الشهر كله. (١)
وقيل: أَي: في ساعات أَيام معدودات، وكذلك: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: ٢٨). (٢)
الوجه الثالث: العرب تضع جمع القلة موضع جمع الكثرة لحكمة (٣).
ولعل الحكمة في ذلك أن أيام رمضان قليلة إذا قيست بسائر أيام السنة التي أبيح الفطر فيها، وهي قليلة أيضًا إذا قيست بعظيم حق اللَّه على عباده، وهي قليلة أيضًا إذا قيست بالثواب الموعود عليها من الغفور الشكور ، واللَّه وأعلم.
ولذلك شواهد في كلام العرب الفصحاء:
قال الإمام الزركشي: الجموع يقع بعضها موقع بعض لاشتراكها في مطلق الجمعية كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ (سبأ: ٣٧)، وغُرَف الجنة لا تحصى (٤)، ثم قال: ومن شواهد مجيء جمع القلة مرادًا به الكثرة قول حسان ﵁:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وحُكِيَ أن النابغة قال لحسان: قد قللتَ جفناك وأسيافك، وطعن أبو علي الفارسي في هذه الحكاية لورود وضع جمع القلة موضع الكثرة -فيما له جمع كثرة وفيما لا جمع له كثرة- في كلام العرب. (٥)
ثم قال الإمام الزركشي: قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فإن أيام على وزن: أفعال
стр. 6862
مع أنها ثلاثون لكن ليس لليوم جمعٌ غيره، ولا يسأل عن حكمة وضع جملة القلة موضع الكثرة إلا إذا كان له جمع كثرة، وإلا فلا يسأل كهذه الآية، فاليوم لا يُجْمع إلا على أيام فليس له إلا جمع واحد. (١)
فوضعُ أحد الجمعين مكان الآخر لحكمة ورد في عدة مواضع في القرآن الكريم كما بين ذلك العلماء، وكلها لحكم عظيمة.
* * *
стр. 6863
٢٢ - شبهة: وضع الفعل المضارع بدل الماضي .
نص الشبهة: وضع الفعل المضارع بدل الماضي، فقد جاء في سورة آل عمران الآية ٥٩: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وكان يجب أن يراعي المقام الذي يتحدث عن الماضي لا المضارع؛ فيقول: ثم قال له كن فكان.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الكلام وإن كان بصيغة المضارع فهو حكاية حال ماضية . (١)
قال الزمخشري: (فيكون) حكاية حال ماضية. (٢)
وقال الرازي: واعلم يا محمد، أن ما قال له ربك: (كُنَّ) فإنه يكون لا محالة. (٣)
(ثم قال له كن فيكون) أي: فكان، والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. (٤)
إنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصْدًا لإحضاره في الذهن حتى كأنه مُشاهد حالة الإخبار، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (النحل: ١٢٤)؛ لأن لام الابتداء للحال. ونحو: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥) إذ ليس المراد تقريب الرجلين من النبي ﵊، كما تقول: هذا كتابك فخذه، وإنما الإشارة كانت إليهما في ذلك الوقت هكذا فحكيت. ومثله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (فاطر: ٩) قصد بقوله : (فتُثير) - إحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب؛ تبدو أولًا قِطعًا، ثم تتضامُّ متقلبة بين أطوار حتى تصير
стр. 6864
رُكامًا. ومنه: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩) أي فكان. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: ٣١)، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: ٥) إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ (القصص: ٦). ومنه عند الجمهور: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (الكهف: ١٨) أي: يَبسط ذراعيه، بدليل: (ونقلِّبهم)، ومثله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٧٢) إلا أن هذا على حكاية حال كانت مستقبلة وقت التدارؤ، وفي الآية الأولى حكيت الحال الماضية، ومثلها قوله:
جاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديثَ بالإيماضِ
ولولا حكاية الحال في قول حسان:
يُغْشَون حتى لا تهِرُّ كلابُهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
لم يصح الرفع؛ لأنه لا يرفع إلا وهو للحال، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (١) بالرفع. (٢)
الوجه الثاني: صيغة المضارع تأتي لاستحضار الصورة .
وإنما قال: (فيكون) ولم يقل: فكَان لاستحضار صورة تَكَوُّنِه، ولا يحمل المضارع في مثل هذا إلّا على هذا المعنى، مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (فاطر: ٩)، وحمله على غير هذا هنا لا وجه له. (٣)
وقول تأبط شرًا:
стр. 6865
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعًا لليدين وللجران
قال: فأضربها؛ ليصور لقومه الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يُبَصِّرُهُمْ إياها، ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبًا من جراءته على كل هول، وثباته عند كل شدة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ إذ قال: (كن فيكون) دون: كن فكان، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾. (١)
فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغولِ كأنه يبصرهم إياها مشاهدةِ للتعجب من جراءته على ذلك الهولِ ولو قال: فضربتها عطفًا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة. (٢)
والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهَد الذي يقع الآن إيذانًا بأنه من الأمور المستغربة العجيبة الشأن، وجوز أن يكون التعبير
стр. 6866
بذلك لما أن الكون مستقبل بالنظر إلى ما قبله. (١)
فهذا التعبير بقوله: (كن فيكون) يعطي دلالة الاستمرار في كل وقت على منتهى قدرة اللَّه فلو أراد شيئًا يكون.
* * *
стр. 6867
٢٣ - شبهة: الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى .
نص الشبهة: جاء في سورة يونس الآية ٢٢: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾، فلماذا التفت عن المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى؟ والأصح أن يستمر على خطاب المخاطب.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: الالتفات فن بلاغي من محاسن الكلام يأتي كثيرا في كلام العرب وآيات القرآن .
الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة (أي: التكلم، والخطاب، والغيبة) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
- مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ (يس: ٢٢).
- ومن التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: ١ - ٢).
- ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها ... وعادَتْ عَوَادٍ بيننا وخُطُوبُ (١)
- ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾.
- ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ
стр. 6868
مَيِّتٍ﴾ (فاطر: ٩).
- ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٤ - ٥)، وقول عبد اللَّه بن عنمة:
ما إن ترى السِّيدُ زيدًا في نفوسهم ... كما يراه بنو كوز ومرهوب
إن تسألوا الحق نعطِ الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب. (١)
والالتفات عند ابن الأثير ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطابِ ومن الخطاب إلى الغيبة. .
القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمرِ وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبلِ وعن المستقبل بالماضي. (٢)
الوجه الثاني: الغرض من الالتفات عامة .
واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه على ما ذكر الزمخشري هو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة؛ فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: (الْحَمْدُ للِه) الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به - وجد من نفسه لا محالة محركًا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الدال على أنه مالك للعالمين لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته - قوي ذلك المحرك، ثم إذا
стр. 6869
انتقل إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ الدال على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها - تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمه هذه الصفات العظام وهي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء - تناهت قوته وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات. وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (النساء: ٦٤) لم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيمًا لشأن رسول اللَّه لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة مَنْ اسمُهُ الرسولُ من اللَّه بمكان (١).
ومن أغراض الالتفات الذي يكون في شعر العرب ما ذكره السكاكي في أبيات امريء القيس حين يقول:
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العاثر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
١ - أحدها: أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه، فنبّه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها وَلهتْ وَلَهَ الثكلى؛ فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه، وخاطبها بـ: تطاول ليلك تسليةً.
٢ - أو: على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقًا شديدًا ولم تتصبر فعل الملوك، فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب، وخاطبها بذلك تسليةً، وفي الثاني: على أنه صادق في التحزن خاطب أولًا، وفي الثالث: على أنه يريد نفسه.
٣ - أو: نبه في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرًا فما فطن معه لمقتضى الحال، فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرًا ونهيًا، وفي الثاني: على أنه
стр. 6870
بعد الصدمة الأولى أفاق شيئًا فلم يجد النفس معه فبنى الكلام على الغيبة، وفي الثالث: على ما سبق، أو: نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحق للعتاب؛ فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك، وفي الثاني: على أن الحاملَ على الخطاب والعتاب لمَّا كان هو الغيظُ والغضبُ وسكتَ عنه الغضبُ بالعتابِ الأولِ - وَلَّى عنها الوجهَ وهو يدمدم قائلًا: وبات وباتت له، وفي الثالث: على ما سبق.
وقد سَمَّى السكاكيُّ هذا الالتفاتَ الأسلوبَ الحكيمَ؛ وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهًا على أنه الأولى بحاله أو المهم له. (١)
ويمكن أن نحصر فوائد الالتفات في ما يلي:
الفائدة الأولى: فَنِّيَّةُ التَّنْوِيعِ في العبارة المثير لانتباه المتلَقِّي، والباعث لنشاطه في استقبال ما يوجَّه له من كلام، والإِصغاءِ إليه، والتفكير فيه.
الفائدة الثانية: الاقتصادُ والإِيجازُ في التعبير.
الفائدة الثالثة: الإِعراض عن المخاطبين؛ لأنهم عن البيانات معرضون أو مُدْبرون وغير مكترثين.
الفائدة الرابعة: إفادة معنًى تتضمَّنُه العبارة التي حصل الالتفات إليها، وهذا المعنى لا يستفادُ إذا جرَى القول وفق مقتضى الظاهر.
الفائدة الخامسة: ما يُسْتفاد من معنًى بالالتفات؛ إنّما يستفاد إلماحًا بطريقٍ غير مباشر، ومعلُومٌ أنّ الطُّرقَ غير المباشرة تكون أكثر تأثيرًا من الطرق المباشرة حينما تقتضي أحوال المتلقّين ذلك.
الفائدة السادسة: إشعارُ مختلف زُمر المقصودين بالكلام بأنّهم محلُّ اهتمام المتكلّم، ولو
стр. 6871
لم يكونوا من الزُّمْرَة المتحدّث عنها أوّلًا، ويظهر هذا في النصوص الدينيّة الموجَّهة لجميع الناس، وفي خُطَب الملوك والرؤساء والوعّاظ وأشباههم. (١)
الوجه الثالث: فائدة الالتفات في آية سورة يونس؛ وهو من نوع: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة .
وقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد. (٢)
قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟
قلت: المبالغة؛ كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليُعَجِّبَهُمْ منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. (٣)
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة في آية يونس؛ فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدةٍ وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهمِ، ولو قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها. . وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخافٍ عن نقدة الكلام، ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ (الأنبياء: ٩٢ - ٩٣) الأصل في (تقطعوا) تقطعتم
стр. 6872
عطفًا على الأول إلّا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللَّه تعالى فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو مجازيهم على ما فعلوا. (١)
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ خطاب الحضور، وقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ مقام الغيبة، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد، وهو اللائق بحال هؤلاء؛ لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان اللَّه تعالى إليه بالكفران - كان اللائق به ما ذكرناه. (٢)
حكمة الالتفات هنا هي أنّ قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة للمخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار، والخطاب شامل، فحَسُن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر، ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة فيرجع، فلما ذكرت حالةٌ آلَ الأمرُ في آخرها إلى أنَّ الملتبسَ بها هو باغٍ في الأرض بغير الحق - عدل عن الخطاب إلى الغيبة حتى لا يكون المؤمنون يخاطبون بصدور مثل هذه الحالةِ التي آخرها البغي. (٣)
وفائدة هذا الالتفات بيانُ أنّ الذين تكون منهم هذه الظاهرة التي تحدّث عنها النّصّ ليسوا جميع المخاطبين؛ بل هم فريق منهم، فمن الحكمة الحديث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائب، مع ما في الحديث عن الغائب من الإعراض المشعر بالتأنيب على ما يكون
стр. 6873
منهم، وقد جاء في النصّ بعد ذلك تأنيبُهُمْ صراحةً فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (يونس: ٢٣)، ولَوْ تتابع الكلامُ وفْقَ أُسْلُوب الخطاب دون ما حصل في النصّ من الالتفات لكان التأنيب مُوَجّهًا لكلّ الناس، مع أنّ فيهم صالحين لا تظهر منهم هذه الظاهرة القبيحة من الظواهر المنافية للسلوك الدّيني المطلوب من العباد. (١)
وقيل الحكمة في هذا -أي: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة- هنا أن كلَّ مَنْ خُوطب يجوز أن يركب الفلك، لكن لما كان في العادة أن لا يركبها إلا الأقل وقع الخطاب أولًا للجميع، ثم عدل إلى الإخبار عن البعض الذين من شأنهم الركوب. (٢)
ومن بديع الأسلوب في الآية أخها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى الإفضاء إلى ما يخص الشركين فقال: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) على طريقة الالتفات؛ أي: وجرين بكم، وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فإن هذا ليس من شيم المؤمنين فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين، فقد أُخرج من الخبر من عدا الذين يبغون في الأرض بغير الحق تعويلًا على القرينة؛ لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا يشمل المسلمين، وهذا ضرب من الالتفات لم ينبه عليه أهل المعاني وهو كالتخصيص بطريق الرمز. (٣)
ونخلص مما سبق أن فائدة الالتفات في الآية:
أ- أنه يميز المؤمنين عن غيرهم؛ فيخاطبهم بخطاب الحضور ثم يأتي الحديث عن
стр. 6874
الكافرين بصيغة الغائب، مما يدل على قرب المؤمنين وبعد الكافرين.
ب- الخطاب بالغائب وكأن حالَهم تُذكر لغيرهم تقريعًا لهم.
ت- أن الخطاب للحضور لما كانوا قريبين من البر؛ فلما بعدوا كان الخطاب للغائب.
ث- الخطاب للحضور كان للجميع، فلما تفرق كلٌّ إلى شأنه كان الخطاب للكافرين بالغائب.
ج- الخطاب للحضور كان للجميع، والذين في الفلك بعضٌ من الجميع فكانت الحكاية عنهم بالغائب.
* * *
стр. 6875
٢٤ - شبهة: أتى بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى .
نص الشبهة: جاء في سورة الفتح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وهذا اضطرابٌ في المعنى بسبب الالتفات من خطاب محمد ﷺ إلى خطاب غيره.
ثم الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ عائد على الرسول المذكور آخرًا ﷺ ، والضمير في قوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ عائد على لفظ الجلالة المذكور أولًا؛ هذا ما يقتضيه المعنى، وليس لهذا اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس، فإن كان الضمير في الكلمات من قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ عائد على الرسول ﷺ يكون ذلك كفرًا؛ لأن التسبيح للَّه فقط، وإن كان الضمير فيها يعود على اللَّه يكون ذلك كفرًا؛ لأنه تعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: توجيه الالتفات من خطاب النبي ﷺ إلى خطاب غيره (١).
وفيه تفصيل:
أولًا: الالتفات من خطاب النبي ﷺ وحده إلى خطاب النبي ﷺ والأمة معه .
والخطاب يجوز أن يكون للنبي ﷺ مع أمة الدعوة، أي: لتؤمن أنت والذين أرسلت إليهم شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، والمقصود: الإيمان باللَّه، وأقحم: (ورسوله) لأن الخطاب شامل للأمة وهم مأمورون بالإيمان برسول اللَّه ﷺ ، ولأن الرسول ﷺ مأمور بأن يؤمن بأنه رسول اللَّه؛ ولذلك كان يقول في تشهده: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وقال يوم حنين: "أشهد أني عبد اللَّه ورسوله"، وصح أنه كان يتابع قول المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، ويجوز أن يكون الخطاب للناس خاصة ولا إشكال في عطف: (ورسوله). (٢)
стр. 6876
ثانيًا: الالتفات من خطاب النبي ﷺ إلى خطاب الأمة .
ويجوز أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله: (ونذيرًا)، وتكون جملة: (لتؤمنوا باللَّه. . .) إلخ جملة معترضة، وتكون اللام في قوله: (لتؤمنوا) لام الأمر، وتكون الجملة استئنافًا للأمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (سورة الحديد: ٧). (١)
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا. .﴾ ثم قال: ﴿لِتُؤْمِنُوا. . .﴾ ومعناه: ليؤمن بك مَنْ آمن ولو قيل: ليؤمنوا؛ لأن المؤمن غير المخاطَب، فيكون المعنى: إنا أرسلناك ليؤمنوا بك، والمعنى في الأول يراد به مثل هذا، وإن كان كالمخاطب؛ لأنك تقول للقوم: قد فعلتم وليسوا بفاعلين كلهم؛ أي: فعلَ بعضكم، فهذا دليل على ذلك. (٢)
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ الخطاب للنبي ﷺ ذكره في معرض الامتنان عليه؛ حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهدًا على أعمال أمته ومبشرًا يعني: لمن آمن به وأطاعه بالثواب، ونذيرًا يعني: لمن خالفه وعصى أمره بالعقاب ثم بين فائدة الإرسال فقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فالضمير فيه للناس المرسل إليهم. (٣)
المخاطبة في قوله: إنا أرسلناك للنبي ﷺ فحسن: أرسلناك ليؤمنوا؛ لأن اللَّه سبحانه أرسله ﷺ ليؤمن به المؤمنون، والمعنى فيه -إن شاء اللَّه-: إنا أرسلناك يا محمد شاهدًا عليهم ومبشرًا بالجنة ونذيرًا من النار ليؤمن بك من آمن. . وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم أنه خاطب المرسل إليهم بعد مخاطبة النبي ﷺ ؛ إذ قال له: (إنا أرسلناك شاهدًا. . .) ثم صرف الخطاب بعد ذلك إلى المرسل إليهم فقال: لتؤمنوا بمعنى: فعلنا ذلك لتؤمنوا أيها الناس باللَّه ورسوله، فكأن الخطاب على هذه القراءة مجدد لمن أرسل إليهم بعد مخاطبة
стр. 6877
النبي ﷺ . (١)
الوجه الثاني: أن الالتفات وجه بلاغي لا اضطراب فيه وعود الضمير على مذكورين؛ أهو يرجع إلى اللَّه تعالى أم يرجع إلى الرسول ﷺ ؟ هذا من أسلوب اللف والنشر .
وهذا الأسلوب من أعظم أبواب المحسنات البلاغية في علم البديع.
فاللف والنشر: هو ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكلٍ من غير تعيين ثقةً بأن السامع يرده إليه نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. (٢)
والقاعدة: عود الضمير إلى الأقرب، ولكن قد يعود إلى غيره كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فالضمير في التعزير والتوقير راجع إلى النبي ﷺ ، وفي التسبيح عائد إلى اللَّه تعالى، وهو متقدم على ذكر النبي ﷺ ، فعاد الضمير على غير الأقرب. (٣)
وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ قال: أي: يعظموه.
وقال: وفي بعض الحروف: وتسبحوا اللَّه بكرةً وعشيًا. (٤)
وقال الجمهور: (تعزروه وتوقروه) هما للنبي ﵇، (وتسبحوه) هي للَّه ؛ وهي صلاة
стр. 6878
البردين، وقرأ عمر بن الخطاب: (وتسبحوا اللَّه)، وفي بعض ما حكى أبو حاتم: (وتسبحون اللَّه) بالنون، وقرأ ابن عباس: (وتسبحوا اللَّه)؛ والبكرة: الغدو، والأصيل: العشي. (١)
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ﵁: (ويعزروه) قال: لينصروه، (ويوقروه) أي: ليعظموه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم؛ عن ابن عباس ﵄ في قوله: (وتعزروه) يعني: الإِجلال: (وتوقروه) يعني: التعظيم؛ يعني: محمدًا ﷺ .
وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والضياء في المختارة (٢)؛ عن ابن عباس ﵄ في قوله: (وتعزروه) قال: تضربوا بين يديه بالسيف.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر؛ عن عكرمة ﵁ في قوله: (وتعزروه) قال: تقاتلوا معه بالسيف.
وأخرج ابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: (وتعزروه) قال النبي ﷺ لأصحابه: ما ذاك؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: (لتنصروه). (٣)
﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعزروا الرسول ﷺ وتوقروه أي: تعظموه وتجلُّوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحوا للَّه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أول النهار وآخره. (٤)
التعزير والتوقير للرسول ﷺ ، فتوقيره أن يُدعى بالنبوة والرسالة دون الاسم والكنية،
стр. 6879
أو تُسَوِّدوه، والتعزير: المنع وها هنا: الطاعة، أو التعظيم، أو النصر. (١)
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعظموه وتفخموه؛ قاله الحسن والكلبي، والتعزير: التعظيم والتوقير، وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحد؛ لأنه مانع، قال القطامي:
ألا بكرت مي بغير سفاهة ... تعاتب والمودود ينفعه العزر
وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف، وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه (٢). (وَتُوَقِّرُوهُ) أي: تسودوه؛ قاله السدي، وقيل: تعظموه، والتوقير: التعظيم والترزين أيضًا. والهاء فيهما للنبي ﷺ , وهنا وقف تام، ثم تبتدئ: (وَتُسَبِّحُوهُ) أي: تسبحوا اللَّه (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي: غدوةً وعشيًا. (٣)
قال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعينوه وتنصروه، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تُعظموه وتُفخموه، هذه الكنايات راجعة إلى النبي ﷺ ، وههنا وقف، ثم قال: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحوا اللَّه؛ يريد يصلوا له بكرةً وَأصيلًا: بالغَدَاةِ والعشيِّ. (٤)
وقد تجمع العرب شيئين في كلام فيرد كل واحد منهما إلى ما يليق به وفي القرآن: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (سورة البقرة: ٢١٤) والمعنى: يقول المؤمنون: متى نصر اللَّه فيقول الرسول ﷺ : ألا إن نصر اللَّه قريب. (٥)
ومن الأمثلة أيضًا على أسلوب اللف والنشر:
أ- على ترتيب اللف: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالسعي في المكاسب، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وأي:
стр. 6880
ولكي تشكروا نعمة اللَّه عليكم، وهذه الآية من باب اللف والنشر، كما في قول امرئ القيس:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّير رَطبًا ويابسًا ... لَدَى وَكْرِها العناب والحَشَفُ البَالِي (١)
ب- على عكس ترتيبه: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾. (٢)
فقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ يُوجه على أنه حكمان:
الأولى: هو وجوب التعزير والتوقير في حق الرسول ﷺ ، والثاني: هو وجوب التسبيح في حق اللَّه تتمة لبداية الكلام عن الإيمان باللَّه : ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾، فاللَّه أرسل لنا النبي ﷺ لأسباب عديدة مرتبطة بلام التعليل (أو لام الأمر): أولها: لنؤمن باللَّه وبرسوله، وثانيها: لننصر رسوله ﷺ ، وثالثها: لنرفعه إلى ما يليق به من الاحترام والتقدير والتوقير، ورابعها: ليعلمنا الرسولُ ﷺ تسبيح اللَّه بكرةً وعشيًا.
وختامًا: بعد مناقشة هذه الشبهات اللغوية المزعومة والرد عليها نختم بما ورد من أعاجيب الكتاب المقدس:
ولو سألت أحد هؤلاء الطاعنين أن يقرأ عليك نصا بالعربية أو يعرب لك نصًا لطفق الصغار يضحكون على قراءته. فهو لا يجيد القراءة فضلًا عن الإعراب. ومع ذلك يأتي ليتحدث عن أخطاء لغوية في القرآن.
وقد نسي نصوص كتابه، ومنها:
(خروج ١٥: ٨): (وَبِرِيحِ أنفِكَ تَرَاكَمَتِ الْمِيَاه) أتعون ما تقولون أيها الفصحاء البلغاء: بريح الأنف تتراكم المياه أم من الإصابة بالزكام؟
стр. 6881
(أيوب ١٠: ٣٥): أَيْنَ اللَّهُ صَانِعِي، مُؤْتِي الأَغَانِيِّ فِي اللَّيْلِ، ١١ الَّذِي يُعَلِّمُنَا أَكْثَرَ مِنْ وُحُوشِ الأَرْضِ، وَيَجْعَلُنَا أَحْكَمَ مِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ؟
فهل إذا تعلمنا أكثر من وحوش الأرض كان هذا فضلا؟ ! أم إذا كان عندنا من الحكمة ما يفوق حكمة طيور السماء يكون في هذا فخرا؟
(صموئيل الأول ١: ٢): صَلَّتْ حَنَّةُ وَقَالَتْ: "فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلَاصِكَ. ٢ لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا. ٣ لَا تُكَثِّرُوا الْكَلَامَ الْعَالِيَ المُسْتَعليَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ. ٤ قِسِيُّ الْجَبَابِرَةِ انْحَطَمَتْ، وَالضُّعَفَاءُ تَمَنْطَقُوا بِالْبَأْسِ.
انحطمت تمنطقوا. ارتفاع القرن بالرب. وتشبيه لربكم بالصخرة؟ ؟ ؟
(الجامعة ١: ٣): لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ: ٢ لِلْوِلَادَةِ وَقْتٌ وَللْمَوْتِ وَقْتٌ. لِلْغَرْسِ وَقْتٌ وَلِقَلْعِ الْمَغْرُوسِ وَقْتٌ. ٣ لِلْقَتْلِ وَقْتٌ وَللشِّفَاءِ وَقْتٌ. لِلْهَدْمِ وَقْتٌ وَللْبِنَاءِ وَقْتٌ. ٤ لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ. لِلنَّوْحِ وَقْتٌ وَللرَّقْصِ وَقْتٌ. ٥ لِتَفْرِيقِ الْحِجَارَةِ وَقْتٌ وَلِجَمْعِ الْحِجَارَةِ وَقْتٌ. لِلْمُعَانَقَةِ وَقْتٌ وَلِلانْفِصَالِ عَنِ المُعَانَقَةِ وَقْتٌ. ٦ لِلْكَسْبِ وَقْتٌ وَلِلْخَسَارَةِ وَقْتٌ. لِلصِّيَانَةِ وَقْتٌ وَلِلطَّرْحِ وَقْتٌ. ٧ لِلتَّمْزِيقِ وَقْتٌ وَلِلتَّخْيِيطِ وَقْتٌ. لِلسُّكُوتِ وَقْتٌ وَلِلتَّكَلُّمِ وَقْتٌ. ٨ لِلْحُبِّ وَقْتٌ وَللْبُغْضَةِ وَقْتٌ. لِلْحَرْبِ وَقْتٌ وَللصُّلْحِ وَقْتٌ. ٩ فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِهِ؟
أرأيتم هذا التعبير الأدبي الذي عجز عن مثله أبو العتاهية والمتنبي وسائر أدباء العرب؟ أسلوب لا أدبي رفيع الركاكة. هكذا. . تمزيق وتخييط. جمع حجارة وتفريقها. وضع غرس ثم قلعه. نوح ورقص (١).
* * *
стр. 6882
شبهات الإعجاز العلمي
стр. 6883
وفيها:
مقدمة عن الإعجاز العلمي
١ - شبهات عن الجنة.
٢ - شبهة: هل الجلد مصدر الاحساس بالألم أو لا؟
٣ - شبهة: هل كل شيء خلق من ماء؟
٤ - شبهة: مدة الحمل.
٥ - شبهة: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.
٦ - شبهة: الظل.
٧ - شبهة: ادعاؤهم تناقض القرآن في مادة خلق الانسان.
٨ - هل الصفات الوراثية تثبت بالرضاع؟
٩ - شبهة: أمم أمثالكم.
١٠ - شبهة: غلبت الروم.
١١ - شبهة: خلق السموات والأرض في ستة أيام.
١٢ - شبهة: أن الأرض كروية.
١٣ - شبهات: عن النجوم والشهب والشياطين.
١٤ - اختلاف البصمات. معرفة الجنين.
стр. 6884
مقدمة عن الإعجاز العلمي
تمهيد:
أنزل اللَّه القرآن لصلاح أمر الناس في دينهم ودنياهم ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)، وقد اختار اللَّه أن يكون اللسان العربي مظهرًا لوحيه ومستودعًا لمراد (١)
وجاءت هذه الهداية والدعوة إليها بأساليب متنوعة، فمن مخاطبة للفطرة الإنسانية، ومن استدلال بواقع الأشياء المحسوسة، إلى مجادلة عقلية، إلى تذكير بعاقبة الأمم السابقة، إلى لفت للنظر إلى واقع القصور البشر (٢)
ولا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب -تعالى وتقدس- لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إلى (٣)
ومع تطور العلوم والتقدم العلمي فلم ينقض العلم شيئًا مما جاء في القرآن، ولم يصادم جزئية من جزئياته، وهذا ما يسمى بالإعجاز العلم (٤)
والمقصود بالعلم في هذا المقام العلم التجريبي، وعليه فيعرِّف العلماء الإعجاز العلمي بأنه: إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن النبي (٥)
الأدلة على ثبوت الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ
стр. 6885
يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (فصلت ٥٢: ٥٣).
قال ابن كثير:
وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحُجَجنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند اللَّه على رسوله ﷺ بدلائل خارجي (١)
٢ - قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أخرج ابن جرير عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: وفي أنفسكم، وفي السماء، والأرض، والرزق (٢).
الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي:
التفسير العلمي: هو انتفاع المفسر بما ظهر في عصره من معلومات كونية فيستفيد بها في تفسير الآية (٣).
أما الإعجاز العلمي: فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة توصل إليها العلم التجريبي (٤).
ويرى بعض الباحثين أنه لا فرق بينهما (٥).
أوجه الإعجاز العلمي، وتتمثل فيما يلي:
١ - التوافق الدقيق بين ما في نصوص الكتاب والسنة وبين ما كشفه علماء الكون من حقائق كونية وأسرار علمية لم يكن في إمكان بشر أن يعرفها وقت نزول القرآن.
٢ - تصحيح ما شاع بين البشرية في أجيالها المختلفة من أفكار باطلة حول أسرار الخلق بما جاء في القرآن والسنة، وهذا لا يكون إلا بعلم من أحاط بكل شيء علمًا (٦).
نشأة هذا اللون من التفسير:
стр. 6886
لو أنَّا تتبعنا سلسلة البحوث التفسيرية للقرآن الكريم لوجدنا أن هذه النزعة -نزعة التفسير العلمي- تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا، ولوجدنا أنها كانت في أول الأمر عبارة عن محاولات يُقصد منها التوفيق بين القرآن وما جَدَّ من العلوم، ثم وُجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة على لسان الغزالي، وابن العربي، والمرسي، والسيوطي، ولوجدنا أيضًا أن هذه الفكرة قد طُبِّقت علميًا، وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي، ضمن تفسيره للقرآن.
ثم وُجِدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم، وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع (١).
أهم من تكلم عن هذا اللون من التفسير في القديم:
هو الإمام الغزالي في كتابيه: الإحياء، وجواهر القرآن، والإمام الرازي في تفسيره: مفاتيح الغيب، وإذا كان الغزالي ومَنْ قبله قد وضعوا الأسس النظرية للتفسير العلمي، فإن الرازي قد طبق عمليًا، وقد أشار إلى سبب توسعه في ذلك في تفسيره (١٤/ ١٢١)، ومنهم القاضي ابن العربي في كتابه: قانون التأويل، ومنهم أبو الفضل المرسي في تفسيره، والزركشي في كتابه: البرهان، والسيوطي في: الإتقان، والإكليل في استنباط التنزيل، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن.
ونحا كلُّ هؤلاء منحى الغزالي في القول بأن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين، وأنه ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهَّمه اللَّه (٢).
أهم من تكلم عن هذا اللون من التفسير في العصر الحديث:
إن اهتمام العلماء والمفسرين المعاصرين بهذه النواحي كان أكثر خصوصًا بعد اكتشاف الكثير من النظريات العلمية، ومن أبرز هؤلاء:
стр. 6887
١ - الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه: جواهر القرآن.
٢ - بعض اللمحات التي أشار إليها سيد قطب في كتابه: الظلال.
٣ - كتاب: المنتخب في تفسير القرآن الذي أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
٤ - للشيخ محمد عبده كثيرٌ من الإشارات إلى نظريات علمية.
٥ - كشف الأسرار النورانية القرآنية لمحمد بن أحمد الإسكندراني من علماء القرن الثالث عشر الهجري (١).
وغير ذلك من الجهود والإنجازات الكثيرة والمتنوعة (٢).
موقف العلماء قديمًا وحديثًا من التفسير العلمي للقرآن الكريم:
للسلف منهج سديد في التعامل مع الأمور الغيبية التي جاء بها الوحي وخاصةً فيما يتعلق بأمر العقيدة، ويتمثل هذا المنهج في الوقوف عند دلالات النصوص بدون تكلف لمعرفة الكيفيات والتفاصيل التي لم يبينها الوحي، ونظرًا لعدم خطورة ما يتقرر في مجال الأمور الكونية على أمر العقيدة يوم ذاك لم يقف المفسرون بها عند حدود ما دلت عليه النصوص، بل حاولوا شرحها بما يسَّر اللَّه لهم من الدراية، وبما فتح اللَّه به عليهم من الفهم (٣).
ثم تطورت فكرة التفسير العلمي على مدار الأيام حتى صارت تمثل لونًا خاصًا من ألوان التفسير، وإن كانت هذه الفكرة قد لاقت رواجًا عند بعض المتقدمين، وازدادت عند المتأخرين، غير أن فريقًا منهم قد أفرطوا في هذا الأمر وتكلفوه كثيرًا من الأحيان (٤).
الأمور التي يجب توافرها في من يتصدى للبحث في الإعجاز العلمي:
يجب على الآخذ في هذا الفن أن يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لبيانها؛ وهي
стр. 6888
بحسب ما بلغنا ثمانية أمور:
الأول: إصلاح الاعتقاد.
الثاني: تهذيب الأخلاق.
الثالث: التشريع في الأحكام الخاصة والعامة.
الرابع: سياسة الأمة؛ وهو باب عظيم في القرآن القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها.
الخامس: القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم، والاتعاظ والاعتبار من مساويهم.
السادس: التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها.
السابع: المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير.
الثامن: الإعجاز بالقرآن ليكون آيةً دالة على صدق الرسول ﷺ .
فغرض المفسر بيان مراد اللَّه تعالى في كتابه أَتَمَّ بيان يحتمله المعنى ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء.
فطرائق المفسرين للقرآن ثلاث: إما الاقتصار على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه؛ وهذا هو الأصل. وإما استنباط معانٍ من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال ولا مقصد القرآن. وإما أن يجلب المسائل ويبسطها لمناسبة بينها وبين المعنى؛ أو لأن زيادة فهم المعنى متوقفة عليها؛ أو للتوفيق بين المعنى القرآني وبين بعض العلوم مما له تعلق بمقصد من مقاصد التشريع لزيادة تنبيه إليه، فلا يلام المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية.
وشرط كون ذلك مقبولًا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له.
ولا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب -تعالى وتقدس- لا تُبنى معانيه على
стр. 6889
فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها اعتلاق بذلك فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه، وذلك يختلف باختلاف المقامات ويبنى على توفر الفهم، وشرطه أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ عربية ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل ولا يكون تكلفًا بينًا ولا خروجًا عن المعنى الأصلي حتى لا يكون في ذلك كتفاسير الباطنية (١).
علاقة العلوم بالقرآن:
قال الشاطبى: واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضار ما يضر منه، فمن علومها: علم النجوم وما يختص بها من الاهتداء في البر والبحر واختلاف الأزمان باختلاف سيرها، ومنها علوم الأنواء وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها، فبين الشرع حقها من باطلها، ومنها علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية، ومنها ما كان أكثره باطلًا أو جميعه كعلم العيافة، والزجر، والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحمى، والطِيَرَةُ؛ فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل ونهت عنه، ومنها علم الطب فقد كان في العرب منه شيء، ومنها التَّفَنُّنُ في علوم البلاغة، والخوض في وجوه الفصاحة، والتصرف في أساليب الكلام؛ وهو أعظم منتحلاتهم فجاءهم بما أعجزهم من القرآن الكريم (٢).
ثم قال: إن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها؛ وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح، نعم تضمن علومًا هي من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو
стр. 6890
الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بإعلامه والاستنارة بنوره (١).
قال ابن عاشور: إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب:
الأولى: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق، والفقه، والتشريع، والاعتقاد، والأصول، والعربية، والبلاغة.
الثانية: علوم تزيد المفسر علمًا كالحكمة، والهيأة، وخواص المخلوقات.
الثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض، والطب، والمنطق.
الرابعة: علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر، والعيافة، والميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافي (٢).
ضوابط وقواعد البحث في الإعجاز العلمي:
يجب أن تقوم هذه الأبحاث على ما يلي:
١ - علم اللَّه هو العلم الشامل المحيط الذي لا يعتريه خطأ ولا يشوبه نقص، وعلم الإنسان محدود يقبل الازدياد ومعرَّض للخطأ.
٢ - هناك نصوص من الوحي قطعية الدلالة، كما أن هناك حقائق علمية كونية قطعية.
٣ - في الوحي نصوص ظنية في دلالتها، وفي العلم نظريات ظنية في ثبوتها.
٤ - لا يمكن أن يقع صدامٌ بين قطعي من الوحي وقطعي من العلم التجريبي، فإن وقع في الظاهر فلا بد أن هناك خللًا في اعتبار قطعية العلم التجريبي.
٥ - إن نصوص الوحي قد نزلت بألفاظ جامعة تحيط بكل المعاني الصحيحة في مواضيعها التي قد تتابع في ظهورها جيلًا بعد جيل.
٦ - إذا وقع التعارض بين دلالة قطعية للنص وبين نظرية علمية رفضت هذه النظرية لأن النص وحي من الذي أحاط بكل شيء علمًا؛ وإذا وقع التوافق بينهما - تُقبل النظرية
стр. 6891
كوجهٍ من أوجه التفسير العلمي، وإذا كان النص ظنيًا والحقيقة العلمية قطعية وأمكن التأويل بضوابطه قُبل.
٧ - إذا وقع تعارض بين حقيقة علمية قطعية وبين حديث ظني في ثبوته، فيئوَّل الظني من الحديث ليتفق مع الحقيقة العلمية، وحيث لا يوجد مجال للتوفيق نتوقف (١).
٨ - إذا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تفسير الآية على قولين لَمْ يَجُز لمن بعدهم إحداث قول ثالث يخرج عن قولهم، وبهذا يُعلم بُطلان كثير من التفسير العلمي، فإن كثيرًا من أقوال أصحاب هذا الاتجاه تقرر معاني مغايرة تمامًا لما قاله السلف في الآية مما يلزم عنه نسبة جميع الأمة إلى الجهل والخطأ في تفسير ذلك الموضع (٢).
بخلاف ما لو وافق البعض واستلزم نقص البعض الآخر، فذلك لا يمنع التفسير به، مع مراعاة عدم التسرع في ترجيح وجه تفسيري دون مرجع معتبر (٣).
٩ - الالتزام بالمعاني اللغوية للآيات؛ لأن القرآن عربي مبين، وعَدُّ الربط اللغوي بين اللفظ القرآني والمصطلح العلمي دون إحاطة تامة بدلالات اللفظ القرآني من جهة وبتاريخ المصطلح العلمي وسيرته وما يدل عليه من جهة أخرى، فاستخدام مصطلح الذرة بمعناه الفيزيائي والكيميائي في لغة العلم العربية قد شاع وأصبح مقبولًا كمقابل لكلمة (atom) الإغريقية التي احتفظت بأصلها الإغريقي في جُل اللغات الأجنبية، لكنه لا يطابق المعنى اللغوي والبياني الذي يدل عليه السياق في القرآن الكريم (٤).
١٠ - أن تُراعى القواعد النحوية ودلالاتها، والقواعد البلاغية ودلالاتها، وخصوصًا قاعدة: (ألا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية)، فلا ينبغي فهم الآيات
стр. 6892
الكونية من القرآن الكريم بأن نعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا قامت القرائن الواضحة التي تمنع من إجراء اللفظ على ظاهره (١).
١١ - المطابقة بين آيات الكتاب الكريم وما يتصل بموضوعها من الحقائق العلمية من الآيات، ثم نفسر هذه الحقيقة في ضوء كل ما يتصل من الآيات؛ لأن القرآن يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بعضًا. (٢)
١٢ - أن نتوخى الدقة التامة، فلا نفتعل مناسبة أو نتشبث بلفظ ونحمله فوق ما يحتمل أو نتجاهل حقائق التاريخ. (٣)
١٣ - الرجوع إلى المأثور عن النبي ﷺ .
١٤ - الاستئناس بالتفاسير المختلفة (٤).
١٥ - الإلمام بآخر ما توصل إليه العلم في العقل الذي تتعرض له الآية الكريمة أو الحديث النبوي الشريف، وهذا يعني احترام التخصص العلمي حتى لا يخوض في القضية التخصصية كل خائض. (٥)
١٦ - التأكد من صحة الحديث النبوي الشريف ودرجته قبل التعرض لإثبات جوانب الإعجاز العلمي فيه. (٦)
* * *
стр. 6893
١ - شبهات عن عرض الجنة
نص الشبهة:
جاء في القرآن: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (آل عمران: ١٣٣)، و ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ (الحديد: ٢١)، و ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥).
الأرض لا يقارن حجمها بالنسبة إلى حجم السماء لضآلة حجم الأرض بالنسبة لها، فكيف في القرآن يُجمع بينهما؟ !
وفي هذه الآيات يضاف إلى حجم السماوات حجم الأرض، ومعلوم أن علم الفلك يصور لنا حجم الكون طبقا لما اكتشف حتى الآن فقط بما يقدر قطره بـ ٣٢ بليون سنة ضوئية أي: بمسافة ٣٠٠ ألف بليون بليون كيلو مترا، بينما قطر الأرض يساوي = ١٢٧٤٢ كيلو مترا، فالنسبة بين حجم الأرض وحجم السموات المعروفة حتى الآن تساوي = النسبة بين الرقم ١ إلى الرقم ١٣ وأمامه ٥٧ صفر، وكل ٩ أصفار منها تساوي = بليون؛ إذن حجم الأرض: حجم السموات = ١: ١٣ وأمامها ٥٧ صفرًا، فحتى لو افترضنا جدلًا أن هذه النسبة هي ١: ١٣٠ فقط لما جاز لشخص غير هازل أن يعتبر أن إضافة واحد إلى ١٣٠ تضفي على الـ ١٣٠ أية زيادة محسوسة! فلا يعقل إضافة حجم الأرض الهزيل الذي يعتبر لا شيء ليكون مضافًا إلى حجم السموات!
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية.
الوجه الثاني: يصح أن يذكر الشيء المحدود (المتناهي) مع اللامحدود (اللامتناهي) في مواضع، ولا يمكن أن ننكر ذلك مطلقًا.
الوجه الثالث: المقصود سماء وأرض المحشر يوم القيامة.
стр. 6894
الوجه الرابع: ذكرت الأرض هنا لدخولها في جملة مساحة السموات.
الوجه الخامس: المعنى: إذا كانت الأرض لها ثمن، والسموات لها ثمن؛ فإن ثمن الجنة أغلى من ثمنهما معًا.
الوجه السادس: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرة.
الوجه السابع: الاشتراك بين السموات والأرض في أن كلا منهما متناهٍ زائل.
الوجه الثامن: الكلامُ جارٍ على مقتضى كلام العرب من الاستعارة.
الوجه التاسع: المقارنة لمناسبة السامعين لا لعقد مقارنة بين حجم السماء والأرض.
الوجه العاشر: هذا من قبيل الأمر نسبي.
الوجه الحادي عشر: هذا من قبيل التصور البديهي.
الوجه الثاني عشر: ذكر الأرقام العلمية قد تجهد ذهن السامع.
الوجه الثالث عشر: أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا.
الوجه الرابع عشر: معنى الآية: أي الكون كله.
الوجه الخامس عشر: لابد من فهم العلاقة بين الأرض والسماء في القرآن الكريم.
الوجه السادس عشر: جنة النصارى في الأرض، وحجمها صغير لا يتسع لدخول جميع النصارى!
الوجه السابع عشر: معنى العرض ما لا ثبات له إلا بالجوهر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية:
عن ابن عباس قال: الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، وعنه أيضًا: إنَّ لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة (١).
قال ابن الجوزي: وإِنَّما وحَّد ﴿الْأَرْضِ﴾ مع جمع ﴿السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن الأرض تدل على
стр. 6895
الأَرَضِين (١).
قال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلا اللَّه، وهذا كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (الرحمن: ٥٤)، فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأتقن من البطائن (٢).
كلمة عرض (في القرآن) يختلف معناها من موضع إلى موضع آخر:
قال الراغب: (العرض) خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها كما قال: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: ٥١)، والعرض خُصَّ بالجانب، وأعرض الشيءُ: بدا عرضه، وعرضت العود على الإناء واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض، واعترض الفرس في مشيه وفيه عرضيه أي: اعتراض في مشيه من الصعوبة، وعرضت الشيء على البيع وعلى فلان ولفلان نحو: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (البقرة: ٣١)، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ (الكهف: ٤٨)، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (الأحزاب: ٧٢)، ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ (الأحقاف: ٢٠).
وعرضت الجند، والعارض: البادي عرضه فتارة يخص بالسحاب نحو: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (الأحقاف: ٢٤)، وبما يعرض من السقم فيقال: به عارض من سقم، وتارة بالخد نحو: أخذ من عارضيه، وتارة بالسن؛ ومنه قيل: العوارض للثنايا التي تظهر عند الضحك، وقيل: فلان شديد العارضة كناية عن جودة البيان، وبعير عروض: يأكل الشوك بعارضيه، والعرضة: ما يجعل معرضًا للشيء؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٤)، وبعير عرضة للسفر أي: يجعل معرضًا له، وأعرضك أظهر عرضه أي: ناحيته.
стр. 6896
فإذا قيل: اعرض لي كذا؛ أي: عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني فمعناه: ولَّى مبديًا عرضه؛ قال: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (السجدة: ٢٢)، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ (النساء: ٦٣)، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ (طه: ١٢٤)، ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٢)، وربما حذف عنه استغناء عنه نحو: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٨)، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: ٢٣)، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (سبأ: ١٦)، وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (آل عمران: ١٣٣) (١).
الوجه الثاني: يصح أن يذكر الشيء المحدود (المتناهي) مع اللامحدود (اللامتناهي) في مواضع، ولا يمكن أن ننكر ذلك مطلقًا .
فكل عاقل يؤمن بالآخرة يعلم أن الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، ومع ذلك فالكتب المقدسة تذكر الدنيا (الشيء المحدود/ المتناهي) وتذكر الآخرة (اللامحدود/ اللامتناهي). والسماوات مهما كبرت فهي شي محدود (متناهي)، فمن باب أولى أنه لا غبار على ذكر الأرض وذكر السماوات معًا.
قال ابن حزم: وصح أيضًا مسندًا عن رسول اللَّه ﷺ : أن الدنيا في الآخرة كأصبع في اليم (٢).
وهذا إنما هو في نسبة المسافة لا في نسبة المدة؛ لأن مدة الآخرة لا نهاية لها، وما لا نهاية له فلا ينسب منه شيء البتة بوجه من الأوجه، ولا هو أيضًا نسبة من السرور واللذة، ولا من الحزن والبلاء؛ فإن سرور الدنيا مشوب بألم ومتناه منقض، وسرور الآخرة وحزنها خالصان غير متناهيين. اهـ.
والسؤال: لماذا ذكرت الدنيا مع الآخرة في الكتب المقدسة، مع أنها جاءت لتذم الدنيا
стр. 6897
(فمهما طالت فهي قصيرة) وترغب في الآخرة (الأبدية)، فمن باب أولى ألا تذكر الدنيا ولا أي إشارة إليها من قريب أو من بعيد؟
١ - لمعرفة المنهج الذي يعيش الناس عليه في الدنيا (من عبادات، ومعاملات)؛ ليضمنوا سعادة الآخرة.
٢ - لإصلاح الأرض؛ فإن إصلاحها بطاعة اللَّه.
الوجه الثالث: المقصود سماء وأرض المحشر يوم القيامة .
أننا إذا فسرنا العرض بأنه خلاف الطول، وتصور ذلك أن يريد به أن يكون عرضها في النشأة الآخرة كعرض السموات والأرض في النشأة الأولى؛ وذلك أنه قد قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (إبراهيم: ٤٨)، ولا يمتنع أن تكون السموات والأرض في النشأة الآخرة أكبر مما هي الآن (١).
قلت: فتكون الأرض في هذه الحالة أكبر من تلك الأرض التي نعيش عليها الآن؛ فيصح بذلك أن نذكرها عند ذكر السموات؛ فإن أرض المحشر تتسع لجميع الخلق من إنس وجن وحيوانات وملائكة.
الوجه الرابع: ذكرت الأرض هنا لدخولها فى جملة مساحة السموات .
قال ابن حزم: قام البرهان من قبل رؤيتنا لنصب السماء أبدًا على أنه لا نسبة للأرض عند السماء ولا قدر، وقال : ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ وذكر رسول اللَّه ﷺ أن للجنة ثمانية أبواب، وقال ﵇: "فاسألوا اللَّه الفردوس الأعلى؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن"، فصح يقينا أنهما جنتان: أحدهما كعرض السموات والأرض، والأخرى عرضها كعرض السماء والأرض، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٤٦) إنما هو خبر عن الجميع أن لهم هاتين الجنتين، فالتي عرضها السموات والأرض هي السموات السبع؛ لأن عرض
стр. 6898
الشيء منه بلا شك، وكل جرم كرسي فإن جميع أبعاده عروض فقط.
وذكرت الأرض هنا لدخولها في جملة مساحة السموات ولإحاطة السموات بها والتي عرضها كعرض السماء والأرض هي الكرسي المحيط بالسموات والأرض؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) فصح أن عرضه كعرض السموات والأرض مضافًا بعض ذلك إلى بعض، فصح أن لها ثمانية أبواب في كل سماء باب؛ وفي الكرسي باب، وصح أن العرش فوق أعلا الجنة؛ وهو محل الملائكة، وموضعها ليس من الجنة في شيء، بل هو فوقها وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (غافر: ٧) بيانٌ جليٌ بان على العرشِ جرمًا آخر فيه الملائكة، وقد ذكر أن البرهان يقوم بذلك مَنْ أحكم النظر في الهيئة وهذه نصوص ظاهرة جلية دون تكلف تأويل.
وقوله تعالى: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ ذكر لجنس السموات؛ لأن السموات اسم للجنس يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ومثل هذا كثير مما إذا تدبره المتدبر دل على صحة ما قلناه من أن كل ما ثبت ببرهان فهو منصوص في القرآن وكلام النبي ﷺ . (١)
الوجه الخامس: المعنى: إذا كانت الأرض لها ثمن، والسموات لها ثمن، فإن ثمن الجنة أغلى من ثمنهما معًا
فقد أشار أبو مسلم الأصفهاني أن العرض هاهنا من عرض البيع؛ فقال: عرضها: ثمنها لو جاز بيعها من المعاوضة في عقود البياعات، من قولهم: بيع كذا بعرض: إذا بيع بسلعة، فمعنى عرضها أي: بدلها وعوضها كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا (٢).
قال الآلوسي: ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض هاهنا ليس مقابل الطول، بل هو من قولك: عرضت المتاع للبيع؛ والمعنى: أن ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض؛ والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها، وأنه لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض
стр. 6899
بمعنى: ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع (١).
قلت: وأنت إذا بعت أشياء كثيرةً جدًا فتأتي على شيء يسير بالنسبة لهذا الكثير لتذكره من ضمن المبيعات؛ لأنه شيء مميز عندك، فالأرض ذكرت مع السموات لأنها لها فضل عند اللَّه؛ فعليها مقدساته، ويعيش عليها عباده الصالحون.
وكذلك لو أنك اشتريت أشياء كثيرة، فإن جميع تلك الأشياء تكتب في فاتورة الحساب، ما صغر منها وما كبر؛ فيكتب أنك اشتريت قلما بجنيه، وفي نفس (الفاتورة) يكتب أنك اشتريت سيارة بثلاثين آلاف جنيه: مع أن ثمن السيارة يفوق أضعافًا مضاعفة ثمن القلم إلا أنهما ذُكرا في (فاتورة) واحدة، فالأمر ليس أن هذا صغير وهذا كبير في الثمن فلا يذكر هذا بجوار ذاك.
الوجه السادس: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرة .
كما يقال في ضده: الدنيا على فلان حلقة خاتم وكفة حابل وسعة هذه الدار كسعة الأرض (٢).
قلت: فالمسرة والفرح والسعادة التي يشعر بها من يدخل الجنة: أكثر بكثير مما يشعر بها أهل الدنيا؛ سواء من ساكني الأرض أو من ساكني السماء؛ خصوصًا أن هناك من الجن من يخرج خارج نطاق الأرض.
فالمقارنة هنا بين الجنة والأرض والسموات ليست مقارنة في الأحجام والأرقام الفلكية فقط؛ بل هي مقارنة السعادة: فلا حرج في ذكر الأرض حينئذ.
بل إن اللَّه قد يعطي عبده الطائع سعادة عظيمة وهو ما زال في الدنيا:
قال الغزالي: (في حال العارفين ونسبة لذتهم إلى لذة الغافلين): فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذة النظر إلى جلال اللَّه؛ فهم في مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية في جنة
стр. 6900
عرضها السموات والأرض بل أكثر؛ وهي جنة عالية قطوفها دانية؛ فإن فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة للمعارف (١).
قال محمود توفيق: صاحب القرآن الكريم تلاوةً وتدبرًا وتأدُّبًا في جنة عرضها السموات والأرض في حياته على الأرض، من قبل أن يكون فيها يوم القيامة، فيقال له: "اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" (٢).
الوجه السابع: الاشتراك بين السموات والأرض في أن كلا منهما متناه زائل .
فإن كلاهما متناهٍ سوف تزولان، وإن الجنة غير متناهية، فالآية تعقد مقارنة بين الأرض، والسموات، والجنة: فالأولتان زائلتان، والثالثة باقية، فأيهما تفضل الباقي أم الزائل؟ ! ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (فاطر: ٤١).
قال الرازي: إنما أخر إزالة السموات إلى قيام الساعة حِلمًا (٣).
قال ابن حزم: وبالبرهان الذي قدمناه على وجوب تناهي الأجسام وتناهي كل ما له عدد؛ يقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فلو لم يكن لتولد الخلق نهاية لكانوا أبدًا يحدثون بلا آخر، وقد علمنا أن مصيرهم الجنة أو النار، ومحال ممتنع غير ممكن أن يسع ما لا نهاية له فيما له نهاية من الأماكن؛ فوجب ضرورة أن للخلق نهاية فإذا ذلك واجب فقد وجب تناهي عالم الذر (٤).
قلت: فإذا كان هناك صفة مشتركة بين شيئين: فلا حرج في ذكرها، حتى ولو كان هذان الشيئان مختلفين اختلافًا كبيرًا في حجميهما.