطلاق:

стр. 6632

أ- الطلاق بيد الرجل. ب- الطلاق بيد المرأة بأن تطلق نفسها من زوجها إذا فوض إليها. ج- الطلاق بالاتفاق. د- الخلع. وكما رأينا فإن الإسلام أعطى للمرأة ثلاث طرق لتطليق نفسها من الرجل، وجعل طريقة بالاتفاق بينهما وبين الرجل، وجعل بيد الرجل وحده بدون الرجوع إلى غير طريقة واحدة وضع له فيها ضوابط، وضيق عليه فيها كما مر ذكره، فصح أنه ليس في جعل الطلاق بيد المرأة بداية ظلم المرأة. (١) ٧ - وبعد هذا نرى في الكتاب المقدس أن الطلاق بيد الرجل كما في سفر التثنية (إصحاح: ٢٤ عدد ١): إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، ٢ وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، ٣ فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ. . . إلخ. فها هو الرجل الأول أبغضها وأعطاها كتاب طلاق وكذا الثاني، والسؤال أليس في اعتقادكم أن رب العهد القديم هو رب العهد الجديد؟ فهل كان ربكم في هذا الكلام متعسفًا ضد المرأة؟ ! * * *

стр. 6633

٢٦ - شبهة: رضاع الكبير نص الشبهة: قالوا: لقد أحل الإسلام رضاع الكبير والدليل على ذلك ما يلي: ١ - حديث سهلة بنت سهيل. ٢ - حديث عائشة ﵂ الداجن. ٣ - قول عائشة ﵂ والعمل عليه. ٤ - ترخيص بعض أهل العلم في رضاع الكبير، وعليه فيرضع الكبير من ثدي المرأة مباشرة. ٥ - وأدلة فرعية أخرى ستذكر في ثنايا البحث. وإليك الكلام والجواب على هذه الشبهة ويدور ذلك في مبحثين أولًا: مقدمة فيها مسائل مهمة . ثانيًا: الجواب عن شبهة رضاع الكبير من وجوه الوجه الأول: أن الرضاع ثبت في الأصل للطفل دون الحولين. الوجه الثاني: الأحاديث والآثار تؤكد على أن الأصل في الرضاع للطفل، وأن رضاع الكبير لا يُحرم. الوجه الثالث: جمهور العلماء على أن رضاع الكبير لا يُحرم الوجه الرابع: لو كان رضاع الكبير يؤثر مطلقًا لكان أولى الناس به الحمو. الوجه الخامس: فيمن قال من أهل العلم بأن رضاع الكبير يُحرم مطلقًا وبيان حجتهم والرد عليها. الوجه السادس: الرد على باقي أدلتهم حول هذه الشبهة -مثل حديث الداجن وغيره-. الوجه السابع: أجيبونا عن رضاعة الجماهير المفتوحة في كتابكم المقدس؟ وإليك التفصيل أولًا: مقدمة فيها مسائل مهمة: إن مسألة رضاع الكبير من المسائل التي أثارت قلاقل بين صفوف كثير من الناس، مسلمين، وغير مسلمين، وذلك لأسباب منها جهلهم بشرع اللَّه الذي أنزله على النبي محمد ﷺ ، فصار المسلمون الذين لا يفقهون مثل هذه المسائل ينكرون هذه المسألة ظنا منهم أنهم يحاولون الدفاع عن شرع اللَّه ، وهذا أمر في غاية الخطورة أن نعرض المسائل

стр. 6634

الشرعية على عقولنا القاصرة فعندما لا تستوعب مثل هذه المسائل فما هو إلا أن يطرحها أرضًا بإنكارها. أقول: عندنا أصول ثابتة يجب علينا أن نتعلمها، ونعلمها، ونسير عليها، منها: منهجنا القرآن والسنة الصحيحة الثابتة بفهم سلف الأمة، فإذا ورد في الشرع في القرآن أو في السنة ننظر إلى الذين عايشوا الوحي عند نزوله؛ لأنهم كانوا أسرع الناس للعمل به، ما هو موقفهم تجاه مثل هذه المسائل؟ ولنضع نصب أعيننا أن كل واحد يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم ﷺ ، فالدليل هو الذي يحكمنا ليقودنا إلى الحق. وصار أيضًا غير المسلمين يتفوهون ويطعنون في دين اللَّه ﵎ بسبب مثل هذه الأحكام الشرعية التي لا يدركون المغزى منها، ولذا كان لزامًا علينا أن نقدم بهذه المقدمة قبل عرض الوجوه التي تدحض هذه الشبهة. وأحب أن أتطرق إلى مسائل مرتبطة برضاع الكبير ليتبين لنا الحق بعدها بإذن اللَّه ، وأُجمل ما أقول فيما يلي: أولًا: مسألة التبني، وحال المُتَبَنَّي في الجاهلية والإسلام . ثانيًا: من سالم الذي أذن له في الرضاع وهو كبير؟ ثالثًا: سهلة المرضعة، من هي؟ وما ورد عن احتشامها وعفتها؟ رابعًا: أبو حذيفة زوج المرضعة، من هو؟ وكيف وصف بالغيرة؟ خامسًا: عائشة أم المؤمنين التي أفتت بجواز رضاع الكبير، وعفتها واحتشامها، وما وصفت به من أخلاق جليلة تستحق أن تكون فقيهة الأمة، وماذا عن اجتهادها إن جانبها الصواب؟ سادسًا: الظروف التي أحاطت بحالة رضاع الكبير، فما هو الحل الشرعي لمثل هذه المواقف؟ فأعرني قلبك يا من تريد أن تصل إلى الحق لنُفصل ما أجملناه في هذه المقدمة. أولًا: مسألة التبني وحال المتبني في الجاهلية والإسلام. لقد حرم القرآنُ التبني، وقضى على هذه العادة الجاهلية التي انتقلت إلى العرب عن طريق الرومان؛ وذلك لكي يردُّوا الأنساب إلى أصولها الحقيقية؛ ولكي يقيم بناء الأسرة

стр. 6635

على دعائم قوية من الترابط والتماسك تحقيقًا لهذه القاعدة التي قررها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: ٧٥) وقد جاء التحريم في أول سورة الأحزاب إذ قال اللَّه تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ (الأحزاب: ٤) وقد كانوا يعطون الابن من التبني حقوق الابن من الصلب في الميراث وحرمة النكاح، وتلك عادة فاسدة، فكيف يكون هذا الدخيل مثل الابن الحقيقي يخلو بزوجة من تبناه وهي ليست أمه؟ وكيف يخلو ببناته وهن لسن بأخواته؟ وبأي حق يزاحمهم في الميراث ويحرم بقية العصبة من الأعمام والأخوة، أو يزاحم الولد من الصلب إن وجد؟ وكيف يترك المتبنى أباه وأمه وينسب إلى غير أهله، ويلتحق بقوم آخرين؟ من أجل هذه المفاسد حرم القرآن التبني، وقد طبق الرسول ﷺ ذلك تطبيقًا عمليًا، فكان أول من هدم تلك العادة؛ لأنه القدوة للناس، فتزوج حليلة متبناه زيد بن حارثة بأمر اللَّه ، وقد صرح اللَّه -تعالى- في كتابه أنه هو الذي زوج النبي ﷺ من زينب بنت جحش، وأوضح الحكمة من هذا الزواج حيث قال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٧). (١) وكانت هناك حالات أخرى متبناه عند بعض الصحابة كسالم مولى أبي حذيفة. وإذا نظرنا إلى سالم وإلى حالته وجدناها حالة خاصة قد تكون فريدة، فسالم تربى في بيت أبي حذيفة، وكان متبني، فكان أولًا قبل ذلك مولى لثبيتة بنت يعار الأنصارية زوجة

стр. 6636

أبي حذيفة، فأعتقته، فتبناه أبو حذيفة، وكان لا يستغني عن سالم بالدخول فلما حرم اللَّه التبني كانت هذه الإشكالات مشقة منع سالم عن الدخول، لا يستغني عنه بالدخول، ولم يكن له بيت غير بيت أبي حذيفة، ثم أمر آخر، وهو من سالم؟ وهذه مسألة ثانية. ثانيًا: من سالم الذي أذن له في الرضاع وهو كبير . فسالم من الأخيار من السابقين الأولين البدريين المقربين العالمين، أصله من اصطخر، أعتقته ثبيتة بنت يعار الأنصارية، زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة (١). قال عنه النبي ﷺ "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَة -وذكر منهم- وَسَالمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ" (٢). عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ استبطأني رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة، فَقَالَ "مَا حَبَسَكِ؟ قَالَتْ إِنَّ في المَسْجِدِ رَجُلًا لأَحْسَنُ مَنْ سمعت صوتًا بالقرآن، فأخذ رداءه وخرج يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: "الْحَمْدُ للَّه الذي جَعَلَ في أمتي مِثْلَكَ". (٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصبَةَ -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا. (٤) ثالثًا: سهله بنت سهيل . هي سهلة بنت سهيل، أسلمت قديما بمكة، وهاجرت إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة، وولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة، أترى امرأة تترك ديارها وأهلها مهاجرة مضحية بنفسها في سبيل اللَّه تخالف شرع ربها. ثم إنها في حديث الرضاع جاءت تسأل النبي ﷺ عن حكم دخول سالم مولى أبي حذيفة عليها بعدما حرم التبني. وذاك يدل على مدى عفتها وطلبها في معرفة الحق. (٥)

стр. 6637

رابعًا: أبو حذيفة بن عتبة . أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة. قتل يوم اليمامة شهيدًا، وكانت معه امرأته بأرض الحبشة. وكان من فضلاء الصحابة، جمع اللَّه له الشرف. والفضل، وكان إسلامه قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم. ولما هاجر إلى الحبشة عاد منها إلى مكة، فأقام مع رسول اللَّه ﷺ حتى هاجر إلى المدينة، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين عباد بن بشر الأنصاري، وشهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وقتل يوم اليمامة شهيدًا، وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة. (١) وقد وصف أبو حذيفة بصفات جليلة منها الغيرة، كما في حديث الرضاع لما حرم اللَّه التبني، وكان سالم يدخل بيت أبي حذيفة، يدخل على سهلة وهي في ثياب بيتها كانت سهلة ترى الكراهة في وجه أبي حذيفة، وكأنه يكره مخالفة شرع اللَّه . والسؤال أترى رجلًا بمثل هذه الصفات يترك زوجه أو غلامه يفعل شيئًا يخالف شرع اللَّه ! ، وسيأتي التفصيل في وقته. خامسا: عائشة ﵂ التي أفتت بجواز رضاع الكبير . عائشة ﵂ الصديقة بنت الصديق أبي بكر ﵃، تعلمت على يد النبي ﷺ ، تربت في بيت النبوة كزوجة، كداعية، كمصلحة للأمة، فنقلت لنا كثيرًا من السنة النبوية، فرضي اللَّه عنها وعن سائر أمهات المؤمنين. وقد خالفت سائر الصحابة في مسألة رضاع الكبير وهذا اجتهاد منها ﵂؛ فهي التي رأت أن حديث سهلة عام وليس خاصًا، فعملت به وهي على اجتهادها مأجورة إن شاء اللَّه -تعالى-، مع مخالفتها للصواب. (٢)

стр. 6638

أما أنها أفتت برضاع الكبير لتكون رخصة في دخول الناس عليها كما يفترون عليها فهذا أمر فيه خلل كبير، وهو مردود، وسيرتها تشهد بذلك، وإليك بعض الأمثلة: ١ - التزامها بحجابها حتى في دعوتها إلى اللَّه وتبليغها سنة النبي ﷺ للصحابة، ولو اتخذت فتوى رضاع الكبير ذريعة لدخول الناس عليها ما التزمت حجابها. ٢ - في حديث مسلم أنها قالت "أَنَّ أَفْلَحَ -أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ قَالَتْ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَخْبَرْتُهُ بالذي صَنَعْتُ فأمرني أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ". وفي رواية قال ﷺ "لَا تحتجبي مِنْهُ فإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". (١) ٣ - عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية عن عائشة قالت: ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابب في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا فتفضلت بعد. قالا: ووصفت لنا قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر وقبر عمر، وهذه القبور في سهوة بيت عائشة. (٢) قلت: سبحان اللَّه عائشة تلتزم ثيابها من ميت مقبور وتستحي منه، ما أجل حياءها! وما أعظم أخلاقها! إنها أم المؤمنين، عائشة ﵂. ثانيًا: الجواب عن شبهة رضاع الكبير من وجوه الوجه الأول: أن الرضاع ثبت في الأصل للطفل دون الحولين . قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٣) وإليك أقوال المفسرين وأهل العلم في الآية:

стр. 6639

قال القرطبي: انتزع مالك رحمه اللَّه تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. هذا قوله في موطئه. (١) قلت: وهذا الخبر مع الآية والمعنى، ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. (٢) قال ابن القيم: قَالَ أَصْحَابُ الْحَوْلَيْنِ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، قَالُوا: فَجَعَلَ تَمامَ الرّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَدَلّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِمَا بَعْدَهُمَا فَلَا يَتَعَلّقُ بِهِ التّحْرِيمُ. (٣) قال ابن كثير: هذا إرشاد من اللَّه تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم، من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم. ثم نقل ابن كثير هذا القول عن جمهور العلماء وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي ﷺ سوى عائشة. (٤) قال الشافعي: والدلاله على الفرق بين الصغير والكبير موجودة في كتاب اللَّه . قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فجعل اللَّه تمام الرضاع حولين كاملين. وقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ يعني واللَّه تعالى أعلم قبل الحولين فدل على أن إرخاصه في فصال الحولين على أن ذلك إنما يكون باجتماعهما على فصاله قبل الحولين، وذلك لا يكون -واللَّه تعالى أعلم- إلا

стр. 6640

بالنظر للمولود من والديه أن يكونا يريان أن فصاله قبل الحولين خير له من إتمام الرضاع له لعلة تكون به أو بمرضعته وأنه لا يقبل رضاع غيرها أو ما أشبه هذا. وما جعل اللَّه تعالى له غاية بالحكم بعد مضى الغاية فيه غيره قبل مضيها. فإن قال قائل وما ذلك؟ قيل قال اللَّه تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية فكان لهم أن يقصروا مسافرين وكان في شرط القصر لهم بحال موصوفة دليل على أن حكمهم في غير ذلك الصفة غير القصر. وقال تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فكن إذا مضت الثلاثة أقراء فحكمهن بعد مضيها غير حكمهن فيها. (١) قلت: وقد استشهد البخاري بالآية لتكون دليلًا على أنه لا رضاع بعد حولين حيث وضع بابًا في كتاب النكاح أسماه. باب (من قال لا رضاع بعد حولين لقوله تعالى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ثم ذكر حديث عائشة ﵂ "إنما الرضاعة من المجاعة" (٢). في آية ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ ما يدل أيضًا أن رضاع الكبير لا يُحرِّم. قال ابن القيم: قَالُوا: وَهَذِهِ مُدّةُ الثّدْي الّذِي قَالَ فِيهَا: لَا رَضَاعَ إلّا مَا كَانَ فِي الثّدْي أَيْ فِي زَمَنِ الثّدْي، وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَإِنّ الْعَرَبَ يَقُوُلونَ فُلَانٌ مَاتَ فِي الثّدْي أَيْ فِي زَمَنِ الرّضَاعِ قَبْلَ الْفِطَامِ وَمنْهُ الْحَدِيثُ الذي رواه مسلم "إنّ إبْرَاهِيمَ مَاتَ

стр. 6641

فِي الثّدْي وَإِنّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنّةِ تُتِمّ رَضَاعَهُ" (١)، قَالُوا: وَأَكّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ "لَا رَضَاعَ إلّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ فِي الثّدْي قَبْلَ الْفِطَامِ" (٢). فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ لِلرّضَاع المُحَرّم وَمَعْلُومٌ أَنّ رَضَاعَ الشّيْخِ الْكَبِيرِ عَارٍ مِنْ الثّلَاثَةِ. (٣) الوجه الثاني: الأحاديث والآثار تؤكد على أن الأصل في الرضاع للطفل، وأن رضاع الكبير لا يحرم . ١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير، وجهه كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: "انظرن ما إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة" (٤) قال الحافظ في الفتح: والمعنى تأملن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ومقدار الارتضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط، قال المهلَّب: معناه انظرن ما سبب هذه الأخوة؛ فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة، وقال أبو عبيد معناه: أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع. وقوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة" فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر، لأن الرضاعة تُثبت النسب وتجعل الرضيع محرما، وقوله من المجاعة أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلًا لسد اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير كجزء من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ (قريش: من الآية ٤) (٥)

стр. 6642

قال ابن القيم: وَلَوْ كَانَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ مُحَرّمًا لمَا قَالَ النّبِيّ ﷺ لِعَائِشَةَ - وَقَدْ تَغَيّرَ وَجْهُهُ وَكَرِهَ دُخُولَ أَخِيهَا مِنْ الرّضَاعَةِ عَلَيْهَا لَمّا رَآهُ كَبِيرًا: "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنّ"، فَلَوْ حَرّمَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصّغِيرِ وَلمَا كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنّ"، ثُمّ قَالَ "فَإِنّمَا الرّضَاعَةُ مِنْ المَجَاعَةِ وَتَحْتَ هَذَا مِنْ المَعْنَى خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ ارْتَضَعَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الرّضَاعِ وَهُوَ زَمَنُ المَجَاعَةِ فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَلَا يَكُونُ أَخًا. (١) قال أبو عبيد: قوله "إنما الرضاعة من المجاعة" يقول: إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن إنما هو الصبي الرضيع، فأما الذي يشبعه من جوعه الطعام فإن أرضعتموه فليس ذلك برضاع. (٢) ١ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ في الثدي وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ". (٣) والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين. ٢ - عن ابن عمر أنه قال "لا رضاع إلا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير". (٤)

стр. 6643

٣ - عن ابن عباس قال "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". (١) ٤ - عن عبد اللَّه بن دينار، قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵃ وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كانت لي وليدة وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك فقد واللَّه أرضعتها، فقال عمر: أوجعها وائت جاريتك، إنما الرضاعة رضاعة الصغير. (٢) ٥ - جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إنها كانت معي امرأتي فحصر لبنها في ثديها، فجعلت أمصه ثم أمجه، فأتيت أبا موسى فسألته، فقال: حرمت عليك، قال: فقام وقمنا معه حتى انتهى إلى أبي موسى، فقال: ما أفتيت هذا؟ فأخبره بالذي أفتاه، فقال ابن مسعود وأخذ بيد الرجل: أرضيعًا ترى هذا؟ إنما الرضاع ما أنبت اللحم والدم، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم. (٣) ٦ - عن سعيد بن المسيب قال: لا رضاع إلا ما كان في المهد وإلا ما أنبت اللحم والدم. (٤)

стр. 6644

٧ - عن الشعبي قال: كل سعوط، أو وجور، أو رضاع يرضع قبل الحولين فهو يحرم، وما كان بعد الحولين فلا يحرم. (١) الوجه الثالث: جمهور العلماء على أن رضاع الكبير لا يُحرم قال ابن قدامة: فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَوْلَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَليٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى عَائِشَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. (٢) قال النووي: اختلف العلماء في هذه المسألة، فقالت عائشة وداود: تثبت، وقال سائر العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار: لا تثبت (٣) إلا من له دون سنتين، إلا أبا حنيفة. (٤) قال الكاساني: وأما صفة الرضاع المحرم فالرضاع المحرم ما يكون في حال الصغر، فأما ما يكون في حال الكبر فلا يحرم عند عامة العلماء وعامة الصحابة ﵃ إلا ما روي عن عائشة ﵂، ثم أورد ﵀ أدلة كل فريق، واختار رأي الجمهور. (٥) قال ابن حجر: الجمهور يعتبرون الصغر في الرضاع المُحرم. (٦)، ونقل الأدلة على ذلك. الوجه الرابع: لو كان رضاع الكبير يؤثر مطلقًا لكان أولى الناس به الحمو .

стр. 6645

لو كان إرضاع الكبير مؤثرًا لقال النبي ﷺ حينما سئل عن الحمو، ترضعه زوجة أخيه حتى يدخل عليها وتصبح امرأته من محارمه، ولكن قال "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ، قَالَ: "الْحَمْوُ الْمَوْتُ"" (١) قال النووي: قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: الْحَمو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج: ابْن الْعَمّ وَنَحْوه. اتَّفَقَ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاء أَقَارِب زَوْج الْمَرْأَة كَأَبِيهِ، وَأَخِيهِ، وَابْن أَخِيهِ، وَابْن عَمّه، وَنَحْوهمْ. ثم قال: وَأَمَّا قَوْله ﷺ (الحمو المُوْت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى المَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. (٢) الوجه الخامس: فيمن قال من أهل العلم بأن رضاع الكبير يُحرم مطلقًا وبيان حجتهم والرد عليها . قد ثبت ذلك عن طائفة من السلف والخلف على أن رضاع الكبير يُحرم مطلقًا. قال ابن القيم: وَهَذَا قَوْلٌ ثَابِت عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَيُرْوَى عَنْ عِليّ بن أبي طالب (٣)، وَعُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَهُوَ قَوْلُ اللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي مُحَمّدِ بْنِ حَزْمٍ. (٤) قال ابن حزم: ورضاع الكبير ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير ولا فرق. (٥) (وهذه أدلتهم). ١ - حديث سهلة بنت سهيل عن عائشة قالت:

стр. 6646

جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النبي ﷺ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّه إني أَرَى في وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ -وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "أَرْضِعِيهِ"، قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَقَالَ "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ". وفي رواية أخرى: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتهِمْ فَأَتَتْ تَعْنِي ابْنَةَ سُهَيْلٍ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبْ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ. وفي رواية أخرى: أَنَّ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قال: أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتِ النَّبي ﷺ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّ سَالِمًا -لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- مَعَنَا فِي بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ. قَالَ "أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ"، قَالَ فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ وَهِبْتُهُ، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ، قَالَ فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ فَحَدِّثْهُ عَنّي أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ. وفي رواية أخرى: أن أُمُّ سَلَمَةَ قالت لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّه ﷺ أُسْوَةٌ قَالَتْ إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ. وفي رواية أخرى: أن زينب بنت أبي سلمة تقول: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول لعائشة واللَّه ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة فقالت لم؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت يا رسول اللَّه إني لأرى في وجه أبي حذيفة من

стр. 6647

دخول سالم، قالت فقال رسول اللَّه ﷺ أرضعيه، فقالت إنه ذو لحية، فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، فقالت: واللَّه ما عرفته في وجه أبي حذيفة. وفي رواية أخرى: أن أم سلمة كانت تقول: أَبَى سائرُ أزواج النبي ﷺ أن يُدْخِلْنَ عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقُلْنَ لعائشة: واللَّه ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول اللَّه ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة ولا رَائِينَا. (١) وعند أبي داود بسياق طويل عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس كان تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول اللَّه ﷺ زيدا، وكان من تبنَّى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه؛ حتى أنزل اللَّه في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية ٥) فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت يا رسول اللَّه: إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلًا، وقد أنزل اللَّه فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة ﵂ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة واللَّه ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس. (٢)

стр. 6648

٢. واحتجوا أيضًا بقول النبي ﷺ "إنما الرضاعة من المجاعة"، وقالوا حجة لنا لأن شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعًا كما في الصغير. (١) ٣. احتجوا أيضًا بفعل عائشة ﵂ كما سبق في حديث سهلة. قال ابن حزم: "فصح أن عائشة ﵂ كان يدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أختٌ من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة اللَّه ونقطع بأنه تعالى لم يكن ليبيح سر رسول اللَّه ﷺ ينتهكه من لا يحل له مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فنحن نوقن ونبتُّ بأن رضاع الكبير يقع به التحريم، وليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن بهذه الرضاعة شيء ينكر؛ لأن مباحا لهن أن لا يدخل عليهن من يحل له الدخول عليهن. (٢) وإليك الجواب على هذه الحجج . أما حديث سهلة فالإجابة عنه من وجوه: ١ - أن هذا الحديث منسوخ ذكره ابن القيم: قال ابن القيم: قالوا: وأما حديث سهلة في رضاع سالم فهذا كان في أول الهجرة؛ لأن قصته كانت عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية ٥) وهي نزلت في أول الهجرة، وأما أحاديث اشتراط الصغر وأن يكون في الثدي قبل الفطام فهي من رواية ابن عباس وأبي هريرة، وابن عباس إنما قدم المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنما أسلم عام فتح خيبر، بلا شك كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة. (٣)

стр. 6649

ونقل الحازمي عن بعض الشافعية قال: ما يدل على أن حديث عائشة منسوخ؛ وذلك أن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة لأنها جرت عقب نزول الآية، والآية نزلت في أوائل الهجرة، والحكم الثاني رواه أحداث الصحابة وجماعة تأخر إسلامهم نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهما وهذا ظاهر في النسخ لا خفاء فيه. (١) ويجاب على دعوى النسخ بما يلي: قال ابن القيم: ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث، ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة لكانت نظير دعواهم، وأما قولهم إنها كانت في أول الهجرة وحين نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٥) ورواية ابن عباس ﵁ وأبي هريرة بعد ذلك. فجوابه من وجوه: أحدها: أنهما لم يصرحا بسماعه من النبي ﷺ ، بل لم يسمع منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثا وسائرها عن الصحابة ﵃. الثاني: أن نساء النبي ﷺ لم تحتج واحدة منهن بل ولا غيرهن على عائشة ﵂ بذلك، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم وعدم إلحاق غيره به. الثالث: أن عائشة ﵂ نفسها روت هذا وهذا، فلو كان حديث سهلة منسوخا لكانت عائشة ﵂ قد أخذت به وتركت الناسخ أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له وكلاهما ممتنع وفي غاية البعد. الرابع: أن عائشة ﵂ ابتليت بالمسألة، وكانت تعمل بها وتناظر عليها وتدعو إليها صواحباتها، فلها بها مزيد اعتناء، فكيف يكون هذا حكما منسوخا قد بطل كونه من الدين

стр. 6650

جملة ويخفى عليها ذلك ويخفى على نساء النبي ﷺ فلا تذكره لها واحدة منهن؟ (١) ٢ - أن حديث سهلة خاص وهذا قول أم سلمة ومن معها من نساء النبي ﷺ -وهو قول الجمهور أيضًا . قال ابن عبد البر بعد ما ذكر رواية ابن أبي مليكة: أنه ترك الحديث سنة أو قريبا منها لا يحدث به رهبة له. هذا يدلك على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به ولم يتلقه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه خصوص، واللَّه أعلم. (٢) قال ابن القيم: ذاكرًا هذا الرأي ثم قال: هذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النبي ﷺ ومن تبعهن، وهذا مسلك أقوى من السابق. (٣) قال الشوكاني: وذهب الجمهور إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير، وأجابوا عن قصة سالم بأنها خاصة. (٤) قال الشافعي: وإذا كان هذا لسالم خاصة، فالخاص لا يكون إلا مخرجًا من حكم العام، وإذا كان مخرجا من حكم العام فالخاص غير العام، ولا يجوز في العام إلا أن يكون رضاع الكبير لا يحرم. (٥) * قد يكون الحديث رخصة للحاجة لمن كان في مثل حالة سالم. وقد رجح هذا المسلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني.

стр. 6651

قال ابن القيم: وقد يكون رضاع الكبير رخصة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير. والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، واللَّه الموفق. (١) قلت: ومن هنا كان على من قال بهذا القول أن يضع الضوابط التي وضعها أصحاب هذا الرأي ويجليها؛ حتى يفهم هذا القول ومدى حجته. وضبط هذه المسألة لا يكون إلا بمجموعة من أهل العلم المتخصصين تعرض عليهم المسألة، فإن كانت حالة المسألة مثل حالة سالم مع ضوابطها واتفقوا على ذلك فلا مانع بالقول بالرضاع كحل إسلامي شرعي؛ وخاصة مع انعدام حلول شرعية أخرى مقدمة وتكون المسألة فردية، فإن كررت عرضت على أهل العلم ولا تقاس على سابقتها، وإنما تكون كل حالة بعينها ينظر فيها وحدها، وتكون الأصل هي حالة سالم. تأتي مسألة أخرى مهمة وهي: إن أفُتي برضاع الكبير في مثل هذه الحالات النادرة على قول ابن تيمية ومن معه. فما هي صفة الرضاع: أيلتقم الثدي أم يُجلب له من لبنها في إناء ثم يشرب هذا اللبن على خمس مرات حتى تحرم عليه. لنتعرف على الجواب الصحيح على هذه المسألة المهمة التي يلقى من خلالها الشبهات. صفة الرضاع المُحرم .

стр. 6652

ولا يلزم من القول بالرخصة لمن كانت له حاجة في إرضاع الكبير أن يرضع من الثدي مباشرة، فإن هذا لم يحدث مع سهلة. قال ابن عبد البر: هكذا إرضاع الكبير كما ذكر يحلب له اللبن ويسقاه وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء. (١) قال النووي: قال القاضي: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسين، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر. (٢) ثم إن النص لم يصرح بأن الرضاع كان بملامسة الثدي، وسياق الحديث متعلق بالحرج من الدخول على بيت أبي حذيفة فكيف يرضى بالرضاع المباشر؟ قال ابن قتيبة: وقد كان سالم يدخل عليها وترى هي الكراهة في وجه أبي حذيفة، ولولا أن الدخول كان جائزًا ما دخل عليها، ولكان أبو حذيفة ينهاه، فأراد الرسول ﷺ بمحلها عنده وما أحب من ائتلافها ونفي الوحشة عنها - أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة ويطيب نفسه بدخوله، فقال لها: "أرضعيه". (٣) ولم يرد ضعي ثديك في فيه كما يُفعل بالأطفال، ولكن أراد احلبي له من لبنك شيئًا ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا؛ لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثديها إلى أن يقع الرضاع، فكيف يبيح له مما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة، ومما يدل على هذا التأويل أيضًا أنها قالت: يا رسول اللَّه أرضعه وهو كبير، فضحك النبي ﷺ وقال: ألست أعلم أنه كبير، وضحكه في هذا الموضع دليل على أنه تلطف بهذا الرضاع لما أراد من

стр. 6653

الائتلاف ونفي الوحشة من غير أن يكون دخول سالم كان حرامًا أو يكون هذا الرضاع أحل شيئًا كان محظورًا أو صار سالم لها به ابنًا. (١) وقد رُوي أن سهلة كانت تحلب لبنها في مسعط أو إناء فيشربه سالم كل يوم خمسة أيام. (٢) قال ابن عبد البر: وقد أجمع العلماء على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن وإن لم يمصه من ثديها. (٣) قلت: إلا أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. قال ابن تيمية: ولكن تنازع العلماء في السعوط وهو ما إذا دخل في أنفه بعد تنازعهم في الوَجُور (٤) وهو ما يطرح فيه من غير رضاع، وأكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر الروايتين عن أحمد. (٥) ورجح قول الأكثريه وهو التحريم، واحتج بقول ابن مسعود لإرضاعَ إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم، وقال: ولأن هذا يصل إليه اللبن كما يصل بالإرضاع ويحصل من إنبات اللحم وانشاذ العظم ما يحصل بالرضاع فيجب أن يساويه في التحريم. (٦) قال ابن حجر: واستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر فيوافق الخبر والمعنى. (٧)

стр. 6654

قال الشافعي: والوجور كالرضاع وكذلك السعوط لأن الرأس جوف. (١) قال الكاساني: ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار، لأن المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشاز العظم وسد المجاعة لأن يتحقق الجزئية وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار لأن السعوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي ويسد الجوع والوجور يصل إلى الجوف فيغذي. (٢) وممن ذهب إلى عدم ثبوت الرضاع بالشرب من الإناء أو الوجور ابن حزم، وقول للحنفية. "وحجتهم في ذلك المعنى العام للرضاع". (٣) وقد انتقد هذا القول بعدة اعتراضات: ١ - هذا خلاف ما عليه الجمهور من العلماء وهو الأصل من حيث ثبوت الأدلة التي ذكرناها. ٢ - أن الرضاع في اللغة: "رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة إلى أن قال: امتص ثديها" (٤) وقال في مادة مصصته أنه بمعنى شربته شربا رفيقا. (٥) ومن ثم فإن تعريف ابن حزم للرضاعة مبني على التعريف اللغوي لها بحيث وقف فيه عند مدلول النصوص ولم يتعد حدودها. (٦) قلت: وقد بينا أنه على خلاف المعنى اللغوي أيضًا. ٣ - أن المعنى الاصطلاحي للرضاع هو "اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في جوف طفل بشروط، ومن ثم فإن الرضاع يحصل بالشرب ولا يشترط أن يمص الثدي"

стр. 6655

ثانيًا: أما عن احتجاجهم بحديث "إنما الرضاعة من المجاعة" بقولهم إن شرب اللبن يؤثر في الكبير كما يؤثر في الصغير. فهذا كلام غير صحيح. قال ابن القيم: وقولكم إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل، فإنه لا يُعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا، والذي يوضح هذا أنه ﷺ لم يرد حقيقة المجاعة، وإنما أراد مظنتها وزمنها ولا شك أنه الصغر. (١) ثالثًا: وأما احتجاجهم بقول ونقل عائشة ﵂. فهذا لا دليل له. فرضي اللَّه عن أم المؤمنين فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية فسائر أزواج النبي ﷺ يخالفنها في ذلك ولايرين دخول هذا الستر المصون والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجرًا واحدًا والآخر مأجور أجرين. وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم اللَّه ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة والمانع من الدخول فائز بالأجر مجتهد في مرضاة اللَّه وطاعة رسوله وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين - داود وسليمان اللذين أثنى اللَّه عليهما بالحكمة والحكم وخص بفهم الحكومة أحدهما. (٢) قلت: وقد بينا في المقدمة حرص عائشة ﵂ على الخير ورفعة أخلاقها وتجنبها للشبهات وغير هذه الأمور. الوجه السادس: الرد على باقي أدلتهم حول هذه الشبهة . أما عن قولهم لماذا وضع البخاري الرضاع في كتاب النكاح. والجواب على ذلك نقول:
следующие страницы →