البليغ، فكما أن الهادي يخبر السائر أين ينزل من الطريق؟ كذلك الشمس بتسببها في مقادير امتداد الظل تُعَرِّفُ المستدلَ بالظل بأوقات أعماله ليشرع فيها.
٢ - وتعدية (دليلًا) بحرف (على) تفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى كقول الشاعر: (إلا على دليل)، وشمل هذا حالتي المد والقبض.
٣ - وجملة ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ عطف على جملة ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ أو على جملة ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ لأن قبض الظل من آثار جعل الشمس دليلًا على الظل.
٤ - و (ثم) الثانية مثل الأولى مفيدة التراخي الرتبي؛ لأن مضمون جملة ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أهم في الاعتبار بمضمونها من مضمون ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ إذ في القبض دلالة من دلالة الشمس هي عكس دلالتها على أمتداده، فكانت أعجب إذ هي عمل ضد للعمل الأول، وصدور الضدين من السبب الواحد أعجب من صدور أحدهما السابق في الذكر.
٥ - والقبض: ضد المد فهو مستعمل في معنى النقص أي: نقصنا امتداده والقبض هنا استعارة للنقص، وتعديته بقوله: (إلينا) تخييل شبه الظل بحبل أو ثوب طواه صاحبه بعد أن بسطه على طريقة المكنية، وحرف (إلى) ومجروره تخييل.
وموقع وصف القبض بـ (يسيرًا) هنا أريد أن هذا القبض يحصل ببطء دون طفرة فإن في التريث تسهيلًا لقبضه؛ لأن العمل المجزأ أيسر على النفوس من المجتمع غالبًا؛ فأطلق اليسر وأريد به لازم معناه عرفًا وهو التدريج ببطء على طريقة الكناية ليكون صالحًا لمعنى آخر سنتعرض إليه في آخر كلامنا، وتعدية القبض بـ (إلينا) لأنه ضد المد الذي أسند إلى اللَّه في قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ وقد علم من معنى: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أن هذا القبض وأقع بعد المد فهو متأخر عنه.
٦ - وفي مد الظل وقبضه نعمةُ معرفةِ أوقات النهار للصلوات وأعمال الناس ونعمة التناوب في انتفاع الجماعات والأقطار بفوائد شعاع الشمس وفوائد الفيء، بحيث إن الفريق الذي كان تحت الأشعة يتبرد بحلول الظل، والفريق الذي كان في الظل ينتفع
стр. 7002
بانقباضه، هذا محل العبرة والمنة اللتين تتناولهما عقول الناس على اختلاف مداركهم.
٧ - ووراء ذلك عبرة علمية كبرى توضحها قواعد النظام الشمسي، وحركة الأرض حول الشمس، وظهور الظلمة والضياء، فليس الظل إلا أثر الظلمة؛ فإن الظلمة هي أصل كيفيات الأكوان ثم انبثق النور بالشمس، ونشأ عن تداول الظلمة والنور نظام الليل والنهار، وعن ذلك نظام الفصول، وخطوط الطول والعرض للكرة الأرضية وبها عرفت مناطق الحرارة والبرودة.
٨ - ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات؛ كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدمًا، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها؟ ثم كيف تعود إلى العدم تدريجًا في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم؟ فذلك مما يشير إليه ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظل في هذه الآية مع المنة، والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس، وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرًا لا إحالة فيه ولا بعد كما يزعمون فلما صار قبض الظل مثلًا لمصير الناس إلى اللَّه بالبعث وصف القبض بـ (يسير) تلميحًا إلى قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾.
٩ - وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض؛ وما هي إلا ظل، فهذان المحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية (١).
قال القرطبي: فـ (الدليل) فعيل بمعنى: الفاعل، وقيل: بمعنى: المفعول كالقتيل والدهين والخضيب؛ أي: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، فالشمس دليل أي: حجة وبرهان، وهو الذى يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان والشمس حق، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ يريد ذلك الظل الممدود ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: يسيرًا قبضه علينا -وكل أمر
стр. 7003
ربنا عليه يسير-، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع (١).
الوجه العاشر: قد تم قياس قطر الأرض ومحيطها، ومساحتها، وبُعدها عن الشمس بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغير طول الظل وزاويته .
فهذا يوضح أن الدليل هو الشيء الذي تقاس الأشياء بالنسبة إليه، وكذلك يوضح أن هناك ظواهر أرضية يمكن حسابها بمعرفة أشعة الشمس المرئية.
قال عبد الدايم الكحيل:
١ - من الحقائق المسلم بها دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، والشمس هي المركز والدليل على حركة الأرض، وتفكَّر معي كم من الوقت والجهد استغرقت هذه الحقائق للظهور؟ وكم من العلماء أفنى حياته في سبيل كشف حقيقة علمية واحدة؟ !
إن بداية ملاحظة دوران الأرض هي تغير طول ظل الأشياء؛ إذن حركة الظل هي دليل على حركة الأرض، أي أن ظل الأشياء على الأرض يمتد منذ شروق الشمس وحتى غروبها، ويتحرك هذا الظل مغيرًا طوله باستمرار وبحركة خفيفة لا يمكن رؤيتها مباشرة بل يمكن إدراكها.
٢ - لقد بدأ العلماء يقيسون قطر الأرض ومحيطها ومساحتها وبُعدها عن الشمس، كل هذا بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغير طول الظل وزاويته، حتى إن بعض العلماء تمكن من قياس سرعة الضوء والبالغة ثلاث مئة ألف كيلومترًا في الثانية الواحدة، هذه السرعة الرهيبة تم قياسها اعتمادًا على مسقط أشعة الشمس على الأرض، وتغير طول الظل خلال السنة وعبر الفصول الأربعة.
نأتي الآن إلى أعظم كتاب على وجه الأرض كتاب اللَّه بماذا يخبرنا؟ يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٥) إن كلمة (مدَّ) تعني: تحرك بحركة غير مرئية بشكل مباشر إنما نرى آثارها،
стр. 7004
وهذا بالضبط ما نراه في ظل الشيء على الأرض، وقدرة اللَّه تعالى على تحريك هذا الظل تستطيع أن تجعله ساكنًا، فاللَّه تعالى حرَّك الظل ولو شاء لجعله ساكنًا عديم الحركة، ولكن هل تستمر الحياة؟ ! ستكون الحالة هذه إما ليل دائم أو نهار دائم ولا تستقيم الحياة على الأرض في هذه الحالة، ثم أكد البيان الإلهي على أن مركز دوران الأرض هو الشمس بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ونحن نعلم بأن الدليل هو الشيء الذي تقاس الأشياء بالنسبة إليه، إذن الشمس في مركز الدوران والأرض تدور من حولها (١).
الوجه الحادي عشر: الظل له مسببات مختلفة، ليس فقط دوران الأرض بل الشمس في الأصل هي المسئولة عن ذلك .
قال الشهرستاني: حركة الشمس مع الظل، فإن الشمس تتحرك عن فلكها أقدامًا كثيرة حتى يظهر في الظل قدم واحد، فلو قدرنا حركتها بمقدار جزء واحد فيجب أن يتحرك الظل بمقدار ألف جزء من جزء فيتجزىء الجزء المفروض (٢).
قال أبو حيان: لما طلعت الشمس دلَّت على زوال الظل وبدا فيه النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه، وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد وهو قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يعني: في وقت علوِّ الشمس بالنهار ينقص الظل نقصانًا يسيرًا بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار يزيد يسيرًا بعد يسير حتى يعم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت، وقبضه إليه أن ينسخه بظل الشمس ﴿يَسِيرًا﴾: على مهل، وفي هذا القبض اليسير شيئًا بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ مستقرًا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعله على ذلك الظل سلطها عليه وجعلها دليلًا متبوعًا لهم كما يتبع الدليل في الطريق،
стр. 7005
فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص، ثم نسخه بها قبضه قبضًا سهلًا يسيرًا غير عسير، ويحتمل أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تُلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه (١).
وقال الرازي: أكثر الناس في تأويل هذه الآية، ويُرفع الكلام فيها إلى وجهين:
الأول: أن الظل لا ضوء خالص ولا ظلمة خالصة، وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذلك الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأبنية الجدارات، وهي أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، والضوء الخالص يحير الحس البصري، ويحدث السخونة القوية وهي مؤذية، ولهذا قيل في الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، والناظر إلى الجسم الملون كأنه يشاهد بالظل شيئًا سوى الجسم وسوى اللون، والظل ليس أمرًا ثالثًا؛ ولا معرفة به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ثم مال عرف للظل وجود وماهية، ولولاها ما عرف؛ لأن الأشياء تدرك بأضدادها، فظهر للعقل أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون ولذلك قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: جعلنا الظل أولًا بما فيه من المنافع واللذات، ثم هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت دليلًا على وجود الظل، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي: أزلناه لا دفعة بل ﴿يَسِيرًا﴾ يسيرًا؛ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل من جانب المغرب، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرًا يسيرًا كان زوال الأظلال كذلك.
والثاني: أنه لما خلق السماء والأرض، وقع السماء على الأرض فجعل الشمس دليلًا؛ لأنه بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال، فهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما، فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، فكما أن المهتدي يقتدي بالهادي والدليل ويلازمه فكذلك الأظلال ملازمة للأضواء؛ ولذلك جعل الشمس دليلًا عليه (اهـ. وهو مأخوذ من كلام الزمخشري).
стр. 7006
وقال أيضًا: ﴿الظِّلَّ﴾ ليس عدمًا محضًا بل هو أضواء مخلوطة بظلام، فهو أمر وجودي وفي تحقيقه دقيق يرجع فيه إلى الكتب العقلية (١).
الوجه الثاني عشر: يمكن أن نعتبر في بعض الأوقات بأن الظل هو الليل، ولنناقش قول صاحب الشبهة: (إن الليل المظلم هو شكل من أشكال الظل) .
وذلك يتضح من خلال معرفة العلاقة بين الظل والليل في القرآن، بل انظر الآية التي يثيرون عليها الشبهة وما بعدها من الآيات:
١ - العلاقة بين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ﴾ وبين قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
قال ابن عاشور: هي مناسبة الانتقال من الاستدلال باعتبار أحوال الظل والضحاء إلى الاعتبار بأحوال الليل والنهار؛ ظاهرة فالليل يشبه الظل في أنه ظلمة تعقب نور الشمس (٢).
٢ - قال البقاعي: والظل هنا الليل؛ لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذَ أسماعهم ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ﴾ أي: الظل ﴿سَاكِنًا﴾ وبإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (الواقعة: ٣٠)، وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركًا بسوق الشمس له. . . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾ أي: بعظمتنا ﴿الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: يدور معها حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلًا، ولولا النور ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها.
ولما كانت إزالته شيئا فشيئًا بعد مدة كذلك من العظمة بمكان - قال منبهًا على فضل مدخول (ثم) وترتبه متصاعدًا في درج الفضل، فما هنا أفضل مما قبله، وما قبله أجلُّ مما
стр. 7007
تقدمه تشبيهًا لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي: الظل، والقبض: جمع المنبسط، ﴿إِلَيْنَا﴾ أي: إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها.
قال الرازي (في اللوامع): وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالى الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص أبصار الخائفين (اهـ).
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: هو مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم نزل ننقصه شيئًا فشيئًا حتى اضمحل كله، أو إلا يسيرًا، ثم مددناه أيضًا بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلًا قليلًا، أولًا فأولًا بالجبال والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك، حتى تكامل كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو قبض لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعًا، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث علي ﵁ في الروح الذي مضى عند "والطبيات للطيبين" في النور شاهد حسي لهذا الأمر المعنوي. . . (١).
الوجه الثالث عشر: القرآن يوضح لنا في هذه الآية أنه كما أن الشمس تكون دليلًا على الظل فإن اللَّه دليل على كل دليل، قال العلماء: اللَّه دليل على كل دليل .
قال الرازي: وهو أنه لا خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلًا عليه، وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلًا عليها.
стр. 7008
وأما قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فإما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرًا يسيرًا إلى غاية نقصاناتها؛ فسمى إزالة الأظلال قبضًا لها، أو يكون المراد من قبضها يسيرًا قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال، وقوله: ﴿يَسِيرًا﴾ هو كقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ (ق: ٤٤) فهذا هو التأويل الملخص.
ووجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص، أو الظلمة الخالصة فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه؛ لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات، فلا بد له في وجوده بعد العدم؛ وعدمه بعد الوجود؛ من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل، وما هو إلا اللَّه ، فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم؟ قلنا: الظل ليس عدمًا محضًا، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية.
إن الظل هو انعكاس نور الشمس، وإذا سميت شبح الأشياء ظلًا فلأن شعاع الشمس يمتد إليه، ونسأل: ماذا يرى الناس من ظل الشمس؟
لا يرون إلا نورًا منبعثًا منها منبسطًا على الأرض، وهو في انقباض وانبساط بمشيئة اللَّه، فبين الحين والآخر يتبدل النهار ليلًا والليل نهارًا، وكل ذلك آية دالة على وجود الشمس.
إننا نؤمن بالشمس، دون أن نرى غير ظلها الذي نعرف من خلاله طبيعتها، وقوتها، ومدى دفئها؛ كما لو كانت الشمس هي التي نراها، وكذلك عن طريق أسماء اللَّه وآياته في الكون يجب أن نعرف ربنا ونتيقن يقينًا راسخًا به، وكما أن الشمس هي دليل الظل بإذن اللَّه وليس العكس، كذلك الرب هو الدليل إلى ذاته بذاته، وبآياته وأسمائه.
стр. 7009
لذلك قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ وذلك بوقف دوران الأرض لتبقى في ليل دائم، أو نهار مستمر ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. تتماوج التعابير والإيحاءات القرآنية لتبث حزمة نور إلى القلب وتوصل الإنسان إلى غيب الحقائق، فما نراه ظلًا للشمس، وآية من آيات اللَّه، فلماذا عن طريق الظل نكتشف الشمس ولا نعرف وجود اللَّه (١)!
الوجه الرابع عشر: الإعجاز العلمي في هذه الآية .
قال د/ زغلول النجار (٢):
من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم:
أولًا: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ (الفرقان: ٤٥): الظل آية من آيات النهار تنتج عن حجب أشعة الضوء المرئي عن منطقة من مناطق سطح الأرض بواسطة أحد الأجسام المعتمة كالجبال، أو الأشجار، أو الأبنية، أو أجساد الكائنات، أو كالسحب الكثيفة وغيرها من الأجسام التي تلقي ظلالًا إذا سقطت عليها الأشعة المرئية من حزمة الضوء في اتجاه واحد، ويتكون الظل في عكس الاتجاه الذي تأتي منه حزمة الضوء المرئي، والظل قد يطول ويقصر ويتسع ويضيق وفقًا لحركات مصدر الضوء، ويعتبر كل من كسوف الشمس وخسوف القمر صورة من صور تكون الظل الذي يتكون بمرور الأرض في ظل القمر أو بمرور القمر في ظل الأرض، وكذلك تتكون الأشكال المتتالية للقمر من المحاق إلى البدر الكامل (الهلال الأول أو الوليد أو المتنامي، التربيع الأول، والأحدب الأول) ثم من البدر الكامل إلى المحاق (الأحدب الثاني، التربيع الثاني، ثم الهلال الثاني أو المتناقص إلى المحاق) وكلها تمثل مراحل متدرجة لخروج نصف القمر المواجه للأرض من ظلال نصفه الآخر بالتدريج أو دخوله فيها بالتدريج كذلك.
стр. 7010
وفي قول ربنا ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ (الفرقان: ٤٥) إشارة واضحة إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس، وإلى جريها في مدار محدد لها حول ذلك النجم بمحور مائل على مستوى مدار الشمس، وإلا ما تكون الظل، ولا تبادلت الفصول المناخية، فلو أن الأرض لم تكن كرة ولم تكن دوارة حول محورها أمام الشمس ما امتد الظل، ولا تبادل الليل والنهار، ولو أن كوكبنا لم يكن جاريًا باستمرار في مدار محدد حول الشمس، وبمحور مائل على مدارها ما تبادلت الفصول المناخية، ولا تغيرت زوايا سقوط أشعة الشمس على الأرض وبالتالي تغيرت شدتها، ولظلت أشعة الشمس مسلطة باستمرار على أحد نصفي الأرض المغمور في نهار دائم فتُبخِّرُ الماءَ، وتُخلخل الهواء، وتحرق كل حي أو تصيبه بالأمراض والعلل، بينما نصفها الآخر يبقي مغمورًا في ليل دائم تتجمد فيه الأحياء وتفنى فناءً كاملًا لحرمانها من طاقة الشمس، ويختل التوازن الحراري للأرض بالكامل في كل من نصفيها، وباختلاله تنعدم الحياة وفي مثل هذا الوضع الثابت للأرض، تسكن الظلال ولا تتحرك لا بالزيادة ولا بالنقصان، كذلك فإنه لولا وصول سرعة دوران الأرض حول محورها إلى معدلاتها الحالية ما صلحت الأرض للعمران، فمن الثابت علميًا أن هذه السرعة كانت في بدء خلق الأرض أعلى من ستة أضعاف معدلاتها الحالية، مما جعل طول الليل والنهار معًا أقل من أربع ساعات، وجعل عدد الأيام في السنة أكثر من (٢٢٠٠) يوم، ومن الثابت علميًا كذلك، أن ساعتين فقط من شروق الشمس لا تكفيان لازدهار الحياة الأرضية المعروفة لنا، ولا لراحة أو كدح مخلوق عاقل كالإنسان.
ويتكرر انتفاء صلاحية الأرض للحياة إذا كانت سرعة دورانها حول محورها هي نفس سرعة جريها في مدارها حول الشمس فيصبح يومها هو سنتها التي يقتسمها نهار واحد وليل واحد؛ طول كل منهما ستة أشهر كاملة، كما هو الحال في القمر الذي يتم دورته حول محوره في نفس مدة جريه في مداره حول الأرض فيصبح يومه هو الشهر القمري يقتسمه
стр. 7011
ليل لمدة أسبوعين، ونهار لمدة أسبوعين آخرين.
ويطلق تعبير (الظل) على احتجاز النور عن منطقة ما بوجود حاجز معتم يعترض مسار موجات هذا النور (الضوء الرئي) القادم من أحد مصادر الضوء في اتجاه واحد، ويفسر تكون الظل بأن موجات الضوء المرئي تتحرك في الأوساط المتجانسة في خطوط مستقيمة، ولا تستطيع الانحناء حول الأجسام المعتمة الواقعة في طريقها، فإذا كان مصدر الضوء نقطيًا كان الظل هو المسقط الهندسي للعائق، ولكن إذا كان مصدر الضوء مستمرًا في السقوط، وممتدًا على الحاجز المعتم فإن المقطع الهندسي للعائق يتكون من منطقة ظل داخلية تحيط بها منطقة شبه ظل خارجية أقل عتمة من منطقة الظل ومتدرجة في فقد تلك العتمة حتى تلتقي بطبقة النور، وعلى ذلك فإن منطقة الظل تكون محددة بحدود دقيقة تعكس شكل الحاجز المعترض لمسار أحزمة الضوء المرئي بدقة، إذا كانت هذه الأحزمة عمودية على الحاجز، ويزداد حجم الظل أو يتناقص بزيادة أو نقصان زاوية سقوط حزمة الضوء الرئي على الحاجز المعترض لها، أما منطقة شبه الظل فإن حدودها غير واضحة لتداخلها فيما حولها من مناطق النور الكامل. وهناك فرق بين (الظل) و (الظلمة)، فالظل انخفاض في شدة الضوء المرئي، أما الظلمة فهي غياب كامل له، والنص الكريم الذي نحن بصدده يشير إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس وجريها في مدارها حول هذا النجم بمحور مائل على مستوى دورانها ولولا ذلك ما تكون الظل ولا امتد ولا قصر كل ذلك نزل في هذا الكتاب العجز من قبل ألف وأربعمائة سنة وفي زمن لم يكن لأحد من الخلق إمكانية إدراك لهذه الحقائق التي لم تتوصل إليها العلوم المكتسبة إلا بعد ذلك بقرون عديدة وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ربانية القرآن الكريم وعلى نبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه ﷺ .
ثانيًا: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٦):
من الثابت علميًا أن الطيف الكهربي/ المغناطيسي (الكهرومغناطيسي) المندفع إلينا من
стр. 7012
الشمس يضم سلسلة من الموجات التي تتباين فيما بينها على أساس من التباين في سرعات ترددها أو أطوال موجاتها، ويتراوح طول تلك الموجات بين جزء من تريليون جزء من المتر (١٠) -١٢ ميكرون بالنسبة لأشعة جاما وعدة كيلومترات بالنسبة لموجات الراديو (الموجات اللاسلكية)، ويقع بين هاتين النهايتين كل من الأشعة السينية، والأشعة فوق البنفسجية وموجات الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، وتتراوح أطوال موجات الإشعاعات البصرية بين (١٠) -٢ ميكرون، (١٠) +٢ ميكرون (والميكرون يساوي = جزءًا من مليون جزء من المتر)، وتضم موجات الضوء المرئي، وكلًا من الأشعتين فوق البنفسجية وتحت الحمراء، وتميز عين الإنسان من الضوء المرئي سبعة أطياف فقط هي: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي، وهي الألوان السبعة التي تستطيع عين الإنسان تمييزها في الظاهرة المعروفة باسم قوس قزح وإن كان الضوء المرئي في الحقيقة مكونًا من أعداد لا نهائية من الأطياف المتدرجة والمتداخلة مع بعضها البعض أطولها الطيف الأحمر وهو في نفس الوقت أقلها ترددًا، بينما الطيف البنفسجي هو أقصرها وأعلاها ترددًا، ولو كان لأطياف الضوء المرئي القدرة على اختراق الأجسام المعتمة كما هو الحال بالنسبة لكل من أشعة جاما، والأشعة السينية، والموجات القصيرة من الأشعة فوق البنفسجية؛ ما تكونت الظلال، وكذلك الحال إذا كانت كل الأجسام شفافة، وعلى ذلك فإن الشمس هي الدليل الحقيقي على الظل لاحتواء أشعتها على حزمة الضوء المرئي، وهذه الحزمة لا تستطيع اختراق الأجسام المعتمة، وتتراوح شدة إضاءة الشمس ما بين ألف ليومن (Lumen) في النهار الملبد بالغيوم ومائة ألف ليومن (Lm) على المتر المربع من سطح الأرض في الشمس الساطعة، والليومن هي إحدي وحدات قياس شدة (قوة) الضوء المرئي؛ وتعرف بأنها كمية الفيض الضوئي الذي ينبعث في الثانية الواحدة على المتر المربع من مصدر نقطي للضوء تبلغ شدته شمعة عيارية واحدة.
كذلك فإنه عند كل من شروق الشمس وغروبها فإن أشعتها تظهر لنا في مستوى
стр. 7013
الأفق فتخترق سمكًا متعاظمًا من الغلاف الغازي للأرض حتى تصل إلى أبصارنا، وبذلك تتشتت الأطياف القصيرة قبل وصولها إلينا، وتتركز الأطياف المتوسطة والطويلة والتي أطولها الطيف الأحمر، فيغلب هذا اللون على كل من الشمس المشرقة والغاربة، وبذلك أيضًا يصل ظل كل شيء إلى أقصي مداه، ومع ارتفاع الشمس فوق الأفق يتقاصر طول الظل بالتدريج حتى الظهيرة عندما تتعامد الشمس، فيصل ظل كل شيء إلى أقصر طول له ومع بدء الشمس في التحرك من تعامدها متدرجة في الاتجاه إلى الغروب يبدأ الظل في التطاول إلى الشرق حتى يصل إلى أقصى طول له قبل الغروب مباشرة، ثم يختفي مع غياب الشمس، ولذلك قال ربنا ﵎: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٥)، وذلك لأن الظل يتبع حركة صاحبه إذا كان متحركًا، كما يتبع حركة مصدر الضوء نفسه كلما تحرك، فمع الحركة الظاهرية للشمس والناتجة عن دوران الأرض حول محورها أمام هذا النجم تتحرك ظلال الأشياء باستمرار من أطولها عند الشروق إلى أقصرها في الظهيرة، إلى أطولها عند الغروب، ثم تختفي الظلال باختفاء الشمس وإن تكونت بعض الظلال في ضوء البدر أو تحت الأضواء الصنعية.
والمزولة الشمسية (the Sundial) التي كانت من أوائل الأجهزة التي صممت لقياس الوقت تعتمد على حركة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس مما يتسبب في تحرك الظل في عكس اتجاه حركة الأرض.
ثالثًا: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ (الفرقان: ٤٦):
وتشير هذه الآية الكريمة إلى استطالة الظل، من وقت تعامد الشمس في الظهيرة؛ تلك الاستطالة التدريجية إلى اتجاه الشرق حتى يصل الظل إلى أقصي طول له قبل الغروب مباشرة، ثم يختفي بغروب الشمس ودخول الليل، وهذه الحركة التي تستغرق نصف النهار تقريبًا وصفتها الآية الكريمة التي نحن بصددها بالقبض اليسير أي: المتدرج، ومن الثابت علميًا أن الأرض تدور حول محورها بسرعة تقدر بنحو ٣٠ كم في الدقيقة، وتجري
стр. 7014
في مدارها حول الشمس بسرعة تقدر بنحو ٣٠ كم في الثانية، وهاتان الحركتان تلعبان دورًا أساسيًا في مد الظل وقبضه، ويمَوُّن الظلِ نعمة من نعم اللَّه -تعالى- لأنه يحمي كلًا من الإنسان والحيوان والنبات من أشعة الشمس التي لو زادت لساعات فوق احتمال كل من هذه المخلوقات لأحرقتها ودمرتها؛ وذلك لخطورة بعض الموجات المكونة لأشعة الشمس ومن أخطرها الأشعة فوق البنفسجية، وهي من الأشعات غير المرئية والتي ثبت أن لها آثارًا تدميرية على الخلايا الحية إذا تعرضت لتلك الأشعات لساعات طويلة، فالتعرض لأشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة ومتكررة خاصة في فترات شدة الحر يسبب العديد من الأمراض التي منها سرطانات الجلد التي قد تنتشر لبقية الجسم إذا لم تتدارك بسرعة، ومنها إكزيما الشمس، وأمراض حساسية الضوء، وأمراض الميلانوما (الأورام القتامينية الخطيرة)، والتقرن الشمسي للجلد، وحروق الشمس، والتأثير على الجهاز المناعي، وعلى العينين فتسبب مرض الماء الأبيض (الساد أو السد).
وبتكون الظلال يتبادل كل من الليل والنهار، والفصول المناخية، وتتشكل المراحل المتتالية للقمر، ويحدث الخسوف، والكسوف ويمكن حساب الزمن، ولولا الظل ما بدت الأشياء مجسمة، واضحة الملامح، ومميزة بها.
هذه الحقائق نزلت في زمن سيادة الاعتقاد بثبات الأرض، وورودها بهذه الدقة العلمية القاطعة في كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي ﷺ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لما يقطع بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام اللَّه الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية، في نفس لغة وحيه -اللغة العربية- وحفظه حفظًا كاملًا كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا؛ حتى يأتي بهذه الدقة العلمية، وقد تحقق هذا الحفظ على مدى الأربعة عشر قرنًا الماضية، وسوف يستمر إلى ما لا نهاية تحقيقا لقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩).
стр. 7015
الوجه الخامس عشر: هناك علاقة بين الظل والكسوف .
والمعروف علميًا أن كل الكواكب السيارة والتوابع من الأقمار المواجهة للشمس ينشر خلفها ظلٌ معينٌ حسب حجمها وبعدها عن الشمس، فالأرض تواجه نور الشمس أثناء دورانها فيكون نصفها منيرًا ونصفها الآخر مظلمًا؛ وهو بداية الظل الذي تشكله الأرض، وكذلك القمر يواجه نور الشمس أثناء دورانه حول الأرض فيكون نصفه منيرًا ونصفه الآخر مظلمًا؛ وهو بداية الظل الذي يشكله القمر (١).
قلت: فهذا يوضح أنه ليس فقط دوران الأرض ولا غيرها من الكواكب هو الذي يتسبب في وجود الظل أو في انعدامه.
الوجه السادس عشر: الظل والظلام، وما بين القرآن والكتاب المقدس .
فوجه آخر للرد أن هذه الآية تشير إلى الظل الذي كان يغيم على وجه الأرض بعد ما خلقها اللَّه، ولكن الكتاب المقدس يشير بأنه كان ظلامًا وليس بظل.
أولا: قال ابن عاشور:
١ - الآية توضح حالة عموم الظل جميع وجه الأرض؛ أي: حالة الظلمة الأصلية التي سبقت اتجاه أشعة الشمس إلى وجه الأرض كما أشار إليه قول التوراة: (وكانت الأرض خالية وعلى وجه القمر ظلمة) ثم قال: (وقال اللَّه ليكن نور فكان نور. . .) (وفصل اللَّه بين النور والظلمة) (التكوين ١/ ٤).
فاستدلال القرآن بالظل أجدى من الاستدلال بالظلمة؛ لأن الظلمة عدم لا يكاد يحصل الشعور بجمالها بخلاف الظل فهو جامع بين الظلمة والنور فكِلا دلالتيه واضحة.
٢ - وجملة ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ معترضة للتذكير بأن في الظل منة وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ عطف على جملة ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾، وأفادت (ثم) أن مدلول المعطوف بها متراخ في الرتبة عن مدلول المعطوف عليه شأن (ثم) إذا عطفت الجملة. ومعنى تراخي الرتبة أنها أبعد اعتبارًا أي: أنها أرفع في التأثير أو في الوجود، فإن وجود
стр. 7016
الشمس هو علة وجود الظل للأجسام التي على الأرض، والسبب أرفع رتبة من المسبب أي: أن اللَّه مد الظل بأن جعل الشمس دليلًا على مقادير امتداده (١).
ثانيًا: الكتاب المقدس يشير إلى أن رجوع الظل عشر درجات كان علامة من الرب على أن حزقيا سيشفى .
فحتى لو اعتبرنا هذا التغير في طبيعة الظل معجزة، فنحن نتساءل ما العلاقة بين رجوع الظل والشفاء؟ !
ففي (إشعيا ٣٨/ ١١: ٥): (كَانَ كَلَامُ الرَّبِّ إِلَيْهِ قَائِلًا: ٥ "ارْجعْ وَقُلْ لِحَزَقِيَّا رَئِيسِ شَعْبِي: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلَاتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أَشْفِيكَ. فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَصْعَدُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ. . . وَقَالَ حَزَقِيَّا لإِشَعْيَا: "مَا الْعَلَامَةُ أَنَّ الرَّبَّ يَشْفِينِي فَأَصْعَدَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ؟ " ٩ فَقَالَ إِشَعْيَا: "هذِهِ لَكَ عَلَامَةٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ يَفْعَلُ الأَمْرَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ: هَلْ يَسِيرُ الظِّلُّ عَشْرَ دَرَجَاتٍ أَوْ يَرْجعُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ؟ ". ١٠ فَقَالَ حَزَقِيَّا: "إِنَّهُ يَسِيرٌ عَلَى الظِّلِّ أَنْ يَمْتَدَّ عَشْرَ دَرَجَاتٍ. لَا! بَلْ يَرْجعُ الظِّلُّ إِلَى الْوَرَاءِ عَشْرَ دَرَجَاتٍ! ". ١١ فَدَعَا إِشَعْيَا النَّبِيُّ الرَّبَّ، فَأَرْجَعَ الظِّلَّ بِالدَّرَجَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا بِدَرَجَاتِ آحَازَ عَشْرَ دَرَجَاتٍ إِلَى الْوَرَاءِ.
هل للموت ظل ؟
ففي (سفر أيوب: ٣/ ٥: ٤) لِيَكُنْ ذلِكَ الْيَوْمُ ظَلَامًا. لَا يَعْتَنِ بِهِ اللَّهُ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. ٥ لِيَمْلِكْهُ الظَّلَامُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ.
(أيوب: ١٢/ ٢٥: ٢٢) يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلَامِ، وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ. ٢٣ يُكَثِّرُ الأُمَمَ ثُمَّ يُبِيدُهَا. يُوَسِّعُ لِلأُمَمِ ثُمَّ يُجْلِيهَا. ٢٤ يَنْزِعْ عُقُولَ رُؤَسَاءِ شَعْبِ الأَرْضِ، وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلَا طَرِيق. ٢٥ يَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّلَامِ وَلَيْسَ نُورٌ، وَيُرَنِّحُهُمْ مِثْلَ السَّكْرَانِ.
الظلام يتحول إلى صباح في الظهيرة: فكيف تكون ظهيرة مع ظلمة ؟
стр. 7017
(أيوب ١١: ١٧): وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلَامُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا.
ففي سفر (التكوين ١٩/ ٢٤: ٢٣): وَإِذْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ دَخَلَ لُوطٌ إِلَى صُوغَرَ، ٢٤ فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ.
نعم اللَّه قادر على كل شيء، ولكن ليس في القرآن إثبات أن النار نزلت أثناء طلوع الشمس، فلا نصدق هذا الأمر.
الظلام يلمس ؟ في (سفر الخروج ١٠/ ٢٣: ٢١): ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "مُدَّ يَدَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ لِيَكُونَ ظَلَامٌ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، حَتَّى يُلْمَسُ الظَّلَامُ". ٢٢ فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ فَكَانَ ظَلَامٌ دَامِسٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ٢٣ لَمْ يُبْصِرْ أَحَدٌ أَخَاهُ، وَلَا قَامَ أَحَدٌ مِنْ مَكَانِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلكِنْ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ لَهُمْ نُور فِي مَسَاكِنِهِمْ.
النور موجود قبل أن تخلق الشمس والنجوم، فهذا النور سطع من أي شيء ؟
سفر الخروج: ١: ٢ وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح اللَّه يرف على وجه المياه.
١: ٤ ورأى اللَّه النور أنه حسن، وفصل اللَّه بين النور والظلمة. ١: ٥ ودعا اللَّه النور نهارًا والظلمة دعاها ليلًا، وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا.
أنوار تفصل بين النهار والليل، كيف ؟
(سفر التكوين ١/ ١٩: ١٣): وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا. ١٤ وَقَالَ اللَّهُ: "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. ١٥ وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ". وَكَانَ كَذلِكَ. ١٦ فَعَمِلَ اللَّهُ النُّورينِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ. ١٧ وَجَعَلَهَا اللَّهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، ١٨ وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأَى اللَّهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ١٩ وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا.
* * *
стр. 7018
٧ - شبهة: ادعاؤهم تناقض القرآن في مادة خلق الإنسان .
نص الشبهة:
لماذا تناقض القرآن في مادة خلق الإنسان؟ فالقرآن يعطي معلوماتٍ مختلفةً عن خلق الإنسان ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (المرسلات: ٢٠)، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٧٧)، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (السجدة: ٧)، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ٢)، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: ٢٦)، ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (مريم: ٦٧)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠).
فكيف يكون كل ذلك صحيحًا في نفس الوقت؟ !
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: لابد من جمع الآيات التي تحدثت عن هذا الموضوع حتى يتكامل المعنى .
الوجه الثاني: الحكمة من خلق آدم على عدة مراحل.
الوجه الثالث: خلق سلالة آدم ﵇ تم أيضًا على عدة مراحل.
الوجه الرابع: الرد على من اعترض على إمكانية خلق الإنسان من طين.
الوجه الخامس: خلق الإنسان في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لابد من جمع الآيات التي تحدثت عن هذا الموضوع حتى يتكامل المعنى.
من خلال الآيات والنصوص نستطيع أن نقول: إن الإنسان الأول مرَّ عليه عدة مراحل:
أولا: الفترة التي كان فيها الإنسان عدمًا:
قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ (مريم: ٦٧)، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ (مريم: ٩)، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ (الإنسان: ١).
стр. 7019
فقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء (١).
فالشيء هنا بمعنى: الموجود؛ أي: ولم تك موجودًا بل كنت معدومًا، والظاهر أن هذا إشارة إلى خلقه بطريق التوالد والانتقال في الأطوار كما يخلق سائر أفراد الإنسان، وقال بعض المحققين: المراد به ابتداء خلق البشر؛ إذ هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد، فكأنه قيل: وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم، ولم تك إذ ذاك شيئًا أصلًا بل كنت عدمًا بحتًا، وإنما لم يقل: وقد خلقت أباك أو آدم من قبل، ولم يك شيئًا مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله ﵇ لتأكيد الاحتجاج، وتوضيح منهاج القياس من حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه ﵇ من العدم، لأنه ﵇ أبدعُ أنموذجٍ منطويٍّ على سائر آحاد الجنس، فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعًا لكل أحد من فروعه كذلك، ولما كان خلقه ﵇ على هذا النمط الساري إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصورًا على نفسه كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه، وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته، وكان عدم زكريا حينئذٍ أظهر عنه، وكان حاله أولى بأن يكون معيارًا لحال ما بُشر به، نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (الأعراف: ١١) توفيةً لمقام الامتنان حقه انتهى، ولا يخلو عن تكلف، وجوز أن يكون الشيء بمعنى المعتد به وهو مجاز شائع، ومنه قول المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلًا.
وقولهم: عجبت من لا شيء، وليس بشيء إذ يأباه المقام ويرده نظم الكلام. . . (٢).
ثانيًا: المرحلة الترابية:
فإن اللَّه تعالى خلق آدم ﵇ من الأرض أي: مما تحويه وذلك قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا
стр. 7020
نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (طه: ٥٥)، فخلقه من ترابها وهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (آل عمران: ٥٩)، وفي ذلك آيات في القرآن كثيرة.
الحكمة من خلق آدم من تراب:
أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم ﵇ من تراب لوجوه:
الأول: ليكون متواضعًا.
الثاني: ليكون ستارًا.
الثالث: ليكون أشد التصاقًا بالأرض؛ وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٥).
الرابع: أراد إظهار القدرة، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم ﵇ من التراب الذي هو أكثف الأجرام ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانًا باهرًا ودليلًا ظاهرًا على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج، والخالق بلا مزاج وعلاج.
الخامس: خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئًا لنار الشهوة، والغضب، والحرص، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيًا تتجلى فيه صور الأشياء (١).
وهذا كله يصدقه حديث أبي موسى الأشعري حيث قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ، وَالْأَبيَضُ، وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ" (٢).
стр. 7021
ثالثًا: المرحلة الطينية .
ففي القرآن ذكر هذه المرحلة بعدة صفات:
الطين -سلالة من طين- طين لازب، فإنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طينًا وهو قوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (المؤمنون: ١٢)، والسلالة بمعنى: المفعولة؛ لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين (١).
وهذا الطين يتميز بخاصية وصفة اللزوجة (طين لازب)، وكان الطين لازبًا أي: لاصقًا، وقيل: لزجًا وفي هذا يقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ (الصافات: ١١).
قال ابن منظور: ولَزِبَ الطينُ يَلْزُبُ ولُزُويًا، ولزُبَ: لَصِقَ وصَلُب، وفي حديث عليّ ﵁: دخَل بالبَلَّةِ حتى لَزَبَتْ أَي لَصقتْ ولزمت، وطينٌ لازبٌ أَي: لازقٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.
رابعًا: المرحلة الحمنية .
حيث تحول الطين إلى مادة أخرى مشتقة منه هي الحمأ أي: الطين المتغير أو الطين المنتن، فقد صار هذا الطين اللازب منتنًا، فقال تعالى في ذلك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: ٢٦).
قال الرازي: الحَمَأُ: بفتحتين والحَمَأةُ بسكون الميم الطين الأسود، حمأ: الحَمْأَةُ، والحَمَأُ: الطين الأَسود المُنتن، وفي التنزيل: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: ٢٦) (٢).
المَسْنون: المُنْتِن، وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قال أَبو عمرو: أَي متغير منتن، وقال أَبو الهيثم: سُنَّ الماءُ فهو مَسْنُون أَي: تغيَّر (٣).
قال شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني: (من حمأ) أي: طين أسود منتن (مسنون)، أي: مصوّر بصورة الآدمي.
стр. 7022
وقال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن. وقال مجاهد: هو المنتن المتغير. قال البغوي: وفي بعض الآثار: إنّ اللَّه تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغير أسود ثم خلق منه آدم ﵇ (١).
المرحلة الصلصالية:
وهي المرحلة الأخيرة في هذه السلسلة حيث انتقلت مادة الحمأ المسنون -كما جاء في سورة الحجر- على صلصال، وتخبرنا آية سورة الرحمن أن هذه المادة الصلصالية تشبه مادة الفخار؛ وهو الطين الذي تم طبخه وشيه كما ورد في فقرة سابقة، فحيث أن هذا الطين كان مخلوطًا بالرمل فهذا هو الصلصال.
قال الرازي: الصَّلْصالُ: الطين الحر خُلط بالرمل فصار يَتَصَلْصَلُ إذا جف، فإذا طُبخ بالنار فهو الفخار (٢).
وقال ابن منظور: والصَّلْصالُ مِن الطِّين: ما لم يُجْعَل خَزَفًا، سُمِّي به لَتَصَلْصُله، وكلُّ ما جَفَّ من طين أَو فَخَّار فقد صَلَّ صَلِيلًا، وطِينٌ صِلَّال ومِصْلالٌ أَي: يُصوِّت كما يصوِّت الخَزَفُ الجديد (٣).
قال شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني:
(من صلصال) أي: من الطين الشديد اليابس الذي لم تصبه نار، إذا نقرته سمعت له صلصلة، أي: صوتًا. وقال ابن عباس: هو الطين إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرّك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن، واختاره الكسائي. وقال الفراء: هو طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره. وقال الرازي: قال المفسرون: خلق اللَّه تعالى آدم من طين فصوّره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالًا لا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح (٤).
стр. 7023
ملخص ذلك كله:
قال شمس الدين محمد ابن أحمد الشربيني: وكل ما سبق متفق المعنى وذلك أنه أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طينًا، ثم ترك حتى صار حمأ مسنونًا ثم منتنًا ثم صوّره كما يصوّر الإبريق وغيره من الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر صوت صوتًا، يعلم منه هل فيه عيب أولا؟ فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه، فالأرض أمُّه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه، فالغالب في جبلته التراب، فلهذا نسب إليه، وإن خلق من العناصر الأربع، كما أنّ الجانّ خلق من العناصر الأربع لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (الرحمن: ١٥) (١).
قال ابن القيم: لما اقتضى كمال الرب تعالى ﷻ وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة، وإنشاءهم من الصور المختلفة، والتباين العظيم بينهم في المواد، والصور، والصفات، والهيئات، والأشكال، والطبائع، والقوى؛ اقتضت حكمته أن أخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون، ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالًا كالفخار، ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات، وصورها فأبدع في تصويرها، وأظهرها في أحسن الأشكال، وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال أجزائها، وهيأ كلَّ جزء منها لما يراد منه وقدَّره لما خلق له عن أبلغ الوجوه، ففصَّلها في توصيلها، وأبدع في تصويرها وتشكيلها، ثم ذكر تناسل الخلق بالجماع وإنزال المني (٢).
стр. 7024
الوجه الثاني: الحكمة من خلق آدم على عدة مراحل .
قال الرازي: والأقرب أنه تعالى خلق آدم أولًا من تراب، ثم من طين، ثم من حمأ مسنون، ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه (١).
الوجه الثالث: خلق سلالة آدم ﵇ تم أيضًا على عدة مراحل .
وكذلك الحال والمنهاج مع المصطلحات التي وردت بالآيات القرآنية التي تحدثت عن خلق سلالة آدم ﵇، فكما تدرج خلق الإنسان الأول آدم من التراب إلى الطين. . . إلى الحمأ المسنون. . . إلى الصلصال. . . حتى نفخ اللَّه فيه من روحه. . . كذلك تدرج خلق السلالة والذرية بدءًا من (النطفة) -التي هي الماء الصافي- ويُعَبَّرُ بها عن ماء الرجل (المنىّ). . . إلى (العَلَقَة) التي هي الدم الجامد، الذي يكون منه الولد؛ لأنه يعلق ويتعلق بجدار الرحم إلى (المضغة) وهى قطعة اللحم التي لم تنضج، والمماثلة لما يمضغ بالفم. . . إلى (العظام). . . إلى (اللحم) الذي يكسو العظام. . . إلى (الخلق الآخر) الذي أصبح بقدرة اللَّه في أحسن تقويم (٢).
ومن الآيات التي تحدثت عن توالى وتكامل هذه المراحل في خلق وتكوين نسل الإنسان الأول وسلالته قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ (الحج: ٥).
стр. 7025
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٤).
وإذا كانت (النطفة) هي ماء الرجل. . فإنها عندما تختلط بماء المرأة، توصف بأنها (أمشاج) -أي مختلطة- كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ (الإنسان: ٢).
كما توصف هذه (النطفة) بأنها (ماء مهين) لقلته وضعفه. . وإلى ذلك تشير الآيات الكريمة: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ (السجدة: ٧ - ٩)، ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (المرسلات: ٢٠ - ٢٣).
وكذلك وصفت (النطفة) -أي: ماء الرجل- بأنه (دافق) لتدفقه واندفاعه. . كما جاء في الآية الكريمة: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (الطارق ٥: ٧).
هكذا عبر القرآن الكريم عن مراحل الخلق. . خلق الإنسان الأول. . وخلق سلالات وزريات هذا الإنسان. . وهكذا قامت مراحل الخلق، ومصطلحات هذه المراحل شواهد على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم عندما جاء العلم الحديث ليصدق على هذه المراحل ومصطلحاتها؛ حتى لقد انبهر بذلك علماء عظام فاهتدوا إلى الإسلام (١).
فكيف يجوز -بعد ذلك ومعه- أن يتحدث إنسان عن وجود تناقضات بين هذه المصطلحات. . لقد صدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
стр. 7026
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (النساء: ٨٢) (١).
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾، ذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوما كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن اللَّه، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط- ثم يشرع قي التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس، ويدان، وصدر، وبطن، وفخذان، ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (الحج: ٥) أي: كما تشاهدونها، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق (٢).
فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل اللَّه تعالى إليها ملكًا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء اللَّه ؛ من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها، وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق المصدوق-: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه مَلكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" (٣).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: النطفة إذا استقرت
стр. 7027
في الرحم، أخذها ملك بكفه قال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: "غير مخلقة" لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: (مخلقة)، قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: اللَّه. فيقال: من رازقك؟ فتقول: اللَّه. فيقال له: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق (١).
وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين؛ فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول اللَّه، ويكتبان. فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول اللَّه، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص" ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، ومن طرق أُخَرَ، عن أبي الطُّفَيل، بنحو معناه (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: ضعيفًا في بدنه، وسمعه، وبصره، وحواسه، وبطشه، وعقله، ثم يعطيه اللَّه القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به، ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر﴾، وهو الشيخوخة، والهَرَم، وضعف
стр. 7028
القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخَرَف وضعف الفكر؛ ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ (الروم: ٥٤). وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٦).
قال ابن كثير: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ (السجدة: ٧ - ٨) أي: ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ يعني: الرحمُ مُعَد لذلك مهيأ له ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ (المرسلات: ٢٢ - ٢٣) أي: إلى مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنَقَّل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي: ثم صَيَّرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره- وترائب المرأة -وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة- فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم.
﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قطعة كالبَضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ قال ابن عباس: وهو عظم الصلب.
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا
стр. 7029
يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي: ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا أتمت النطفة أربعة أشهر بُعِث إليها مَلك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني: نفخنا فيه الروح. ورُوي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه نَفْخُ الروح.
قال ابن عباس ﵁: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني به: الروح، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والحسن، وأبو العالية، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابنُ زيد، واختاره ابنُ جرير (٢).
وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس ﵁: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني: ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلًا ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شابًّا، ثم كهلًا ثم شيخًا، ثم هرمًا.
وعن قتادة، والضحاك نحو ذلك، ولا منافاة؛ فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شَرَع في هذه التنقلات والأحوال، واللَّه أعلم.
الوجه الرابع: الرد على من اعترض على إمكانية خلق الإنسان من طين .
حيث قال: بأن الطين هو سليكات الألمونيوم، وهو مادة لا تذوب في الماء، ومن ثم لا يمكن أن تدخل في تركيب جسم الإنسان؟ ! فنجيب بأمور:
١ - خلق الإنسان من طين لا يستلزم خلقه من كل الطين، وإنما يكفي أنه يخلق من أحد محتويات الطين أو من أحد مكوناته، يشبه ذلك قول أحدنا أنه يسكن في القاهرة أو
стр. 7030
أنه من القاهرة، بمعنى أنه يسكن في حي منها، بل في شارع، بل في منزل واحد.
لهذا قالت (الآية ١٢) من سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أي من مواد تتسلل من الطين فهي محتواة فيه، التسلل هو الحركة الخفيفة، واللص المتسلل هو الذي يتحرك فلا يراه أحد؛ صيغة "فعالة" تدل على الشيء يفعل فيه فعل ما، فالسلالة ما يسل ويخرج في خفاء، والسلالة ما يسلت من شيء آخر ويفصل عنه (١).
والخلاصة هي ما يستخلصه وينقي مما يختلط به الطين الذي تتكون حبيباته من سيلكات الألومونيوم فيه مسافات تكون (٥٠%) من حجمه، وتحتوي ما يمكن أن يحرك ويستخلص، وهو "السلالة" التي عرفنا بالوسائل العلمية أنها ماء ذابت فيه غازات وأيونات وجزيئات صغيرة من أصل عضوي وبعض الأملاح.
٢ - ولأهمية المسافات البينية والمسام الموجودة في الطين وصف القرآن هذا الطين ﴿صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ وذلك في الآية ١٤ من سورة الرحمن.
من ذا الذي لا يعرف أن الإناء الفخاري يتسلل الماء من داخله إلى خارجه فيبخر ليبرد الإناء وما فيه؟ ! ! !
وإذا كان الماء محتويًا على ملح أو سكر مذاب ترسبت بعض بلوراته على السطح الخارجي بعد تسللها من داخله، وقيل حينئذ: إن الإناء نضح بما فيه، وفي الأمثال "كل إناء بما فيه ينضح".
"الصلصلة" هي الرنينن، وهي ترجيع الشيء للصوت إذا نقرت عليه أو قرعته كصلصلة الجرس. "الفخار" الجاف يصلصل لوجود الهواء في مسافاته البينية، بينما لا تسمع صلصلة إذا نقرت على قطعة من الجرانيت الذي تكون سليكات الألمونيوم (٦٠%) منه، وذلك لتراكم حبيباته والتصاقها بغير مسافات بينية، كذلك لا تصلصل قطعة من حجر الإردواز وهو صخر متحول من سليكات الألومنيوم الخالصة فقد قَلَّتْ مسافاته البينية بالحرارة والضغط.
стр. 7031
٣ - ولكيلا يحدث لبس قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: ٢٦) أي: من حمأ مسنون من الصلصال، وبمقارنة هذه الآية بالآية (١٢) من سورة المؤمنون ندرك أن (الحمأ المسنون) مرادف أو بديل (السلالة من الطين) وأسلوب التعبير (. . من. . من. .) أسلوب شائع في اللغة العربية، ويقصد به التفسير والتفصيل، فيذكر المتكلم الشيء مجملًا أو كليًا، ثم يتبعه التخصيص أو الجزئي، تقول مثلًا: أنا آتٍ من القاهرة، من الروضة أي: من حي الروضة الذي هو جزء من القاهرة. هذا الأسلوب شائع وكثير الاستعمال في القرآن، من أمثلته ما يأتي:
في الآية (١٧٢) من سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: أخذ من بني آدم ذريتهم -أخذًا من مكان خاص في ظهورهم، وفي سورة الزخرف آية (٣٣): ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن سقفًا من فضة هي لهم إجمالًا ولبيتهم تفصيلًا وتخصيصًا.
(الحمأ) سائل يتحرك بين حبيبات التربة الصلصالية، ومنه يتسلل الماء وبعض وبعض ما ذاب فيه إلى جذور النباتات أولًا حيث يتكون منه غذاء وحب وفواكه وثمار يأخذها الإنسان لبناء جسمه ولتعطيه الطاقة، أو يأخذها الحيوان أولًا ليكون منها اللبن والعسل، وما أحله اللَّه من مأكل وشراب للإنسان الذي تصنع به مادة جسمه وتطلق منه طاقة وحرارة.
من الواضح أن ذلك الأسلوب القرآني في التعليم والتعريف يضطر قارئ القرآن أن يتدبر المعاني ويعمل فكره ويتنقل بعقله في مخلوقات اللَّه وكونه ليصل بنفسه إلى ما يهديه إلى الحق، لهذا تتساءل آية قرآنية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤).
وثمَّ أمر آخر وهو إنه لو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية لوجدناه أشبه بمنجم صغير يشترك في تركيبه حوالي (٢١) عنصرًا تتوزع بشكل رئيسي على:
١ - أكسجين (O)، هيدروجين (H) على شكل ماء بنسبة ٦٥% - ٧٠% من وزن الجسم.
٢ - كربون (C)، وهيدروجين (H)، وأكسجين (O)، وتشكل أساس المركبات العضوية من سكريات، ودسم، وبروتينات، وفيتامينات، وهرمونات أو خمائر.
стр. 7032
٣ - مواد جافة يمكن تقسيمها إلى:
أ - ست مواد هي: الكلور (CL)، الكبريت (S)، الفسفور (P)، والمنغنزيوم (MG) والبوتسيوم (K)، والصوديوم (Na)، وهي تشكل ٦٠ - ٨٠% من المواد الجافة.
ب - ست مواد بنسبة أقل هي: الحديد (Fe)، والنحاس (Cu)، واليود (I)، والمنغنزيوم (MN)، والكوبالت (Co)، والتوتياء (Zn)، والمولبيديوم (Mo).
جـ - ستة عناصر بشكل زهيد هي: الفلور (F)، والألمنيوم (AL)، والبور (B)، والسيلينيوم (Se)، الكادميوم (Cd)، والكروم (Cr).
كل هذه العناصر موجودة في تراب الأرض، ولا يشترط أن تكون كل مكونات التراب داخلة في تركيب جسم الإنسان، فهناك أكثر من مئة عنصر في الأرض بينما لم يُكتشف سوى (٢٢) عنصرًا في تركيب جسم الإنسان، وقد أشار لذلك القرآن حيث قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (المؤمنون: ١٢) وفي ذلك إعجاز علمي بليغ (١).
الوجه الخامس: خلق الإنسان في الكتاب المقدس .
المرحلة الترابية:
قال اللَّه لآدم: (بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا؛ لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى ترابٍ تَعُودُ) (سفر التكوين ٣/ ١٩).
(أنت جبلت آدم من تراب الأرض) الأسفار القانونية
وكذلك ذرية آدم تعترف بهذه الحقيقة، فهذا إبراهيم ﵇ يعترف بذلك فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: (إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ) (سفر التكوين ١٨/ ٢٧).
وانظر كذلك إلى هذا النص: (كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. ١٤ لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَنَا ترابٌ نَحْنُ) (سفر المزامير ١٠٣/ ١٤: ١٣)
стр. 7033
(الرب يستعرض جنود السماء العليا أما البشر فجميعهم تراب ورماد) (الأصحاح رقم ١٨ تتمة سفر إستير).
المرحلة الطينية:
(هأَنَذَا حَسَبَ قَوْلِكَ عِوَضًا عَنِ اللَّه. أَنَا أَيْضًا مِنَ الطِّينِ تَقَرَّصْتُ) (سفر أيوب ٣٣/ ٦).
(وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا، وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ) (سفر أشعياء ٦٤/ ٨).
(تبارك اسم اللَّه القدوس الذي خلق الإنسان من طين الأرض وجعله قيمًا على أعماله) (إنجيل برنابا).
وإذ قال هذا تكلم يسوع أيضًا قائلًا: (إن الروح في كثيرين نشيط في خدمة اللَّه أما الجسد فضعيف، فيجب على من يخاف اللَّه أن يتأمل ما هو الجسد وأين كان أصله وأين مصيره؟ من طين الأرض خلق اللَّه الجسد، وفيه نفخ نسمة الحياة بنفخة فيه، فمتى اعترض الجسد خدمة اللَّه يجب أن يمتهن ويداس كالطين؛ لأن من يبغض نفسه في هذا العالم يجدها في الحياة الأبدية.) (إنجيل برنابا).
الشيطان أتى قائلًا: (ماذا يجب أن أفعل لك يا يسوع؟ أجبت: إنك تفعل لنفسك أيها الشيطان؛ لأني لا أحب خدمتك، وإنما دعوتك لا فيه صلاحك، أجاب الشيطان: إذا كنت لا تود خدمتي فإني لا أود خدمتك؛ لأني أشرف منك، فأنت لست أهلًا لأن تخدمني أنت يا من هو طين أما أنا فروح.) (إنجيل برنابا).
(فإذا كان اللَّه يحتمل العالم بصبر فلماذا تحزنون أنتم يا تراب وطين الأرض) (إنجيل برنابا)
حتى إنه في الكتاب المقدس تم تحويل التراب إلى بَعوض كمعجزة قامت على يد هارون: (ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قُلْ لِهَارُونَ: مُدَّ عَصَاكَ وَاضْرِبْ تُرَابَ الأَرْضِ لِيَصِيرَ بَعُوضًا فِي جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ. فَفَعَلَا كَذلِكَ. مَدَّ هَارُونُ يَدَهُ بِعَصَاهُ وَضَرَبَ تُرَابَ الأَرْضِ، فَصَارَ الْبَعُوضُ عَلَى النَّاسِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ. كُلُّ تُرَابِ الأَرْضِ صَارَ بَعُوضًا فِي جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ.) (سفر الخروج ٨/ ١٧: ١٦).
* * *
стр. 7034
٨ - هل الصفات الوراثية تثبت بالرضاع ؟
نص الشبهة:
إن الرضاع لا يثبت الصفات الوراثية؛ فلماذا جعل الإسلام التحريم بالرضاع بمثابة التحريم بالنسب؟ !
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تعريف الرضاع، وأدلة مشروعيته، وأدلة تحريمه.
الوجه الثاني: الرضاع الذي يثبت به التحريم، والآثار المترتبة عليه.
الوجه الثالث: في الحكمة من تحريم الرضاع وجعله كالنسب.
الوجه الرابع: أهمية الرضاع في الإسلام، وبيانه من الناحية الطبية.
الوجه الخامس: في الدليل على أن الصفات الوراثية تثبت بالرضاع كما تثبت بالولادة.
إليك التفصيل
الوجه الأول: تعريف الرضاع، وأدلة مشروعيته، وأدلة تحريمه من الكتاب والسنة والإجماع .
أولا: تعريف الرضاع:
في اللغة: رَضَع الصبيُّ وغيره يَرْضِع مثال: ضرب يضْرِب. . .، ورَضِعَ مثال: سَمِع يَرْضَع رَضْعًا ورَضَعًا ورَضِعًا ورَضاعًا ورِضاعًا ورَضاعًة ورِضاعة، فهو راضِعٌ والجمع رُضَّع (١). وقد يجيءُ مُرْضِع على معنى ذات إِرضاع أَي: لها لبن وإِن لم يكن لها رَضِيع، وجمع المُرْضِع مَراضِعُ، قال سبحانه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (القصص: ١٢) (٢).
في الشرع: اسْمٌ لِحُصُولِ لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي جَوْفِ طِفْلٍ بِشُرُوطٍ تَأْتِي (٣).
стр. 7035
ثانيًا: أدلة مشروعيته:
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٣٣).
قال الطبري:
في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ دلالةٌ على مبلغ غاية الرضاع (١).
قال القرطبي: قيل: هو خبرٌ عن المشروعية (٢).
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (الطلاق: ٦).
وعن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إني قَدْ أَرْضَعْتكُمَا، فَأَتَيْتُ النبي ﷺ فَقَالَ: (وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ) أَوْ نَحْوَهُ (٣).
والدلالة واضحة في الحديث على مشروعية الرضاع، ولو كان غير ذلك لكان النهي.
ثالثًا: أدلة تحريمه:
قال ابن قدامة: (الْأَصْلُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ) (٤).
أما الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (النساء: ٢٣).
وأما السنة: فعن عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ) (٥).
стр. 7036
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لي إِنَّهَا ابْنَةُ أخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ (١).
وأما الإجماع:
فقال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢).
وقال ابن قدامة: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ (٣).
وقال ابن القيم: قوله ﷺ : (الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) (٤). وهذا الحكم متفق عليه عليه بين الأمة (٥).
الوجه الثاني: الرضاع الذي يثبت به التحريم، والآثار الشرعية المترتبة عليه .
أولا: في الرضاع الذي يثبت به التحريم .
١ - في عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم:
اختلف العلماء في الرضاع الذي يثبت به التحريم، وذلك على أقوال عدة (٦):
فذهب بعض العلماء، إلى أن قليل الرضاع وكثيره يثبت به التحريم.
والثاني: إلى أن المصة والمصتين لا تحرم.
والثالث: إلى أن خمس رضعاتٍ فأكثر هو المعتبر، وهو الذي يثبت به التحريم. وهذا هو
стр. 7037
الرجح من أقوال العلماء (١)؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) (٢). وهذا الحديث مُقَيِّدٌ للأحاديث المطلقة، والقولُ بخمسٍ معلوماتٍ صريحٌ بخلاف الأحاديث الأخرى (٣).
فالروايات فيها غير صريحةٍ بتحريم الثلاث أو الأربع، وفي الخمس حصر، ومعلوم لدى علماء البيان كالزمخشري أن الأخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ومفهوم الحصر أرجح من مفهوم العدد (٤).
стр. 7038
٢ - في السن الذي ينعقد به التحريم: (١)
اتفق العلماء على أن السنَّ الذي يكون فيه التحريم بالرضاع هو الحولين، ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وما دون ذلك لا ينعقد به التحريم (٢).
ولعل هذا السنَّ الذي يكون فيه إنبات العظم، ولا شك أن لبن المرضع يؤثر في الطفل حتى إنه يأخذ صفات المرضع وخاصة في هذا السنّ.
وقد عقدت منظمة الصحة العالمية مؤتمرًا لها بعنوان Complementary feeding عام ٢٠٠١ م وجاء بهذه النتائج:
стр. 7039
١ - إن السنتين الأوليين من حياة الطفل هما نافذةٌ حرجةٌ يتم خلالهما بناء التأسيسات للنمو والتطور الصحي.
٢ - إن تغذية الطفل الرضيع هي بُعْدٌ جوهري للعناية خلال هذه الفترة.
ويقول العلماء اليوم بعد تجارب استمرت نصف قرن: (بعد أن يبلغ الطفل سنتين من العمر من الصعب جدًا أن ينعكس العامل المعيق للنمو والذي كان ممكن الحصول قبل هذه المدة).
وقد بينت الأبحاث الحديثة أن الإرضاع الطبيعي لمدة ٢٤ شهرًا يقي الأم من خطر سرطان المبيض بنسبة الثلث (١).
ثانيًا: الآثار الشرعية المرتبة عليه: بإرضاع المرأة الطفل تترتب آثارٌ شرعيةٌ وتنتشر المحرمية بمجرد الرضاع من ثلاث جهاتٍ: المرضعة، الطفل، زوج المرضعة (صاحب اللبن) (٢).
قال ابن القيم: فأولادُ الطفلِ وإن نزلوا أولادُ ولدِهما، وأولادُ كُلِّ واحدٍ من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره إخوتهُ وأَخواته من الجهات الثلاث، فأولادُ أحدهما من الآخر إخوتُه وأَخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه،
стр. 7040
وأولادُ المرضعة من غيره إخوتُه وأخواتُه لأمه، وصار آباؤها أجدَادَهُ، وجَدَّاتِه، وصارَ إخوة المرأة وأخواتُها أَخوالَه وخالاتِه، وإخوةُ صاحب اللبن وأخَواتُه أعمامه وعَمَّاتِه (١)، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط (٢).
فهذه حرمة الرضاع والآثار المترتبة عليه، والناس قد غلب عليهم التساهل في أمر الرضاعة؛ فيرضعون الولد من امرأةٍ أو عدة نسوةٍ، ولا يعنون بمعرفة أولاد المرضعة، وأخواتها، ولا أولاد زوجها من غيرها؛ ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام كحرمة النكاح، وحقوق هذه القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب، فكثيرًا ما يتزوج الرجل أخته، أو عمته، أو خالته من الرضاعة وهو لا يدري، والواجب الاحتياط في هذا الأمر حتى لا يقع الإنسان في المحظور (٣)، ومن الأمور التي ينبغي أن ننبه عليها في هذا المقام ما يعرف (ببنوك الحليب)، ولما كان التساهل في هذه البنوك واختلاط ألبان الأمهات؛ فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من (١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/ ٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م) بعد أن عرض على المجمع دراسةً فقهيةً، ودراسةً طبّيةً حول بنوك الحليب:
وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين ومناقشة كلٍ منهما مناقشةً مستفيضةً شمِلت مختلِف جوانب الموضوع تبين:
١ - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية، والعلمية فيها فانكمشت وقلَّ الاهتمام بها.
٢ - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحُمةً كلُحمةِ النسب يَحرُم به ما يَحرُم من النسب بإجماع