ثم إن الحديث ذكر النار؛ لكي يتقين النساء دخولها، وذلك باجتناب كفران العشير، وإكثار اللعن، وأن يكثرن من الصدقات والاستغفار، فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "خَرَجَ رسول اللَّه ﷺ في أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ -وفي رواية مسلم: وأكثرن الاستغفار- فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ" (١).
وقال ابن حجر (٢): وفي هذا الحديث الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب، وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين. (٣)
الوجه الثاني: عقوبات خاصة بالنساء على صفحات الكتاب المقدس .
قطع يد المرأة: (تثنية ٢٥: ١١ - ١٢) "إذا تَخَاصَمَ رَجُلانِ رَجُلٌ وَأَخُوهُ وَتَقَدَّمَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا لِتُخَلِّصَ رَجُلهَا مِنْ يَدِ ضَارِبِهِ وَمَدَّتْ يَدَهَا وَأَمْسَكَتْ بِعَوْرَتهِ فَاقْطَعْ يَدَهَا وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ".
حرق المرأة بالنار: (لاويين ٢١: ٩) "وَإِذَا تَدَنَّسَتِ ابْنَةُ كَاهِنٍ بِالزِّنَى فَقَدْ دَنَّسَتْ أَبَاهَا بِالنَارِ تُحْرَقُ".
هذا ولا يحل للمرأة في الكنيسة القبطية أن تكون حاضرة بتاتا أثناء قيام الكاهن بإعداد القربان المقدس. هذا القربان لا يقوم بإعداده سوى كاهن أو راهب بعد غروب الشمس عشية السبت السابق للقداس ولا يحل للمرأة الحائض أن تتناول من هذا القربان المقدس بل ولا أن تدخل الكنيسة كما هو معروف ومتبع لديهم، وقد نقل ابن العسال في المجموع الصفوي نص القانون الصادر في مجمع نيقية في ذلك وهو: "لا تدخل الحائض الكنيسة ولا تتقرب إلى أن تنقضي أيام حيضتها ولو كانت من نساء الملوك وإن تعدى على ذلك
стр. 6722
كاهن فليسقط". (١)
ومن الأمور المحرمة على المرأة المسيحية هي دخولها للهيكل عامةً، وهذا المنع كان ضمن القوانين التي صدرت في المجمع الثامن في اللاذقية وقد أصدر هذا المجمع ٥٩ قانونًا من بينها تحريم دخول النساء الهيكل. (٢)
ولا ندري كيف يتفق كل هذا مع قولهم إنه لا ذكر أو أنثى في المسيح بل الجميع واحد وبالمسيح وللمسيح؟ !
وأخيرًا ننقل لك -عزيزي القارىء- ما ذكره المفسر المسيحي وليم باركلي عن المرأة ومنزلتها بحسب النظرة اليهودية فيقول:
بحسب الناموس اليهودي كانت المرأة تعتبر أقل من الرجل بكثير. فقد خلقت من ضلع من أضلاع آدم (تكوين ٢: ٢٢ و ٢٣)، وخلقت لأجل الرجل لتكون معينًا له ورفيقًا (تكوين ٢: ١٨). ويصور التلمود، تفسيرًا لذلك، فيقول والكلام للمفسر المسيحي وليم باركلي: إن اللَّه لم يخلق المرأة من رأس الرجل لئلا تتكبر وتتفاخر عليه، ولا من عينه لئلا تحقد وتحسد، ولا من يده لئلا تصبح طماعة جشعة، ولا من قدمه لئلا تصبح مجرد جسم هائم على وجهه، ولكنه خلقها من ضلع من أضلاعة. والضلع دائمًا مغطى، ولذلك فالتواضع ينبغي أن يكون صفتها الأولى. ومن الحقائق التعسة أن المرأة بحسب الناموس اليهودي كانت تعتبر شيئًا، وجزءًا من ممتلكات زوجها، له عليها السلطان الكامل وحق التصرف المطلق.
وفي السنهدريم مثلًا، لم يكن للنساء أي حق في المشاركة في العبادة، ولكنهن كن يعزلن تمامًا عن الرجال في رواق خاص يغلق عليهن في أي جزء من المبنى. ولم يكن يخطر بالبال، بحسب الناموس والتقليد اليهودي، أن النساء يمكن أن يطالبن بأي نوع من المساوة مع الرجال.
стр. 6723
وفي ١ كورنثوس (١١: ١٠) نجد عبارة غريبة وهي أن النساء يجب أن تتغطي من أجل الملائكة. ولسنا نستطيع أن نحدد ما تعنيه هذه العبارة على وجه التأكيد، ولكن من المحتمل جدًا أنها تحمل المعنى عينه الذي ورد في القصة القديمة الغريبة الواردة في تكوين ٦: ٢١ التي تحكي لنا كيف وقع الملائكة في شرك فتنة النساء الحسنات وهكذا أخطأوا. فربما تكون الفكرة أن السيدة غير المغطاة تكون تجربة وفخًا حتى بالنسبة للملائكة، لأن تقليدًا تلموديًا قديمًا يقول إن الذي أغوى الملائكة كان جمال شعر النساء الطويل. (١)
* * *
стр. 6724
٣٣ - شبهة حول: حديث كمل من الرجال كثير .
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "كَمُلَ (١) مِنْ الرِّجَال كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلا آسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، ومَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ" (٢).
أليس في هذا انتقاص لحق المرأة؟
والجواب:
الحديث ليس فيه حط من شأن المرأة، وإنما يشير إلى توفر الاستعداد الفطري للكمال لدى الرجل ولدى المرأة، أي أن الكمال غير ممتنع على المرأة، وليس قاصرًا على الرجل، وإذا كان الكمال ممكنًا؛ فبلوغ درجات في طريق الكمال أكثر إمكانًا.
وإذا كان الكمال ممكنًا (بالفطرة) فيمكن زيادة احتمالاته بالتربية والتوجيه، وبالجهد والاكتساب، كما هو الشأن مع الرجال، وعليه فينبغي اهتمام المرأة بعنصر الاكتساب؟ لتحقيق الكمال، وينبغي فتح مجالات التربية والتوجيه، وجميع المجالات التي ترفع من قدرات المرأة، وتصقل استعدادها الفطري وتزكيه.
* * *
стр. 6725
٣٤ - شبهة حول: حديث لولا حواء لم تخن أنثى زوجها
نص الشبهة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ (١).
قد يفهم البعض من الحديث الآتي أن الإسلام يتهم المرأة بالخيانة.
والجواب: ليس هذا صحيحًا، وإنما المراد ما قاله الحافظ في الفتح حيث قال:
قوله: لم تخن أنثى زوجها فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زين ته لآدم ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة، ونزع العرق، فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو القول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش -حاشا وكلا- ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة، وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها وقريب من هذا حديث جحد آدم فجحدت ذريته، (وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم، بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن، فلا يُفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع، بل يضبطن أنفسهن، ويجاهدن هواهن. (٢)
وقال الشيخ أحمد شاكر معلقًا على كلام الحافظ:
إنه لم يكن هناك رجال غير آدم حتى تكون الخيانة بارتكاب الفواحش فالمقصود بالخيانة: عدم النصيحة، وليست هي الخيانة الزوجية.
* * *
стр. 6726
٣٥ - شبهة حول: حديث الشؤم في ثلاث .
نص الشبهة:
قول النبي ﷺ : "الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ".
فهم البعض أن الإسلام يصف المرأة بأنها شؤم لما ورد من الأحاديث الآتية:
١ - عَنْ عبد اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ (١).
٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ" (٢). يعني: الشؤم.
٣ - عَنْ جَابِر ﵁ عَنْ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ" (٣).
والجواب عن هذه الشبهة ما يلي:
إن الطيرة والتشاؤم من عقائد أهل الجاهلية التي أتى الإسلام لهدمها، وإحلال الاعتقاد بالقدر، والتوكل على اللَّه مكانها، بيد أن النبي ﷺ مع اعتقاده بأنه لا تشاؤم ولا تفاؤل في الإسلام، بمعنى أنه لا أثر لهما في الضر أو النفع، كان يجب أن يسمع الكلمة الحسنة الطيبة، والاسم الحسن الطيب المبشر؛ لأنهما يبعثان على السرور والرضا، والبشر في السامع فحسب، فلهما أثر نفسي في الانشراح والطمأنينة لا ينكران، وقد دلَّ على ذلك الأحاديث الآتية:
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ. قيل: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ. (٤)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا طِيَرَةَ (٥) وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ. قَالَوا: وَمَا الْفَأْلُ يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ". (٦)
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول اللَّه، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ. قَالَ: فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ. (١)
وظاهر هذه يمثل إشكالًا، فهذه كلها أحاديث صحيحة لا شك في شيء منها، قسم منها ينفي الشؤم مطلقًا بلا النافية للجنس، وقسم يثبته في هذه الأشياء الثلاثة: المرأة، الفرس، والدار، فكيف نفهم الأمور إذن؟
ومعلوم أن التعارض بين أدلة الشرع الصحيحة، إنما هو تعارض بين ظواهرها -وليس في حقيقتها- إذ إن الشريعة كلَّها تدور على أمور لا اختلاف فيها، ولا اضطراب، ولا تناقض، فكيف نفهم مجموع الأحاديث السابقة؟
والذي يظهر أن شؤم المرأة والدابة والدار ليس على ظاهره مما كان في الجاهلية، وإنما معناه عدم موافقة هذه الأشياء للإنسان، فشؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها، وأذاهم.
وشؤم المرأة: سلاطة لسانها، وسوء خلقها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه.
ووجه الحصر في الثلاثة: هو بالنسبة إلى العادة، لا إلى الخلقة؛ لأنها لم تخلق شؤمًا في سوء أفعالهن، وما مسهن من الكوارث فيما كسبوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (الشورى: ٣٠).
فالمرأة إذا كانت سيئة الخلق سليطة اللسان، ماذا نتوقع في معاشرتها لزوجها؟ لا شك أن زوجها سيعيش معها دائمًا في حال شجار وخلاف، وقد يترتب على هذا الخلاف شرٌ كبيرٌ من إضاعة المال وإهمال الرجل لعمله، وإتلاف أشياء من المنزل بسبب الغضب بينهما. . . إلخ.
стр. 6729
وقد بوب البخاري ﵀ على هذه الأحاديث بقوله: باب ما يتقى من شؤم المرأة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ (التغابن: ١٤).
وقد علق الحافظ على تبوبيه فقال: كأنه يشير إلى اختصاص شؤم ببعض النساء دون بعض، مما دلت عليه من التبعيض. اهـ.
قال الشيخ مصطفى العدوي (١): ولعلَّ ما يفسر هذا الحديث هو حديث رسول اللَّه ﷺ الذي أخرجه أحمد (١/ ١١٦٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: ثَلَاثَةٌ، وَمنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَة، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ".
وهذا الحديث من طريق محمد بن أبي حميد، وقد أطبق أهل العلم على تضعيفه، إلا أن محمدًا قد توبع عند الحاكم (٢/ ١٦٢) ولكن بلفظ: ثلاث من السعادة، وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة: المرأة الصالحة تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطية فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق، ومن الشقاوة: المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق أخرجه الحاكم من طريق أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن بطة الأصبهاني، قال ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زكريا الأصبهاني، ثنا محمد بن بكير الحضرمي، ثنا خالد بن عبد اللَّه أبو إسحاق الشيباني، عن أبي بكر بن حفص، عن محمد بن سعد، عن أبيه مرفوعًا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد من خالد بن عبد اللَّه الواسطي إلى رسول اللَّه ﷺ ، تفرد به محمد بن بُكير عن خالد، إن كان حفظه فإنه صحيح
стр. 6730
على شرط البخاري، وقال الذهبي في محمد بن بكير: قال أبو حاتم: صدوق، يغلط. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة.
قلت: وقد توبع محمد بن أبي حميد أيضًا، تابعه عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، عن ابن حبان (١٢٣٢)، ولكن بلفظ: أربع من السعادة فذكر نحو الحديث وزاد عليه.
وأشار الحافظ في الفتح إلى أن الطبراني أخرج نحوه مع اختلاف يسير من حديث أسماء ﵂، فالحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى الحسن، وهو خير ما يفسره قول النبي ﷺ : الشؤم في ثلاثة المرأة، والفرس، والدار واللَّه أعلم.
والذي يظهر لي من ترجمة الإمام البخاري، أنَّه خصَّ الشؤم بالمرأة التي قد تكون سببًا في فتنة زوجها، وذلك كأن يفتتن الزوج بحب زوجته فيطيعها في المعصية.
فقد تكون سببًا في دخوله النار، لذلك أعقب البخاري هذه الأحاديث بحديث: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤١):
قال الشيخ تقي الدين السبكي: في إيراد البخاري هذا الحديث عقب حديث ابن عمر، وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة: إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها، أو أن لها تأثيرًا في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب في ذلك فهو جاهل، وقد أطلق الشارع على من ينسب المطر إلى النوء الكفر، فكيف بمن ينسب ما يقع من الشر إلى المرأة مما ليس لها فيه مدخل. اهـ
وأيًّا ما كان الأمر بالشؤم، وهو توقع الشر لا يكون خاصًا بالمرأة من حيث كونها امرأة، وإنما هو خاص ببعض النساء، وهي الزوجة السيئة الخلق، أو المرأة التي تكون سببًا في فتنة زوجها فيطيعها في المعصية، ولا شك أن هذا الشيء مشاهد ومجرب في الحياة، وعليه فالحديث ليس فيه انتقاص للمرأة كما يفهم البعض ذلك، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 6731
٣٦ - شبهات حول: أحاديث ضعيفة تحط من شأن المرأة
وأخيرًا هذه بعض أحاديث لم تثبت عن النبي ﷺ تحط من شأن المرأة يكفي في ذلك أن نبين ضعفها، واللَّه المستعان.
١ - حديث: "وإنما النساء لعب فمن اتخذ لعبة فليحسنها أو ليستحسنها ".
قال الألباني ﵀ في الضعيفة (رقم ٤٦٢):
ضعيف: رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ص (١١٦ - زوائده) حدثنا أحمد بن يزيد: ثنا عيسى بن يونس، عن زهير بن محمد، عن أبي بكر بن حزم مرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وفيه ثلاث علل: الإرسال؛
فإن أبا بكر، وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، تابعي، مات سنة (١٢٠).
وضعف زهير بن محمد الخراساني الشامي.
وأحمد بن يزيد، لم أعرفه، ويحتمل أنه ابن الورتنيس المصري، فقد ذكر له رواية عن عيسى بن يونس في تهذيب الكمال فإن كان هو؛ ففيه ضعف، واللَّه أعلم.
وهذا الحديث مما فات السيوطي، فلم يورده في الجامع الكبير ولا في اللآلي، وكذلك فات ابن عراق؛ فلم يورده في تنزيه الشريعة والمناوي في الجامع الأزهر!
٢ - حديث: "هلكت الرجال حين أطاعت النساء ".
أخرجه أحمد (٥/ ٤٥)، ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣)، الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠) رقم (٧٨٧٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٣٥) رقم (٤٢٥)، البزار (٣٦٩٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٤)، وعزاه الألباني في الضعيفة (١/ ٦٢٥) إلى ابن ماسي في آخر جزء الأنصاري (١١/ ١). جميعًا من طريق بكار بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي بكرة، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه المناوي في فيض القدير (٦/ ٣٥٦)، وقال: وأقول بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة أورده الذهبي في الضعفاء.
стр. 6732
وتعقبه أيضًا الألباني فقال في الضعيفة (١/ ٦٢٦):
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
قلت: وهذا ذهول منه عما ذكره في ترجمة بكار هذا في الميزان: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم.
وقال في الضعفاء: ضعيف، مشاه ابن عدي، وتعقبه الشيخ مقبل، في تعليقه على المستدرك فقال: بكار بن عبد العزيز، ضعيف كما في الميزان.
٣ - حديث: "طاعة المرأة ندامة ".
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٧٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٤٩)، وعزاه الألباني في الضعيفة (١/ ٦٢٤) للقضاعي (ق ١٢/ ٢) والباطرقاني في حديثه (١٦٨/ ١)، وابن عساكر (١٥/ ٢٠٠/ ٢). جميعًا من طريق محمد بن سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا.
قال العقيلي: محمد بن سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن عروة ببواطيل لا أصل له، منها ما حدثناه، ثم ذكر الحديث.
وقال ابن عدي: لم يروه عن هشام إلا ضعيف، وحدث به عن هشامٍ، خالدُ بن الوليد المخزومي، وهو أضعف من ابن أبي كريمة هذا.
وأورد الذهبي في الميزان الحديث في ترجمة ابن أبي كريمة، وكذا الحافظ في اللسان (٥/ ١٨٦).
وقال العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٤٨) (١٦٤٨): طاعة النساء ندامة. وفيه ضعيف.
وقال أيضًا في موضع آخر (٢/ ٥٠٤) وروى القضاعي، والعسكري، والديلمي، وغيرهم بسند ضعيف، عن عائشة مرفوعًا: طاعة النساء ندامة.
وقال الألباني في الضعيفة (١/ ٦٢٥): وقد تعقَّب السيوطي ابن الجوزي كعادته، فذكر في اللآليء (٢/ ١٧٤) أن له طريقين آخرين عن هشام، وشاهدًا من حديث أبي بكرة،
стр. 6733
لكن في أحد الطريقين خلف بن محمد بن إسماعيل، وهو ساقط الحديث؛ كما تقدم عن الحاكم في الحديث (٤٢٢)، وقد أخرجه من هذه الطريق أبو بكر المقري الأصبهاني في الفوائد (١٢/ ١٩٢)، وأبو أحمد البخاري في جزء من حديثه (١/ ٢).
وفي الطريق الأخرى أيوب البختري، واسمه: وهب بن وهب؛ وضَّاع مشهور.
وأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (٥/ ٤٦٢) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان عن أم سعد بنت زيد بن ثابت عن أبيها.
قلت: وهذا ضعيف من وجهين:
الأول: عنبسة بن عبد الرحمن. قال عنه أبو حاتم: كان يضع الحديث، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال الدارمي عن يحيى بن معين: لا أعرفه، وقال ابن الجنيد عنه: ضعيف الحديث ليس بشيء وقال الدوري عنه: ليس حديثه بشيء.
وقال البخاري: متروك.
وقال أبو داود، والنسائي، والدارقطني: ضعيف، وقال النسائي في موضع آخر: متروك وقال الترمذي: يضعف، وقال أبو الفتح الأزدي: كذاب، وقال ابن حبان: هو صاحب أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به. وانظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ٤١٨).
وقال ابن عدي: وعنبسة هذا له غير ما ذكرت من الحديث منكر الحديث.
الثاني: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال عنه ابن عدي: لا بأس به؛ إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب، وتلك العجائب من جهة المجهولين.
والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٧٢). وقال:
لا يصح، عنبسة ليس بشيء، وعثمان لا يحتج به.
وانظر: الضعيفة (٤٣٥). وكذا ضعيف الجامع (٢٧٢٢، ٣٢٨٨)، وأورده أيضًا ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٢١٠).
стр. 6734
يقول الدكتور البلتاجي (١):
وهل يجوز إطلاق مثل هذا القول الذي استبعد تمامًا أن تأمر المرأة ببر، أو صلة رحم، أو خير، أو مشورة حكيمة؟ كأنها لا تشير ولا تأمر إلا بشر، فماذا عن طاعة النبي ﷺ لأم سلمة في الحديبية؟ وماذا عن طاعة أبي الفتاتين من مدين لابنته في صدق فراستها في موسى ﵇ ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) وماذا عن امرأة فرعون، وغيرهن كثيرات!
٤ - حديث: "لولا النساء لعبد اللَّه حقًا حقًا ".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٩٥) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.
قال ابن عدي: وهذا حديث منكر ولا أعرفه إلا من هذا الطريق.
قلت: وهذا حديث ضعيف من وجوه:
الأول: هناك خلاف في سماع ابن المسيب من عمر ﵁.
الثاني: زيد العمِّي ضعيف.
الثالث: عبد الرحيم بن زيد،
قال ابن عدي: هذا حديث منكر، ولا أعرفه إلا من هذا الوجه، وعبد الرحيم بن زيد العمِّي أحاديثه كلها لا يتابعه الثقات عليها.
قلت: وقال البخاري: تركوه.
وقال أبو حاتم: يترك حديثه، منكر الحديث، كان يفسد أباه؛ يحدث عنه بالطامات.
وقال ابن معين: كذاب خبيث.
والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٥٥) من طريق ابن عدي، ثم قال: لا أصل له، عبد الرحيم وأبوه متروكان، ومحمد بن عمران منكر الحديث.
стр. 6735
والظاهر أن الشوكاني تبع ابن الجوزي في ذلك، فقال في الفوائد المجموعة (ص ١١٩) رواه ابن عدي، عن عمر مرفوعًا، وفي إسناده متروكان، ومنكر، وقد تعقب الألباني ابن الجوزي، فقال في الضعيفة (١/ ١٣٩ - ١٤٠): الظاهر أن ابن الجوزي توهم أن محمد بن عمران هذا هو الأخنسي الذي قال فيه البخاري في تاريخه الكبير (١/ ١/ ٢٠٢):
كان ببغداد، يتكلمون فيه، منكر الحديث عن أبي بكر بن عياش.
وليس صاحب هذا الحديث هو الأخنسي، بل هو الهمداني، كما صرح ابن عدي في روايته، وهو ثقة، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) فعلة الحديث ممن فوقه.
وأما السيوطي فخفي عليه هذا، فإنه إنما تعقب ابن الجوزي بقوله في اللآليء (٢/ ١٥٩): له شاهده!
ومع ذلك فهذا تعقب لا طائل تحته؛ لأن الشاهد المشار إليه ليس خيرًا من المشهود له! وهو:
الحديث أخرجه أيضًا أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٠)، وعزاه الألباني في الضعيفة (١/ ١٤٠) لأبي الفضل عيسي بن موسى الهاشمي في نسخة الزبير بن عدي (١/ ٥٥/ ٢) والثقفي في الثقفيات من طريق بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس مرفوعًا لولا النساء، دخل الرجال الجنة.
وبشر هذا قال عنه ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٢٠٤): كذاب وضاع، فلا يصلح حديثه شاهدًا.
وقال العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٢١٥) رقم (٢١٢٨): رواه الديلمي، وفيه متروك.
- حديث قول النبي ﷺ لابنته فاطمة ﵂: "أي شيء خير للمرأة؟ قالت: ألا ترى رجلًا ولا يراها رجل فضمها إليه، وقال: ذرية بعضها من بعض.
أورده الغزالي في الإحياء.
وقال الحافظ العراقي: رواه البزار، والدارقطني، في الأفراد من حديث علي، بسند ضعيف.
٥ - حديث: "شاوروهن وخالفوهن ".
стр. 6736
قال الألباني في الضعيفة (١/ ٦١٩): لا أصل له مرفوعًا! كما أفاده السخاوي، ثم المناوي (٤/ ٢٦٣)، وقال العجلوني في كشف الخفاء (رقم ١٥٢٩) باختصار، وبتصرف يسير شاورهن، وخالفوهن. قال في المقاصد: لم أره مرفوعًا، كذلك ورد بسند ضعيف جدًّا مع انقطاع عن أنس مرفوعًا: لا يفعلن أحدكم أمرًا حتى يستشير، فإن لم يجد من يشيره فليستشر امرأة ثم ليخالفها؛ فإن في خلافها البركة.
ومما يدل على نكارة الحديث أن النبي ﷺ نفسه استشار أم سلمة في صلح الحديبية، وعمل بمشورتها، وعمل أيضًا بمشورة خديجة ﵂ حين جاءه الوحي أول مرة، حيث أشارت عليه بالذهاب إلى ورقة بن نوفل.
وقد ورد أثر ضعيف موقوف عن عمر بن الخطاب: خالفوا النساء فإن في خلافهن بركة.
قال الألباني في الضعيفة (١/ ٦١٩): رواه علي بن الجعد الجوهري في حديثه (١٢/ ١٧٧/ ١) من طريق أبي عقيل، عن حفص بن عثمان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال عمر ﵀. . . فذكره.
قال الألباني: وهذا سند ضعيف، فيه علتان:
الأولى: جهالة حفص هذا، فقد أورده ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ١٨٤) برواية أبي عقيل هذا وحده، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وفي ثقات ابن حبان (٦/ ١٩٦):
حفص بن عثمان بن محمد بن عرادة، عن عكرمة، وعنه أبو عقيل.
فيحتمل أن يكون هو هذا، مع ملاحظة اختلاف اسم الجد، وذلك مما يؤكد جهالته كما يشير إليه أحمد في قوله الآتي.
والعلة الأخرى: أبو عقيل، واسمه يحيى بن المتوكل العمري، صاحب بهية، ضعيف كما في التقريب، وقال أحمد: رواه عن قوم لا أعرفهم.
стр. 6737
ثم إن معنى الحديث ليس صحيحًا على إطلاقه، لثبوت عدم مخالفته ﷺ لزوجته أم سلمة حين أشارت عليه بأن ينحر أمام أصحابه في صلح الحديبية حتى يتابعوه في ذلك.
٦ - حديث: "أعدى عدوك زوجتك التي تضاجعك وما ملكت يمينك ".
قال الألباني ﵀ في الضعيفة (٢٨٢٠): ضعيف، رواه الديلمي (١/ ١/ ١٢٢) عن أبي بكر السامري، حدثنا إبراهيم بن (الجنيد): حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، فيه علل:
الأولى: الانقطاع بين سعيد وأبي مالك الأشعري، فإنهم ذكروا في ترجمة سعيد أنه لم يسمع من جابر بن عبد اللَّه ﵁، وجابر مات بعد السبعين، وأبو مالك الأشعري مات سنة ثماني عشرة.
الثانية: اختلاط سعيد نفسه؛ رماه بذلك أحمد وغيره.
الثالثة: إبراهيم بن الجنيد وهو الرقي؛ مجهول.
الرابعة: أبو بكر السامري؛ لم أعرفه.
والحديث بيَّض له المناوي، فكأنه لم يقف على إسناده.
قال الدكتور/ البلتاجي في مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة:
لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه؛ لأنه مخالف لآيات وأحاديث صحيحة كثيرة: فكيف يمكن أن يمتن اللَّه -تعالى- على عباده بالزواج ويجعله من آياته، ويعلله بسكون الزوج إلى زوجته التي هي أعدى أعدائه؟ ! وما معنى وصية النبي ﷺ المتكررة بالزوجات وإحسان عشرتهن، وهن أعدى الأعداء؟ .
٧ - حديث: "احملوا النساء على أهوائهن ".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٣٧٩) عن محمد بن الحارث، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا.
وهذا الحديث ضعيف من وجهين:
- ابن البيلماني روى عن أبيه نسخة موضوعة، كما قال ابن حبان.
стр. 6738
- محمد بن الحارث ضعيف.
قال ابن عدي: ومحمد بن الحارث عامة ما يرويه غير محفوظ.
ثم قال في ترجمة شيخه ابن البيلماني: وإذا روى عن ابن البيلماني محمد بن الحارث فجميعًا ضعيفان، والضعف على حديثهما بيِّن.
والحديث أورده الذهبي في الميزان (٣/ ٥٠٥) في ترجمة محمد بن الحارث ضمن ما ينكر عليه.
٨ - حديث: "ثلاث لا يركن إليها: الدنيا، والسلطان، والمرأة ".
قال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٨٦) رقم (١٠٣٣): ليس بحديث كما في التمييز وغيره.
وفي المصنوع (١/ ٨٨) رقم (٩٩): ليس بحديث.
وانظر: الاتقان (٥٨٨)، الأسرار المرفوعة (١٥٠)، تحذير المسلمين (٩٥)، التمييز (٦٣)، الجد الحثيث (١٠٢)، الشذرة (٣١٦)، اللؤلؤ المرصوع (١٥٧)، المقاصد الحسنة (٣٥٦)، النخبة (٩٤)، مختصر المقاصد (٣٣٢).
٩ - حديث: "أعروا النساء يلزمن الحجال ".
أخرجه ابن جميع في معجم الشيوخ (ص ١٠٥)، الطبراني (١٩/ ٤٣٨ رقم ١٠٦٣)، والخطيب في التاريخ (٩/ ٣٦٨)، (١٢/ ٣١٩)، وعزاه الألباني في الضعيفة رقم (٢٨٢٧) لأبي العباس الأصم في حديثه (٣/ ١٤٩/ ١) وابن منده في المعرفة (٢/ ١٦٢/ ١)، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه (١١٩/ ١)، وعنه القضاعي في مسنده (ق ٥٧/ ٢)، السلفي في الطيوريات (٢١٧/ ٢)، وابن عساكر (٨/ ٣١٣/ ٢، ١١/ ٢٣١/ ١)، والضياء المقدسي في المنتقى في مسموعاته بمرو (١/ ١١٣) جميعًا عن بكر بن سهل، ثنا أبو يحيى شعيب بن يحيى التجيببي، ثنا يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث، عن مجمع بن كعب، عن مسلمة بن مخلد مرفوعًا به.
وهذا الطريق ضعيف من وجهين:
الأول: مجمع بن كعب، مجهول، قال عنه ابن القطان في أحكام النظر: لا يعرف.
стр. 6739
الثاني: بكر بن سهل الدمياطي، قال عنه النسائي: ضعيف، وذكر مسلمة بن قاسم أن الناس تكلموا فيه، ووضعوه من أجل هذا الحديث، كما ذكر ذلك الحافظ في اللسان (٢/ ٥٢) والحديث قال عنه الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ١٣٥): لا أصل له.
١٠ - حديث: "اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإنَّ إبليس طلاع ورصاد، صياد، وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده الأتقياء، من فخوخه في النساء ".
قال الألباني في الضعيفة (٢٠٦٥): موضوع، رواه الديلمي (١/ ١/ ٤٥) عن سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل مرفوعًا.
وبيَّض له الحافظ في مختصره للديلمي، وسعيد بن سنان، قال في التقريب:
متروك، رماه الدارقطني وغيره بالوضع.
وقال الذهبي في الضعفاء: هالِك.
وانظر ضعيف الجامع (١١٦)، وكشف الخفاء (٥٥، ٧٦).
١١ - حديث: "ليس للنساءِ نصيبٌ في الخروج الا مضطرة -يعني ليس لها خادم- إلا في العيدين الأضحى والفطر، وليس لهن نصيب من الطريق إلا الحواشي ".
رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٥٣٣) من طريق سوار بن مصعب عن عطية، عن ابن عمر مرفوعًا.
وقال: سوار بن مصعب عامة ما يرويه ليس بمحفوظ، وهو ضعيف كما ذكروه.
١٢ - حديث: "ليس للنساء سلام، ولا عليهن سلام ".
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٥٨): حُدِّثْتُ عن أبي طالب، ثنا علي بن عثمان النفيلي: ثنا هشام بن إسماعيل العطار ثنا سهل بن هشام، عن إبراهيم بن أدهم، عن الزبيدي، عن عطاء الخراساني يرفع الحديث قال: فذكره قال الزبيدي: أخذ على النساء ما أخذ على الحيات: أن ينحجرن في بيوتهن!
قال الألباني في الضعيفة (رقم ١٤٣٠).
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه في أعلاه، وفي أدناه، على جهالة فيه وضعف.
стр. 6740
أما الأول: فلأن عطاء الخراساني، قال الحافظ في التقريب:
صدوق، يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين يعني ومائة، فهو تابعي صغير.
وأما الآخر، فظاهر من قول أبي نعيم: وحدثت عن أبي طالب فلم يذكر الذي حدثه، وأبو طالب هذا هو ابن سوادة كما في إسناد آخر قبل هذا، ولم أعرفه.
وبقية الرجال ثقات غير سهل بن هشام، فلم أعرفه أيضًا، لكن الظاهر أن فيه خطأ مطبعيًا، والصواب سهل بن هاشم، وهو الواسطي البيروتي، فقد ذكروا في ترجمته أنه روى عن إبراهيم بن أدهم، وهو ثقة. واللَّه أعلم.
١٣ - حديث: "الحمد للَّه، دفن البنات من المكرمات ".
أخرجه يعقوب الفسوي في المعرفة (٣/ ١٥٩)، الطبراني في الكبير (١١/ ٣٦٦ رقم ١٢٠٣٥)، والأوسط (٢/ ٣٧٢ رقم ٢٢٦٣)، ومسند الشاميين (٣/ ٣٢٤ رقم ٢٤٠٨)، والبزار (٧٩٠ - زوائده)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٧٢ - ١٧٣ رقم ٢٥٠)، وابن عساكر (٢/ ٣٧٢ رقم ٢٢٦٣).
وعزاه الألباني في الضعيفة (١٨٥) إلى أبي القاسم المهراني في الفوائد المنتخبة (٣/ ٢٦/ ١) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٢١٦، ٨/ ٥٠٣/ ١)، (١١/ ٢٦٢/ ١)، (١٥/ ١٥٩/ ٢).
جميعًا من طريق عراك بن خالد بن يزيد، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما عزي رسول اللَّه ﷺ على رقية امرأة عثمان بن عفان قال: . . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء كما تبين من كلام ابن الجوزي الآتي فعراك بن خالد وعثمان بن عطاء وأبوه لا يحتج بهم.
وقد توبع خالد تابعه محمد بن عبد الرحمن بن طلحة القرشي كما عند ابن عدي في الكامل (٧/ ٤٠٤) وهذه المتابعة لا يفرح بها؛ إذ محمد بن عبد الرحمن هذا قال عنه ابن عدى يسرق الحديث ضعيف والظاهر أنه سرق هذا الحديث من عراك؛ لذا قال ابن عدى:
стр. 6741
وهذا حديث عراك بن خالد المدني، عن عثمان عن عطاء حدث به عنه عبد اللَّه بن ذكوان سرقه منه محمد بن عبد الرحمن هذا.
قال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٦) لا يصح، عثمان ضعيف، وأبوه رديء الحفظ، وعراك ليس بالقوي، ومحمد بن عبد الرحمن ضعيف يسرق الحديث. قال: وسمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأنماطي الحافظ يحلف باللَّه أنه ما قال رسول اللَّه ﷺ من هذا شيئًا قط.
وأخرجه ابن عدي في الكامل، والخطيب في التاريخ (٧/ ٢٩١) عن حميد بن حماد، عن مسعر بن كدام، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا به.
قلت: وهذا الإسناد ضعيف من أجل حميد بن حماد، قال عنه أبو داود: ضعيف، وقال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير.
وبه أعله ابن الجوزي، فأورد الحديث في الموضوعات (٣/ ٢٣٥) من هذا الوجه، ثم قال: لا يصح؛ حميد يحدث عن الثقات بالمناكير.
وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات ص ٣٤٤ سنده في تاريخ بغداد مظلم، عن مسلم، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر.
١٤ - حديث: "للمرأة ستران: القبر والزوج قيل: وأيهما أفضل؟ قال: القبر ".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٣٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٥١ رقم ٨٢٤٠) وفي الصغير (٤٤٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٧)، وعزاه الألباني في الضعيفة (١٣٩٦) للطبراني في الكبير (٣/ ٢٧١/ ٢) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٧٢/ ١) جميعًا من طريق خالد بن يزيد، حدثنا أبو روق الهمداني، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا.
وقال ابن الجوزي: حديث موضوع على رسول اللَّه ﷺ ، المتهم به خالد، وهو خالد بن يزيد بن أسد القسري، قال ابن عدي: أحاديثه كلها لا يتابع عليها لا متنًا ولا سندًا، وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات صـ ٣٤٥: الخبر باطل.
стр. 6742
قال الألباني في الضعيفة: وفيه علة أخرى، وهي الانقطاع بين الضحاك -وهو ابن مزاحم- وابن عباس؛ فإنه لم يلقه؛ كما تقدم غير مرة.
وقد تعقب السيوطي ابن الجوزي بأن له شاهدًا من حديث على رضى اللَّه عنه، وما أظن ذلك يفيده قوة كما يأتي بيانه في الحديث التالي:
١٥ - حديث: "للنساء عشر عورات، فإذا زوجت المرأة ستر الزوج عورة، وإذا ماتت المرأة ستر القبر تسع عورات ".
منكر. أخرجه الديلمي من طريق إبراهيم بن أحمد الحسني، حدثنا الحسين بن محمد الأشقر، عن أبيه محمد بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن محمد، عن أبيه عن أبيه الحسن بن الحسن بن علي، عن الحسن، عن علي مرفوعًا.
ذكره السيوطي في اللآلي (٢/ ٤٣٨) شاهدًا للذي قبله، وسكت عنه هو وابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
وأقول: إسناده مظلم، من دون محمد الأشقر لم أعرفهم، وشيخه عبد اللَّه بن محمد؛ الظاهر أنه عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أبو محمد العلوي، قال الحافظ: مقبول.
يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث.
ومن فوقهم من أهل البيت معروفون بالصدق، ومترجمون في التهذيب، فالعلة ممن دونهم.
١٦ - حديث: "من كانت عنده ابنة فقد فدح، ومن كانت عنده ابنتان فلا حج عليه، ومن كانت عنده ثلاث فلا صدقة عليه ولا قرى ضيف، ومن كانت عنده أربع فيا عباد اللَّه: أعينوه، أعينوه، أقرضوه، أقرضوه ".
قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (١٣٢): رواه الحاكم عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات.
وقال الدكتور/ البلتاجي في مكانة المرأة في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة:
- فأين هذا الكذب الصريح اسقاط الحج والزكاة من الحديث الصحيح من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو - وضم أصابعه صحيح مسلم، كتاب البر، باب فضل الإحسان إلى البنات.
стр. 6743
- ومن هذه الأحاديث النساء حبالة الشيطان (رقم ١٥٣٠ عند العجلوني، و ٥١٣ عند ابن طولون).
- ومنها ضاع العلم بين أفخاذ النساء (وهو ١٦٣٦ عند العجلوني رقم ٥٥٧ عند ابن طولون) وكل منهما يقول عنه: إنه ليس بحديث، بل هو من كلام بشر الحافي الصوفي، لكنه شاع بين الناس على أنه حديث! وقارنه بالحديث الصحيح الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة وفي رواية: الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة رواه مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن ماجة، وغيرهم عن ابن عمرو مرفوعًا، وقد فسرت الصالحة في الحديث بقوله ﷺ : التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وقارن ما سبق من هذه الأقوال الموروثة المشتهرة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (الروم: ٢١). (١)
١٧ - حديث: "اتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر ".
قال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٤٤): هو من كلام بعضهم.
وهذا غير صحيح؛ لأنه يصدر عن سوء الظن بالمرأة الخيرة وانتظار الفساد منها، وتوقعه في كل لحظة! وهذا يخالف الأمر القرآني ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
١٨ - حديث ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: أولهم المرأة .
قال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٨٨ رقم ١٠٣٨): قال النجم: هو من كلام الشافعي، وليس في المرفوع، وذكره العجلوني أيضًا (٢/ ٢٤٤) من قول الشافعي.
وقال الدكتور/ البلتاجي: وأين ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك من الأحاديث الصحيحة الأخرى التي أوصى فيها النبي ﷺ وبالنساء وإكرامهن.
стр. 6744
وقد شكك الدكتور/ البلتاجي في صحة نسبة هذا القول إلى الشافعي ﵀.
١٩ - حديث: "لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف ".
لا يصح وقد سبق تخريجه في شبهة تعليم المرأة.
٢٠ - حديث: "فضلت على آدم بخصلتين: كانت زوجته عونا له على المعصية، وأزواجي أعوان لي على الطاعة ".
أورده الغزالي في الإحياء ٤/ ١١٤.
وقال عنه الحافظ العراقي: رواه الخطيب في التاريخ (٣/ ٣٣١) وفيه محمد بن وليد بن أبان القلانسى، قال ابن عدي كان يضع الحديث.
٢١ - حديث: "أخروهن من حيث أخرهن اللَّه "، يعني النساء.
قال الألباني في الضعيفة (رقم ٩١٨): لا أصل له مرفوعًا.
٢٢ - حديث: "استعينوا على النساء بالعرى فإن أحداهن إذا كثرت ثيابها وأحسنت زينتها أعجبها الخروج ".
روى من طريق إسماعيل بن عباد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس. وإسماعيل بن عباد وهالك وانظر أسنى المطالب (١٧٩) تبيض الصحيفة (٦) التنزيه (٢/ ٢١٢) زخيرة الحفاظ (٤٩٦) ضعيف الجامع (٨١٩) الضعيفة (٢٠٢٢) الفوائد المجموعة (٣٨١) الكشف الإلهي (٤٤) كشف الحفظ (٣٤١) اللآلئ (٢/ ١٨١) المشتهر (١٣٧) المغير (٢٧) الموضوعات (٢/ ٢٨٢) ترتيب الموضوعات (٧٠٢).
أشد الحرب النساء، وأبعد اللقاء الموت، وأشد منهما الحاجة إلى الناس ولم يثبت. وانظر: ضعيف الجامع (٨٦٤).
٢٣ - حديث ابن عباس ﵄: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فجلست إليه فكلمته في حاجتها وقامت فأراد رجل أن يجلس مكانها فنهاه أن يقعد فيه حتى يبرد مكانها ".
رواه الدارقطني في الأفراد، وفي إسناده شعيب بن مبشر، قال عنه ابن حبان في المجروحين: يتفرد عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به.
стр. 6745
٢٤ - حديث: "النساء ينصرف بعضهن بعضًا ".
لا يثبت عن النبي ﷺ . وانظر الأسرار المرفوعة (٥٨٨)، التمييز (١٨٣)، الجد الحثيث (٤٨٣)، الشذرة (١٠٧٢)، كشف الخفاء (٢٨٠٣)، مختصر المقاصد (١١٤١)، المصنوع (٣٨٠)، المقاصد الحسنة (١٢٤٦)، النوافح (٢٣٩٧).
٢٥ - حديث: "عشر خصال تورث النسيان أكل الطين، وأكل سؤر الفأر، وأكل التفاحة الحامضة، والجلجلان، والحجامة على النقرة، والمشي بين امرأتين، والنظر إلى المصلوب، والبول في الماء الراكد، وإلقاء القمل، والقراءة في المقبرة ".
لا يثبت وانظر تذكرة الموضوعات (١٦٧)، التنزيه (٢/ ٢٦١)، ذيل اللآلئ (١٣٨).
٢٦ - حديث: "أجيعوا النساء جوعًا غير مضر، وأعروهن عريًا غير مبرح؛ لأنهن إذا سمنَّ واكتسين، فليس شيء أحبَّ إليهن من الخروج ".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٣٣) عن محمد بن داود بن دينار الفارسي، عن أحمد بن يونس، عن سعدان بن عبده القداحي، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه العتكي، عن أنس بن مالك مرفوعًا.
وقال ابن عدي بعد أن ساق هذا الحديث وغيره: وهذه الأحاديث مناكير كلها، وسعدان بن عبدة القداحى غير معروف، وأحمد بن إسحاق بن يونس لا يعرف أيضًا، وشيخنا محمد بن داود بن دينار كان يكذب. اهـ.
وقال الذهبي في الميزان ٣/ ١٠ بعد أن ساق هذا الحديث مع عدة أحاديث: ولعل هذه الأحاديث من وضع محمد بن داود، ولا يدري من شيخه، ولا من شيخ شيخه.
وانظر: أيضًا لسان الميزان ٤/ ١٠٦.
* * *
стр. 6746
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
تأليف أحمد بن سليمان أيوب
ونخبة من الباحثين
فكرة وإشراف د. سليمان الدريع
المجلد الثاني عشر
الشبهات اللغوية، وشبهات الإعجاز العلمي
دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع
стр. 6747
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6748
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
(١٢)
стр. 6749
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دار العلم للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠
стр. 6750
الشبهات اللغوية
стр. 6751
وفيها: أولا: مقدمة الرد على شبهاتهم اللغوية
ثانيًا: الشبهات والرد عليها.
١ - شبهة: رفع المعطوف على المنصوب.
٢ - شبهة: نصب المعطوف على المرفوع.
٣ - شبهة: نصب الفاعل.
٤ - شبهة: تذكير المؤنث.
٥ - شبهة: تأنيث العدد وجمع المعدود.
٦ - شبهة: عودة الجمع على مثنى.
٧ - شبهة: أتى باسم الموصول العائد على الجمع مفردًا.
٨ - شبهة: جزم الفعل المعطوف على المنصوب.
٩ - شبهة: جعل العائد على المفرد جمعًا.
١٠ - شبهة: أتى بضمير فاعل مع وجود فاعل.
١١ - شبهة: أتى بضمير المفرد للعائد على المثنى.
١٢ - شبهة: جمع اسم علم حيث يجب إفراده.
١٣ - شبهة: أتى باسم الفاعل بدلًا من المصدر.
١٤ - شبهة: رفع اسم إن.
١٥ - شبهة: لم يأتِ بجواب لمَّا.
١٦ - شبهة: نصب المضاف إليه.
١٧ - شبهة: تنوين الممنوع من الصرف.
١٨ - شبهة: هل الوصف بكان في حق اللَّه يفيد انقطاع الصفة للماضي؟
١٩ - شبهة: توضيح الواضح.
٢٠ - شبهة: أتى بجمع كثرة حيث أُريد القلة.
٢١ - شبهة: أتى بجمع قلة حيث أُريد الكثرة.
٢٢ - شبهة: وضع الفعل المضارع بدل الماضي.
٢٣ - شبهة: الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى.
٢٤ - شبهة: أتى بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى.
стр. 6752
أولا: مقدمة الرد على شبهاتهم اللغوية .
١ - القرآن هو الحَكَم على اللغة العربية وليس العكس .
الحمد للَّه الذي أعزَّ العربَ برسالةِ نبينا محمد ﷺ ، وشَرَّفَ اللسان العربي بأشرف الكتب المنزلة، القرآن الكريم؛ أنزله بلسان عربي مبين على أمة عربية تملك ناصية البلاغة والفصاحة، وتعرف البيان وأسراره، وتحداهم اللَّه بالقرآن فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل آية واحدة منه.
ومن أظهر أوجه إعجاز القرآن الكريم الإعجاز اللغوي والإعجاز البياني، فقد نزل القرآن على نبي كريم في بيئة تتقن الشعر وتملك زمام لغة من أقوى اللغات وأوسعها معجمًا.
وقد غَفَلَ الملقون للشبهات حول القرآن ولغته العربية عن حياطة اللَّه وحفظه لهما، ومقرر أن كلام اللَّه سابق على قواعد النحو التي وضعها أبو الأسود وأبو عمرو وطوَّرها الخليل وسيبويه معتمدين في استنباطهم لهذه القواعد على القرآن الكريم وأشعار العرب وكلامهم، فلا يمكن أن تكون هذه القواعد اللاحقة حَكمًا على الأصل الذي صدرت عنه، فإجماع النحاة ليس بحجة ملزمة، وإنما الحجة الملزمة هي اللغة نفسها.
والقرآن الكريم حُجةٌ في نفسه، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شيء فيه، فهو النموذج الأعلى للسان العربي، لغةً، ونحوًا، وصرفًا، وبيانًا، وبلاغةً، على ما سيأتي.
أما دراسة اللسان العربي فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أو حصلت بالتلقي والتعلم كالمعرفة الحاصلة للمولَّدين الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم، والمولَّدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها.
إنَّ القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقًا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم لمن ليس بعربي بالسليقة، ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي؛ وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، ومن وراء ذلك استعمال
стр. 6753
العرب المتبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم. (١)
ومُدوّناتُ النّحو ما قُصد بها إلا ضبط قواعد العربية الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربية، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس. (٢)
وإذا كان القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ (يوسف: ٢)، فإن القواعد التي يحتاج إليها المفسِّر في فهم القرآن ترتكز على قواعد العربية، وفهم أسسها، وتذوق أسلوبها، وإدراك أسرارها، ولذلك كله فصول متناثرة، ومباحث مستفيضة في فروع العربية وعلومها. (٣)
لا يخفى على أحد أن لغة القرآن تمثل اللغة المثلى الكاملة، بيد أن ثمة مواضع منها جاء ظاهرها مشَكلًا على قواعد العربية، وضوابطها التي استقاها أهل الفن من أنواع السماع العربي الفصيح، ومن هنا حرص المفسرون وأهل اللغة على إجلاء ما يلتبس من الآيات، وبيان وجهته ونسبته إلى الصحة. (٤)
والعلوم المساعدة هي التي يُتَمَكَّنُ بها من ضبط العلم كعلم الأصول، وكذلك علم قواعد العربية التي يضبط بها دلالات الكتاب ودلالات السنة؛ لأن اللَّه جعل القرآن عربيًّا وبلسانٍ عربيٍّ مبين، وبين أن ذلك لكي يعقل ويفهم الناس ما في هذه اللغة من أسرار وحكمٍ عظيمة، فعلم اللغة وضبطها والإلمام بها علمٌ عزيز وعلمٌ له مكانته فإنه يساعد على فهم الكتاب وفهم السنة، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: ٣).
القرآن عربي ولن يفهم فهما مستقيمًا إلا بدراسة العربية:
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن).
стр. 6754
وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨].
ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام، وحكمة الإبلاع وسماه فرقانًا. فقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]. قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣].
وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء، والمكر، ومن بلاغة الألسنة واللدد عند الخصومة فقال: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩].
وقال: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم: ٩٧].
وقال: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤].
ثم ذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع بحسن منطقهم فقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ (المنافقون: ٤).
وقال ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]؛ لأن الأمر على البيان والتبين وعلى الإفهام والتفهم. (١)
هذا ولا يخفى على كل مَن درس الإسلام في نشأته الأولى ما كان من عداوة قريش الشديدة لرسول اللَّه ﷺ بعد أن دعاهم إلى اللَّه وأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وهم قد أوتوا من الفصاحة والبيان وبلاغة اللسان ما يعجب الناس لحسنه سائر الأزمان، وكان وقع القرآن عليهم ثقيلا كبيرا وأرادوا محاربته ومعارضته بكل حيلة فلم يهتدوا سبيلا ومع ذلك لم ينغمسوا فيما انغمس فيه مستشرقي عصرنا من سفاهات تضحك منها العقول بأنَّ في القرآن مخالفة لنهج العرب في كلامها وأن به أخطاء نحوية، وهم ما عرفوا لغة العرب
стр. 6755
رأسًا حتى يفهموا المكتوب بها فضلا عن أن يستدركوا على النموذج المعجز، والمثال الكامل من كلام اللَّه، المتحدَّى به العرب الحريصين على تكذيب رسول اللَّه ﷺ الذي سفَّه آلهتهم وازدرى آباءهم، ولم يقع العرب الجاحدون في مثل هذا الهذيان؛ لأنه كان عندهم من العقل والأنفة ما ليس عند مشركي اليوم (١).
ثم إن من قام بجمع القرآن كان عنده من العلم والدقة والتحري والشروط الصعبة في قبول الرواية القرآنية من التواتر، وصحة الإسناد، وموافقة نحو العرب، وما كان من الغيرة في قلوب الصحابة ومن بعدهم أن يتركوا في القرآن مخالفة للغة العرب، ومن قبل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢).
٢ - تدوين اللغة وشروط لزومها .
كان أول من أسس العربية، وفتح بابها وأنهج سبيلها، ووضع قياسها (٣):
أبو الأسود الدؤلي وكان رجلَ أهلِ البصرة، فكان أهل الشرف والسخاء يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر. (٤)
متى وضعت اللغة العربية:
يترجح رأي أبي الحسن الأَخفش، أن اللغة لم تُوضع كلّها في وقت واحد، بل وقعت متلاحقةً متتابعة. (٥)
شرائط لزوم اللغة:
أحدها: ثبوت ذلك عن العرب بنقل صحيح بوجوب العمل.
والثاني: عدالة الناقلين كما يعتبر عدالتهم في الشرعيات.
стр. 6756
والثالث: أن يكون النقل عمن قوله حجة في أصل اللغة كالعرب العاربة مثل قحطان ومَعْدٍ وعدنان، فأما إذا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف المولَّدين، فلا.
ووقع في كلام الزمخشري وغيره الاستشهاد بشعر أبي تمام؛ بل في "الإيضاح" للفارسي، ووجِّه بأن الاستشهاد بتقرير النقلة كلامهم وأنه لم يخرج عن قوانين العرب.
وقال ابن جني: يستشهد بشعر المولدين في المعاني كما يستشهد بشعر العرب في الألفاظ. (١)
وأفصح العرب قريش؛ قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول في أفصح العرب.
وروى عن إسماعيل بن أبي عبيد اللَّه، قال: أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالَّهم أن قريشًا أفصحُ العرب ألسنةً، وأصفاهم لغة؛ وذلك أن اللَّه تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا، فجعل قريشًا قُطَّان حرمه، وولاة بيته؛ فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم؛ فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طُبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب.
ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم (٢)، ولا عجرفية قيس، ولا كَشْكَشَة أسد (٣)، ولا كَسْكَسَة ربيعة (٤)، ولا كسر أسد وقيس.
وأفصحُ الخَلْق على الإطلاق هو رسول اللَّه ﷺ . (٥)
стр. 6757
٣ - من يحتج بكلامه ومن لا يحتج .
باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر:
عِلَّةُ امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل. ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. (١)
باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا:
ومن ذلك قولهم: بغداد، وبغدان. وقالوا أيضًا: مغدان.
وقالوا للحَيَّة: أَيْم، وأَيْن. وأَعْصُر، ويَعْصُر: أبو باهلة، . . .، وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به. فإذا ورد شيء من ذلك -كأن يجتمع في لغة رجل واحد لغتان فصيحتان- فينبغي أن تتأمل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، كثرتهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها، وسعة تصرُّف أقوالها. (٢)
باب اختلاف اللغات وكلها حجة:
اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك، ولا تحظره عليهم؛ ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال ما يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله. وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. (٣)
لكن غاية مالَكَ في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسا بها. فأما رد إحداهما بالأخرى فلا. أولا ترى إلى قول
стр. 6758
النبي ﷺ : "نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف". (١)
هذا حكم اللغتين إذا كانتا فيش الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين، أو كالمتراسلتين. (٢)
الاحتجاج اللغوي:
قال ابن سلام الجمحي: وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون. . . وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول. (٣)
قال عبد القادر البغدادي في "خزانة الأدب": في الكلام الذي يصح الاستشهاد به في اللغة والنحو والصرف:
قال الأندلسي: علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو، والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخرى فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولَّدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل، ولذلك قُبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب وهلم جرا.
وأقول (عبد القادر البغدادي): الكلام الذي يستشهد به نوعان: شعر وغيره.
والشعراء قسمهم العلماء على طبقات أربع:
الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم مَن قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى.
الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان.
الثالثة: المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.
стр. 6759
الرابعة: المولَّدون، ويقال لهم المحدَثون، وهم مَنْ بعدهم إلى زماننا، كبشّار بن برد وأبي نُواس.
فالطبقتان الأوليان: يستشهد بشعرهما إجماعًا. وأما الثالثة: فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها.
وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد اللَّه بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وعبد اللَّه بن شبرمة، يُلحَنون الفرزدق والكميت وذا الرُمَّة وأضرابهم، . . .، في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهرًا؛ وكانوا يعدونهم من المولَّدين؛ لأنهم كانوا في عصرهم، والمعاصرة حجاب.
وقال ابن رشيق في العمدة: كل قديم من الشعراء فهو محدَث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله. وكان أبو عمرو يقول: لقد أحسن هذا المولَّد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره -يعني بذلك شعر جرير والفرزدق- فجعله مولّدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين. وكان لا يعدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين، قال الأصمعي: جلست إليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي.
وأما الرابعة: فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقًا؛ وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري.
واستشهد الزمخشري أيضًا في تفسير أوائل البقرة ببيت من شعره، وقال (١): وهو إن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. اهـ
واعتُرِض عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبنيٌّ على معرفة أوضاع اللغة العربية والإحاطة بقوانينها، ومن البيّن أن إتقان الرواية لا يستلزم إتقان الدراية. وفي الكشف أن القول رواية خاصة، فهي كنقل الحديث بالمعنى.
وقال التفتازاني في القول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى: ليس بسديد؛ بل هو بعمل
стр. 6760
الراوي أشبه، وهو لا يوجب السماع، إلا ممَّن كان من علماء العربية الموثوق بهم، فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها، فإن استؤنس به ولم يُجعل دليلًا، لم يَرد عليه ما ذكر ولا ما قيل، من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه، والحجة فيما رووه لا فيما رأوه. وقد خطئوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين.
وقال السيوطي: أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدَثين في اللغة والعربية.
وأول الشعراء المحدثين بشار بن برد، . . .، ونقل ثعلب عن الأصمعي أنه قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هَرْمة وهو آخر الحجج.
وكذا عدّ ابن رشيق في العمدة طبقات الشعراء أربعًا، قال: هم جاهلي قديم، ومخضرم، وإسلامي، ومحدث. قال: ثم صار المحدثون طبقات أولى وثانية على التدريج هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا.
وأما قائل الثاني (١) فهو إما ربنا ﵎، فكلامه -عز اسمه- أفصح كلام وأبلغه، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه، كما بينه ابن جني في أول كتابه "المحتسب" وأجاد القول فيه.
وأما الاستدلال بحديث النبي ﷺ فقد جوَّزه ابن مالك، . . .، وقد منعه ابن الضائع وأبو حيان، وسندهما أمران:
أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سُمعت من النبي ﷺ ، وإنما رويت بالمعنى.
وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المِصْرَين لم يحتجوا بشيء منه.
ورُدَّ الأول -على تقدير تسليمه- بأنَّ النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق. على أن اليقين غير شرط، بل الظن كاف.