← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

والثالث: أن يكون النقل عمن قوله حجة في أصل اللغة كالعرب العاربة مثل قحطان ومَعْدٍ وعدنان، فأما إذا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف المولَّدين، فلا. ووقع في كلام الزمخشري وغيره الاستشهاد بشعر أبي تمام؛ بل في "الإيضاح" للفارسي، ووجِّه بأن الاستشهاد بتقرير النقلة كلامهم وأنه لم يخرج عن قوانين العرب. وقال ابن جني: يستشهد بشعر المولدين في المعاني كما يستشهد بشعر العرب في الألفاظ. (١) وأفصح العرب قريش؛ قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول في أفصح العرب. وروى عن إسماعيل بن أبي عبيد اللَّه، قال: أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالَّهم أن قريشًا أفصحُ العرب ألسنةً، وأصفاهم لغة؛ وذلك أن اللَّه تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا، فجعل قريشًا قُطَّان حرمه، وولاة بيته؛ فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم؛ فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طُبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم (٢)، ولا عجرفية قيس، ولا كَشْكَشَة أسد (٣)، ولا كَسْكَسَة ربيعة (٤)، ولا كسر أسد وقيس. وأفصحُ الخَلْق على الإطلاق هو رسول اللَّه ﷺ . (٥)

стр. 6757

٣ - من يحتج بكلامه ومن لا يحتج . باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر: عِلَّةُ امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل. ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. (١) باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا: ومن ذلك قولهم: بغداد، وبغدان. وقالوا أيضًا: مغدان. وقالوا للحَيَّة: أَيْم، وأَيْن. وأَعْصُر، ويَعْصُر: أبو باهلة، . . .، وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به. فإذا ورد شيء من ذلك -كأن يجتمع في لغة رجل واحد لغتان فصيحتان- فينبغي أن تتأمل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، كثرتهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها، وسعة تصرُّف أقوالها. (٢) باب اختلاف اللغات وكلها حجة: اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك، ولا تحظره عليهم؛ ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال ما يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله. وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. (٣) لكن غاية مالَكَ في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسا بها. فأما رد إحداهما بالأخرى فلا. أولا ترى إلى قول

стр. 6758

النبي ﷺ : "نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف". (١) هذا حكم اللغتين إذا كانتا فيش الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين، أو كالمتراسلتين. (٢) الاحتجاج اللغوي: قال ابن سلام الجمحي: وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون. . . وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول. (٣) قال عبد القادر البغدادي في "خزانة الأدب": في الكلام الذي يصح الاستشهاد به في اللغة والنحو والصرف: قال الأندلسي: علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو، والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخرى فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولَّدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل، ولذلك قُبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب وهلم جرا. وأقول (عبد القادر البغدادي): الكلام الذي يستشهد به نوعان: شعر وغيره. والشعراء قسمهم العلماء على طبقات أربع: الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم مَن قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى. الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان. الثالثة: المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.

стр. 6759

الرابعة: المولَّدون، ويقال لهم المحدَثون، وهم مَنْ بعدهم إلى زماننا، كبشّار بن برد وأبي نُواس. فالطبقتان الأوليان: يستشهد بشعرهما إجماعًا. وأما الثالثة: فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها. وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد اللَّه بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وعبد اللَّه بن شبرمة، يُلحَنون الفرزدق والكميت وذا الرُمَّة وأضرابهم، . . .، في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهرًا؛ وكانوا يعدونهم من المولَّدين؛ لأنهم كانوا في عصرهم، والمعاصرة حجاب. وقال ابن رشيق في العمدة: كل قديم من الشعراء فهو محدَث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله. وكان أبو عمرو يقول: لقد أحسن هذا المولَّد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره -يعني بذلك شعر جرير والفرزدق- فجعله مولّدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين. وكان لا يعدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين، قال الأصمعي: جلست إليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وأما الرابعة: فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقًا؛ وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري. واستشهد الزمخشري أيضًا في تفسير أوائل البقرة ببيت من شعره، وقال (١): وهو إن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. اهـ واعتُرِض عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبنيٌّ على معرفة أوضاع اللغة العربية والإحاطة بقوانينها، ومن البيّن أن إتقان الرواية لا يستلزم إتقان الدراية. وفي الكشف أن القول رواية خاصة، فهي كنقل الحديث بالمعنى. وقال التفتازاني في القول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى: ليس بسديد؛ بل هو بعمل

стр. 6760

الراوي أشبه، وهو لا يوجب السماع، إلا ممَّن كان من علماء العربية الموثوق بهم، فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها، فإن استؤنس به ولم يُجعل دليلًا، لم يَرد عليه ما ذكر ولا ما قيل، من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه، والحجة فيما رووه لا فيما رأوه. وقد خطئوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين. وقال السيوطي: أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدَثين في اللغة والعربية. وأول الشعراء المحدثين بشار بن برد، . . .، ونقل ثعلب عن الأصمعي أنه قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هَرْمة وهو آخر الحجج. وكذا عدّ ابن رشيق في العمدة طبقات الشعراء أربعًا، قال: هم جاهلي قديم، ومخضرم، وإسلامي، ومحدث. قال: ثم صار المحدثون طبقات أولى وثانية على التدريج هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا. وأما قائل الثاني (١) فهو إما ربنا ﵎، فكلامه -عز اسمه- أفصح كلام وأبلغه، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه، كما بينه ابن جني في أول كتابه "المحتسب" وأجاد القول فيه. وأما الاستدلال بحديث النبي ﷺ فقد جوَّزه ابن مالك، . . .، وقد منعه ابن الضائع وأبو حيان، وسندهما أمران: أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سُمعت من النبي ﷺ ، وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المِصْرَين لم يحتجوا بشيء منه. ورُدَّ الأول -على تقدير تسليمه- بأنَّ النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق. على أن اليقين غير شرط، بل الظن كاف.

стр. 6761

ورُدّ الثاني بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به، والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحْويّ في ضبط ألفاظه. ويلحق به ما روي عن الصحابة رضوان اللَّه عليهم. (١) ثانيًا: الشبهات والرد عليها .

стр. 6762

١ - شبهة: رفع المعطوف على المنصوب . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ (المائدة: ٦٩). فهذه الآية بها خطأ نحْوي؛ إذ (الصابئون) معطوفة على منصوب (الذين آمنوا)، فكان حقها أن تنصب؛ فيقال: (والصابئين) ولكنها جاءت مرفوعة. والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: ما جاء عن النحاة والمفسرين في توجيه رفع (الصابئون) . للنحاة في هذه الآية تسعة أقوال نذكر منها الآتي: الأول: قول الخليل وسيبويه وأتباعهما من البصريين، أن (الصابئون) مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه خبر ما بعده: (والنصارى من آمن منهم باللَّه) -أي: أن الواو للاستئناف- قالوا: والنية فيه التأخير، أي: تأخير (والصابئون) إلى ما بعد (والنصارى)، وتقدير النظم والمعنى عندهم: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم باللَّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك). (١) ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف (٢) فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول، وتقديره: راضون لدلالة الثاني عليه: راضٍ، والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فحذف خبر الأول اكتفاءً بالثاني. (٣) وقول الآخر:

стр. 6763

فمن يكُ أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيَّارًا بها لغريب والتقدير: فإني لغريب وقيارٌ كذلك. (١) وهكذا ورد في الاستعمال اللغوي عند العرب؛ أن الجملة الاسمية المؤكدة بـ (إنَّ) يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم (إنَّ) وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم (إنَّ)، ويحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر اسم (إنَّ) عليه، أو يحذف خبر اسم (إنَّ)، ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثاني دليلًا على خبر اسم (إنَّ) المحذوف. وعلى هذا تُخَرَّجُ كَلِمَةُ "الصابئون" في الآية الكريمة. واختار الزمخشري من المفسرين النحاة هذا المذهب فقال: (والصابئون) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز (إنَّ) من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك. (٢) وقد تفيد الواو العطف على محل اسم (إنَّ) الذي حقه الرفع كمبتدأ قبل تمام الخبر. (٣) قال الفراء: فإن رفع (الصابِئين) على أنه عطف على (الذين)، و (الذين) حرف على جهة واحدة في رفعه ونصبه وخفضه، فلمَّا كان إعرابه واحدا وكان نصب (إنّ) نصبًا ضعيفًا -وضعفه أنه يقع على الاسم ولا يقع على خبره- جاز رفع الصابئين. (٤)

стр. 6764

الثاني: أنَّ (إنَّ) في قوله تعالى: (إنَّ الذين آمنوا) ليست هي (إنَّ) الناسخة، التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، بل هي بمعنى: نعم؛ يعنى: حرف جواب، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصبًا ولا رفعًا، وعلى هذا فالذي بعدها مرفوع المحل؛ لأن (الذين) اسم موصول، وهو مبنيٌّ في محل رفع، وكذلك (الصابئون) فإنه مرفوع لفظًا، مفرده (صابئ). وقد استعملها العرب كذلك؛ قال قيس بن الرقيات: برز الغواني من الشباب ... يلمنني، وآلو مُهُنَهْ ويقلن شيبٌ قد علاك ... وقد كبرتَ، فقلت إنَّهْ. (١) أي فقلت: نعم. وعلى هذا فإن كلا من (الذين) و (الصابئون) و (النصارى) أسماء مرفوعة، فلا خطأ في الآية. والواقع أن ما ذهب إليه البصريون، هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع: (الصابئون) في هذه الآية الكريمة. وتبقت آراء دون رأي البصريين في الحجة، منها: - أن يكون (الصابئون) عطفًا على المضمر المرفوع في (هادوا)، و (هادوا) بمعنى: تابوا. (٢) - أن (الصابئون) عطف على الصلة بحذف الصدر أي: الذين هم الصابئون، ولا يخفى بعده. (٣) - أنه منصوب بفتحة مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه، واعترض بأن لغة بلحارث وغيرهم -الذين جعلوا المثنى دائمًا بالألف نحو: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأعربوه بحركات مقدرة- إنما هي في المثنى خاصة، ولم ينقل نحو ذلك عنهم في الجمع. (٤)

стр. 6765

الوجه الثاني: التوجيه البلاغي للآية . إن مخالفة إعراب (الصابئون) عما قبلها وما بعدها فيه لمحة بلاغية رائعة تشير إلى وجود فرق كبير بين هذه الطوائف الأربع: - الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئون. فالطوائف الثلاث الأولى يربط بينها رابط قوى هو أن كل طائفة منها لها كتاب ورسول من عند اللَّه . أما الصابئون فليس لهم كتاب ولا رسول، والمقام الذي تتحدث عنه الآية هو فتح باب القبول عند اللَّه لِكُلِّ مَن آمَنَ إيمانًا صحيحًا صادقًا وداوم على عمل الصالحات، فالإيمان يمحو ما قبله ولا ينظر اللَّه إلى ماضيهم الذي كانوا عليه من كفر ومعاصٍ، والآية بدأت بالذين آمنوا ليستمروا على إيمانهم الذي هم فيه، ويلتزموا بعمل الصالحات واللَّه سيجزيهم خير الجزاء على إيمانهم المستمر، وصلاحهم الدائم، ثم ثنت بالذين هادوا، يعنى: اليهود، وهم كانوا في عصر نزول القرآن قد غالوا في دينهم، وحادوا عن الحق، وغيَّروا وبدَّلوا فيما أنزله اللَّه على أنبيائهم فوعدهم اللَّه إذا آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، وتابوا إلى اللَّه من كل ما ابتدعوه في عقائدهم واتبعوا ما أنزل اللَّه على خاتم رسله؛ بأنهم سيكونون في أمنٍ من عذاب اللَّه، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وكذلك النصارى حيث جعلوا للَّه صاحبة وولدًا وغالوا كثيرًا في دينهم؛ إذا آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، وبرئوا من عقائدهم التي ابتدعوها، وأصلحوا شأنهم، وآمنوا بما أنزله اللَّه على خاتم رسله، ولزموا العمل الصالح -كان سعيهم عند اللَّه مشكورًا، ووقاهم اللَّه من الخوف والحزن يوم يقوم الناس لرب العالمين. ثم زاد اللَّه في ترغيب هذه الفرق الثلاث فيما عنده بأن يجعل هذا الفضل للصابئين الذين خرجوا عن جميع الرسالات السماوية، وإذا كان اللَّه يقبل منهم إيمانهم إذا آمنوا ويثيبهم على عمل الصالحات، فان الذين آمنوا واليهود والنصارى أولى بالقبول عند اللَّه، إذا آمنوا وعملوا الصالحات، ومن أجل هذا خولف إعراب: (الصابئون) ليلفت الأذهان

стр. 6766

عند قراءة هذه الآية أو سماعها إلى الوقوف أمام هذه المخالفة، وليتساءل القارئ أو السامع ما سبب هذه المخالفة، ثم يقوده هذا التساؤل إلى الحصول على هذا المعنى الذي تقدم. فهذه المخالفة أشبه ما تكون بالنبر الصوتي في بعض الكلمات، التي يراد لفت الأنظار إليها عند السامعين؛ قالوا: والواو في (والصابئون) ليست لعطف المفردات على نظائرها، وإنما هي لعطف (الجمل) و (الواو) التي تعطف جملة على أخرى لا تعمل في مفردات الجملة المعطوفة لا رفعًا ولا نصبًا ولا جرًا، بل تربط بين الجملتين المعطوفة والمعطوفة عليها في المعنى دون الحركات الإعرابية. وقد جاء ذكر الصابئين في سورة الحج مقدمًا على النصارى ومنصوبًا، كما جاءت منصوبة في سورة البقرة أي: متفقة إعرابيًا مع ما قبلها، فحصل هناك مقتضى حال واحدة وهي المبادرة بتعجيل الإعلام بشمول فصل القضاء بينهم، وأنهم أمام عدل اللَّه يساوون غيرهم. (١) * * *

стр. 6767

٢ - شبهة: نصب المعطوف على المرفوع الشبهة في آيتين: الأولى في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾ (النساء: ١٦٢)، فما قبل كلمة (المقيمين) وما بعدها مرفوع، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه، فكان حقها الرفع فتقول: والمقيمون الصلاة. الثانية: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧). فكلمة: (الصابرين) جاءت منصوبةً بـ (الياء) بعد: (والموفون)، وكان يجب أن يرفع المعطوف (الصابرين) على المرفوع (الموفون)؛ فيقول: والموفون والصابرون، على حد زعمهم. ففي الموضعين عُطف على كلمة منصوبة بكلمة مرفوعة، أو جاءت كلمة مرفوعة في سياقٍ كُلُّه منصوب يربط بينه العطف. الرد على الشبهة في الآية الأولى من وجوه: الوجه الأول: العرب تخالف الإعراب بالنصب في حالات منها: النصب على الاختصاص بالمدح، وقطع النعوت . فالاختصاص: مخالفة إعراب كلمة لإعراب ما قبلها بقصد المدح أو الذم، ويسمى الاختصاص والقطع. (١) يقول الزمخشري: و (المقيمين) نُصِبَ على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع،

стр. 6768

وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة والإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقًا يرفه من يلحق بهم. وقيل: هو عطف على (بما أنزل إليك) أي: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء، وفي مصحف عبد اللَّه: (والمقيمون) بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري عيسى الثقفي. (١) قال ابن عطية: وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بـ (أعني)، والرفع بعد ذلك بـ (هم)، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحوي الكوفة والبصرة. (٢) وانتصب (المقيمين) على المدح، وارتفع (والمؤتون) أيضًا على إضمار: (وهم) على سبيل القطع إلى الرفع، ولا يجوز أن يعطف على المرفوع قبله؛ لأنَّ النعت إذا انقطع في شيء منه لم يعد ما بعده إلى إعراب المنعوت، وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة، فكثر الوصف بأن جُعل في جمُل. (٣) وعطفُ (المقيمين) بالنصب ثبتَ في المصحف الإمام، وقرأه المسلمون في الأقطار دون تنكير؛ فعلمنا أنه طريقةٌ عربيةٌ في عَطْفِ الأسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَات محامد على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفع على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة سواء كانت بدون عطف أم بعطف كقوله

стр. 6769

تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٧٧). (١) والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم؛ فيرفعون إذا كان الاسم رفعًا، وينصبون بعض المدح فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجدّدٍ غير مُتْبَع لأوّل الكلام. (٢) الوجه الثاني: شواهد العرب على ذلك . ومن الشواهد العربية على (النصب على الاختصاص) من الشعر العربي المحتج به لغويًا ونحويًا. من ذلك ما أورده سيبويه (تحت باب: هذا ما ينتصب على التعظيم والمدح) ومنه قول الخِرنِق بنت هفان: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ النازلين بكل مُعْتَركٍ ... والطيبون معاقِدَ الأُزْرِ. (٣) والشاهد في هذين البيتين نصب: (النازلين) وهو معطوف على مرفوع وهو: (سَمُّ العُدَاة). وقول أُمية بن أبي عائذ: ويأوي إلى نِسوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثًا مراضيعَ مثلِ السَّعَالِي والشاهد في هذا البيت نصب (شُعثًا) وهو معطوف على مجرور (عُطَّلٍ). (٤) وهناك آراء أخرى ذكرها العلماء لتوجيه هذه الآية، ولكنها لا تبلغ من القوة والشيوع

стр. 6770

ما بلغه هذا الرأي؛ أي: النصب على الاختصاص أو القطع (المدح أو الذم). (١) والخلاصة: أنه ينبغي الركون إلى الرأي الأول المنسوب إلى سيبويه، وأبى البقاء العكبري، والزمخشري، وابن عطية؛ لقوته أما ما عداه من آراء فلا تخلو من الضعف. فالنصب على (المدح) أسلوب شائع في الاستعمال اللغوي العربي، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوي الذي لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الرفع أو الجر. فـ (المقيمين) منصوب على الاختصاص، المراد منه المدح في هذا الموضع بدلالة المقام؛ لأن المؤدين للصلاة بكامل ما يجب لها من طهارة ومبادرة وخشوع وتمكن جديرون بأن يُمدحوا من اللَّه والناس. وهذا الاختصاص أو القطع بيان لفضل الصلاة التي جعلها اللَّه على الناس كتابًا موقوتًا، وأمر عباده بإقامتها والمحافظة عليها في كثير من آيات الكتاب العزيز. الرد على الشبهة في الآية الثانية: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ انتصب: والصابرين على المدح. والقطعُ إلى الرفع أو النصب في صفات المدح والذم والترحم، وعطفُ الصفات بعضها على بعض مذكورٌ في علم النحو. (٢) ونظير هذا النصب من الشعر قول الخِرنِق؛ وقد سبق، ومثل هذا في هذا الابتداء قول ابن خياط العُكلي: وكل قوم أطاعوا أمرَ مُرشِدهم ... إلا نُمَيرًا أطاعت أمرَ غاويها الظاعنين ولمَّا يُظعنوا أحدًا ... والقائلون لمنْ دارٌ نُخلّيها. (٣) والشاهد فيه نصب "الظاعنين" بإضمار فعل ورفع "القائلون" على إضمار مبتدأ لما قصد من معنى الذم فيهما.

стр. 6771

ويحسن بنا أن نذكر الآية بتمامها لننظر فيها نظرة عامة: - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. فكلمات هذه الآية إذا وزعت على صفات فأشدها وقعًا على النفس وأكثرها أعباء وأشقها كلفة هي الصبر في المحن والشدائد والأخطار؛ خاصةً في ملاقاة العدو والتعرض لزحفه وسلاحه، ولهذا جاء إعراب (الصابرين) مخالفًا لإعراب ما قبلها؛ ليلفت اللَّه أذهان العباد إلى أهمية الصبر في هذه المجالات، وهذا الإعراب المخالف لما قبله يفيد مع تركيز الانتباه وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخُلق العظيم - يفيد أمرًا آخر مبهجًا للنفوس هو مدح هؤلاء الصابرين شديدي العزيمة قويي الاحتمال، إنها بلاغة القرآن المعجز، وعبقرية لغة التنزيل. وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله، هو الذي يسميه النحاة بـ (القطع) وهو إما للمدح كما في هذه الآية، وآية النساء: (والمقيمين الصلاة)، وإما بقصد الذم كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد: ٤) أي: امرأة أبي لهب التي كانت تحمل الشوك وتنثره في طريق رسول اللَّه لتؤذيه؛ لأن كلمة (حمالة) جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها، وهى (امرأتُه) فهذا قطع كذلك القصد منه الذم أي: أذم أو ألعن حمالة الحطب. (١)

стр. 6772

وأَيًّا كان السبب الاختصاص أو القطع للمدح أو للذم فإنه من أرقى الأساليب البلاغية، إذ يحتوى على فضيلة الإيجاز وهى أن تكون المعاني أكثر وأوفر من الألفاظ التي تدل عليها أو المستعملة فيها؛ لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابُها عما قبلها نابت هذه الكلمةُ مناب ثلاث قيم بيانية رامزة إلى وجودها في المقام، وإن كانت محذوفة وهى: ١ - الكلام الذي عمل الإعراب المخالف في الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها، وهو في: (الصابرين) أمدح أو أخص الصابرين بالمدح، وكذلك (المقيمين الصلاة)، وفي آية المسد: أذم أو ألعن (حمالة الحطب). ٢ - إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التي تدل عليهما. ٣ - فضيلة الإيجاز البياني مع المعاني الضافية، فسبحان من هذا كلامه! * * *

стр. 6773

٣ - شبهة: نصب الفاعل . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (البقرة: ١٢٤). فيه خطأ نحوي هو: نصب الفاعل (الظَّالمِينَ)؛ لأن: (الظَّالمِينَ) فاعل، والفاعل حكمه الرفع أبدا، فكان حقه أن يكون هكذا: لا ينال عهدي الظالمون؛ لأنه جمع مذكر سالم وعلامة رفعه "الواو". والرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: الفعل: (نال) له خواص في اللغة العربية . (نول) النون والواو واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إعطاءٍ، ونَوَّلته: أعطيته، والنَّوال: العَطاء، ونُلْتُه نَولًا مثل أنلته، وقولك: ما نَوْلُكَ أن تفعل كذا؛ فمنه أيضًا أي: ليس ينبغي أن يكون ما تُعطِيناهُ مِنْ نوالِك هذا، وقولُ لبيد: وقفتُ بهنَّ حتَّى قال صحبي ... جَزِعتَ وليس ذلك بالنَّوالِ قالوا: النّوال: الصَّواب، وتلخيصه: ليس ذلك بالعطاء الذي [إن] أعطيتَناه كنتَ فيه مصيبًا. وكذا قوله: فدَعِي الملامةَ ويْبَ غيرِكِ إنَّه ... ليس النّوال بلوم كلِّ كريم والقياس في كلِّه واحد. (١) ونص العلماء على أن من خواص الفعل "نال" أن فاعله يجوز أن يكون مفعولًا، ومفعوله يجوز أن يكون فاعلًا على التبادل بينهما: "لا ينال عهدي الظالمين" هذا هو المشهور على جعل العهد هو الفاعل، ويقرأ الظالمون على العكس، والمعنيان متقاربان لأن ما نلته فقد نالك. (٢) الوجه الثاني: توجيه النصب لقوله: (الظالمين) . أما في قوله تعالى: "لا ينال عهدي الظالمين" فالفاعل هو: "عهدي" مرفوع بضمة مقدرة

стр. 6774

منع من ظهورها اشتغال المحل (١) بحركة المناسبة لـ "ياء" المتكلم، والمفعول به هو: "الظالمين" والمعنى: لا ينفع عهدي الظالمين، ومجيء "الظالمين" منصوبًا هو قراءة الجمهور من القراء. (٢) وليس في مجيء "الظالمين" منصوبًا على المفعولية خلاف بين العلماء، ومعناه: أي لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم. (٣) وذكر أنه في قراءة ابن مسعود: "لا ينال عهدي الظالمون"، بمعنى: أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد اللَّه، وإنما جاز الرفع في: "الظالمين" والنصب، وكذلك في "العهد"؛ لأن كل ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ، كما يقال: "نالني خيرُ فلان، ونلتُ خيرَه"، فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه. (٤) أي أن العهد يَنال كما يُنال. (٥) واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم اللَّه -جل ثناؤه- الظالمين أن ينالوه فقال بعضهم: ذلك العهد هو النبوة. .، وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه. .، وقال آخرون: معنى العهد في هذا الموضع الأمان. .، وقال آخرون: بل العهد الذي ذكره اللَّه في هذا الموضع دين اللَّه. . (٦) ولا يخفى ما في هذا التعبير القرآني من بلاغة؛ إذ العهد هو الذي يختار مَنْ يُسند إليه في رفعة وشرف، كما أنه لابد أن يقدم هنا، لأنه مضاف إلى اللَّه تعالى فهل يُستساغ أن يُقدم الظالمون عليه؟ ! * * *

стр. 6775

٤ - شبهة: تذكير المؤنث . نص الشبهة: في سورة الأعر اف (٥٦): ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي سورة الأحزاب (٦٣): ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، وفي سورة الشورى (١٧): ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ وكان يجب أن يتبع الخبرُ المبتدأَ في التأنيث فيقول: قريبة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تذكير المؤنث وتأنيث المذكر مشهور في اللغة العربية . قال ابن جني في "باب الحمل على المعاني": اعلم أن هذا الشَرْج (١) غور من العربية بعيد، ومذهب نازح فسيح. قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورا ومنظوما، كتأنيث المذكر، وتذكير المؤنث، وتصور معنى الواحد في الجماعة، والجماعة في الواحد، وفي حمل الثاني على لفظ قد يكون عليه الأول، أصلا كان ذلك اللفظ أو فرعا وغير ذلك. مما تراه بإذن اللَّه. ثم ذكر ابن جني عدة شواهد على ذلك من القرآن فقال: ومنه قول اللَّه : ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. أي هذا الشخص أو هذا المرئي ونحوه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لأن الموعظة والوعظ واحد. ومن شواهده في الشعر: من تذكير المؤنث قوله: (فلا مُزْنَةٌ ودَقتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبقلَ إبقالها) (٢) ذهب بالأرض إلى الموضع والمكان. ومن تذكير المؤنث أيضًا قول اللَّه تعالى قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ لأنه تعالى

стр. 6776

أراد بالسماء السّقْفَ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. ومن تأنيث المذكر قول الشاعر: أتَهجُرُ بيتًا بالحجازِ تلفّعَتْ ... به الخوفُ والأعداءُ من كلّ جانبِ (١) أَنَّث الخوفَ لأنه ذهب به إلى المخافة، ومثله بيتُ الحماسة: يا أيها الراكِبُ المزجي مطيّتُه ... سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصّوتُ (٢) أنّث الصوت؛ لأنه ذهب به إلى الاستغاثة، وإذا جازَ تأنيثُ المذكر في كلامِهم حمْلًا على المعنى، وهو منهم حملُ الأصلِ على الفرع، كان تذكيرُ المؤنث أجدرَ بالجَوازِ من حيثُ كان الأصلُ هو التذكير، ومن الحسَنِ الجميلِ ردُّ الفروعِ إلى الأصول. (٣) الوجه الثاني: توجيه العلماء لهذا اللفظ . ١ - إنما قيل: (قريب) لأن الرحمة والغفران في معنى واحد، وقال الأخفش: جائز أن تكون الرحمة ههنا في معنى: المطر. (٤) ٢ - الرحمة والرحم عند العرب واحد فحملوا الخبر على المعنى، فذُكِّر -قريب- على معنَى: الرُّحْم (٥)، وقيل: على معنى: الفَضْل. (٦)

стр. 6777

٣ - قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بمعنى: إنعام اللَّه قريب وثواب اللَّه قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر. (١) ٤ - ومنهم من جعله من باب النَّسَبِ؛ أي: ذات قرب، كقولهم في حائض: ذات حيض. (٢) ٥ - وقيل: الاسم إذا وصف بالمصدر كان واحدُه وجميعُه سواء وكذلك مذكره ومؤنثه كان بمعنى المفعول أو بمعنى الفاعل. . . تقول: (هو قريب منك وهم قريب منك) (٣). ٦ - وقيل: الرحمة مصدر والمصادر كما لا تجمع لا تؤنث. (٤) ٧ - وقيل من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف فكأنه قال: وإن مكان رحمة اللَّه قريب، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره. وقيل من باب إكساب المضاف حكم الضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني. (٥)

стр. 6778

٨ - وقيل من حذف الوصوف وإقامة الصفة مقامه أي: إن رحمة اللَّه شيء قريب أو لطيف أو بر أو إحسان. (١) الوجه الثالث: لفظ (قريب) يستخدم لمعنيين: قرابلأ النسب، وقرابة المكان . فإذا استخدم لقرابة المكان كان التذكير والتأنيث فيه سواء، قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. قال الفراء: ذُكِّرَت (قريب) لأنه ليس بقرابة في النَّسَب، قال: ورأيت العرب تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منّا قريب، أو فلانة منك قريب في القرب والبعد ذكَّروا وأنَّثوا، وذلك أن القريب في المعنى وإن كان مرفوعا فكأنه في تأويل: هي من مكان قريب. فجعل القريب خَلَفا من المكان؛ كما قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ولو أَنَّث ذلك فبنى على بَعُدَتْ منك فهي بعيدة، وقَرُبت فهي قريبة كان صوابًا حسنًا، وقال عروة: عشِيَّةَ لا عفراءُ مِنك قرِيبة ... فتدنو ولا عفراء مِنك بعِيد. (٢)

стр. 6779

ومن قال بالرفع وذكَّر لم يجمع (قريب) ولم يثنّه، ومن قال: إنّ عفراء منك قريبة أو بعيدة ثنَّى وجمع. (١) الوجه الثالث: الصيغة: (فعيل) يستوي فيها المذكر والمؤنث . ويستوي المذكر والمؤنث في فعول ومفعال ومفعيل وفعيل بمعنى مفعول ما جرى على الاسم، تقول: هذه المرأة قتيل بني فلان، ومررت بقتيلتهم، وقد يشبه به ما هو بمعنى فاعل قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقالوا: ملحفة جديد. (٢) وتذكير المؤنث كقوله: إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا فإذا كان الاسم على وزن (فعيل) في معنى (مفعول) فهو في المؤنث والمذكر سواء وهو بمنزلة (فعول). (٣) الوجه الرابع: (قريب وبعيد) للمفرد والمثنى والجمع؛ المذكر والمؤنث (٤).

стр. 6780

﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ هذا موضع يكون في المؤنثة والثنتين والجميع منها بلفظ واحد ولا يُدْخلون فيها الهاء؛ لأنه ليس بصفة ولكنه ظرف لهن وموضع، والعرب تفعل ذلك في قريب وبعيد قال: فإن تمس ابنة السّهمىّ منا ... بعيدا لا نكلّمها كلاما وقال الشّنفرى: تؤرقنى وقد أمست بعيدا ... وأصحابى بعيهم أو تباله فإذا جعلوها صفة في معنى مقتربة قالوا: هي قريبة وهما قريبتان وهن قريبات. (١) - ويجوز أن يسوى في قريب وبعيد، وقليل وكثير، بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما. (٢) كما قالوا: هو صديق، وهم صديق، وهي صديق، وهن صديق. (٣) الوجه الخامس: قال: قريب، ولم يقل: قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي . فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي؛ قاله الجوهري. وتأنيث "رحمت" لما كان تأنيثًا مجازيًا لا حقيقيًا جاز في الاستعمال اللغوي تأنيث خبره وصفته، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء، سواء كان في ضرورة الشعر، أو في النثر. (٤) ومن وراء هذه التوجيهات اللغوية والنحوية تكمن نكت بلاغية: فقد أورد ابن القيم -يرحمه اللَّه- في بدائع الفوائد اثنا عشر مسلكًا لتوجيه تذكير

стр. 6781

(قريب) والتي كان حقها التأنيث -زعموا- وأقوى ما ذكره: المسلك السادس: إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر لكونه تبعًا له ومعنى من معانيه، فإذا ذكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يفهم منه، ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤) فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها، ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: (واللَّه ورسوله أحق أن يرضوه)؛ المعنى: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى اللَّه إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول: يرضوهما، فعلى هذا يكون الأصل في الآية: إن اللَّه قريب من المحسنين، وإن رحمة اللَّه قريبة من المحسنين، فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى. وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسي تعبيرًا أحسن من هذا وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الأفهام وهو من أسرار القرآن والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب ﵎، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه؛ لأن الصفة لا تفارق موصوفها فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف ﵎ أولى بالقرب منها، بل قرب رحمته تبع لقربه هو ﵎ من المحسنين، وقد تقدم في أول الآية أن اللَّه تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن أهل سؤاله بإجابته وذكرنا شواهد ذلك، وأن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده كما أن العبد قريب من ربه بالإحسان، وأن من تقرب منه شبرًا تقرب اللَّه منه ذراعًا، ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، فالرب ﵎ قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، وقربه يستلزم قرب رحمته ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن اللَّه تعالى قريب من المحسنين وذلك يستلزم القربين: قربه وقرب رحمته، ولو قال: إن رحمة اللَّه قريبة من المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم؛ لأن قربة تعالى أخص من قرب رحمته، والأعم لا يسلتزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب رحمته فلا تستهن بهذا المسلك فإن له شأنًا وهو متضمن لسر بديع من أسرار

стр. 6782

الكتاب وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ولا ألم به وإنما أراد أن الإخبار عن قرب اللَّه تعالى من المحسنين كاف عن الإخبار عن قرب رحمته منهم. فهو مسلك سابع في الآية وهو المختار وهو من أليق ما قيل فيها، وإن شئت قلت قربه ﵎ من المحسنين وقرب رحمته منهم متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضًا قريب منهم، وإذا كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد، وهو قربة ﵎ من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون وحياة القلوب وسعادة العبد كلها، فكان في العدول عن قريبة إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته ولا قوة إلا باللَّه تعالى. (١) وبعد هذا العرض الذي ربما طال بعض الشيء لإحاطة القارئ بما حول الآية؛ فلا يخفى ما في تذكير (قريب) مع أنها تعود -ظاهرًا- على مؤنث (رحمت) من روعة في النظم، إذ هناك فرق بين قرب المكان وقرب النسب (الصاهرة)، وهذا من لطيف الفروق العربيّة في استعمال المشترك إزالةً للإبهام بقدر الإمكان. وكذلك تغليب قرب اللَّه على قرب رحمته، فقربه قرب لرحمته. والإيجاز الذي في الاكتفاء بخبر واحد عن اللَّه وصفته (رحمت)؛ فالصفة لا تفارق موصوفها. * * *

стр. 6783

٥ - شبهة: تأنيث العدد وجمع المعدود . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (الأعراف: ١٦٠)، وكان يجب أن يُذَكَّرَ العَدَدُ ويأتي به مفردًا فيقول: اثني عشر سبطًا. والجواب من عدة وجوه: الوجه الأول: الإعراب جاء على المعنى لا اللفظ . فالحمل على المعنى قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا، كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث. . . (١) قال الفراء: قال تعالى: "اثنتي عشرة"، والسبط (٢) ذُكِّر؛ لأن بعده أمم، فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان (اثني عشر) لتذكير السبط كان جائزًا. (٣) وهو مثل قول الشاعر: وإنَّ كلابًا هذه عشر أبطنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر (٤) ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة؛ فلذلك جمع البطن بالتأنيث. (٥) فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعًا؟ وهلّا قيل: اثني عشر سبطًا؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا؛ لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباطًا موضع قبيلة، ونظيره: . . . بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ.

стр. 6784

و (أُمَمًا) بدل من اثنتي عشرة بمعنى: وقطعناهم أممًا؛ لأنّ كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف. (١) ويكون المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقةً أممًا. (٢) ونظيرُ وصف التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قولُ الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافِيةِ الغراب الأسحم. (٣) ولم يقل: سوداء. (٤) فوصف (حلوبة) وهي مفردةٌ لفظًا بـ (سُوْدًا) وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع. (٥) الوجه الثاني: يوجد تقديم وتأخير في الآية . وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديرها: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة، والأسباط: القبائل واحدها: سبط. (٦) الوجه الثالث: (أسباطًا) بدل لا تميز . المعنى: قطعناهم اثنتي عشرة فرقة، أسباطًا من نعت فرقة، كأنه قال: جعلناهم أسباطًا وفرقناهم أسباطًا، فيكون أسباطًا بدلًا من اثنتي عشرة؛ وهو الوجه.

стр. 6785

وقوله: (أممًا) من نعت أسباطًا. (١) فقوله: "أممًا" إمَّا نعتٌ لـ "أسْبَاطًا"، وإما بدل منها بعد بدلٍ على قولنا: إنَّ "أسباطًا" بدلٌ من ذلك التَّمييز المقدَّر. (٢) (قَطَّعْنَاهُمْ): صيَّرْناهم قطعًا متميزًا بعضهم عن بعض. (اثْنَتَي عَشْرَةَ) مفعول ثان لقطع؛ فإنه متضمن معنى صير أو حال، وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة، أسباطًا بدل منه ولذلك جمع، أو تمييز له على أن كل واحد من اثنتي عشرة أسباط فكأنه قيل: اثنتي عشرة قبيلة. (٣) وقال الزجاج: المعنى: (وقطعناهم اثنتي عَشْرَةَ) فرقة (أَسْبَاطًا) فقوله: (أَسْبَاطًا) نعت لموصوف محذوف، وهو الفرقة. وقال أبو علي الفارسي: ليس قوله: (أَسْبَاطًا) تمييزًا، ولكنه بدل من قوله: (اثنتي عَشْرَةَ). (٤) ويجوز أن يكون تمييزًا؛ لأنه مفرد تأويلًا، فقد ذكروا أن السبط مفردًا ولد الولد، أو ولد البنت، أو الولد، أو القطعة من الشيء؛ أقوال ذكرها ابن الأثير، ثم استعمل في كل جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم، وقد يطلق على كل قبيلة منهم أسباطًا أيضًا كما غلب الأنصار على جمع مخصوص، فهو حينئذ بمعنى: الحي والقبيلة؛ فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز. (٥) وأيضًا إذا أردت أن تجمع جماعات مختلفة جاز أن تفسر العشرين ونحوها بجماعة، فتكون عشرون كل واحد منهما جماعة، ومثل ذلك قولك: قد التقى الخيلان فكل واحد

стр. 6786

منهما جماعة خيل، فعلى هذا تقول: التقى عشرون خيلًا على أن كل واحد من العشرين خيل؛ قال الشاعر: تبقلت من أول التبقل ... بين رماحي مالك ونهشل لأن مالكًا ونهشلًا قبيلتان، وكل واحدة منهما لها رماح، فلو جمعت على هذا لقلت: عشرون رماحًا قد التقت تريد عشرين قبيلة لكل منها رماح، ولو قلت: عشرون رُمْحًا كان لكل واحد منها رمح. (١) ومثل آية سورة الأعراف في القرآن قولُه تعالى في سورة الكهف الآية ٢٥: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف: ٢٥) بدلًا من ثلاثمائة سنة في التركيب المعتاد، والمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة، وكلاهما صحيح على ما سبق توجيهه. وبعدُ، فهذا التعبير القرآني لم يخالف اللغة العربية التي نزل بلسانها مخاطبًا أهلها، فالإعراب على المعنى يُجيز أن يذهب تأنيثُ (اثنتي عشرة) إلى ما يُفهم من معنى الكلام؛ وهو فرقة أو أمة. . أو غيرهما، ودليل ذلك (أممًا) التي جاءت بعد ذلك، كما جاء في بيت النواح الكلابي: (وإن كلابًا هذه عشر أبطن. . .). وأما أسباطًا؛ فإن كانت تمييزًا فهي بمعنى المفرد للدلالة على جمع مخصوص كدلالة الأنصار على قبيلة أو جماعة أو فرقة ما، أو هي وصف لتمييز محذوف؛ وإن كان هذا التمييز مفردًا فيجوز وصفه بالجمع كما في بيت عنترة: (فيها اثنتان وأربعون حلوبة. . سودًا. . .)، وقد تكون (أسباطًا) بدلًا من (اثنتي عشرة)، أو يكون هناك تقديم وتأخير والتقدير: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة. وقريب من ذلك ما جاء في سفر العدد ٢٩/ ١٣ من كتابهم: (أربعة عشر حملًا حوليًا صحاح) بجمع صحاح على أساس أنها تابعة لأربعة عشر لا لحملًا حوليًا، وإلا لقال:

стр. 6787

أربعة عشر حملًا حولًا صحيحًا، مثلما فعل في سائر المواضع الأخرى من نفس الفصل. ومثله ما جاء في سفر الأيام الثاني ١٣/ ١٧ من أنه قد: (سقط قتلى من بني إسرائيل خمسمائة ألف رجل منتخبون) بدلًا من: خمسمائة ألف رجل منتخب بالإفراد والجر لا بصيغة جمع المذكر السالم. ومثل الآية القرآنية بالضبط ما جاء قبل ذلك في الفقرة الثالثة من نفس الفصل من أن يربعام قد صاف أبيًا (بثمانمائة ألف منتخبين من جبابرة البأس، وما جاء في ١١/ ١٧ من السفر نفسه من أنه كان مع ألياداع (مائتا ألف مسلحون بالقسي والتروس ومع يوزاباد (مائة وثمانون ألفًا متجردون للحرب. .) إلخ. * * *

стр. 6788

٦ - شبهة: عودة الجمع على مثنى . نص الشبهة: جاء في سورة الحج الآية (١٩): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ والقياس أن يثنى الضمير العائد على المثنى فيقول: خصمان اختصما في ربهما. وهناك عدة آيات يُظَنُّ أنها خلطت بين المثنى والجمع، فأرجعت حديث الجمع على المثنى؛ منها: - ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء: ١١). - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨). - ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: ٨٣). - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ (الأنبياء: ٧٨). - ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ (الشعراء: ١٥). - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ (ص: ٢١ - ٢٤). - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩). - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الرد الإجمالي أن عامة الآيات التي جاء بها كلام يفيد الجمع وظاهر اللفظ أنه يعود على مثنى، إما أنها تعود بالفِعْلِ عَلَى جَمْعٍ وهذا واضح من سياقها، وقد أيَّدَ ذلك سبب نزول الآية أو ما ورد من الأخبار الصحيحة وغير ذلك، وإما أن اللفظة المستخدمة تقع على المفرد والمثنى والجمع مذكرًا ومؤنثًا سواء بسواء، وإما أن اللفظة وهي مثنى مفردها يفيد الجمع ولذا

стр. 6789

صح الإخبار عنهما بالجمع. الوجه الثاني: الرد التفصيلي على كل آية . وبيان ذلك ما يأتي: - آية النساء: عن ابن عباس ﵄ أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ فقال: "إن الأخوين لا يردَّان الأم عن الثلث" قال اللَّه : ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة! "، فقال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. (١) قال ابن العربي: يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ؟ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَحْنُ فَعَلْنَا؛ وَتُرِيدُ الْقَائِل لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وَقَالَ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. وَقَالَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. وَقَالَ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وَقَالَ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ؛ وَقيلَ: عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ. قَالَ: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ. وَقَالَ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وَهُمَا طَرَفَانِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَكَانَ وَاحِدًا. وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ سَائِغٌ. (٢) - آية المائدة، وكذلك آية التحريم:

стр. 6790

قال سيبويه: باب ما لفظ به مما هو مثنًّى كما لفظ بالجمع. وهو أن يكون الشيئان كلُّ واحد منهما بعض شيء مفردٍ من صاحبه، وذلك قولك: ما أحسن رءوسهما، وأحسن عواليهما، وقال : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فرقوا بين المثنى الذي هو شيءٌ على حدةٍ وبين ذا. وقال الخليل: نظيره قولك: فعلنا، وأنتما اثنان فتكلم به كما تكلم به وأنتم ثلاثة، وقد قالت العرب في الشيئين اللذين كل واحد منهما اسمٌ على حدة وليس واحدٌ منهما بعض شيء كما قالوا في ذا؛ لأن التثنية جمعٌ، فقالوا كما قالوا: فعلنا. وزعم يونس أنهم يقولون: ضع رحالهما وغلمانهما، وإنما هما اثنان. قال اللَّه ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ (ص: ٢١ - ٢٤)، وقال ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ (الشعراء: ١٥). وزعم يونس أنهم يقولون: ضربت رأسيهما. وزعم أنه سمع ذلك من رؤبة أيضًا، أجروه على القياس، قال هميان بن قحافة: ومهمهين قذفين مرتين (١) ... ظهراهما مثل ظهور الترسين وقال الفرزدق: هما نفثا في فيَّ من فمويهما ... على الناب العاوي أشد رجَامِ وقال أيضًا: بما في فؤادَينا الشوق والهوى ... فيجبر منهاض الفؤاد المشعف (٢) ومن سنن العرب إذا ذكرت اثنين أن تجريهما مجرى الجمع كما تقول عند ذكر العمرين

стр. 6791

والحسنين: كرم اللَّه وجوههما. (١) وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأنّ كل شيء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربًا، وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين في الإنسان: اليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذُهِبَ بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية. (٢) واعلم أن كل ما في الجسم منه شيء واحد لا ينفصل كالرأس، والأنف، والعين، واللسان، والظهر، والبطن، والقلب - فإنك إذا ضممت إليه مثله جاز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجمع؛ وهو الأكثر نحو قولك: ما أحسن رؤوسهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وإنما عبروا بالجمع والمراد التثنية من حيث إن التثنية جمع في الحقيقة، ولأنه مما لا يلبس ولا يشكل؛ لأنه قد علم أن الواحد لا يكون له إلا رأس واحد أو قلب واحد، فأرادوا الفصل بين النوعين فشبهوا هذا النوع بقولهم: نحن فعلنا، وإن كانا اثنين في التعبير عنهما بلفظ الجمع. . والوجه الثاني: التثنية على الأصل وظاهر اللفظ. والوجه الثالث: الإفراد. (٣) - آية يوسف: يعود الكلام -جميعًا- على ثلاثة هم: يوسف ﵇، وأخوه الذي اتُّهِمَ بسرقة صواع الملك، وأخوه الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ

стр. 6792

الْحَاكِمِينَ﴾ (يوسف: ٨٠) (١). - آية الأنبياء: حيث أضيف (حكم) إلى ضمير داود وسليمان ﵉ وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم. (٢) ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري (٣)، والرضي، (٤) وتقدمهما إلى القول به الفراء. (٥) وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه. (٦) والضمير في (حكمهم) يعود على أقرب مذكور وهو (القوم). (٧) - وفيما يتعلق بآية سورة الحج: أولًا: الخصمان جمعان وهذا واضح في سبب نزول الآية:

стр. 6793

عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة (أو أبو عبيدة) بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. (١) والخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان، وقوله: (هذان) للفظ، و (اختصموا) للمعنى. (٢) وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصمَا لأنهما جَمعان ليسَا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صَوَابًا، ومثله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز؛ يذهب إلى الطائفتين. (٣) فالخصمان -مؤمنون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وكافرون هم: ابنا ربيعة: شيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة- كلُّ فريق منهم به أكثر من واحد؛ لذا جاءت (اختصموا) مفيدةً الجمعَ لهذا المعنى. ثانيًا: الاثنان قد يعاملان معاملة الجميع. فإذا اعتبرنا أن (الخصمان) مثنى لفظًا؛ فإن العرب تجيز أن يصيرا كالجمع. قال سيبويه: وسألتُ الخليل ﵀ عن: ما أحسنَ وجوهَهما؟ فقال: لأن الاثنين جميعٌ، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردًا وبين ما يكون شيئًا من شيء، وقد جعلوا المفردين أيضًا جميعًا. (٤) قول اللَّه ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قد جاء بلفظ العدد الذي فوق الاثنين وكان مثل

стр. 6794

ذلك مما تقوله العرب: التقى العسكران فقتل بعضهم بعضًا. (١) ثالثًا: لفظة (خصم) هي مصدر (٢) يوصف به الجمع والواحد، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: (اختصموا) فإنها قراءة الجمهور. (٣) والوصف الذي كان في الأصل مصدرًا نحو: صوم وغور (٤). فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ قال اللَّه تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (الذاريات: ٢٤)، وقال: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ (ص: ٢١). (٥) قال أبو العباس -ثعلب-: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: كان الخصمان واسطة القلادة من الفئتين يوم بدر، والخصم يكون واحدًا ويكون جمعًا. (٦) سمى المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع وربما ثني. (٧) وقد يكون الخَصم للاثنين والجمع والمُؤنث. (٨) وقد قيل: اختصموا، وقد قال: خصمان؛ لأنهما جمعان. (٩)

стр. 6795

فلمراعاة تثنية اللفظ في الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى، ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة. (١) - آية الشعراء: قال: (اذهبا) لأن الأمر بالذهاب لاثنين هما: موسى وهارون ﵉، فلما أثبت الاستماع قال: (معكم)؛ لأنهم: موسى، وهارون ﵉، وفرعون، ومن كان حاضرًا معه، فصح عودة (معكم) عليهم جميعًا. يقولون: ذكر (معكم) بلفظ الجمع وهما اثنان؛ أجراهما مجرى الجماعة، وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. (٢) ولا يخفى ما في الإتيان بـ (معكم) من الإحاطة والشمول. - آية ص: (خصم) خرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر مئل: الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع. فالخَصْمُ يكون للاثنين والجمع والمؤنث. ومنه قول لبيد: وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الدُّخُولَ كَأَنَّهُمْ ... قُرُومٌ غَيَارَى كلَّ أزْهَرَ مُصْعَب. (٣) وأما قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية؛ فهذه الآية تدل بظاهرها على أن الخصم مفرد، ولكن الضمائر بعده تدل على خلاف ذلك. والجواب: أن الخصم في الأصل مصدر: خصمه، والعرب إذا نعتت بالمصدر أفردته وذكّرته، وعليه فالخصم يراد به الجماعة والواحد والاثنان، ويجوز جمعه وتثنيته لتناسي
следующие страницы →