المرأة نصف الرجل لأسباب تتوافق مع الروافد الأخرى من الأحكام الشرعية التي تتكامل أجزاؤها في توازن دقيق لا يند عنه شيء، ولا يظلم طرفًا لحساب آخر لأنها شريعة اللَّه تعالى الحكيم العليم الخبير العدل.
وإذا أردنا أن تتكامل صورة تكريم الإنسان للمرأة، وإعطائها حظًا موفورًا من الكرامة مع الحقوق المادية نبحث في القسم الثاني من هذه الدراسة حق المرأة في النفقة في الشريعة الإسلامية.
هل يختلف الحكم إذا استغنت المرأة بعمل أو نحوه؟
يقول بعض الناس: كان هذا الذي تقول مقبولًا عندما كانت المرأة بعيدة عن الأسواق، والعمل، والوظائف. أما اليوم، وقد غدت المرأة شريكة الرجل في الأعمال كلِّها تقريبًا، فما المبرر لأن يبقى الابن وحده هو المسئول عن الإنفاق على أبيه الكبير الذي تقاعد عن الكسب؟ وما الذي يمنع أن تكون أخته التي تكسب مثله شريكة معه في هذه المسئولية؟ . . بل لماذا يحمَّل الشاب وحده مؤونة الزواج، من مهر ومسكن ونفقة، ما دامت زوجته مثله في العمل والاكتساب وجمع المال؟ . . فإذا اشترك الرجل والمرأة -نظرًا إلى ما آل إليه الأمر والحال- في المغانم والمغارم، وكانا يقفان من ذلك كله على قدم المساواة، كما نرى الآن في كثير من الظروف والجتمعات؛ فإن السبب الذي اقتضى تطبيق حكم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ في بعض حالات الميراث، لم يعد واردًا في هذا العصر.
والجواب: أن الشارع يفرق في هذه المسألة، أو الحالة التي نفرضها، بين الحافز الأخلاقي، والإلزام الشرعي أو القانوني.
أما من حيث النظر إلى الحافز الأخلاقي، فإنه يفتح المجال واسعًا أمام المرأة، بنتًا كانت أو زوجة، أو أختًا، للاشتراك مع أخيها أو زوجها أو بقية أقاربها الرجال، في سائر وجوه الإنفاق، فالمرأة مدعوة، بمقتضى الحافز الأخلاقي، إلى التخفيف من الأعباء الملقاة على زوجها، في نطاق المهر، ومجال النفقة الدائمة على البيت، سواء عن طريق مشاركتها له في كلِّ ذلك، أو في
стр. 6687
تجاوز ما تستطيع أن تتجاوزه من حقوقها في المهر أو النفقات. كما أنها مدعوة بمقتضى الحافز الأخلاقي ذاته إلى أن تنفق على أبيها وأمها وبقية أصولها ما أمكنها ذلك.
وقد روى الشيخان من حديث زينب الثقفية زوجة عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول للنساء: تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن. . قالت فرجعت إلى عبد اللَّه بن مسعود، فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن اللَّه قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك -أي التصدق عليك- يجزئ عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد اللَّه: بل ائتيه أنت؛ فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول اللَّه ﷺ ، حاجتي حاجتها، وكان رسول اللَّه ﷺ قد ألقيت عليه المهابة. فخرج علينا بلال. فقلنا له: ائت رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. فدخل بلال على رسول اللَّه ﷺ فسأله. . فقال له رسول اللَّه: من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول اللَّه ﷺ ؟ أي الزيانب هي؟ قال: امرأة عبد اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : لهما أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة.
غير أن الحافز الأخلاقي إنما تبرز قيمته في مناخ الحرية كما هو معلوم. إذ الإلزام بالإنفاق على الزوج والأب ونحوهما ليس من شأنه أن يبرز خلق الكرم والسخاء لدى الزوجة التي تلزم بذلك.
ولذا فإن استثارة الحافز الأخلاقي لا تصلح أن تكون بديلًا من الواجب الذي يلاحق الزوج، والأب، والولد بضرورة الإنفاق. . إذ لا يوجد لدى الزوجة مثلًا هذا الحافز.
وأما من حيث الإلزام الشرعي، فإن الشارع لو فعل ذلك، أي: ألزم الزوجة بالإنفاق على البيت أو لو ألزم الأم، أو البنت بذلك، لسرى ذلك إلى إلزام المرأة بالخروج إلى العمل لاكتساب الرزق. . ولجرَّ ذلك المرأة إلى الوقوع في المشكلات التي وقعت المرأة الغربية فيها عندما ألزمت بالعمل إلزامًا، وقد فصَّلنا القول في طرف من ذلك.
стр. 6688
إن حماية المرأة من الوقوع في تلك المشكلات التي اتضح للقارئ مدى خطورتها، تقتضي أن تكون مطمئنة دائمًا إلى أن رزقها موفور من خلال حياة كريمة بوسعها أن تعيشها وتطمئن إليها، وذلك بمسئولية أبيها عنها طالما كانت في كنفه، ثم بمسئولية زوجها عنها إذا تحولت إلى الحياة الزوجية. . فإن هي رغبت مع ذلك في عمل من أعمال الكسب، لتوفير المال، أو بذل نشاط، فلسوف تجد السبل المشروعة إلى العمل مفتحة أمامها، دون أن تحملها الضرورة على ممارسة أعمال غير لائقة، أو أن تدفعها الحاجة إلى الغياب عن البيت، وترك مسئولياتها في تربية الأولاد ورعاية الزوج مهملة، كما هي الحال في المجتمعات الغربية (١).
الوجه الخامس: ميراث المرأة في الكتاب المقدس .
هذا موقف الإسلام رأيناه في القرآن والسنة. فما موقف كتب اليهود والنصارى في المقابل؟ هنا يمكننا أن نقول إن موقف النصارى ملخص في هذه الجملة من إنجيل متى ٥: ١٧ (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمّل.) وعليه فوجهة النصارى تابعة لوجهة اليهود ومستمدة من شرائع العهد القديم.
فلننظر إلى كتاب اليهود والنصارى المقدس لنتعرف على وجهة نظرهم في تلك المسألة كجزأ من نظرتهم إلى المرأة. فالمرأة في كتبهم لا ميراث لها ولا حق لها في أن ترث إلا في حالة واحدة: أن يكون لها أخوة ذكور. ولنقرأ هذا من سفر العدد: ٨ وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. ٩ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. ١٠ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. ١١ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيَرتهِ فَيَرِثُهُ".
فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى * هكذا نرى أن كتابهم المقدس جعل الميراث كاملا للابن الذكر. . . فإن لم يكن للمتوفى ابن ذكر ففي هذه الحالة
стр. 6689
فقط: ترث الأنثى. * بل الأسوأ للأنثى أنها ليست فقط محرومة من الميراث. . . بل أنها أيضًا محرومة من المهر ذلك الحق الذي أعطاها لها الإسلام. . . بل والأسوأ والأنكى أنها مطالبة بدفع بائنة (دوطة) لمن يتقدم لها للزواج. . . فهي تدفع حتى يرضى الرجل بالزواج منها وإلا كانت العنوسة مصيرها. والواقع أننا حينما نتحدث عن قضية ميراث المرأة في كتب اليهود والنصارى المقدسة إنما نتحدث عنه من نافلة القول. . . ذلك أن المرأة ذاتها جزء من الميراث عند اليهود والنصارى. فالمرأة التي يموت عنها زوجها جزء من ميراث أخو الزوج. . . يتزوجها وإن لم ترض به وإن كانت كارهة له. والواقع أن هذه العملية لا تعتبر زواجا بالمعنى المفهوم بل هي (ميراث) أو بالأدق (اغتصاب). لنقرأ هذا من كتابهم المقدس في سفر التثنية:
٥ "إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، فَلَا تَصِرِ امْرَأَةُ المَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُل أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، وَيَقُومُ لَهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. ٦ وَالْبِكْرُ الَّذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ المَيْتِ، لِئَلَّا يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسرَائِيلَ.
٧ "وإنْ لَمْ يَرْضَ الرَّجُلُ أَنْ يَأْخُذَ امْرَأَةَ أَخِيهِ، تَصْعَدُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَى الْبَابِ إِلَى الشُّيُوخِ وَتَقُولُ: قَدْ أَبى أَخُو زَوْجِي أَنْ يقيمَ لأَخِيهِ اسْمًا في إِسْرَائِيلَ. لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقُومَ لِي بِوَاجبِ أَخِي الزَّوْجِ.
إن هؤلاء جعلوا المرأة مجرد حيوان يرثه أهل المتوفى ولهم مطلق الحرية في التصرف فيه. هل رأى أحد القراء أو سمع أو تخيل امتهان للمرأة وإنسانيتها وأنوثتها بل وعفتها أبشع من ذلك؟ ؟ ؟ فإن كان النص السابق من سفر التثنية هو القانون أو القاعدة فدعونا نقرأ من سفر التكوين تطبيق هذه النظرية: ٦ وَأَخَذَ يَهُوذَا زَوْجَةً لِعِيرٍ بِكْرِهِ اسْمُهَا ثَامَارُ. ٧ وَكَانَ عِيرٌ بِكْرُ يَهُوذَا شرِّيرًا في عَيْنَي الرَّبِّ، فَأَمَاتَهُ الرَّبُّ. ٨ فَقَالَ يَهُوذَا لأُونَانَ: "ادخُلْ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيكَ وَتَزَوَّجْ بِهَا، وَأَقِمْ نَسْلًا لأَخِيكَ". ٩ فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لَا يَكُونُ لَهُ، فَكَانَ إِذْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ، لِكَيْ لَا يُعْطِيَ نَسْلًا لأَخِيهِ. ١٠ فَقَبُحَ في عَيْنَي الرَّبِّ مَا فَعَلَهُ، فَأَمَاتَهُ أَيْضًا. ١١ فَقَالَ يَهُوذَا لِثَامَارَ كَنَّتِهِ: "اقْعُدِي أَرْمَلَةً في بَيْتِ أَبِيكِ
стр. 6690
حَتَّى يَكْبُرَ شِيلَةُ ابْنِي". لأَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّهُ يَمُوتُ هُوَ أَيْضًا كَأَخَوَيْهِ". فَمَضَتْ ثَامَارُ وَقَعَدَتْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا.
يحكى النص هنا عن تطبيق نظرية ميراث أخو المتوفى لأرملة أخيه. . . والمثال هنا هو: أن (عير) ابن (يهوذا) توفى عن امرأته (ثامار) فأمر (يهوذا) ابنه (أونان) أخو (عير) أن يدخل على امرأة أخيه حتى تلد ابنا يحمل اسم (عير). أرأيتم انحلالا أشد من هذا؟ ؟ ؟ لكن دعونا نستكمل فالبقية أشد وأنكي. . . فلما علم أونان أن أبناءه من ثامار لن يكونوا باسمه بل باسم أخيه المتوفى لم يقرب ثامار. . . فغضب (إله الكتاب المقدس) على أونان فأماته. . . فأمر يهوذا امرأة ابنه ثامار أن تعود لبيت أبيها حتى يكبر ابنه الثالث فيرثها هو الآخر. ثم نتابع بقية القصة من سفر التكوين: ١٢ وَلمَّا طَالَ الزَّمَانُ مَاتَتِ ابْنَةُ شُوعٍ امْرَأَةُ يَهُوذَا. ثُمَّ تَعَزَّى يَهُوذَا فَصَعِدَ إِلَى جُزَّازِ غَنَمِهِ إِلَى تِمْنَةَ، هُوَ وَحِيرَةُ صَاحِبُهُ الْعَدُلَّامِيُّ. ١٣ فَأُخْبِرَتْ ثَامَارُ وَقِيلَ لَهَا: "هُوَذَا حَمُوكِ صَاعِدٌ إِلَى تِمْنَةَ لِيَجُزَّ غَنَمَهُ". ١٤ فَخَلَعَتْ عَنْهَا ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا، وَتَغَطَّتْ بِبُرْقُعٍ وَتَلَفَّفَتْ، وَجَلَسَتْ فِي مَدْخَلِ عَيْنَايِمَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ تِمْنَةَ، لأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ قَدْ كَبُرَ وَهِيَ لَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً. ١٥ فَنَظَرَهَا يَهُوذَا وَحَسِبَهَا زَانِيَةً، لأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ غَطَّتْ وَجْهَهَا. ١٦ فَمَالَ إِلَيْهَا عَلَى الطَّرِيقِ وَقَالَ: "هَاتِي أَدْخُلْ عَلَيْكِ". لأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّها كَنَّتُهُ. فَقَالَتْ: "مَاذَا تُعْطِينِي لِكَيْ تَدْخُلَ عَلَيَّ؟ " ١٧ فَقَالَ: "إِنِّي أُرْسِلُ جَدْيَ مِعْزَى مِنَ الْغَنَمِ". فَقَالَتْ: "هَلْ تُعْطِينِي رَهْنًا حَتَّى تُرْسِلَهُ؟ ". ١٨ فَقَالَ: "مَا الرَّهْنُ الَّذِي أُعْطِيكِ؟ " فَقَالَتْ: "خَاتِمُكَ وَعِصَابَتُكَ وَعَصَاكَ الَّتِي فِي يَدِكَ". فَأَعْطَاهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَحَبِلَتْ مِنْهُ. ١٩ ثُمَّ قَامَتْ وَمَضَتْ وَخَلَعَتْ عَنْهَا بُرْقُعَهَا وَلَبِسَتْ ثِيَابَ ترمُّلِهَا. الْمَكَانِ أَيْضًا قَالُوا: لَمْ تَكُنْ هَهُنَا زَانِيَةٌ". ٢٣ فَقَالَ يَهُوذَا: "لِتَأْخُذْ لِنَفْسِهَا، لِئَلَّا نَصِيرَ إِهَانَةً. إِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ هذَا الْجَدْيَ وَأَنْتَ لَمْ تَجِدْهَا".
٢٤ وَلَمَّا كَانَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أُخْبِرَ يَهُوذَا وَقِيلَ لَهُ: "قَدْ زَنَتْ ثَامَارُ كَنَّتُكَ، وَهَا هِيَ حُبْلَى أَيْضًا مِنَ الزِّنَا". فَقَالَ يَهُوذَا: "أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ". ٢٥ أَمَّا هِيَ فَلَمَّا أُخْرِجَتْ أَرْسَلَتْ
стр. 6691
إِلَى حَمِيهَا قَائِلَةً: "مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي هذِهِ لَهُ أَنَا حُبْلَى! " وَقَالَتْ: "حَقِّقْ لِمَنِ الْخَاتِمُ وَالْعِصَابَةُ وَالْعَصَا هذِهِ". ٢٦ فَتَحَقَّقَهَا يَهُوذَا وَقَالَ: "هِيَ أَبَرُّ مِنِّي، لأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ ابْنِي". فَلَمْ يَعُدْ يَعْرِفُهَا أَيْضًا.
والعجيب أنه من نسل هذا الزنا (زنا المحارم) ولد شخص له شأن على حسب الأناجيل. . . إنه إله النصارى يسوع المسيح. مرة أخرى وليست أخيرة. . . من أنصف المرأة؟ ؟ ؟ ومن ظلمها؟ ؟ ؟ ومرة أخرى. . . . هنيئا للمسلمات إسلامهن.
حججهم الواهية
يعترضون على نصوص العهد القديم في الميراث، فيقولون:
١ - أن العهد الجديد يدعوا للتساوي في كل شيء ولم يعطى وصية بالوراثة وتقسيماتها لأن فكر المسيح كان يعطي للناس التفكير في الروحانيات لا المال، فقال أنه لا يوجد عبد يستطيع أن يخدم خادمين في نفس الوقت، فتبقى مسألة التقسيم المتساوية متروكة للأشخاص أو السلطات.
٢ - في سفر الأمثال (١٩: ١٤) وقال: "البيت والثروة ميراث من الآباء أما الزوجة المتعقلة فمن عند الرب".
قلت: فمن كلامهم يتضح أن هناك نسخ للميراث في العهد القديم، مع أنه ليس هناك تفصيل لميراث المرأة في العهد الجديد، فهل معنى ذلك أن يفعل الناس ما تهوى أنفسهم من تقسيم للميراث، ويحدث شقاق بين الناس، وليس كوننا نجعل ميراث المرأة مثل الرجل: وندعي أن هذا هو الأفضل على الإطلاق، بل نقول أن تشريع اللَّه هو الأفضل على الإطلاق: فنسأل العهد الجديد ونقول له: لماذا لم يشرع اللَّه أحكامًا في ميراث المرأة، حتى لا يدع فرصة لأهواء البشر أن تتحكم؟
стр. 6692
فكما قلنا أن الأناجيل التي بيد النصارى تخلو من أي تشريع للمواريث، وظل المسيحيون يتوارثون بما في التوراة التي بأيدي اليهود، إلى وقت قريب، حين وضعت لهم كنائسهم نظامًا (١).
هـ- وعند اليهود يرث البكر الذكر وحده كل التركة، ولا شيء لأحد غيره من الإناث، لا الأم، ولا البنت، ولا الزوجة (٢)!
وإذا كان للميت ابن ابن، فكذلك لا شيء للإناث مطلقًا، ولو كان فيهم ابنة الميت.
وإذا كان ورثة الميت ذكورًا، تميز البكر بأخذ ضعف كل من الآخرين، ولا شيء للأب عند الفرع الوارث.
وإذا كان للميت بنات فقط، ليس معهن ذكر، كان للمورث أن يوصي بكل ماله لمن يشاء غيرهن، وأن يحرمهن كلهن! !
وفي إنجلترا مع خضوع كل إقليم لعاداته - يورث الذكور فقط.
وإذا كانت الذرية ذكورًا فقط، انفرد البكر بالميراث.
ولا ترث البنات إلا إذا لم يكن معهن الذكور، وكن منفردات.
والفرع الذكر، وإن نزل يحجب البنت وإن علت.
والأصول، وفيهم الأم لا ترث مع الفروع.
وفي سنة (١٥٦٧) -أي: بعد ظهور الإسلام بألف عام- صدر قرار من البرلمان الأيرلندي يحظر على المرأة أن يكون لها سلطة على شيء من الأشياء، ولهذا ما له من دلالة على أصالة الإسلام.
وإننا نجد أقباط مصر يتوارثون بالشريعة الإسلامية، وكان أمامهم -وهم غير مسلمين- مندوحة لاختيار ما تقرره الكنيسة المصرية، أو الغربية، ألا وهو: أن الفرنسيين عندما احتلوا مصر، بقيادة نابليون سنة (١٧٩٨ م) عجبوا من علم الميراث، فيما عجبوا منه، من معالم الإسلام، ولم يدون التاريخ نقدهم بأنه يظلم المرأة!
стр. 6695
إن الإسلام لم يترك الميراث لمشرع من البشر، كما لم يتركه لهوى المورِّث، فأنزل فيه قرآنًا محكمًا، على حين ليس في التوراة ولا الإنجيل نصوص في الميراث. فأي الفريقين خير مقامًا؟ ! .
إن من الغربيين من يوصي بتركته كلها للكلاب، من دون جميع أهله، وحدث في ألمانيا أن أوصى زوجان بكل ثروتهما لبائع صحف كان يصعد إليهما بالصحف، ففوجئ بوصيتهما بثروتهما كلها دون أحد من أهلهما! !
وهكذا يفعل هوى الإنسان في غير هدى من الدين (١)! !
الوجه السادس: أقوال علماء الغرب في ميراث المرأة .
لقد شهد علماء الغرب بما أعطاه الإسلام للمرأة من حقوق في الميراث، من هؤلاء لوبون الذي قال في كتابه: حضارة العرب، ما ترجمته: إن مبادئ المواريث التي نصَّ عليها القرآن الكريم على جانب عظيم من العدل والإنصاف، وقد ظهر لي من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنجليزية التي أعطتها للمرأة، أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات اللاتي يزعمن أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف حقوقًا في المواريث، لا نجد مثلها في قوانيننا ثم أضاف قائلًا: إن الدين الإسلامي هو الدين الأوحد الذي أعطى للمرأة حقًا في الميراث.
قال البروفيسور راماكرشناراو (K.S.rama krishna rao):
كان عند العرب. تقليد جامد بأن من يستطيع أن يطعن بالرمح، ويقارع بالسيف هو الذي ينفرد بحق الإرث.
ولكن الإسلام جاء مدافعًا عن الجنس الضعيف، وأهّل النساء ليشاركن في إرث الوالدين، ومنحهن حق التملك قبل قرون، في حين كانت بريطانية وهي تعتبر نفسها مهد الديمقراطية - تنبت هذا النظام الإسلامي في سنة ١٨٨١ م بعد اثنى عشر قرنًا من الزمن، وأقرت مرسومًا يسمى: مرسوم النساء المتزوجات The married womens act
стр. 6696
قال ول ديورانت (١): رفع الإسلام من مقام المرأة في بلاد العرب. . . وقضى على عادة وأد البنات وسوى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلال، وأن تحتفظ بما لها ومكاسبها، وأن ترث، وتتصرف في مالها كما تشاء، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع، وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنع زواجهن بغير إرادتهن.
قال لويس سيديو (٢) إن القرآن وهو دستور المسلمين، رفع شأن المرأة بدلا من خفضه. . فجعل حصة البنت في الميراث تعدل نصف حصة أخيها مع أن البنات كن لا يرثن في زمن الجاهلية. . "وهو" وإن جعل الرجال قوامين على النساء بين أن للمرأة حق رعاية والحماية على زوجها. وأراد ألا تكون الأيامى جزءا من ميراث رب الأسرة فأوجب أن يأخذن ما يحتجن إليه مدة سنة وأن يقيض مهورهن وأن ينلن نصيبا من أموال المتوفى"
قال روم لاندو (٣): يوم كانت النسوة يعتبرن، في العالم الغربي، مجرد متاع من الأمتعة، ويوم كان القوم هناك في ريب جدي من أن لهن أرواحا، كان الشرع الإسلامي قد منحهن
стр. 6697
حق التملك. وتلقت الأرامل نصيبًا من ميراث أزواجهن، ولكن البنات كان عليهن أن يقنعن بنصف حصة الذكر. . إلا أن علينا أن لا ننسى أن الأبناء الذكور وحدهم كانوا، حتى فترة حديثة نسبياينالون في الديار الغربية حصة من الإرث".
يقول د/ صابر أحمد طه (١): يقول تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧)، فلو نظرنا إلى هذه الآية فنجد أن اللَّه قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ فلم يجمعهما في جملة واحدة فتكون (للرجال وللنساء نصيب) ولكن أفرَدَ لكل منهما بجملة، وفي ذلك دليل على أن النساء نصيب أصلي مستقل كالرجال، وليست النساء فيه بتابعات أو مُلحقات، كما أن قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُر﴾ يُشعر بأنه لا يوجد هناك فرق في أن يترك الميت مالًا كثيرًا أو قليلًا، فإذا كان هذا أو ذاك فإن النساء يشتركن فيه مع الرجال.
هذا هو نظم ميراث المرأة في الإسلام، والذي يجب أن تفتخر به كل امرأة مسلمة، وتباهي به غيرها من الشيوعيين والملاحدة، وغيرهم وتقول لهم: هذا هو نظام الأسرة في الإسلام، والذي توجهون سهامكم نحوه، فإن سهامكم مردودة عليكم، وسيظل الإسلام بشمسه المُشرقة على العالم، ونوره المنبعث في الأفئدة والقلوب وبمياهه العذبة التي يغترف منها كل من أراد اللَّه هدايته، وهذا الزبد الذي تطرحونه فوق مائه سيذهب جفاء، وما ينفع الناس فسيمكث في الأرض، وهذا الباطل الذي تشيعونه عنه فقد جاء الحق فأزهقه: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١).
* * *
стр. 6698
٢٩ - شبهة: إمامة المرأة .
نص الشبهة:
لماذا لم يسمح الإسلام للمرأة بالولاية والإمامة ورئاسة الدولة؟
الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ليس كل ولاية في حق المرأة مذمومة .
الوجه الثاني: طبيعة عمل الإمام أو رئيس الدولة.
الوجه الثالث: تعارض طبيعة المرأة وطبيعة الإمامة والقيادة.
الوجه الرابع: توافق الشرع مع القدر.
الوجه الخامس: منع الإسلام للمرأة من الرئاسة العليا ليس خدشا لحرية المرأة.
الوجه السادس: وأخيرًا الواقع خير شاهد.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ليس كل ولاية في حق المرأة مذمومة
يقول د/ مصطفى السباعي:
يحتم الإسلام أن تكون رئاسة الدولة العليا للرجل، وفي ذلك يقول رسول اللَّه ﷺ :
ما أفلح قوم ولو أمرهم امرأة وهذا النص يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا؛ لأنه ورد حين أبلغ الرسول ﷺ أن الفرس ولَّوا للرئاسة عليهم إحدى بنات كسرى بعد موته؛ ولأن الولاية بإطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالإجماع، بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم، وإدارة مزارعهم، وأن تكون شاهدة، والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك؛ ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات، والقضاء ولاية.
فنص الحديث كما نفهمه صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا، ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسئولية.
стр. 6699
وهذا أيضًا مما لا علاقة له بموقف الإِسلام من إنسانية المرأة وكرامتها أو أهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبحالة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية (١).
الوجه الثاني: طبيعة عمل الإمام أو رئيس الدولة .
إن رئيس الدولة في الإسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هو قائد المجتمع ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج.
فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة، إن كانت المصلحة فيهما، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، ولكنه هو الذي يعلن قرارهم، ويرجح ما اختلفوا فيه؛ عملًا بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
ورئيس الدولة في الإسلام يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، إذا اتسع وقته لذلك.
الوجه الثالث: تعارض طبيعة المرأة وطبيعة الإمامة والقيادة
ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، وبخاصة ما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فإن ذلك يقتضي من قوة الأعصاب، وتغليب العقل على العاطفة، والشجاعة في خوض المعامع، ورؤية الدماء، ، وإلا فقدت الحياة أجمل ما فيها من رحمة ووداعة وحنان.
وكل ما يقال غير هذا لا يخلو من مكابرة بالأمر المحسوس، وإذا وجدت في التاريخ نساءًا قدن الجيوش، وخضن المعارك، فإنهن من الندرة والقلة بجانب الرجال ما لا يصح أن يتناسى معه طبيعة الجمهرة الغالبة من النساء في جميع عصور التاريخ، وفي جميع الشعوب، ونحن حتى الآن لم نر في أكثر الدول تطرفًا في دفع المرأة إلى كل ميادين الحياة من
стр. 6700
رضيت أن تتولى امرأة من نسائها وزارة الدفاع، أو رئاسة الأركان العامة لجيوشها، أو قيادة فيلق من فيالقها، أو قطع حربية من قطعاتها. -ما عدا في إسرائيل- وليس ذلك مما يضير المرأة في شيء، فالحياة لا تقوم كلها على نمط واحد من العبوس، والقوة، والقسوة والغلظة، ولو كانت كذلك لكانت جحيمًا لا تطاق، ومن رحمة اللَّه أن اللَّه مزج قوة الرجل بحنان المرأة، وقسوته برحمتها، وشدته بلينها، وفي حنانها ورحمتها وأنوثتها سر بقائها وسر سعادتها وسعادتنا.
أما خطبة الجمعة والإمامة في الصلاة فلا ينكر أن العبادة في الديانات -وبخاصة في الإسلام- تقوم على الخشوع وخلو الذهن من كل ما يشغله، وليس مما يتفق مع ذلك أن تعظ الرجال امرأة، أو تؤمهم في الصلاة.
على أن السبب الحقيقي في رأينا ليس هو الخطبة والإمامة، ولا حل المشكلات، وإنما هو ما تقتضيه رئاسة الدولة من رباطة الجأش، وتغليب المصلحة على العاطفة، والتفرغ التام لمعالجة قضايا الدولة، وهذا مما تنأى طبيعة المرأة ورسالتها عنه.
يقول الدكتور/ يوسف القرضاوي: وأما منعها من تولي منصب الخلافة أو رئاسة الدولة وما في حكمها، فلأن طاقة المرأة -غالبًا- لا تحتمل الصراع الذي تقتضيه تلك المسئولية الجسيمة. وإنما قلنا: غالبًا؛ لأنه قد يوجد مِنَ النساء مَنْ يكنَّ أقدر من بعض الرجال، مثل ملكة سبأ، التي قصَّ اللَّه علينا قصتها في القرآن في سورة النمل، -ألا يتعارض هذا مع الحديث (لن يفلح قوم) -، حتى أسلمت مع سليمان للَّه رب العالمين، ولكن الأحكام لا تُبنى على النادر، بل على الأعم الأغلب، ولهذا قال علماؤنا: النادر لا حكم له (١).
الوجه الرابع: توافق الشرع مع القدر
إن الإسلام بعد أن أعلن موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كلِّ ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصَّها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو
стр. 6701
نقصانًا، كما أسقط عنها -لذات الغرض- بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة، وغير ذلك، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتهما بالرجل في الإنسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كلِّ عصر، وفي كلِّ أمةٍ تخص بعض الناس ببعض الأحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الأهلية والكرامة.
الوجه الخامس: منع الإسلام للمرأة من الرئاسة العليا ليس خدشًا لحرية المرأة
يقول د/ البوطي: نعم، لقد حجب الإسلام عن امرأة الرئاسة العليا لدولة، بذلك وردت أحاديث ثابتة، وبمقتضى ذلك قال الجماهير من الفقهاء وسائر علماء المسلمين:
إلا أن هذا ليس كما قد يتصور، خدشًا لحرية المرأة السياسية، أو غضًا من كرامتها الإنسانية، وإنما هو تنسيق بين المهام الكثيرة المختلفة للرئيس الأعلى في الدولة، وطبيعة من يتولى هذه الرئاسة، وهذا التنسيق ملاحظ في صفوف الرجال، كما هو ملاحظ في صفوف النساء.
فرئيس الدولة هو الذي يعلن الحرب، ويقود الجيوش، ويقرر السلم إن اقتضت المصلحة ذلك، أو الحرب إن اقتضت العكس، ورئيس الدولة هو الذي يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بينهم في الخصومات، ومن المكابرة بالبديهي المحسوس أن يزعم زاعم بأن المرأة قادرة على النهوض بهذه الأعباء كلها، وأنها تملك من خشونة الطبع وصلابة العاطفة والوجدان ما تستطيع به خوض المعارك والإشراف على الحروب. وإننا لنحمد اللَّه على أنها مكابرة كاذبة تترفع عنها المرأة التي أولاها اللَّه من اللطف والعذوبة الإنسانية، ما جعلها من أكبر أسرار تعلق الإنسان بالحياة. . .
والذين يحلو لهم أن يأخذوا على الشريعة الإسلامية هذا الموقف، يعرضون عن واقع معظم دول العالم على اختلاف مذاهبها، وعن التزامها بموقف الإسلام ذاته، انطلاقًا من
стр. 6702
الإيمان بالأسباب ذاتها، ثم يخصون الإسلام وحده بسهام نقدهم في أمر منسجم مع الفطرة والمصلحة، وما وسع معظم العالم إلا الخضوع له والعمل به. (١)
الوجه السادس: وأخيرا الواقع خير شاهد .
يقول الدكتور البلتاجي: أما عدم تولي المرأة منصب الإمامة العظمي (رئاسة الدولة) فيكفي أن نشير هنا إلى تجارب النظم التي لا تصدر عن نصوص دينية مقدسة - إنما تصدر عن تجربتها الحياتية الخاصة مثل الاتحاد السوفيتي (الذي استمر من عام ١٩١٧ إلى عام ١٩٨٩ م) ومثل الديموقراطيات الأوربية الغربية في أوربا وأمريكا. . إلخ: كم من هذه الدول انتخبت رئيسًا لها من بين النساء؟ وفي الإجابة عن هذا الدلالة القاطعة على ما أكدته نصوص الإسلام -في مواضع متعددة- من أن هناك فروقًا جوهرية في التكوين بين الجنسين أهلت بطبيعتها (الرجل) ليكون هو رئيس الدولة العام، وإلا كيف لم تصل (المرأة) - ولو بنسبة عشرة في المائة إلى الرئاسات في مجموع هذه الدول مع ما أتاحته نظمها من فرص متكافئة؟ ولا نقول بنسبة ثلاثين، أو خمسين في المائة (كما تقضي التسوية العادلة! ) (٢).
يقول الأستاذ/ محمد رشيد العويد
انتهت الانتخابات الأمريكية التي شغلت الناس في العالم زمنًا ليس قصيرًا ولا أريد الوقوف هنا عند نزاهة هذه الانتخابات، أو ما أنفق على الحملات الإعلامية فيها، أو حول نتائجها. . أو غير هذا وذاك وذلك أريد الوقوف عند المرأة الأمريكية في الانتخابات الأمريكية لأسجل الملاحظات التالية:
١ - منذ أن كانت هناك انتخابات أمريكية، أي منذ عشرات السنين، هل سمعتم أو قرأتم، أو علمتم أن هناك امرأة رشحت نفسها لتلك الانتخابات؟ لماذا لم ترشح أي أمريكية نفسها لانتخابات الرئاسة على الرغم من أن القانون لا يمنعها! وعدد النساء
стр. 6703
الأمريكيات لا يقل عن عدد الرجال الأمريكيين إن لم يزد عليه! والأمريكية متعلمة، ومتحررة (بمفهومهم)، ومختلطة بالرجال، وتعمل في أعمالهم! !
٢ - جميع المرشحين الأمريكيين الذين فازوا في انتخابات الرئاسة وأصبحوا رؤساء للولايات المتحدة منذ أن كانت هناك انتخابات الرئاسة في أميركا لم يغير أحد منهم مهنة زوجته. . لم يجعلها نائبة للرئيس. . أو وزيرة أو يسند إليها أي منصب سياسي لم تكن تتقلده قبل. . بل كان كل منهم يفخر بأن زوجته ربة بين قديرة وأم لأولاده ماهرة.
فلماذا نسمع في بلادنا من يعيب أن تكون المرأة ربة بيت، ويرى التأخر في أن تكون الزوجة متفرغة لتربية أولادها، ويرد كل بطء في التنمية إلى قعود المرأة في بيتها؟ ! ! هؤلاء هم رؤساء أكبر دولة وزعيمة العالم، كما يصفها بعضهم، لا يتحرجون، إن لم يكونوا يفخرون بأن زوجاتهم ربات بيوت.
٣ - في مقدمة ما كان يصطاد كل مرشح لمنافسيه في انتخابات الرئاسة ماضية غير الخلقي مع النساء فهذا مرشح يتهم بأنه كان قد تحرش بزميلة له منذ عشرين عامًا، وذاك كان على علاقة مع سكرتيرته حين كان مديرًا للشركة الفلانية. . وثالث. .
إنهم إذن يحترمون الأسرة، ويحرصون عليها، ويرفضون الخيانة الزوجية، ويستهجنون قلة الأدب مع النساء، ومغازلتهن، والتحرش بهن.
لماذا إذن يثور بعض من بنى جلدتنا على مسلم غيور؟ ! . (١)
إنها تكرهها بقدر ما تحبونها! !
في الانتخابات التي جرت في اليابان، في شهر المحرم ١٤١٤ هـ (تموز - يوليو ١٩٩٣)، بلغت نسبة النساء اللواتي رشحن أنفسهن لخوضها ٧ في المائة من عدد المرشحين. وتُعدُّ هذه النسبة قياسية؛ لأن عدد المشاركات في الانتخابات السابقة كان أقل بكثير. ويسمح القانون الياباني للمرأة بترشيح نفسها منذ صدوره في عام ١٩٤٧ م.
стр. 6704
وقد شارك الحزب الديمقراطي الحر الحاكم في الانتخابات بأكبر عدد من المرشحين إذ بلغ عددهم ٢٨٥ مرشحًا، غير أن عدد النساء من بينهم لا يتعدى مرشحتين فقط.
وكان المجلس السابق، وعدد أعضائه ٥١١ عضوًا، قد ضمَّ ١٢ عضوًا من النساء. (جريدة الأنباء الكويتية ٤/ ١/ ١٤١٤ - ٦/ ٧/ ١٩٩٣).
أولًا: مضى على السماح للمرأة في اليابان بترشيح نفسها في الانتخابات ٤٦ عامًا، ومع هذا فلم تتجاوز نسبة المرشحات، في أعلى المعدلات، ٧ في المائة.
ثانيًا: بلغ عدد النساء المرشحات في الحزب الحاكم اثنتين فقط من مجموع ٢٨٥ مرشحًا، أي نسبة النساء أقل من واحد في المائة.
ثالثًا: إذا كانت نسبة المرشحات في أعلى معدلاتها بلغت ٧ في المائة، ووصفت بأنها قياسية! فإن نسبة الفائزات قد تكون أقل بكثير من نسبة المرشحات. والدليل هو أن نسبة الأعضاء النساء في المجلس السابق أقل من ٣ في المائة. (١٢ من مجموع ٥١١).
وكم أتمنى لو قامت جهة بدراسة أحوال وظروف وطبيعة النساء اللواتي رشحن أنفسهن. فأنا واثق من أنهن -في أغلبهن- قد أخفقن في زواجهن، أو أنهن غير متزوجات، أو متزوجات غير أمهات.
إن صاحبة الفطرة السوية تكره السياسة بقدر ما تحبونها أنتم معشر الرجال. (١)
* * *
стр. 6705
٣٠ - شبهة حول: نقصان عقل المرأة .
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "يا معشر النساء، . . . مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِيننَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: أَليْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا" (١).
قد فهم البعض من هذا الحديث أن الإسلام يصف المرأة بأنها ناقصة العقل أي: في متوسط الذكاء والدين.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: معنى قوله (ناقصات عقل) .
الوجه الثاني: لابد من مراعاة المناسبة التي قيل فيها الحديث.
الوجه الثالث: أوجه نقصان عقل المرأة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: معنى قوله (ناقصات عقل).
ليس المراد بناقصات عقل النقص الفطري العام أي: في متوسط الذكاء، والدليل على ذلك ما يلى:
إن المرأة تشارك الرجل في المسئوليات الآتية:
أ) المسئولية الإنسانية: أي تحمل الإنسان مسئولية عمله، ومحاسبته عليها في الآخرة، وهذه مقررة في الكتاب العزيز.
ب) المسئولية الجنائية، وتحمل العقوبات الجزائية في الدنيا عن السلوك المنحرف، وهذه مقررة في الكتاب العزيز.
جـ) المسئولية المدنية، وحق التصرف في الأموال، وعقد العقود، والولاية على القصر، وهذه يقرها عامة الفقهاء بأدلتها من الكتاب والسنة.
стр. 6706
د) مسئولية رواية السنة المبينة للكتاب، وهذه يجمع عليها علماء المسلمين. (١)
ومن هذه المسئوليات ما تختص به وهو حضانة الأطفال، وهذه ما كان اللَّه ليسندها إلا لإنسان سوي. وما كان لنا نحن الرجال أن نأمن على أبنائنا وبناتنا في كنف إنسان عاجز مختل العقل والدين.
الوجه الثاني: لابد من مراعاة مناسبة الحديث .
إن المناسبة التي قيل فيها النص خلال عظة للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم أن يغض من شأن النساء، أو يحط من كرامتهن، أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة؟ !
الوجه الثالث: أوجه نقصان عقل المرأة .
إن النبي ﷺ بيَّن بأن المراد من نقصان العقل هي أن شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل فقط، وعلى ذلك نرى أنفسنا ملزمين بالوقوف عند حدود تفسير رسول اللَّه ﷺ للنقص لا نتعداه، أما إذا تجاوزنا هذه الحدود فسنخبط في متاهة الاحتمالات، وربما خضنا في الأوهام، ونكون عندها قد وقعنا في محظور اتباع المتشابه.
وقد بينا في الشبهة حول مساواة الرجل بالمرأة، لماذا جعل اللَّه شهادة المرأة نصف شهادة الرجل.
الوجه الرابع: قول النبي ﷺ -هذا تمهيد لما بعده .
إن من أوضح ما يدل عليه سياق الحديث، أنه ﷺ وجَّه إلى النساء كلامه هذا على وجه المباسطة التي يعرفها ويمارسها كل منا في المناسبات، لا أدل على ذلك من أنه جعل الحديث عن نقصان عقولهن توطئة وتمهيدًا لما يناقض ذلك من القدرة التي أوتينها، وهي خلب عقول الرجال، والذهاب بلب الأشداء من أولي العزيمة والكلمة النافذة منهم، فهو كما يقول أحدنا لصاحبه: قصير، ويتأتى منك كل هذا الذي يعجز عنه الآخرون، إذن
стр. 6707
فالحديث لا يركز على قصد الانتقاص من المرأة، بمقدار ما يركز على التعجب من قوة سلطانها على الرجال (١).
يقول د/ مروان إبراهيم (٢): لا من ريب أن دماغ المرأة مثل دماغ الرجل تمامًا لا فرق بينهما، والدماغ غير العقل، فالعقل هو قوة التفكير، وهي عنصر مهم في حياة كل إنسان
стр. 6708
يقابله العاطفة، وهي أيضًا إحدى قوى الإنسان وأحد عناصر حياته الهامة، وكل إنسان لديه هاتان القوتان: العقل، والعاطفة، وفي كثير من الأحيان يتعارض عمل كل منهما ودوره مع عمل الآخر ودوره.
فمن يريد أن يتخذ قرارًا عقلانيًا، لابد أن يتجرد عن العاطفة مؤقتًا، ومن اتخذ قرارًا عاطفيًا لابد أن يُغيب سلطان العقل مؤقتًا، أو يُضْعِفَه على الأقل، وكلَّما ظهر أحدهما غاب أو كاد أن يغيب الطرف الآخر مؤقتًا، وغياب أحدهما مؤقتًا لا يعني اختفاءه كليًا، فمتى زاد سلطان العقل ضعف سلطان العاطفة، لكن لا يُقال في هذه الحال: إنه لا عاطفة للإنسان حينئذ، ومتى زاد سلطان العاطفة ضعف سلطان العقل، ولكن لا يُقال أيضًا: إنه لا عقل للإنسان حينئذ. فهما كعنصري محلول مكون من ماء وملح، فإذا زادت كمية الماء خف التركيز، مع العلم أن كمية الملح لم تنقص، وإذا زاد الملح ازداد التركيز، مع العلم أن كمية الماء لم تنقص، ومن هنا فإن نقصان العقل الذي ورد في الحديث ليس المراد منه نقصان قوى التفكير عند المرأة، وإنما المراد منه زيادة العاطفة.
وزيادة العاطفة ليست عبثًا، فهي مهمة للأنثى حتى تكون من الجنس اللطيف، وهي ضرورية لها كأمٍ تحتاجها للصبر على أطفالها والعناية بهم، وتحتاجها كأخت وعمة وخالة، لذا كانت العاطفة من علامات كمال أنوثة المرأة.
стр. 6709
هذا الذي يسمونه الراديتير وهو جزء هام من أجزاء السيارة، يقوم بتبريد المحرك، ولولاه لاحترق. . . وتوقفت السيارة.
الراديتير هذا ببساطة، وعاء معدني يُملأ بالماء ويصل بأنابيب تحيط بالمحرك لتبرده وباستمرار حركة الماء داخل هذه الأنابيب مع الوعاء المائي الذي تبرده مروحة موجهة نحوه، تتم المحافظة على درجة محدودة للمحرك لا تزيد.
أريد أن أشبه المحرك بالعقل، والراديتر بالعاطفة، ولا يمكن للمحرك مهما كان نوعه، وجودته، أن يستغني عن تبريد الراديتر له.
وبعبارة مباشرة أقول: إن العاطفة كثيرًا ما تذكّر العقل بأشياء نسيها، أو تمنع العقل من أن ينسى أشياء بسبب شدة عمله في التفكير، فإذا ما نقصت العاطفة، فإن العقل قد ينسى أشياء هامة لا يذكره بها إلا العاطفة القوية.
هذا مدخل قصير لهذا الخبر الذي أرجو قراءته قبل أن نقف عنده قليلًا:
سان فرانسيسكو - رويتر:
توفيت طفلة عمرها ١٣ شهرًا بعد أن نسيها والدها في شاحنة ثماني ساعات في درجة حرارة مرتفعة وصلت إلى ٥٥.٦٥ درجة مئوية وذهب إلى عمله.
وقال بوب نيكولاس المتحدث باسم الشرطة إن دارين رودريجز ٢٩ عامًا ربط طفلته بريانا في مقعد للأطفال في سيارته الفورد اكسبلورر وغادر منزله في تورلوك على بعد ١٦٠ كيلو مترًا جنوب شرقي سان فرانسيسكو صباح الأربعاء متوجهًا إلى عمله.
وكان رودريجز ينوي توصيل ابنته إلى مركز لرعاية الأطفال وهو في الطريق ولكنه نسي وتوجه إلى عمله مباشرة، وأوقف سيارته ناسيًا أن طفلته ما زالت في المقعد الخلفي.
وأضاف نيكولاس أن الأب عمل طوال النهار ولم يتذكر طفلته إلا في الساعة الخامسة مساءً عندما اتصلت به زوجته نيكول ٢٤ عامًا من مركز رعاية الأطفال الذي توجهت إليه لأخذ ابنتها بعد أن انتهت من عملها.
стр. 6710
وقال نيكولاس: إن الأب هب مذعورًا وجوى إلى السيارة وأخرج الطفلة وتم استدعاء الأطباء والشرطة الأطباء والشرطة ولكن الطفلة كانت قد لفظت أنفاسها من شدة الحرارة.
وأضاف أن الأب والأم اعتادا توصيل ابنتهما إلى مركز رعاية الأطفال وفقًا لمواعيد عمليهما. (١)
ألا توافقونني على أنه لا يمكن للأم أن تنسى طفلتها هذه في السيارة كما نسيها أبوها؟
بل لا يمكن لأي أم أن تنسى ما قد ينساه الآباء!
هل رأيتم كيف أن نقص العقل في المرأة إنما هو لصالح العاطفة التي تمنعها من أن تنسى أطفالها؟ أو أن العاطفة تمنع العقل من أن ينسى. . . وهو العقل!
لقد كان انشغال تفكير الأب في عمله أكثر من انشغاله في طفلته التي تركها في السيارة، فنسيها، ولو كانت عاطفته أقوى. . . ما نسيها.
لقد ظل يعمل طوال النهار. . . ولم يتذكرها إلا حين اتصلت به زوجته التي ذهبت إلى مركز رعاية الأطفال لأخذ ابنتها في الساعة الخامسة مساءً. . . فلم تجدها.
كيف يكون الحال لو نقص مقدار العاطفة في المرأة. . . ليتساوى مع مقداره في الرجل. . . وزاد مقدار العقل في المرأة ليتساوى مع مقداره في الرجل أيضًا؟ !
سيخسر الأطفال المساكين كثيرًا. . .!
إذن، إذا كانت زيادة العقل في الرجل ميزة فإن زيادة العاطفة في المرأة ميزة كذلك، ولا تقل أهمية وخطورة عن ميزة الرجل.
لأن نقص العقل الذي أشار إليه الرسول ﷺ ليس نقصانًا ينتقص منها، وإلا لما كانت مكلفة مثل الرجل، وإنما هو نقصان لصالح العاطفة التي تزيد عندها لتعينها في إنجاز مهام خلقت لها. . . ولم يخلق لها الرجل، ولهذا أقول مطمئنًا: قد تنجح المرأة في القياس
стр. 6711
بكثير من أعمال الرجل، وقد تتفوق عليه فيها. . . ولكن هل ينجح الرجل في القيام بكثير من أعمال المرأة. . . وبخاصة رعايتها أطفالها والعناية بهم؟ ! ! ! (١)
الوجه الخامس: المراد بنقصان دين المرأة .
إن الرسول ﷺ حين سئل عن نقص الدين ذكر أمرًا محددًا، وهو نقص الصلاة والصيام في أيام الحيض والنفاس، فهو من ناحية نقص جزئي محصور في العبادة، بل في بعض الشعائر فحسب، حيث تقوم الحائض والنفساء بأداء مناسك الحج جميعًا عدا الطواف بالبيت، كما أنها لا تهجر ذكر اللَّه، والدين القيم، إيمان وتقوى تتبع الإيمان، ثم عبادات، ثم أخلاق ومعاملات، وهو من ناحية ثانية نقص مؤقت، أي: ليس دائمًا في حياة المرأة كلها، وإنما يقع في فترات قصيرة، ثم إن الحيض ينقطع مع الحمل وهو تسعة أشهر متصلة، وينعدم مع سن اليأس، ومن ناحية ثالثة فإن النقص ليس من كسب المرأة واختيارها، والمرأة المؤمنة قد تشعر بالأسى؛ لحرمانها من الصلاة والصيام، ولكنها ترضى وتصبر على أمر قد كتبه اللَّه عليها فيثيبها اللَّه على هذا الرضا وذاك الصبر، وقد تقوم المرأة المؤمنة بنوعين من التعويض لما يفوتها من صلوات:
أولهما: تعويض عاجل بعبادات أخرى مثل: تلاوة القرآن، والدعاء الضارع، والذكر الخاشع، فتستغفر اللَّه. وتسبحه وتحمده وتكبره، وهذا النوع من التعويض يذكرنا بما فعلته عائشة ﵂ حين فرض الحجاب على أمهات المؤمنين، فَمُنِعْنَ الجهاد وهو أفضل العمل، فكان حرصها على الحج هو التعويض عما فاتها من فريضة الجهاد، فعن عائشة ﵂ قالت: يا رسول ألا نغزو ونجاهد معكم؟ -وفي رواية: نرى الجهاد أفضل العمل- فقال: لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور. فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ .
стр. 6712
وثانيهما: تعويض آجل، وذلك بالإكثار من صلاة النفل بعد الطهر من الحيض، وهذا النوع الآجل يذكرنا بحرص عائشة على تعويض العمرة التي فاتتها بسبب الحيض، قالت عائشة: دخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: منعت العمرة - وفي رواية: قالت يا رسول اللَّه: "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر قال: وما شأنك؟ قلت: لا أصلى، قال: لا يضرك أنت من بنات آدم كتب عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك عسى اللَّه أن يرزقكها. قالت: فكنت حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب فدعا عبد الرحمن فقال: اخرج بأختك الحرم فلتهل بعمرة" (١).
وورد في فتح الباري: هل تثاب المرأة على ترك الصلاة لكونها مكلفة بها، كما يثاب المريض على النوافل التي كان يفعلها في صحته، وشغل بالمرض عنها، أم أن هناك فرقًا، لأن المريض كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته، والحائض ليست كذلك؟ قال الحافظ ابن حجر: وعندي، في كون هذا الفرق مستلزمًا؛ لكونها لا تثاب، وقفة. أي: إن الثواب عند الحافظ ابن حجر محتمل، فتأملوا رعاكم اللَّه كيف يُحتمل أن تثاب المرأة الحائض برغم تركها الصلاة.
ومع ذلك يبقى نقص الدين واردًا من وجوه: -
(أ) قد يعرض للمرأة ضعيفة الإيمان الاغتباط بعدم الصلاة، وكأنها تخففت من واجب ثقيل وذلك مما يحرمها الثواب.
(ب) أن النقص الناتج من عدم الصلاة ليس متعلقًا بأمر الثواب وحده، وإنَّما هناك نقص خشوع قلب المؤمن، لحرمانه من المثول بين يدي اللَّه، وخاصة عند غياب التعويض الذي أشرنا إليه.
(جـ) وهناك نقص القوة على مغالبة المنكر، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا لم يتم التعويض بعبادة أخرى تأكد النقص.
وعليه فالمراد: بنقص الدين يمكن أن يعني أحد أمرين: أولهما: نقص تدين الإنسان، أي: نقص تقواه للَّه وطاعته له، وثانيهما: نقص ما افترضه اللَّه على الإنسان من فرائض، أي: نقص
стр. 6713
ما يقوم به من نشاط عبادي، ليس عن تقصير، ولكن عن إلزام من الإله المعبود. والحديث هنا يستدل على النقص بأمرٍ كتبه اللَّه على المرأة وهو اجتناب الصلاة والصيام في أيام معدودات. على أن هذا النوع من النقص -أي: نقص ما افترضه اللَّه على المرأة- قد يثمر نقصًا في تقواها للَّه، وهذا يعني: أنه أمر يحتمل وقوعه من بعض النساء لا من جميعهن (١).
يقول الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي (٢): إن نقص الدين قد يطلق ويراد به قلة التكليفات السلوكية، لسبب ما، ولاشك أنها ليست مسئولية المكلف، أيًّا كان السبب وقد يطلق ويراد به التهاون، أو التقصير الذي يتلبس به المكلف بمسئولية واختيار منه.
فالطفل أو المراهق الذي لم يبلغ سن البلوغ بعد، يوصف بأنه ناقص الدين، ولا يعني ذلك أنه يتحمل جريرة، أي: تقصير أو تهاون فيه، بل ربما كان كثير القيام بالواجبات والفرائض والنوافل سريعًا إليها، نشيطًا في أدائها، أكثر من كثير من الرجال البالغين، غير أنه يوصف مع ذلك بأنه ناقص دين؛ نظرًا إلى أنه لم يكلف بعد بشيء من مبادئه وأحكامه، فهو يوصف بنقصان الدين بالمعنى الأول.
والإنسان المتهاون بأوامر اللَّه وأحكامه، المستهتر بحدوده، يوصف أيضًا بنقصان الدين، ولكنه هنا يعني التقصير في الالتزام بمبادئ الدين بعزم منه واختيار، فهو يتحمل جريرة تقصيره والمسئولية المترتبة على نقصان دينه، فهو يوصف إذن بنقصان الدين بالمعنى الثاني.
إذا تبين هذا؛ فإن الوصف الذي به وصف اللَّه المرأة من النقصان في الدين، إنما يصدق بالمعنى الأول، فهو ﵊ يعني: أن المرأة خفف اللَّه عنها بعض الوظائف الدينية، وأسقطها عنها، فهي لا تكلف بالصلاة أثناء المحيض، كما لا تكلف بها أثناء النفاس، ولا تكلف بقضاء شيء منها بعد ذلك.
стр. 6714
ولكن دون أن ينقص شيء من أجرها بسبب ذلك؛ إذ إن الأمر ليس عائدًا إلى تقصير منها، ولكنه عائد إلى تخفيف من اللَّه عنها.
والمرأة توصف في هذه الحال بأنها ناقصة دين، أي: ناقصة التكاليف الدينية، ومعاذ اللَّه أن يكون المعنى أنها مقصرة في دينها، إذ ليس لها أي اختيار في أمر فرضه اللَّه عليها.
ومن أوضح الأدلة على ما نقول أن البيان الإلهي قرر في أكثر من موضع من كتاب - اللَّه أن أجر الرجل والمرأة الملتزمين بدين اللَّه سواء، لا يعلو الرجل على المرأة ولا العكس، من ذلك قوله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥).
ومن ذلك قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ (النساء: ١٢٤).
فإن قلت: فكلام اللَّه هنا مشروط بالعمل الصالح، والمرأة ممنوعة في النفاس والمحيض من أهم الأعمال الصالحة وهو الصلاة، فلم يتحقق الشرط الذي أنيط به الأجر لكل من الرجل والمرأة.
فالجواب: أن الاستجابة لأوامر اللَّه سعيًّا لمرضاته، هي مصدر الأجر والثواب والاستجابة كما تكون بالأفعال الإيجابية، تكون أيضًا بالالتزامات السلبية، فالمرأة التي كلفها اللَّه بعدم القيام إلى الصلاة مدة المحيض، لا شك أنها تثاب على النهوض بهذا التكليف، ما دام قصدها الاستجابة لأمر اللَّه، فإحجامها عن الصلاة في هذه المدة، كقيام الآخرين إلى الصلاة في المدة ذاتها كلاهما مصدر مثوبة وأجر. ما دام كل منهما مندفعًا إلى اتخاذ الموقف الذي كلف به، تحقيقًا لأمر اللَّه، وسعيًا إلى مرضاته.
إذن فقد وصف اللَّه المرأة بواقع، لا تبعة عليها فيه، وليس فيها أي منقصة لها أو مسئولية عليها.
стр. 6715
يقول د/ مروان إبراهيم (١): أمَّا نقصان الدين فقد أراد الرسول ﷺ أن يشير بأدب إلى العوارض الخلقية الطبيعية التي تنتاب المرأة، والتي لا شأن لها فيها؛ لأنها من خلق اللَّه تعالى، كالحيض والنفاس، اللذين يتسببان في إسقاط الصلاة وفي تأخير الصوم إلى حين. وهذه العوارض ليست علامات نقص في المرأة، بل هي علامات كمال، فالمرأة التي لا تنتابها العادة لا تحمل، والحمل من ضرورات استمرار الحياة على وجه الأرض.
وهناك ملاحظة لابد من التنبه لها، وهي إشارة الرسول ﷺ إلى قوة المرأة على الرغم مما ذكر في الحديث، وقوله أغلب لذي لب منكن يدل على ذلك بوضوح، وصاحب اللب هو صاحب العقل الكبير، فليس لأحد أن يعترض بعد ذلك.
* * *
стр. 6716
٣١ - شبهة حول: حديث الوصية بالنساء
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ. فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ". (١)
يستدل بعض الناس بهذا الحديث على الحط من منزلة المرأة في الإسلام
والجواب على ذلك من وجوه
الوجه الأول: الحديث يتضمن عدة أمور للرجل والمرأة .
الوجه الثاني: الحديث يؤكد الاهتمام بالمرأة والحرص عليها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الحديث يتضمن عدة أمور للرجل والمرأة.
(أ) توصية عامة بالنساء في قوله ﷺ : استوصوا بالنساء، وقيل معناه: تواصوا بهن، والباء للتعدية والاستفعال، بمعنى الإفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة.
(ب) تعليل هذه الوصية بأمر يتصل بخلقة المرأة، وذلك في قوله ﷺ : فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فهي أولًا متميزة عن خلقة الرجل، ثم إن بها بعض عوج، والرسول ﷺ لم يبين مجال هذا العوج ولا مداه، وإنما أشار إلى أثر العوج الخلقي في بعض سلوك المرأة مما يضيق به الرجل. فهل يمكن بناء على الواقع المشاهد أن تفسر العوج بسرعة الانفعال وشدته، أو بفرط الحساسية، أو بتقلب المزاج؟ والعوج أصلًا يقابل الاستقامة، فإذا كان اتزان الانفعال وضبطه استقامة، فإن سرعة الانفعال وشدته عوج، وإذا كان ضبط الإنسان لعواطفه استقامة فغلبة العاطفة عليه عوج. والمرأة -بخاصة- قد تغلبها العاطفة، فتفوتها الحكمة في اتخاذ قرار، أو يكون منها ما لا يَجْمُل من قول أو فعل، وقد ينتج من سرعة انفعالها تقلب في المزاج، وصدق رسول اللَّه ﷺ : لن
стр. 6717
تستقيم لك على طريقة وهذا التقلب مما يكدر خاطر الرجل ويثير غضبه. ويرجح هذا التفسير ما قاله الرسول ﷺ في عظته للنساء: تكثرن اللعن، وتكفون العشير فهذا سلوك عادة ما يكون ساعة غضب، أي: نتيجة سرعة الانفعال وشدته، أما إذا أراد البعض أن يفسر (العوج) بأن المرأة ذات طبيعة ملتوية، والالتواء هنا يعني: المكر والخديعة، فإنا نعتقد أن في هذا القول بعدًا وغلوًا وتجريحًا لعموم النساء يعارض النصوص المتكاثرة عن حياة الصحابيات، التي تدل على براءتهن من المكر والخديعة والالتواء، ويخالف الواقع المشاهد بين أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا، وهل يعقل أن نوكل الإشراف على تربية أولادنا إلى إنسان ذي طبيعة ملتوية؟ !
(ج) وفي الحديث توجيه الرجل إلى الصبر على ما يصدر من المرأة من سلوك مبعثه ذاك (العوج)، وذلك قوله ﷺ : وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها وعلى الرجل أن يتذكر أنها لا تتعمد هذا السلوك لمضايقته وإحراجه، فإنما هو نتيجة ما قدره اللَّه على المرأة من طبيعة خاصة تتميز بسرعة الانفعال وشدته، فليصبر، وليكن سمحًا كريمًا، وليعلم أن هذه الخاصية من خصائص المرأة يمكن أن يكون لها أثر طيب في إقدارها على أداء مهمتها الأساسية من حمل وإرضاع وحضانة؛ إذ تحتاج إلى عاطفة بالغة وحساسية مرهفة؛ ثم ليعلم الرجل أيضًا أنه إذا حاول الوقوف عند كل خطأ من زوجه -نتيجة انفعالها البالغ- مؤاخذًا ومعاتبًا، فإن هذا لن يسفر عن شيء سوى مزيد من التباعد والشقاق، ثم يقع الفراق والطلاق.
وأخيرًا ليذكر الرجل أن لزوجته من الفضائل والمحاسن ما قد يعوض هذا العيب، وصدق رسول اللَّه ﷺ في قوله الحكيم الذي فيه علاج عندما يبدر من المرأة ما يبدر: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر. (١)
стр. 6718
(د) ولتأكيد الرفق بالنساء ينهي الرسول ﷺ حديثه بقوله: فاستوصوا بالنساء تمامًا كما بدأه ﷺ . وفي شرح هذا القول قال الطيبي: (السين في قوله فاستوصوا للطلب، وهو للمبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن، وقيل معناه: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن.
قال الحافظ: وهذا القول الأخير أوْجَهُ الأوجه في نظري، وليس مخالفًا لما قال الطيبي (١).
يقول د/ مروان إبراهيم: يستدل بعض الناس بهذا الحديث على منزلة المرأة في الإسلام، ولا يؤسفني أن أقول: إن ما ذهبوا إليه من فهم يدل على جهل فاضح باللغة العربية وبالمعنى والسياق أو على سوء نية.
إن الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم تفيد أن حواء خلقت من آدم، وليس في ذلك ما يعيبها، إذ إن موضوع الخلق من أمر اللَّه وتدبيره، وليس لأحد أن يعترض على خلق اللَّه، فاللَّه يخلق ما يشاء. وإذا كانت حواء خلقت من آدم، فليس في ذلك ما يعيبها أيضًا؛ لأن آدم نفسه خلق من تراب الأرض، كما أن في خلق حواء من آدم دلالة واضحة على مدى قرب المرأة من الرجل، فهي جزء منه في الأصل. (٢)
الوجه الثاني: الحديث يؤكد الاهتمام بالمرأة والحرص عليها
والأدلة على ذلك من الحديث نفسه ظاهرة بينة كما يلي:
١ - نلاحظ أن الحديث بدأ وانتهى بالتوصية بالنساء، فتكررت عبارة استوصوا بالنساء خيرًا مرتين، في أول الحديث وفي نهايته.
٢ - الحديث توجيه وخطاب للرجال لا للنساء، فهناك مُوصى هم الرجال، ومُوصى به هن النساء، والوصية عادة لا تكون إلا في مصلحة الموصى به.
стр. 6719
٣ - الحديث دلالة واضحة على رقة النساء ونعومتهن، وأن الرجل يجب أن يأخذ ذلك في الحسبان عند التعامل معهن؛ إذ من المعلوم أن أرق ما في الضلع أعلاه.
٤ - إن المراد من العوج المذكور في الحديث لفت أنظار الرجال إلى التعامل بلطف، حين يريدون التأثير في شخصيات زوجاتهن، هذا هو المطلوب من الرجل وإلا تعرض الضلع للكسر، وكسر المرأة يكون بطلاقها، على أن الحزم مطلوب أحيانًا حينما يُعْصَى اللَّه ، فليس هناك عندئذ حلول وسط، وإنما طاعة كاملة، وهذا طبعًا ليس فرضًا على المرأة وحدها، بل على الرجل أيضًا.
٥ - وبناء على ما سبق فإن من فهم الحديث خطأ كان عليه أن يعي جهله بأساليب العربية التي جاءت بها الأحاديث النبوية، والتي تتضمن الكناية والتشبيه. . إلخ. (١)
* * *
стр. 6720
٣٢ - شبهة: لماذا أكثر أهل النار النساء ؟
نص الشبهة:
عَنْ عبد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى رسول اللَّه ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّه قَالُوا: يَا رسول اللَّه، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ. قَالَ ﷺ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا: بِمَ يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّه؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". (١)
وفيه أن الإسلام يقرر أن أكثر أهل النار النساء.
الجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث .
الحديث يقرر أن النساء أكثر أهل النار، لا لأن الشر غالب على فطرتهن من دون الرجال لو كان الأمر كذلك لكُنَّ غير مسئولات عن الزيادة في فعل الشر، ولكن الحديث يقرر أنهن مسئولات ويعاقبن بما كسبت أيديهن من كفر العشير، وكفر الإحسان، وصدق الحافظ ابن حجر إذ يقول: ووقع في حديث جابر ما يدل على أن المرئي في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرت ولفظه: وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن أؤتمن أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعْطِين لم يشكرن. وهذا يذكر بقول الرسول ﷺ : اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء فماذا قلل الأغنياء؟ إنه بما كسبت أيديهم من أخذ مال حرام، أو إنفاقه في حرام، أو بخل به وحبسه عن وجوه الخير.
стр. 6721
ثم إن الحديث ذكر النار؛ لكي يتقين النساء دخولها، وذلك باجتناب كفران العشير، وإكثار اللعن، وأن يكثرن من الصدقات والاستغفار، فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "خَرَجَ رسول اللَّه ﷺ في أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ -وفي رواية مسلم: وأكثرن الاستغفار- فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ" (١).
وقال ابن حجر (٢): وفي هذا الحديث الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب، وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين. (٣)
الوجه الثاني: عقوبات خاصة بالنساء على صفحات الكتاب المقدس .
قطع يد المرأة: (تثنية ٢٥: ١١ - ١٢) "إذا تَخَاصَمَ رَجُلانِ رَجُلٌ وَأَخُوهُ وَتَقَدَّمَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا لِتُخَلِّصَ رَجُلهَا مِنْ يَدِ ضَارِبِهِ وَمَدَّتْ يَدَهَا وَأَمْسَكَتْ بِعَوْرَتهِ فَاقْطَعْ يَدَهَا وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ".
حرق المرأة بالنار: (لاويين ٢١: ٩) "وَإِذَا تَدَنَّسَتِ ابْنَةُ كَاهِنٍ بِالزِّنَى فَقَدْ دَنَّسَتْ أَبَاهَا بِالنَارِ تُحْرَقُ".
هذا ولا يحل للمرأة في الكنيسة القبطية أن تكون حاضرة بتاتا أثناء قيام الكاهن بإعداد القربان المقدس. هذا القربان لا يقوم بإعداده سوى كاهن أو راهب بعد غروب الشمس عشية السبت السابق للقداس ولا يحل للمرأة الحائض أن تتناول من هذا القربان المقدس بل ولا أن تدخل الكنيسة كما هو معروف ومتبع لديهم، وقد نقل ابن العسال في المجموع الصفوي نص القانون الصادر في مجمع نيقية في ذلك وهو: "لا تدخل الحائض الكنيسة ولا تتقرب إلى أن تنقضي أيام حيضتها ولو كانت من نساء الملوك وإن تعدى على ذلك
стр. 6722
كاهن فليسقط". (١)
ومن الأمور المحرمة على المرأة المسيحية هي دخولها للهيكل عامةً، وهذا المنع كان ضمن القوانين التي صدرت في المجمع الثامن في اللاذقية وقد أصدر هذا المجمع ٥٩ قانونًا من بينها تحريم دخول النساء الهيكل. (٢)
ولا ندري كيف يتفق كل هذا مع قولهم إنه لا ذكر أو أنثى في المسيح بل الجميع واحد وبالمسيح وللمسيح؟ !
وأخيرًا ننقل لك -عزيزي القارىء- ما ذكره المفسر المسيحي وليم باركلي عن المرأة ومنزلتها بحسب النظرة اليهودية فيقول:
بحسب الناموس اليهودي كانت المرأة تعتبر أقل من الرجل بكثير. فقد خلقت من ضلع من أضلاع آدم (تكوين ٢: ٢٢ و ٢٣)، وخلقت لأجل الرجل لتكون معينًا له ورفيقًا (تكوين ٢: ١٨). ويصور التلمود، تفسيرًا لذلك، فيقول والكلام للمفسر المسيحي وليم باركلي: إن اللَّه لم يخلق المرأة من رأس الرجل لئلا تتكبر وتتفاخر عليه، ولا من عينه لئلا تحقد وتحسد، ولا من يده لئلا تصبح طماعة جشعة، ولا من قدمه لئلا تصبح مجرد جسم هائم على وجهه، ولكنه خلقها من ضلع من أضلاعة. والضلع دائمًا مغطى، ولذلك فالتواضع ينبغي أن يكون صفتها الأولى. ومن الحقائق التعسة أن المرأة بحسب الناموس اليهودي كانت تعتبر شيئًا، وجزءًا من ممتلكات زوجها، له عليها السلطان الكامل وحق التصرف المطلق.
وفي السنهدريم مثلًا، لم يكن للنساء أي حق في المشاركة في العبادة، ولكنهن كن يعزلن تمامًا عن الرجال في رواق خاص يغلق عليهن في أي جزء من المبنى. ولم يكن يخطر بالبال، بحسب الناموس والتقليد اليهودي، أن النساء يمكن أن يطالبن بأي نوع من المساوة مع الرجال.
стр. 6723
وفي ١ كورنثوس (١١: ١٠) نجد عبارة غريبة وهي أن النساء يجب أن تتغطي من أجل الملائكة. ولسنا نستطيع أن نحدد ما تعنيه هذه العبارة على وجه التأكيد، ولكن من المحتمل جدًا أنها تحمل المعنى عينه الذي ورد في القصة القديمة الغريبة الواردة في تكوين ٦: ٢١ التي تحكي لنا كيف وقع الملائكة في شرك فتنة النساء الحسنات وهكذا أخطأوا. فربما تكون الفكرة أن السيدة غير المغطاة تكون تجربة وفخًا حتى بالنسبة للملائكة، لأن تقليدًا تلموديًا قديمًا يقول إن الذي أغوى الملائكة كان جمال شعر النساء الطويل. (١)
* * *
стр. 6724
٣٣ - شبهة حول: حديث كمل من الرجال كثير .
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "كَمُلَ (١) مِنْ الرِّجَال كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلا آسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، ومَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ" (٢).
أليس في هذا انتقاص لحق المرأة؟
والجواب:
الحديث ليس فيه حط من شأن المرأة، وإنما يشير إلى توفر الاستعداد الفطري للكمال لدى الرجل ولدى المرأة، أي أن الكمال غير ممتنع على المرأة، وليس قاصرًا على الرجل، وإذا كان الكمال ممكنًا؛ فبلوغ درجات في طريق الكمال أكثر إمكانًا.
وإذا كان الكمال ممكنًا (بالفطرة) فيمكن زيادة احتمالاته بالتربية والتوجيه، وبالجهد والاكتساب، كما هو الشأن مع الرجال، وعليه فينبغي اهتمام المرأة بعنصر الاكتساب؟ لتحقيق الكمال، وينبغي فتح مجالات التربية والتوجيه، وجميع المجالات التي ترفع من قدرات المرأة، وتصقل استعدادها الفطري وتزكيه.
* * *
стр. 6725
٣٤ - شبهة حول: حديث لولا حواء لم تخن أنثى زوجها
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ (١).
قد يفهم البعض من الحديث الآتي أن الإسلام يتهم المرأة بالخيانة.
والجواب: ليس هذا صحيحًا، وإنما المراد ما قاله الحافظ في الفتح حيث قال:
قوله: لم تخن أنثى زوجها فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زين ته لآدم ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة، ونزع العرق، فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو القول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش -حاشا وكلا- ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة، وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها وقريب من هذا حديث جحد آدم فجحدت ذريته، (وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم، بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن، فلا يُفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع، بل يضبطن أنفسهن، ويجاهدن هواهن. (٢)
وقال الشيخ أحمد شاكر معلقًا على كلام الحافظ:
إنه لم يكن هناك رجال غير آدم حتى تكون الخيانة بارتكاب الفواحش فالمقصود بالخيانة: عدم النصيحة، وليست هي الخيانة الزوجية.
* * *