١٣ - شبهة: أتى باسم الفاعل بدلًا من المصدر (١)
نص الشبهة: جاء في سورة البقرة الآية ١٧٧: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والصواب -زعموا- أن يُقال: ولكن البرَّ أن تؤمنوا؛ لأن البر هو الإيمان لا المؤمن.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: هناك حذف في الآية، ومن البلاغةِ الإيجازُ بالحذف .
تبعًا للقاعدة النحوية التي لا تجيز أن يُخبر عن اسم (جثة) بفعل (حدث أو معنى) (٢) فإن العلماء من اللغويين والنحاة والمفسرين قدَّروا محذوفًا؛ إما في الأول: ولكن ذا البرّ مَنْ. . .، أو في الثاني: ولكن البرَّ برُّ مَنْ. . .، وحذف المضاف شائع في اللغة.
قال ابن مالك:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا
والمعنى: يحذف المضاف لقيام قرينة تدل عليه ويقام المضاف إليه مقامه فيعرب بإعرابه. (٣)
قال ابن جني: قول اللَّه سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: برُّ من اتقى، وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا البر من اتقى، والأَول أَجود؛ لأَن حذف المضاف ضَرْبٌ من
стр. 6827
الاتساع، والخبر أَولى من المبتدأ؛ لأَن الاتساع بالأَعجاز أَولى منه بالصدور. (١)
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ البرُّ معنًى من المعاني؛ فلا يكون خبره الذوات إلَّا مجازًا، فإمّا أن يُجعل البرُّ هو نفس من امن على طريق المبالغة؛ قاله أبو عبيدة، والمعنى: ولكنّ البارَّ، وإمّا أن يكون على حذف من الأول؛ أي: ولكنّ ذا البر؛ قاله الزجاج، أو من الثاني أي: برُّ من آمن؛ قاله قطرب، وعلى هذا خرَّجه سيبويه؛ قال في كتابه: وإنما هو: ولكن البرَّ برُّ من آمن باللَّه.
وإنما اختار هذا سيبويه لأن السابق إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قِبلَ المشرقِ والمغرِب، فالذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى، ونظير ذلك: ليس الكرم أن تبذل درهمًا ولكنَّ الكرم بذل الآلاف، فلا يناسب: ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف إلَّا إن كان قبله: ليس الكريم بباذل درهم.
وقال المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكن البَرَّ -بفتح الباء-، وإنما قال ذلك لأنه يكون اسم فاعل، تقول: بررت أبرّ فأنا بَرّ وبارّ، قيل: فبنى تارة على فَعْلٍ نحو: كهل وصعب، وتارة على فاعل، والأولى ادِّعاء حذف الألف من (البرّ)، ومثله: سرٌّ، وقرّ، ورَبّ؛ أي: سارٌّ، وقارّ، وبارّ، ورابّ. (٢)
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٦٣) أي: ذوو درجات. وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود - أنزل اللَّه هذه الآيةَ، فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر -أي: ذا البر- من آمن باللَّه، إلى آخرها؛ قاله ابنُ عباس، ومجاهد، والضحاك، وعطاء، وسفيان، والزجاج أيضًا. (٣)
стр. 6828
ومثله في الاتساع قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (البقرة: ١٧١)، وإنما شبهوا بالنعوق به، وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع، ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى. (١)
الوجه الثاني: يَرِدُ المصدرُ بمعنى: اسمِ الفاعل .
قال أبو عبيدة: ومن مجاز المصدر الذي في موضع الاسم أو الصفة قال: (ولكِن البِرّ مَن آمَنَ بِاللَّه) خروج المعنى: البارُّ، وقال: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠)، والرتق: مصدر وهو في موضع مرتوقتين. . .؛ فالعرب تجعل المصادر صفاتٍ، فمجاز البرّ ها هنا: مجاز صفة لـ (مَن آمن باللَّه)، وفي الكلام: ولكن البارَّ مَن آمن باللَّه، قال النابغة:
وقد خِفتُ حتى ما تَزيدُ مخَافتِي ... على وَعِلٍ في ذي القِفَارة عاقِلِ
والمخافة: فعل، والوَعل اسم، وفي آية أخرى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (البقرة: ١٧٧)؛ فـ (البرّ) ها هنا مصدر، و (مَن) في هذا الموضع اسم. . .
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩): البرّ هنا: في موضع البار، ومجازها: أي اطلبوا البرّ من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهَلة المشركين. (٢)
لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة تَرى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه؛ يقال: رجل عدل أي: عادل، فوقع المصدر موقع اسم الفاعل. (٣)
стр. 6829
ويجوز أن يكون (الْبرَّ) بمعنى: البارّ والبَر، والفاعل قد يسمى بمعنى: المصدر، كما يقال: رجل عدل، وصوم، وفطر، وفي التنزيل: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ (الملك: ٣٠) أي: غائرًا، وهذا اختيار أبي عبيدة. (١)
ووقوع المصدر موقع اسم الفاعل أو الفاعل من الأساليب الفصيحة، ومن شواهدها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ٢)، فوقع المصدر (حِلٌّ) موقع اسم الفاعل (حالٌّ) أي: مقيم بهذا البلد.
الوجه الثالث: العرب تجعل الاسم خبرًا للفعل .
فـ (مَنْ آمَنَ) معناه: الإيمان، لمَّا وقع (مَنْ) موقع المصدر جُعِلَ خبرًا للأول؛ كأنه قال: ولكن البرَّ الإيمانُ باللَّه، والعرب تجعل الاسم خبرًا للفعل، وأنشد الفراء:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندِي
جعل نبات اللحية خبرًا للفتيان، والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى. (٢)
والإخبار عن المصدر باسم الذات للمبالغة كعكسه في قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا أدركت ... فإنما هي إقبال وإدبار.
قال سيبويه: فجعلها الإقبال والإدبار، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم. (٣)
وقال ابن جني: أن يكون من هذا أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار لا على أن يكون من باب حذف المضاف أي ذات إقبال وذات إدبار، ويكفيك من هذا كلِّه قولُ اللَّه : خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له. (٤)
стр. 6830
ومما قيل في صفة الإيمانِ: الإيمانٌ هَيَوبٌ. (١)
جائز في كلام العرب أن يسمى الرجل باسم الفعل، ألا تسمع إلى قوله: (ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر) إنما تأويله فيما يقال -واللَّه أعلم-: ولكن البر إيمان من آمن باللَّه، فقام الاسم مقام الفعل، وكذلك الإيمان هيوب؛ قام الإيمان مقام المؤمن. (٢)
الوجه الرابع: (البِرّ) اسمُ فاعل .
وهو مِنْ بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ، والأصلُ: بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة (فَطِن)، فلما أُريد الإِدغام نُقِلَتْ كسرةُ الراءِ إلى الباءِ بعد سَلْبِها حركتَها، فعلى هذه القراءةِ لا يَحتاج الكلامُ إلى حَذْفٍ وتأويلٍ؛ لأن البِرَّ من صفاتِ الأعيان، كأنه قيل: ولكن الشخصَ البِرّ مَنْ آمن. . . وقُرئ: (ولكنَّ البارَّ) بالألف وهي تقوِّي أنَّ (البِرَّ) بالكسرِ المرادُ به اسمُ الفاعلِ لا المصدرُ. (٣)
* * *
стр. 6831
١٤ - شبهة: رفع اسم إن .
نص الشبهة: رفع القرآن اسم "إن" ومن ذلك ما جاء في سورة طه من الآية ٦٣: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وكان يجب عليه أن يقول: إن هذين لساحرين.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما ورد في الآية من قراءات وتوجيهها
قال مكي بن أبي طالب القيسي قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قرأ ابن كثير وحفص (قالوا إنْ هذان لساحران) بتخفيف (إن)، وشدد الباقون، وقرأ أبو عمرو (هذين) بالياء، وقرأ الباقون بالألف. وحجة من خفف: أنه لما رأى القراءة وخط المصحف في (هذان) بالألف أراد أن يحتاط بالإعراب فخفف (إن) ليحسن الرفع بعدها على الابتداء؛ لأن (إنْ) إذا خففت حَسُن رفع ما بعدها على الابتداء لنقصها عن شبه الفعل، ولأنها لم تقوَ قوة الفعل فتعمل ناقصة كما يعمل الفعل ناقصًا في نحو: لم يكُ زيدٌ أخانا، ومنهم مَنْ يُعملها وهي مخففة عملها وهي مشددة، فالذي خفف (إن) اجتمع له في قراءته موافقة الخط وصحة الإعراب في (هذان).
وحجة مَنْ شددها أنه أتى بها على أصلها، فوافق الخط وتأوَّل في رفع (هذان) مما نذكره.
وحجة من قرأ (هذان) بالألف مع تشديد (إن) أنه اتبع خط المصحف، وأجرى (هذان) في النصب بألف على لغةٍ لبني الحارث بن كعب يلفظون بالمثنى على كل حال، وأنشد النحويون في ذلك قول الشاعر:
تزوَّدَ منَّا بين أذْناهَ ضَرَبةً ... دَعْته إلى هابي التُّرابِ عَقيم (١)
فأتى بالألف في موضع الخفض، وقد قيل: إنما أتى (هذان) بالألف على لغة من جعل (إن) بمعنى: (نعم) فيرتفع ما بعدها بالابتداء، واستبعد ذلك بعضُ النحويين لدخول اللام في (لساحران)، واللام إنما حقها أن تدخل في الابتداء دون الخبر، وإنما تدخل في
стр. 6832
الخبر إذا عملت (إن) في الاسم، وقد جاء دخول اللام في الخبر دون الابتداء في الشعر.
وقد قيل: إن (هذا) لما ايظهر فيه الإعراب في الواحد والجمع أجريت التثنية على ذلك فأتي بالألف على كل وجه من الإعراب كما كان في الواحد والجمع.
وحجة من قرأ بالياء أنه أعمل (إن) في (هذان) فنصبته، وهي اللغة المشهورة المستعملة لكنه خالف الخط فضعف لذلك، وقد ذكرنا أن ابن كثير يشدد النون من (هذان) وذكرنا علته. (١)
الوجه الثاني: تأتي (إنْ) المخففة، مكسورة الهمزة على وجوه في اللغة العربية .
أورد ابن هشام لـ (إن) المخففة مكسورة الهمزة أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون شرطية.
الثاني: أن تكون نافية.
الثالث: أن تكون مخففة من الثقيلة فتدخل على الجملتين، فإن دخلتْ على الاسمية جاز إعمالها، ويكثر إهمالها نحو: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾، وقراءة حفص: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.
الرابع: أن تكون زائدة. (٢)
وقد أورد لها المرادي سبعة أوجه، قال: وقد نظمت أقسام (إن) في هذين البيتين:
وأقسام إن بالكسر: شرط، زيادة ونفي، وتخفيف فتلزم لامها
معنى إذ، وإما، وقد حَكَى الـ ... كسائي معنى: قد، وهذا تمامها
وإنّ المكسورة المشددة تأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف توكيدٍ تنصب الاسم وترفع الخبر.
الثاني: أن تكون حرف جوابٍ بمعنى: نعم، خلافًا لأبي عُبيدة، واستدل المثبتون بقوله:
стр. 6833
ويقُلن: شيبٌ قد علاك ... وقد كبرتَ، فقلتُ: إنَّهْ (١)
ورُدَّ بأنَّا لا نسلم أن الهاء للسكت؛ بل هي ضميرٌ منصوب بها والخبر محذوف؛ أي: إنه كذلك، والجيد الاستدلال بقول ابن الزُّبير ﵁ لمن قال له: لعن اللَّه ناقة حملتني إليك: إنّ وراكبَها؛ أي: نعم، ولعن راكبها؛ إذْ لا يجوز حذف الاسم والخبر جميعًا، وعن المبرد أنه حمل على ذلك قراءة من قرأ (إنّ هذان لساحران). (٢)
الوجه الثالث: توجيه مجيء (هذان) بعد (إن) في الآية الكريمة .
١ - إذا كانت (إن) مخففة غير عاملة فـ (هذان) مبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى، و (لساحران) خبر المبتدأ، واللام داخلة على الخبر، أو داخلة على مبتدأ (ساحران) خبره أي: لهما ساحران، والجملة خبر، واللام للفرق بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة. (٣)
قال سيبويه: واعلم أنهم يقولون: إنْ زيدٌ لذاهبٌ، وإنْ عمرٌو لخيرٌ منك، لما خفّفها جعلها بمنزلة لكنْ حين خفّفها، وألزمها اللام لئلا تلتبس بإن التي هي بمنزلة ما التي تنفي بها، ومثل ذلك: "إن كلُّ نفسٍ لما عليها حافظٌ". (٤)
٢ - إذا كانت (إن) مشددة عاملة فـ (هذان) اسمها:
- وهو على لغة بلحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، وقيل: إن الآية على هذه اللغة قال الشاعر:
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها (٥)
стр. 6834
- أو وجدت الألف من (هذا) دِعامة (١) وليست بلام فعل، فلمَّا ثنَيت زدت عليهَا نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول على كلّ حال؛ كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا تدلّ عَلَى الجِمَاع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم كما تركوا (هذان) في رفعه ونصبه وخفضه. (٢)
وعليه فهي اسم منصوب لكن العلامة مقدرة عليه غير ظاهرة.
ويحتجون بأن هذه اللام أصلها أن تقع في الابتداء وأن وقوعها في الخبر جائز، وينشدون في ذلك:
خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخونا
وأنشدوا أيضًا:
أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة
قالوا: المعنى: لأنت خالي، والمعنى: لأم الحليس عجوز. (٣)
- وقال القدماء من النحاة إنه على حذف ضمير الشأن (٤) والتقدير: إنه هذان
стр. 6835
لساحران، وخبر (إن) الجملة من قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ واللام في (لساحران) داخلة على خبر المبتدأ. (١)
قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب (إن)، و (هذان) خبر (إن)، و (ساحران) يرفعها (هما) الضمر، والتقدير: إنه هذان لهما ساحران.
والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم (إن) و (هذان) رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. (٢)
* * *
стр. 6836
١٥ - شبهة: لم يأتِ بجواب لمّا .
نص الشبهة: جاء في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: ١٥)، فأين جواب (لمَّا)؟ ولو حذفت الواو التي قبل (أوحينا) لاستقام المعنى.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: جواب الشرط محذوف .
فالحذف باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنَّك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِنْ. (١)
فجواب (لما) محذوف، ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى. (٢)
وقيل تقديره: فجعلوه فيها، وحذفُ الجواب كثير بشرط أن يكون المذكور دليلًا عليه. (٣)
ويجوز حذف جواب (لما) لدلالة المذكور عليه والتقدير: فعلوا به ما فعلوا، أي: فعلوا ما أجمعوا عليه (وأوحينا إليه)، والكوفيون يجعلون (أوحينا) جواب لما، والواو زائدة. (٤)
وحذف جواب (لما) هنا المراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف، بعد أن أذن لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء، وقد روي عنهم (٥) أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم في الطريق إلى المكان الذي قصدوه، حتى كادوا يقتلونه، والدليل على
стр. 6837
هذا قوله تعالى حكاية عن أحد إخوته: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، فالنهي عن القتل لا يكون إلا عند العزم عليه ومباشرة أسبابه.
لذلك حذف جواب (لما) لتذهب النفس في تصوره كل مذهب، وحذف هذا الجواب فيه دلالة على طول ما حدث منهم، وعلى غرابته وبشاعته؛ لذلك قدره الإمام الزمخشري فقال: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، وأظهروا له العداوة، وأخذوا يُهينونه ويضربونه، وإذا استغاث بواحد منهم لم يُغثْه إلا بالإهانة والضرب. (١)
الوجه الثاني: جواب الشرط مذكور وله حينئذ احتمالان:
١ - أنه ليس المقترن بالواو.
٢ - أنه المقترن بالواو وكلاهما له وجه بليغ في اللغة.
وتفصيل ذلك كما يلي:
قيل: جواب (لما) قولهم: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾. (٢)
أي: لما كان كيت وكيت قالوا. (٣)
وقوله: (فلما ذهبوا به وأجمعوا) أدخلت (الواو) في الجواب كما قال امرؤ القيس:
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ (٤)
فأدخل الواو في جواب (لما)، وإنما الكلام: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى بنا، وكذلك: (فلما ذهبوا وأجمعوا)؛ لأن قوله: (أجمعوا. .) هو الجواب. (٥)
стр. 6838
قال الكوفيون: فالجواب (أوحينا) والواو صلة، والواو عندهم تزاد مع (لما) و (حتى)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (الزمر: ٧٣) أي: فتحت، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ (هود: ٤٠) أي: فار، قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى. . .
أي: انتحى، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ (الصافات: ١٠٣ - ١٠٤) أي: ناديناه. (١)
هذا وزيادة الواو تغلب في القياس والاستعمال:
وقد تحذف كثيرًا من الجمل كقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ أي: وقلت، والجواب قوله تعالى: (تولوا)، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾. (٢)
فهل يجوز أن تجيء واو العطف زائدة؟ .
ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة؛ وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش، وأبو العباس المبرد، وأبو القاسم بن برهان؛ من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. . .
وقد انتصر الأنباري لرأي البصريين، وخرج سائر مواضع وقوع الواو في جواب الشرط على أنها عاطفة لا زائدة؛ لأنها وضعت لمعنى وهو العطف، وما بعدها ليس بجواب الشرط، وأن جواب الشرط محذوف ومقدر. (٣)
* * *
стр. 6839
١٦ - شبهة: نصب المضاف إليه .
نص الشبهة:
جاء في سورة هود (١٠): ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، وكان يجب أن يجرَّ المضاف إليه بالكسرة فيقول: بعد ضراءِ.
والرد على هذه الشبهة كما يلي:
الوجه الأول: الممنوع من الصرف وشروط منعه .
الأصل في الأسماء أن تكون منصرفة -أي: منونة-، وتمنع من الصرف -أي: التنوين- إذا وجد فيها مانع من الموانع التي وضعها النحاة للتمييز بين الاسم الممنوع من الصرف والاسم المنصرف، وهذه الموانع -أو العلامات- هي:
١ - وزن الفعل.
٢ - التركيب.
٣ - العجمة.
٤ - التعريف (والمراد به هنا العلمية دون غيرها من أقسام المعارف).
٥ - العدل.
٦ - الوصف.
٧ - الجمع.
٨ - زيادة الألف والنون.
٩ - التأنيث.
قال ابن هشام: مَوَانِعُ صَرْفِ الاسْمِ تِسْعَةٌ يَجْمَعُهَا:
وَزْنُ، المُرَكبِ، عُجْمَةٌ، تَعْرِيفُهَا ... عَدْلٌ، وَوَصْفُ، الجَمْعِ، زِدْ، تَأْنِيثَا
كَأَحْمَدَ وَأَحْمَرَ، وَبَعْلَبَكَّ، وإبْرَاهِيمَ، وَعُمَرَ وَأُخَرَ، وأُحَادَ وَمَوْحِدَ إِلى الأَرْبَعَةِ، وَمَسَاجِدَ وَدَنَانِيرَ، وَسَلَّمَانَ وَسَكْرَانَ، وَفَاطِمَةَ وَطَلْحَةَ وَزَيْنَبَ وَسَلْمى، وَصَحْرَاءَ؛ فأَلِفُ التَّأْنِيثِ وَالجَمْعُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ كُلِّ مِنْهُما يَسْتَأثِرُ بِالمَنْعِ، وَالبَوَاقِي لابُدَّ مِنْ مُجَامَعَةِ كُلِّ عِلَّةٍ مِنْهُنَّ لِلصِّفَةِ أَوِ العَلَمِيَّةِ. (١)
الوجه الثاني: سبب منع هذه الصيغة من الصرف .
علل سيبويه سبب منع هذه البنية من الصرف بقوله: هذا باب ما لحقته ألف التأنيث بعد ألف فمنعه ذلك من الانصراف في النكرة والمعرفة، وذلك نحو حمراء، وصفراء،
стр. 6840
وخضراء، وصحراء، وفقهاء، وسابياء، وحاوياء، وكبرياء. ومثله أيضًا: عاشوراء، ومنه: زمكَّاء وبراكاء، ودبوقاء، وخنفساء، وعنظباء، وعقرباء، وزكرياء.
فقد جاءت في هذه الأبنية كلَّها للتأنيث، والألف إذا كانت بعد ألف مثلها إذا كانت وحدها؛ إلّا أنَّك همزت الآخرة للتحريك؛ لأنَّه لا ينجزم حرفان، فصارت الهمزة التي هي بدلٌ من الألف بمنزلة الألف لو لم تبدل، وجرى عليها ما كان يجري عليها إذا كانت ثابتة، كما صارت الهاء في هراق (١) بمنزلة الألف، واعلم أن الألفين لا تزادان أبدًا إلا للتأنيث، ولا تزادان أبدًا لتُلْحِقَا بناتَ الثلاثةِ بسِرْداحٍ ونحوها، ألا ترى أنك لم ترَ قطّ فعلاء مصروفةً، ولم نرَ شيئًا من بنات الثلاثة فيه ألفان زائدتان مصروفًا. (٢)
ومَنعَ هذا البناءُ الصرفَ؛ لأنك تريد بـ (الهمزة) ما تريد بـ (الألف). (٣)
الوجه الثالث: إعراب الممنوع من الصرف .
الفتحة تأتي نيابةً عن الكسرة في الممنوع من الصرف، فيجر الاسم الممنوع من الصرف بالفتحة إذا كان مجردًا من أل والإضافة، والكسرة هي علامة الجر الأصلية، وتسمى الفتحة علامة فرعية، والممنوع من الصرف باب كبير. . . منه الاسم المؤنث الذي ينتهي بألف التأنيث الممدودة نحو: حمراء - صحراء - أصدقاء - فعلى ذلك (ضراء) الواردة في الآية.
* * *
стр. 6841
١٧ - شبهة: تنوين الممنوع من الصرف . (١)
نص الشبهة: في آيتين من سورة الإنسان جاء الممنوع من الصرف منونا وذلك في كلمتين توفرت فيهما موانع الصرف قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ و: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾. فالكلمتان هما "سلاسلا" و"قواريرا".
فهذا خطأ نحوي ظاهر.
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ذكر ما جاء في الآيتين من القراءات القرآنية وتوجيهها .
أولا: كلمة (سَلَسِلَا) ورد فيها:
القراءة الأولى: سلاسلًا: بالصرف في الوصل، سلاسلا بالألف في الوقف.
وهي قراءة نافع وأبي جعفر والكسائي وأبي بكر عن عاصم وعبيد بن شبل عن ابن كثير ورويس من طريق الحلواني والشذائي عن الداجوني وابن ذكوان وغيرهم.
القراءة الثانية: سلاسلَ بالمنع من الصرف وصلًا، والخلاف في الوقف إما (سلاسلْ أو سلاسلا)
فأما في الوصل فقرأ بها طلحة وعمرو بن عبيد وابن كثير وقنبل والبزي وأبو عمرو وحمزة وزيد عن الداجوني وحفص وابن ذكوان وهشام بن عمار عن ابن عامر.
وأما في الوقف فلهم فيها مذاهب منها:
١ - الوقف بالألف بلا خلاف "سلاسلا".
٢ - الوقف بغير ألف "سلاسلَ".
стр. 6842
ثانيًا: كلمة (قَوَارِيَرا) فيها القراءات التالية:
القراءة الأولى: في الوصل "قواريرًا" بالتنويق في الموضعين، وفي الوقف "قواريرا" بالألف من غير تنوين.
قرأ بها نافع وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وغيرهم.
القراءة الثانية: في الوصل "قواريرَ" بغير تنويق، وفي الوقف بألف على الموضع الأول "قواريرا: لأنه رأس آية، وبدونها على الثاني "قوارير". (١)
الوجه الثاني: العرب تصرف الممنوع من الصرف؛ أي تنونه وأصله ألا ينون .
يقول ابن مالك في ألفيته:
ولاضطرار أو تناسب صرف ... ذو المنع، والمصروف قد لا ينصرف
يجوز في الضرورة صرف ما لا ينصرف وذلك كقول زهير:
تَبَصَّرْ خَلِيلي هَلْ تَرَى من ظَعائِنٍ ... تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ من فوقِ جُرْثُم؟
وهو كثير وأجمع عليه البصريون والكوفيون، وورد أيضًا صرفه للتناسب كقوله تعالى: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ فصرف سلاسل لمناسبة ما بعده. (٢)
قال ابن الحاجب -في صرف ما لا ينصرف في الضرورة والتناسب-:
"ويجوز صرفه للضرورة أو التناسب؛ مثل: سلاسلا وأغلالًا وقواريرًا".
قال الرضي: قال الأخفش: إن صرف ما لا ينصرف مطلقا -أي في الشعر وغيره- لغة الشعراء، وذلك أنهم كانوا يضطرون كثيرا لإقامة الوزن، إلى صرف ما لا ينصرف فتمرن على ذلك ألسنتهم، فصار الأمر إلى أن صرفوه في الاختيار أيضًا، وعليه حمل قوله تعالى: " (سلاسلا وأغلالا) (وقواريرا)، وقال هو والكسائي: إن صرف ما لا ينصرف مطلقًا لغة قوم إلا "أفعل منك"، فقوله: "سلاسلا" صرف ليناسب المنصرف الذي يليه، أي "أغلالا" فهو كقولهم: هنأني الشئ ومرأني، والأصل أمرأني.
стр. 6843
قوله: "قواريرا" يعني إذا قرئ منونا، لا إذا وقف عليه بالألف؛ لأن الألف حينئذ كما تحتمل أن تكون بدلا من التنوين تحتمل أن تكون للإطلاق. (١)
الوجه الثالث: توجيه مجىء التنوين من عدمه .
توجيه أهل القراءات:
قال ابن خالويه: قوله تعالى: (سَلَسِلَا) يقرأ بالتنوين وتركه، فالحجة لمن نون أنه شاكل به ما قبله من رؤوس الآي؛ لأنها بالألف وإن لم تكن رأس آية ووقف عليهما بالألف.
والحجة لمن ترك التنوين قال: هي على وزن فعالل وهذا الوزن لا ينصرف إلا في ضرورة شاعر وليس في القرآن ضرورة، وكان أبو عمرو يتبع السواد في الوقف فيقف بالألف ويحذف عند الإدراج.
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ يقرآن معًا بالتنوين وبالألف في الوقف، وبطرح التنوين فيهما والوقف على الأول وعلى الثاني بغير ألف، إلا ما روي عن حمزة أنه كان يقف عليهما بغير ألف.
فالحجة لمن قرأهما بالتنوين أنه نوَّن الأولى؛ لأنها رأس آية وكتابتها في السواد بألف وأتبعها الثانية لفظا؛ لقربها منها وكراهية للمخالفة بينهما وهما سيان كما قال الكسائي في ققوله ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ فصرف الثاني لقربه من الأول.
والحجة لمن ترك التنوين أنه أتى بمحض قياس العربية؛ لأنه في سورة الإنسان على وزن فواعيل وهذا الوزن نهاية الجمع المخالف لبناء الواحد فهذا ثقل وهو مع ذلك جمع، والجمع فيه ثقل ثان فلما اجتمع فيه ثقلان منعاه من الصرف، فأما الوقف عليه في هذه القراءة بالألف فاتباع للخط، ولأن من العرب مَن يقول: رأيت عمرا فيقف على ما لا
стр. 6844
ينصرف بالألف، ولزم حمزة القياس وصلا ووقفا. (١)
قال الإمام الشاطبي:
سَلَاسِلَ نَوِّنْ إِذْ رَوَوَا صَرْفَهُ لَنَا ... وَبَالْقَصْرِ قِفْ مِنْ عَنْ هُدًى خُلْفُهُمْ فَلَا
قال أبو شامة: سلاسل على وزن دراهم وهو ممنوع من الصرف على اللغة المشهورة، ولكنه كتب في المصاحف بألف بعد اللام كما كتب في الأحزاب: الظنونا والرسولا والسبيلا، فالمتابعة لخط المصحف اقتضت إثبات تلك الألف في الأحزاب في الوصل، ولم يمكن تنوينها لأجل أن كل كلمة منها فيها الألف واللام؛ فالتنوين لا يجتمع معها وأما في: (سلاسلا) فأمكن قبوله للتنوين على لغة من يصرف ذلك. (٢)
توجيه المفسرين:
قال الزمخشري: "إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالًا وسعيرًا ". . قرئ سلاسلَ غير منون، وسلاسلًا بالتنوين، وفيه وجهان:
أحدهما: أن تكون هذه النون بدلًا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف.
والثاني: أن يكون صاحب القراءة به ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف. (٣)
وقال الفخر الرازي: قُرِئَ: (سلاسلًا) بالتنوين، وكذلك: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ (الإنسان ١٥: ١٦) ومنهم من يصل بغير تنوين ويقف بالألف، فلمن نون وصرف وجهان:
أحدهما: أن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب صرف جميع ما لا ينصرف؛ قال: وهذا لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
стр. 6845
الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قالوا: صواحبات يوسف، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها، وأما من ترك الصرف فإنه جعله كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (الحج: ٤٠) وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: ١٠) و ﴿الرَّسُولَا﴾ (الأحزاب: ٦٦)، و ﴿السَّبِيلَا﴾ (الأحزاب: ٦٧) فيشبه ذلك بالإطلاق في القوافي. (١)
فـ (سلاسلا) على صيغة منتهى الجموع ممنوع من الصرف لكنه نُوِّن للمناسبة كما ذُكر، فهو في حال تنوينه على صورة المنصرف وليس بمنصرف حقيقة؛ لأنه باق على منع صرفه، وتنوينُه زيادة ويسمى تنوين المناسبة وهو اللاحق لغير المنصرف كقراءة نافع (سَلاسِلًا وأَغْلالًا) بتنوين سلاسلًا لمصاحبته للمنصرف الذي هو (أغلالًا).
* * *
стр. 6846
١٨ - شبهة: هل الوصف بكان في حق اللَّه يفيد انقطاع الصفة للماضي ؟
نص الشبهة:
لماذا ذكر اللَّه في كثير من سور القرآن لفظ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ وغيرها في صيغة الماضي، التي تدل على انقضاء زمن الفعل؟
والرد من وجوه:
الوجه الأول: التعريف بعمل كان .
التعريف بمعاني (كان الناقصة):
قال الرضي: كان تكون ناقصة بمعنيين:
أحدهما: ثبوت خبرها مقرونًا بالزمان الذي تدل عليه صيغة الفعل الناقص، إما ماضيًا، أو حالًا، أو استقبالًا، فكان للماضي ويكون للحال أو للاستقبال.
وذهب بعضهم إلى أن (كان) يدل على استمرار الخبر في جميع الزمن الماضي، وشبهته قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ (النساء: ١٣٤)، وذهل عن أن الاستمرار استفاد من قرينة وجوب كون اللَّه سميعًا بصيرًا، لا من لفظ (كان)، ألا ترى أنه يجوز: (كان زيد نائمًا نصف ساعة فاستيقظ)، وإذا قلت: (كان زيد ضاربًا) لم يفد الاستمرار، وقول المصنف (دائمًا أو منقطعًا) رد على هذا القائل، يعني يجئ دائمًا كما في الآية، ومنقطعًا كما في قولك (كان زيد نائمًا)، ولم يدل لفظ كان على أحد الأمرين، بل ذاك إلى القرينة.
والمعنى الثاني: أن يكون بمعنى صار، وهو قليل بالنسبة إلى المعنى الأول.
قال عمرو بن أحمر (من الطويل):
بتيهاء قفر والمطى كأنها قطا الحزن ... قد كانت فراخًا بيوضها. (١)
قال السيوطي: كان: فعل ناقص متصرف، يرفع الاسم، وينصب الخبر، ومعناه في الأصل المضيّ والانقطاع، نحو: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ (التوبة: ٦٩)،
стр. 6847
وتأتي بمعنى الدوام والاستمرار نحو: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٩٦)، أي: لم يزل كذلك، وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان. (١)
استعمالات (كان) في القرآن الكريم:
كان في القرآن على خمسة أوجه:
الأولى: بمعنى الأزل والأبد، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٧٠).
الثاني: بمعنى المضيّ المنقطع وهو الأصل في معناه، نحو ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (النمل: ٤٨) وهو الأصل في معاني كان كما تقول كان زيد صالحا أو فقيرا أو مريضا أو نحوه.
الثالث: بمعنى الحال نحو ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
الرابع: بمعنى الاستقبال نحو ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ (الإنسان: ٧).
الخامس: بمعنى صار نحو ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤). (٢)
ومن ذلك ما جاء عند البخاري:
قال المنهال عن سعيد: قال رجل لابن عباس: "إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال تعالى: (وكان اللَّه غفورًا رحيمًا -عزيزًا حكيمًا- سميعًا بصيرًا)، فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: "وكان اللَّه غفورًا رحيمًا" سمى نفسه ذلك، وذلك قوله.
أي: لم يزل كذلك. (٣)
قال ابن حجر: فـ (كان) وإن كانت للماضي، لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك. فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمي نفسه (غفورًا رحيمًا) وهذه التسمية مضت؛ لأن التعلق انقضى وأما الصفتان فلا يزالان كذلك لا ينقطعان؛ لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده قاله الكرماني.
стр. 6848
قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين:
أحدهما: أن التسمية هي التي كانت وانتهت، والصفة لا نهاية لها.
والآخر: أن معنى كان الدوام؛ فإنه لا يزال كذلك.
ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين والجواب على رفعهما كأن يقال: هذا اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ كان.
والجواب عن الأول: بأنه كان في الماضي يسمى به.
وعن الثاني: بأن كان تعطى معنى الدوام، وقد قال النحاة: كان لثبوت خبرها ماضيا دائما أو منقطعًا. (١)
شواهد "كان" في أشعار العرب بمعنى الدوام والاستمرار .
العرب أمة بليغة بلغت من البيان والفصاحة والتفنن في ألوان القول الغاية، ولذا جاء القرآن مخاطبًا لهم على ما تعودوه من المعاني، بل بأبلغ مما يستخدموه وتعودوا عليه.
وإذا كانت العرب قد استخدمت (كان) للدوام والاستمرار (وعدم الانقطاع للزمن الماضي) فإن استخدام القرآن لها على هذا النسق غير مخالف لسنن العربية، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين.
قال الشاعر:
وكنا إذا الجبار صعر خد ... أقمنا له من ميله فتقومًا (٢)
وقال آخر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزي (٣)
стр. 6849
فكان في البيتين تدل على الحالة الدائمة المستمرة وليس الإخبار عما مضى.
الوجه الثاني: كان تفيد الماضي حسب بنيتها، ولكنها تأتي للراهن والمستقبل أيضًا .
وإن أريد بـ (كان) وما يتفرع عنها الماضي ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: معناه كان في اللوح المحفوظ.
ثانيها: معناه منذ بداية الخلق والوجود.
ثالثها: كان أي مذ كان هذا الوصف للمتصف، أي ما زال.
وقد يكون المعنى في الراهن والمستقبل:
قال ابن قتيبة وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، وهو راهن، أو مستقبل، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ﴾ ومعناه: أنتم، ومثله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ. .﴾ (المائدة ١١٦) أي: (وإذ يقول). ومثله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ. . .﴾ (النحل: ١)، أي: سيأتي، ومثله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ (مريم: ٢٩) أي: من هو في المهد، ومثله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ (النساء: ١٣٤) أي: واللَّه سميع بصير، ومثله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ (فاطر: ٩) أي: فنسوقه. (١)
الوجه الثالث:
كان: عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٩٦).
توضيح: لا تدل على (عدم سابق)، هذا إذا لم تكن بمعنى صار، فإذا كانت بمعنى (صار) دلت على عدم سابق، فإذا قلت: كان زيد عالمًا، بمعنى صار عالمًا دل على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم.
стр. 6850
ولا على (انقطاع طارئ)، قد ذكرنا قبل أنها كسائر الأفعال يدل لفظ الماضي منها على الانقطاع، ثم قد تستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم، ثم تستعمل حيث لا يراد العموم، بل المراد الخصوص. (١)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١). نبه به على أن (كان) قد استعملت هنا في الدوام لقيام الدليل القاطع على ذلك. (٢)
المعنى: أنه لا يراد بكان تقييد الخبر بالمخبر عنه في الزمان الماضي المنقطع في حق اللَّه تعالى، وإن موضوع كان ذلك، بل المعنى على الديمومة فهو تعالى رقيب في الماضي وغيره علينا. (٣)
الوجه الرابع:
ليس المراد بذلك أن اللَّه سبحانه كان متصفًا بالمغفرة، والرحمة، والعلم، والسمع، والبصر في زمن مضي، ثم زالت عنه هذه الصفات في الزمن الحاضر ولا يتصف بها في المستقبل، ذلك لأن تقسيم الزمن إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل هو بالنسبة لنا نحن حين نتحدث ونحدد ما يقع من أحداث قبل زمن الحديث عنها أو في أثناء الحديث أو بعده، أما اللَّه فهو منزه عن الزمان، وما كان مخلوقًا لا يتحكم فيمن خلقه.
وكأن اللَّه حين يقرن صفاته بلفظ "كان" يبين لنا أنه موصوف بذلك قبل أن يخبرنا، فهي صفات أصلية فيه وجبت له لذاته لا لعلة أوجدتها فيه، فقد كان بصفاته ولا شيء معه. (٤)
* * *
стр. 6851
١٩ - شبهة: توضيح الواضح .
نص الشبهة:
جاء في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦)، فلماذا لم يقل: تلك عشرة مع حذف كلمة كاملة تلافيًا لإيضاح الواضح؟ فمن يظن العشرة تسعة؟ !
والرد من وجوه:
الوجه الأول: العرب تؤكد الشيء وقد فُرغ منه فتعيده بلفظِ غيره تفهيمًا وتوكيدًا . (١)
وهو توكيد، كما تقول: كتبت بيدي، ومنه قول الشاعر (وهو الفرزدق):
ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمامي
فقوله: (خمس) تأكيد، ومثله قول الآخر (وهو الأعشى):
ثلاث بالغداة فذاك حسبي ... وست حين يدركني العشاء
فذلك تسعة في اليوم ربي ... وشرب المرء فوق الري داء
وقوله: (كاملة) تأكيد آخر، فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها، كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: اللَّه اللَّه لا تقصر. (٢)
وهذا كقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني وكتبت بيدي، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (الأنعام: ٣٨)، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (العنكبوت: ٤٨)، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الأعراف: ١٤٢). (٣)
الوجه الثاني: قد تأتي الواو بمعنى أو في لغة العرب .
وقد تخرج (الواو) عن إفادة (مطلق الجمع) فتأتي بمعنى: (أو)، وذلك على ثلاثة
стр. 6852
أقسام:
أحدها: أن تكون بمعنى: (أو) في التقسيم: وأجاز بعضهم أن تكون الواو في قولهم: الكلمة اسم وفعل وحرف بمعنى: أو، لأنه قد يقال: اسم أو فعل أو حرف. . قال ابن مالك: استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال أو (١).
نحو قول عمرو بن براقة:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجرومٌ، عليه، وجارمِ (٢)
(فالواو) في الشطر الثاني بمعنى: (أو).
وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
وعليه ففي الآية جاءت كلمة كاملة حتى لا يظن أن الواو بمعنى (أو).
الثاني: أن كون (الواو) بمعنى: (أو) في إفادة الإباحة، وعلى ذلك الزمخشري، وزعم أنه يقال: جالس الحسن وابن سيرين أي: جالس أحدهما، وأنه لهذا قيل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦)، بعد ذكر ثلاثة وسبعة لئلا يتوهم إرادة الإباحة (٣).
الثالث: أن كون (الواو) بمعنى: (أو) في إفادة التخيير، واستدلوا بقول كُثِّير عزة:
وقالوا: نأت فاختر لها الصبر والبكا ... فقلت: البكا أشفى إذن لغليلي. (٤)
أي: فاختر لها الصبر أو البكاء أي أحدَهما، إذ لا يجتمع البكاء مع الصبر. (٥)
стр. 6853
لما قيل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم اللَّه أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى: المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذُكر من تفرقها في الحج والرجوع. (١)
أقول: ولما كان يمكن أن يفهم من (الواو) التخيير أو الإباحة في التخيير من معاني (أو) بين الثلاثة الأيام والسبعة - جاءت لفظة (عشرة) لبيان أن المعنى هو الجمع بين الثلاثة الأيام والسبعة ليكون المجموع عشرة، وأن المراد تقسيم العشرة الأيام إلى ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع.
وهذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط؛ وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط، فإذا قال بعده: تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه. (٢)
الوجه الثالث: السبعة تخرج عن معنى العددية وتأتي لبيان معنى التضعيف والتكثير .
قد تكرر ذكر السبعة والسبع والسبعين والسبعمائة في القرآن وفي الحديث، والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (البقرة: ٢٦١)، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠)، وكقوله ﷺ : "الحسنة بعشر أَمثالها إِلى سبعمائة ضعف" (٣)، وسَبَّعَ اللَّه لك أَيضًا ضَعَّفَ لك ما صنعت سبعة أَضعاف، ومنه قول الأَعرابي لرجل أَعطاه درهمًا: سَبَّعَ اللَّه لك الأَجر؛ أَراد التضعيف. . والعرب تضع التسبيع موضع التضعيف وإِن جاوز السبع، والأَصل قول اللَّه كمثل حبة أَنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ثم قال النبي ﷺ : الحسنة بعشر إِلى سبعمائة، قال الأَزهري: وأَرى قول اللَّه لنبيه ﷺ : ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
стр. 6854
سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ - من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد. (١)
ونقل عن المبرد أنه قال: تلك عشرة؛ لأنه يجوز أن يظنّ السامع أن ثم شيئًا آخر بعد السبع، فأزال الظنّ. (٢)
لما كان التعبير بالسبعة قد يفهم منه التضعيف والتكثير جاءت لفظة (عشرة) لبيان أنها سبعة يقصد منها العدد ذاته.
الوجه الرابع: معنى ذلك: تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها .
وذلك أنه -جل ثناؤه- قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج، فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها. (٣)، أي: فأكملوها ولا تنقصوها. (٤)
وقيل: (كاملة) في وقوعها بدلًا من الهدي. (٥)
قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين، فإذا قال بعده: تلك عشرة كاملة زال هذا الإشكال، وبيّن أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة. (٦)
* * *
стр. 6855
٢٠ - شبهة: أتى بجمع كثرة حيث أريد القلة .
نص الشبهة: جاء في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (سورة البقرة: ٨٠)، وكان يجب أن يجمعها جمع قلة؛ حيث إنهم أرادوا القلة، فيقول: أيامًا معدودات، وهو ما جاء في (سورة آل عمران: ٢٤) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
والرد على ذلك من وجوه (١):
الوجه الأول: اقتضى الحال في سورة البقرة التعبير بجمع الكثرة، وفي سورة آل عمران التعبير بجمع القلة .
قال ابن جماعة: لأن قائل ذلك فرقتان من اليهود؛ إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا، والأخرى قالت: إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم العجل، فآية البقرة تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة، وآل عمران بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة. (٢)
ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء؛ فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء؛ فقالوا: أقمت أيامًا معدودات، وكسوته أثوابًا
стр. 6856
رفيعات، وأعطيته دراهم يسيرات، وعلى هذا جاء في سورة البقرة وفي آل عمران؛ كأنهم قالوا أولًا بطول المدة التي تمسهم فيها النارُ، ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة. (١)
وعلى ذلك يمكن أن نقول: إن هذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع، فجمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات؛ فالجارية أكثر من الجاريات، قال تعالى في سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: أكثر من ١١ درهمًا، ولو قال: معدودات لكانت أقل.
وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى: (أيَّامًا مَعْدُودَةٍ) وفي الثانية: (أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)؛ لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر، فجاء بـ (مَعْدُودَةٍ) التي تفيد الكثرة، والذنوب التي ذكرت في الثانية أقل فجاء بـ (مَعْدُودَاتٍ)؛ فجاءت كل كلمة بما يناسب السياق.
الوجه الثاني: الوصف لأيام -وهي اسم مذكر- بـ (معدودة) هو الأصل، والوصف بـ (معدودات) هو الفرع، وذلك تنويع جائز .
ولسائل أن يسأل: لم كانت الأولى: معدودة والثانية: معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو (أيامًا)؟
والجواب: أن الاسم إن كان مذكرًا فالأصل في صفة جمعه التاء؛ يقال: كوز وكيزان مكسورة، وثياب مقطوعة، وإن كان مؤنثًا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء، يقال: جرة وجرار مكسورات، وخابية وخوابي مكسورات، إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرًا نحو: حمَّام وحمَّامات، وجمل سبطر وسبطرات (٢) وعلى هذا ورد قوله تعالى: (فِي أيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) و: (فِي أيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) فاللَّه تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله: (أيَّامًا مَعْدُودَة)، وفي آل عمران بما هو الفرع. (٣)
стр. 6857
ونحو قوله: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ (الغاشية: ١٣ - ١٦)، وقد يأتي: سرر مرفوعات على تقدير ثلاث سرر مرفوعة وتسع سرر مرفوعات. (١)
الوجه الثالث: يجوز وضع جمعي القلة والكثرة مكان بعضهما .
جمع القلة هو الذي يطلق على عشرة فما دونها من غير قرينة وعلى ما فوقها بقرينة، وجمع الكثرة عكس جمع القلة، ويستعار كل واحد منهما للآخر كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٢٨) في موضع أقراء. (٢)
وقد يستعار جمع الكثرة في موضع جمع القلة كقوله عز وعلا: (ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ). (٣)
قال الجاربردي في شرح الشافية بعد ما قال ابن الحاجب: (وقد يجمع الجمع) -أي: جمع تكسير وجمع تصحيح بالألف والتاء-: وأفاد بقد أنه لا يطرد قياسًا لكنه كثير في جمع القلة قليل في جمع الكثرة إلا بالألف والتاء. (٤)
الوجه الرابع: ليس المقصود من قوله: (معدودة) جمع الكثرة .
قال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد.
قيل في معنى: (معدودة): قليلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: ٢٠). (٥)
والمراد من الـ (معدودة): المحصورة القليلة، وكنَّى بالمعدودة عن القليلة لما أن
стр. 6858
الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تُصَوِّرُ القَلِيلَ مُتيسّر العدد، والكثيرَ مُتعسّره، فقالوا: شيء معدود أي: قليل وغير معدود إي: كثير، والقول بأن القلة تستفاد من أن الزمان إذا كثر لا يعد بالأيام؛ بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٣، ١٨٤). (١)
والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة؛ لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا رأوه أو تحدثوا عنه، وقد شاع في العرف والعوائد أن الناس لا يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعًا للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب أم لم يعرفوه؛ لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات. (٢)
وعندنا في اللغة العربية أربعة أوزان جموع قلة، وما عداها جموع كثرة؛ أما جموع القلة فهي أربعة أوزان جمعها ابنُ مالك في قوله:
أفعِلةٌ أفعلُ ثم فعلَه ... ثُمَّتَ أَفعالٌ جُموعُ قِلَّةْ
أي: كأسلحة وأفلُس وفِتية وأفراس. (٣)
* * *
стр. 6859
٢١ - شبهة: أتى بجمع قلة حيث أريد الكثرة .
نص الشبهة: جاء في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٣ - ١٨٤)، وكان يجب أن يجمعها جمع كثرة؛ حيث إن المراد جمع كثرة عدته ثلاثون (٣٠) يومًا، فيقول: أيامًا معدودة، ومعلوم أن جمع الكثرة ما زاد عن العشرة وجمع القلة ما نقص عنها.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المراد هو وصف الأيام بأنها قابلة للعدِّ .
قال الزمخشري: (مَعْدُودَاتٍ) موقتات بعدد معلوم، أو قلائل؛ كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: ٢٠)، وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه، والكثير يهال هيلًا ويحثى حثيًا. (١)
وأيضًا وصفها بقوله: (معدودات) تسهيلًا على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوت العد. (٢)
الوجه الثاني: عبر عن الأيام بجمع القلة وهي خارجة عن حد القلة للتخفيف والتيسير .
والمراد بالأيام من قوله: (أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة، ووصف بـ (مَعْدُودَاتٍ) وهي جمع قلة أيضًا تهوينًا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة، لأن الشيء القليل يعد عدًا؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يعد، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء، وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر.
قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٥): صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَيَّامًا
стр. 6860
مَعْدُودَةً﴾ (البقرة: ٨٠)، وتارة تعامل معاملة جمع المؤنث نحو: (أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، فمعدودات جمع لمعدودة؛ وأنت لا تقول: يوم معدودة، وكلا الاستعمالين فصيح، ويظهر أنه ترك فيه تحقيقًا؛ وذلك أن الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثًا مفردًا؛ لأن الجمع قد أول بالجماعة، والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب، غير أنهم إذا أرادوا التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات؛ وأن الجمع ينْحَلُّ إلى جماعات كثيرة، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البقرة: ٨٠)؛ لأنهم يقللونها غرورًا أو تغريرًا، وقال هنا: (معدودات) لأنها ثلاثون يومًا. (١)
قال ابن الأنباري: كل اسم مؤنث يجمع بالألف والتاء فهو جمع قلة نحو: الهندات والزينبات، وربما كان للكثير، وقال ابن خروف: جمعا السلامة مشتركان بين القليل والكثير، ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: ٢٨) المراد أيام التشريق وهي قليل وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٣ - ١٨٤)، وهذه كثيرة. (٢)
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قيل في معنى: معدودة أنها قليلة كقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: قليلة، وقال ابن عباس وقتادة في قوله: (أيَّامًا مَعْدُودَةً): إنها أربعون يومًا مقدار ما عبدوا العجل، وقال الحسن ومجاهد: سبعة أيام، وآية الصيام في البقرة سَمَّى أيام الصوم فيها (مَعْدُودَاتٍ) وهي أيام
стр. 6861
الشهر كله. (١)
وقيل: أَي: في ساعات أَيام معدودات، وكذلك: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: ٢٨). (٢)
الوجه الثالث: العرب تضع جمع القلة موضع جمع الكثرة لحكمة (٣).
ولعل الحكمة في ذلك أن أيام رمضان قليلة إذا قيست بسائر أيام السنة التي أبيح الفطر فيها، وهي قليلة أيضًا إذا قيست بعظيم حق اللَّه على عباده، وهي قليلة أيضًا إذا قيست بالثواب الموعود عليها من الغفور الشكور ، واللَّه وأعلم.
ولذلك شواهد في كلام العرب الفصحاء:
قال الإمام الزركشي: الجموع يقع بعضها موقع بعض لاشتراكها في مطلق الجمعية كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ (سبأ: ٣٧)، وغُرَف الجنة لا تحصى (٤)، ثم قال: ومن شواهد مجيء جمع القلة مرادًا به الكثرة قول حسان ﵁:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وحُكِيَ أن النابغة قال لحسان: قد قللتَ جفناك وأسيافك، وطعن أبو علي الفارسي في هذه الحكاية لورود وضع جمع القلة موضع الكثرة -فيما له جمع كثرة وفيما لا جمع له كثرة- في كلام العرب. (٥)
ثم قال الإمام الزركشي: قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فإن أيام على وزن: أفعال
стр. 6862
مع أنها ثلاثون لكن ليس لليوم جمعٌ غيره، ولا يسأل عن حكمة وضع جملة القلة موضع الكثرة إلا إذا كان له جمع كثرة، وإلا فلا يسأل كهذه الآية، فاليوم لا يُجْمع إلا على أيام فليس له إلا جمع واحد. (١)
فوضعُ أحد الجمعين مكان الآخر لحكمة ورد في عدة مواضع في القرآن الكريم كما بين ذلك العلماء، وكلها لحكم عظيمة.
* * *
стр. 6863
٢٢ - شبهة: وضع الفعل المضارع بدل الماضي .
نص الشبهة: وضع الفعل المضارع بدل الماضي، فقد جاء في سورة آل عمران الآية ٥٩: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وكان يجب أن يراعي المقام الذي يتحدث عن الماضي لا المضارع؛ فيقول: ثم قال له كن فكان.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الكلام وإن كان بصيغة المضارع فهو حكاية حال ماضية . (١)
قال الزمخشري: (فيكون) حكاية حال ماضية. (٢)
وقال الرازي: واعلم يا محمد، أن ما قال له ربك: (كُنَّ) فإنه يكون لا محالة. (٣)
(ثم قال له كن فيكون) أي: فكان، والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. (٤)
إنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصْدًا لإحضاره في الذهن حتى كأنه مُشاهد حالة الإخبار، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (النحل: ١٢٤)؛ لأن لام الابتداء للحال. ونحو: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥) إذ ليس المراد تقريب الرجلين من النبي ﵊، كما تقول: هذا كتابك فخذه، وإنما الإشارة كانت إليهما في ذلك الوقت هكذا فحكيت. ومثله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (فاطر: ٩) قصد بقوله : (فتُثير) - إحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب؛ تبدو أولًا قِطعًا، ثم تتضامُّ متقلبة بين أطوار حتى تصير
стр. 6864
رُكامًا. ومنه: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩) أي فكان. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: ٣١)، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: ٥) إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ (القصص: ٦). ومنه عند الجمهور: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (الكهف: ١٨) أي: يَبسط ذراعيه، بدليل: (ونقلِّبهم)، ومثله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٧٢) إلا أن هذا على حكاية حال كانت مستقبلة وقت التدارؤ، وفي الآية الأولى حكيت الحال الماضية، ومثلها قوله:
جاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديثَ بالإيماضِ
ولولا حكاية الحال في قول حسان:
يُغْشَون حتى لا تهِرُّ كلابُهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
لم يصح الرفع؛ لأنه لا يرفع إلا وهو للحال، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (١) بالرفع. (٢)
الوجه الثاني: صيغة المضارع تأتي لاستحضار الصورة .
وإنما قال: (فيكون) ولم يقل: فكَان لاستحضار صورة تَكَوُّنِه، ولا يحمل المضارع في مثل هذا إلّا على هذا المعنى، مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (فاطر: ٩)، وحمله على غير هذا هنا لا وجه له. (٣)
وقول تأبط شرًا:
стр. 6865
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعًا لليدين وللجران
قال: فأضربها؛ ليصور لقومه الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يُبَصِّرُهُمْ إياها، ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبًا من جراءته على كل هول، وثباته عند كل شدة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ إذ قال: (كن فيكون) دون: كن فكان، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾. (١)
فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغولِ كأنه يبصرهم إياها مشاهدةِ للتعجب من جراءته على ذلك الهولِ ولو قال: فضربتها عطفًا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة. (٢)
والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهَد الذي يقع الآن إيذانًا بأنه من الأمور المستغربة العجيبة الشأن، وجوز أن يكون التعبير