فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك؟
والإجابة النصرانية عن هذه التساؤلات: نعم، وحدث ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية.
ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءًا مقدسًا من كتابهم المقدس، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه -كما يزعمون-.
وللأسفار التوراتية دور عظيم في قصة صلب المسيح، فقد أكثر الإنجيليون في سردهم للقصة من الإحالة إلى أسفار التوراة؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره.
وقد أكد عيسى ﵇ لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيه النبوءات التوراتية بقوله: "أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزامِيرِ"." (لوقا ٢٦/ ٤٤)، وقد قال لهم: "٣٩ فتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي."
يقول جوش مكدويل: "هناك تسع وعشرون نبوءة في العهد القديم تتحدث عن خيانة المسيح (أي خيانة يهوذا للمسيح) ومحاكمته وموته ودفنه ... وتحققت كلها حرفيًا في أربع وعشرين ساعة من الزمان". (١)
وبعض هذه النبوءات استشهد بها الإنجيليون في سياق روايتهم لقصة صلب المسيح، ومجموع هذه النبوءات أربع عشرة نبوءة، ذكر متى منها ستًّا، ومرقس أربعًا، ولوقا اثنتين، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات.
ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح.
ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية وكثرة النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة إلى المسيح، فيقول القمّص سرجيوس في كتابه "هل تنبأت التوراة عن المسيح؟ ":
стр. 702
"فالمسيح ساطع في كل الكتاب المقدس في إشراق دائم، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلًا، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح، بل يشع اسمه، وشخصه، وصفاته، وأعماله، وظروفه، وأحواله في التوراة، وكتب الأنبياء، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة، وفي كل إصحاح، وفي كل سفر من أسفارها. وما حروفها وكلماتها إلا خطوط أو ظلال لصورة المسيح المجيدة ... فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح ... " (١)، ورغم ما في الكلام من مبالغة، فإننا نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح.
ولسفر المزامير وموضوع الصلب شأن خاص، يصفه سرجيوس فيقول: "أما سفر المزامير فكان الهالة التي أحاطت بكوكب يسوع، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة، وآلامه المبرحة، ناهيك عن صفاته وألقابه، أكثر من أي نبي آخر، ويمكننا القول: إن سفر المزامير هو سفر "مسِيّا" الخاص، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله".
المطلب الثاني: البعث في المزامير وتوجيهها:
دعونا نتجرد ونبحث عن الجواب الصحيح في سفر المزامير الذي فاقت أهميته عند اللاهوتيين جميع الأسفار، ولسوف نستعرض في هذه العجالة ثلاثة عشر مزمورًا فقط، من نبوءات المزامير، وهي تتحدث عن المسيح المصلوب.
أولًا: المزمور الثاني (نبوءة عن المؤامرة الفاشلة لصلب المسيح) .
وفيه: "١ لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ ٢ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ: ٣"لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا ٤ السَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. ٥ حِينَئِذٍ يَتكلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ، وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ." (المزمور ٢/ ١ - ٥).
والمزمور الثاني يراه العلماء النصارى نبوءة بالمسيح الموعود.
стр. 703
يقول د. هاني رزق في كتابه "يسوع المسيح ناسوته وألوهيته" عن هذا المزمور:
"وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم" ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح، ثم تآمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح.
ووافقه "فخري عطية" في كتابه "دراسات في سفر المزامير" و"حبيب سعيد" في كتابه "من وحي القيثارة" وويفل كوبر في كتابه "مسيا عمله الفدائي" وياسين منصور في كتابه "الصليب في جميع الأديان"، فيرى هؤلاء جميعًا أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب. (١)
وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيح تصديق لما ورد في سفر أعمال الرسل: "٢٤ فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى الله وَقَالوا: "أَيُّهَا السَّيِّدُ، أنتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، ٢٥ الْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ ٢٦ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ. ٢٧ لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، ٢٨ لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيّنتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ .... " (أعمال ٤/ ٢٤ - ٣١).
ولا نرى مانعًا في موافاقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى، وإنما الخلاف: هل نجحوا أم لا؟ فبماذا يجيب النص؟ .
يجيب المزمور بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم، وأنه حينئذ، أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه. فهل يكون ذلك دليل نجاحهم في صلب المسيح، أم أن الرب يضحك لنجاة عبده المسيح من بين أيديهم، ووقوعهم في شر أعمالهم؟
بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط" (١) فهو يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح.
ويؤكد ذلك فخري عطية في كتاب "دراسات في المزامير" فيقول عن هذا المزمور: "واضح أنه من مزامير البقية، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح، وفيه نسمع صوت البقية، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة، في أيام الضيق العظيمة". (٢)
والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي "١ يَا رَبُّ إِلهِي، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. خَلِّصْنِي مِنْ كُلِّ الَّذِينَ يَطْرُدُونَنِي وَنَجِّنِي ... " وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذ الْكَأْسُ".
ثم يطلب الداعي من الله عونًا؛ أن يرفعه إلى فوق، في لحظة ضيقه "فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى"، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به "٧ وَمَجْمَعُ الْقَبَائِلِ يُحِيطُ بِكَ، فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى.".
ثم يذكر المزمور بأن "١١ الله قَاضٍ عَادِلٌ" فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا؟ ثم يدعو الداعي في المزمور الله أن يثبت الصديق، وأن ينتهي شر الأشرار، ويؤكد لجوءه إلى الله، مخلص القلوب المستقيمة.
ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا. وقد جاء". مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، ١٣ وَسَدَّدَ نَحوَهُ آلةَ الْمُوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً." (القُبلة الآثمة) "يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً".
ولكن حصل أمر عظيم، لقد انقلب السحر على الساحر، " ١٤ هُوَذَا يَمْخَضُ بِالإِثْمِ. حَمَلَ تَعَبًا وَوَلَدَ كَذِبًا. ١٥ كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. ١٦ يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ. "لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح، ونجا المسيح من مجمع القبائل إلى العلا. لقد تحقق في يهوذا سنة الله وعادته في عقوبة الخائنين" ٢٧ مَنْ يَحْفِرُ حُفْرَةً يَسْقُطُ فِيهَا، وَمَنْ يُدَحْرِجُ حَجَرًا يَرْجعُ عَلَيْهِ." (الأمثال ٢٦/ ٢٧).
стр. 706
وفي موضع آخر: "٢٢ الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ ٢٣٠ إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ." (الأمثال ٥/ ٢٢ - ٢٣).
وفي سفر الجامعة: "مَنْ يَحْفُرْ هُوَّةً يَقَعُ فِيهَا، وَمَنْ يَنْقُضْ جِدَارًا تَلْدَغْهُ حَيةٌ." (الجامعة ١٠/ ٨).
وهذا ما أسفر عنه المزمور التاسع بوضوح حين قال: "٤ لأنكَ أَقَمْتَ حَقِّي وَدَعْوَايَ. جَلَسْتَ عَلَى الْكُرْسِيِّ قَاضِيًا عَادِلًا. ٥ انْتَهَرْتَ الأُمَمَ. أَهْلَكْتَ الشِّرِّيرَ ... ١٥ تَوَرَّطَتِ الأُمَمُ فِي الْحُفْرَةِ الَّتِي عَمِلُوهَا. فِي الشَّبَكَةِ الَّتِي أَخْفَوْهَا انْتَشَبَتْ أَرْجُلُهُمْ. ١٦ مَعْرُوفٌ هُوَ الرَّبُّ. قَضَاءً أَمْضَى. الشِّرِّيرُ يَعْلَقُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ." (المزمور ٩/ ٤ - ١٦)، فهل تراه علق يهوذا بشرِّ يديه أم نجا من قانون الله وقضائه، وأفلت من الشبكة التي نصبها للمسيح؟
ثم ينتهي المزمور بحمد الله على هذه العاقبة "١٧ أَحْمَدُ الرَّبَّ حَسَبَ بِرِّهِ، وَأُرَنِّمُ لاسْمِ الرَّبِّ الْعِليِّ. "وهكذا ثرى في هذا المزمور صورة واضحة لما حصل في ذلك اليوم، حيث نجى الله نبيه، وأهلك يهوذا.
ولا مخرج للنصارى إزاء هذا النص إلا إنكاره، أو التسليم له، والقول بأن المسيح له ظلم، وله إثم، وأنه ذاق ما كان يستحقه، وأن الله عادل؛ بقضائه قتل المسيح، وأن ذلك أعدل وأفضل من القول بنجاته؛ وصلبِ يهوذا الظالم الآثم، جزاءً لفعله وخيانته، وإلا فعليهم الرجوع إلى معتقد المسلمين؛ بأن النص نبوءة عن يهوذا الخائن. (١)
ثالثًا: المزمور العشرون (نبوءة باستجابة الله وتخليصه للمسيح وسقوط أعدائه) .
وفيه: "١ لِيَسْتَجِبْ لَكَ الرَّبُّ فِي يَوْمِ الضِّيقِ. لِيَرْفَعْكَ اسْمُ إِلهِ يَعْقُوبَ. ٢ لِيُرْسِلْ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ، وَمنْ صِهْيَوْنَ لِيَعْضُدْكَ. ٣ لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ، وَيَسْتَسْمِنْ مُحْرَقَاتِكَ. سِلَاهْ. ٤ لِيُعْطِكَ حَسَبَ قَلْبِكَ، وَيُتَمِّمْ كُلَّ رَأْيِكَ. ٥ نَتَرَنَّمُ بِخَلَاصِكَ، وَبِاسْمِ إِلهِنَا نَرْفَعُ رَايَتَنَا. لِيُكَمِّلِ الرَّبُّ كُلَّ سُؤْلِكَ. ٦ الآنَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ، يَسْتَجِيبُهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ، بِجَبَرُوتِ خَلَاصِ يَمِينِهِ. ٧ هؤُلَاءِ بِالْرْكَبَاتِ وَهؤُلَاءِ بِالْخَيْلِ، أَمَّا نَحْنُ فَاسْمَ الرَّبِّ
стр. 707
إِلِهنَا نَذْكُرُ. ٨ هُمْ جَثَوْا وَسَقَطُوا، أَمَّا نَحْنُ فَقُمْنَا وَانْتَصَبْنَا. ٩ يَا رَبُّ خَلِّصْ! لِيَسْتَجِبْ لَنَا المُلِكُ فِي يَوْمِ دُعَائِنَا! " (المزمور ٢٠/ ١ - ٩).
يقول هاني رزق في كتابه "يسوع المسيح في ناسوته ولاهوته": "تنبأ داود النبي (١٠٥٦ ق. م)، و (حبقوق النبي ٧٢٦ ق. م)، بأن الرب هو المسيح المخلص، نبوءة داود النبي، مزمور ٢٥/ ٦ "٦ الآنَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ، ... " (١).
وفي كتاب "دراسات في سفر المزامير" يؤكد فخري عطية هذا، ويقول عن الفقرة السادسة من هذا المزمور: "في هذا العدد تعبير يشير في الكتب النبوية إلى ربنا يسوع المسيح نفسه، تعبير يستخدمه الشعب الأرضي عن المخلص العتيد". (٢)
وتقول كنيسة السيدة العذراء بالفجالة في تفسيرها لسفر المزامير: "ويرى عدد من آباء اليهود أن هذا المزمور خاص بالمسيا، وهكذا رأى عدد من آباء الكنيسة (أثناسيوس وأغسطينيوس) أنه نبوءة عن آلام المسيح وانتصاره". (٣)
وتخلص الكنيسة إلى القول: "خلاص المسيح كان بقيامته" أي من الموت، وهذا بالضبط ما قاله البابا أثناسيوس الذي يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب. (٤)
وهكذا فالسفر حديث ونبوءة عن المسيح، فهل تراه يتحدث عن المسيح المصلوب أو المسيح الناجي؟ .
القراءة المتأنية لهذا المزمور ترينا أن داود صاحب المزمور يدعو الله طالبًا أن يستجيب لوليه الضعيف، داود يدعو الله أن ينجي المسيح، وأن يرفعه للسماء لما صنع من بر وخير
стр. 708
(تقدمات ومحرقات)، ويبتهل صاحب المزمور طالبًا النجاة له "في يوم الضيق"، "في يوم دعائنا"، وليس من يوم مرّ على المسيح أضيق من ذلك اليوم الذي دعا فيه طويلًا، طالبًا من الله أن يصرف عنه هذا الكأس" ٤٤ وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصلِّي بِأَشَدِّ لجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ." (لوقا ٢٢/ ٤٤).
ويطلب داود من الله إجابة دعاء المسكين وإعطاءه ملتمس شفتيه وسؤله وكل مراده "٤ لِيُعْطِكَ حَسَبَ قَلْبِكَ، وَيُتَمِّمْ كُلَّ رَأْيِكَ. ٥ نَتَرَنَّمُ بِخَلَاصِكَ، وَبِاسْمِ إِلهِنَا نَرْفَعُ رَايَتَنَا. لِيُكَمِّلِ الرَّبُّ كُلَّ سُؤْلِكَ.".
وهذا العون والنجاء يطلبه له داود لما سبق وتقدم به المسيح من أعمال صالحة" ٣ لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ، وَيَسْتَسْمِنْ مُحْرَقَاتِكَ".
وينص المزمور على اسم المسيح، وأن الله خلصه من الموت في فقرة ظاهرة لا تخفى حتى على أعمى، فقد عرف داود نتيجة دعائه" ٦ الآنَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ، يَسْتَجِيبُهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ، بِجَبَرُوتِ خَلَاصِ يَمِينِهِ."، فالمزمور يذكر المسيح بالاسم، ويتحدث عن خلاصه، أن الله رفعه، وأنه أرسل له ملائكة يحفظونه" لِيَرْفَعْكَ اسْمُ إِلهِ يَعْقُوبَ. ٢ لِيُرْسِلْ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ".
ويبتهج المزمور لهذه النهاية السعيدة "٥ نَتَرَنَّمُ بِخَلَاصِكَ، وَبِاسْمِ إِلهِنَا نَرْفَعُ رَايَتَنَا".
ويتحدث المزمور أيضًا عن تلك اللحظة العظيمة، لحظة الخلاص التي نجا فيها المسيح" ٨ هُمْ جَثَوْا وَسَقَطُوا، أَمَّا نَحْنُ فَقُمْنَا وَانْتَصَبْنَا."، فهو يتحدث عن لحظة وقوع الجند كما في يوحنا "٦ فَلَمّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ." (يوحنا ١٨/ ٦).
وهذه اللحظة العظيمة، لحظة الخلاص يسجلها أيضا المزمور التاسع، فهي إحدى آيات الله وأعاجيبه في خلقه، "١ أَحْمَدُ الرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي. أُحَدِّثُ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ. ٢ أَفْرَحُ وَأَبْتَهِجُ بِكَ. أُرَنِّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَليُّ. ٣ عِنْدَ رُجُوعِ أَعْدَائِي إِلَى خَلْفٍ، يَسْقُطُونَ وَيَهْلِكُونَ مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، ٤ لأَنَّكَ أَقَمْتَ حَقِّي وَدَعْوَايَ. جَلَسْتَ عَلَى الْكُرْسِيِّ قَاضِيًا عَادِلًا.
стр. 709
٥ انْتَهَرْتَ الأُمَمَ. أَهْلَكْتَ الشِّرِّيرَ. مَحَوْتَ اسْمَهُمْ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ." (المزمور ٩/ ١ - ٥).
فالقاضي العادل أهلك الشرير، عندما رجع المبطلون إلى خلف وسقطوا، لتتحقق الأعجوبة وينجو العبد البار، فيحمد الله لأنه "يَا رَافِعِي مِنْ أَبْوَابِ المُوْتِ" (المزمور ٩/ ١٣)، لقد انتشله من فم الموت، ونجاه.
كما سجل المزمور السابع والعشرون هذه اللحظة العظيمة فقال: "٢ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَيَّ الأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لحمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسقَطُوا ٥ لأنهُ يُخبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي." (المزمور ٢٧/ ٢ - ٥).
فدلالة هذا المزمور على نجاة المسيح أوضح من الشمس في رابعة النهار.
رابعًا: المزمور الحادي والعشرون (نبوءة بفشل المؤامرة وإجابة طلب المسيح) .
وفيه: "١ يَا رَبُّ، بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ المُلِكُ، وَبِخَلَاصِكَ كَيْفَ لَا يَبْتَهِجُ جِدًّا! ٢ شَهْوَةَ قَلْبِهِ أَعْطَيْتَهُ، وَمُلْتَمَسَ شَفَتَيْهِ لَمْ تَمْنَعْهُ. سِلَاهْ. ٣ لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُهُ بِبَرَكَاتِ خَيْرٍ. وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ. ٤ حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ الأَيَّامِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ. ٥ عَظِيمٌ مَجْدُهُ بِخَلَاصِكَ، جَلَالًا وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ. ٦ لأَنَّكَ جَعَلْتَهُ بَرَكَاتٍ إِلَى الأَبَدِ. تُفَرِّحُهُ ابْتِهَاجًا أَمَامَكَ. ٧ لأَنَّ المُلِكَ يَتَوَكَّلُ عَلَى الرَّبِّ، وَبِنِعْمَةِ الْعَلِيِّ لَا يَتَزَعْزَعُ. تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ. ٩ تَجْعَلُهُمْ مِثْلَ تَنُّورِ نَارٍ في زَمَانِ حُضُورِكَ. الرَّبُّ بِسَخَطِهِ يَبْتَلِعُهُمْ وَتَأْكُلُهُمُ النَّارُ. ١٠ تُبِيدُ ثَمَرَهُمْ مِنَ الأَرْضِ وَذُرَّيتَهُمْ مِنْ بَيْنِ بَنِي آدَمَ. ١١ لأَنَّهُمْ نَصَبُوا عَلَيْكَ سَرًّا. تَفَكَّرُوا بِمَكِيدَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوهَا. ١٢ لأَنَّكَ تَجْعَلُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ. تُفَوِّقُ السِّهَامَ عَلَى أَوْتَارِكَ تِلْقَاءَ وُجُوهِهِمْ. ١٣ ارْتَفِعْ يَا رَبُّ بِقُوَّتِكَ. نُرَنِّمْ وَنُنَغِّمْ بِجَبَرُوتكَ." (المزمور ٢١/ ١ - ٣).
يقول فخري عطية في كتابه "دراسات في سفر المزاميرا": "إن المسيح هو المقصود بهذا المزمور" ووافقه كتاب "تأملات في المزامير" لآباء الكنيسة الصادر عن كنيسة مار جرجس باسبورتنج. (١)
стр. 710
ويعتبر القمص ملطي هذا المزمور من المزامير التي تنبأت عن المسيح، وينقل عن العلماء قولهم: "هذا المزمور مسياني، يعلم الترجوم والتلمود بأن الملك المذكور في هذا المزمور هو المسيّا"، ويعلق القمص ملطي بالقول: "بعض أجزاء من هذا المزمور (مثل عدد ٤) لا يمكن أن تنطبق حرفيًا إلا على المسيا". (١)
وقولهم صحيح، فقد حكى المزمور العشرون عن دعاء المسيح وعن استجابة الله له، ويحكي هذا المزمور (الواحد والعشرون) عن فرحه بهذه الاستجابة" ١ يَا رَبُّ، بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ الْمُلِكُ، وَبِخَلَاصِكَ كَيْفَ لَا يَبْتَهِجُ جِدًّا ... تُرَنِّمْ وَنُنَغِّمْ بِجَبَرُوتكَ".
وينص المزمور أن الله أعطاه ما سأله وتمناه "٢ شَهْوَةَ قَلْبِهِ أَعْطَيْتَهُ، وَمُلْتَمَسَ شَفَتَيْهِ لَمْ تَمْنَعْهُ"، وقد كان المسيح يطلب من الله بشفتيه النجاة من المؤامرة": "يَا أَبتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذ الْكَأْسُ" (متى ٢٦/ ٣٩)، لقد كان يخاف الموت، ويطلب من الله أن يصرفه عنه، وقد استجاب الله له كما في رسالة العبرانيين "٧ الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" (عبرانيين ٥/ ٧)، لقد كان المسيح متيقنًا من استجابة الله له، فالله لا يرده أبدًا "وقال: ": "أَيُّها الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، ٤٢ وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي" (يوحنا ١١/ ٤٠) فقد سمع الله له وأجاب دعاءه.
ويذكر المزمور أن الله أعطاه حياة جديدة طويلة إلى قبيل قيام الساعة" ٤ حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ الأَيَّامِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبدِ."، كما وضع عليه إكليل حياة، وهو غير إكليل الشوك الذي وضع على المصلوب، يقول المزمور: "وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ.".
ويحكي المزمور عن أعداء المسيح الذين تآمروا عليه وفكروا في" بِمَكِيدَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوهَا. "فهم لم يلحقوا الأذى به، فقد فشلت المؤامرة، لأنه رُفع" ١٣ ارْتَفِعْ يَا رَبُّ بِقُوَّتِكَ.".
وأما هؤلاء الأعداء: فترجع مكيدتهم عليهم" ٨ تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ
"، كما أن الرواية التي في المزمور توافق رواية الصلب في صراخ المصلوب: " إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ " (متى ٢٧/ ٤٦)، (مرقس ١٥/ ٣٤).
ويوافق نص المزمور ما جاء في الأناجيل في بيان حال المصلوب" ٣٩ وَكَانَ المُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ ٤٠ قَائِلِينَ: "يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ! ". ٤١ وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالوا: ٤٢"خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! ٤٣ قَدِ اتَّكَلَ عَلَى الله، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَال: أَنَا ابْنُ الله! "." (متى ٢٧/ ٣٩ - ٤٣). فهذا يشبه ما جاء في هذا المزمور "وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ. ٧ كُلُّ الَّذِينَ يَرَوْنَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ، وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: ٨"اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ، لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ".".
كما يوافق النص الأناجيلَ كرّة أخرى في قوله: "جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. ١٧ أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي"، فهي عبارة تدل على أخذ المصلوب يوم سُمرت يداه ورجلاه على الصليب.
لهذا كله كان إجماع النصارى على أن هذا المزمور نبوءة عن حادثة الصلب، خاصة أن داود لم يمت مصلوبًا، فهو إذن يتحدث عن غيره.
والحق أن المزمور نبوءة عن المصلوب، لكنه ليس عيسى ﵇، بل هو الخائن يهوذا الأسخريوطي، فنراه وهو جزع، يائس، يصرخ: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ "، بينما المسيح ﵇ يخبرنا أن الله يستجيب له دومًا" ٤٢ وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي." (يوحنا ١١/ ٤٠)، ويؤكده كاتب رسالة العبرانيين بقوله: "٧ الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ المُوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" (عبرانيين ٥/ ٧).
المزمور نبوءة عن المصلوب اليائس الذي يدعو فلا يستجاب له"٢ إِلِهي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلَا تَسْتَجِيبُ، فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلَا هُدُوَّ لِي ... ٤ عَلَيْكَ اتَّكَلَ آبَاؤُنَا. اتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ.
стр. 713
٥ إِلَيْكَ صَرَخُوا فَنَجَوْا. عَلَيْكَ اتَّكَلُوا فَلَمْ يَخْزَوْا. ٦ أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ ... ".
لقد وصف المزمور المصلوب بأنه "فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحتقَرُ الشَّعْبِ" فمَن هو هذا اليائس الموصوف بأنه دودة، وأنه عار عند البشر، وأنه محتقر، وأنه لا يستجاب له؟
إنه يهوذا، حيث جعلتْه خستهُ وخيانتهُ كالدودة الحقيرة، وأصبح عارًا على البشر، كلَّ البشر، المسلمين واليهود والنصارى، بل وحتى البوذيين وغيرهم، لأنه خائن، والخيانة خسة وعار عند كل أحد، يحتقره الشعب، ولا يستجيب الله دعاءه.
والعجب لمن يصر على أن النبوءة عن المسيح، إذ كيف يوصف المسيح بالدودة والعار، وهو مجد وفخر للبشر؛ بل العار هو يهوذا.
ونلحظ أن النص يصف المصلوب بالدودة لمكانته عند الله، ويتضح هذا لمن تأمل المقابلة التي يجريها النص بين الآباء المقبولين عند الله، الذين يدعون الله فيستجيب لهم، وفي مقابل هؤلاء يقول المصلوب: ٦١١ أَمَّا أنا فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ .... "، فهو دودة محتقرة عند الله الذي لا يستجيب دعاءه، ولا يقبله كما قبِل آباءه من قبل.
كما لا يفوتنا التنبيه على أن النص وصف المصلوب بالعار، ليس فقط عند جلاديه وأعدائه، بل عند البشر جميعًا، في كل أجيالهم، وجميع مِللهم، ولا يمكن أن يكون المسيح كذلك، بل تفخر البشرية أن فيها مثل هذا الرجل العظيم الذي اصطفاه الله برسالته ووحيه.
كما نلحظ أن كلمة "عار" تلحق بالشخص نفسه، لا الصلب الواقع عليه، فهو العار، وهو الدودة، وحاشا للمسيح العظيم أن يكون دودة أو عارًا ﵇.
لقد مجد الله المسيح فلم يكن عارًا، بل كان فخرًا وعزًا، وإن تاهت عنه عيون البعض، فرأوا مجده عارًا، ونجاته خزيًا، لقد غفلوا عن النبوءة القائلة: "١ عِنْدَ دُعَائِيَ اسْتَجِبْ لِي يَا إِلهَ بِرِّي. فِي الضِّيقِ رَحَّبْتَ لِي. تراءَفْ عَلَيَّ وَاسْمَعْ صَلَاتِي. ٢ يَا بَنِي الْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَارًا؟ حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟ سِلَاهْ. ٣ فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ.
стр. 714
الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ." (المزمور ٤/ ١ - ٣)، فخلاصه ﵇ هو المجد الذي لم يؤمن به النصارى، واعتبروه ﵇ لعنة وعارًا، لكنه كذب وباطل، فقد سمع الله دعاء تقيه ومسيحه.
سادسًا: المزمور التاسع والستون (نبوءة عن يهوذا المصلوب، صاحب الحماقات والذنوب) .
وهذا المزمور نبوءة أخرى تتناول حادثة الصلب، وهو نبوءة متحدثة عن حادثة الصلب، فقد اقتبس منه كُتّاب الأناجيل، ورأوا فيه نبوءة عن المصلوب، تحققت -حسب رأيهم- في المسيح حين صلب، يقول يوحنا: "٢٨ بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَال: "أَلا عَطْشَانُ". ٢٩ وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضوعًا مَمْلُوًّا خلًّا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. ٣٠ فَلَمّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَال: "قَدْ أُكْمِلَ". وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." (يوحنا ١٩/ ٢٨ - ٣٠)، أي كملت النبوءات والكتب، ومقصده ما جاء في الفقرة الحادية والعشرين من هذا المزمور، وفيها: "٢١ وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلًّا.".
وأيضًا استشهد فيه بطرس في خطبته عن يهوذا، فقال: "٢٠ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلَا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ. وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ." (أعمال ١/ ٢٠).
فقول بطرس عن يهوذا: "لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلَا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ" اقتبسه بطرس من الفقرة الخامسة والعشرين في هذا المزمور: "٢٥ لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا، وَفِي خِيَامِهِمْ لَا يَكُنْ سَاكِنٌ" (المزمور ٦٩/ ٢٥).
يقول جامع تفسير أعمال الرسل من كتابات الآباء: "الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين ٦٩ و ١٠٩". (١)
فالمزمور نبوءة عن المصلوب بشهادة يوحنا، وهو في نفس الوقت نبوءة عن يهوذا الخائن بشهادة بطرس والمفسرين، أليس في هذا ما يستحق وقفة عند المؤمنين بصدق
стр. 715
شهادة العهد القديم؟ من هو صاحب الحماقات والذنوب الذي سقي الخل في عطشه؟ من تراه يكون: المسيح البار أم يهوذا الخائن؟ .
السفر التوراتي وحده كفيل بالإجابة عن السؤال، وفيه يهتف المصلوب ويصرخ بيأس يرجو رحمة الله الذي لم يستجب له، فيقول: "١ خَلِّصْنِي يَا الله، لأَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي. ٢ غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ، وَلَيْسَ مَقَرٌّ. دَخَلْتُ إِلَى أَعْمَاقِ الميَاهِ، وَالسَّيْلُ غَمَرَنِي. ٣ تَعِبْتُ مِنْ صُرَاخِي. يَبِسَ حَلْقِي. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنِ انْتِظَارِ إِلهِي. ٤ أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلَا سَبَبٍ. اعْتَزَّ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْمًا. حِينَئِذٍ رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ. ٥ يَا الله أَنْتَ عَرَفْتَ حَمَاقَتِي، وَذُنُوبِي عَنْكَ لَمْ تَخْفَ .... ".
ويذكرنا المزمور بصراخ المصلوب اليائس" إِلهِي، إِلِهي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ "، وقد يبس حلقه، وكلّت عيناه، وما من مجيب.
ويعجب المصلوب لحال أولئك الذين أبغضوه وعلقوه بلا سبب، فقد جاء ليدلهم على المسيح، فإذا به يؤخذ بدلًا عنه، من غير أن يصنع سببًا واحدًا يستحق بغضهم له وصلبهم إياه.
لكنه يعلم أن سبب ما حاق به هو حماقته وذنوبه والعار، عار الخيانة الذي غطاه، فيقول: "٥ يَا الله أَنْتَ عَرَفْتَ حَمَاقَتِي، وَذُنُوبِي عَنْكَ لَمْ تَخْفَ. ٦ لَا يَخْزَ بِي مُنْتَظِرُوكَ يَا سَيِّدُ رَبَّ الْجُنُودِ. لَا يَخْجَلْ بِي مُلْتَمِسُوكَ يَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ. ٧ لأَنِّي مِنْ أَجْلِكَ احْتَمَلْتُ الْعَارَ. غَطَّى الْخَجَلُ وَجْهِي. ٨ صِرْتُ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ إِخْوَتِي، وَغَرِيبًا عِنْدَ بَنِي أُمِّي. ٩ لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ.١٠ وَأَبْكَيْتُ بِصَوْمٍ نَفْسِي، فَصَارَ ذلِكَ عَارًا عَلَيَّ. ١١ جَعَلْتُ لِبَاسِي مِسْحًا، وَصِرْتُ لَهُمْ مَثَلًا.١٢ يَتكَلَّمُ فِيَّ الجْالِسُونَ فِي الْبَابِ، وَأَغَانِيُّ شَرَّابِي المُسْكِرِ. ١٣ أَمَّا أَنَا فَلَكَ صَلَاتِي يَا رَبُّ فِي وَقْتِ رِضًى. يَا الله، بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ اسْتَجِبْ لِي، بِحَقِّ خَلَاصِكَ. ١٤ نَجِّنِي مِنَ الطِّينِ فَلَا أَغْرَقَ. نَجِّنِي مِنْ مُبْغِضِيَّ وَمِنْ أَعْمَاقِ الْمِيَاهِ. ١٥ لَا يَغْمُرَنِّي سَيْلُ الْمِيَاهِ، وَلَا يَبْتَلِعَنِّي الْعُمْقُ، وَلَا تُطْبِقِ الْهَاوِيَةُ عَلَيَّ فَاهَا. ١٦ اسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ لأَنَّ رَحْمَتَكَ صَالِحَةٌ. كَكَثْرَةِ مَرَاحِمِكَ الْتَفِتْ إِلَيَّ. ١٧ وَلَا تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنْ عَبْدِكَ،
стр. 716
لأَنَّ لِي ضِيْقًا. اسْتَجِبْ لِي سَرِيعًا. ١٨ اقْتَرِبْ إِلَى نَفْسِي. فُكَّهَا. بِسَبَبِ أَعْدَائِي افْدِنِي. ١٩ أَنْتَ عَرَفْتَ عَارِي وَخِزْيِي وَخَجَلي. قُدَّامَكَ جَمِيعُ مُضَايِقِيَّ. ٢٠ الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ. انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ. ٢١ وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلًّا." (المزمور ٦٩/ ٥ - ٢١)، فمن هو صاحب الحماقة والذنوب والعار والخزي والخجل؟ من هو ذاك الذي كسر العار قلبه؟ إنه ذاك الذي سقوه الخل وهو على الصليب، هل يعقل أن نقول: إنه المسيح؟ لا وألف لا، إنه يهوذا الخائن.
لكن المصلوب البائس لا ييأس، فيواصل الصراخ والاستجداء طالبًا من الله الخلاص، مستعينًا فقط برحمة الله التي تسع كل شيء، ولكن بلا فائدة.
وتأتيه نتيجة دعائه وخيانته، إذ يقول السفر: "٢٢ لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ قُدَّامَهُمْ فَخًّا، وَللآمِيينَ شَرَكًا. ٢٣ لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا. ٢٤ صُبَّ عَلَيْهِمْ سَخَطَكَ، وَلْيُدْرِكْهُمْ حُمُوُّ غَضَبِكَ. ٢٥ لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا، وِفي خِيَامِهِمْ لَا يَكُنْ سَاكِنٌ. ٢٦ لأَنَّ الَّذِي ضَرَبْتَهُ أنْتَ هُمْ طَرَدُوهُ، وَبِوَجَعِ الَّذِينَ جَرَحْتَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ. ٢٧ اِجْعَلْ إِثْمًا عَلَى إِثْمِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُوا فِي بِرِّكَ. ٢٨ لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ، وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لَا يُكْتَبُوا." (المزمور ٦٩/ ٢٢ - ٢٨).
فمن تراه يكون هذا الهالك الذي صارت مائدته فخًا وشركًا للآمنين، لكن عميت عيونهم عن البصر، فلم تبصر الصديق، وهو ينجو، لقد باء الخائن بالإثم، وأصبحت داره خرابًا، ومحي اسمه من سفر الأحياء، فمات ولم يستجب له، كما حذف من قائمة الصديقين، فكتب مع الأشرار الهالكين، فمن تراه يكون؟ إنه يستحيل أن يكون السيد المسيح.
ثم يعود المزمور ليحدثنا عن المسيح الذي نجاه الله، فيقول عن نفسه: "٢٩ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَكَئِيبٌ. خَلَاصُكَ يَا الله فَلْيُرَفِّعْنِي. ٣٠ أُسَبِّحُ اسْمَ الله بِتَسْبِيحٍ، وَأُعَظِّمُهُ بِحَمْدٍ. ٣١ فَيُسْتَطَابُ عِنْدَ الرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْرِ بَقَرٍ ذِي قُرُونٍ وَأَظْلَافٍ. ٣٢ يَرَى ذلِكَ الْوُدَعَاءُ فَيَفْرَحُونَ، وَتَحْيَا قُلُوبُكُمْ يَا طَالِبِي الله. ٣٣ لأَنَّ الرَّبَّ سَامِعٌ لِلْمَسَاكِينِ وَلَا يَحْتَقِرُ أَسْرَاهُ. ٣٤ تُسَبِّحُهُ" (المزمور ٦٩/ ٣٣ - ٢٩)، لقد سمع الله دعاءه، وخلاص الله رفعه وإنجاؤه، ففرح بنجاته المؤمنون،
стр. 717
فالرب يسمع دعاء المساكين، لذا فهو يستحق المزيد من الحمد والتسبيح.
وقد يشكل على القارئ الكريم قوله: "١٣ أَمَّا أَنَا فَلَكَ صَلَاتِي يَا رَبُّ فِي وَقْتِ رِضًى. يَا الله، بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ اسْتَجِبْ لِي، بِحَقِّ خَلَاصِكَ .... "، فيرى -خطئًا- أن هذا السائل المستغيث هو المسيح، وهذا فهم خاطئ، إذ السائل هنا يستغيث مستشفعًا بما سبق من صلوات له زمن صحبته للمسيح، ويشفعها بطلب الرحمات من الله الرحيم كثير الرحمات، وهو الحبل الوحيد الذي يتشبث به الغريق، ولو كان خائنًا فاجرًا.
أما المسيح ﵇ فكان في دعائه المستجاب يستشفع بكماله وصلاحه وعبادته لله، ومنه قوله: "اقْضِ لِي يَا رَبُّ كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي الَّذِي فِيَّ." (المزمور ٧/ ٨).
ومثله في المزمور الواحد والأربعين "١٢ أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَني، وَأَقمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى الأَبَدِ. ١٣ مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ. آمِينَ فآمِينَ." (المزمور ٤١/- ١٢ - ١٣).
وقد أوضحته المزامير في مواضع، منها قوله: "أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي، وَصَلَاتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجعُ." (المزمور ٣٥/ ١٣)، وفي المزمور الواحد والتسعين" "لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِس أُنجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. ١٥ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ" (المزمور ٩١/ ١٤ - ١٥).
وكذا في المزمور العشرين اعتمد المسيح واتكل على صالح عمله وبره لله "١ لِيَسْتَجِبْ لَكَ الرَّبُّ فِي يَوْمِ الضِّيقِ. لِيَرْفَعْكَ اسْمُ إِلهِ يَعْقُوبَ. ٢ لِيُرْسِلْ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ، وَمِنْ صِهْيَوْنَ لِيَعْضُدْكَ. ٣ لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ، وَيَسْتَسْمِنْ مُحْرَقَاتِكَ." (المزمور ٢٠/ ٣).
سابعًا: المزمور الخامس والثلاثون (نبوءة بعَودِ المؤامرة على أصحابها) .
وهذا المزمور شاهد آخر يتحدث عن المسيح، فقد اقتبس منه يوحنا في إنجيله، حين قال: "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي. ٢٥ لكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمُكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلَا سَبَبٍ." (يوحنا ١٥/ ٢٤ - ٢٥)، وهذا الاقتباس من الفقرة السابعة من المزمور، وفيها: "٧ لأَنَّهُمْ بِلَا سبب أخفوا لِي هُوَّةَ شَبَكَتِهِمْ"، فهو متحدث عن
стр. 718
المسيح باتفاق النصارى، وبشهادة يوحنا. (١)
فهل كان الزمور نبوءة عن المسيح المصلوب، أم كان بشارة بنجاته ﵇؟
يقول الزمور متحدثًا عن دعاء مؤمن محتاج إلى رعاية ربه وحمايته له من أعدائه، فيقول: "١ خَاصِمْ يَا رَبُّ مُخَاصِمِيَّ. قَاتِلْ مُقَاتِليَّ. ٢ أَمْسِكْ مِجَنًّا وَتُرْسًا وَانْهَضْ إِلَى مَعُونَتِي، ٣ وَأَشْرِعْ رُمْحًا وَصُدَّ تِلْقَاءَ مُطَارِدِيَّ. قُلْ لِنَفْسِي: "خَلَاصُكِ أَنَا"." (الزمور ٣٥/ ١ - ٣).
ويطلب ذلكم الداعي المؤمن من ربه أن يقع عدوه في الشبكة التي نصبها، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة، فيقول: "٤ ليَخْزَ وَلْيَخْجَلِ الَّذِينَ يَطْلحونَ نَفْسِي. ليَرْتَدَّ إلى الوراء وَيَخْجَلِ المتفَكِّرُونَ بِإِسَاءَتِي. ٥ ليَكُونُوا مِثْلَ الْعُصَافَةِ قُدَّامَ الرِّيحِ، وَمَلَاكُ الرَّبِّ دَاحِرُهُمْ. ٦ ليَكُنْ طَرِيقُهُمْ ظَلَامًا وَزَلَقًا، وَمَلَاكُ الرَّبِّ طَارِدُهُمْ. ٧ لأَنَّهُمْ بِلَا سبب أخفوا لِي هُوَّةَ شَبَكَتِهِمْ. بِلَا سبب حفروا لِنَفْسِي. ٨ لِتَأْتِهِ التَّهْلُكَةُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، وَلْتَنْشَبْ بِهِ الشَّبَكَةُ الَّتِي أَخْفَاهَا، وَفي التَّهْلُكَةِ نَفْسِهَا ليقَعْ." (المزمور ٣٥/ ٤ - ٨)، لقد طلب الداعي المسكين من الله طُلبة في شأن عدوه، طلب منه أن يقتله بشبكته التي نصبها، أي في ذات المؤامرة التي سعى فيها، فهل استجاب الله لوليه أم خيبه؟ .
السفر يجيب بوضوح أن الله استجاب له، ويبتهج بخلاص المسيح ونجاته "٩ أَمَّا نَفْسِي فَتَفْرَحُ بِالرَّبِّ وَتَبْتَهِجُ بِخَلَاصِهِ. ١٠ جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: "يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ المُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ؟ ". ١١ شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي. ١٢ يجازُونَنِي عَنِ الخيْرِ شَرًّا، ثَكَلًا لِنَفْسِي. ١٣ أَمَّا أَنَا فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحًا. أَذْلَلْتُ بِالصَّومِ نَفْسِي، وَصَلَاتِي إِلَى حِضنِي تَرْجعُ." (الزمور ٣٥/ ٩ - ١٣).
ويعود المزمور للحديث عن أعدائه الذين عادوا بالخيبة، فيقول: "١٩ لَا يَشْمَتْ بِي الَّذِينَ هُمْ أَعْدَائِي بَاطِلًا، وَلَا يَتَغَامَزْ بِالْعَيْنِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلَا سَبَبٍ. ٢٠ لأَنَّهُمْ لَا يَتكَلَّمُونَ بِالسَّلَامِ، وَعَلَى الْهَادِئِينَ فِي الأَرْضِ يَتَفَكَّرُونَ بِكَلَامِ مَكْرٍ. ٢١ فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ. قَالوا: "هَهْ! هَهْ! قَدْ رَأَتْ أَعْيُنُنَا". ٢٢ قَدْ رَأَيْتَ يَا رَبُّ، لَا تَسْكُتْ. يَا سَيِّدُ، لَا تَبْتَعِدْ عَنِّي. ٢٣ اسْتَيْقِظْ وَانْتَبِهْ إِلَى حُكْمِي، يَا إِلهِي وَسَيِّدِي
стр. 719
إِلَى دَعْوَايَ. ٢٤ اقْضِ لِي حَسَبَ عَدْلِكَ يَا رَبُّ إِلهِي، فَلَا يَشْمَتُوا بِي. ٢٥ لَا يَقُولُوا فِي قُلُوبِهِمْ: "هَهْ! شَهْوَتُنَا". لَا يَقُولُوا: "قَدِ ابْتَلَعْنَاهُ! ". ٢٦ ليَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الْفَرِحُونَ بِمُصِيبَتِي. لِيَلْبِسِ الْخِزْيَ وَالْخَجَلَ المتعَظِّمُونَ عَلَيَّ. ٢٧ ليَهْتِفْ ويفرح المبتغون حَقِّي، وَلْيقُولُوا دَائِمًا: "ليَتَعَظَّمِ الرَّبُّ المُسْرُورُ بِسَلَامَةِ عَبْدِهِ". ٢٨ وَلِسَانِي يَلْهَجُ بِعَدْلِكَ. الْيَوْمَ كُلَّهُ بِحَمْدِكَ." (المزمور ٣٥/ ١٩ - ٢٨)، لقد كان دعاء حارًا من العبد المؤمن، وهو يطلب من الله العادل أن يخزي أعداءه الذين أبغضوه بلا سبب.
وقد استجاب الله له "٩ أَمَّا نَفْسِي فتَفْرَحُ بِالرَّبِّ وَتَبْتَهِجُ بِخَلَاصِهِ. ١٠ جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: "يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ المُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ؟ ". ١١ شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي. ١٢ يجازُونَنِي عَنِ الْخَيْرِ شَرًّا، ثَكَلًا لِنَفْسِي. ١٣ أَمَّا أَنَا فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحًا. أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي، وَصَلَاتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجعُ." (المزمور ٣٥/ ١٣ - ٩)، لقد شفع له عند ربه صلاته وصيامه ولباسه للمسوح عبادة لله وتذللًا.
ثامنًا: المزمور الأربعون (نبوءة باستجابة الله دعاء المسيح وفشل المؤامرة) .
المزمور الأربعون شاهد آخر بنجاة المسيح وهلاك غيره من المتآمرين عليه، وقد اقتبس الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين من هذا المزمور، ليدلل لنا على أنه نبوءة عن المسيح فقال: "٥ لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالمِ يَقُولُ: "ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. ٦ بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ٧ ثُمَّ قُلْتُ: هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا الله"." (عبرانيين ١٠/ ٥ - ٧).
وهو اقتباس من الفقرتين السادسة والسابعة من هذا المزمور، ففيهما يقول كاتب المزمور: "٦ بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فَتَحْتَ. مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ. ٧ حِينَئِذٍ قُلْتُ: "ها أنذا جِئْتُ. بدرج الكتاب مَكْتُوبٌ عَنِّى: ٨ أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ" (المزمور ٤٠/ ٦ - ٧).
ويؤكده اختيار محرري قاموس الكتاب المقدس لهذا المزمور ضمن المزامير المسيحية، وكذلك قول القس جيمس أنِس بأن هذا المزمور أحد المزامير "التي موضوعها آلام المسيح". (١)
فماذا يقول المزمور وقد ثبت أنه يتحدث عن المسيح؟
стр. 720
يبدأ المزمور بالبشارة باستجابة الله للمسيح وإنجائه له من المؤامرة، لأنه توكل على الله، فيقول: "اِنْتِظَارًا انْتَظَرْتُ الرَّبَّ، فَمَال إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي، ٢ وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلَاكِ، مِنْ طِينِ الْحَمْأَةِ، وَأَقامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَتَ خُطُوَاتِي، ٣ وَجَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَةً لإِلهِنَا. كَثِيرُونَ يَرَوْنَ وَيَخَافُونَ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الرَّبِّ. ٤ طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي جَعَلَ الرَّبَّ مُتَّكلَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الغطاريس وَالمُنْحَرِفِينَ إِلَى الْكَذِب. ٥ كَثِيرًا مَا جَعَلْتَ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي عَجَائِبَكَ وَأَفْكَارَكَ مِنْ جِهَتِنَا. لَا تُقَوَّمُ لَدَيْكَ. لأُخْبِرَنَّ وَأَتَكَلَّمَنَّ بِهَا. زَادَتْ عَنْ أَنْ تُعَدَّ. ٦ بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فتَحْتَ. مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ. ٧ حِينَئِذٍ قُلْتُ: "ها أنذا جِئْتُ. بدرج الكتاب مَكْتُوبٌ عَنِّي: ٨ أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي". ٩ بَشَّرْتُ بِبِرّ فِي جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ. هُوَذَا شَفَتَايَ لَمْ أَمْنَعْهُمَا. أَنْتَ يَا رَبُّ عَلِمْتَ. ١٠ لَمْ أَكْتُمْ عَدْلَكَ فِي وَسَطِ قَلْبِي. تَكَلَّمْتُ بِأَمَانَتِكَ وَخَلَاصِكَ. لَمْ أُخْفِ رَحْمَتَكَ وَحَقَّكَ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَةِ." (المزمور ٤٠/ ١ - ١٠).
ثم يعود المسيح للتضرع بين يدي الله طالبًا أن ينجيه من المؤامرة التي تحيط به، كما يطلب أن تحيق المؤامرة بالمتآمرين عليه، وأن يعودوا بالخزي والخجل حين يرتدون إلى الوراء "١١ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَلَا تَمْنَعْ رَأْفَتَكَ عَنِّي. تَنْصُرُنِي رَحْمَتُكَ وَحَقُّكَ دَائِمًا. ١٢ لأَنَّ شُرُورًا لَا تُحْصى قَدِ اكْتَنَفَتْنِي. حَاقَتْ بِي آثامِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُبْصِرَ. كَثُرَتْ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي، وَقَلْبِي قَدْ تَرَكَنِي. ١٣ اِرْتَضِ يَا رَبُّ بِأَنْ تُنَجِّيَنِي. يَا رَبُّ، إِلَى مَعُونَتِي أَسْرِعْ. ١٤ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لإِهْلَاكِهَا. لِيَرْتَدَّ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلْيَخْزَ الْمَسْرُورُونَ بِأَذِيَّتِي. ١٥ لِيَسْتَوْحِشْ مِنْ أَجْلِ خِزْيِهِمِ الْقَائِلُونَ لِي: "هَهْ! هَهْ! ". ١٦ لِيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ جَمِيعُ طَالِبِيكَ. لِيَقُلْ أَبَدًا مُحِبُّو خَلَاصِكَ: "يَتَعَظَّمُ الرَّبُّ". ١٧ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَبَائِسٌ. الرَّبُّ يَهْتَمُّ بِي. عَوْنِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا إِلهِي لَا تُبْطِئْ." (المزمور ٤٠/ ١١ - ١٧).
وقد كان كما طلب المسيح، فعادوا بالخزي والخجل، حين ارتدوا إلى الوراء، تلك اللحظة العظيمة التي سجلها يوحنا في إنجيله حين قال: "٦ فَلَمّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ." (يوحنا ١٨/ ٦).
стр. 721
لقد طلب من الله أن ينقذه "١٧ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَبَائِسٌ. الرَّبُّ يَهْتَمُّ بِي. عَوْنِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا إِلهِي لَا تُبْطِئْ".
فلم تبطئ عنه معية الله "فَمَال إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي، ٢ وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلَاكِ، مِنْ طِينِ الحمْأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي".
كما سمع الله دعاءه بحق أعدائه، فعادوا بالخزي والخجل "١٤ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لإِهْلَاكِهَا. لِيَرْتَدَّ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلْيَخْزَ المُسْرُورُونَ بِأَذِيَّتِي.".
تاسعًا: المزمور الواحد والأربعون (نبوءة بنجاة المسيح من مؤامرة تلميذه في يوم الضيق) .
المزمور الواحد والأربعون هو أيضًا أحد الأسفار التي تحدثت عن نجاة المسيح وخيانة يهوذا له، وقد اقتبس منه يوحنا في ثنايا حديثه عن يهوذا فقال متنبئًا بخيانته: "١٧ إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ. ١٨ "لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: الَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ." (يوحنا ١٣/ ١٧ - ١٨).
فقد اقتبس يوحنا من المزمور الواحد والأربعين الفقرة التاسعة وفيها: "٩ أَيْضًا رَجُلُ سَلَامَتِي، الَّذِي وَثقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ! "، فالمزمور نبوءة عن المسيح بدليل قول المسيح: "لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ". (١)
ودعونا نتأمل المزمور من أوله، حيث يتنبأ المزمور بنجاة المسيح في يوم ضيقه، فإن الرب حفظه ولم يسلمه لمرام أعدائه، فيقول: "١ طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى المسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. ٢ الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأَرْضِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أَعْدَائِهِ. ٣ الرَّبُّ يَعْضدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ." (المزمور ٤١/ ١ - ٣).
ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح، وعن الخائن الذي وثق به، فيقول: "٥ أَعْدَائِي يَتَقَاوَلُونَ عَلَيَّ بِشَرّ: "مَتَى يَمُوتُ وَيَبِيدُ اسْمُهُ؟ " ٦ وَإِنْ دَخَلَ لِيَرَانِي يَتكَلَّمُ بِالْكَذِبِ. قَلْبُهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ إِثْمًا. يَخْرُجُ. فِي الْخَارِجِ يَتكَلَّمُ. ٧ كُلُّ مُبْغِضِيَّ يَتَنَاجَوْنَ مَعًا عَلَيَّ. عَلَيَّ تَفَكَّرُوا بِأَذِيَّتِي. ٨ يَقُولُونَ: "أَمْرٌ رَدِيءٌ قَدِ انْسَكَبَ عَلَيْهِ. حَيْثُ اضْطَجَعَ لَا يَعُودُ يَقُومُ". ٩ أَيْضًا
стр. 722
رَجُلُ سَلَامَتِي، الَّذِي وَثقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ! " (المزمور ٤١/ ٥ - ٩)، لقد كان تلميذه يهوذا، رجل سلامته أحد المتآمرين عليه.
لكن كمال المسيح وحسن طاعته لله نجياه من كيد عدوه، وأبطل مؤامرة يهوذا، فيقول المزمور: "١٠ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَارْحَمْنِي وَأَقِمْنِي، فَأُجَازِيَهُمْ. ١١ بِهذَا عَلِمْتُ أَنَّكَ سُرِرْتَ بِي، أَنَّهُ لَمْ يَهْتِفْ عَلَيَّ عَدُوِّي. ١٢ أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَنِي، وَأَقَمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى الأَبَدِ. ١٣ مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ. آمِينَ فَآمِينَ." (المزمور ٤١/ ١٠ - ١٣)، لقد سُر به ربه، ولم يهتف عليه عدوه، بل بكماله وصلاحه كتبت له النجاة.
خلاصة نبوءات المزامير
" مِن جماع ما تقدم لا نخلص إلا بأن المزامير تنبأت بحق بأن الله نحلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، يرفعه من أبواب الموت، يرفعه فوق القائمين عليه، يرسل من العُلا فيأخذه.
أما يهوذا الإسخريوطي الذي حفر له هذه الحفرة، وأتى على رأس الجمع من جنود وخدام ليقبضوا عليه، على المسيح سيده، فإنه في الحفرة نفسها يقع، وبعمل يديه يعلق، رجع تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط ظُلمه، صار عارًا عند البشر، فقبض عليه هو بدلًا من المسيح، وحوكم هو، وصلب بدلًا منه.
وهكذا تستقيم النبوءة في المزامير، وهكذا تتجلى النبوءة في المزامير، في أسطع وأروع وأسمى ما تكون النبوءة، ليست آية نحرفها، أو كلمة نُحوّر معناها، بل صورة كاملة، عشرات الآيات، عشرات المزامير، كلها تنطق بصورة واحدة متكاملة، تتكرر كثيرًا، ولكن أبدًا لا تتغير.
هذه الحقيقة هي تلك التي نطق بها القرآن، واعتقدها المسلمون ... ولمن يريد أن يزيد يقينًا، فها هي المزامير كلها في الكتاب المقدس، الذي يؤمن به المسيحيون، ويتداولونه، وإليها فليرجع، ولن يزيده هذا إلا يقينًا وتقديرًا لهذه الحقيقة التي انتهجنا إليها .. ". (١)
المبحث الثالث: هل ما جاء في سفر إشعيا نبوءة عن صلب المسيح ؟
عندما تلحظ غموض عباراته، وحين تقارن نص إشعيا مع ما جاء في أعمال الرسل، وهو ينقل عنه، وفيه "٣٢ وَأَمَّا فَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ فَكَانَ هذَا: "مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَمثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجزُّهُ هكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. ٣٣ فِي تَوَاضُعِهِ انْتُزِعَ قَضَاؤُهُ، وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ؟ لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ الأَرْضِ"" (أعمال ٨/ ٣٢ - ٣٣)، فثمة فروق بين ما جاء في إشعياء وما نقله عنه أعمال الرسل.
فالنعجة في سفر إشعيا تحولت في أعمال الرسل إلى خروف، و". ٨ مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ." أضحت: "٣٣ فِي تَوَاضُعِهِ انْتُزِعَ قَضَاؤُهُ".
لكن الفارق الأكبر بين السفرين نجده في قول إشعيا: "وَفي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ"، فيما يقول سفر الأعمال: "وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ؟ لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَع مِنَ الأَرْضِ".
كما أن النص الكاثوليكي للسفر يزيد عبارة أسقطتها الطبعات البروتستنتية لما فيها من إبهام، ففي نسخة الشرق الأوسط الكاثوليكية "من الضيق والقضاء أُخذ، ومن يصف مولده، إنه قد انقطع من أرض الأحياء"، فقوله: "ومن يصف مولده" نص موجود في الترجمة السبعينية واللاتينية، وتسقطه النسخ التي اعتمدت النص العبراني فقط.
أما نسخة الرهبانية اليسوعية فقد حورت النص ليتلائم مع السياق الذي تريده، فجعلته "بالإكراه والقضاء أُخذ، فمن يفكر في مصيره، قد انقطع من أرض الأحياء"، فأضحى النص فيها متحدثًا عن صلب المسيح بدلًا من مولده! كما أضحى انتزاع حياته بالإكراه، لا مجرد ابتلاء وضيق.
وجاء في خاتمة القصة في سفر أعمال الرسل في نسخة الشرق الأوسط البرتستنتية، والأخرى الكاثوليكية أن فيلبُس مر مع العبد الحبشي على ماء" ٣٦ وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلَا عَلَى مَاءٍ، فَقَال الْخَصِيُّ: "هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟ " ٣٧ فَقَال فِيلُبُّسُ: "إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ". فَأَجَابَ وَقَال: "أَنَا أُومنُ أَنَّ يَسُوعَ المُسِيحَ هُوَ ابْنُ الله". ٣٨ فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ المُرْكَبَةُ، فَنزلَا كِلَاهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخصِيُّ، فَعَمَّدَهُ .... " (أعمال
стр. 725
٨/ ٣٨ - ٣٦)، وهذا الحوار الذي جرى بعد رؤيتهما للماء لم تذكره نسخة شهود يهوه المسماة ترجمة العالم الجديد، كما حذفته نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية، والنص فيها: "فقال الخصي: هذا ماء، فما يمنع أن أعتمد؟ ثم أمر بأن تقف المركبة، ونزلا كلاهما في الماء".
وهذه الفروق وذلك التحريف يدلنا على مدى الحرية التي تعامل بها القديسون أو المترجمون للنصوص الكتابية.
لكن التحريف الأكبر الذي صنعه النصارى لنص إشعيا هو اجتثاثه من سياقه الذي كان يتحدث عن عودة بني إسرائيل من السبي وفداء الله لهم وخلاصهم من ذلهم، فالقصة التوراتية لا تبدأ من حيث يبدأ النصارى "هوذا عبدي يعقل ويتسامى"، فإن الابتداء بها بتر للنص وإخراج له عن سياقه ومعناه الطبيعي، حيث يقول:
"٤ لأَنَّهُ هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ: "إِلَى مِصْرَ نَزَلَ شَعْبِي أَوَّلًا لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ. ثُمَّ ظَلَمَهُ أَشُّورُ بِلَا سَبَبٍ. فَالآنَ مَاذَا لِي هُنَا، يَقُولُ الرَّبُّ، حَتَّى أُخِذَ شَعْبِي مَجَّانًا؟ المُتَسَلِّطُونَ عَلَيْهِ يَصِيحُونَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَدَائِمًا كُلَّ يَوْمٍ اسْمِي يُهَانُ. ٦ لِذلِكَ يَعْرِفُ شَعْبِيَ اسْمِي. لِذلِكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ المتكَلِّمُ. هأَنذَا". ٨ صَوْتُ مُرَاقِبِيكِ. يَرْفَعُونَ صَوْتَهُمْ. يَتَرَنَّمُونَ مَعًا، لأَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ عَيْنًا لِعَيْنٍ عِنْدَ رُجُوعِ الرَّبِّ إِلَى صِهْيَوْنَ. ٩ أَشِيدِي تَرَنَّمِي مَعًا يَا خِرَبَ أُورُشَلِيمَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ عَزَّى شَعْبَهُ. فَدَى أُورُشَلِيمَ. ١٠ قَدْ شَمَّرَ الرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ الأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ الأَرْضِ خَلَاصَ إِلِهنَا. ١١ اِعْتَزِلُوا، اعْتَزِلُوا. اخْرُجُوا مِنْ هُنَاكَ. لَا تَمسُّوا نَجِسًا. اخْرُجُوا مِنْ وَسَطِهَا. (في نسخة كتاب الحياة التفسيرية: اخرجوا من وسط بابل) تَطَهَّرُوا يَا حَامِلي آنِيَةِ الرَّبِّ. ١٢ لأَنَّكُمْ لَا تَخْرُجُونَ بِالْعَجَلَةِ، وَلَا تَذْهَبُونَ هَارِبِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ سَائِرٌ أَمَامَكُمْ، وَإِلهَ إِسْرَائِيلَ يَجْمَعُ سَاقَتكُمْ.
١٣ هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا ... " (إشعيا ٥٢/ ٣ - ١٣).
وبعد انتهاء النبوءة -المدعاة عن المسيح- عاد النص للحديث عن عزاء أمة بني إسرائيل بعد عذابها الطويل في بابل، فيقول مخاطبًا أورشليم: ١١"تَرَنَّمِي أيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي
стр. 726
لَمْ تَلِدْ. أَشِيدِي بِالتَّرَنُّمِ أَيَّتُهَا الَّتِي لم تَمْخَضْ، لأَنَّ بَنِي المُسْتَوْحِشَةِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ، قَال الرَّبُّ. ٢ أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ، وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ. لَا تُمْسِكِي. أَطِيلي أَطْنَابَكِ وَشَدِّدِي أَوْتَادَكِ، ٣ لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ، وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَمًا، وَيُعْمِرُ مُدُنًا خَرِبَةً. ٤ لَا تَخَافِي لأَنَّكِ لَا تَخْزَيْنَ، وَلَا تَخْجَلِي لأَنَّكِ لَا تَسْتَحِينَ. فَإِنَّكِ تَنْسَيْنَ خِزْيَ صَبَاكِ، وَعَارُ ترَمُّلِكِ لَا تَذْكُرِينَهُ بَعْدُ. لأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ، وَوَليُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى." (إشعيا ٥٤/ ١ - ٥).
لذا حق للمحققين أن يروا ما ورد في إشعيا نصًّا حُور لفظًا ومعنىً لينطبق على المسيح، ودليل ذلك أن المسيح لم يخبر أن ما جاء في إشعيا نبوءة عنه المسيح، فالمسيح لم يشر إلى هذه النبوءة من قريب أو بعيد.
والمسلمون لا يرون في هذا النص أي نبوءة عن المسيح، ويستغربون ويستنكرون ربط النصارى بين نص إشعيا وقصة الصلب في الأناجيل، فنص إشعيا يتحدث وفي أكثر من موضع عن عبد، فيما يقول النصارى بألوهية المسيح، فكيف يجمعون بين عبوديته لله وألوهيته في وقت واحد.
وهذا العبد قبيح في منظره، مخذول محتقر لا يعتد به، فهو ليس المسيح على أي حال" ١٣ هُوَذَا عَبْدِي ... كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا جَمَال فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلَا مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. ٣ مُحتقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحتقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ." (إشعياء ٥٢/ ١٣، ٥٣/ ١)، أفهذه صورة المسيح عندهم؟ .
والنص أيضًا يتحدث عن الذي "وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ." (إشعياء ٥٣/ ٧)، بينما المسيح تكلم مرارًا وتكرارًا، فقد تكلم طويلًا في البستان، وهو يناجي، طالبًا من الله أن يعبر عنه هذه الكأس ... ثم نطق فقال لبيلاطس أثناء محاكمته: "أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لهِذَا قَدْ وُلدْتُ أَنَا، وَلهِذَا قَدْ
стр. 727
أتيْتُ إِلَى الْعَالمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي"." (يوحنا ١٨/ ٣٧).
وكان قد قال له قبل: " "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لَا أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا"." (يوحنا ١٨/ ٣٦).
كما تكلم في المحاكمة لما لطمه أحد الخدم فأجابه المسيح: ": "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟ "" (يوحنا ١٨/ ٢٢).
فإن أصر النصارى بعد ذلك على أن النبوءة تنطبق على المسيح، فقد قالوا إذًا بأن المسيح تكلم وهو مغلق الفم! ! !
كما يذكر نص إشعيا شجاعة وتماسكًا لا تتناسب وصراخ المصلوب، وجزعه، وقنوطه، فالمصلوب لم يظهر كشاة أمام جازيها صامتة، "وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ"، بل كان يصرخ على الصليب: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا ترَكْتَنِي؟ " (متى ٢٧/ ٤٦).
والنص متحدث عن صاحب نسل وولد، فيقول: "يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ" (إشعياء ٥٣/ ١٠)، وقد سُرّ الرب بعذابه وبالعاهات التي تصيبه "١٠ أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالحزَنِ."، والنص في النسخة الكاثوليكية يفسر الحزن بالعاهات، فيقول: "والرب رضي أن يسحقه بالعاهات"، وفي نسخة الرهبانية اليسوعية: "والرب رضي أن يسحق ذاك الذي أمرضه"، فهل يُسَرُّ الله لأحزان عبده البار، المسيح ﵇، وهل كان المسيح مصابًا بعاهة من العاهات أو مرض من الأمراض؟
ويرى الأستاذ محمد الأفندي (١) أن لا علاقة بين هذا الإصحاح في إشعيا، وبين حادثة الصلب، فالإصحاح يتحدث عن قصة بني إسرائيل، وذلهم في بابل بسبب معاصيهم ومعاصي سلفهم، فحاق بهم عقوبة الله التي عمّت صالحيهم وفجارهم، ثم أنعم الله عليهم بالعود من بابل مرة أخرى إلى فلسطين، وهذا المعنى هو ما كان يتحدث عنه السياق التوراتي في سفر إشعيا.
وقوله: "١٣ هُوَذَا عَبْدِي ... كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي
стр. 728
آدَمَ ... لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا جَمَال فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلَا مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ" فالمقصود بالعبد شعب إسرائيل.
وقد عُهد في التوراة إطلاق لفظ الفرد، والمراد الشعب كما في إشعيا: "خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: "لَا تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي. ٢ إِذَا اجْتَزْتَ فِي الميَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلَا تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلَا تُلْذَعُ، وَاللهيبُ لَا يُحْرِقُكَ. ٣ لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، مُخِّلِّصُكَ. جَعَلْتُ مِصْرَ فِدْيَتَكَ، كُوشَ وَسَبَا عِوَضَكَ." (إشعيا ٤٣/ ١ - ٣)، وفي سفر ميخا: " ١٢"إِنِّي أَجْمَعُ جَمِيعَكَ يَا يَعْقُوبُ."
(ميخا ٢/ ١٢)، ومثله في مواضع كثيرة، منها (إشعيا ٤١/ ٨) و (ميخا ١/ ٥)، والمقصود من ذلك كله شعب إسرائيل.
وفي إشعيا (٥٢، ٥٣) يتنبأ النبي عن غربة بني إسرائيل ويصف ذلتهم، ثم يتحدث عن عودة أبنائهم من أرض السبي "٢ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ" فقد عادوا للأرض المقدسة، ونبتوا فيها، من جديد، كما في سفر النبي إرمياء" ٦ وَأَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلْخَيْرِ، وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى هذ الأَرْضِ، وَأَبْنِيهِمْ وَلَا أَهْدِمُهُمْ، وَأَغْرِسُهُمْ وَلَا أَقْلَعُهُمْ." (إرمياء ٢٤/ ٦)، وقوله: "٤١ وَأَفْرَحُ بِهِمْ لأُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأَغْرِسَهُمْ فِي هذ الأَرْضِ بِالأَمَانَةِ بِكُلِّ قَلْبِي وَبِكُلِّ نَفْسِي." (إرمياء ٣٢/ ٤١).
وقد تغيرت صورتهم بسبب الذل فكان الشعب" ٣ مُحتقَرٌ وَمَخْذُولٌ ... وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا." ويفسره قول إرميا وقد شاهد الأسر البابلي: "٧ آبَاؤُنَا أَخْطَأُوا وَلَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ آثَامَهُمْ. ٨ عَبِيدٌ حَكَمُوا عَلَيْنَا. لَيْسَ مَنْ يُخَلِّصُ مِنْ أَيْدِيهِمْ. ٩ بِأَنْفُسِنَا نَأْتِي بِخُبْزِنَا مِنْ جَرَى سَيْفِ الْبَرَّيَّةِ. ١٠ جُلُودُنَا اسْوَدَّتْ كَتَنُّورٍ مِنْ جَرَى نِيرَانِ الْجُوعِ." (المراثي ٥/ ٧ - ١٠).
وقوله: "٧ ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فتَذَلَّلَ" كقول سفر إشعيا عن اضطهاد بني إسرائيل على يد الآشوريين: ""إِلَى مِصْرَ نَزَلَ شَعْبِي أَوَّلًا لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ. ثُمَّ ظَلَمَهُ أَشُّورُ بِلَا سَبَبٍ." (إشعيا ٥٢/ ٤)، وكقوله: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي يَهُوذَا مَعًا مَظْلُومُونَ" (إرميا ٥٠/ ٣٣).
стр. 729
وأما قوله: "كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ ... " فهو حديث ذبح ملك بابل لبني إسرائيل، وقد ساقهم كما تساق الشياه إلى الذبح، كما في قوله: "٤٠ أُنَزِّلُهُمْ كَخِرَافٍ لِلذَّبْحِ وَكَكِبَاشٍ مَعَ أَعْتِدَةٍ." (إرميا ٥١/ ٤٠) فمات أكثرهم جوعًا، ونحوه قوله عنهم: "١٩ وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُمْ فَكَّرُوا عَلَيَّ أَفْكَارًا، قَائِلِينَ: "لِنُهْلِكِ الشَّجَرَةَ بِثَمَرِهَا، وَنَقْطَعْهُ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، فَلَا يُذْكَرَ بَعْدُ اسْمُهُ"." (إرميا ١١/ ١٩).
وقوله: "٩ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. "إشارة إلى أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين، ولا يمكن للنصارى حمله على المسيح المدفون -حسب كتابهم- وحده في بستان، في قبر جديد، لم يدفن فيه معه لا شرير ولا غني.
وقوله: "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" هو أيضًا يحكى عن وجود بني إسرائيل مع الوثنيين في بابل، ولا يصح أن يقال: الأثمة هما اللصان، إذ قد وعد أحدهما الفردوس، فكيف يوصف بعد ذلك بالآثم؟ !
وقوله: "يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ"، وفي النسخة الكاثوليكية يتضح المعنى أكثر: "والرب رضي أن يسحقه بالعاهات، فإنه إذا جعل نفسه ذبيحة إثم يرى ذرية، وتطول أيامه"، وفي الترجمة التفسيرية المسماة كتاب الحياة: "فقد سُر الله أن يسحقه بالحزن، وحين يقدم نفسه ذبيحة إثم فإنه يرى نسله وتطول أيامه"، فالنص كما هو واضح ليس حديثًا عن المسيح الفادي، بل هو إشارة إلى تكفير الله خطايا بني إسرائيل بسبب توبتهم، حيث يرفع الله عنهم الاضطهادات، ويعيدهم إلى وطنهم، حيث تطول أيامهم ويعيشون ويتوالدون في فلسطين بعد السبي وآلامه وعاهاته وبلاياه.
وقوله: "عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. "حديث عن طهر أولئك الذين يعودون من السبي الذين عنهم" يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلَا أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ." (إرمياء ٣١/ ٣٤)، كما قال عنهم: "٧ وَأَرُدُّ سَبْيَ يَهُوذَا وَسَبْيَ إِسْرَائِيلَ وَأَبْنِيهِمْ كَالأَوَّلِ. ٨ وَأُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ إِثْمِهِمِ الَّذِي أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيَّ، وَأَغْفِرُ كُلَّ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا
стр. 730
إِلَيَّ، وَالَّتِي عَصَوْا بِهَا عَلَيَّ." (إرمياء ٣٣/ ٧ - ٨).
وأما قوله: "وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا." يتحدث كيف شمل البؤس بررة بني إسرائيل وعصاتهم، كما قال الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ١٢٥).
وإكرامًا لهؤلاء البررة من بني إسرائيل، طهرهم الله من ذنبهم، ورفع عنهم هذه العقوبة، كما في إرميا: "يَقُولُ الرَّبُّ، يُطْلَبُ إِثْمُ إِسْرَائِيلَ فَلَا يَكُونُ، وَخَطِيَّةُ يَهُوذَا فَلَا تُوجَدُ، لأَنِّي أَغْفِرُ لمَنْ أُبْقِيهِ." (إرميا ٥٠/ ٢٠)، فقد حملوا خطيئة آبائهم، ثم غفرت ذنوبهم.
سوف يبدأ عهد جديد لا تضرس فيه أسنان الأبناء بحصرم آبائهم، ولا يعاقبون ثانية بجريرتهم، فقد تحملوا من آثامهم ما يكفي" ٢٩ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، لَا يَقُولُونَ بَعْدُ: الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِمًا، وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ. ٣٠ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الحصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ. ٣١"هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا." (إرميا ٣١/ ٢٩ - ٣١). (١)
وهكذا فالإصحاح يتحدث عن شعب إسرائيل، وسبيه، وذلته، ثم نجاته. وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين، بل هو رأي كثير من المفسرين المسيحيين، كما نقل القس الخضري حين قال: "إن عددًا لا بأس به من المفسرين يتردد كثيرًا في نسب هذه النصوص إلى المسيح ظنًا منهم بأن النبي يتكلم عن إسرائيل كله كشخص محتقر نحذول ومطرود". (٢)
المبحث الرابع: إبطال وقوع صلب المسيح تاريخيًا .
عند الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب، ومَن المصلوب فيها؟ يتبين الآتي:
стр. 731
١ - أن قدماء النصارى كُثر منهم ينكرون صلب المسيح، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق مسيحية كثيرة أنكرت الصلب.
وهذه الفرق هي: الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والدوسيتية والمارسيونية والفلنطانيائية والهرمسيون.
وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه "الهرطقات مع دحضها "ذكر القديس الفونسو ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الأول قول فلوري: "إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشكل ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور، وصعد إلى السماء."
ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني، حيث يقول المفسر جون فنتون شارح متى: "إن إحدى الطوائف الغنوطسية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلًا من يسوع". (١)
فمن ذلك يتبين أنه في الفترة التي أعقبت رفع المسيح حتى كتابة الأناجيل قد وجد بين قدامى المسيحيين جماعات تنكر صلب المسيح وتؤمن بأن شخصا آخر قد صلب بدلا منه. (٢)
٢ - كذلك وجدت جماعات أخرى تقول بأنه لم يمت على الصليب وإنما أنزل حيا، وهذا ما قاله الفيلسوف الألماني "فنتيوريني" في بداية القرن التاسع عشر حيث خلص من دراسة لما قيل عن الصلب والدفن إلى أن "يسوع قد أغمي عليه فقط، ثم أفاق فيما بعد نتيجة لبرودة القبر المنحوت في الصخرة". (٣)
стр. 732
وقد نقل أوريجانوس تقليدًا شائعًا في عهده بأن يسوع كان يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قلبه يهوذا الخائن؛ وإلا فإن المسيح كان معروفًا لدى عموم أهل أورشليم. (١)
٣ - وقد استمر إنكار صلب المسيح، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (٥٦٠ م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (٦١٠ م) وغيرهم.
ولعل أهم هذه الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون؛ الذين نقل عنهم سيوس في "عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية" والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي، ولعل الاسمين لواحد.
وهذه الفرقة كانت تقول أيضًا ببشرية المسيح، يقول باسيليوس الباسليدي: "إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح".
ولعل هؤلاء المنكرين لصلب المسيح قديمًا هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال: "الخياليون يقولون: إن المسيح لم يصلب، وإنما صلب رجل آخر مكانه". (٢)
ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلًا عنه: الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون. يقول جورج سايل: إن السيرنثيين والكربوكراتيين، وهما من أقدم فرق النصارى، قالوا: إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل، وإنما صلب واحد من تلاميذه، يشبهه شبهًا تامًا، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصًا آخر صلب بدلًا من المسيح.
وثمة فِرق نصرانية قالت بأن المسيح نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية. وهذه الفرق الثلاث تعتقد ألوهية المسيح، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية. (٣)
стр. 733
٤ - كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله.
ويقول ارنست دي بوش الألماني في كتابه "الإسلام: أي النصرانية الحقة" ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا في أصول النصرانية الأصلية.
ويقول ملمن في كتابه "تاريخ الديانة النصرانية": "إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدّقهم القرآن". (١)
٥ - وأخيرًا نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل.
ومن المنكرين أيضًا هيام ماكبي في كتاب "الدم المقدس، وكأس المسيح المقدس" وفيه أن السيد المسيح لم يصلب، وأنه غادر فلسطين، وتزوج مريم المجدلية، وأنهما أنجبا أولادًا، وأنه قد عثر على قبره في جنوب فرنسا، وأن أولاده سيرثون أوربا، ويصبحون ملوكًا عليها.
وذكر أيضًا أن المصلوب هو الخائن يهوذا الأسخريوطي، الذي صلب بدلًا من المسيح المرفوع. (٢)
وأما الطائفة التي يسميها القس الخضري بالرومانسيين (القرن التاسع عشر) فقد ذكروا أن المسيح "أنزل من على الصليب فاقد الوعي، وعالجه أطباء أسينيون إلى أن استرد قوته وظهر لتلاميذه الذين اعتقدوا أنه مات". (٣)
وهكذا فإن التاريخ أيضًا ناطق بالحقيقة، مُثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح
стр. 734
وصلب غيره. (١)
المبحث الخامس: عدم تنبؤ المسيح بصلبه .
تتحدث الأناجيل الأربعة عن صلب المسيح، كخاتمة لوجوده على الأرض، ولكن: هل تنبأ المسيح بأنه سيصلب؟ وهل عرف بذلك تلاميذه؟
لا تخطئ عين الناظر في الأناجيل أن ترى أن الإنجيليين نقلوا عن المسيح تنبؤه بتعرضه لمؤامرة تودي به إلى الموت والصلب، فهل تصح هذه الأقوال في نسبتها إلى السيد المسيح؟
الحقيقة أن خبر تنبؤ المسيح بقتله أو صلبه (انظر متى ١٧/ ٢٢ و ٢٠/ ١٦، ٢٦/ ٢، ٢٦/ ٢٣)، قول دخيل على الأناجيل، ملحق بها، والأدلة على ذلك تتضح باستقراء عدد من الملاحظات التي يقوي بعضها بعضًا:
١ - أن العبارة في إنجيل متى والتي يخبر فيها المسيح عن مؤامرة يتعرض لها ابن الإنسان وتودي به إلى الموت وردت بلا مقدمة، ولا مناسبة، ولا تعليق عليها من قبل الحواريين، حتى وكأنها تتحدث عن حدث عادي، فلئن صحت، دل ذلك على أن ابن الإنسان المصلوب المسلّم لأيدي الخطاة، هو غير المسيح.
تتحدث المواضع الأربعة -التي ذكرت تنبؤه بالموت- عن تسليم ابن الإنسان، وقتله أو صلبه، ولا تنص على عيسى، لكن اللفظ -وإن تبادر في الذهن إلى المسيح -فإنه يصح أن يطلق على غيره، بدليل أنهم سألوه عن ابن الإنسان مَن هو بقولهم: "فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ "" (يوحنا ١٢/ ٣٤) ولو كان هذا اللقب بالمسيح خاصًّا لما كان في سؤالهم وجه.
يقترن وصف الأناجيل الثلاثة لردة فعل التلاميذ حيال هذا الخبر بكثير من الغرابة، ففي متى (٢٦/ ١ - ٢) لم يذكر لهم حسًا ولا خبرًا، بيد أنه في (متى ٢٦/ ٢٣) ذكر بأنهم "حَزِنُوا جِدًّا"، ويفهم منه أنهم فهموا مراده فحزنوا، لكن مرقس يقول: "٣٢ وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ
стр. 735
يَفْهَمُوا الْقَوْلَ، وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ." (مرقس ٩/ ٣٢)، ويؤكد لوقا هذا بقوله: "٣٤ وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ.".
وإضافة إلى تناقض النصوص، فإن في خوف التلاميذ من المسيح وترددهم في سؤاله ما يدعو للعجب، فقد عرف ﵊ بدمائة خلقه، وبتحببه لهم، حتى إنه غسل أرجلهم، وكثيرًا ما كانوا يسألوه، فِلمَ لم يسألوه في هذا الأمر الخطير؟
٢ - ذكر الإنجيليون الثلاثة الذين ذكروا الخبر بأن المسيح سيقوم في اليوم الثالث (انظر متى ١٧/ ٢٣، مرقس ٩/ ٣٢، لوقا ١٨/ ٣٣)، وهذا لم يحصل، بل مكث ما لا يزيد بحال عن ليلتين ويوم.
٣ - ومما يدل على عدم صحة التنبؤ بالصلب والقتل: فرار التلاميذ، وفيهم بطرس الذي قال له المسيح: "٣٢ وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لَا يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ". ٣٣ فَقَال لَهُ: "يَارَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى المَوْتِ! "." (لوقا ٢٢/ ٣٢ - ٣٣)، فدل هذا على معرفتهم بأن المأخوذ غيره، كما قد عرفوا ذلك فهربوا، وقد قال عنهم المسيح: "الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ الْهَلَاكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ." (يوحنا ١٧/ ١٢).
ثم بعد ذلك ولأن أمر المصلوب لا يهمهم وقد عرفوا بنجاة سيدهم لم يهتموا بمتابعة المصلوب وهو على الصليب، أو في أثناء المحاكمة، إلا ما جاء عن بطرس ويوحنا وبعض النسوة.
٤ - كما تذكر الأناجيل دليلًا آخر يشهد على عدم صحة هذه النبوءات المتنبئة بصلب المسيح، بل تدلل على أن المسيح تنبأ بنجاته، وأن التلاميذ فهموا منه ذلك قول مرقس أن المسيح قال لتلاميذه: ": "إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذ اللَّيْلَةِ" (مرقس ١٤/ ٢٧).
هذا ولا تذكر الأناجيل شيئًا عن شك التلاميذ، سوى ما ذكرته عن بطرس الذي أنكر المأخوذ ثلاث مرات ليلة المحاكمة، وأما الآخرون فصمت مطبق، فكيف شك التلاميذ؟
لقد شك التلاميذ في المسيح وهم يرون المأخوذ من البستان (يهوذا) وقد قبض عليه،
стр. 736
وظنوه المسيح، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح، وهو الشك فيه، لقد كان أخبرهم بنجاته من المؤامرة ثم يرون أنه قد أخذ ولم ينج.
ويوضح العلامة أحمد عبد الوهاب هذه المسألة، فيقول بأن الشك هو تراجع داخل النفس، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا: "كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون".
ويفرق بين الإنكار والشك، فالشك عمل قلبي، والإنكار: قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار. فلقد آمن التلاميذ بالمسيح، وصدقوه فيما تنبأ به، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفًا لنبوءاته، فسوف يحصل منهم الشك، والردة عن العقيدة.
ويورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب احتمالين:
الأول: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، وستُحدث له ألمًا ومعاناة، إلا أنها ستفشل، وسينقذه الله من القتل، كما في قوله: "سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي" (يوحنا ٧/ ٣٦). وهذا الذي حصل ولم يشاهده التلاميذ، بل هم قد رأوا ما حسبوه وظنوه نقيضَه، فقد رأوا المسيح مأخوذًا مصلوبًا، فوقعوا في الشك فيه، لأن كلامه لم يتحقق، وهذا هو الصحيح.
والآخر: أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله، وليس هناك ما يدعو للشك والارتياب حسب هذه الصورة، سواء تحقق قوله أم لم يتحقق، إذ تحققه تصديق لقوله، وتخلُفه إكرام من الله له وحفظ ورعاية.
وهذا الفرض خاطيء، ويدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح، حيث نجد أن التلاميذ جميعا قد هربوا، وتركوا المسيح وحده. ويبدو هنا شكهم واضحًا، لقد حصل أمام التلاميذ ما لم يتوقعوه -فيما يظهر لهم-، أي ما لم يتنبأ به المسيح.
فلئن كان أخبرهم بأن سيُقبض عليه وسيقتل، فليس ثمة ما يثير الشك، وإن كان
стр. 737
الاحتمال الأول بأنه سينجو، وأن المؤامرة ستفشل، ولكنهم يجدونه -فيما يظهر لهم- قد قبض عليه، ولم تتحقق نبوءته، فحيئذ وقعوا في الشك. (١)
ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته، فقد نجى الله النبي دانيال، وإبراهيم، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار.
أما نجاة إبراهيم، فقد ذكرت في قوله تعالى: ﴿قَالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨ - ٧٠).
وأما دانيال، فقد ألقاه الملك في جُبٍّ مع الأُسود، وختم الجب بخاتمه، ثم لما فتحه ناداه: " "يَا دَانِيآلُ عَبْدَ الله الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟ " ٢١ فتكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! ٢٢ إِلهِي أَرْسَلَ مَلَاكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّني، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا". ٢٣ حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ. فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ. ٢٤ فَأَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا أُولئِكَ الرِّجَال الَّذِينَ اشْتَكَوْا عَلَى دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُمْ فِي جُبِّ الأُسُودِ هُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى بَطَشَتْ بِهِمِ الأُسُودُ وَسَحَقَتْ كُلَّ عِظَامِهِمْ." (دانيال ٦/ ١٥ - ٢٤).
وأما الفتية الثلاثة فقد أُلقوا في النار، ولكن "لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِمْ" (دانيال ٣/ ٢٧).
ومما يؤكد استجابة الله للمسيح: ظهور ملاك له ليقويه (انظر لوقا ٢٢/ ٤٣) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليه ويهزأ به، أم يعينه فينجيه؟
وهذا الأخير هو ما يليق بعدل الله ورحمته، فقد استجاب الله للمسيح فأنجاه، وصلب
стр. 738
يهوذا الخائن، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح، وصلبه وتسليمه إلى مرام أعدائه ومبغضيه.
لقد حفظ الله مسيحه، وأمكنه من النجاة ويسّر له سُبلها، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل والمكانة، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه، وحطم سلاسله وهو نائم، وأمره بالخروج. (انظر أعمال ١٢/ ٧).
وكذلك زعم لوقا أن بولس نجا من السجن بأعجوبة، فقد تزلزلت الأرض، وتصدع السجن، وتحطمت القيود. وانفتحت الأبواب، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما. (انظر أعمال ١٦/ ٢٦).
كما أن توراة القوم تتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم: أخنوخ" ٢٤ وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ الله أَخَذَهُ." (التكوين ٥/ ٢٤).
ومثله النبي إيليا" ١١ وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتكلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ." (الملوك (٢) ٢/ ١١).
فِلمَ أمكن هذا لبطرس وبولس وغيرهما، ولم يمكن للمسيح، وهو أولى منهم برعاية الله وحفظه؟ !
وهكذا، ومن خلال هذه الأمثلة، نرى أن رعاية الله التي أحاطت بالمؤمنين من قبل قد أحاطت بالمسيح، وأنجته من يدي أعدائه، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله: "٢٩ وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ"" (يوحنا ٨/ ٢٩).
المبحث السادس: عدم وجود شهود على صلب المسيح .
فقد تركه الجميع وهربوا، بل إن حادثة الصلب فيها من التناقضات التي تضطر كل عاقل أن يرفضها.
(إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة من تلاميذه فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل الدار جث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته فقالت: وهذا كان معه، فحلف بطرس أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم فذهب
стр. 739
ولم يعد، وأن شابًا تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره في أيديهم وأفلت عريانًا). (١)
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر فلم يبلغوا عدد التواتر أصلًا، بل كانوا آحادًا وأفرادًا، فمن نازع فيما قلناه ونقلناه فهذا الإنجيل الذي بأيديهم حكما فيما بيننا وبينه، وإذا ثبت أن أتباع المسيح لم يحضر منهم أحد، واليهود الذين حضروا عصابة قليلة دون عدد التواتر يجوز عليهم السهو والغلط واعتماد الكذب، لم يجب قبول أقوالهم فلا جرم يقدم تواتر الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء/ ١٥٧). (٢)
المبحث السابع: من الذي مات على الصليب، الإنسان أم الإله ؟
يَرد على المسيحيين أسئلة كثيرة: من الذي صلب على الصليب؟ ومن الذي أسلم روحه ومات على الصليب؟ هل المسيح الإنسان؟ أم أنه المسيح الإله؟ أو بمعنى آخر: هل فارق اللاهوت الناسوت وقت الصلب والموت؟ أم أن اللاهوت لم يفارق الناسوت؟
مقتضى فكرة المسيحيين عن المخلص تحتم أن الذي صلب هو المسيح ابن الله، فهو في -نظرهم- تجسد خصيصا من أجل الصلمب والموت ليخلص البشرية.
لذلك جاء في كتاب (السنكسار): "وتعلمنا الكنيسة المقدسة أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين." (٣)
ويقول الأب لويس برسوم: "وإذن ظل اللاهوت متحدًا بالناسوت على الدوام دون أن يفارقه قط، وحتى حينما أسلم يسوع روحه لم يفارق اللاهوت الناسوت، بل ظل متحدًا مع الجسد الذي دفن في القبر." (٤)
ويقول الأب ساويرس: "لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده ولم يفارق
стр. 740
روحه ولا جسده عند موته." (١)
كل هذا يقتضي أن اللاهوت وقع عليه الآلام وتعرض هو والناسوت إلى المعاناة والمشقة، ولكن المسيحيين يقولون نعم إن اللاهوت لم يفارق الناسوت لحظة إلا أن الذي تألم ومات هو الناسوت أما اللاهوت فلم يتألم ولم يمت. (٢)
يقول أفلاطون مطران موسكو: "إن الذي تألم هو الناسوت لا اللاهوت المنزه عن كل ألم، ثم دفن مع الجسد لئلا يظن موت المسيح خياليًا." (٣)
ويقول إلياس اليسوعي: "إن المسيح لم يمت بوصفه إلهًا -فالإله لا يموت- ولكنه مات بوصفه إنسانًا وليس في موت الإنسان ما يدعو على الاستغراب." (٤)
فالمسيح في -نظرهم- مات بوصفه (ابن الإنسان) لأن اللاهوت لا يتأثر بالصلب أو الموت. (٥)
يقول باسيليوس: "المسيح ابن الله مات يقينا ليس بلاهوته بل بناسوته قد مات ومع ذلك فإن إنسانية المسيح اتحدت بشخصه الإلهي وتشخصت فيه، ولذلك فرغم أن لاهوت المسيح كان حرا من الآلام وقت آلامه، وغير مائت في وقت موته إلا أن هذه الآلام قد اتخذها ابن الله وتبناها لنفسه بطريقة ما تفوق الفهم، ولهذا السبب يمكننا أن نقول عن ابن الله الأزلي المتجسد تألم ومات على الصليب بناسوته بينما ظل غير متألم بلاهوته." (٦)
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: من الذي مات على الصليب الناسوت ألم اللاهوت ؟
١ - القول بأن الناسوت هو الذي تحمل الآلام والصلب والموت يعني الحط من شأن الفداء والخلاص؛ لأنه بذلك يصير خلاصًا ناسوتيًا بشريًا لا لاهوتيًا، أو أن معناه أن