هل ينفع نسب النبي ﷺ -؟
وإذا سأل سائل فقال: هل النبي محمد ﷺ ينفع نسبه؟
فمن حديث عبد اللَّه بن عباس، وعمر بن الخطاب، والمسور بن مخرمة، وعبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ : قال: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (١).
قال الآلوسي:
١ - ينبغي القول بأن نفع نسبه ﷺ إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرفوا به، وأما الكافر -والعياذ باللَّه تعالى- فلا نفع له بذلك أصلًا.
٢ - وقد يُقال: إن هذا الخبر لا ينافي إرادة العموم في الآية بأن يكون المراد نفي الالتفات إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فصل حسبما يؤذن به الفاء الجزائية؛ فإنها على المختار تدل على التعقيب، ويكون المراد تهويل شأن ذلك الوقت ببيان أنه يذهل فيه كل أحد عمن بينه وبينه نسب، ولا يلتفت إليه ولا يخطر هو بباله فضلًا عن أنه ينفعه أو لا ينفعه، وهذا لا يدل على عدم نفع كل نسب فضلا عن عدم نفع نسبه ﷺ .
وعن ابن عباس ﵁ وحُكى عن الجبائي أن المراد: أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا، وإنما يفتخر هناك بالأعمال والنجاة من الأهوال، فحيث لم يفتخر بها ثَمَّتَ كانت كأنها لم تكن، فعلى هذا وكذا على ما تقدم يكون قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ من باب المجاز.
٣ - وُجِّوزَ أن يكون فيه صفة مقدرة أي: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ نافعة أو ملتفتًا إليها أو مفتخرًا بها؛ وليس بذاك، والظاهر أن العامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو العامل في ﴿بَيْنَهُمْ﴾، ﴿لَا أَنْسَابَ﴾ لما لا يخفى ولا يتساءلون (٢).
стр. 6967
قال ابن كثير: ومن الخصائص أن كل نسب وسبب ينقطع نفعه وبره يوم القيامة إلا نسبه وسببه وصهره ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال أصحابنا:
١ - قيل: معناه أن أمته ينتسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا تنتسب إليهم.
٢ - وقيل: ينتفع يومئذ بالانتساب إليه، ولا ينتفع بسائر الأنساب. وهذا أرجح من الذي قبله بل ذلك ضعيف قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ في آي كثيرة دالة على أن كل أمة تُدعى برسولها الذي أرسل إليها (١).
قال المناوي: النسب بالولادة، والسبب بالزواج؛ أصله من السبب وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يوصل لأي شيء، (وصهري) الفرق بينه وبين النسب أن النسب راجع لولادة قريبة لجهة الآباء والصهر من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج (٢).
فالحديث معناه: أنه لا يبقى يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه؛ وهو الإيمان والقرآن، فإن قيل: قد قال هاهنا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (الصافات: ٢٧)؟
الجواب: ما رُوي عن ابن عباس ﵁: (أن للقيامة أحوالًا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون).
الوجه الرابع: هذا ليس بتساؤل ولكن طلب بعضهم من بعض العفو
قال ابن حجر: وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو (٣).
стр. 6968
روى الطبري بسنده عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: يؤخذ بيد العبد والأَمة يوم القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان من كان له حق فليأت إلى حقه! فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١) فيغفر اللَّه ﵎ من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصب للناس فيقول: ائتوا إلى الناس حقوقهم! فيقول: رب، فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كلَّ ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليًا للَّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وإن كان عبدًا شقيًا قال الملك: رب، فنيت حسناته وبقي طالبون كثير! فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكًا إلى النار. وفي لفظ: من كان له مظلمة فليجيء فليأخذ حقه، فيفرح واللَّه المرء أن يكون له الحق على والده، أو ولده، أو زوجته، وإن كان صغيرًا؛ ومصداق ذلك في كتاب اللَّه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (١).
الوجه الخامس: الإنسان في حياته الدنيوية (القصيرة) تمر عليه فترات لا يتكلم فيها ولا يتساءل، وفترات يتكلم ويتساءل، وفترات يكتم، وفترات لا يكتم، فما بالنا بأيام الآخرة (الطويلة) .
يوم القيامة يوم عظيم، يوم طويل، مقداره خمسين ألف سنة قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (المعارج: ٤)، وإن الإنسان في حياته الدنيوية ليتعرض لفترات من حياته لا يتكلم فيها مع أنه كما يقول الفلاسفة: إن
стр. 6969
الإنسان حيوان ناطق، فكيف ينطبق ذلك عليه أثناء وجوده في بطن أمه؟ فهو لا يتكلم ولا يتساءل، ثم إذا خرج من بطن أمه لا نسمع منه إلا الصراخ، فلا يستطع أن يعبر عما يشكو منه، هل هو جوع، أم مرض، أم خوف؟ ويظل هكذا حتى يتعلم النطق رويدًا رويدًا، وربما كان أبكم لا يتكلم! فهل هذا يعتبر خرقًا لقاعدة: أن الإنسان حيوان ناطق؟ أم أن هذا يُحمل على محمل أن غالبية الجنس البشري ينطق ويتكلم؟ والعجيب أنه ربما كان إنسان يتكلم وينطق فتحدث له مصيبة من مصائب الدنيا فيفقد النطق (إما لصدمة عصبية أو لخلل عضوي)، فنفاجأ بأنه كان يتكلم فأصبح لا يتكلم، وكان يتساءل تساؤلات تنفعه فأصبح لا يتساءل! وربما صرف اللَّه عنه هذه المصيبة فرجع مرة أخرى يتكلم ويتساءل، وكل هذا في فترة زمنية (فترة حياته إما ستون سنة أو أقل أو أكثر) لا تقارن بالمدة التي يقضيها في يوم القيامة.
فإذا قمنا بإحصائيات على مستوى العالم: كم من البشر يتكلمون؟ وكم منهم لا يتكلمون؟ نجد أن العدد الأكبر يتكلمون، وأيضًا هناك عدد كبير لا يتكلمون سواء كانوا أطفالًا رضع أو كانوا بكمًا، هذا في الدنيا فلا نستبعد في الآخرة أن السعداء يتكلمون ويحدث بعضهم بعضًا حديثًا رقراقًا جميلًا، والأشقياء تحدث لهم أحوالٌ متغايرة من كلام وعدم كلام؛ وهذا دليل على شدة الإرتباك والحيرة التي يَمُرُّ الكافر بها يوم القيامة، وأن أحواله تتغير يوم القيامة من سوء لأسوء كما كان قلبه يتقلب في أوحال الكفر في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (الأنعام: ١١٠).
قال أبو السعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ بينهم تنفعهم لزوال الزاحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة؛ بحيث يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، أو لا أنساب يفتخرون بها يومئذ كما هي بينهم اليوم ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا لاشتغال كل منهم بنفسه ولا يناقضه قوله تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون؛
стр. 6970
لأن هذا عند ابتداء النفخة الثانية وذلك بعد ذلك (١).
الوجه السادس: إذا وصل الإنسان لدرجة معينة من الخوف ربما لا يستطع أن يتكلم من هول ما يراه .
فالكافر يصاب بذلك، وللخوف درجات، أما المؤمن فلا يصاب بذلك.
قال النسفي: ولا يكون التواصل بينهم بالأنساب إذ يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، وإنما يكون بالأعمال ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ لأن كلًّا مشغولٌ عن سؤال صاحبه بحاله ولا تناقض بين هذا وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ فللقيامة مواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون فيتساءلون (٢).
الوجه السابع: المشركون لما رأوا ما يتجاوز اللَّه عن أهل التوحيد كتموا شركهم فلا يتكلمون، ثم يختم اللَّه على أفواههم فتتكلم جوارحهم .
عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن اللَّه ﵎ يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر الشوك، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشوك، فتعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال اللَّه تعالى: "أما إذ كتمتم الشرك فاختموا على أفواههم"، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن اللَّه لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (٣).
стр. 6971
قال أحمد بن حنبل: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فذلك أن هؤلاء المشركين إذا رأوا ما يتجاوز اللَّه عن أهل التوحيد يقول بعضهم لبعض: إذا سَأَلَنَا نقول: لم نكن مشركين، فلما جمعهم اللَّه، وجمع أصنامهم، وقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
قال اللَّه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾، فلما كتموا الشرك ختم اللَّه على أفواههم، وأمر الجوارح فنطقت بذلك، وذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ فأخبر اللَّه عن الجوارح أن شهدت، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة (١).
قلت: فقد أجاب عبد اللَّه بن عباس ﵁: عن الجمع بين الآيتين، فعلى هذا يكون الكتمان كتمان الشرك بالنسبة للألسن؛ الألسن كتمت، والتكلم بالنسبة للجوارح، فإذن قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ هذا قالوه بألسنتهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بجوارحهم، جوارحهم هي التي نطقت: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ محمول على أن الجوارح هي التي تتكلم، وأما كتمانهم الشرك: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ هذا محمول على الألسن، فالألسن كتمت، والجوارح لم تكتم فتكلمت.
الوجه الثامن: مواقف القيامة ومشاهد القيامة متعددة ففي بعض المواقف يكتمون ولا يتكلمون، وفي بعضها لا يكتمون ويتكلمون .
قال الشوكاني: وقد جُمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة مختلفة فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر (٢).
وأخرج ابن مردويه عن عبد اللَّه بن الصامت قال: قلت لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص
стр. 6972
أرأيت قول اللَّه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾؟ قال: إن يوم القيامة يوم له حالات وتارات في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون، وفي حال يعتذرون، لا أحدثكم إلا ما حدثنا رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة ينزل الجبار في ظلل من الغمام، وكل أمة جاثية في ثلاثة حجب مسيرة كل حجاب خمسون ألف سنة، حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من ماء؛ لا يُرى لذلك، فيأمر بذلك الماء فيعود في تلك الظلمة، ولا تسمع نفس ذلك القول إلا ذهبت فعند ذلك لا ينطقون" (١).
أولًا: إن الكتمان وعدمه يختلف ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية:
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال سعيد: جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، فقد وقع ذلك في صدري! فقال ابن عباس: أتكذيبٌ؟ فقال الرجل: ما هو بتكذيب! ولكن اختلاف. قال: فهلم ما وقع في نفسك. قال له الرجل: أسمع اللَّه تعالى يقول: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا في هذه الآية؟ فقال ابن عباس ﵄: هات ما وقع في نفسك من هذا؟ فقال السائل: إذا أنت أنبأتني بهذا فحسبي. قال ابن عباس ﵄: قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فهذه في النفخة الأولى، ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٢).
قال ابن حجر: وحاصل جواب ابن عباس: أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية عند
стр. 6973
تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك، وهذا منقول عن السدي؛ أخرجه الطبري، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند النفخة الأولى وإثباتها بعد النفخة الثانية (١).
وقال أيضًا: والآية الأخرى التي ذكرها ابن عباس وهي قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد ورد ما يؤيده من حديث أبي هريرة؛ أخرجه مسلم في أثناء حديث وفيه: "ثم يلقى الثالث فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك ويثني ما استطاع فيقول الآن نبعث شاهدًا عليك فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ؟ ! فيختم على فيه وتنطق جوارحه" (٢).
قال الشوكاني: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قيل: هذه هي النفخة الأولى. وقيل: الثانية؛ وهذا أولى، وهي النفخة التي تقع بين البعث والنشور. وقيل: المعنى: فإذا نفخ في الأجساد أرواحها على أن الصور جمع صورة لا القرن؛ ويدل على هذا قراءة ابن عباس والحسن ﴿الصُّورِ﴾ بفتح الواو مع ضم الصاد جمع صورة، وقرأ أبو رزين بفتح الصاد والواو، وقرأ الباقون بضم الصاد وسكون الواو وهو القرن الذي ينفخ فيه، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب ويذكرونها لما هم فيه من الحيرة والدهشة ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا فإن لهم إذ ذاك شغلًا شاغلًا ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾، ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة، فالإثبات باعتبار بعضها والنفي باعتبار بعض آخر؛ كما قررناه في نظائر هذا مما أُثبت تارة ونُفي أخرى (٣).
стр. 6974
قال البغوي: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ اختلفوا في هذه النفخة فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنها النفخة الأولى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (الزمر: ٦٨) ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٦٨)، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (الصافات: ٢٧) (١).
قال البيهقي: هذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض إلا مَنْ شاء اللَّه ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثم إذا نفخ في النفخة الأخرى قاموا ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (٢).
ثانيًا: إن الكتمان وعدمه يختلف ما بين النفخة الأولى ودخول الجنة:
قال ابن الجوزي: ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ في هذه النفخة قولان:
أحدهما: أنها النفخة الأولى؛ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني: أنها الثانية؛ رواه عطاء عن ابن عباس.
فقد أخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس أيضًا أنه سئل عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وأما قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٣). وفي رواية أخرى: أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: حين ينفخ في الصور
стр. 6975
فلا يبقى حي إلا اللَّه (١).
قال البيضاوي: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لقيام الساعة ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ تنفعهم، وهو لا يناقض قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ لأنه عند النفخة وذلك بعد المحاسبة أو دخول أهل الجنة الجنة والنار النار (٢).
ثالثًا: لكل مقدار يوم من الأيام لونًا من الألوان:
أخرج الحاكم وصححه من طريق عكرمة قال: سأل نافع بن الأزرق فقال له ابن عباس: أليس قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧)، قال: بلى. قال: وإن لكل مقدار يوم من الأيام لونًا من الألوان (٣).
رابعًا: وذلك كله أنها أيام كثيرة:
أخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: ألا أخبركم بأشد مما تسألون عنه؟ قال ابن عباس وذكر: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ (الرحمن: ٣٩)، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ (الحجر: ٩٢)، ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾؛ قال ابن عباس: إنها أيام كثيرة في يوم واحد فيصنع اللَّه فيها ما يشاء، فمنها يوم لا ينطقون، ومنها يوم عبوسًا قمطريرًا (٤).
خامسًا: إن الأمر يختلف من إنسان لآخر .
فهناك من الناس من إذا خرج من قبره إلى أرض المحشر فهو يظل لا ينطق ولا يتكلم، ثم يفاجأ بأن هناك لهب من النار يتخطفه من بين الناس: عن أبي عبد اللَّه الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت، وعبد اللَّه بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت
стр. 6976
المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جُمع الناس في صعيد واحد، فينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، ويقول اللَّه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ اليوم لا ينجو مني جبار ولا شيطان مريد، فقال عبد اللَّه بن عمرو: إنا نجد في الكتاب أنه يخرج يومئذٍ عنق من النار، فينطلق معنقًا حتى إذا كان بين ظهراني الناس قال: يا أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الوالد بولده ومن الأخ بأخيه، لا يغنيهم مني وزر، ولا تخفيهم مني خافية: الذي يجعل مع اللَّه إلها آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد. قال: فينطوي عليهم فيقذفهم في النار قبل الحساب بأربعين -إما قال يومًا وإما عامًا- قال: وجهرع قوم إلى الجنة فتقول لهم الملائكة: قفوا للحساب. فيقولون: واللَّه ما كانت لنا أموال، وما كنا بعمال. فيقول اللَّه: صدق عبادي أنا أحق من أوفى بعهده ادخلوا الجنة. فيدخلون قبل الحساب بأربعين - إما قال يومًا وإما عامًا (١).
الوجه التاسع: أول ما يجتمع الخلائق بعد البعث فهم لا ينطقون في ذلك الموطن ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في الكلام فيكلم بعضهم بعضًا ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند الحساب ثم يقال لهم: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ بعد الحساب .
أولًا: أخرج عبد بن حميد عن أبي الضحى أن نافع بن الأزرق وعطية أتيا ابن عباس، وفيه قال: ويحك يا ابن الأزرق إنه يوم طويل وفيه مواقف: تأتي عليهم ساعة لا ينطقون، ثم يؤذن لهم فيختصمون، ثم يمكثون ما شاء اللَّه يحلفون ويجهدون، فإذا فعلوا ذلك ختم اللَّه على أفواههم ويأمر جوارحهم فتشهد على أعمالهم بما صنعوا، ثم تنطق ألسنتهم فيشهدون على أنفسهم بما صنعوا، قال: ذلك قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٢).
стр. 6977
ثانيًا: قال مقاتل بن سليمان: أما ما شكت فيه الزنادقة في مثل هذه الآية ونحوها من قوله جل ثناؤه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ ثم قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾، فهذا عند مَنْ يجهل التفسير ينقض بعضه بعضًا! وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة.
أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ فأول ما يجتمع الخلائق بعد البعث فهم لا ينطقون في ذلك الموطن ولا يؤذن لهم فيعتذرون مقدار ستين سنة، ثم يؤذن لهم في الكلام فيكلم بعضهم بعضًا: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ عند الحساب، ثم يقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾ بعد الحساب.
وأما قوله جل ثناؤه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضًا يقول: هم بُكم فكيف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾؟
فالرد أنه ليس بمنتقض، ولكنها في تفسير الخواص في المواطن المختلفة:
فأما قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ فإنهم أول ما يدخلون النار ينادون أهل النار ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾، وينادون أصحاب الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ فيتركهم مقدار سبعة آلاف سنة أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يقول سبحانه في آخر ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، فعند ذلك صاروا عميًا وبكمًا وصمًا؛ لا يستطيعون الكلام، ولا يسمعون، ولا يبصرون، فهذا تفسيرها.
وأما قوله : ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضًا حين قال: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ وقال في آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ
стр. 6978
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾، فالرد أنه ليس بمنتقض ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة:
فأما تفسير: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ بأنه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الخلائق من قبورهم فلا أنساب بينهم في ذلك الموطن، ولا يعطف بعضهم على بعض قريب لقرابته حتى ينجو من الحساب إلى الجنة، ولا يسأل بعضهم بعضًا فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾، وذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾، فإذا صاروا إلى الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون إذا رأى بعضهم بعضًا فهذا تفسيره (١).
ثالثًا: قال بدر الدين العيني: قوله: (يختلف علي) أي: يشكل ويضطرب علي؛ إذ بين ظواهرها تناف وتدافع أو تفيد شيئًا لا يصح عقلًا: الأول من الأسئلة قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فإن بين قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وبين قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ تدافعًا ظاهرًا.
الثاني: قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن بينه وبين قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ تدافعًا ظاهرًا؛ لأنه علم من الأول أنهم لا يكتمون اللَّه حديثًا، ومن الثاني أنهم يكتمون كونهم مشركين.
قوله: فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ جواب عن سؤال الأول أي: قال: فقال ابن عباس ﵁ في الجواب ما ملخصه: إن التساؤل بعد النفخة الثانية، وعدم التساؤل قبلها. وعن السدي أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط، وإثباتها فيما عدا ذلك.
قوله: وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهو جواب عن
стр. 6979
السؤال الثاني وملخصه: أن الكتمان قبل إنطاق الجوارح وعدمه بعده قوله: (فعند ذلك) أي: عند نطق أيديهم، قوله: (وعنده يود الذين كفروا) أي: وعند علمهم أن اللَّه لا يكتم حديثًا ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا في سورة النساء وهو قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (النساء: ٢٤) أي: يوم القيامة ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: لو تسوت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئًا واحدًا أو أنهم لم يكتموا أمر محمد ولا نعته؛ لأن ما عملوه لا يخفى على اللَّه تعالى فلا يقدرون كتمانه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم (١).
رابعًا: الكافر يريد أن يخدع اللَّه فيعامل بنيته .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ " قالوا: لا. قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ " قالوا: لا. قال: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب، آمنت بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا قال، ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه
стр. 6980
وعظامه بعمله؛ وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط اللَّه عليه" (١).
الوجه العاشر: الرد على شبهات متعلقة ببعض الآيات:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ .
نص الشبهة: أن قوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (الأنعام: ٢٢ - ٢٣) تدل أنهم كتموا الشرك وأنكروا أنهم أشركوا في الدنيا، مع أنه ورد في (سورة النساء: ٤٢): ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، ففي الآية الأولى نرى أنهم كتموا وتكلموا وأنكروا الشرك، وفى الثانية أنهم لا يكتمون ففي آية كتموا، وفي آية لم يكتموا؟ !
والرد على هذه الشبهة كما يلي: ففي قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (النساء: ٤٢).
أولًا: أنه عطف على قوله: ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾ أي: ويودون أن لو لم يكتموا اللَّه حديثًا، لأنهم إذا سئلوا قالوا: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فتشهد عليهم جوارحهم بما عملوا فيقولون: يا ليتنا كنا ترابًا، ويا ليتنا لم نكتم اللَّه شيئًا، وهذا قول ابن عباس.
ثانيًا: أنه كلام مستأنف والمراد به: أنهم لا يكتمون اللَّه شيئًا من أمور الدنيا وكفرهم، بل يعترفون به فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنه لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ في بعض الأحوال، فإن للقيامة مواطن وأحوالًا، ففي موطن لا يسمع كلامهم إلا همسًا، وفي موطن ينكرون ما فعلوه من الكفر والمعاصي ظنًا منهم أن ذلك ينفعهم، وفي موطن يعترفون بما فعلوه؛ عن الحسن.
ثالثًا: أن المراد أنهم لا يقدرون على كتمان شيء من اللَّه تعالى لأن جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه، فالتقدير: لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه هم.
стр. 6981
رابعًا: أن المراد: ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ؛ عن عطاء.
خامسًا: أن الآية على ظاهرها، فالمراد: ولا يكتمون اللَّه شيئًا لأنهم ملجؤون إلى ترك القبائح والكذب، وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ عند أنفسنا لأنهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث تقربهم إلى اللَّه؛ عن البلخي.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يعني: يوم القيامة بين سبحانه أنه يبعث فيه من كل أمة شهيدًا وهم الأنبياء والعدول من كل عصر يشهدون على الناس بأعمالهم.
وفائدة بعث الشهداء مع علم اللَّه سبحانه بذلك أن ذلك أهول في النفس، وأعظم في تصور الحال، وأشد في الفضيحة إذا قامت الشهادة بحضرة الملأ مع جلالة الشهود وعدالتهم عند اللَّه تعالى، ولأنهم إذا علموا أن العدول عند اللَّه يشهدون عليهم بين يدي الخلائق فإن ذلك يكون زجرًا لهم عن المعاصي، وتقديره: واذكر يوم نبعث.
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يؤذن لهم في الكلام والاعتذار، أو لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا، أو لا يسمع منهم العذر، يقال: أذنت له أي: استمعت، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يسترضون ولا يستصلحون، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ومعناه: لا يسألون أن يرضوا اللَّه بالكف عن معصية يرتكبونها.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من أمثالهم من البشر، ويجوز أن يكون ذلك الشهيد نبيهم الذي أرسل إليهم، ويجوز أن يكون المؤمنون العارفون يشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي؛ وفي هذا دلالة على أن كل عصر لا يجوز أن يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره، وهو عدل عند اللَّه تعالى، ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يريد على قومك وأمتك.
وفي قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ معناه: أن السمع يسأل عما سمع، والبصر عما رأى، والقلب عما عزم عليه، والمراد أن أصحابها هم المسؤولون؛ ولذلك قال:
стр. 6982
﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ وقيل: بل المعنى: كل أولئك الجوارح يسأل عما فعل بها، قال الوالبي عن ابن عباس: يسأل العباد فيما استعملوها.
وفي قوله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾: بين سبحانه أن ذلك العذاب يكون في يوم تشهد ألسنتهم فيه عليهم بالقذف، وسائر أعضائهم بمعاصيهم، وفي كيفية شهادة الجوارح أقوال:
أحدها: أن اللَّه يبنيها ببنيه يمكنها النطق والكلام من جهتها فتكون ناطقة.
والثاني: أن اللَّه تعالى يفعل فيها كلامًا يتضمن الشهادة فيكون المتكلم هو اللَّه تعالى دون الجوارح، وأضيف إليها الكلام على التوسع لأنها محل الكلام.
والثالث: أن اللَّه تعالى يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة، ويظهر فيها أمارات دالة على كون أصحابها مستحقين للنار، فسمي ذلك شهادة مجازًا، كما يقال: عيناك تشهدان بسهرك.
وأما شهادة الأنس فبأن يشهدوا بألسنتهم إذا رأوا أنه لا ينفعهم الجحود.
وأما قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ فإنه يجوز أن يخرج الألسنة ويختم على الأفواه، ويجوز أن يكون الختم على الأفواه في حال شهادة الأيدي والأرجل، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: يتمم اللَّه لهم جزاءهم الحق، فالدين بمعنى الجزاء، ويجوز أن يكون المراد جزاء دينهم الحق. وفي قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: هذا حقيقة الختم فيوضع على أفواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على الكلام والنطق.
وفي قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ولا يتفرقوا ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ أى: جاؤوا النار التي حشروا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه ﴿وَأَبْصَارُهُمْ﴾ بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية اللَّه فلم يؤمنوا، وسائر ﴿جُلُودُهُمْ﴾ بما باشروه من المعاصي والأعمال القبيحة.
стр. 6983
٢ - في قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
قال الآلوسي: أي ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله؟ وممن هو؟ ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه عن الالتفات إلى أبناء جنسه؛ وذلك عقيب النفخة الثانية من غير فصل أيضًا فهو مقيد بيومئذ وإن لم يذكر بعده اكتفاء بما تقدم، وكان كلا الحكمين بعد تحقيق أمر تلك النفخة لديهم، ومعرفة أنها لماذا كانت وحينئذ يجوز أن يقال: إن قولهم ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ قبل تحقق أمر تلك النفخة لديهم فلا أشكال.
ويحتمل أن كلا الحكمين في مبدأ الأمر قبل القول المذكور كأنهم حين يسمعون الصيحة يذهلون عن كل شيء الأنساب وغيرها كالنائم إذا صيح به صيحة مفزعة فهب من منامه فزعًا ذاهلًا عمن عنده مثلًا، فإذا سكن روعهم في الجملة قال قائلهم: من بعثنا من مرقدنا. وقيل: لا نسلم أن قولهم: مَنْ بعثنا مِنْ مرقدنا أنه كان بطريق التساؤل، وعلى الإحتمالين لا يشكل هذا مع قوله تعالى في شأن الكفرة يوم القيامة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وفي شأن المؤمنين: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فإن تساؤل الكفرة المنفي في موطن وتساؤلهم المثبت في موطن آخر ولعله عند جهنم وهو بعد النفخة الثانية بكثير، وكذا تساؤل المؤمنين بعدها بكثير أيضًا فإنه في الجنة كما يرشد إليه الرجوع إلى ما قبل الآية (١).
قال ابن الجوزي: وفي قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يتساءلون بالأنساب أن يترك بعضهم لبعض حقه.
والثاني: لا يسأل بعضهم بعضًا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه.
والثالث: لا يسأل بعضهم بعضًا: من أي قبيل أنت؟ كما تفعل العرب لتعرف النسب فتعرف قدر الرجل (٢).
стр. 6984
٣ - في قوله ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾
١ - وأما قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ (المرسلات: ٣٥) ثم قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ (الزمر: ٣١)، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ قال: هذا يوم لا ينطقون، ثم قال في موضع آخر: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون؟ فزعموا أن هذا الكلام ينقض بعضه بعضًا، فشكوا في القرآن.
أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ فهذا أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون، فذلك قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (السجدة: ١٢)، فإذا أذن لهم في الكلام فتكلموا واختصموا فذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ (ق: ٢٨) فإن العذاب مع هذا القول كائن.
٢ - وأما قوله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: ٩٧) وقال في آية آخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: ٥٠)، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ثم يقول في موضع آخر أنه ينادي بعضهم بعضًا؟ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
أما تفسير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (الأعراف: ٤٤)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضًا، وينادون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (إبراهيم: ٤٤)، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ (المؤمنون: ١٠٦)، فهم يتكلمون حتى يُقال لهم: اخسأوا فيها
стр. 6985
ولا تكلمون، فصاروا فيها عميًا وبكمًا وصمًا، وينقطع الكلام، ويبقى الزفير والشهيق؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة من قول اللَّه.
٣ - وأما قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، وقال في آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ (الصافات: ٥٠)، فقالوا: كيف يكون هذا من المحكم؛ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
فأما قوله : ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فهذا عند النفخة الثانية إذا قاموا من القبور لا يتساءلون ولا ينطقون في ذلك الموطن، فإذا حوسبوا ودخلوا الجنة والنار أقبل بعضهم على بعض يتساءلون فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة. اهـ (١).
قال القرطبي:
١ - قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ أي: لا يتكلمون، ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ أي: إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت؛ فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ و ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (طه: ١٠٨) وقد قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ (الصافات: ٢٧)؟
فقال له: إن اللَّه يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (الحج: ٤٧) فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونًا من هذه الألوان.
٢ - وقيل: لا ينطقون بحجة نافعة، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق. قال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. وقيل: إن هذا وقت جوابهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (المؤمنون: ١٠٨) وقد تقدم. وقال أبو عثمان: أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب. وقال الجنيد: أيُّ عذر لمن أعرض عن منعمه، وجحده، وكفر أياديه ونعمه؟
стр. 6986
و ﴿يَوْمُ﴾ بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر أي تقول الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿انْطَلِقُوا﴾ من قول الملائكة، ثم يقول اللَّه لأوليائه: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ لا ينطق الكفار. ومعنى اليوم: الساعة والوقت. وروى يحيى بن سلطان عن أبي بكر عن عاصم: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ بالنصب، ورويت عن ابن هرمز وغيره؛ فجاز أن يكون مبنيًا لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع، وهذا مذهب الكوفيين، وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم؛ وهذا مذهب البصريين؛ لأنه إنما بُني عندهم إذا أضيف إلى مبني والفعل هاهنا معرب (١).
* * *
стр. 6987
٦ - شبهة: الظل .
نص الشبهة إجماليًا:
١ - قول المفسرين: الشمس تتبع الظل وتتلوه؛ لأنها دليل له يقوده، مع أن دوران الأرض هو المسئول عن تحولات الظل.
٢ - الظل يوجد تحت أي نور كان مثل ضوء قمر أو مصباح فقول المفسرين: لولا الشمس ما كان الظل، كيف ذلك والليل شكل من أشكال الظل؟ !
نص الشبهة تفصيليًا:
جاء في سورة (الفرقان: ٤٥ - ٤٦): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ وفسرها علماء الإسلام كما يلي:
أي: ألم تنظر إلى بديع صنع اللَّه وقدرته كيف بسط تعالى الظل ومده وقت النهار حتى يستروح الإنسان بظل الأشياء من حرارة الشمس المتوهجة؟ إذ لولا الظل لأحرقت الشمس الإنسان وكدرت حياته، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي لو أراد لجعله دائمًا ثابتًا في مكان لا يزول ولا يتحول عنه ولكنه بقدرته ينقله من مكان إلى مكان، ومن جهة إلى جهة، فتارة يكون جهة المشرق، وتارة جهة المغرب، وأخرى من أمام أو خلف، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: جعلنا طلوع الشمس دليلًا على وجود الظل، فلولا وقوع ضوئها على الأجرام لما عُرف أن للظل وجودًا ولما ظهرت آثار هذه النعمة، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: أزلنا هذا الظل شيئًا فشيئًا وقليلًا قليلًا لا دفعة واحدة لئلا تختل المصالح (١).
وقال قتادة والسدي عن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ دليلًا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله (٢).
الاعتراضات:
стр. 6988
نعلم أن اللَّه له قدرة كاملة وسلطة تامة؛ إذ يعمل ما يشاء وقتما شاء وكيفما شاء، إلا أن أعماله لا تعارض صفاته، وبالتالي نستطيع القول بأنه يقدر على أن يجعل الظل ساكنًا، لكننا لا نعترض على هذا بل على قول القرآن: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
١ - هل فعلًا الشمس تتبع الظل وتتلوه؟ هل هي الدليل الذي يقوده؟
٢ - لما قالوا بأن الدليل معناه: (البرهان أيضًا على وجود الشمس)؛ إذ لولا الشمس لا عرفنا أن الظلَ موجودٌ؟
نجيبهم بأن هذا التفسير لا يخلو هو الآخر من أخطاء؛ إذ أن الظل موجود أيضًا تحت ضوء القمر والمصابيح وتحت أي نور كان، بل حتى الليل الظلم هو شكل من أشكال الظل، إذًا فالشمس ليست هي الدليل على وجود الظل بل الظل ذاته دليل على وجود نفسه.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال، فهما متلازمان كالمهتدي يقتدي بالهادي.
الوجه الثاني: توضيح قول صاحب الشبهة: إن المسئول عن حركة الظل على الأرض دوران الأرض لا ارتفاع وانخفاض الشمس الذي نراه بأعيننا.
الوجه الثالث: القرآن يُثبت أن الظل له أنواع، كما أن النور له أنواع.
الوجه الرابع: ظلال الجنة ليس المسئول عنها طلوع شمس ولا دوران أرض.
الوجه الخامس: تحقيق قول المفسرين: (لولا الشمس ما كان الظل).
الوجه السادس: الآية تقصد نوعًا معينًا من الظل لا كل الأنواع.
الوجه السابع: خص اللَّه ذكر الظل الذي هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في هذه الآية لحكمة.
الوجه الثامن: الشمس دليل للظل بسبب نسخها له لا بسبب اتباعها له.
الوجه التاسع: مناقشة معنى كلمة: (الدليل) في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
الوجه العاشر: قد تم قياس قطر الأرض ومحيطها، ومساحتها، وبعدها عن الشمس
стр. 6989
بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغيُّر طول الظل وزاويته.
الوجه الحادي عشر: الظل له مسببات مختلفة، ليس فقط دوران الأرض بل الشمس في الأصل هي المسئولة عن ذلك.
الوجه الثاني عشر: يمكن أن نعتبر في بعض الأوقات بأن الظل هو الليل، ولنناقش قول صاحب الشبهة: (إن الليل المظلم هو شكل من أشكال الظل).
الوجه الثالث عشر: القرآن يوضح لنا في هذه الآية أنه كما أن الشمس تكون دليلا على الظل فإن اللَّه دليل على كل دليل، قال العلماء: اللَّه دليل على كل دليل.
الوجه الرابع عشر: الإعجاز العلمي في هذه الآية.
الوجه الخامس عشر: هناك علاقة بين الظل والكسوف.
الوجه السادس عشر: الظل والظلام، وما بين القرآن والكتاب المقدس.
وإليك التفصيل:
الوجه الأول: بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال، فهما متلازمان كالمهتدي يقتدي بالهادي .
قال الرازي: كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل من جانب المغرب، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرًا يسيرًا كان زوال الأظلال كذلك.
جعل اللَّه الشمس دليلًا لأنه بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال، فهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما، فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، فكما أن المهتدي يقتدي بالهادي والدليل ويلازمه - فكذلك الأظلال ملازمة للأضواء؛ ولذلك جعل الشمس دليلًا عليه. (١)
الوجه الثاني: توضيح قول صاحب الشبهة: إن المسئول عن حركة الظل على الأرض دوران الأرض لا ارتفاع وانخفاض الشمس الذي نراه بأعيننا .
يوضح علماء الفلك حتمية وجود مرجعية للكون في خارجه يسمونها نقطة المرجعية (AReference Point) فبالنسبة لكواكب المجموعة الشمسية تكون الشمس هي نقطة المرجعية.
стр. 6990
قال أ. د/ كارم غنيم (١):
أولًا: ومعنى الآية في سورة الفرقان هو: ألم تر إلى عجيب صنع ربك كيف جعل الظل ممتدًا منبسطًا على الأجسام؟ ولو شاء لجعله لاصقًا بكل مظلم، ثم جعل الشمس دليلًا على وجوده، فلولاها لما وقع ضوء على الأجرام ولما عُرف للظل وجود؛ لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ثم أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرًا يسيرًا؛ فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئًا بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
ثانيًا: أنه سبحانه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدودًا منبسطًا، ثم خلق الشمس وجعلها دليلًا على الظل؛ لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص. . . ثم إن لقبض الظل معنيان:
(١) انتهاء الإظلال إلى غاية ما من النقصان بالتدريج.
(٢) قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه؛ وهى الأجرام المضيئة.
ثالثًا: ينتج الظل فيزيائيًا عندما تسقط الأشعة على حائل فتنخفض إضاءته على مسقطه عنها على ما يحيط به، وهو كما عبر عنه صاحب (غرائب القرآن): أمر وسط بين الظلمة الحالكة والضوء الخالص. ويتغير الظل طولًا وقصرًا بعكس اتجاه دوران مصدر الإضاءة، ويتغير في الطبيعة من يوم لآخر خلال أيام السنة، ومن وقت لآخر، ومن مكان لآخر على سطح الأرض، والسبب في هذا هو دوران الأرض حول محورها مرة كل يوم خلال حركتها الدورانية حول أمها الشمس، والتي هي الأخرى تدور حول نفسها في مدار مائل، وبِتَغَيُّر حركة الشمس الظاهرية تتغير حركة الأشعة الضوئية الساقطة، ويتبع هذا تغير ظلال الأشياء؛ أي: أنها لا تبقى ساكنة أو دائمة على حالها.
وهكذا يستمر الظل في حركة وتغير ما دامت الشمس مستمرة في حركة ودوران، وما
стр. 6991
دام الضوء المنبعث منها يسير بسرعة هائلة (مقدارها ثلاثمائة ألف كيلومترًا في الثانية تقريبًا)، ولولا هذه السرعة لما تحددت معالم ظلال الأشياء، ولا يبقى الظل أو يسكن إلا بسكون الأرض؛ أي: توقفها عن الدوران، ولو حدث هذا لاختل توازنها في دورانها حول أمها الشمس، ولارتطمت بسطح هذه الشمس، وبهذا تكون نهايتها. . .
ويظهر الظل أيضًا في ظاهرة كسوف الشمس، عندما يوجد القمر (وهو محاق تمامًا) على الخط الواصل بين الأرض والشمس، فيحجب قرصها لمدة ثماني دقائق على الأكثر، وينتهي الكسوف بتفاوت حركة القمر في مداره حول الأرض وبحركة الشمس في مدارها الظاهري حول الأرض، ويمر القمر أيضًا في دورانه في مخروط ظل الأرض لفترات أطول خلال خسوفه حين يوجد في حالة الاستقبال.
وإذا كنا قد عرضنا اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وإيلاجهما في بعضهما وغير هذا وذاك في موضع آخر من الحلقات الحالية فإن الاختلاف في طولي الليل والنهار هو الأساس أيضًا في تغيير الظل بالزيادة والنقصان كلٌّ على حساب الآخر، ولا بأس من ذكر أجزاء من الآيات القرآنية ذات الصلة بالموضوع: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ (يونس: ٦)، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (المزمل: ٢٠)، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (الحديد: ٦).
رابعًا: ويلاحظ أن الظل إذا كان في حركة دائمة وامتداد وانكماش أمام مصدر ضوئي ثابت عبَّر القرآن عنه تعبيرًا بليغًا بكلمة: (دليل) (في الفرقان: ٤٥) (Reference Point) أي: نقطة إشارة، أو نقطة مصدر مرجعي مضيئة، فالتفكير المنطقي يهدي صاحبه إلى أن الظل إذا كان فوق جسم ما يتحرك باستمرار أمام نقطة دليل مضيئة ثابتة، فهناك إذن حركة بذلك الجسم، وهكذا تدل الآية على حركة كل من الأرض والشمس لامتداد الظل وانقباضه؛ وهى الظاهرة التي أشارت إليها الآية القرآنية المحورية في هذا الموضوع فوائد جمة نذكر أهمها فيما يلي:
стр. 6992
تحديد مواعيد الصلاة في الإسلام، لأن الظل الحادث بسقوط أشعة الشمس تدل طولًا واتجاهًا على الوقت أثناء النهار، وأوقات الصلوات مرتبطة بارتفاع الشمس وانخفاضها تحت الأفق.
وقت الفجر: يدخل مع بداية الشفق الصباحي الذي يحدث حين تكون الشمس تحت الأفق الشرقي بمقدار معلوم.
وقت الظهر: يدخل عندما تكون الشمس ناحية الجنوب؛ أي: في أقصى ارتفاع لها خلال النهار؛ وهو الوقت الذي يكون ظل الشيء أقصر ما يمكن.
وقت العصر: يدخل عندما يبلغ ظل الشيء مثله، أو مثليه (في المذهب الحنفي) مضافًا إليه طول ظله عند الظهر.
وقت المغرب: يدخل عند اختفاء قرص الشمس تمامًا تحت الأفق الغربي، ويزول ظل الشيء نتيجة لاختفاء أشعة الشمس.
وقت العشاء: يدخل عند اختفاء الشفق المسائي؛ حين تكون الشمس تحت الأفق الغربي بمقدار معلوم.
فهذه رحمة اللَّه بالكائنات والمخلوقات الحية من شدة الحرارة والضوء اللذين يضران بها أو من انعدامهما إذا استمر الظل ولم تشأ القدرة الإلهية بانقباضه، فكيف بحياة الأحياء تستمر مع ظل ثابت ممتدًا كان أو مقبوضًا؟ ! ولكن بتغيره وتبدله بين المد والانقباض تنال هذه الأحياء قسطًا من الدفء والضوء وقت المد، وقسطًا من الراحة وتلطيف حرارتها وقت الانقباض، ويتفضل المولى علينا بهذا التقدير العظيم لمصلحة الأحياء، ويشير إلى هذه النعمة العظيمة في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (القصص: ٧١ - ٧٣).
стр. 6993
بالظل عرف العلماء ظاهرة الانكسار الضوئي، فإذا مرَّ شعاع بالهواء وسقط على شيء (حائل) انكسر، ولولا هذا لكان الظل أكثر امتدادًا، ولكن بسبب الانكسار فإن ظل أي شيء يكون مقبوضًا انقباضًا يسيرًا، امتداد الظل وانقباضه يؤديان إلى تغيير درجات التسخين والتبريد؛ وهما ضروريان لإتمام العمليات الجوية من رياح، وسحب، وأمطار وغيرها، وهى عمليات لا تستقيم الدنيا إلا بها.
وهناك متعة في مشاهدة ظاهرتي الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر)، ويصاحبهما تكون ظلال ممتدة، وتسجيل هاتين الظاهرتين يفيد كثيرًا في دراسة سطح القمر، وأغلفة الشمس، والغلاف الجوي للكرة الأرضية، والحركة في الكون عامة، وبالظل نبه العلماء إلى ضرورة حركة الأرض، وحتمية دورانها حول محورها.
ونختم بما بدأنا به الموضوع؛ وهو قول اللَّه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ (الفرقان: ٤٥ - ٤٦).
الوجه الثالث: القرآن يُثبت أن الظل له أنواع، كما أن النور له أنواع .
١ - فمسألة أن الظل يوجد تحت أي نور مسألة واضحة في القرآن، فادعاء أن القرآن لم يُثبت إلا الظل الذي تتسبب فيه أشعة الشمس، وأن القرآن نفى الظل والنور من أي شيء آخر ادعاء بغير علم.
٢ - وكذلك فالظل لا يتحرك إلا إذا تحرك النور الموجه عليه، وهذا واضح بيانه في القرآن.
٣ - تشير الآية إلى دور ضوء الشمس كمؤشر للظل نظرًا لاختلاف نفاذية الضوء خلال الأوساط المادية المختلفة ولاختلاف الموقع الظاهري للشمس خلال النهار بسبب دوران الأرض حول نفسها بمعدل يؤدي إلى نسخ الظل تدريجيًا بمقدار يتناسب مع مرور الزمن وليس دفعة واحدة.
أنواع الظل في القرآن:
١ - ظل لهيب النار:
стр. 6994
قال تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ (المرسلات ٢٩: ٣١).
قال ابن قتيبة: و (الظل) هاهنا: ظل من دخان نار جهنم سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدُّخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب (١).
ووصف اللَّه هذا الظل فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ (الواقعة: ٤١ - ٤٤).
وفي الدنيا أيضًا نرى للنار ظلًا إذا كانت تشتعل في الظلام، فأصبح في هذه الحالة أن هناك ظلين: ظل النار، والليل (المخيم على هذه النار) يعتبر ظلًا.
قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (البقرة: ١٧).
٢ - ظل الأشياء في وجود أشعة الشمس أو في عدم وجودها:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ (النحل: ٤٨).
قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداة، وهو ما لم تنله الشمس كما قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق.
قال ابن الجوزي: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ أراد من شيء له ظل، من جبل، أو شجر، أو جسم قائم. ﴿ظِلَالُهُ﴾ وهو جمع ظل، وإِنما جمع وهو مضاف إِلى واحد؛ لأنه واحدٌ يُراد به الكثرة كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (الزخرف: ١٣).
стр. 6995
قال ابن قتيبة: ومعنى ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ يدور ويرجع من جانب إِلى جانب، والفيء: الرجوع، ومنه قيل للظل بالعشيِّ: فيئٌ؛ لأنه فاء عن المغرب إِلى المشرق.
قال المفسرون: إِذا طلعتْ الشمس وأنت متوجه إِلى القبلة كان الظل قُدَّامك، فإذا ارتفعتْ كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، وإِذا دنتْ للغروب كان على يسارك (١).
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ (النحل: ٨١).
٣ - ظل الغمام:
مع أن الغمام قد يحجب نور الشمس فلا يراها الناس لكثرة الغمام فقال اللَّه ممتنا على بني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ (البقرة: ٥٧).
قال أبو حيان: (ظَلَّلَ) فَعَّلَ، وهو مشتق من الظل، والظل أصله المنفعة، والسحابة ظلة لما يحصل تحتها من الظل، ومنه قيل: السلطان ظلّ اللَّه في الأرض، قال الشاعر:
فلو كنت مولى الظل أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم (٢).
٤ - عذاب بسبب الظلة:
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٨٩).
قال ابن عباس: نشأت لهم سحابة كهيئة الظُلَّة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم، فَأَتَوْها يستظلُّون تحتها فأحرقتهم (٣).
أنواع الأنوار في القرآن:
١ - نور المصباح:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
стр. 6996
عَلِيمٌ (٣٥)﴾ (النور: ٣٥).
٢ - نور النجوم:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ (الأنعام: ٩٧)
٣ - نور من لهيب النار:
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ (طه: ٩ - ١٠).
الوجه الرابع: ظلال الجنة ليس المسئول عنها طلوع شمس ولا دوران أرض .
اللَّه قادر على أن يجعل هناك ظلًا ليس المسئول عنه لا طلوع شمس، ولا دوران أرض: فهذا إثبات من القرآن أن الظل قد يتسبب فيه مسببات كثيرة، وقد تنعدم المسببات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ (يس ٥٥: ٥٦)، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ (المرسلات: ٤١) فمع أن اللَّه يثبت أنه ليس في الجنة شمسًا حتى تكون دليلًا على ظلال الجنة؛ قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ (الإنسان: ١٣ - ١٤).
قال الشوكاني: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ والجنة كلها ظلٌّ لا شمس معه (١).
الوجه الخامس: تحقيق قول المفسرين: (لولا الشمس ما كان الظل) .
ذكر ابن كثير أن المفسرين فسروا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ بتفسيرين وهما:
١ - القول الأول: لولا أن الشمس تطلع على الظل لما عرف؛ فإن الضد لا يعرف إلا بضده، فلولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء؛ إذ الأشياء إنما تعرف بأضدادها، والمعنى أي:
стр. 6997
جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء ومعنى، وكذلك لولا النور ما عرفت الظلمة.
من قال بذلك من المفسرين: ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وقاله أبو حيان (١)، وحكاه الطبري، وقاله الثعالبي (٢)، وابن جزي (٣)، وعليه أكثر المفسرين.
٢ - القول الثاني: قال قتادة، والسّدي: أي دليلًا يتلوه ويتبعه حتى يأتي عليه كله.
قلت: عند استقراء كتب التفسير نجد المفسرين كلامهم يدور حول هذين القولين.
الجمع بين القولين، وأنه ليس بينهما تضاد، ومناقشة قول البيضاوي:
أ- قال البيضاوي:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ فإنه لا يظهر للحس (أي: الظل) حتى تطلع (أي: الشمس) فيقع ضوؤها على بعض الأجرام أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن إحداثه بالمدِّ بمعنى: التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف، ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قليلًا قليلًا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها، وقيل: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ لما بنى السماء بلا نير ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها، ولو شاء لجعله ثابتًا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس عليه دليلًا أي: مسلطًا عليه مستتبعًا إياه كما يستتبع الدليل المدلول أو دليل الطريق من يهديه - فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ شيئًا فشيئًا إلى أن تنتهي غاية نقصانه أو ﴿قَبْضًا﴾ سهلًا عند قيام الساعة بقض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها (٤).
стр. 6998
توضيح كلام البيضاوي من خلال فهم كلام الشوكاني: وكأن قول البيضاوي يوضحه قول الشوكاني:
قال الشوكاني:
يعني: الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه. . . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ معطوف على قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخل في حكمه أي: جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص.
وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ معطوف أيضًا على مَدَّ داخل في حكمه، والمعنى: ثم قبضنا ذلك الظلّ الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى ذلك الإظلال إلى العدم والإضمحلال. وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة؛ والأوَّل أولى، والمعنى: أن الظلَّ يبقى في هذا الجوِّ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضًا، وخلفه في هذا الجوِّ شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظلّ؛ إنما فيه بقية نور النهار، وقال قوم: قبضه بغروب الشمس؛ لأنها إذا لم تغرب فالظلّ فيه بقية، وإنما يتمُّ زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه.
وقيل: المعنى: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ومعنى: ﴿إِلَيْنَا﴾: أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضًا يسيرًا أي: على تدريج قليلًا قليلًا بقدر ارتفاع الشمس، وقيل: يسيرًا سريعًا، وقيل: المعنى يسيرًا علينا أي: يسيرًا قبضه علينا ليس بعسير (١).
الوجه السادس: الآية تقصد نوعًا معينًا من الظل لا كل الأنواع .
قال أبو حيان: قال الجمهور: ﴿الظِّلَّ﴾ هنا من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مثل ظل الجنة ظل ممدود لا شمس فيه ولا ظلمة.
واعتُرض بأنه في غير النهار بل في بقايا الليل ولا يسمى ظلًا، وقيل: ﴿الظِّلَّ﴾ الليل
стр. 6999
لا ظل الأرض وهو يغمر الدنيا كلها، وقيل: من غيبوبة الشمس إلى طلوعها وهذا هو القول الذي قبله ولكن أورده كذا، وقيل: ظلال الأشياء كلها كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾، وقال أبو عبيدة: (الظل) بالغداة والفيء بالعشي. وقال ابن السِّكيت: (الظل) ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس، وقيل: ما لم تكن عليه الشمس (ظل) وما كانت عليه فزالت (فيء).
قال البغوي: قال أبو عبيدة: (الظل): ما نسخته الشمس، وهو بالغداة، و (الفيء): ما نسخ الشمس؛ وهو بعد الزوال، سُمِّي فيئًا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ بالشمس التي تأتي عليه، و (القبض): جمع المنبسط من الشيء؛ معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض اللَّه الظلَّ جزءًا فجزءًا ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: خفيًا (١).
الوجه السابع: خص اللَّه ذكر الظل الذي هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في هذه الآية لحكمة .
قال القرطبي: قال الحسن: مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل: هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها.
والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر، وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب.
وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر.
قال حمد بن ثور: يصف سرحة: (وهو شجر كبار عظام لا ترعى وإنما يستظل فيه)
стр. 7000
وكنى بها عن امرأة:
فلا الظل من برد الضحا تستطيعه ... ولا الفئ من برد العشى تذوق (١).
قال أ. د/كارم غنيم: الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهو أعدل (أفضل) الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر منها الحس، والضوء الكامل يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين؛ ولذلك وصف اللَّه الجنة بالظل في قوله سبحانه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٢).
الوجه الثامن: الشمس دليل للظل بسبب نسخها له لا بسبب اتباعها له .
قال الطبري: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يقول جلَّ ثناؤه: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه خلْق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد، والهاء في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ من ذكر الظلِّ، ومعناه: ثم جعلنا الشمس على الظلِّ دليلًا، قيل: معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي تنسخه لم يعلم أنه شيء؛ إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، نظير الحلو الذي إنما يعرف بالحامض، والبارد بالحارِّ، وما أشبه ذلك، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (٣)
قلت: فكيف يقول عاقل: إن الشمس تسير خلف الظل وتتبعه؟ وما حدث لهذا المشكك في هذه الآية إلا من جراء تعثر فهمه للغة العربية.
الوجه التاسع: مناقشة معنى كلمة: (الدليل) في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ .
قال ابن عاشور: ١ - والدليل: المرشد إلى الطريق والهادي إليه، فجعل امتداد الظل لاختلاف مقاديره كامتداد الطريق وعلامات مقاديره مثل: صوى الطريق، وجعلت الشمس من حيث كانت سببًا في ظهور مقادير الظل كالهادي إلى مراحل بطريقة التشبيه
стр. 7001
البليغ، فكما أن الهادي يخبر السائر أين ينزل من الطريق؟ كذلك الشمس بتسببها في مقادير امتداد الظل تُعَرِّفُ المستدلَ بالظل بأوقات أعماله ليشرع فيها.
٢ - وتعدية (دليلًا) بحرف (على) تفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى كقول الشاعر: (إلا على دليل)، وشمل هذا حالتي المد والقبض.
٣ - وجملة ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ عطف على جملة ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ أو على جملة ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ لأن قبض الظل من آثار جعل الشمس دليلًا على الظل.
٤ - و (ثم) الثانية مثل الأولى مفيدة التراخي الرتبي؛ لأن مضمون جملة ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أهم في الاعتبار بمضمونها من مضمون ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ إذ في القبض دلالة من دلالة الشمس هي عكس دلالتها على أمتداده، فكانت أعجب إذ هي عمل ضد للعمل الأول، وصدور الضدين من السبب الواحد أعجب من صدور أحدهما السابق في الذكر.
٥ - والقبض: ضد المد فهو مستعمل في معنى النقص أي: نقصنا امتداده والقبض هنا استعارة للنقص، وتعديته بقوله: (إلينا) تخييل شبه الظل بحبل أو ثوب طواه صاحبه بعد أن بسطه على طريقة المكنية، وحرف (إلى) ومجروره تخييل.
وموقع وصف القبض بـ (يسيرًا) هنا أريد أن هذا القبض يحصل ببطء دون طفرة فإن في التريث تسهيلًا لقبضه؛ لأن العمل المجزأ أيسر على النفوس من المجتمع غالبًا؛ فأطلق اليسر وأريد به لازم معناه عرفًا وهو التدريج ببطء على طريقة الكناية ليكون صالحًا لمعنى آخر سنتعرض إليه في آخر كلامنا، وتعدية القبض بـ (إلينا) لأنه ضد المد الذي أسند إلى اللَّه في قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ وقد علم من معنى: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أن هذا القبض وأقع بعد المد فهو متأخر عنه.
٦ - وفي مد الظل وقبضه نعمةُ معرفةِ أوقات النهار للصلوات وأعمال الناس ونعمة التناوب في انتفاع الجماعات والأقطار بفوائد شعاع الشمس وفوائد الفيء، بحيث إن الفريق الذي كان تحت الأشعة يتبرد بحلول الظل، والفريق الذي كان في الظل ينتفع
стр. 7002
بانقباضه، هذا محل العبرة والمنة اللتين تتناولهما عقول الناس على اختلاف مداركهم.
٧ - ووراء ذلك عبرة علمية كبرى توضحها قواعد النظام الشمسي، وحركة الأرض حول الشمس، وظهور الظلمة والضياء، فليس الظل إلا أثر الظلمة؛ فإن الظلمة هي أصل كيفيات الأكوان ثم انبثق النور بالشمس، ونشأ عن تداول الظلمة والنور نظام الليل والنهار، وعن ذلك نظام الفصول، وخطوط الطول والعرض للكرة الأرضية وبها عرفت مناطق الحرارة والبرودة.
٨ - ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات؛ كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدمًا، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها؟ ثم كيف تعود إلى العدم تدريجًا في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم؟ فذلك مما يشير إليه ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظل في هذه الآية مع المنة، والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس، وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرًا لا إحالة فيه ولا بعد كما يزعمون فلما صار قبض الظل مثلًا لمصير الناس إلى اللَّه بالبعث وصف القبض بـ (يسير) تلميحًا إلى قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾.
٩ - وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض؛ وما هي إلا ظل، فهذان المحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية (١).
قال القرطبي: فـ (الدليل) فعيل بمعنى: الفاعل، وقيل: بمعنى: المفعول كالقتيل والدهين والخضيب؛ أي: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، فالشمس دليل أي: حجة وبرهان، وهو الذى يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان والشمس حق، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ يريد ذلك الظل الممدود ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: يسيرًا قبضه علينا -وكل أمر
стр. 7003
ربنا عليه يسير-، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع (١).
الوجه العاشر: قد تم قياس قطر الأرض ومحيطها، ومساحتها، وبُعدها عن الشمس بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغير طول الظل وزاويته .
فهذا يوضح أن الدليل هو الشيء الذي تقاس الأشياء بالنسبة إليه، وكذلك يوضح أن هناك ظواهر أرضية يمكن حسابها بمعرفة أشعة الشمس المرئية.
قال عبد الدايم الكحيل:
١ - من الحقائق المسلم بها دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، والشمس هي المركز والدليل على حركة الأرض، وتفكَّر معي كم من الوقت والجهد استغرقت هذه الحقائق للظهور؟ وكم من العلماء أفنى حياته في سبيل كشف حقيقة علمية واحدة؟ !
إن بداية ملاحظة دوران الأرض هي تغير طول ظل الأشياء؛ إذن حركة الظل هي دليل على حركة الأرض، أي أن ظل الأشياء على الأرض يمتد منذ شروق الشمس وحتى غروبها، ويتحرك هذا الظل مغيرًا طوله باستمرار وبحركة خفيفة لا يمكن رؤيتها مباشرة بل يمكن إدراكها.
٢ - لقد بدأ العلماء يقيسون قطر الأرض ومحيطها ومساحتها وبُعدها عن الشمس، كل هذا بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغير طول الظل وزاويته، حتى إن بعض العلماء تمكن من قياس سرعة الضوء والبالغة ثلاث مئة ألف كيلومترًا في الثانية الواحدة، هذه السرعة الرهيبة تم قياسها اعتمادًا على مسقط أشعة الشمس على الأرض، وتغير طول الظل خلال السنة وعبر الفصول الأربعة.
نأتي الآن إلى أعظم كتاب على وجه الأرض كتاب اللَّه بماذا يخبرنا؟ يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٥) إن كلمة (مدَّ) تعني: تحرك بحركة غير مرئية بشكل مباشر إنما نرى آثارها،
стр. 7004
وهذا بالضبط ما نراه في ظل الشيء على الأرض، وقدرة اللَّه تعالى على تحريك هذا الظل تستطيع أن تجعله ساكنًا، فاللَّه تعالى حرَّك الظل ولو شاء لجعله ساكنًا عديم الحركة، ولكن هل تستمر الحياة؟ ! ستكون الحالة هذه إما ليل دائم أو نهار دائم ولا تستقيم الحياة على الأرض في هذه الحالة، ثم أكد البيان الإلهي على أن مركز دوران الأرض هو الشمس بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ونحن نعلم بأن الدليل هو الشيء الذي تقاس الأشياء بالنسبة إليه، إذن الشمس في مركز الدوران والأرض تدور من حولها (١).
الوجه الحادي عشر: الظل له مسببات مختلفة، ليس فقط دوران الأرض بل الشمس في الأصل هي المسئولة عن ذلك .
قال الشهرستاني: حركة الشمس مع الظل، فإن الشمس تتحرك عن فلكها أقدامًا كثيرة حتى يظهر في الظل قدم واحد، فلو قدرنا حركتها بمقدار جزء واحد فيجب أن يتحرك الظل بمقدار ألف جزء من جزء فيتجزىء الجزء المفروض (٢).
قال أبو حيان: لما طلعت الشمس دلَّت على زوال الظل وبدا فيه النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه، وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد وهو قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يعني: في وقت علوِّ الشمس بالنهار ينقص الظل نقصانًا يسيرًا بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار يزيد يسيرًا بعد يسير حتى يعم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت، وقبضه إليه أن ينسخه بظل الشمس ﴿يَسِيرًا﴾: على مهل، وفي هذا القبض اليسير شيئًا بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ مستقرًا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعله على ذلك الظل سلطها عليه وجعلها دليلًا متبوعًا لهم كما يتبع الدليل في الطريق،
стр. 7005
فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص، ثم نسخه بها قبضه قبضًا سهلًا يسيرًا غير عسير، ويحتمل أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تُلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه (١).
وقال الرازي: أكثر الناس في تأويل هذه الآية، ويُرفع الكلام فيها إلى وجهين:
الأول: أن الظل لا ضوء خالص ولا ظلمة خالصة، وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذلك الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأبنية الجدارات، وهي أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، والضوء الخالص يحير الحس البصري، ويحدث السخونة القوية وهي مؤذية، ولهذا قيل في الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، والناظر إلى الجسم الملون كأنه يشاهد بالظل شيئًا سوى الجسم وسوى اللون، والظل ليس أمرًا ثالثًا؛ ولا معرفة به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ثم مال عرف للظل وجود وماهية، ولولاها ما عرف؛ لأن الأشياء تدرك بأضدادها، فظهر للعقل أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون ولذلك قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: جعلنا الظل أولًا بما فيه من المنافع واللذات، ثم هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت دليلًا على وجود الظل، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي: أزلناه لا دفعة بل ﴿يَسِيرًا﴾ يسيرًا؛ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل من جانب المغرب، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرًا يسيرًا كان زوال الأظلال كذلك.
والثاني: أنه لما خلق السماء والأرض، وقع السماء على الأرض فجعل الشمس دليلًا؛ لأنه بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال، فهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما، فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، فكما أن المهتدي يقتدي بالهادي والدليل ويلازمه فكذلك الأظلال ملازمة للأضواء؛ ولذلك جعل الشمس دليلًا عليه (اهـ. وهو مأخوذ من كلام الزمخشري).