فإذا قيل: اعرض لي كذا؛ أي: عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني فمعناه: ولَّى مبديًا عرضه؛ قال: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (السجدة: ٢٢)، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ (النساء: ٦٣)، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ (طه: ١٢٤)، ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٢)، وربما حذف عنه استغناء عنه نحو: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٨)، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (آل عمران: ٢٣)، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (سبأ: ١٦)، وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (آل عمران: ١٣٣) (١).
الوجه الثاني: يصح أن يذكر الشيء المحدود (المتناهي) مع اللامحدود (اللامتناهي) في مواضع، ولا يمكن أن ننكر ذلك مطلقًا .
فكل عاقل يؤمن بالآخرة يعلم أن الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، ومع ذلك فالكتب المقدسة تذكر الدنيا (الشيء المحدود/ المتناهي) وتذكر الآخرة (اللامحدود/ اللامتناهي). والسماوات مهما كبرت فهي شي محدود (متناهي)، فمن باب أولى أنه لا غبار على ذكر الأرض وذكر السماوات معًا.
قال ابن حزم: وصح أيضًا مسندًا عن رسول اللَّه ﷺ : أن الدنيا في الآخرة كأصبع في اليم (٢).
وهذا إنما هو في نسبة المسافة لا في نسبة المدة؛ لأن مدة الآخرة لا نهاية لها، وما لا نهاية له فلا ينسب منه شيء البتة بوجه من الأوجه، ولا هو أيضًا نسبة من السرور واللذة، ولا من الحزن والبلاء؛ فإن سرور الدنيا مشوب بألم ومتناه منقض، وسرور الآخرة وحزنها خالصان غير متناهيين. اهـ.
والسؤال: لماذا ذكرت الدنيا مع الآخرة في الكتب المقدسة، مع أنها جاءت لتذم الدنيا
стр. 6897
(فمهما طالت فهي قصيرة) وترغب في الآخرة (الأبدية)، فمن باب أولى ألا تذكر الدنيا ولا أي إشارة إليها من قريب أو من بعيد؟
١ - لمعرفة المنهج الذي يعيش الناس عليه في الدنيا (من عبادات، ومعاملات)؛ ليضمنوا سعادة الآخرة.
٢ - لإصلاح الأرض؛ فإن إصلاحها بطاعة اللَّه.
الوجه الثالث: المقصود سماء وأرض المحشر يوم القيامة .
أننا إذا فسرنا العرض بأنه خلاف الطول، وتصور ذلك أن يريد به أن يكون عرضها في النشأة الآخرة كعرض السموات والأرض في النشأة الأولى؛ وذلك أنه قد قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (إبراهيم: ٤٨)، ولا يمتنع أن تكون السموات والأرض في النشأة الآخرة أكبر مما هي الآن (١).
قلت: فتكون الأرض في هذه الحالة أكبر من تلك الأرض التي نعيش عليها الآن؛ فيصح بذلك أن نذكرها عند ذكر السموات؛ فإن أرض المحشر تتسع لجميع الخلق من إنس وجن وحيوانات وملائكة.
الوجه الرابع: ذكرت الأرض هنا لدخولها فى جملة مساحة السموات .
قال ابن حزم: قام البرهان من قبل رؤيتنا لنصب السماء أبدًا على أنه لا نسبة للأرض عند السماء ولا قدر، وقال : ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ وذكر رسول اللَّه ﷺ أن للجنة ثمانية أبواب، وقال ﵇: "فاسألوا اللَّه الفردوس الأعلى؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن"، فصح يقينا أنهما جنتان: أحدهما كعرض السموات والأرض، والأخرى عرضها كعرض السماء والأرض، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٤٦) إنما هو خبر عن الجميع أن لهم هاتين الجنتين، فالتي عرضها السموات والأرض هي السموات السبع؛ لأن عرض
стр. 6898
الشيء منه بلا شك، وكل جرم كرسي فإن جميع أبعاده عروض فقط.
وذكرت الأرض هنا لدخولها في جملة مساحة السموات ولإحاطة السموات بها والتي عرضها كعرض السماء والأرض هي الكرسي المحيط بالسموات والأرض؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) فصح أن عرضه كعرض السموات والأرض مضافًا بعض ذلك إلى بعض، فصح أن لها ثمانية أبواب في كل سماء باب؛ وفي الكرسي باب، وصح أن العرش فوق أعلا الجنة؛ وهو محل الملائكة، وموضعها ليس من الجنة في شيء، بل هو فوقها وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (غافر: ٧) بيانٌ جليٌ بان على العرشِ جرمًا آخر فيه الملائكة، وقد ذكر أن البرهان يقوم بذلك مَنْ أحكم النظر في الهيئة وهذه نصوص ظاهرة جلية دون تكلف تأويل.
وقوله تعالى: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ ذكر لجنس السموات؛ لأن السموات اسم للجنس يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ومثل هذا كثير مما إذا تدبره المتدبر دل على صحة ما قلناه من أن كل ما ثبت ببرهان فهو منصوص في القرآن وكلام النبي ﷺ . (١)
الوجه الخامس: المعنى: إذا كانت الأرض لها ثمن، والسموات لها ثمن، فإن ثمن الجنة أغلى من ثمنهما معًا
فقد أشار أبو مسلم الأصفهاني أن العرض هاهنا من عرض البيع؛ فقال: عرضها: ثمنها لو جاز بيعها من المعاوضة في عقود البياعات، من قولهم: بيع كذا بعرض: إذا بيع بسلعة، فمعنى عرضها أي: بدلها وعوضها كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا (٢).
قال الآلوسي: ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض هاهنا ليس مقابل الطول، بل هو من قولك: عرضت المتاع للبيع؛ والمعنى: أن ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض؛ والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها، وأنه لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض
стр. 6899
بمعنى: ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع (١).
قلت: وأنت إذا بعت أشياء كثيرةً جدًا فتأتي على شيء يسير بالنسبة لهذا الكثير لتذكره من ضمن المبيعات؛ لأنه شيء مميز عندك، فالأرض ذكرت مع السموات لأنها لها فضل عند اللَّه؛ فعليها مقدساته، ويعيش عليها عباده الصالحون.
وكذلك لو أنك اشتريت أشياء كثيرة، فإن جميع تلك الأشياء تكتب في فاتورة الحساب، ما صغر منها وما كبر؛ فيكتب أنك اشتريت قلما بجنيه، وفي نفس (الفاتورة) يكتب أنك اشتريت سيارة بثلاثين آلاف جنيه: مع أن ثمن السيارة يفوق أضعافًا مضاعفة ثمن القلم إلا أنهما ذُكرا في (فاتورة) واحدة، فالأمر ليس أن هذا صغير وهذا كبير في الثمن فلا يذكر هذا بجوار ذاك.
الوجه السادس: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرة .
كما يقال في ضده: الدنيا على فلان حلقة خاتم وكفة حابل وسعة هذه الدار كسعة الأرض (٢).
قلت: فالمسرة والفرح والسعادة التي يشعر بها من يدخل الجنة: أكثر بكثير مما يشعر بها أهل الدنيا؛ سواء من ساكني الأرض أو من ساكني السماء؛ خصوصًا أن هناك من الجن من يخرج خارج نطاق الأرض.
فالمقارنة هنا بين الجنة والأرض والسموات ليست مقارنة في الأحجام والأرقام الفلكية فقط؛ بل هي مقارنة السعادة: فلا حرج في ذكر الأرض حينئذ.
بل إن اللَّه قد يعطي عبده الطائع سعادة عظيمة وهو ما زال في الدنيا:
قال الغزالي: (في حال العارفين ونسبة لذتهم إلى لذة الغافلين): فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذة النظر إلى جلال اللَّه؛ فهم في مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية في جنة
стр. 6900
عرضها السموات والأرض بل أكثر؛ وهي جنة عالية قطوفها دانية؛ فإن فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة للمعارف (١).
قال محمود توفيق: صاحب القرآن الكريم تلاوةً وتدبرًا وتأدُّبًا في جنة عرضها السموات والأرض في حياته على الأرض، من قبل أن يكون فيها يوم القيامة، فيقال له: "اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" (٢).
الوجه السابع: الاشتراك بين السموات والأرض في أن كلا منهما متناه زائل .
فإن كلاهما متناهٍ سوف تزولان، وإن الجنة غير متناهية، فالآية تعقد مقارنة بين الأرض، والسموات، والجنة: فالأولتان زائلتان، والثالثة باقية، فأيهما تفضل الباقي أم الزائل؟ ! ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (فاطر: ٤١).
قال الرازي: إنما أخر إزالة السموات إلى قيام الساعة حِلمًا (٣).
قال ابن حزم: وبالبرهان الذي قدمناه على وجوب تناهي الأجسام وتناهي كل ما له عدد؛ يقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فلو لم يكن لتولد الخلق نهاية لكانوا أبدًا يحدثون بلا آخر، وقد علمنا أن مصيرهم الجنة أو النار، ومحال ممتنع غير ممكن أن يسع ما لا نهاية له فيما له نهاية من الأماكن؛ فوجب ضرورة أن للخلق نهاية فإذا ذلك واجب فقد وجب تناهي عالم الذر (٤).
قلت: فإذا كان هناك صفة مشتركة بين شيئين: فلا حرج في ذكرها، حتى ولو كان هذان الشيئان مختلفين اختلافًا كبيرًا في حجميهما.
стр. 6901
فإذا كنت واقفًا أمام بحر عظيم، وفي يدك وعاء به ماء عذب: فأنت تقول هذا الماء الذي في الوعاء ماء عذب وهذا الماء الذي في البحر ماء مالح، مع أن ماء الوعاء ماءٌ قليلٌ جدًا بالنسبة لماء البحر.
فالمقارنة ليست مقارنة بين الأحجام ولكن مقارنة بين الصفات.
الوجه الثامن: الكلامُ جار على مقتضى كلام العرب من الاستعارة .
فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات والأرض، كما تقول للرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه (١).
قال محمد الشربيني الخطيب: وذكر العرض للمبالغة في وصف الجنة بالسعة؛ لأنّ العرض دون الطول كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (الرحمن: ٥٤) على أن الظهارة أعظم، يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا اللَّه تعالى، وهذا على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير (٢).
قلت: وهذا من باب قصد الترغيب لا قصد التحديد:
فإذا أردت أن ترغب إنسانًا في أمرٍ قد تستخدم الاستعارات والكنايات لتشويقه، فاستعمال الأسلوب الأدبي في اللغة ليس معنى ذلك التصادم مع الحقائق العلمية، فالتشبيه، والكناية، والاستعارة؛ أمور مستعملة في شتى اللغات، وليس في اللغة العربية فقط.
الوجه التاسع: المقارنة لمناسبة السامعين لا لعقد مقارنة بين حجم السماء والأرض .
فاللَّه يوضح للإنسان الذي يتصارع مع أخيه الإنسان على شبر من الأرض، وما يحدث بين الدول من الحروب المدمرة الممتدة لسنوات طويلة من أجل أن دولة تريد أن تمتلك جزءًا من الدولة المجاورة، أو أن تسيطر عليها تمامًا وعلى باقي دول الجوار.
كل ذلك اللَّه يوضح للإنسان أن الجنة خير من تلك الأرض التي تتصارعون عليها،
стр. 6902
وتفنون حياتكم من أجل اكتناز خيراتها؛ حياتكم هذه أَوْلى أن تنفق في طاعة اللَّه فيعطيكم خيرًا من ذلك.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران ١٤: ١٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ (التوبة: ١١١).
الوجه العاشر: هذا من قبيل الأمر نسبي .
لو افترضنا أن هناك إنسانًا واقفًا على سطح المريخ (يعتبره كأنه كوكبه الذي يعيش عليه) فهو ينظر إلى أعلى فيرى سماء تحوي كواكب منها كوكب الأرض، ونحن الذين نعيش على الأرض ننظر وكأن المريخ من ضمن السماء التي تعلونا، فكلمة السماء: تعني كل ما يعلوك.
وكما أن النظرية النسبية تثبت أن الزمن هو أمر نسبي، فاليوم الذي تقضيه وأنت تعيش على الأرض ليس كاليوم الذي تعيش وأنت على المريخ.
وكذلك المكان أمر نسبي، فكان لابد من ذكر الأرض؛ لأنه بالنسبة لنا هي ليست جزءًا من السماء، وبالنسبة لمن يعيش على المريخ ينظر إليها وكأنها جزءٌ من السماء لا ينفك عنها.
واللَّه أنزل القرآن على أهل الأرض، فكان لزامًا ذكر الكوكب الذي يعتبر سكنًا لهم ثم ذكر السماء التي يعدونها أنها كل ما هو خلاف الأرض.
والأمور النسبية مذكورة في القرآن والسنة:
١ - قال محمد الشربيني الخطيب:
стр. 6903
كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (هود: ١٠٧) أي: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان (١).
قلت: فظن الناس بمنح السموات والأرض صفة الديمومية أنما هو أمر نسبي، والأولى إعطاء هذه الصفة للجنة ولمن يدخلها؛ لأنهم رأوا الأمم والحضارات تفنى والأرض والسموات باقية، فهذا البقاءٌ بقاءٌ نسبيٌ، كأن تقول: خرج كل الأولاد من الفصل وبقي ولدٌ واحدٌ، ومع ذلك فإن هذا الولد ما يمكث إلا وقتًا قليلًا وسيغادر المكان.
ومساواة عرض الجنة بعرض السموات والأرض أمر نسبي، وإلا فعرض الجنة أعظم من ذلك، وعند مساواة أمور نسبية بعضها ببعض أو ذكر شيء نسبي في أحد طرفي المعادلة للمساواة بينهما يمكن ذكر الأرض؛ حتى ولو كان حجمها أصغر بكثير من حجم السموات.
وأضرب مثالًا على ذلك: الإنسان البدائي إذا نظر إلى نجوم السماء، فمن أول وهلة يشعر بصغر حجمها بالنسبة إلى الأرض، مع أن النجم الواحد قد يفوق مئات المرات مثل حجم الأرض.
إذن هناك فارق بين ذكر الأمور النسبية، وذكر الحقائق العلمية والأرقام الفلكية، وذكر الأمور النسبية ليس عيبًا في حد ذاته؛ بل المستكشف للكون وأفلاكه يعلم أنه لابد من الأخذ في الاعتبار الأمور النسبية (كالزمن النسبي) جنبًا إلى جنب للأرقام الفلكية، وهذا ما جعل النظرية النسبية لـ (أنشتين) تحظى برواج بالغ بين الأوساط العلمية.
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ (الزمر: ١٠).
قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة (٢).
стр. 6904
٣ - قال ابن حزم: وإن نارنا هذه أبرد من نار جهنم بتسع وستين درجة، وهكذا نشاهد من فعل الصواعق فإنها تبلغ من الإحراق والأذى في مقدار اللمحة ما لا تبلغه نارنا في المدد الطوال (١).
قلت: إذن حتى إحراق النار فهو أمر نسبي، فنار جهنم نسبة إحراقها غير نسبة إحراق نار الدنيا.
حتى إن الأمور النسبية نستعملها في حياتنا وكلامنا، فعندما أقول لك: إني أحبك عدد حبات الرمال، وعدد قطرات ماء البحار، ظنًا مني أن حبي لك غير محدود، كما أن عدد حبات الرمال، وعدد قطرات ماء البحار غير محدود، مع أن حبات الرمال وقطرات ماء البحار لهما عدد ما لا نعلمه واللَّه يعلمه؛ قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (الأنعام: ٥٩).
الوجه الحادي عشر: هذا من قبيل التصور البديهي .
فعلى قول المشككين في هذه الآية: إن القرآن المفترض أن يقول: وجنة عرضها السموات، فنرد عليهم ونقول: إذا الأرض التي نعيش عليها ليست داخلة في هذه المعادلة؛ فالإنسان لا يتصور كبر حجم السموات من أول وهلة إلا أن يكون لديه معلومات عن عدد الكواكب، والنجوم، والنيازك، والشهب، والمسافة بينهم، وما إلى ذلك من معلومات؛ لأنه لم يجئ عليها ولم يلمسها بيده، لكن عندما يذكر له أن الجنة أكبر من الأرض (التي بها بلاد كثيرة، وبحار عميقة) مضافًا إلى ذلك حجم السموات فعلى الفور يصل لذهنه أن الجنة عظيمة.
فالمشاهد التي يراها بعينه ليل نهار توصله للتصور البديهي، فإذا قيل له كلمة: (شجرة) وصل لذهنه في لمح البصر كل ما يحيط بذهنه من معلمات عنها.
стр. 6905
فالقرآن نزل ليفهمه المزارع، والعالم، والصانع، والطبيب، فاستعمال التصور البديهي في القرآن أفضل من استعمال المقدمات المنطقية التي لا يفهمها كثير من الناس.
الوجه الثاني عشر: ذكر الأرقام العلمية قد تجهد ذهن السامع .
اللَّه يعلم حجم الأرض كم هو؟ وكذلك حجم السماء، ويعلم النسبة بين حجميهما، ومع ذلك لم يذكر تلك الأرقام لتلك الأحجام: لحكم عديدة، منها:
- أن السامع ربما لا يتحصل له من ذلك إلا أنه قد علم كبر حجم السماء بالنسبة لحجم الأرض.
- وأن كلًّا من حجميهما كبير بالنسبة لحجمه هو.
الوجه الثالث عشر: أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا .
فالطول والعرض هنا هما اللذان يقاسان بالوحدات القياسية المختلفة (متر، كم. . .)، وذلك يختلف عن الوحدات القياسية في الآخرة، حتى لو استخدمنا القياس بالسنين الضوئية فلا نستطيع أن ننكر ذكر الأرض إذا افترضنا إجراء المعادلة القياسية النسبية بين: الجنة، والسموات، والأرض؛ لأن قياس الجنة والسموات السبع أمور غيبية بالنسبة لنا؛ فكان لا بد من وجود طرف معلوم ومشاهد لنا وهو الأرض.
الوجه الرابع عشر: معنى الآية: أي الكون كله .
فالمقصود أن هذا الحجم لعرض الجنة يشمل ما أنتم تحيون عليه وما لا تحيون عليه، والجنة أكبر منه.
قال االزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا اللَّه، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (هود: ١٠٧) يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان (١).
الوجه الخامس عشر: لابد من فهم العلاقة بين الأرض والسماء القرآن الكريم .
стр. 6906
جاءت لفظة: (السماء) في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة مواضع:
- منها مائة وعشرون بالإفراد (السماء).
- ومائة وتسعون بالجمع (السماوات).
- كذلك جاءت الإشارة إلى (السماوات والأرض وما بينهما) في عشرين موضعًا من تلك المواضع: (المائدة: ١٧، ١٨)، (الحجر: ٨٥)، (مريم: ٦٥)، (طه: ٦)، (الأنبياء: ١٦)، (الفرقان: ٥٩)، (الشعراء: ٢٤)، (الروم: ٨)، (السجدة: ٤)، (الصافات: ٥)، (ص: ١٠، ٢٧، ٦٦)، (الزخرف: ٨٥)، (الدخان: ٧، ٣٨)، (الأحقاف: ٣)، (ق: ٣٨)، (النبأ: ٣٧).
- وجاء ذكر: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ في موضع واحد (البقرة: ١٦٤)، والتي تشير إلى أن القرآن الكريم يفصل بين السماء والأرض بنطاق يضم السحاب، وهو ما يعرف بنطاق المناخ الذي لا يتعدي سمكه (١٦ كيلومترًا) فوق خط الاستواء، ويحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض (٧٥% بالكتلة).
وعلى ذلك فإن السماء في القرآن الكريم تشمل كل ما يحيط بالأرض بدءًا من نهاية نطاق المناخ إلى نهاية الكون التي لا يعلمها إلا اللَّه، ويشير القرآن الكريم إلى أن اللَّه -تعالى- قد قسم السماء إلى سبع سماوات، كما قسم الأرض إلى سبع أرضين؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (الطلاق: ١٢)، وقال : ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ (نوح ١٥: ١٦)، وقال عز من قائل: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (الملك: ٣). ويتضح من هذه الآيات بصفة عامة، ومن آيتي سورة نوح (١٥، ١٦) بصفة خاصة أن السماوات السبع متطابقة حول مركز واحد؛ يغلف الخارج منها الداخل، وإلا ما كان جميع ما في السماء الدنيا واقعًا في داخل باقي السماوات، فيكون كلٌّ من القمر والشمس -وهما من أجرام السماء الدنيا- واقعين في كل السماوات السبع.
стр. 6907
- وجاء ذكر السماوات السبع في سبع آيات قرآنية كريمة هي: (الإسراء: ٤٤)، (المؤمنون: ٨٦)، (فصلت: ١٢)، (الطلاق: ١٢)، (الملك: ٣)، (نوح: ١٥، ١٦)، (النبأ: ١٢).
- كذلك جاءت الإشارة القرآنية إلى سبع طرائق في (المؤمنون: ١٧)، واعتبرها عددٌ من المفسرين إشارة إلى السماوات السبع، كان الاشتقاق اللفظي يحتمل غير ذلك.
ويشير القرآن الكريم إلى أن النجوم والكواكب هي من خصائص السماء الدنيا وذلك بقول الحق ﵎: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (الصافات: ٦)، وقوله : ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (فصلت: ١٢)، وقوله عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الملك: ٥)، وفي زمن تفجر المعارف العلمية والتطور المذهل للوسائل التقنية الذي نعيشه لم يستطع الإنسان إدراك سوى جزء صغير من السماء الدنيا، ولم يتجاوز إدراكه لذلك الجزء ١٠ % مما فيه! ! !
السماء في علوم الفلك: يقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من الكون بأكثر من أربعة وعشرين بليونا من السنين الضوئية (٢٤ بليون/ ٥.٩ مليون مليون كيلومتر)، وهذا الجزء من السماء الدنيا دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا اللَّه تعالى، وبسرعات لا يمكن للإنسان اللحاق بها؛ وذلك لأن سرعة تباعد بعض المجرات عنا وعن بعضها بعضًا تقترب من سرعة الضوء المقدرة بنحو الثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، وهذا الجزء المدرك من الكون مبني بدقة بالغة على وتيرة واحدة، تبدأ بتجمعات فلكية حول النجوم كمجموعتنا الشمسية التي تضم بالإضافة إلى الشمس عددًا من الكواكب والكويكبات، والأقمار والمذنبات؛ التي تدور في مدارات محددة حول الشمس، وتنطوي أمثال هذه المجموعة الشمسية بملايين الملايين في مجموعات أكبر تعرف باسم المجرات، وتُكَوِّن عشراتٌ من المجرات المتقاربة ما يعرف باسم المجموعة المحلية، وتلتقي المجرات ومجموعاتها المحلية فيما يعرف باسم الحشود المجرية، وتنطوي تلك في تجمعات محلية للحشود المجرية، ثم في حشود مجرية عظمى، ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية
стр. 6908
العظمى إلى ما هو أكبر من ذلك إلى نهاية لا يعلمها إلا اللَّه .
الوجه السادس عشر: معنى العرض ما لا ثبات له إلا بالجوهر .
العرض: ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون (العرض) لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم، وقيل: الدنيا عرض حاضر تنبيهًا أن لا ثبات لها؛ قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (الأنفال: ٦٧)، وقال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ (الأعراف: ١٦٩)، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ (التوبة: ٤٢) أي: مطلبًا سهلًا (١).
الوجه السابع عشر: جنة النصارى في الأرض، وحجمها صغير لا يتسع لدخول جميع النصارى !
وجنة عدن عندهم صغيرة لا تتسع لدخول جميع النصارى فهي في العراق؛ عرضها لا يساوي عرض الأرض ولا عرض السماء، فهم يقولون: غرس اللَّه جنة عدن التي تقع في بلاد الرافدين، (وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة. ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس: اسم الواحد فيشون، واسم النهر الثاني جيحون، والثالث حداقل (دجلة) وهو الجاري شرقي أشور، والرابع الفرات) (تكوين ٢: ١٠ - ١٤).
(وليس بالمصادفة أن ترى بالعراق الحدائق المعلقة وهى إحدى عجائب الدنيا السبع. غالبًا أحداث خلق آدم وحواء تمت بالعراق، حيث في ذات المكان غرس الرب الإله جنة في عدن شرقًا. ووضع هناك آدم الذي جبله) (تكوين ٢: ٨، ٧).
أول ظهور للرب سجله الكتاب المقدس كان في العراق حيث نقرأ عن آدم وامرأته (وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار) (تكوين ٣: ٨)
فجنة عدن هي في الأرض بالقرب من العراق، وكان يعيش فيها آدم بجسده وروحه، ويأكل ويتمتع، أما ملكوت اللَّه فهي بالروح فقط، وليس فيها أكل ولا شراب ولا تمتع بالجسد.
(سفر التكوين ٢: ٨ - ١٥): ٨ وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ
стр. 6909
آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ. ٩ وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ١٠ وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ: ١١ اسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَوِيلَةِ حَيْثُ الذَّهَبُ. ١٢ وَذَهَبُ تِلْكَ الأَرْضِ جَيِّدٌ. هُنَاكَ المُقْلُ وَحَجَرُ الْجَزْعِ. ١٣ وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِى جِيحُونُ، وَهُوَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ. ١٤ وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ. ١٥ وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.
وأيضًا (٣: ٢٣) فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. ٢٤ فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.
وفي التفسير التطبيقي:
كانت الحياة في جنة عدن شبيهة بالحياة في السماء (سفر التكوين).
قلت: إذن جنة عدن (عندهم) ليست في السماء بل في الأرض ذات المساحة المحدودة، فكيف ستتسع لتستضيف كل النصارى منذ عيسى حتى قيام الساعة؟ !
* * *
стр. 6910
٢ - شبهة: هل الجلد مصدر الإحساس بالألم أم لا ؟
نص الشبهة:
هل الجلد مصدر الإحساس بالألم، أم أن مركز الإحساس هو الجهاز العصبي؟
وقد استخدم الرسول ﷺ الكي بالنار مع بعض الصحابة، فقد ثبت أنه كوى سعد بن معاذ وأُبي بن كعب (١) ليرقأ الدم، فهذا يدل على أن الإحساس ليس في الجلد ولو كان ذلك كذلك لما فعله مع صاحبه سعد، وقد استخدم الصينيون العلاج بالإبر الصينية حيث يضعونها في أماكن خالية من الخلايا العصبية، إذن العلم يقول: إن الجهاز العصبي هو مركز الإحساس ومحمد ﷺ يأتي بقرآن يقول: إن الإحساس إنما هو في الجلد كما في الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ٥٦).
فكيف يستقيم ذلك مع العلم الحديث؟ !
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: معنى الآية إجمالًا .
الوجه الثاني: أقوال العلماء في كيفية تبديل الجلود وعلاقتها بالإحساس بالألم.
الوجه الثالث: الجانب الطبي حول مصدر الإحساس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: معنى الآية إجمالًا.
قال الطبري: هذا وعيد من اللَّه جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل اللَّه على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار وبرسوله؛ يقول اللَّه لهم: إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد ﷺ من آياتي؛ يعني: من آيات تنزيله ووحي كتابه
стр. 6911
وهي دلالاته وحججه على صدق محمد ﷺ فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ يقول: سوف ننضجهم في نار يصلون فيها؛ أي: يشوون فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ يعني: غير الجلود التي قد نضجت انشوت (١).
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عما يُعاقب به في نار جهنم مَنْ كفر بآياته وصد عن رسله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية: أي ندخلهم نارًا دخولًا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (٢).
يُخْبِرُ اللَّه تعالى: بِأَنَّهُ سَيُعَاقِبُ الكَافِرِينَ بِآيَاتِ اللَّه وَبِرُسُلِهِ، بِإِحْرَاقِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَكُلَّمَا احْتَرَقَتْ جُلُودُهُمْ أَبْدَلَهُمْ غَيْرَها لِيَسْتَمِرُّوا فِي تَحَسُّسِ العَذَابِ وَآلامِهِ، وَاللَّه عَزِيزٌ لَا يَتَحَدَّاهُ أَحَدٌ، حَكِيمٌ فِي تَصَرُّفِهِ، يَعْرِفُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْعُقُوبَةِ فَيُعَاقِبُهُ، وَمَنْ هُوَ أَهْل لِلْثَّوَابِ فَيُثِيبُهُ (٣).
الوجه الثاني: أقوال العلماء في كيفية تبديل الجلود، وعلاقتها بالإحساس والألم .
قال الطبري: فإن سأل سائل فقال: وما معنى قوله جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلودًا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا، فيعذَّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندك، فأجز أن يُبدَّلوا أجسامًا وأرواحًا غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذَّب، وإن أجزت ذلك لزمك أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غيرَ الذين أوعدهم اللَّه العقابَ على كفرهم به ومعصيتهم إياه، وأن يكون الكفار قد ارتفعَ عنهم العذاب!
стр. 6912
قيل: إن الناس اختلفوا في معنى ذلك.
فقال بعضهم: العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، وأما الجلد واللحم، فلا يألمان، قالوا: فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيره؛ إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة، وإنما الآلمةُ المعذبةُ النفسُ التي تُحِس الألم، ويصل إليها الوجع. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألَمُ.
وقال آخرون: بل الجلودُ تألم، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بني آدم، وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا: ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ بدلناهم جلودًا غير محترقة، وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقتْ، فأعيدت غير محترقة؛ فلذلك قيل: ﴿غَيْرَهَا﴾؛ لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا، التي عصوا اللَّه وهى لهم. قالوا: وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتمًا من خاتم مَصُوغ بتحويله عن صياغته التي هُو بها إلى صياغة أخرى: "صُغْ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره"، فيكسره ويصوغ له منه خاتمًا غيره، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتمًا قيل: "هو غيره". قالوا: فكذلك معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق قيل: "هي غيرها" على ذلك المعنى.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾: سرابيلهم بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها، فجعلت السرابيل من القطران لهم جلودًا، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: هو جِلدة ما بين عينيه ووجهه لخصُوصه به. قالوا: فكذلك سرابيل القطران التي قال اللَّه في كتابه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم: ٥٠)، لما
стр. 6913
صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، جعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر (١).
قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحترق؛ لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها رَاحتها. قالوا: وقد أخبر اللَّه تعالى ذكره عنها: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا: وجلود الكفار أحد أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء، ثم الإعادة والموت، ثم الإحياء، وقد أخبر اللَّه عنهم أنهم لا يموتون! قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحدُ تلك الأجزاء.
وأما معنى قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات اللَّه ويجحدونها (٢).
دحض افتراء من قال: كيف جاز أن يعذب جلدًا لم يعصه ؟
ومع يقيننا بأن اللَّه تعالى لا يظلم أحدًا، وأنه تعالى أحكم الحاكمين؛ وهو عندنا متقرر، لكن هذا الأمر لم يصل إليه الزنادقة بعدُ فراحوا يطعنون في القرآن فقالوا: كيف جاز أن يعذب جلدًا لم يعصه؟
وأجيب عن هذا الطعن: بأن الجلد ليس بمعذب ولا معاقب؛ وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: ٩٧)، فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح، ولو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب (٣).
стр. 6914
وعلية التبديل متمثلة في قوله تعالى ﴿لِيَذُوقُوا﴾ ألم ﴿الْعَذَابَ﴾ أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ لا يمتنع عليه ما يريد (١).
ومن منطلق الإيمان بقدرة اللَّه تعالى على تعذيب الكافرين في النار وإبقائهم فيها أبدًا دون الحاجة إلى حرق الجلد وتبديله يقول ابن عادل الحنبلي: فَإنْ قِيل: إنَّهُ تعالى قادِرٌ على إبْقَائِهِمْ أحْياء في النَّارِ أبَدَ الآبَادِ، فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانهمُ في النَّارِ مَصُونةً عن النضْجِ، مع إيصال الألم الشديد إليها مِنْ غيْرِ تَبْدِيلٍ لَهَا؟
فالجواب: أَنَّهُ لا يُسْألُ عما يفعلُ، بل نقولُ: إنَّهُ قَادِرٌ على أنْ يُوصِلَ إلى أبْدانِهم آلامًا عظيمةً من غيرِ إدْخَالِ النَّارِ مع أنه تعالى أدْخلَهم النَّارِ.
فإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعَذِّبُ جُلُودًا لم تكن في الدنيا ولم تَعْصِهِ؟
فالجوابُ من وُجُوهِ:
الأوَّلُ: أنه يُعَادُ الأولُ في كُلِّ مَرَّةٍ، وإنَّما قال: غيرَها لتبدل صفتها، كما تقولُ: صَنَعْتُ مِن خَاتَمِي خَاتمًا غيرَهُ، فالخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الأولُ؛ إلَّا أنَّ الصناعةَ والصِّفَةَ تبدَّلتْ.
الثاني: المعذَّبُ هو الإنسانُ في الْجِلْدِ لا الْجِلْدُ، بل الجِلْدُ كالشَّيءِ الملتَصِقِ به، الزَّائِدِ على ذَاتِهِ، فإذا جُدِّدَ الجِلْدُ صَارَ ذلك الجلدُ سَبَبًا لوصولِ العذاب إلَيْهِ، فالمعذبُ لَيْسَ إلَّا العَاصِي؛ يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ليَذُوقَ.
الثالث: قال السُّدِّيُّ: يُبَدَّلُ الجِلْدُ جِلْدًا غَيرَهُ مِنْ لَحْمِ الكَافِرِ.
الرابع: قال عَبْدُ الْعَزِيز بنُ يَحْيَى: إنَّ اللَّه -تعالى- يُلبِسُ أهْلَ النَّارِ جُلُودًا لا تألَّمُ، بل هي تُؤلِمُهُم: وَهِيَ السَّرَابِيلُ فكُلَّمَا احترق جِلْدٌ بدّلَهُم جِلْدًا غَيْرَهُ.
طعن القَاضِي في هذا فقال: إنه تَرْكٌ للظَّاهِرِ، وأيضًا السَّرَابِيلُ مِنَ القَطرَانَ لا تُوصَفُ بالنُّضْجِ، وإنما تُوصَفُ بالاحْتِراقِ.
стр. 6915
الخَامِسُ: يمكنُ أنْ يكونَ هذا استعارةً عن الدَّوَامِ، وعدمِ الانْقِطَاعِ؛ يُقالُ للموصوفِ بالدَّوام: كُلَّمَا انْتَهى فقد ابْتَدَأ، وكُلَّمَا وَصَلَ إلى آخره فقد ابتدَأ من أوله، فكذلك قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ يَعْني: أنهم كُلّما ظَنُّوا أنهم نَضِجُوا واحْتَرقُوا وانتهوا إلى الهلاكِ أعْطَيناهُم قُوَّةً جَديدةً من الحياة؛ بحيثُ ظنُّوا أنَّهم الآنَ وجدُوا، فيكونُ المقصودُ بيانَ دَوَام العَذَابِ.
فإن قيل: قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ إنما يُقالُ: فلانٌ ذَاقَ الشَّيءَ، إذَا أدْرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا منه، واللَّه تعالى قَدْ وَصَفَهُمْ بأنهم كانوا في أشدِّ العذابِ، فكيْفَ يَحْسُنُ أن يذكرَ بعد ذلك أنَّهم ذَاقُوا العذابَ؟
فالجوابُ: المقصودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ الإخبارُ بأنَّ إحساسَهُم بذلك العذابِ في كُلِّ حالٍ يَكُونُ كإحْسَاسِ الذَّائِقِ بالتذوق من حيثُ إنه لا يَدْخُلُ فيه نُقْصَانٌ، ولا زَوَالٌ بِسَبَبِ ذلك الاحتراقِ (١).
ومن فهمه للآية قطع أبو السعود بأن المعذب هو النفس، وأن الجلود أداة موصلة للعذاب، فقال: فمعنى قولِه تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ليدومَ ذَوْقُهم ولا ينقطِعَ، كقولك للعزيز: أعزَّك اللَّه، وقيل: يخلُق مكانَه جلدًا آخرَ، والعذابُ للنفس العاصيةِ لا لآلة إدراكِها. . . وقال الحسنُ: تأكلُهم النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفِ مرةٍ كلما أكلتْهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا (٢).
وروى أبو هريرةَ عن النبي ﷺ : "إن بين منكِبَي الكافرِ مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ للراكبِ
стр. 6916
المسرعِ" (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ضِرْسُ الكافرِ أو نابُ الكافرِ مثلُ أحُدٍ، وغِلَظُ جلدِه مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ" (٢).
والتعبيرُ عن إدراك العذابِ بالذوق ليس لبيان قلَّتِه بل لبيان أن إحساسَهم بالعذاب في كل مرةٍ كإحساس الذائقِ بالمذوق من حيث إنه لا يدخُله نقصانٌ بدوام الملابَسةِ، أو للإشعار بمرارة العذابِ مع إيلامه، أو للتنبيه على شدة تأثيرِه من حيث إن القوةَ الذائقةَ أشدُّ الحواسِّ تأثرًا، أو على سِرايته للباطن، ولعل السرَّ في تبديل الجلودِ - مع قدرتِه تعالى على إبقاء إدراكِ العذابِ وذوقِه بحاله مع الاحتراق أو مع إبقاء أبدانِهم على حالها مَصونةً عن الاحتراق - أن النفسَ ربما تتوهَّمُ زوالَ الإدراكِ بالاحتراق ولا تستبعد كلَّ الاستبعادِ أن تكون مصونةً عن التألم والعذابِ صيانةَ بدنِها عن الاحتراق (٣).
وهل التبديل بجلد آخر أم هو الجلد الأول بعد تغيير صفته.
قال السمرقندي: وقد طحنت الزنادقة في هذا وقالوا: إن الجلد الذي تبدل لم يذنب، فكيف يستحق العقوبة والعذاب؟ وقيل لهم: إن ذلك الجلد هو الجلد الأول، ولكنه إذا أحرق أعيد إلى الحال الأول، كالنفس إذا صارت ترابًا وصارت لا شيء ثم أحياها اللَّه تعالى، فكذلك هاهنا.
وقوله تعالى ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ هو كقوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: ٤٨) قال ابن عباس ﵁: يعني يزاد في سعتها، وتسوى جبالها وأوديتها.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: لكي يجدوا مس العذاب (٤).
стр. 6917
وقال ابن عبد السلام: المقصود إيلام الأرواح بواسطة الجلود واللحم فتحرق الجلود لإيلام الأرواح واللحم والجلد لا يألمان فإذا احترق الجلد فسواء أُعيد بعينه أو أُعيد غيره، أو تعاد تلك الجلود الأول جديدة غير محترقة، أو الجلود المعادة هي سرابيل القطران سميت جلودًا لكونها لباسًا لهم؛ لأنها لو فنيت ثم أُعيدت لكان ذلك تخفيفًا للعذاب فيما بين فنائها وإعادتها، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (البقرة: ١٦٢) (١).
ويبدأ الآلوسي من حيث انتهى من قبله وينفي عن نفسه أن يظن به سوءًا وهي فكرة استحالة إيجاد المعدوم ويستعيذ باللَّه من هذا الظن؛ فيقول: أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدًا جديدًا مغايرًا للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق، فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته. وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلًا عن فاضل؛ وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور، وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلمًا مثلًا آلة له كالسيف الذي قتل به، ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سببًا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه؛ لأن ذلك الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت، وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن مِنْ أهل النار مَنْ يملأ زاوية من زوايا جهنم (٢)
стр. 6918
وأن سن الجهنمي كجبل أحد (١)، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم ﵇ ستين ذراعًا في عرض سبعة أذرع (٢)، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام، بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيخوخة، وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر؛ بل كمغايرة زيدٍ المطيع لعمروٍ العاصي مثلًا، على أنه لو قيل: إن الكافر يعذب أولًا ببدن من حديد تحله الروح، وثانيًا: ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول: إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار؟ ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفرًا لم يبعد عقلًا القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط (٣).
وقال الشعراوي: فهل التعذيب للجلود أو للأعضاء؟ إن العذاب دائمًا للنفس الواعية، وإن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية، ونظرية (الحسّ) -كما نعرف- شغلت العلماء الماديين، وأرادوا أن يعرفوا كيف نحسّ؟
منهم من قال: نحن نحسّ بالمخ. نقول لهم: لكن هناك مسائل لا تصل للمخ ونحس بها، بدليل أنه عندما يأتي واحد أمام عيني ويوجه أصبعه ليفتحها ويثقبها قبل أن يصل أصبعه أغلق عيني؛ أي: أن شيئًا لم يصل للمخ حتى أحسّ.
وبعض العلماء قال: إن الإحساس يتم عن طريق النخاع الشوكي والحركة العكسية. ثم انتهوا إلى أن الإحساس إنما ينشأ بشعيرات حسية منبطحة مع الجلد؛ بدليل أنك عندما
стр. 6919
تأخذ حقنة في العضل، فالحقنة فيها إبرة، ويكون الألم مثل لدغة البرغوث يحدث بمجرد ما تنفذ الإبرة من الجلد، وبعد ذلك لا تحس، إذن فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، بدليل أن ربنا أوضح أنه عندما يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم الجلد ليستمر الإحساس ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: صارت محترقة احتراقًا تامًا وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد آخر لأُديم عليهم العذاب؛ لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن فالآية مسَّت قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة في الإحساس تقول: يا بني آدم، محلُّ الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئًا، لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فتكون علَّة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب، ويُذَيِّلُ الحقُّ الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ والعزيز: هو الذي لا يُغلب، ولا تَقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبدًا، فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ساعتين فما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة؟ ! نقول له: لا، إن الذي يعذبك لا يُغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، وسبحانه حكيم، فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا؛ هو يستعمل جبروته بعدالة (١).
الوجه الثالث: الجانب الطبي حول مصدر الإحساس .
وإذا انتقلنا من الجانب الشرعي إلى الجانب الطبي فنجد أنه قد تقرر عند الأطباء أن: النخاع الشوكي يتصل بالمخ عن طريق فتحة كبيرة في مؤخرة الجمجمة، ويقع النخاع الشوكي داخل قنوات في العمود الفقري، وأيضًا تحوطه طبقة من العظام (عظام الفقرات) والأغلفة الثلاثة، والسائل الشوكي، ويبلغ طوله حوالي ثلاثة وأربعين سنتيمترًا، وقطره
стр. 6920
حوالي سنتيمتر واحد، ويتفرع منه واحد وثلاثون زوجًا من الأعصاب تخرج جميعها خلال ثقوب صغيرة من بين الفقرات، وتوزع على بقية أجزاء الجسم لتقوم بنقل الأحاسيس، وكل عصب شوكي موكل بنقل إحساس معين من مكان محدود، ويأمر مجموعة معينة من العضلات بأوامر معينة في دقة وانسجام.
وعملية نقل الحس تثير الدهشة والتعجب، حيث تنقل الأحاسيس إلى خلايا الأعصاب الشوكية في النخاع الشوكي؛ ليصل في النهاية إلى المخِّ الذي يقوم بترجمتها وإصدار الأوامر إلى تلك الأعصاب؛ لتحرك عضلات معينة وفقا لما تقتضيه الحاجة، ولنا أن نتخيل أن عدد الإشارات التي تصب في الجهاز العصبي في كل ثانية (١٠٠.٠٠٠.٠٠٠) مائة مليون إشارة قادمة من الأعضاء الحسية، فالجلد مثلًا يحتوي على الأجهزة الآتية:
(٣.٠٠٠.٠٠٠ إلى ٤.٠٠٠.٠٠٠) من ثلاثة إلى أربعة ملايين جهاز للألم.
(٥٠٠.٠٠٠) خمسمائة ألف جهاز خاص باللمس أو الضغط.
(٢٠٠.٠٠٠) مائتي ألف جهاز حساس للحرارة.
ومن هنا نستشعر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ (النساء: ٥٦).
فمن راجع أقوال بعض العقلانيين قديمًا ومحاولتهم أن يلبسوا الإسلام ثوب العلم بِلَيِّ أعناق النصوص وجد العجب .
انظر مثلًا إلى قول من قال إن الجلد ليس مسئولًا عن الإحساس بل هو المخ (وكان هذا هو الاعتقاد السائد في الأوساط العلمية حتى منتصف القرن الماضي)
وحاول أن يؤول آية النساء: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ. . .﴾ لأنها لا توافق العلم!
وقد أثبت العلم الحديث أن الجلد هو المسئول عن الإحساس، وأن النهايات العصبية
стр. 6921
الموجودة فيه هي التي تعطي إشارات للمخ. . . إلخ (١)، وهذا يعنى أن الجهاز العصبي الذي يقولون إنه هو المسئول عن الإحساس بالألم ما هو إلا أحد أجزاء هذا الجلد، وإذا تأملنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ (النساء: ٥٦)، فإننا نجد أن الآية الكريمة تتحدَّث عن لون من ألوان العذاب الَّذي سَيُجزَى بهم الكافرون؛ وهو تبديل جلودهم المحترقة بغيرها، فيكون هذا العذاب من أشدِّ أنواع العذاب إيلامًا يعانون منه طيلة فترة إقامتهم في النار.
وقد كشف علمُ التشريح المجهري اليوم عن السرِّ في اختيار اللَّه لهذا النوع من التعذيب، فقد تبيَّن أن الجلد عضو غنيٌّ بالنهايات العصبية، الَّتي تقوم باستقبال جميع أنواع الحسِّ من المحيط الخارجي، كالإحساس بالألم والحرارة والضغط والبرودة، أمَّا النُسج الَّتي تلي طبقة الجلد فإنها أكثر تحسُّسًا بمستقبلات حسِّ الضغط، لكنها أقل منه تحسسًا بمستقبِلات الألم والحرارة واللمس؛ لذلك عندما يُحقن الشخص بإبرة فإنه يشعر بذروة الألم عندما تجتاز الإبرة الجلد، ومتى تجاوزت الجلد إلى الأنسجة الأخرى، تخفُّ درجة الإحساس بالألم، وعندما يتعرَّض الجلد للحرق فإن ذلك يؤدِّي للإحساس بألم شديد جدًا؛ لأن النار تنبِّه مستقبلات الألم، فإذا ما امتدَّ الحرق للأنسجة تحت الجلد يصبح الألم أخفَّ لأن هذه الأنسجة أقلُّ حساسيَّة بالألم.
وهكذا أشارت الآية القرآنية إلى أن أكثر أعضاء الجسم غنًى بمستقبلات الألم هو الجلد، كما أن الحروق هي أشدُّ المنبِّهات الأليمة، وتبديل الجلد المحترق بجلد سليم إشارة إلى استمرار الشعور بالعذاب والألم، بدل الانتقال إلى حالة من فقدان الحسِّ والشعور (٢).
وهو مما يبين أن وسائل الإحساس في الجلد، فلو احترق هذا الجلد وما بُدل فلن يحس
стр. 6922
بالنار، فاللَّه يبدل الجلود لكي يستمر الإحساس بعذاب النار، قد أشار بعضهم إلى أن الإعجاز يكمن في الجملة التعليلية الواردة في الآية ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وأن الآية ظاهرة الدلالة في أن علة التغيير والتبديل للجلود ليذوقوا المزيد من العذاب الأليم، فدل ذلك على أن أكثر أعضاء الجسم غنًى بمستقبلات الألم هو الجلد، كما أن الحروق هي أشد المنبهات الألمية.
وهذا ما عرفه العلم الحديث وقرره، ذلكم أن الجلد غني بالألياف العصبية التي تقوم باستقبال ونقل جميع أنواع الحس؛ لذا فإنه عندما يحقن الإنسان بإبرة فإنه يشعر بذروة الألم عندما تجتاز الإبرة الجلد، ومتى تجاوزت الجلد خف الألم، فظهر من الآية الكريمة أن تجديد الجلود ليستمر ويدوم الشعور بالألم دون انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم، أعاذنا اللَّه من عذابه (١).
وقد أثبت العلم الحديث أن الجسيمات الحسية المختصة بالألم والحرارة تكون موجودة في طبقة الجلد وحدها، ومع أن الجلد سيحترق مع ما تحته من العضلات وغيرها إلا أن القرآن لم يذكرها؛ لأن الشعور بالألم تختص به طبقة الجلد وحدها، فمن أخبر محمدًا ﷺ بهذه المعلومة الطبية؟ أليس اللَّه !
وأثبت أهلُ الطِبِّ أيضًا أن الإحساس بألمِ الحريق محصورٌ بالجلد؛ لأن نهايات الأعصابِ المتخصصةِ بالإحساس بالحرارةِ والبرودةِ محصورة بالجلد، ولو ذاب الجلدُ فلن يشعر الإنسانُ في الدنيا بألمِ الحريق، واللَّه تعالى يقولُ في القرآن: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ (النساء: ٥٦). (٢)
ومعلوم عندهم أيضًا أن الجلد تتركز فيه أعصاب الإحساس، فحروق الدرجة الأولى أشد ألمًا من حروق الدرجة الثانية أو الثالثة حيث تضعف أعصاب الإحساس.
وعن الشبكة العصبية في الجلد يتوسع أحد الأطباء في بيان ذلك فيقول:
стр. 6923
الجلد أكبر أعضاء جسم الإنسان من حيث المساحة، فمتوسط مساحته هو (٨.١ متر مربع، وهو يحيط بالجسم كله؛ فيحميه، ويكسبه مظهرًا جميلًا، كما أنه يتلقى المؤثرات الواقعة على الجسم من خارجه، وتظهر عليه انفعالات الجسم.
يتركب الجلد كما توصلت إليه البحوث الحديثة من ثلاث طبقات:
الخارجية (السطحية) الرقيقة؛ تسمى البشرة [Epidermis].
والوسطى (المتوسطة)؛ وتسمى الأدمة [Dermis] وهي الجلد الحقيقي.
والداخلية (السفك) وتسمى النسيج تحت الجلد [Subcutaneous tissue].
أما البشرة فهي طبقة خالية من الأوعية الدموية، وتقوم بحماية الجسم من التأثيرات الخارجية والصدمات؛ وهي أرق طبقات الجلد وإن كانت تتألف من أربع طبقات ثانوية، بالإضافة إلى طبقة خامسة في مناطق مثل راحة اليد وباطن القدم، وتسمى (الطبقة الصافية) أي: (الطبقة الرائقة).
وأما الأدمة فتحتوي أوعية دموية، وغدد عرقية، وبصيلات الشعر، والنهايات العصبية المستقبلة للألم، والشعور بالحرارة، والبرودة، واللمس، وخلافه، كما أنها هي التي تحدد (ثخانة) الجلد في مناطق مثل: راحة اليد وباطن القدم، وتتراوح ثخانة الجلد بين (٢/ ١ - ٥ ملليمترات) حسب مناطق الجسم.
وهكذا يتضح بالتشريح الدقيق للجلد وجود شبكة من الألياف العصبية توجد بها نهايات عصبية حرة، في طبقات الجلد، وتقوم هذه النهايات باستقبال جميع المؤثرات الواقعة على الجلد من البيئة الخارجية المحيطة به، من درجة حرارة، إلى رطوبة، إلى ضغط، إلى لمس، إلى ألم. . . إلخ، كما تتحمل هذه الشبكة العصبية المسؤولية في تنظيم عمل المكونات الأخرى الموجودة بالجلد مثل: الغدد الجلدية وأجربة [follicles] الشعر والأوعية الدموية [Blood vessels].
ومما يذكر في هذا المقام أن الطبقة السفلى (تحت الأدمة) غنية بالنهايات العصبية
стр. 6924
المسئولة عن الإحساس بالضغط لكنها -أي: الطبقة السفلى- فقيرة في مستقبلات الألم واللمس وتتبادل هذه النهايات العصبية [المستقبلات - Receptors]، الألم والشعور به، وفيها المسئول عن اللمس، الاحتكاك، والضغط. . . إلخ.
وانتهى به القول إلى القول أن الجلد عضو إحساس من الطراز الأول، وجه خريطة مدهشة من الأعصاب، لم يتم الكشف عنها إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، بعد تقدم وسائل البحوث الحديثة في كل من علم التشريح [Anatomy], وعلم الأنسجة [Histology] وغيرها من العلوم، إننا لن نفصل القول في الآلية (الميكانيكية) التي تعمل بها الأعصاب في جسم الإنسان، فمن يريد هذا التفصيل عليه مطالعة الكتب الطبية، ولسوف نوجز فنقول: إن هذه المستقبلات الحسية المنتشرة في طبقات الجلد تستقبل المؤثرات البيئية الواقعة عليها طوال اليوم، ويتحول كل مؤثر (حرارة، أو لمس، أو ضغط أو كي، أو غيرها) إلى نبضات كهربائية [Electric impulses] بداخل الأعصاب التي توجد هذه المستقبلات بأطرافها، وتنتشر وتنتقل هذه النبضات على امتداد هذه الأعصاب إلى الدماغ (المخ) -وهو المركز الرئيسي في الجهاز العصبي للإنسان- فتتم ترجمة المؤثر المستقبل [Resived stimulus] وبيان نوعه، وتحديد الاستجابة [Response]، المناسب تجاهه؛ إن كانت بالسلب أم بالإيجاب، أما في الأولى فتنفعل عضلات الإنسان لإبعاده عن موقع المؤثر السيئ، وأما في الثانية فتنفعل عضلاته نحو هذا المؤثر وتقترب منه أكثر، ويستطيع الإنسان أن يشعر بالمؤثر الواقع على الجلد طالما يقع هذا المؤثر داخل حدود معينة من الشدة [التردد - Frequency]، فإذا انخفضت شدته عن الحد الأدنى لم يشعر به الجلد، وإذا ارتفعت شدته عن الحد الأقصى شعر الجلد بألم، وقد ترتفع شدة المؤثر بدرجات كبيرة فتكون استجابة الجلد عنيفة وتؤدي إلى حدوث صدمة أو هبوط في الدورة الدموية وفقدان للوعي، وبالطبع، فإن هناك أجهزة أخرى غير الجلد يصيبها الإعياء والهبوط الوظيفي والتوقف عن العمل نتيجة تألم الجلد، أي: استجابته للمؤثر الواقع عليه، ولكن يبقى الجلد هو العضو الوحيد في جسم
стр. 6925
الإنسان المسئول عن الشعور بالألم.
عندما يتعرض الجلد للإحراق فإنه يتألم، أي: ينقل الإحراق (كمؤثر) إلى الدماغ فيترجمه، وتكون النتيجة هي شعور الجسم بالألم وإذا كان الحرق من الدرجة الأولى (سطحي) تلتهب الطبقة الخارجية للجلد وتحمر ويتورم الجلد، ويصحب هذا آلام موضعية شديدة نتيجة لتأثير الحرق في الألياف العصبية، وتحدث هذه الحروق مثلًا نتيجة التعرض فترة طويلة للشمس المباشرة ساعات الظهيرة.
وإذا كان الحرق من الدرجة الثانية (أدمي) يشتد الألم لدرجة أن الجسم يفقد من السوائل ويتأثر ضغط الدم الشرياني وتتضرر الدورة الدموية، وقد يصاب الجسم بصدمة عنيفة، ويلاحظ في هذه الدرجة تكون أكياس مائية مختلفة الأحجام على البشرة، وقد تتمزق بسهولة، لتخرج سائلًا ملحيًا، أو تنزف دمًا.
وإذا كان الحرق من الدرجة الثالثة (تحت الجلدي) فإن الحرارة الشديدة للحرق تؤدي إلى حدوث تلف شديد للطبقات العميقة بالجلد والأنسجة المجاورة، وتؤدي أيضًا إلى التفحم الجلدي، واضطراب وظائف العظام والعضلات، كما تؤدي إلى تجلط بروتينات الألياف العصبية، وتكون النتيجة هي توقف هذه الألياف عن العمل؛ أي: لا تكون قادرة على الإحساس بالمؤثر (الحرق)، وبالتالي يتوقف شعور الإنسان بالألم.
تذكر الآيات القرآنية التي مرت معنا في الصفحات الأولى من لقائنا الحالي بصيغة الجمع دائمًا، وليس بصيغة المفرد، وفي هذه إشارة علمية عظيمة كشف العلم الحديث عنها وخلاصتها:
[١] خلايا الجلد أسرع انقسامًا من غيرها من الجلد.
[٢] خلايا الجلد أسرع تغيرًا وتبدلًا من غيرها من الخلايا، وقد يتغير الجلد في مساحة معينة منه تغيرًا كاملًا في فترة وجيزة.
[٣] يتغير تركيب الجلد من مكان لآخر على سطح الجسم الواحد، فجلد جفون العيون يختلف عن جلد قناة الأذن الخارجية، ويختلف عن جلد باطن اليد، ويختلف عن
стр. 6926
جلد باطن القدم. . . إلخ.
[٤] وهكذا تكسو الإنسان مجموعةٌ من الجلد وليس جلدٌ واحد، سواء من حيث المكان (على سطح الجسم)، أم الزمان (التبدل والتغير)، وهكذا، تظهر الإشارة العلمية بجلاء.
لقد عبر القرآن العظيم عن فقدان الجلد لتوصيل المؤثرات الواقعية عليه بلفظة (النضج)، والنضج علميًا هو (تجلط) أو (تخثر) بروتينات الألياف العصبية (في حالة حروق الدرجة الثالثة) نتيجة تعمق المؤثر وتغلغله إلى الطبقة تحت الجلدية، وذلك لشدته العنيفة.
ولما كان المقصود هو إذاقة العذاب للكافرين في جهنم استلزم هذا تجديد طبقات الجلد مرة أخرى ليشعر الإنسان بالألم، فإذا ازداد الإحراق، وتعمق أثره وتجلطت بروتينات الألياف العصبية السفلية؛ وفقد الإنسان القدرة على الإحساس بالألم تكرر تجديد الجلد بكافة طبقاته ليتكرر شعور الإنسان بالألم. . . وهكذا، وكما عبرت عنه الآية الخامسة والستين في سورة النساء بالضبط: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾، والحكمة المقصودة هي: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.
وهكذا يشير القرآن في هذه الآية إلى حقيقة علمية لم يتوصل العلماء إلى معرفتها إلا حديثًا، بعدما تقدمت علوم التشريح والأنسجة، واخترعت أجهزة التكبير والقياس، فالآية تشير إلى مراكز الإحساس في الجلد، وتشير إلى وجود البروتينات التي تتجلط بحرارة النار الشديدة.
وهذا ما توصل إليه العلم الحديث، فلقد اكتشف العلماء تغيرات وظيفية (فسيولوجية)
تطرأ على الجهاز التنفسي نتيجة لحروق الجلد العنيفة؛ مما يؤدي إلى اختلاف المعادلة الوظيفية التي تحكم نسبة التهوية/ التروية [Ventilation - perfusion ratio]
وكذلك فإن احتراق الجلد يسبب تلف القلب، ونلاحظ هذا في قول اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
стр. 6927
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ (الهمزة ٤: ٨).
وفيه يقول الفخر الرازي (في تفسير الكبير): ﴿نَارُ اللَّهِ﴾ الإضافة (أي: إضافة النار إلى اللَّه، أي: نسبتها إليه) للتفخيم؛ أي: هي نار لا كسائر النيران. ﴿الْمُوقَدَةُ﴾: التي لا تخمد أبدًا، أو ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ بأمره أو بقدرته. وفي الحديث النبوي: "أَوْقَدَ عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى اسودت، فهي الآن سوداء مظلمة" (١).
ثم يقول: أما قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ فأعلم أنه يقال: طلع الجبل، واطلع عليه إذا علاه. وفي تفسير الآية يقول: إن النار تدخل في أجوافهم، حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد (والفخر الرازي يقصد به القلب العضلي)، ولا أشد تألمًا منه بأدنى أذى يَمَاسُّه، فكيف إذا اطلعت نار جهنم واستولت عليه؟ ! ثم إن الفؤاد مع استيلاء النار عليه لا يحترق، إذ لو احترق لمات، وهذا هو المراد (يقصد المعنى) من قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، ومعنى الإطلاع هو أن النار تنزل من اللحم إلى الفؤاد (٢).
ويضيف العلم الحديث توضيحًا إلى هذا التفسير وما شابهه من تفسيرات للآية القرآنية، فلقد اكتشف العلماء حدوث تغيرات كبيرة في الفؤاد (القلب) والجهاز الدوراني بجسم المحروق؛ منها: هبوط انقباضية الفؤاد، هبوط في جانبه الأيسر، أو في جانبه الأيمن، أو في كليهما معًا، كما تحدث تغيرات ضارة جدًا في سوائل الدم وخلاياه.
وبعدُ فلنعُد إلى الآية الأساسية لموضوعنا الحالي، لنجد أن اللفظة القرآنية ﴿نَضِجَتْ﴾ (النساء: ٥٦) ستظل باقية على مرِّ الزمان، وشاهدة بالإشارة إلى حقيقة علمية لم يتوصل
стр. 6928
العلماءُ إليها سوى في العصر الحديث فقط، ألا وهي تجلط (تخثر) بروتينات النهايات العصبية في الطبقة الجلدية السفلى بفعل الحرارة الشديدة.
إن رسول اللَّه ﷺ لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، فكيف جاء بهذه الحقيقة العلمية؟ ! كيف به يتحدث عن خصائص الأعصاب الحسية ووظائف مراكز الحس بالألم الموجود في الجلد؟ !
إنه بلا شك رسول يتلقى الوحي من اللَّه الخالق العظيم، وما تلقاه بلا شك كتابٌ عظيمٌ وهو القرآن، وحي اللَّه الذي ختم به حلقات اتصال السماء بالأرض، ولذلك أودع فيه أسرارًا لن تنتهي إلى يوم القيامة (١).
والحاصل أن هذه الآية خبر صريح عن أهل النار من الكفار، وبيان لاستمرار عذابهم فيها يوم القيامة، وأنهم يتألمون على الدوام بما فيها من العذاب ألمًا حسيًّا ومعنويًا، وقد أثبت العلم الحديث بما لا يدع مجالًا للشك أن الخلايا العصبية أو الجهاز العصبي جزءٌ من الجلد إذ هي مستبطنة فيه، وأن الجلد هو مصدر الإحساس بالألم أو طريق موصل للألم، وهذا إعجاز علمي قرآني، وبذلك يندفع التعارض بين الآية والعلم الحديث، وأن القرآن الكريم لا يخضع للتجارب؛ إنما تخضع التجارب له لأنه من عند حكيم عليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 6929
٣ - شبهة: هل كل شيء خلق من ماء ؟
نص الشبهة:
هناك تعارض بين قول اللَّه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ (الأنبياء: ٣٠) وبين قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: ٢٧) وقوله أيضًا: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (الرحمن: ١٥) وكذلك حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (١).
فإن ظاهر الآية الأولى: أن كل شيء في هذا الكون مخلوق من الماء، في حين أن الآيات الأخرى تبين أن الجان خلق من النار؛ كما نص على ذلك الحديث أيضًا، وعلى أن الملائكة خلقت من نور!
والجواب: إنه لا تعارض بين هذه النصوص بأي حال من الأحوال، وبيان ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: قول كثير من المحققين من المفسرين: إن المقصود بالماء ماء المطر الناتج عن فتق السماء.
الوجه الثاني: قول بعض العلماء: إن المقصود هو ماء النطفة.
الوجه الثالث: لا يجوز أن تكون كلمة ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ على إطلاقها، وأن تجرى مجرى الغالب، وعلى هذا دلائل وأمثلة كثيرة.
الوجه الرابع: بلاغة الأسلوب القرآني في هذه الآية.
الوجه الخامس: النظرة العلمية، وبيان عدم تعارض الآية مع الاكتشافات العلمية الحديثة.
الوجه السادس: ماذا في الكتاب المقدس عن ذلك؟
وإليك التفصيل
стр. 6930
الوجه الأول: قول كثير من المحققين من المفسرين: إن المقصود بالماء ماء المطر الناتج عن فتق السماء .
قال ابن كثير: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠) وفصَل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك دليل على وجود الصانع (١).
وقال القرطبي: في تفسيره لهذه الآية بعد أن ذكر قولين في تفسيرها؛ قال: وقول ثالث قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد، وابن عباس أيضًا فيما ذكر المهدوي: أن السموات كانت رتقًا لا تمطر، والأرض كانت رتقًا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، نظيره قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ (الطارق: ١١ - ١٢).
واختار هذا القول الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ قلت: وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ليدل على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء (٢).
وذهب أكثر المفسرين إلى هذا القول (٣).
فإن قيل كيف قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: وقد قال: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: ٢٧)، وجاء في الأخبار أن اللَّه تعالى خلق الملائكة من النور، وقال
стр. 6931
تعالى في حق عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (المائدة: ١١٠)، وقال في حق آدم: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (آل عمران: ٥٩).
والجواب: للفظ وإن كان عامًا إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة، والجن، وآدم، وقصة عيسى ﵈؛ لأن الكفار لم يروا شيئًا من ذلك (١).
ومما يؤكد هذا الرأي ويوضحه أن هناك قرائن من القرآن العظيم تدل على أن معنى ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق اللَّه السماء بالمطر، والأرض بالنبات:
القرينة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يدل على أنهم رأوا ذلك؛ لأن الأظهر في (رأى) أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها، فيشاهدون بأبصارهم إنزال اللَّه المطر، وإنباته به أنواع النبات.
القرينة الثانية: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله؛ أي: وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي.
القرينة الثالثة: أن هذا المعنى جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب اللَّه كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ (الطارق: ١١ - ١٢)؛ لأن المراد بالرَّجْع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، والمراد بالصَّدْع: انشقاق الأرض عن النبات، وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ (عبس: ٢٤ - ٢٦) الآية، واختار هذا القول ابن جرير، وابن عطية، وغيرهما للقرائن التي ذكرنا، ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة اللَّه
стр. 6932
تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث. . .، والعلم عند اللَّه تعالى (١).
- كما قال ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أن هذا زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار، وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله، وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات، وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان؛ فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابسًا لها، فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة، ولذلك كان استمرار الحمى مفضيًا إلى الهزال ثم إلى الموت (٢).
ومن خلال هذه الأقوال التي ذكرناها يتبين لنا أنه ليس ببعيد أن يكون المقصود من الآية هو ما ذكره أغلب المفسرين، وعندئذ لا يكون هناك تعارض، بل وتكون الآية متفقة مع ما أثبتته العلوم الحديثة حيث يؤكد القرآن الكريم في كثير من آياته التي نزلت في بيان أهمية الماء بل ضرورته للحياة والأحياء في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: ١١)، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (ق: ٩).
وتدل أبحاث علم النبات على أن عناصر التربة ومركباتها المختلفة الميتة عندما ينزل عليها ماء المطر تذوب فيه وتتحلل فيسهل وصوله إلى بذور النبات وجذوره حيث تتحول إلى خلايا وأنسجة حية، ولذلك تبدو حية ويزيد حجمها بما يتخللها وما يعلوها من نبات (٣).
والماء عماد الحياة في الأرض لكل كائن حي من نبات وإنسان وحيوان، وقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى عظم أهميته في إحيائها فيقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (النحل: ٦٥)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
стр. 6933
(الأنبياء: ٣٠)، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (النور: ٤٥)، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٤)، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (طه: ٥٣).
ويحتوى جسم الإنسان على حوالي (٧٠%) من وزنه ماء؛ لأن له أهمية خاصة في الجسم كموصل لعناصر الغذاء إلى خلايا الجسم، وإفراز المواد الضارة في الجسم، وتلطيف لدرجة حرارة الجسم عن طريق تبخره في الرئتين والجلد، ومصادر المياه في الجسم هي ما نشربه منه، وما تحتوى الأطعمة عليه من نسب مختلفة من الماء، ومما ينتج عن أكسدة بعض المواد الغذائية وتفاعل بعضها مع بعض داخل الجسم.
والماء يعمل على إذابة المواد الغذائية بعد هضمها حتى يتمكن الجسم من امتصاصها، والماء أساس تكوين الدم، والسائل اللمفاوي، والسائل النخاعي، وغيرها من السوائل التي تتكون منها في الجسم من إفرازات كالعرق، والبول، والدموع، والمخاط.
ويثبت العلم أن الماء أكثر ضرورة للإنسان من الغذاء، فبينما الإنسان يمكنه أن يعيش نحو (٦٠ يومًا) بدون أكل لا يمكنه أن يعيش بدون الماء أكثر من أسبوع على أقصى تقدير، ولو فقد الجسم (٢٠%) من مائه فإنه يكون معرضًا للموت) (١).
الوجه الثاني: قول بعض العلماء إن المقصود هو ماء النطفة .
قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن اللَّه خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص.
وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرة؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلَّها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب، والثمار، ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم،
стр. 6934
والألبان، والأسمان، ونحوها؛ لأنه كله ناشئ بسبب الماء (١).
فالحياة أنواع، ولكل كائن حيٍّ حياة تناسبه وتخصّه بقدرة اللَّه، فللنبات حياة تخصّه، وللحيوان المنوي حياة تخصّه، وللإنسان حياة تخصّه، وهكذا، واللَّه الخالق لكلّ ذلك وقد جعل الماء أصل كلّ الأحياء كما قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، واللَّه أعلم (٢).
الوجه الثالث: لا يجوز أن تكون كلمة ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ على إطلاقها، وأن تجرى مجرى الغالب، وعلى هذا دلائل وأمثلة كثيرة .
قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ الآية (النور: ٤٥).
قيل: لما كان غالب الحيوان مخلوقًا من الماء لتولده من النطفة أو لكونه لا يعيش إلّا بالماء -أطلق لفظ (كل) تنزيلًا للغالب منزلة العام، ويخرج عما خلق من ماء ما خلق من نور وهم الملائكة، ومن نار وهم الجنّ، ومن تراب وهم آدم، وخلق عيسى من الروح، وكثير من الحيوان لا يتولد من نطفة (٣).
وكذلك بالنسبة للآية التي نتحدث عنها قال المفسرون:
فإن قيل: قد خلق اللَّه بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء (٤).
فالـ (كل) قد يذكر بمعنى الـ (بعض) كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٢٣) وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥) (٥).
стр. 6935
وقد قال اللَّه : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٤٤) فقد قال: فتحنا عليهم أبواب كل شيء، فهل فتح عليهم أبواب التوبة، وأبواب الرحمة، وأبواب الطاعة، وأبواب العافية، وأبواب السعادة، وأبواب النجاة مما نزل بهم؟
وهذه كلها مما أغلق أبوابها عنهم، وهي شيء، وقد قال: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقد قال أيضًا في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٢٣)، ولم تؤتَ ملك سليمان، ولم تسخر لها الريح، ولا الشياطين، ولم يكن لها شيء مما في ملك سليمان، فقد قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال في قصص يوسف: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ (يوسف: ١١١)، وإنما كان ذلك تفصيلًا لكل شيء من قصة يوسف، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥)، وقال في الريح التي أرسلت على قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥)، وقد أتت على أشياء لم تدمرها، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (الأحقاف: ٢٥) فلم تدمر مساكنهم (١).
فلهذا نقول أيضًا: إننا إن حملنا الآية على هذا المعنى فليس هناك تعارض ولا إشكال في الآية.
الوجه الرابع: بلاغة الأسلوب القرآني في هذه الآية .
ومن براعة الأسلوب القرآني: أن كلمة (الماء) جاءت معرفة فهي بذلك تستوعب كل هذه المعاني، قال صاحب الكشاف:
فإن قلت: فما باله معرّفًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)؟
قلت: قصد ثمة معنى آخر؛ وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط (٢).