← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

والحسنين: كرم اللَّه وجوههما. (١) وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأنّ كل شيء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربًا، وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين في الإنسان: اليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذُهِبَ بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية. (٢) واعلم أن كل ما في الجسم منه شيء واحد لا ينفصل كالرأس، والأنف، والعين، واللسان، والظهر، والبطن، والقلب - فإنك إذا ضممت إليه مثله جاز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجمع؛ وهو الأكثر نحو قولك: ما أحسن رؤوسهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وإنما عبروا بالجمع والمراد التثنية من حيث إن التثنية جمع في الحقيقة، ولأنه مما لا يلبس ولا يشكل؛ لأنه قد علم أن الواحد لا يكون له إلا رأس واحد أو قلب واحد، فأرادوا الفصل بين النوعين فشبهوا هذا النوع بقولهم: نحن فعلنا، وإن كانا اثنين في التعبير عنهما بلفظ الجمع. . والوجه الثاني: التثنية على الأصل وظاهر اللفظ. والوجه الثالث: الإفراد. (٣) - آية يوسف: يعود الكلام -جميعًا- على ثلاثة هم: يوسف ﵇، وأخوه الذي اتُّهِمَ بسرقة صواع الملك، وأخوه الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ

стр. 6792

الْحَاكِمِينَ﴾ (يوسف: ٨٠) (١). - آية الأنبياء: حيث أضيف (حكم) إلى ضمير داود وسليمان ﵉ وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم. (٢) ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري (٣)، والرضي، (٤) وتقدمهما إلى القول به الفراء. (٥) وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه. (٦) والضمير في (حكمهم) يعود على أقرب مذكور وهو (القوم). (٧) - وفيما يتعلق بآية سورة الحج: أولًا: الخصمان جمعان وهذا واضح في سبب نزول الآية:

стр. 6793

عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة (أو أبو عبيدة) بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. (١) والخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان، وقوله: (هذان) للفظ، و (اختصموا) للمعنى. (٢) وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصمَا لأنهما جَمعان ليسَا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صَوَابًا، ومثله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز؛ يذهب إلى الطائفتين. (٣) فالخصمان -مؤمنون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وكافرون هم: ابنا ربيعة: شيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة- كلُّ فريق منهم به أكثر من واحد؛ لذا جاءت (اختصموا) مفيدةً الجمعَ لهذا المعنى. ثانيًا: الاثنان قد يعاملان معاملة الجميع. فإذا اعتبرنا أن (الخصمان) مثنى لفظًا؛ فإن العرب تجيز أن يصيرا كالجمع. قال سيبويه: وسألتُ الخليل ﵀ عن: ما أحسنَ وجوهَهما؟ فقال: لأن الاثنين جميعٌ، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردًا وبين ما يكون شيئًا من شيء، وقد جعلوا المفردين أيضًا جميعًا. (٤) قول اللَّه ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قد جاء بلفظ العدد الذي فوق الاثنين وكان مثل

стр. 6794

ذلك مما تقوله العرب: التقى العسكران فقتل بعضهم بعضًا. (١) ثالثًا: لفظة (خصم) هي مصدر (٢) يوصف به الجمع والواحد، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: (اختصموا) فإنها قراءة الجمهور. (٣) والوصف الذي كان في الأصل مصدرًا نحو: صوم وغور (٤). فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ قال اللَّه تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (الذاريات: ٢٤)، وقال: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ (ص: ٢١). (٥) قال أبو العباس -ثعلب-: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: كان الخصمان واسطة القلادة من الفئتين يوم بدر، والخصم يكون واحدًا ويكون جمعًا. (٦) سمى المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع وربما ثني. (٧) وقد يكون الخَصم للاثنين والجمع والمُؤنث. (٨) وقد قيل: اختصموا، وقد قال: خصمان؛ لأنهما جمعان. (٩)

стр. 6795

فلمراعاة تثنية اللفظ في الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى، ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة. (١) - آية الشعراء: قال: (اذهبا) لأن الأمر بالذهاب لاثنين هما: موسى وهارون ﵉، فلما أثبت الاستماع قال: (معكم)؛ لأنهم: موسى، وهارون ﵉، وفرعون، ومن كان حاضرًا معه، فصح عودة (معكم) عليهم جميعًا. يقولون: ذكر (معكم) بلفظ الجمع وهما اثنان؛ أجراهما مجرى الجماعة، وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. (٢) ولا يخفى ما في الإتيان بـ (معكم) من الإحاطة والشمول. - آية ص: (خصم) خرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر مئل: الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع. فالخَصْمُ يكون للاثنين والجمع والمؤنث. ومنه قول لبيد: وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الدُّخُولَ كَأَنَّهُمْ ... قُرُومٌ غَيَارَى كلَّ أزْهَرَ مُصْعَب. (٣) وأما قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية؛ فهذه الآية تدل بظاهرها على أن الخصم مفرد، ولكن الضمائر بعده تدل على خلاف ذلك. والجواب: أن الخصم في الأصل مصدر: خصمه، والعرب إذا نعتت بالمصدر أفردته وذكّرته، وعليه فالخصم يراد به الجماعة والواحد والاثنان، ويجوز جمعه وتثنيته لتناسي

стр. 6796

أصله الذي هو المصدر وتنزيله منزلة الوصف، قال ابن مالك: ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا. (١) وربّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع، كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع. . ومثل ذلكَ قوله في سورة ص: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ ثم أعاد ذكرهَما بالتثنية فقال: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. (٢) ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ يعني: الملكين اللذين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، (إذ تسوروا المحراب) علوا غرفة داود ﵇ (٣). قال بعضهم: كانوا اثنين فذكر بلفظ الجماعة فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾، وقال بعضهم: كانوا جماعة، ولكنهم كانوا فريقين فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. (٤) - آية الحجرات: هذا اللفظ - (طائفتان) - مثنى غير حقيقي فهو مثنى في اللفظ جمع في المعنى. فالطائفة في الأصل الجماعة التي من شأنها الطوف في البلاد للسفر، ويجوز أن يكون أصلها الجماعة التي تستوي بها حلقة يطاف عليها، ثم كثر ذلك حتى سمي كل جماعة طائفة. (٥) قال: (إن طائفتان) ثم قال: (اقتتلوا) ولم يقل: اقتتلتا -ولو قاله لكان جائزًا- لأن كل

стр. 6797

طائفة منهما جماعه. (١) عن مجاهد في هذه الآية: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ قال: الطائفة واحد إلى الألف، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. (٢) فالعرب تحمل على اللفظ وعلى المعنى كما قال : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. ألا ترى أن الطائفتين لما كانتا في المعنى جمعًا لم يرجع الضمير إليهما مثنى، لكنه جمع على المعنى. (٣) ويجوز تثنية اسم الجمع على تأويل: فرقتين وجماعتين. . . فالمراد من تثنية الجمع تضعيفه بجعله مثلين من نوعين، فلا تدافع بين التثنية والجمع. . كما قال الشاعر: لنا إبلان فيهما ما علمتم ... فعن أيةٍ ما شئتم فتنكبوا والمشهور في الكتب: فعن أيها بتأنيث الضمير؛ على أنه راجع إلى فرقة وقطعة، وقوله: "فعن أيها" أعاد الضمير على مجموع الإبلين؛ لأنها جماعة. (٤) وإذا قالوا: إبلان فإنما يريدون قطعتين من الإبل. . أرادوا به قطعتين: قطعة في جهة، وقطعة في أخرى، أو قطعتين من الإبل والغنم، أو إبلًا موصوفة بصفة غير الإبل الأخرى لتفيد التثنية معنًى ما، والمعنى: لنا قطيعان من الإبل فيهما ما علمتم من قرى الأضياف وتحمل الغرامات، فخذوا عن أيهما ما شئتم وأردتم، فإنها مباحةٌ غير ممنوعة. (٥)

стр. 6798

- آية التحريم: قال السيوطي: ومن سنن العرب ذكرُ الجمع والمراد واحد أو اثنان؛ قال تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ "والمراد واحد، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ والمنادى واحد، "بِمَ يَرْجِع المُرْسلون" وهو واحد؛ بدليل ارجع إليهم، "فقد صَغَتْ قلوبكما" وهما قلبان. (١) فالعرب تكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد. (٢) والأكثر في كلامهم إخراج مثل هذا -أي: المثنى- (٣) إلى الجمع كراهةً لاجتماع تثنيتين في اسمٍ واحد؛ لأن المضاف إليه من تمام المضاف، مع ما في التثنية من معنى الجمع، وأن المعنى لا يشكل، ولذلك قال: مثل ظهور الترسين، فجمع الظهر. (٤) ويمكن أن يجاب عنه -أي: الجمع (قلوب) المسند إلى المثنى (هما) - بأن الخطاب وإن كان مع اثنين وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة مجازًا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ذلك فيجب حمل قوله: (قلوبكما) على جهة لفظ الجمع على الاثنين حقيقة ويمكن أن يقال: إنما قال: (قلوبكما) تجوزًا حذرًا من استثقال الجمع بين تثنيتين. (٥) * * *

стр. 6799

٧ - شبهة: أتى باسم الموصول العائد على الجمع مفردًا . نص الشبهة: جاء في سورة التوبة: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (التوبة: ٦٩)، والقياس أن يجمع الاسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: خضتم كالذين خاضوا. والرد من وجوه: الوجه الأول: (الذي) و (أن) المصدرية يتقارضان (أي: يتبادلان)، فتقع (الذي) مصدرية (ينسبك منها مع ما بعدها مصدر) كقوله (من الطويل) وهو جميل بثينة: أتقرَحُ أكبادُ المحبّينَ كالذي ... أرى كبِدي منْ حُبِّ ميّةَ تقرَحُ (١) والشاهد قوله: كالذي أرى - يريد: كرؤية كبدي. ووقوع الذي مصدرية قال به يونُس والفرّاء والفارسيّ، وارتضاه ابن خروف وابن مالك، وجعلوا منه: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ (الشورى: ٢٣)، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾. (٢) وعليه فيكون المعنى في قوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ يريد: كخوضهم الذي خاضوا. (٣) فـ (الذي) صفة مصدر محذوف دل عليه الفعل. (٤) فيكون التقدير: كالفوج الذي خاضوا، وكالخوض الذي خاضوه. (٥) الوجه الثاني: المعنى: كالذي يعني: كالذين خاضوا، وذلك أن (الذي) اسم ناقص مثل (ما) و (من) يعبر به عن الواحد والجميع، نظيره قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ثم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾. (٦)

стр. 6800

الوجه الثالث . أن (الّذِي) جنس؛ والتقدير: خوضًا كخوض الذين خاضوا، وقد ذكر مثله في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. (١) * * *

стр. 6801

٨ - شبهة: جزم الفعل المعطوف على المنصوب نص الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ (المنافقون: ١٠). والشبهة عندهم قوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ﴾ وهو فعل معتل الوسط بالواو (أجوف) ولا تحذف الواو منه إلا إذا سكن آخره، ولا يسكن آخره إلا إذا كان مجزومًا، ويجزم المضارع إذا دخل عليه جازم أو عطف على مجزوم، ولم يحدث هذا هنا وإنما عطف الفعل على فعل منصوب فكان يجب أن ينصب هذا الفعل فيقال: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾. والرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: وردت القراءة الصحيحة بالنصب والجزم . قال ابن مجاهد: قرأ أبو عمرو "وأكونَ" بواو. (١) وقال مكي بن أبي طالب: قرأ أبو عمرو بالنصب وإثبات الواو قبل النون، وقرأ الباقون بالجزم وحذف الواو. (٢) وقال أبو جعفر النحاس: قرأ الحسن وابن محيصن وأبو عمرو وأكون بالنصب عطفا على ما بعد الفاء، وقد حكي أنّ ذلك في قراءة أبيّ وابن مسعود كذا. (٣) فلم تكن هذه القراءة هي الوحيدة في جزم الفعل: "أكن". وحجة من نصب أنه عطفه على لفظ (فأصدق)؛ لأن (فأصدق) منصوب بإضمار (أن)؛ لأنه جواب التمني، فهو محمول على مصدر (أخرتني). الوجه الثاني: هذا باب واسع في العربية . وقد بوب ابن جني (فصل في العمل على المعنى) (٤)؛ يقول:

стр. 6802

اعلم أن هذا الشرْج (١) غور من العربية بعيد ومذهب نازح فسيح، قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا، كتأنيث المذكر، وتذكير المؤنث، وتصور معنى الواحد في الجماعة، والجماعة في الواحد، وفي حمل الثاني على لفظ قد يكون عليه الأول أصلا كان ذلك اللفظ أو فرعا وغير ذلك. . . والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدًّا. . . ومن ذلك قوله: بدا لي أنى لستُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا (٢) لأن هذا موضع يحسن فيه لست بمدرك ما مضى ومنه قوله سبحانه: (فأصدَّقَ وأكنْ)، وقوله: فأبلوني بليَّتكم لعَلِّى ... أصالحكم وأستدرجْ نَويّا (٣) حتى كأنه قال: أصالحْكم وأستدرجْ نويا. (٤) الوجه الثالث: توجيه جزم الفعل عطفا على المنصوب . قال سيبويه: وسألت الخيل عن قوله : ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقال: هذا كقول زهير: بدا لي أنّي لست مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا فإنَّما جرّوا هذا؛ لأنَّ الأوّل قد يدخله الباء (وهو قوله: مدرك)، فجاءوا بالثاني (وهو

стр. 6803

قوله: سابق) وكأنَّهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله قد يكون جزمًا ولا فاء فيه تكلّموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا توهموا هذا. (١) وكذلك وجَّه الإمام الزمخشري مجيء الفعل: "وأكن" مجزومًا مردوفًا على الفعل المنصوب "فأصدق" (٢) بأن قوله تعالى: "لولا أخرتني. . " في محل جزم لتضمنه معنى الشرط، فكأنه قيل: إن أخرتني أصدقْ وأكنْ من الصالحين. قال الزمخشري: وقُرِئَ: "وأكنْ"، عطفًا على محل: (فَأَصَّدَّقَ) كأنه قيل: إِنْ أخرتني أصدَّقْ وأكنْ، ومن قرأ: "وأكونَ" على النصب فعلى اللفظ، وقرأ عبيد بن عمير: "وأكونُ"، على: "وأنا أكونُ" عِدَةٌ منه بالصلاح. (٣) فالعطف على المحل المجزوم بالشرط المفهوم مما قبله جائز عند العرب، ولو لم تكن الفاء لكانت كلمة: (أصدق) مجزومة، فجاز العطف على موضع الفاء. قال الفرَّاءُ: يقال: كيف جزم: (وأكن)، وهى مردودة على فعل منصوب؟ فالجواب في ذلك: أن -الفاء- لو لم تكن في أصدق كانت مجزومة، فلما رددت (وأكنْ) - ردّت على تأويل الفعل لو لم تكن فيه الفاء، ومَن أثبت الواو ردَّه على الفعل الظاهر فنصبه، وهى في قراءة عبد اللَّه، "وأكونَ من الصالحين". وَقد يجوز نصبها في قراءتنا، وإن لم تكن فيها الواو؛ لأن العربَ قد تسقط الواو في بعض الهجاء، كما أسقطوا الألف من سليمن وأشباهه، ورأيت في بعض مصاحف عبد اللَّه: (فقولا): فقلا بغير واو. (٤) فالتوجيه بأن هذا الفعل مجزوم على تضمن عبارة التمني: "لولا أخرتني إلى أجل

стр. 6804

قريب "أو على الشرط المقدر بـ "إن أخرتني" هو توجيه سديد، وقد سبق إلى القول به علمان من أئمة النحو، هما الخليل وسيبويه. والذي سوَّغ إيثار عبارة التمني: "لولا أخرتني" على الشرط الصريح "إن أخرتني" - أن قائل هذه العبارة يقولها في ساعة يملكه فيها اليأس من التأخير وهى ساعة حضور الموت، والتمني كما نعلم يستعمل في طلب المحال أو المتعذر، أما الشرط فيستعمل في الأمور التي لا استحالة فيها ولا تعذر. فهو إذن من تبادل الصيغ وإحلال بعضها محل بعض لداعٍ بلاغيِّ، وقرين إرادة الشرط من عبارة التمني هو جزم الفعل: "أكن" وسره البلاغي أن من حضرته الوفاة وهو مقصر في طاعة اللَّه تدفعه شدة الحاجة التي نزلت به إلى طمعٍ من نوع ما هو مستحيل أو متعذر الوقوع، ومما تقدم يظهر لنا استقامة العبارة القرآنية وبُعْدُها عن كل خلل، ووفاؤُها بالمعنى المراد نحوًا وبيانًا. * * *

стр. 6805

٩ - شبهة: جعل العائد على المفرد جمعًا . نص الشبهة: جاء في السورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: ١٧)، والقياس أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفردًا، فيقول: (ذهب اللَّه بنوره). والرد على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول إن (الذي) في جمعها لغتان: (الذين) في الرفع والنصب والجر، و (الذي) بحذف النون؛ كما في قول أشهب بن رُمَيلَة: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد (١) قال ابن يعيش: الشاهد في البيت رُميله هو حذف النون من الذين استخفافًا على ما تقدم، والذي يدل على أنه أراد الجمع قوله: (دماؤهم)، فعود الضمير من الصلة بلفظ الجمع يدل على أنه أراد الجمع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، والمراد: الذين، لقوله: خاضوا. (٢) قال الزمخشري: إن العرب لاستطالة الاسم الموصول بصلته مَعَ كَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ خَفَّفُوه من غير وجه، فقالوا: اللذِ بحذف الياء، ثم اللذ بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزؤا عنه بالحرف الملتبس به وهو لام التعريف، وقد فعلوا ذلك بمؤنثه؛ فقالوا: (اللتِ واللت والضاربته هند)؛ بمعنى: التي ضربته هند، وقد حذفوا النون من مثناه ومجموعه؛ قال الفرزدق: أبني كليب إن عمَّيَّ اللذا ... قتلا اللوك وفكاكا الأغلالًا (٣) ولفظة الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها وقد تقرر في علم الأصول أن

стр. 6806

الأسماء الموصولة كلها من صيغ العموم. (١) فإذا حققت ذلك: فاعلم أن إفراد الضمير باعتبار لفظة الذي، وجمعه باعتبار معناها؛ ولهذا المعنى جرى على ألسنة العلماء أن الذي تأتي بمعنى الذين، ومن أمثلة ذلك في القرآن هذه الآية الكريمة، فقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أي: كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: كالذين ينفقون بدليل قوله إِلَيْكَ ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾، وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ بناء على الصحيح من أن الذي فيها موصولة لا مصدرية وفي كلام العرب قول الراجز: يارب عبس لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا في من قعد إلا الذي قاموا بأطراف المسد. (٢) الوجه الثاني قد تُحذف النون من اسم الموصول (الذين)، كما قال أشهب بن رُمَيْلَة: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد (٣) يعني: الذين. (٤) ويجوز في هذا أن يكون مفردًا وُصف به مقدرٌ مفردُ اللفظِ مجموعُ المعنى؛ أي: وإن الجمع الذي، أو: إن الجيش الذي. (٥)

стр. 6807

ويجوز في التشبيه أن يشبه المفرد بالجمع والبسيط بالمركب على سبيل التجريد لتوضيح الحال. وكلًا من الترشيح والتجريد مشتمل على مبالغة في التشبيه. .، وما يجري من الترشيح والتجريد في المجاز المفرد يجري في التمثيل فمثال التجريد فيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فإن جمع الضمير مراعاة للمشبه لا للمشبه به؛ لأنه مفرد. (١) الوجه الثالث: إنما ضرب المثل -واللَّه أعلم- للفعل لا للأعيان، وإنما هو مثل للنفاق، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ولم يقل: (الذين استوقدوا)، وهو كما قال اللَّه: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (الأحزاب: ١٩)، وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (لقمان: ٢٨)، فالمعنى -واللَّه أعلم-: إلا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعًا كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: ٤)؛ أراد القِيَمَ والأجسام، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ (الحاقة: ٧) فكان مجموعًا، إذا أراد تشبيه أعيان الرجال فأجز الكلام على هذا، وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدًا في شعر فأجزه، وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعًا في شعر فهو أيضًا يراد به الفعل فأجزه؛ كقولك: ما فعلك إلا كفعل الحمير، وما أفعالكم إلا كفعل الذئب، فابن على هذا، ثم تلقى الفعل فتقول: ما فعلك إلا كالحمير وكالذئب، وإنما قال اللَّه : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى: ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا؛ كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾. (٢) ومعناه: تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد، فإنما جاز لأن المرادَ من الخبر عن

стр. 6808

مَثَل المنافقين الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة، وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر، والاستضاءَةُ -وإن اختلفت أشخاصُ أهلها- معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة، فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد من الأشياء المختلفة الأشخاص، وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار باللَّه وبمحمد ﷺ وبما جاء به قولًا وهُم به مكذبون اعتقادًا كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا، ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة: وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ ... خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (١) يريد: كخلالة أبي مَرْحب، فأسقط "خلالة"، إذ كان فيما أُظهرَ من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه، فكذلك القول في آية البقرة؛ لما كان معلومًا عند سامعيه بما أُظهرَ من الكلام أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُنَ حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله، والمقصود بالمثل ما ذكرنا، فلما وَصَفنا جاز وحَسُنَ قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى. (٢) وقيل: إنما وحد (الذي) و (استوقد)؛ لأن المستوقد كان واحدًا من جماعة تولى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال: (بنورهم). (٣) استعير المثل استعارة الأسد للمقدام للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارًا. . على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد؛ إنما شبهت

стр. 6809

قصتهم بقصة المستوقد. (١) الوجه الرابع: التوجيه البلاغي . والتشبيه في الآية من قبيل تشبيه المفرد بالمركب. فالتشبيه مستدعٍ طرفين: مشبهًا ومشبهًا به، واشتراكًا بينهما من وجه وافتراقًا من آخر؛ مثل أن يشتركا في الحقيقة ويختلفا في الصفة أو بالعكس. تفصيل الكلام في مضمونه وهو: طرفا التشبيه، ووجه التشبيه، والغرض في التشبيه، وأحوال التشبيه ككونه قريبًا أو غريبًا مقبولًا أو مردودًا. ووجه التشبيه إما أن يكون أمرًا واحدًا، أو غير واحد؛ وغير الواحد إما أن يكون في حكم الواحد لكونه إما حقيقة ملتئمة، وإما أوصافًا مقصودًا من مجموعها على هيئة واحدة، أو لا يكون في حكم الواحد، فهذه أقسام ثلاثة. واعلم أن التشبيه متى كان وجهه وصفًا غير حقيقي وكان منتزعًا من عدة أمور خص باسم التمثيل كالذي في قوله: اصبر على مضض الحسود ... فإن صبرك قاتله فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته بالنار التي لا تُمد بالحطب فيسرع فيها الفناء - ليس إلا في أمر متوهم له، وهو ما تتوهم إذا لم تأخذ معه في المقاولة مع علمك بتطلبه إياها عسى أن يتوصل بها على نفثة مصدور من قيامه إذ ذاك مقام أن تمنعه ما يمد حياته ليسرع فيه الهلاك، وأنه كما ترى منتزع من عدة أمور، وكالذي في قوله: وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يُسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقًا ناضرًا ... بعد الذي أبصرت من يبسه فإن تشبيه المؤدب في صباه بالعود السقي، أو أن الغرس المونق بأوراقه ونضرته ليس

стр. 6810

إلا فيما يلازم كونه مهذب الأخلاق مرضي السيرة حميد الفعال لتأدية المطلوب بسبب التأديب المصادف وقته من تمام الميل إليه وكمال استحسان حاله، وأنه كما ترى أمر تصوري لا صفة حقيقية، وهو مع ذلك منتزع من عدة أمور كالذي من قوله عز -من قائل-: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ فإن وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع على تسني مطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب، وأنه أمر تَوَهُّمِي كما ترى منتزع من أمور جمة، وكالذي في قوله تعالى أيضًا: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وأصل النظم: أو كمثل ذوي صيب فحذف ذوي لدلالة يجعلون أصابعهم في آذانهم عليه، وحذف مثل لما دل عليه عطفه على قوله: كمثل الذي استوقد نارًا إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين مثل المستوقدين وهو صفتهم العجيبة الشأن وبين ذوات ذوي الصيب إنما التشبيه بين صفة أولئك وبين صفة هؤلاء. (١) * * *

стр. 6811

١٠ - شبهة: أتى بضمير فاعل مع وجود فاعل . نص الشبهة: جاء في سورة الأنبياء: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (الأنبياء: ٣)، والقياس حذف ضمير الفاعل في (أَسَرُّوا) لوجود الفاعل ظاهرًا وهو (الَّذِينَ). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ورد في (الذين) عدة أعاريب تبين أنها لم تأتِ فاعلًا . الإعراب الأول: الرفع، وله عدة تأويلات: الأول: قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فإنما يجيء على البدل، وكأنه قال: انطلقوا فقيل له: من؟ قال: بنو فلان، فقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على هذا فيما زعم يونس. (١) والمعنى المقصود من ذلك: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في موضع رفع بدلًا من الواو من (أَسَرُّوا) ومبينًا عن معنى الواو، والمعنى: إلا استمعوه وهم يلعبون وأسروا النجوى، ثم بين من هم هؤلاء، فكان بدلًا من الواو. (٢) الثاني: وقيل: على حذف القول، التقدير: يقول الذين ظلموا، وحذف القول، مثل: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الرعد: ٢٣ - ٢٤). واختار هذا القول النحاس؛ قال: والدليل على صحة هذا الجواب أنَّ بعده: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (الأنبياء: ٣) (٣). الثالث: ويجوز أن يكون رفعًا على الذم؛ على معنى: هم الذين ظلموا. (٤) أي: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هم".

стр. 6812

الرابع: أو على أن (الذين) مبتدأ، (أَسَرُّوا النَّجْوَى) خبره؛ قاله الكسائي، فقدّم عليه، والمعنى: وهؤلاء (أَسَرُّوا النَّجْوَى)، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلًا على فعلهم أنه ظلم. (١) الخامس: وأجاز الأخفش (٢) الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهو حسن، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٧١)، وقال الشاعر: بك نال النضال دون المساعي ... فاهتدين النبال للأغراض (٣) وقال آخر: ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه (٤) السادس: وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير؛ مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. (٥) الإعراب الثاني: ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: أعني الذين ظلموا. (٦) مفعول به لفعل محذوف تقديره: "أعني". الإعراب الثالث: وأجاز الفراء أن يكون خفضًا بمعنى: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، ولا يوقف على هذا الوجه على (النَّجْوَى). (٧) الوجه الثاني: الواو في (أسروا) ليست فاعلًا لكنها علامة للجمع . قال سيبوية: اعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومُك، وضرباني أخواك، فشبّهوا هذا بالتاء التي يُظهرونها في قالت فُلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً

стр. 6813

كما جعلوا للمؤنّث، وهي قليلة؛ قال الشاعر وهو الفرزدق: ولكنْ دِيافيٌّ أبوه وأمُّه ... بحَورانَ يعصِرنَ السّليطَ أقاربُهْ. (١) وتزاد الواو في الفعل علامة للجمع والضمير نحو: الرجال يقومون ويقعدون، وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في قول بعض العرب: أكلوني البراغيث، وعلى هذا أحد وجهي ما تأولت عليه الآية: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيمن لم يجعل في (أَسَرُّوا) ضميرًا، ومثل ذلك سواء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٧١)، وقال الشاعر: يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلُّهم أَلْوَمُ. (٢) الوجه الثالث: (الذين ظلموا) تفسير للضمير في (أسروا) . الإضمار على شريطة التفسير: وذلك مثلُ قولِهم: أكرمَني وأكرمتُ عبد اللَّه. أردتَ: أكرَمني عبدُ اللَّه وأكرمتُ عبد اللَّه، ثم تركتَ ذكرَه في الأوّل استغناءً بذكره في الثاني. . (٣) وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتي بالضمير أولًا ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه، ومن أمثلته شعرًا قول الشاعر: هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذارِ من بطشي وفتكي ولا يغرُركمُ منى ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي وتخريج الآية على هذا الأسلوب سائغ، فقد أتى بالضمير أولًا (وَأَسَرُّوا) ثم فسره ثانيًا بـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا). وبلاغة هذا الأسلوب هي تحريك الشعور، وتشويق النفس إلى عقبى الكلام كيف

стр. 6814

تكون، فيتمكن المعنى في النفوس كل التمكن؛ لأن النفس إذا ظفرت بالشيء بعد انتظاره استقر ذلك الشيء فيها. الوجه الرابع: التوجيه البلاغي . إن في أساليب علم المعاني، وهو أحد علوم البلاغة الثلاثة (المعاني - البيان - البديع) ما يسميه البلاغيون بـ "الاستئناف البياني"، وضابط هذا الأسلوب أن تتقدم جملة من الكلام تثير في ذهن السامع تساؤلًا لطيفًا يدب في نفسه فتأتى جملة أخرى تجيب على ذلك التساؤل، الذي ليس له صورة في الكلام، ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ (الحجر: ٦٦)، فجملة ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ جواب على سؤال تقديره: ما هو ذلك الأمر الذي قضاه اللَّه، فالآية جرت على نسق الاستئناف البياني؛ لأن جملة (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) تثير في النفس التساؤل: مَنْ هم هؤلاء؟ فكان الجواب: (الَّذِينَ ظَلَمُوا). * * *

стр. 6815

١١ - شبهة: أتى بضمير المفرد للعائد على المثنى . نص الشبهة: جاء في سورة التوبة الآية ٦٢: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾، فلماذا لم يُثَنَّ الضمير العائد على الاثنين: لفظ الجلالة (اللَّه)، ورسوله؛ فيقول: أن يرضوهما؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: العرب ينسبون الفعل لأحد اثنين وهو لكليهما . قال ابن الجوزي: (١) العرب ينسبون الفعل إلى اثنين وهو لأحدهما: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (الكهف: ٦١)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ (الرحمن: ٢٢)، وينسبون الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (الجمعة: ١١)، وينسبون الفعل إلى جماعة وهو لواحد: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ (البقرة: ٧٢). نسبة الفعل إلى أَحد اثنين وهو لهما: قال الشاعر (وهو حسان بن ثابت): إنَّ شَرْخَ الشباب والشَّعرَ الأسودَ ... ما لم يُعاصَ كان جنونا. (٢) وقال آخر: نحنُ بما عندَنا وأنت بما عندكَ ... راضٍ والرأيُ مختلِفُ. (٣) قال الفراء: وحَّدَ (يرضوه) ولم يقل: يرضوهما؛ لأن المعنى -واللَّه أعلم- بمنزلة قولك: ما شاء اللَّه وشئتُ؛ إنما يقصد بالمشيئة قصدُ الثاني، وقوله: (ما شاء اللَّه) تعظيم للَّه

стр. 6816

مقدّم قبل الأفاعيل؛ كما تقول لعبدك: قد أعتقك اللَّه وأعتقتُك. (١) ومن سنن العرب أن تقول: رأيت عمرًا وزيدًا وسلّمت عليه؛ أي: عليهما، قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وتقدير الكلام: ولا ينفقونهما في سبيل اللَّه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ وتقديره: انفضوا إليهما، وقال ﷻ : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ والمراد: أن يرضوهما. (٢) والمقصود: أن يرضوا أحدهما؛ لأن إرضاء أحدهما إرضاء للآخر. وقد يُذْكَر شيئان ويعاد الضمير إلى أحدهما والغالب كونه الثاني نحو: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ (البقرة: ٤٥)، فأعيد الضمير للصلاة، وقيل: للاستعانة المفهومة من استعينوا، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ (يونس: ٥)، أي: القمر؛ لأنه الذي يعلم به الشهور. (٣) وإنما وَحَّد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا اللَّه ورضا رسوله ﷺ ، فكانا في حكم مرضيّ واحد؛ كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني، أو: واللَّه أحقّ أن يرضوه، ورسوله كذلك. (٤) هذا وتوحيد الضمير في الآية للدلالة على أن المقصود إرضاء الرسول، وأنَّ ذكرَ اللَّه للإِشعار بأن الرسول من اللَّه بمنزلة عظيمة واختصاص قوي حتى سرى الإرضاء منه إليه. (٥) واللغة العربية يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله. . . كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾، ومن

стр. 6817

أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ (الأنفال: ٢٠)، ونظيره من كلام العرب قول نابغة ذبيان: وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لَاهِيَيْنِ بها ... وَالدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإِمْرارِ. (١) الوجه الثاني: هناك حذف في الآية، والحذف من الإيجاز والبلاغة . وقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل: يرضوهما؛ لأن المعنى يدل عليه فحذف تخفيفًا، والمعنى: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. قال الفراء: وإن شئت أردت: يرضوهما فاكتفيت بواحد؛ كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف ولم يقل: راضون. (٢) قال الرضي: ويجوز: زيد وعمرو قام؛ على حذف الخبر من الأول اكتفاء بخبر الثاني، وكذا يجوز: زيد قام وعمرو على حذف الخبر من الثاني اكتفاء بخبر الأول أي: وعمرو كذلك، وفي الموضعين: ليس المبتدأ وحده عطفًا على المبتدأ إذ لو كان كذلك لقلت: قاما. (٣) وقد يكون في الكلام حذف؛ قال ابن عطية: مذهب سيبويه أنهما جملتان، حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده: واللَّه أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه. (٤) إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولًا أو ثانيًا فكونه ثانيًا أولى، ومن ثم رجح أن

стр. 6818

المحذوف في نحو: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أن المحذوف خبر الثاني لا الأول. قال سيبويه: فوضع في موضع الخبر لفظ الواحد؛ لأنه قد علم أن المخاطب سيستدل به على أن الآخرين في هذه الصفة. (١) وكان الوجه أن يجيء: يرضوهما، ولكنه أفرد على تقدير: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف الخبر من الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أولى من أن يجعل المحذوف خبر الثاني لما فيه من التفريق بين المبتدأ وخبره، ولأن في ذلك التقدير جعل الخبر للأقرب إليه. وإضمار الخبر على أنواع: منها أن يضمر الخبر لتقدم ذكره؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، والتقدير: واللَّه أحق أن ترضوه ورسوله أحق أن يرضوه، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: ٣)، أي: ورسوله برئ من المشركين. (٢) قال ابن عاشور: أفرد الضمير في قوله: (أَن يُرْضُوهُ) مع أن المعاد اثنان لأنه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس، وحذف الخبر إيجاز، ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين. (٣)

стр. 6819

الوجه الثالث: هناك تقديم وتأخير . ومذهب المبرد: أنّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله، وقيل: الضمير عائد على المذكور كما قال رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق. (١) وَيلْزَمُ المبردَ من قوله أن يجوز: ما شاء اللَّه وشئت -بالواو-؛ لأنه يجعل الكلام جملة واحدة، وقد نُهِيَ عن ذلك إلا بثم. (٢) ويمكن أن نجمل القول فيما يلي: قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ صح عن العرب بالشواهد الصحيحة عودة المفرد على المثنى؛ إما لأنهم يدخلون الاثنين في حكمٍ واحدٍ، أو أنهم يجعلون الكلام يرجع إلى أحدهما؛ ومن ثَمَّ يعود على الآخر معه. ومذهب سيبويه أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها تقديره عنده: واللَّه أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف: أن يرضوه الأول لدلالة الثاني، فالهاء على قوله في يرضوه تعود على الرسول ﵇. وقال المبرد: لا حذف في الكلام؛ لكن فيه تقديم وتأخير تقديره عنده: واللَّه أحق أن يرضوه ورسوله فالهاء في يرضوه عند المبرد تعود على اللَّه -جل ثناؤه-. وقال الفراء: المعنى: ورسوله أحق أن يرضوه، و (اللَّه) افتتاح كلام. ويلزم المبرد من قوله أن يجوز: ما شاء اللَّه وشئت بالواو؛ لأنه يجعل الكلام جملة واحدة وقد نُهِيَ عن ذلك إلا بثم، ولا يلزم سيبويه ذلك؛ لأنه يجعل الكلام جملتين فقول سيبويه هو المختار في الآية. (٣) * * *

стр. 6820

١٢ - شبهة: جمع اسم علم حيث يجب إفراده . نص الشبهة: جاء في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٢٣). ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: ١٣٠) قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن إلياس المفرد. وجاء في سورة التين: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: ٢) قال: (سِينِينَ) بالجمع عن سيناء المفرد، فلماذا جاء بالجمع؟ ومن الخطأ لغويًا تغيير اسم العلم للسجع المتكلف. والرد من وجوه: الوجه الأول: إثبات القراءات الواردة في هذا الاسم . قال قوله: (إلْ ياسين) قرأه نافعٌ وابنُ عامر بالمد في (إل) وفتح الهمزة وكسر اللام فتكون (آلِ)، وقرأ الباقون بغير مد وإسكان اللام وكسر الهمزة (إِلْ). وحجة من مده وفتح الهمزة أنه لما رآها في المصحف منفصلة من (ياسين) استدل على أن (أل) كلمة و (ياسين) كلمة؛ أُضيف (أل) إلى (ياسين)، فـ (ياسين) اسم أُضيف إليه (أل) فهو اسم نبيّ، فسُلِّم على أهله لأجله، فهو داخل في السلام أي: من أجله سُلِّم على أهله، وأهله أهل دينه ومن اتبعه ومن آمن به، وكذلك آل محمد ﷺ . وحجة من كسر الهمزة ولم يمدّ (إل) أنه جعله اسمًا واحدًا جمعًا منسوبًا إلى (إلياس) فيكون السلام واقعًا على من نسب إلى (إلياس) النبي ﵇، والسلام في القراءة الأولى واقع على النبي المرسل إليهم الذي اسمه (ياسين). و(إلياس وإلياسين) بمعنًى، تأتي الأسماء الأعجمية بلفظين وأكثر؛ ومنه قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: ٢٠) وقال: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: ٢)، فهو كما قال: ﴿مِيكَالَ﴾ (البقرة: ٩٨) و (ميكائيل) فكان الأصل (سلام على إلياسين). (١) قال الشاطبي في منظومته:

стр. 6821

وَمَاذَا تُرِى بِالضَّمِّ وَالْكَسْر (شَائِعٌ) ... وإِلْيَاسَ حَذْفُ الْهَمْزِ بِالْخُلْفِ (مُـ) ـثِّلَا (١) قال أبو شامة المقدسي: وإلياس سرياني تكلمت به العرب على وجوه كما فعلوا في جبريل وميكال فقالوا: إلياسين كجبرائيل، وإلياس كإسحاق، ووصلوا همزته كأنه في الأصل ياس دخلته آلة التعريف، وموضع هذا الخلاف -وإن إلياس- وصل همزته ابن ذكوان وقطعها غيره. وَغَيْرُ (صِحَابٍ) رَفْعُهُ اللَّه رَبَّكُمْ ... وَرَبَّ وَإِلْياسِينَ بِالْكَسْرِ وُصِّلَا وأما (سلام على إلياسين) فكسر همزتها وقصرها وأسكن كسر لامها من ذكره في قوله: مَعَ الْقَصْرِ مَعْ إِسْكَانِ كَسْرٍ (دَ) نَ ا ... (غِـ) ـنًى وَإِنّي وَذُو الثُّنْيَا وَأَنِّي اجْمِلَا عنى بالقصر حذف المد بين الهمزة المفتوحة واللام المكسورة فقرأ مدلول قوله: دنا غنا على ما لفظ به في البيت السابق، وغنا في موضع نصب على التمييز أو الحال أي دنا غناه أو ذا غناء؛ لأن هذه القراءة استغنت بوضوحها عن تأويل القراءة الأخرى، لأن هذا لغة في اسم إلياس على ما سبق، وقرأه نافع وابن عامر -آل ياسين- كما جاء -آل عمران- وكتبت كذا مفصولة في المصحف كأن اسمه يس على وزن ميكال، فيكون اسمه جاء في القرآن بأربع لغات، وكذا سبق في قراءة اسم جبريل؛ وهي: إلياس بقطع الهمزة، ووصلها، وياسين، وإلياسين، وتكون القراءتان قد تضمنتا التسليم عليه وعلى آله. . . (٢) الوجه الثاني: الجمع لم يقع للعلم في ذاته دون معنًى مقصود . وإن شئت ذهبت بـ (إل ياسين) إلى أن تجعله جمعًا، فتجعَل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسُهم المُهَلَّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله:

стр. 6822

الأشعرِين والسَّعْدِين، وشبهه قال الشاعر: (١) أنا ابن سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا وهو في الاثنين أكثر: أن يضمّ أحدهما إلى صَاحبه إذا كان أَشهر منه اسمًا؛ كقول الشاعر (٢): جزانى الزَّهدمان جزاء سَوءٍ ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ واسم أحدهما زَهْدَم، وقال الآخر (٣): جزى اللَّه فيهَا الأعوَرَين ذَمَامَةً ... وفروة ثَغْر الثورَةِ المتضَاجِم واسم أحدهما أَعور. (٤) فَجَمَعَ المنسوبَ إلى (إلياس) بالياء والنون، فوقع السلام على من نسب إليه من أمته المؤمنين، وهذه الياء تحذف كثيرًا من النسب في الجمع المُسلَّم والمُكسَّر؛ ولذلك قالوا: المهالبة والمسامعة وأحدهم: مِسمَعي ومُهلَّبي، وقالوا: الأعجمون والنُّميرون؛ والواحد أعجمي ونُميري، فحذفت ياء النسب في الجمعين استخفافًا لثقل الياء وثقل الجمع، فكذلك (إلياسين) في قراءة من كسر الهمزة إنما هو على النسب، وحذفت الياء من الجمع على ما ذكرنا، ولو لم يكن ذلك على النسب لكان كل واحد من أمة النبي اسمه (إلياس)؛ وليس كذلك، إنما (إلياس) اسم نبيهم فنسبوا إليه. (٥) وإلياسين جمع فهو من باب قول الراجز: (قدني من نصر الخبيبين قدني)، ورد هذا بأنه لو أريد لكان الوجه تعريفه فيقال: الإلياسين كقوله: الخبيبين، وقريء على إلياسين بوصل الهمزة؛ فهذا يمكن فيه ذلك لأن

стр. 6823

فيه آلة التعريف؟ وقيل: ياسين اسم أبي إلياس أضيف الآل إليه فدخل إلياس فيهم. (١) قال الأخفش: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب، قال: فعلى هذا إنه سمى كل رجل منهم بإلياسين (٢). قال الفراء: يذهب بإلياسين إلى أن يجعله جمعًا، فيجعل أصحابه داخلين معه في اسمه. قال أبو عليّ الفارسي: تقديره: إلياسيين، إلا أن الياءين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين والأعجمين. ورجح الفرّاء وأبو عبيدة قراءةَ الجمهور؛ قال: لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك إلياسين لأنه إنما هو بمعنى: إلياس، أو بمعنى: إلياس وأتباعه. وقال الكلبي: المراد بآل ياسين: آل محمد، قال الواحدي: وهذا بعيد؛ لأن ما بعده من الكلام وما قبله لا يدلّ عليه. (٣) الوجه الثالث: العرب تتصرف في الأسماء الأعجمية . إن (آل ياسين) لغة في إلياس، وكثيرًا ما يتصرفون في الأسماء غير العربية، وفي الكشاف: لعل لزيادة الياء والنون معنى في اللغة السريانية. (٤) ومن هذا الباب سيناء وسينين، واختار هذه اللغة هنا رعاية للفواصل. قال ابن عاشور: وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة؛ لأنه ليس من لغتهم فهم يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنية كلامهم. (٥) قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ فجعله بالنون، والعجميُّ من الأسْمَاء قد يَفعل به هذا العربُ، تقول: ميكالُ، وميكائِيل، وميكائل، وميكائين -بالنون-؛ وهي في بني أسَدٍ يقولونَ: هذا إسْمَاعِينُ قد جَاء -بالنون-، وسَائر العرب باللام، قال: وأنشدني بعض بني

стр. 6824

نُمَير لضبٍ صَاده بعضُهم: يقول أهلُ السوق لما جينا ... هذا وَربِّ البيت إسرائينا وقد يَشهد عَلى صَوَاب هَذَا قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (المؤمنون: ٢٠)، ثم قَالَ في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (التين: ٢)، وهو معنًى واحد وموضع واحد، واللَّه أعلم. (١) قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا؛ فياسين، وإلياس، وإلياسين شيء واحد. (٢) إلياس اسم أعجمي والأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيرتها بضروب من التغيير فيقولون: إبراهيم، وإبراهم، وإبرهام، هكذا أيضًا: سيناء وسينين، وإلياس، وإلياسين، ويس، وفي قراءة "سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ" بمعنى واحد. (٣) الوجه الرابع: طريقة العرب في التعريب . كان العرب إذا عرّبوا كلمة صاغوها على غرار الأوزان التي تعرَّفوا عليها إلا ما ندر، وننقل هنا نصًا لصاحب المعرب أبي منصور الجواليقي يوضح مذهب العرب في النطق بالألفاظ الأجنبية يقول: اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا، وربما أبدلوا ما بَعُدَ مخرجُه أيضًا، وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب؛ وهذا التغيير بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان محرك، أو تحريك ساكن، وربما تركوا الحرف على حاله ولم يغيروه، أي: إن العرب لنفورهم من العجمة واستثقالهم لها كانوا يتصرفون في اللفظ الأجنبي بأي طريق ليبعدوه بذلك عن أصل لغته ويلبسوه ثوبا جديدًا. (٤)

стр. 6825

والصواب -واللَّه أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة آل ياسين كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال؛ ولهذا لا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني ولا يحذفونها من ليتني، ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المُسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله، وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل - أن الآل إن أُفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: ٤٦)؛ ولا ريب في دخوله في آله هنا، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ (الأعراف: ١٣٠)، ونظائره، وقول النبي: اللهم صل على آل أبي أوفى، ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسِهِ في ذلك، وقوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، هذه أكثر روايات البخاري، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نَفْسُهُ، وأما إِنْ ذُكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم، ففرق بين المجرد والمقرون؛ فإذا قلت: أعط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هنا داخلًا في آله: وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله. اهـ (١). جملة القول: أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكان لابد أن يوافق سَنَنَ العرب؛ لأنه يخاطبهم، والعرب عندما يستخدمون الكلمات الأعجمية يضعون عليها طابعًا عربيًا لتصير معربة، وللعرب طُرق ولغات معلومة في استخدام الأسماء الأعجمية، وقد اختار القرآن أحد هذه اللغات والتي وافقت الفواصل للآيات، فجمعت هذه الكلمةُ حسنَ الانتقاء إلى حسنِ التناسب. * * *

стр. 6826

١٣ - شبهة: أتى باسم الفاعل بدلًا من المصدر (١) نص الشبهة: جاء في سورة البقرة الآية ١٧٧: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والصواب -زعموا- أن يُقال: ولكن البرَّ أن تؤمنوا؛ لأن البر هو الإيمان لا المؤمن. والرد من وجوه: الوجه الأول: هناك حذف في الآية، ومن البلاغةِ الإيجازُ بالحذف . تبعًا للقاعدة النحوية التي لا تجيز أن يُخبر عن اسم (جثة) بفعل (حدث أو معنى) (٢) فإن العلماء من اللغويين والنحاة والمفسرين قدَّروا محذوفًا؛ إما في الأول: ولكن ذا البرّ مَنْ. . .، أو في الثاني: ولكن البرَّ برُّ مَنْ. . .، وحذف المضاف شائع في اللغة. قال ابن مالك: وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا والمعنى: يحذف المضاف لقيام قرينة تدل عليه ويقام المضاف إليه مقامه فيعرب بإعرابه. (٣) قال ابن جني: قول اللَّه سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: برُّ من اتقى، وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا البر من اتقى، والأَول أَجود؛ لأَن حذف المضاف ضَرْبٌ من

стр. 6827

الاتساع، والخبر أَولى من المبتدأ؛ لأَن الاتساع بالأَعجاز أَولى منه بالصدور. (١) ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ البرُّ معنًى من المعاني؛ فلا يكون خبره الذوات إلَّا مجازًا، فإمّا أن يُجعل البرُّ هو نفس من امن على طريق المبالغة؛ قاله أبو عبيدة، والمعنى: ولكنّ البارَّ، وإمّا أن يكون على حذف من الأول؛ أي: ولكنّ ذا البر؛ قاله الزجاج، أو من الثاني أي: برُّ من آمن؛ قاله قطرب، وعلى هذا خرَّجه سيبويه؛ قال في كتابه: وإنما هو: ولكن البرَّ برُّ من آمن باللَّه. وإنما اختار هذا سيبويه لأن السابق إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قِبلَ المشرقِ والمغرِب، فالذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى، ونظير ذلك: ليس الكرم أن تبذل درهمًا ولكنَّ الكرم بذل الآلاف، فلا يناسب: ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف إلَّا إن كان قبله: ليس الكريم بباذل درهم. وقال المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكن البَرَّ -بفتح الباء-، وإنما قال ذلك لأنه يكون اسم فاعل، تقول: بررت أبرّ فأنا بَرّ وبارّ، قيل: فبنى تارة على فَعْلٍ نحو: كهل وصعب، وتارة على فاعل، والأولى ادِّعاء حذف الألف من (البرّ)، ومثله: سرٌّ، وقرّ، ورَبّ؛ أي: سارٌّ، وقارّ، وبارّ، ورابّ. (٢) وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٦٣) أي: ذوو درجات. وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود - أنزل اللَّه هذه الآيةَ، فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر -أي: ذا البر- من آمن باللَّه، إلى آخرها؛ قاله ابنُ عباس، ومجاهد، والضحاك، وعطاء، وسفيان، والزجاج أيضًا. (٣)

стр. 6828

ومثله في الاتساع قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (البقرة: ١٧١)، وإنما شبهوا بالنعوق به، وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع، ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى. (١) الوجه الثاني: يَرِدُ المصدرُ بمعنى: اسمِ الفاعل . قال أبو عبيدة: ومن مجاز المصدر الذي في موضع الاسم أو الصفة قال: (ولكِن البِرّ مَن آمَنَ بِاللَّه) خروج المعنى: البارُّ، وقال: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠)، والرتق: مصدر وهو في موضع مرتوقتين. . .؛ فالعرب تجعل المصادر صفاتٍ، فمجاز البرّ ها هنا: مجاز صفة لـ (مَن آمن باللَّه)، وفي الكلام: ولكن البارَّ مَن آمن باللَّه، قال النابغة: وقد خِفتُ حتى ما تَزيدُ مخَافتِي ... على وَعِلٍ في ذي القِفَارة عاقِلِ والمخافة: فعل، والوَعل اسم، وفي آية أخرى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (البقرة: ١٧٧)؛ فـ (البرّ) ها هنا مصدر، و (مَن) في هذا الموضع اسم. . . ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩): البرّ هنا: في موضع البار، ومجازها: أي اطلبوا البرّ من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهَلة المشركين. (٢) لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة تَرى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه؛ يقال: رجل عدل أي: عادل، فوقع المصدر موقع اسم الفاعل. (٣)

стр. 6829

ويجوز أن يكون (الْبرَّ) بمعنى: البارّ والبَر، والفاعل قد يسمى بمعنى: المصدر، كما يقال: رجل عدل، وصوم، وفطر، وفي التنزيل: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ (الملك: ٣٠) أي: غائرًا، وهذا اختيار أبي عبيدة. (١) ووقوع المصدر موقع اسم الفاعل أو الفاعل من الأساليب الفصيحة، ومن شواهدها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ٢)، فوقع المصدر (حِلٌّ) موقع اسم الفاعل (حالٌّ) أي: مقيم بهذا البلد. الوجه الثالث: العرب تجعل الاسم خبرًا للفعل . فـ (مَنْ آمَنَ) معناه: الإيمان، لمَّا وقع (مَنْ) موقع المصدر جُعِلَ خبرًا للأول؛ كأنه قال: ولكن البرَّ الإيمانُ باللَّه، والعرب تجعل الاسم خبرًا للفعل، وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندِي جعل نبات اللحية خبرًا للفتيان، والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى. (٢) والإخبار عن المصدر باسم الذات للمبالغة كعكسه في قول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا أدركت ... فإنما هي إقبال وإدبار. قال سيبويه: فجعلها الإقبال والإدبار، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم. (٣) وقال ابن جني: أن يكون من هذا أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار لا على أن يكون من باب حذف المضاف أي ذات إقبال وذات إدبار، ويكفيك من هذا كلِّه قولُ اللَّه : خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له. (٤)

стр. 6830

ومما قيل في صفة الإيمانِ: الإيمانٌ هَيَوبٌ. (١) جائز في كلام العرب أن يسمى الرجل باسم الفعل، ألا تسمع إلى قوله: (ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر) إنما تأويله فيما يقال -واللَّه أعلم-: ولكن البر إيمان من آمن باللَّه، فقام الاسم مقام الفعل، وكذلك الإيمان هيوب؛ قام الإيمان مقام المؤمن. (٢) الوجه الرابع: (البِرّ) اسمُ فاعل . وهو مِنْ بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ، والأصلُ: بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة (فَطِن)، فلما أُريد الإِدغام نُقِلَتْ كسرةُ الراءِ إلى الباءِ بعد سَلْبِها حركتَها، فعلى هذه القراءةِ لا يَحتاج الكلامُ إلى حَذْفٍ وتأويلٍ؛ لأن البِرَّ من صفاتِ الأعيان، كأنه قيل: ولكن الشخصَ البِرّ مَنْ آمن. . . وقُرئ: (ولكنَّ البارَّ) بالألف وهي تقوِّي أنَّ (البِرَّ) بالكسرِ المرادُ به اسمُ الفاعلِ لا المصدرُ. (٣) * * *
следующие страницы →