تعالى في حق عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (المائدة: ١١٠)، وقال في حق آدم: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (آل عمران: ٥٩).
والجواب: للفظ وإن كان عامًا إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة، والجن، وآدم، وقصة عيسى ﵈؛ لأن الكفار لم يروا شيئًا من ذلك (١).
ومما يؤكد هذا الرأي ويوضحه أن هناك قرائن من القرآن العظيم تدل على أن معنى ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق اللَّه السماء بالمطر، والأرض بالنبات:
القرينة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يدل على أنهم رأوا ذلك؛ لأن الأظهر في (رأى) أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها، فيشاهدون بأبصارهم إنزال اللَّه المطر، وإنباته به أنواع النبات.
القرينة الثانية: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله؛ أي: وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي.
القرينة الثالثة: أن هذا المعنى جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب اللَّه كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ (الطارق: ١١ - ١٢)؛ لأن المراد بالرَّجْع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، والمراد بالصَّدْع: انشقاق الأرض عن النبات، وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ (عبس: ٢٤ - ٢٦) الآية، واختار هذا القول ابن جرير، وابن عطية، وغيرهما للقرائن التي ذكرنا، ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة اللَّه
стр. 6932
تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث. . .، والعلم عند اللَّه تعالى (١).
- كما قال ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أن هذا زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار، وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله، وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات، وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان؛ فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابسًا لها، فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة، ولذلك كان استمرار الحمى مفضيًا إلى الهزال ثم إلى الموت (٢).
ومن خلال هذه الأقوال التي ذكرناها يتبين لنا أنه ليس ببعيد أن يكون المقصود من الآية هو ما ذكره أغلب المفسرين، وعندئذ لا يكون هناك تعارض، بل وتكون الآية متفقة مع ما أثبتته العلوم الحديثة حيث يؤكد القرآن الكريم في كثير من آياته التي نزلت في بيان أهمية الماء بل ضرورته للحياة والأحياء في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف: ١١)، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (ق: ٩).
وتدل أبحاث علم النبات على أن عناصر التربة ومركباتها المختلفة الميتة عندما ينزل عليها ماء المطر تذوب فيه وتتحلل فيسهل وصوله إلى بذور النبات وجذوره حيث تتحول إلى خلايا وأنسجة حية، ولذلك تبدو حية ويزيد حجمها بما يتخللها وما يعلوها من نبات (٣).
والماء عماد الحياة في الأرض لكل كائن حي من نبات وإنسان وحيوان، وقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى عظم أهميته في إحيائها فيقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (النحل: ٦٥)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
стр. 6933
(الأنبياء: ٣٠)، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (النور: ٤٥)، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٤)، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (طه: ٥٣).
ويحتوى جسم الإنسان على حوالي (٧٠%) من وزنه ماء؛ لأن له أهمية خاصة في الجسم كموصل لعناصر الغذاء إلى خلايا الجسم، وإفراز المواد الضارة في الجسم، وتلطيف لدرجة حرارة الجسم عن طريق تبخره في الرئتين والجلد، ومصادر المياه في الجسم هي ما نشربه منه، وما تحتوى الأطعمة عليه من نسب مختلفة من الماء، ومما ينتج عن أكسدة بعض المواد الغذائية وتفاعل بعضها مع بعض داخل الجسم.
والماء يعمل على إذابة المواد الغذائية بعد هضمها حتى يتمكن الجسم من امتصاصها، والماء أساس تكوين الدم، والسائل اللمفاوي، والسائل النخاعي، وغيرها من السوائل التي تتكون منها في الجسم من إفرازات كالعرق، والبول، والدموع، والمخاط.
ويثبت العلم أن الماء أكثر ضرورة للإنسان من الغذاء، فبينما الإنسان يمكنه أن يعيش نحو (٦٠ يومًا) بدون أكل لا يمكنه أن يعيش بدون الماء أكثر من أسبوع على أقصى تقدير، ولو فقد الجسم (٢٠%) من مائه فإنه يكون معرضًا للموت) (١).
الوجه الثاني: قول بعض العلماء إن المقصود هو ماء النطفة .
قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن اللَّه خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص.
وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرة؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلَّها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب، والثمار، ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم،
стр. 6934
والألبان، والأسمان، ونحوها؛ لأنه كله ناشئ بسبب الماء (١).
فالحياة أنواع، ولكل كائن حيٍّ حياة تناسبه وتخصّه بقدرة اللَّه، فللنبات حياة تخصّه، وللحيوان المنوي حياة تخصّه، وللإنسان حياة تخصّه، وهكذا، واللَّه الخالق لكلّ ذلك وقد جعل الماء أصل كلّ الأحياء كما قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠)، واللَّه أعلم (٢).
الوجه الثالث: لا يجوز أن تكون كلمة ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ على إطلاقها، وأن تجرى مجرى الغالب، وعلى هذا دلائل وأمثلة كثيرة .
قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ الآية (النور: ٤٥).
قيل: لما كان غالب الحيوان مخلوقًا من الماء لتولده من النطفة أو لكونه لا يعيش إلّا بالماء -أطلق لفظ (كل) تنزيلًا للغالب منزلة العام، ويخرج عما خلق من ماء ما خلق من نور وهم الملائكة، ومن نار وهم الجنّ، ومن تراب وهم آدم، وخلق عيسى من الروح، وكثير من الحيوان لا يتولد من نطفة (٣).
وكذلك بالنسبة للآية التي نتحدث عنها قال المفسرون:
فإن قيل: قد خلق اللَّه بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء (٤).
فالـ (كل) قد يذكر بمعنى الـ (بعض) كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٢٣) وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥) (٥).
стр. 6935
وقد قال اللَّه : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٤٤) فقد قال: فتحنا عليهم أبواب كل شيء، فهل فتح عليهم أبواب التوبة، وأبواب الرحمة، وأبواب الطاعة، وأبواب العافية، وأبواب السعادة، وأبواب النجاة مما نزل بهم؟
وهذه كلها مما أغلق أبوابها عنهم، وهي شيء، وقد قال: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقد قال أيضًا في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٢٣)، ولم تؤتَ ملك سليمان، ولم تسخر لها الريح، ولا الشياطين، ولم يكن لها شيء مما في ملك سليمان، فقد قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال في قصص يوسف: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ (يوسف: ١١١)، وإنما كان ذلك تفصيلًا لكل شيء من قصة يوسف، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥)، وقال في الريح التي أرسلت على قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٥)، وقد أتت على أشياء لم تدمرها، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (الأحقاف: ٢٥) فلم تدمر مساكنهم (١).
فلهذا نقول أيضًا: إننا إن حملنا الآية على هذا المعنى فليس هناك تعارض ولا إشكال في الآية.
الوجه الرابع: بلاغة الأسلوب القرآني في هذه الآية .
ومن براعة الأسلوب القرآني: أن كلمة (الماء) جاءت معرفة فهي بذلك تستوعب كل هذه المعاني، قال صاحب الكشاف:
فإن قلت: فما باله معرّفًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)؟
قلت: قصد ثمة معنى آخر؛ وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط (٢).
стр. 6936
وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ (الأنبياء: ٣٠).
كما أن كلمة (يرى) أيضًا تستوعب هذه المعاني ولا تتعارض مع أحدها (فالرؤيةُ هنا يجوز أن تكونَ قلبيةً، وأن تكونَ بَصَريةً؛ فـ (أنَّ) وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْنِ عند الجمهور على الأول، ومَسَدَّ واحدٍ والثاني محذوف عند الأخفش، وسادَّةٌ مسدَّ واحدٍ فقط على الثاني (١).
ومما يوضح الفرق بين التعريف والتنكير لكلمة (ماء): ما ذكره ابن عاشور عند تفسيره لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (النور: ٤٥) قال: وتنكير (ماء) لإرادة النوعية تنبيهًا على اختلاف صفات الماء لكل نوع من الدواب إذ المقصود تنبيه الناس إلى اختلاف النطف للزيادة في الاعتبار.
وهذا بخلاف قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠) إذ قُصد ثمة إلى أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من جنس الماء وهو جنس واحد اختلفت أنواعه، فتعريف الجنس هناك إشارة إلى ما يعرفه الناس إجمالًا ويعهدونه من أن الحيوان كله مخلوق من نطف أصوله، وهذا مناط الفرق بين التنكير كما هنا وبين تعريف الجنس كما في آية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠) (٢).
الوجه الخامس: النظرة العلمية، وبيان عدم تعارض الآية مع الاكتشافات العلمية الحديثة .
تُقَرِّرُ هذه الآيةُ حقيقةً علمية ثابتة، وهي أن الماء هو المكوِّن الهام في تركيب مادة الخلية، وهي وَحْدة البناء في كل كائن حيّ، ولقد أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء.
وأثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي بدونها لا
стр. 6937
تتوافر له مظاهر الحياة ومقوماتها (١).
فعندما نعلم أن الماء يدخل في تركيب الخلايا نفسها بل هو عنصر هام في تركيبها، وأن هذه الخلايا هي وحدة بناء كل كائن حي - فلا نتعجب حينئذ عندما تخبرنا الآية أن كل شيء مخلوق من الماء حتى وإن لم نرى ذلك.
وإذا نظرنا إلى العلم الحديث نجد أنه يقرر أن الحياة ظهرت على هذه الأرض أول ما ظهرت على شواطئ المسطحات المائية حيث يتكون بجوارها الطين الذي نشأ منه النبات فالحيوان فالإنسان، وأن هذا التطور في حالات الطين وأشكاله حدثت عبر ملايين السنين حتى أثمرت، وكان أكمل وأكرم ثمره من ثمارها في النهاية هو الإنسان، والقرآن الكريم لم يبين لنا كيف تفرعت هذه الشجرة حتى كان الإنسان أحد فروعها، ولكنه أشار في أكثر من آية إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان وعالم الأحياء الناشئ من الماء الممزوج بالتراب، ففي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (النور: ٤٥)، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠) دلالة قوية على أن الأحياء كلها ومنها الإنسان مخلوقة من مادة واحدة هي الماء (٢).
الوجه السادس: ماذا في الكتاب المقدس عن ذلك ؟
أما التوراة ففي سفر التكوين (١/ ١ - ٢): فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللَّه يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.
هكذا بدأ وأنشأ اللَّه السماوات والأرض جميعًا دفعة واحدة، ولم يذكر شيئًا عن الماء، أين كان اللَّه إن كانت روحه ترف وتحوم حول الماء؟ ! أكان بلا روح، أم هو الذي تجسد فصار هذا الحيز الضئيل كالحمامة؟ ! خلق الكون كله وهو جزء صغير منه؟ !
(لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ. ٤ وَرَأَى اللَّه النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ.)
стр. 6938
لم يكن يعرف أنه سيكون حسنًا، ولكن لما ظهر له أعجبه. . . عمل من طريق الصدفة البحتة، وتجربة نجحت وجاءت بشيء جميل!
ونقرأ بقية هذه البداية فنجد: أن اللَّه فصل بين النور والظلمة، وسمى النور نهارًا والظلمة ليلًا، وقال: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة، ودعا اليابسة أرضًا. . . وهكذا يمضي سفر التكوين مضطربًا في الكلمات القليلة التي بدأ بها.
في البداية خلق السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة، وبعد ذلك خلق وسط الماء شيئًا جامدًا أسماه أرضًا، وسمى بعضًا منه سماء. . .
وهل يؤيد هذا علم أو يتسع له عقل؟ خلق السماوات والأرض، ثم خلق شيئًا سماه أرضًا وسماء!
كانت الفكرة القديمة أن العالم كله ماء، وأن الأرض طافية فوق الماء كحبة العنب، وهو تفكير نشأ عن نظر محدود، وسفر التكوين وبقية الكتاب المقدس -أو الذي يسمى الكتاب المقدس- من وضع بشري متأخر.
ومع اضطراب التعبير، وسقامة الأسلوب، ومخالفة المعنى لحقائق العلم يعجب تيموثاوس التقي الذكي به ويعيب القرآن (١).
وذكر في موضع آخر أن من لم يخلق من الماء أو الروح يعجز عن دخول الملكوت، ففي إنجيل يوحنا (٥: ٣) يقول: (الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه). . .!
* * *
стр. 6939
٤ - شبهة: مدة الحمل .
نص الشبهة:
ذكر علماء الإسلام أن الحمل قد يستمر سنوات فكيف يعقل هذا؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: مقدمة بين يدي البحث .
الوجه الثاني: أقوال العلماء حول المسألة.
الوجه الثالث: أقوال الأطباء.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: مقدمة بين يدي البحث.
بداية: ينبغي أن يُعرف أنه لا يوجد دليل في الكتاب والسنة الصحيحة بتحديد أكثر مدة للحمل، وهذه مسألة مبنية على العرف وعادات النساء، وما كان كذلك لا يقال فيه إن القرآن قاله حيث لم يقله.
ولا يذم مَنْ قاله من العلماء؛ لأنه قاله على حالات واقعية بلغته أو حدثت أمامه، وهذه الحالات وإن كانت من الشاذ النادر، لكن لا يوجد دليل على استحالتها وعدم إمكانها ما دام الأمر مرتبطًا بقدرة اللَّه؛ الذي يقول للشيء كن فيكون.
قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عرف من أمر النساء (١).
وقد جاء في مغني الحتاج: أن أكثر مدّة الحمل دليله الاستقراء (٢).
وما ليس فيه نص يرجع فيه إلى الوجود (٣).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ بعد ذكر الخلاف في تحديد أكثر مدة الحمل:
وقالت فرقة لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي؛ لأنَّا وجدنا لأدنى
стр. 6940
الحمل أصلًا في الكتاب؛ وهو الأشهر الستة، فنحن نقول بهذا ونتبعه، ولم نجد لآخره وقتًا وهذا قول أبي عبيد (١).
وقال ابن باز: وذهب بعض أهل العلم إلى أن مدة الحمل لا حدَّ لأكثرها، وهو الأرجح دليلًا (٢).
وهكذا لم يَرِدْ في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف مرفوع إلى رسول اللَّه ﷺ أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، ولكنه قد اتفق ذلك ووقع كما تحكيه كتب التاريخ، غير أن هذا الاتفاق لا يدل على أن الحمل لا يكون أكثر من هذه المدة كما أن أكثرية التسعة أشهر في مدة الحمل لا تدل على أنه لا يكون في النادر أكثر منها، فإن ذلك خلافَ ما هو واقع، والحاصل أنه ليس هناك ما يوجب القطع، بل إذا كان ظاهر بطن المرأة أن فيه حملًا كأن يكون متعاظمًا ولا علة بالمرأة تقتضي ذلك وحيضها منقطع وهي تجد ما تجده الحامل - فالانتظار متوجه ما دامت كذلك وإن طالمت المدة، أما إذا كان ثَمَّ حركةُ في البطن كما يكون في بطن الحامل فلا يقول بأنها إذا مضت الأربع السنين لا يكون له حكم الحمل إلا مَنْ هو من أهل الجمود الذين لا يميزون، فإن الحمل هاهنا صار متيقنًا بوجود الحركة التي لا تكون إلا من جنين موجود في البطن، ولا يجوز المصير إلى تجويز أن ذلك المتحرك غير جنين، وأما إذا لم يكن البطن متعاظمًا وليس إلا مجرد دعوى المرأة على الحمل بانقطاع حيضها أو غيره من القرائن التي لا تظهر وتحس فيجب الانتظار إلى انقضاء المدة الغالبة وهي التسعة أشهر، فإن مضت ولم يظهر في بطنها ما يدل على الحمل من التعاظم والحركة فلا انتظار بعدها؛ لأن هذه المدة الغالبة لا تنقضي والبطن كما هي في غير الحامل، فهذا هو الذي ينبغي اعتماده في مثل هذه المسألة (٣).
الوجه الثاني: أقوال العلماء .
قال القرطبي: واختلف العلماء في أكثر الحمل، فروى ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (لَا يَكُونُ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ قَدْرَ مَا يَتَحَوَّلُ ظِلُّ الْمَغْزَلِ) وَجَمِيلَةُ بِنْتُ سَعْدٍ أُخْتُ عُبَيْدِ بْنِ سَعْدٍ. وعن الليث بن سعد: إن أكثره ثلاث سنين.
وعن الشافعي: أربع سنين. ورُوي عن مالك في إحدى روايتيه والمشهور عنه: خمس سنين، وروى عنه: لا حدَّ له ولو زاد على العشرة الأعوام؛ وهي الرواية الثالثة عنه.
وعن الزهري: ست وسبع.
قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع، والشافعي: مَدَّهُ لغاية منها أربع سنين، والكوفيون يقولون: سنتان لا غير، ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر، وداود يقول: تسعة أشهر لا يكون عنده حمل أكثر منها.
قال أبو عمر: وهذه المسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء، وباللَّه التوفيق.
روى الدارقطنيُّ عن الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: قُلْتُ لمِالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إِنِّي حُدِّثْتُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: (لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ في حَمْلِهَا عَلَى سَنَتَيْنِ قَدْرَ ظِلِّ الْمِغْزَلِ) فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّه! مَنْ يَقُولُ هَذَا؟ ! هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ امْرَأَةُ صِدْقٍ، وَزَوْجُهَا رَجُلُ صِدْقٍ، حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ في اثني عَشَرَ سَنَةً، تَحْمِلُ كُلَّ بَطْنٍ أَرْبَعَ سِنِينَ (١).
وذكره عن المُبَارَكُ بْنُ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَشْهُورٌ عِنْدَنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ تَحْمِلُ وَتَضَعُ في أَرْبَعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ تُسَمَّى حَامِلَةَ الْفِيلِ (٢).
وروى أيضًا قَالَ: بَيْنَمَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَوْمًا جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا يَحْيَى، ادْعُ
стр. 6946
لِامْرَأَةٍ حُبْلَى مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ في كَرْبٍ شَدِيدٍ، فَغَضِبَ مَالِكٌ وَأَطْبَقَ المُصْحَفَ، قَالَ: مَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ إِلَّا أَنَّا أَنْبِيَاءُ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَ في بَطْنِهَا رِيحٌ فَأَخْرِجْهُ عَنْهَا السَّاعَةَ، وإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ فَأَبْدِلْهَا بِهَا غُلَامًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ، ثُمَّ رَفَعَ مَالِكٌ يَدَهُ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، وَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ أَدْرِكِ امْرَأَتَكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَمَا حَطَّ مَالِكٌ يَدَهُ حَتَّى طَلَعَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ عَلَى رَقَبَتِهِ غُلَامٌ جَعْدٌ قَطَطٌ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدِ اسْتَوَتْ أَسْنَانُهُ مَا قُطِعَتْ سَرَارُهُ (١).
وقال النووي: أكثر مدة الحمل أربع سنين فلو أبانها بخلع، أو بالثلاث، أو بفسخ، أو لعان، ولم ينف الحمل فولدت لأربع سنين فأقل من وقت الفراق - لحق الولد بالزوج؛ هكذا أطلقوه.
وقال أبو منصور التميمي: ينبغي أن يُقال: لأربع سنين من وقت إمكان العلوق وقبيل الطلاق؛ وهذا قويم، وفي إطلاقهم تساهل، وسواء أقرت بانقضاء عدتها ثم ولدت أم لم تقر؛ لأن النسب حق الولد فلا ينقطع بإقرارها، وقال ابن سريج: إذا أقرت بانقضائها ثم ولدت لم يلحقه، إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر من الأقراء، كما إذا صارت الأمة فراشًا لسيدها بالوطء ثم استبرأها فأتت بولد بعد الإستبراء لستة أشهر فصاعدًا لا يلحقه. نص عليه.
فمن الأصحاب من جعل المسألتين على قولين وقطع الجمهور بتقرير النصين، وفرقوا بأن فراش النكاح أقوى وأسرع ثبوتًا؛ فإنه يثبت بمجرد الإمكان، أما إذا ولدت لأكثر من أربع سنين فالولد منفي عنه بلا لعان ولو طلقها رجعيًا ثم ولدت فالحكم على التفصيل المذكور، إلا أن السنين الأربع هل تحسب من وقت الطلاق أم من وقت انصرام العدة؟ قولان أظهرهما الأول؛ لأنها كالبائن في تحريم الوطء، فلا يؤثر كونها زوجة في معظم الأحكام.
فإن قلنا: من وقت الانصرام، فقد أطلق الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما حكاية وجهين: أحدهما: أنه يلحقه متى أتت به من غير تقدير؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العدة. والثاني: أنه إذا مضت العدة بالأقراء أو الأشهر ثم ولدت
стр. 6947
لأكثر من أربع سنين من انقضائها لم يلحقه؛ لأنا تحققنا أنه لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر فتبين بانقضائها وتصير كما لو بانت بالطلاق ثم ولدت لأكثر من أربع سنين، وهذا الثاني هو الأصح عند الأكثرين وحكوه عن نص الشافعي ﵀.
ولك أن تقول: هذا وإن استمر في الأقراء لا يستمر في الأشهر، فإن التي لا تحمل لا تعتد بالأشهر، فإذا حبلت بان أن عدتها لم تنقض بالأشهر، وسيأتي نظير هذا إن شاء اللَّه تعالى. ثم هذا الحروف على ما ذكره الروياني وغيره فيما إذا أقرت بانقضاء العدة، فإن لم تقر فالولد الذي تأتي به يلحقه وإن طال الزمان؛ لأن العدة قد تمتد لطول الطهر، وحكى القفالُ فيما إذا لم تقر وجهًا ضعيفًا: أنه إذا مضت ثلاثة أشهر ثم ولدت لأكثر من أربع سنين لم يلحقه؛ لأن الغالب انقضاء العدة في ثلاثة أشهر، ومتى حكمنا بثبوت النسب كانت المرأة معتدة إلى الوضع، فيثبت للزوج الرجعة إن كانت رجعية ولها السكنى والنفقة (١).
وقال الشافعي في امرأة المفقود: فقال في القديم: تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرًا وتحل للأزواج (٢).
وقال الشيخ زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ بِالِاسْتِقْرَاءَ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَسَبَبُ التَّقْدِيرِ بِالْأَرْبَعِ أَنَّهَا نِهَايَةُ مُدَّةِ الْحَمْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَائِنًا، وَكَذَا رَجْعِيًّا أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا وَلَوْ بِلِعَانٍ وَلَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ فَوَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَلَّ مِنْ وَقْتِ إمْكَانِ الْعُلُوقِ قُبَيْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْفَسْخِ لَحِقَهُ، وَبَانَ أَنَّ الْعِدَّ لَمْ تَنْقَضِ إنْ لَمْ تَنْكِحْ الْمَرْأَةُ آخَرَ أَوْ نَكَحَتْ، وَلَمْ يُمْكِنْ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْ الثَّانِي لِقِيَامِ الْإِمْكَانِ سَوَاءٌ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ وِلَادَتِهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقُّ الْوَلَدِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِإِقْرَارِهَا، وَإِنْ أَتَتْهُ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ اسْتَبْرَأَ أَمَتَهُ بَعْدَ وَطْئِهِ لَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لِسِتَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ حَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ بِأَنَّ فِرَاشَ
وأصحاب هذا القول، وكذلك مَنْ يحدد بأقل وبأكثر من ذلك هم لا يقولون: إن المتجاوز لما حددناه مقطوع في نفس الأمر أنه ليس لاحقًا له، يقولون: من الممكن أن يكون له، لكن نحن محتاجون أن نحد حدًا لئلا يضطرب علينا فنرتكب مفسدة ترك النادر مخافة الوقوع في أعداد كثيرة. هذا معنى ما يقولون، أو يقولوه لكنه هو لازم لهم وإن لم يلفظوا به.
والمسألة مسألة خلاف: منهم من يحدد بأربع، ومنهم من يحدد بسنتين، ومنهم من لا يحدد بحد بل يعتبر الأصل ولاسيما إذا لم يرد عليه ما ينفيه. وقد ذكر ابن القيم طرفًا في المسألة في كتابه (تحفة الودود)، وإلا فموجود مواليد تجاوزا أربع سنين علم وتحقق نسبتهم إلى من نسبوا إليه وذلك بتحقق الحمل ثم يتأخر، ووجد مولود أخذ أربعة عشر سنة. . . وُجِدَ تامة أسنانه (١).
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما يأتي: المُطلّقة طلاقًا بائنًا والمُتوفّى عنها زوجها إذا جاءت كل منهما بولد لسنتين فأقل ثبت نسبه اتفاقًا (٢)، لأن الوضع تم ضمن أقصى مدة الحمل عند الجميع، أما إذا جاءت بولد لأكثر من ذلك إلى أربع سنين فالجمهور على أنه يثبت نسبه وانقضت عدتها بناءً على أن الوضع ضمن أقصى مدة الحمل عندهم، ولا يثبت عند الحنفية أنها وضعت بعد أقصى مدة الحمل.
وفي المطلقة الرجعية ذكر الحنفية أنه يثبت نسب ولدها وإن جاءت به لأكثر من سنتين، ما لم تقر بانقضاء العدة لاحتمال الوطء والعلوق في العدة لجواز أن تكون ممتدة الطهر (٣).
قال الشنقيطي:
قال المصنف: أو دون أربع سنين منذ أبانها. هنا تحتاج إلى معرفة أقل مدة الحمل وأكثر مدة الحمل، فقد يطلق الزوج المرأة، ثم بعد شهر أو شهرين يتبين أنها حامل، وقد يتبين أنها
стр. 6950
حامل بعد سنة، وقد يتبين بعد سنتين، وقد يتبين بعد ثلاث سنوات، وقد تضع بعد ثلاث سنوات، فهنا مشكلة، إذا طلق الرجل المرأة وبانت منه وانفصلت عنه، ثم تبين حملها في المدد المعروفة فلا إشكال؛ لأنه إذا طلقها وبان أنها حامل بقيت على حالها حتى تضع، والولد ولده، لكن الإشكال إذا لم يقع هذا الحمل، ولم تلد على المعتاد، بل تأخرت في وضعها إلى أربع سنوات، فهل هناك مدة تبين آخر الحمل؟
اختلف العلماء ﵏: بعضهم يقول: لا أقبل فوق تسعة أشهر؛ وهذا قول ابن عبد الحكم من فقهاء المالكية، وما بعد التسعة الأشهر لو طلقها وأبانها ثم ظهر فيها حمل فهو لغيره وليس له، وهذا إذا لم تكن تزوجت؛ لأنه إذا تزوجت ينسب للثاني ولا إشكال. نحن نتكلم في امرأة طلقت وبقيت خالية من الأزواج حتى وضعت ما في بطنها، فهل ينسب إلى الزوج الذي طلقها أو ينسب إليها، ويكون هناك شبهة أنها زنت أو استكرهت على الزنا؟ هنا الإشكال، فما هي أقصى مدة يمكن أن ينسب فيها الولد للفراش؟ من أهل العلم من قال: تسعة أشهر -كما ذكرنا- وهو من أضعف الأقوال، ومن أهل العلم من قال: أربع سنوات، وهو مذهب الشافعية والحنابلة في المشهور، وبعض أصحاب الإمام مالك يقولون بهذا القول؛ قالوا: إن أقصى ما وجدناه من الحمل أربع سنوات، فاذا وضعت الولد لأربع سنين؛ يعني: لم يتجاوز أربع سنوات منذ طلاقه وفراقه لها نسب الولد إليه، وقال الحنفية: خمس سنين؛ وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمة اللَّه على الجميع-، والحقيقة أن الأربع سنوات هي التي حكيت كأقصى حد وجد، وذكر بعض العلماء أن أمه بقيت في حملها أربع سنين، واللَّه على كل شيء قدير، هذا أمر اللَّه فيه حكمة، وقد تضعف المرأة ويكمل الجنين، وحدث في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن امرأة صالحة معروفة بالخير والصلاح غاب عنها زوجها، ثم قتل واستشهد، فحزنت عليه حزنًا عظيمًا، ثم تزوجت برجل من بعده، وبعد زواجها بأقل من ستة أشهر بان الحمل فيها، وهم عمر ﵁ أن يرجمها لأنها محصنة، والحمل عند عمر ﵁ دليل إثبات الزنا، كما في خطبته المشهورة في الصحيح، فكان يرى أن الحمل يدل على الزنا، وأن المرأة إذا كانت لا
стр. 6951
زوج لها وحملت يقام عليها الحد، فالشاهد أنه همَّ يرجمها، ولكن كان ﵁ يشاور الصحابة وكانت له طريقته أنه يستشير المهاجرين ثم الأنصار، ثم بعد ذلك يجمع الناس، فلما همَّ أن يرجمها سأل عنها فوجد أنها امرأة صالحة، وأنها يبعد أن يكون منها الزنا لما عرف من استقامتها وصلاحها، فتورع ﵁، وكان محدثًا ملهمًا كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "إن يكن في أمتي محدثون فعمر"، فامتنع عن رجمها وأحب أن يشاور الناس، فاستشار المهاجرين فلم يجد شيئًا، ثم استشار الأنصار فلم يجد شيئًا، ثم جمع الناس كلهم فلم يجد شيئًا، فجمع النساء فاستشارهن، فقامت امرأة كبيرة في السن معروفة بالعقل وقالت: يا أمير المؤمنين، أنا أقص عليك خبرها، إن هذه المرأة حملت من زوجها الأول، ولما جاءها الحزن ركن الجنين، يعني: ضعف أن يخرج لأمده، ثم لما تزوجها الثاني انكشف بماء الثاني فولدت الجنين قبل زمانه، فحمد اللَّه أنه لم يكن رجمها، وأسقط عنها الحد، وألحق الولد بالزوج الأول، فقد يقع في بعض الأحيان تأخر في الحمل سواء لأمور طبية، أو لمشيئة اللَّه ، وهو على كل شيء قدير، ومن حكمة اللَّه أنه يخلف العادات، ودائمًا ينتبه طالب العلم بل كل مسلم إلى أن إخلاف العادات من أكبر الأدلة على وحدانية اللَّه ؛ لأن أهل الطبيعة يستدلون بأن الطبيعة هي التي أوجدت نفسها، فلما تختلف العادات يدل ذلك على أن هناك ربًا يدير هذا الكون ويصرفه ، وهذا من أقوى الحجج في دمغ قولهم؛ لأن الطبيعة لا تضطرب، وهي التي ينسبون إليها الأشياء، فالشاهد أن الحمل قد يخرج عن الشيء المعتاد وقد يطول أمده، فبين ذلك ﵀ حين قال: (أو دون أربع سنين منذ أبانها)، فاعتبر الحد أربع سنوات، وهذا قول من ذكرنا من السلف ﵏ أنه أربع سنين كحد أقصى، فما بين تطليقه لها وإبانتها من عصمته وبين وضعها لا يجاوز هذه المدة الأربع السنين (١).
ومن خلال ما مر يظهر الآتي:
ليس في المسألة نص من قرآن ولا سنة صحيحة وإنما هي مسألة اجتهادية بين العلماء.
стр. 6952
ولأجل ذلك اختلفوا فيها إلى ما يلي:
١ - إن أكثر مدة للحمل تسعة أشهر؛ وهو قول الظاهرية ونسب إلى علي بن عبد الحكم.
٢ - سنة.
٣ - سنتان؛ وهو قول الأحناف، والثوري، وسائر أصحاب أبي حنيفة.
٤ - ثلاث سنوات؛ وهو مروي عن الليث بن سعد.
٥ - أربع سنوات؛ وهو قول كثير من قدماء أهل الحجاز، والشافعية، والمالكية في قول، والحنابلة في المشهور عنهم.
٦ - خمس سنوات؛ وهو المشهور في مذهب مالك.
٧ - ست وسبع سنوات؛ وهو المروي عن الزهري.
٨ - عشر سنوات؛ وهو رواية عن مالك.
٩ - لا حدَّ لأكثره وإنما يرجع فيه إلى العرف والعادة عند النساء.
١٠ - أخذ القانون بأن دعوى الحمل لا تقبل بعد أكثر من سنة.
ومن خلال استعراض المسألة نجد أن العلماء افترقوا إجمالًا إلى فريقين:
أحدهما: يرى أن مدة الحمل لا تزيد عن تسعة أشهر طرف عين.
والثاني: يرى أنها تزيد على هذه المدة على اختلاف أنظارهم في ذلك، فعلى القول بأنها لا تزيد عن تسعة أشهر لا يوجد إشكال عند هذا المعترض فعلى أي أساس اختار القول الآخر؟ أما على القول الثاني فلماذا قال العلماء هذا الكلام؟
أما الأحناف فاعتمدوا على أثر عائشة ﵂ ولكنه ضعيف فظهر بضعفه أمران: الأول: ضعف مذهب الحنفية.
الثاني: بطلان نسبة هذا القول لعائشة ﵂.
١ - اعتماد باقي العلماء على حوادث وقعت على أرض الواقع فأخبر كل بما رآه وشاهده، والواقع لا ينكره إلا من جهله ومن جهل ليس بحجة على من علم.
٢ - إنَّ نظر العلماء في هذا الأمر ليس من باب الترفه ولا الافتراض، وإنما هو لحفظ
стр. 6953
الحقوق والنظر في معضلات الواقع لأجل حلها بما يناسب.
٣ - ومن ذلك إثبات النسب.
٤ - انتهاء العدة لأن هناك أمورًا تتعلق بها مثل زواجها بغيره، وزواجه بإحدى محارمها، أو زواجه بخامسة.
٦ - ونفقة المعتدة عليها وعلى الجنين إن كانت رجعية، وعلى الجنين إن كانت مبتوتة.
٧ - استبراء الرحم حتى لا يسقي ماءه زرع غيره.
٨ - الحفاظ على الأعراض والأرواح؛ لأن المرأة لو اتهمت بالزنا لرجمت فكان في ذلك اعتداء على الروح والعرض.
٩ - واضح أن كل واحد من هؤلاء العلماء قال بأكثر مدة رآها فمن يحدد بأربع، وكذلك من يحدد بأقل وبأكثر من ذلك، هم لا يقولون: إن المتجاوز لما حددناه مقطوع في نفس الأمر أنه ليس لاحقًا له، يقولون: من الممكن أن يكون له، لكن نحن محتاجون أن نحدَّ حدًا لئلا يضطرب علينا، فنرتكب مفسدة ترك النادر مخافة الوقوع في أعداد كثيرة. هذا معنى ما يقولونه، أو يقولوه، لكنه هو لازم لهم وإن لم يلفظوا به (١).
١٠ - الأصل السلامة ونزاهة الساحة.
١١ - أرجح ما قيل في هذه المسألة أنه لا حد في الشرع لأكثر الحمل وما كان مرتبطًا بقدرة اللَّه -تعالى- لا يعد مستحيلًا.
١٢ - لعل من حكمة اللَّه -تعالى- أن تخرق العادات في بعض الأحيان إظهارًا لقدرة اللَّه ولضعف وجهل الإنسان مهما بلغ من العلم بزعمه.
١٣ - ومن ذلك ما جري لمريم العذراء، ولعيسى ﵇، ولآدم ﵇، ولحواء، وعلى كل حال فاللَّه على كل شيء قدير.
وبعد هذا الذي سبق تعلم أنه لا يوجد في كتاب اللَّه ولا في السنة الصحيحة ما يدل
стр. 6954
على أطول مدة الحمل تحديدًا.
ويظهر كذلك الاعتذار عن علمائنا الذين قالوا بهذه المدد الطويلة التي يراها كثير من الأطباء مستحيلة، ولكننا نقول: هي شاذة نادرة على خلاف الأصل الغالب، لأن الأمر متعلق بقدرة اللَّه وما تعلق بقدرة اللَّه لا يعد مستحيلًا.
الوجه الثالث: أقوال الأطباء .
١ - يرى الدكتور أحمد ترعاني أخصائي النسائية والتوليد أن الحمل قد يصل إلى عشرة شهور، ولا يزيد على ذلك؛ لأن المشيمة التي تغذي الجنين تصاب بالشيخوخة بعد الشهر التاسع، وتقل كمية الأكسجين والغذاء المارين من المشيمة إلى الجنين فيموت الجنين كما قال الطبيب أحمد ترعاني: أنه يجب التأكد أنه ليس هناك خطأ في مدة الحمل؛ لأن المرأة قد تتأخر عنها الدورة الشهرية بسبب الرضاع أو غيره، ثم تحمل مباشرة دون حدوث طمث، وعند ذلك تطول مدة انقطاع الدورة الشهرية، فيجب اعتبار مدة الطمث قبل الحمل (١).
٢ - ويرى الطبيب مأمون شقفة أن الولادات التي تحصل بين الأسبوعين (٣٩: ٤١) تتمتع بأفضل نسبة سلامة للأجنة، فإذا تأخرت عن الأسبوع (٤٢) نقصت وأصبح الجنين في خطر حقيقي، وكذلك إذا حصلت مبكرة عن وقتها نقصت نسبة السلامة، فهي قبل الأسبوع (٣٧) أقل منها في تمام الحمل، وفي الأسبوع (٣٥) أقل بوضوح، والوليد الذي يولد قبل ذلك يحتاج إلى عناية خاصة للمحافظة على حياته (٢).
٣ - وقد تبين في بعض الإحصائيات أن نسبة الحمل المتأخر حتى (٤٢ أسبوع) ٤: ١٤ % أي بمعدل ١٠%، ونسبة الحمل الذي يبلغ (٤٣ أسبوع) ٢: ٧% (٣).
٤ - وتذكر الإحصائيات أن وفاة المواليد تزداد وتتضاعف بازدياد مدة الحمل عن
стр. 6955
(الأسبوع ٤٢) بسبب تلف المشيمة (١).
٥ - ذكر الطبيب أحمد كنعان سبب استبعاد بقاء الجنين لفترة طويلة في الرحم على المدة المعتادة فقال: إن الجنين يعتمد في غذائه على المشيمة ولم تعد قادرة على إمداد الجنين بالغذاء الذي يحتاجه لاستمرار حياته، فإن لم تحصل الولادة عانى الجنين من المجاعة، فإن طالت المدة ولم تحصل الولادة قضى نحبه داخل الرحم (٢).
وأكد هذا القول بأنه من النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم (٤٥ أسبوعًا) ولاستيعاب النادر والشاذ فإن هذه المدة تمتد أسبوعين آخرين لتصبح (٣٣٠ يومًا) ولم يعرف أن المشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة، وأهل القانون توسعوا في الاحتياط مستندين إلى بعض الآراء الفقهية بجانب الرأي العلمي فجعلوا أقصى مدة للحمل سنة واحدة (٣).
٦ - وقد علل الطبيب عبد اللَّه باسلامة ومحمد البار توهم بعض النساء أن حملهن قد امتد سنتين، وأن ذلك يرجع إلى ما يسمى بالحمل الكاذب؛ وحاصله:
أن هذه حالة تصيب النساء اللاتي يبحثن عن الإنجاب دون أن ينجبن، فتنتفخ البطن بالغازات وتتوقف العادة الشهرية، وتعتقد المرأة اعتقادًا جازمًا بأنها حامل رغم تأكيد جميع الفحوصات المخبرية والطبية بأنها غير حامل، وقد يحدث لإحدى هؤلاء الواهمات بالحمل الكاذب الذي تتصور أنه بقي في بطنها سنينًا، وقد يحدث أنها تحمل فعلًا فتضع طفلًا طبيعيًا في فترة حمله، ولكنها نتيجة وهمها وإيهامها من حولها أنها حملت لمدة ثلاث أو أربع سنين (٤).
стр. 6956
فهذه بعض آراء الأطباء وإحصائياتهم والنتيجة التي توصلوا إليها من الاستحالة عند البعض والاستبعاد عند البعض، لكن انظر ما يلي:
١ - ذكرت صحيفة المحقق الطبي الأمريكية في (ديسمبر ١٨٨٤ م) امرأة دام حملها (١٥ شهرًا و ٢١ يومًا)، وورد في مجلة (تاريخ الأكاديمية) الفرنسية ذكر حملًا دام (٣٦ شهرًا) (١).
٢ - قال عبد الرشيد قاسم: سألت الشيخ عبد المجيد الزنداني واضع أسس علم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في (٤/ ٤/ ١٤٢٢ هـ الموافق ٢٦/ ٦/ ٢٠٠١ م) بمكة عما جاء في كتب الفقهاء من امتداد فترة الحمل لسنين، فأخبرني أنه سأل طبيبًا عالميًا مختصًا في علم الأجنة بكندا، وذكر الطبيب أن هذا التأخر يرجع إلى مدى استعداد جهاز المناعة للطفل، ولم يرفض مبدأ تأخر الحمل (٢).
٣ - ومما يدل على إمكان هذا أن يوجد الشواذ في الخلق مقطوع به، فقد ثبت ولادة سبعة توائم في بطن واحد بخلاف المعهود، ووجود أطفال ولدوا برأسين وغير ذلك مما هو نادر وواقع، ولا يمنع أن توجد مشيمة على جهة الشذوذ لها قدرة على إمداد الطفل لفترة طويلة على غير المعهود كما هو حال المعمرين في هذا الزمان والذين تجاوز أعمار البعض قرنًا ونصفًا من الزمان.
٤ - قال عبد الرشيد قاسم: وحدثني الشيخ الدكتور/ بكر أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية أنه ثبت لديه حين كان قاضيًا بالمدينة حمل دام أربع سنين.
وأن الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ ثبت لديه حمل دام سبع سنين حين كان
стр. 6957
يشغل منصب القضاء.
وحين أورد ذلك على الأطباء في مناقشات مجمع الفقه الإسلامي حاروا في الجواب (١).
٥ - فإذا أضفنا هذه الأخبار إلى ما ورد في كتب الفقه والتاريخ من وجود نساء حملن لمدة طويلة أفادت هذه الأخبار وجود هذا النوع من الحمل، وإن كان شاذًا أو نادرًا (٢).
٦ - ينبغي أن يلاحظ أن المرأة إذا ادعت وجود حمل بها تجاوز المدة المعهودة يلزم أن نثبت ذلك بالبينة أو القرائن القوية الموجبة لتصديق قولها كأن تشهد النساء بوجود هذا الحمل ووجود علاماته الواضحة التي لا تلتبس مع الحمل الكاذب كحركة الجنين، أو ثبوت ذلك عن طريق تحليل البول أو الدم، أو الموجات الصوتية (السونار) أو غير ذلك مما يقطع وجود الحمل أو عدمه؛ لأن الأصل عدم امتداد الحمل عن المدة المعهودة، ولقطع باب الادعاء، ولكون هذا الحمل يبنى عليه أحكام كثيرة وبفضل اللَّه يمكن في هذا الزمان الاعتماد على الأجهزة الطبية الحديثة التي تحدد عمر الجنين بدقة، إضافة إلى البصمة الوراثية والتي تحدد الأبوين بنسبة (٩٩.٩٩%)، واللَّه أعلم (٣).
* * *
стр. 6958
٥ - شبهة: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون
نص الشبهة:
آيات تتحدث أن الناس يوم القيامة يتكلمون ويتساءلون ولا يكتمون، وآيات أخرى تتحدث أن الناس يوم القيامة لا يتكلمون ولا يتساءلون ويكتمون؟ !
١ - ففي قوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (الأنعام: ٢٢ - ٢٣).
مع أنه ورد في (سورة النساء: ٤٢): ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، ففي الآية الأولى نرى أنهم كتموا وتكلموا وأنكروا الشرك وفى الثانية أنهم لا يكتمون ففي آية كتم، وفي آية لم يكتمون.
٢ - تعارض بين قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (الرحمن: ٣٩)، و ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ (المعارج: ١٠)، التعارض بين ذلك وبين قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (الصافات: ٢٤)، وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (الصافات: ٥٠).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: جمع الآيات التي يُظن تعارضها في هذه المسألة، والرد على دعوى التعارض.
الوجه الثاني: الآيات متعلقة بما قبلها وما بعدها.
الوجه الثالث: ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فلا افتخار بالأنساب والأحساب كما كان في الدنيا، ولا يسأل اللَّه أحدًا عن حسبه ولا عن نسبه ولا عن قرابته.
الوجه الرابع: هذا ليس بتساؤل ولكن طلب بعضهم من بعض العفو.
الوجه الخامس: الإنسان في حياته الدنيوية (القصيرة) تمر عليه فترات لا يتكلم فيها ولا يتساءل، وفترات يتكلم ويتساءل، وفترات يكتم، وفترات لا يكتم، فما بالنا بأيام الآخرة (الطويلة).
стр. 6959
الوجه السادس: إذا وصل الإنسان لدرجة معينة من الخوف ربما لا يستطع أن يتكلم من هول ما يراه.
الوجه السابع: المشركون لما رأوا ما يتجاوز اللَّه عن أهل التوحيد كتموا شركهم فلا يتكلمون، ثم يختم اللَّه على أفواههم فتتكلم جوارحهم.
الوجه الثامن: مواقف القيامة ومشاهد القيامة متعددة.
الوجه التاسع: أول ما يجتمع الخلائق بعد البعث فهم لا ينطقون في ذلك الموطن ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في الكلام فيكلم بعضهم بعضًا بعد الحساب.
الوجه العاشر: الرد على شبهات متعلقة ببعض الآيات.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: جمع الآيات التي يظن تعارضها في هذه المسألة، والرد على دعوى التعارض .
١ - آيات تدل على أنهم يتكلمون ويتساءلون (يوم القيامة):
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٤٢). ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٢٣). ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (الأعراف: ٤٤). ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ (الأعراف: ٤٨). ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: ٥٠). ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (إبراهيم: ٤٤). ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ (المؤمنون: ١٠٦). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ١٢). ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (يس: ٥٢). ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (الصافات: ٥٠). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣١). ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (الزخرف: ٧٧). ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾ (ق: ٢٨). . .
٢ - آيات تدل على أنهم لا يتكلمون ولا يتساءلون (يوم القيامة):
стр. 6960
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: ٩٧). ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (طه: ١٠٨). ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١). ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: ١٠٨). ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (الرحمن: ٣٩). ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ (المعارج: ١٠). ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات: ٣٥ - ٣٦).
أوجه الرد على الشبهات المتعلقة بتلك الآيات:
أولا: إثبات أن هذه الشبهة ذكرت في عهد الصحابة ورَدَّ عليها عبد اللَّه بن عباس ﵁، ورد عليها علماء المسلمين مِنْ بعده .
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃ قال سعيد: جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ؛ فقد وقع ذلك في صدري! فقال ابن عباس: أتكذيبٌ؟ ! فقال الرجل: ما هو بتكذيب، ولكن اختلاف. قال: فهلم ما وقع في نفسك. قال له الرجل: أسمع اللَّه تعالى يقول: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا في هذه الآية؟ فقال ابن عباس ﵁: هات ما وقع في نفسك من هذا؟ فقال السائل: إذا أنت أنبأتني بهذا فحسبي. قال ابن عباس ﵁: قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فهذه في النفخة الأولى، ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن اللَّه ﵎ يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر الشرك، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال اللَّه تعالى: أما إذ كتمتم الشرك
стр. 6961
فأختموا على أفواههم، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن اللَّه لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
ثم قال ابن عباس ﵁ للرجل: احفظ عني ما حدثتك، واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك؛ فإن اللَّه تعالى لم ينزل شيئًا إلا قد أصاب به الذي أراد، ولكن الناس لا يعلمون، فلا يختلفن عليك القرآن؛ فإن كلًّا من عند اللَّه ﵎ (١).
وفي لفظ: فقال له ابن عباس: هل بقي في قلبك شيء إنه ليس من القرآن شيء إلا نزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه؟
ثانيًا: الكافر لا يسأل حميمه سؤال رحمة، ولكن المؤمنين يتعارفون فيتساءلون .
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ (الرحمن: ٣٩)، ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ (المعارج: ١٠) ورد التعارض بين ذلك وبين قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ (الصافات: ٥٠)، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (الصافات: ٢٤).
أولًا: التساؤل أنواع:
* فمنه ما هو تساؤل من أجل التعارف: فيسأل الرجل الآخر ليعرف اسمه وعشيرته وبلده: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (الحجرات: ١٣)، وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ
стр. 6962
لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ (يونس: ٤٥).
* ومنه تساؤل لأجل دفع مضرة أو جلب منفعة مثل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: ١). قال إبراهيم، ومجاهد، والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: كما يقال: أسألك باللَّه وبالرَّحِم (١). فربما تحقق دفع الضر وجلب النفع وذلك بقدر تراحم الناس وتوادهم بين بعضهم بعضًا، وبقدر قدرتهم على ذلك.
* ومنه سؤال تعاطف؛ فتسأل عن حال أخيك المريض.
فهذا النوع السابق من التساؤلات منفي في الآخرة؛ فلذلك قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾.
قال الألوسي: وقد يقال: إن التساؤل المنفي هنا تساؤل التعارف ونحوه مما يترتب عليه دفع مضرة أو جلب منفعة، والتساؤل المثبت لأهل النار تساؤل وراء ذلك، وقد بينه سبحانه بقوله عز من قائل: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ (الصافات: ٢٨) (٢).
ثالثًا: كما أن التساؤل في الدنيا يتنوع ويختلف فكذلك التساؤل يوم القيامة هو من نوع آخر يختلف عما كان في الدنيا:
قال القرطبي: قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾، وقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، واللَّه أعلم. وقيل: القيامة مواطن. وقيل: أىِ: في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ (يونس: ٤٥) معنى: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ يتساءلون أي: يتساءلون كم لبثتم؟ كما قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (الصافات: ٢٧) وهذا حسن، وقال الضحاك: ذلك تعارف تعاطف المؤمنين،
стр. 6963
والكافرون لا تعاطف عليهم كما قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ والأول أظهر (١).
رابعًا: أنهم يتساءلون عن أسباب ورطتهم، لا تساؤل نجدة من خزيهم:
قال ابن عاشور: إن تساؤلهم المنفي هنالك هو طلب بعضهم من بعض النجدة والنصرة، وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين (٢).
قلت: وذلك واضح في القرآن كالآتي:
١ - فالإنسان الذي يعذب قد يتساءل ويتناقش مع من يعذب معه سؤالًا للاستهزاء به كما في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (إبراهيم: ٢٢).
٢ - أو يتساءل أسئلة مفادها أنه يتعجب من حاله كيف يعذب؟ وكيف لم ينجو من هذا العذاب؟ وكيف نجا مَنْ كان يستهزئ بهم في الدنيا كما في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (ص: ٦٢ - ٦٤).
٣ - ويتعجب كيف أن عمره مر كلمح البصر كما في قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ (طه ١٠٣: ١٠٤) حتى ولو تساءلوا من أجل دفع مضرة أو جلب منفعة فإن هذا لا ينفعهم: كما في قوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (إبراهيم: ٢١)، فكأنهم يبحثون ويتساءلون عن أسباب ورطتهم.
стр. 6964
قال القرطبي: قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: الرؤساء والأتباع ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يتخاصمون، ويُقال: (لا يتساءلون) فسقطت (لا). قال النحاس: وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله: ﴿لَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١) إنما هو (لا يتساءلون) بالأرحام، فيقول أحدهم: اسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني، أو أسقطت لي حقًا لك عليَّ، أو وهبت لي حسنة، وهذا بين لأن قبله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء في الحديث: "إن الرجل ليُسر بأن يصح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه؛ لأنها الحسنات والسيئات"، وفي حديث آخر: "رحم اللَّه امرءًا كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب". و ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ ها هنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضًا ويوبخه في أنه أضله أو فتح له بابًا من المعصية يبين ذلك أن بعده ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول الأتباع للمتبوعين. . . (١).
خامسًا: تساؤل أهل الجنة تساؤل استئناس، لا تساؤل تغيير حال لحال .
أما أهل الجنة فإن تساؤلهم للاستئناس، ولمتعة اللقاء بين بعضهم بعضًا، وللتحديث بين بعضهم بعضًا بنعمة اللَّه عليهم أن أدخلهم الجنة وأعاذهم من النار كما في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ (الصافات: ٥٠ - ٥٩).
قال الآلوسي: وقد بين جل وعلا تساؤل أهل الجنة بقوله سبحانه: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي
стр. 6965
كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ الآية وهو أيضًا نوع آخر من التساؤل ليس فيه أكثر من الاستئناس دون دفع مضرة عمن يتكلم معه أو جلب منفعة له (١).
الوجه الثاني: الآيات متعلقة بما قبلها وما بعدها .
قوله ﵎: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وقال في موضع: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾.
فلا تنافي بين الآيتين، فإن قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ (الصافات ٢٤: ٢٦) مسؤولون أي: سؤالًا نصه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ وذلك في الآيات السابقة لها، فهو سؤال توبيخ وتبكيت، لا سؤالًا عن ذنبهم.
الوجه الثالث: ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فلا افتخار بالأنساب والأحساب كما كان في الدنيا، ولا يسأل اللَّه أحدًا عن حسبه ولا عن نسبه ولا عن قرابته .
عن قتادة في الآية قال: ليس أحدٌ من الناس يسأل أحدًا بنسبه ولا بقرابته شيئًا.
وعن ابن جريج في الآية قال: لا يُسأل أحدٌ يومئذ بنسب شيئًا، ولا يَنْمِي إليه برحم.
قال ابن الجوزي: قوله تعالى ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في الكلام محذوف تقديره: لا أنساب بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرفع التواصل والتفخار بها (٢).
قال الآلوسي: وقيل المنفي التساؤل بالأنساب، فكأنه قيل بينهم: لا يسأل بعضهم بعضًا بها، والمراد أنها لا تنفع في نفسها وعندهم، والآية في شأن الكفرة، وتساؤلهم المثبت في آية أخرى ليس تساؤلًا بالأنساب، وهو ظاهر فلا إشكال (٣).
بل إنه يفرح المرء أن يكون له الحق على والده؛ وهذا ما قاله ابن مسعود وسيأتي قريبًا.
стр. 6966
هل ينفع نسب النبي ﷺ -؟
وإذا سأل سائل فقال: هل النبي محمد ﷺ ينفع نسبه؟
فمن حديث عبد اللَّه بن عباس، وعمر بن الخطاب، والمسور بن مخرمة، وعبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ : قال: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (١).
قال الآلوسي:
١ - ينبغي القول بأن نفع نسبه ﷺ إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرفوا به، وأما الكافر -والعياذ باللَّه تعالى- فلا نفع له بذلك أصلًا.
٢ - وقد يُقال: إن هذا الخبر لا ينافي إرادة العموم في الآية بأن يكون المراد نفي الالتفات إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فصل حسبما يؤذن به الفاء الجزائية؛ فإنها على المختار تدل على التعقيب، ويكون المراد تهويل شأن ذلك الوقت ببيان أنه يذهل فيه كل أحد عمن بينه وبينه نسب، ولا يلتفت إليه ولا يخطر هو بباله فضلًا عن أنه ينفعه أو لا ينفعه، وهذا لا يدل على عدم نفع كل نسب فضلا عن عدم نفع نسبه ﷺ .
وعن ابن عباس ﵁ وحُكى عن الجبائي أن المراد: أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا، وإنما يفتخر هناك بالأعمال والنجاة من الأهوال، فحيث لم يفتخر بها ثَمَّتَ كانت كأنها لم تكن، فعلى هذا وكذا على ما تقدم يكون قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ من باب المجاز.
٣ - وُجِّوزَ أن يكون فيه صفة مقدرة أي: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ نافعة أو ملتفتًا إليها أو مفتخرًا بها؛ وليس بذاك، والظاهر أن العامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو العامل في ﴿بَيْنَهُمْ﴾، ﴿لَا أَنْسَابَ﴾ لما لا يخفى ولا يتساءلون (٢).
стр. 6967
قال ابن كثير: ومن الخصائص أن كل نسب وسبب ينقطع نفعه وبره يوم القيامة إلا نسبه وسببه وصهره ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال أصحابنا:
١ - قيل: معناه أن أمته ينتسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا تنتسب إليهم.
٢ - وقيل: ينتفع يومئذ بالانتساب إليه، ولا ينتفع بسائر الأنساب. وهذا أرجح من الذي قبله بل ذلك ضعيف قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ في آي كثيرة دالة على أن كل أمة تُدعى برسولها الذي أرسل إليها (١).
قال المناوي: النسب بالولادة، والسبب بالزواج؛ أصله من السبب وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يوصل لأي شيء، (وصهري) الفرق بينه وبين النسب أن النسب راجع لولادة قريبة لجهة الآباء والصهر من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج (٢).
فالحديث معناه: أنه لا يبقى يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه؛ وهو الإيمان والقرآن، فإن قيل: قد قال هاهنا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (الصافات: ٢٧)؟
الجواب: ما رُوي عن ابن عباس ﵁: (أن للقيامة أحوالًا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون).
الوجه الرابع: هذا ليس بتساؤل ولكن طلب بعضهم من بعض العفو
قال ابن حجر: وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو (٣).
стр. 6968
روى الطبري بسنده عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: يؤخذ بيد العبد والأَمة يوم القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان من كان له حق فليأت إلى حقه! فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١) فيغفر اللَّه ﵎ من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصب للناس فيقول: ائتوا إلى الناس حقوقهم! فيقول: رب، فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كلَّ ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليًا للَّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وإن كان عبدًا شقيًا قال الملك: رب، فنيت حسناته وبقي طالبون كثير! فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكًا إلى النار. وفي لفظ: من كان له مظلمة فليجيء فليأخذ حقه، فيفرح واللَّه المرء أن يكون له الحق على والده، أو ولده، أو زوجته، وإن كان صغيرًا؛ ومصداق ذلك في كتاب اللَّه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (١).
الوجه الخامس: الإنسان في حياته الدنيوية (القصيرة) تمر عليه فترات لا يتكلم فيها ولا يتساءل، وفترات يتكلم ويتساءل، وفترات يكتم، وفترات لا يكتم، فما بالنا بأيام الآخرة (الطويلة) .
يوم القيامة يوم عظيم، يوم طويل، مقداره خمسين ألف سنة قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (المعارج: ٤)، وإن الإنسان في حياته الدنيوية ليتعرض لفترات من حياته لا يتكلم فيها مع أنه كما يقول الفلاسفة: إن
стр. 6969
الإنسان حيوان ناطق، فكيف ينطبق ذلك عليه أثناء وجوده في بطن أمه؟ فهو لا يتكلم ولا يتساءل، ثم إذا خرج من بطن أمه لا نسمع منه إلا الصراخ، فلا يستطع أن يعبر عما يشكو منه، هل هو جوع، أم مرض، أم خوف؟ ويظل هكذا حتى يتعلم النطق رويدًا رويدًا، وربما كان أبكم لا يتكلم! فهل هذا يعتبر خرقًا لقاعدة: أن الإنسان حيوان ناطق؟ أم أن هذا يُحمل على محمل أن غالبية الجنس البشري ينطق ويتكلم؟ والعجيب أنه ربما كان إنسان يتكلم وينطق فتحدث له مصيبة من مصائب الدنيا فيفقد النطق (إما لصدمة عصبية أو لخلل عضوي)، فنفاجأ بأنه كان يتكلم فأصبح لا يتكلم، وكان يتساءل تساؤلات تنفعه فأصبح لا يتساءل! وربما صرف اللَّه عنه هذه المصيبة فرجع مرة أخرى يتكلم ويتساءل، وكل هذا في فترة زمنية (فترة حياته إما ستون سنة أو أقل أو أكثر) لا تقارن بالمدة التي يقضيها في يوم القيامة.
فإذا قمنا بإحصائيات على مستوى العالم: كم من البشر يتكلمون؟ وكم منهم لا يتكلمون؟ نجد أن العدد الأكبر يتكلمون، وأيضًا هناك عدد كبير لا يتكلمون سواء كانوا أطفالًا رضع أو كانوا بكمًا، هذا في الدنيا فلا نستبعد في الآخرة أن السعداء يتكلمون ويحدث بعضهم بعضًا حديثًا رقراقًا جميلًا، والأشقياء تحدث لهم أحوالٌ متغايرة من كلام وعدم كلام؛ وهذا دليل على شدة الإرتباك والحيرة التي يَمُرُّ الكافر بها يوم القيامة، وأن أحواله تتغير يوم القيامة من سوء لأسوء كما كان قلبه يتقلب في أوحال الكفر في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (الأنعام: ١١٠).
قال أبو السعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ بينهم تنفعهم لزوال الزاحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة؛ بحيث يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، أو لا أنساب يفتخرون بها يومئذ كما هي بينهم اليوم ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا لاشتغال كل منهم بنفسه ولا يناقضه قوله تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون؛
стр. 6970
لأن هذا عند ابتداء النفخة الثانية وذلك بعد ذلك (١).
الوجه السادس: إذا وصل الإنسان لدرجة معينة من الخوف ربما لا يستطع أن يتكلم من هول ما يراه .
فالكافر يصاب بذلك، وللخوف درجات، أما المؤمن فلا يصاب بذلك.
قال النسفي: ولا يكون التواصل بينهم بالأنساب إذ يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، وإنما يكون بالأعمال ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ لأن كلًّا مشغولٌ عن سؤال صاحبه بحاله ولا تناقض بين هذا وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ فللقيامة مواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون فيتساءلون (٢).
الوجه السابع: المشركون لما رأوا ما يتجاوز اللَّه عن أهل التوحيد كتموا شركهم فلا يتكلمون، ثم يختم اللَّه على أفواههم فتتكلم جوارحهم .
عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن اللَّه ﵎ يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر الشوك، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشوك، فتعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال اللَّه تعالى: "أما إذ كتمتم الشرك فاختموا على أفواههم"، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن اللَّه لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (٣).