وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لي إِنَّهَا ابْنَةُ أخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ (١).
وأما الإجماع:
فقال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢).
وقال ابن قدامة: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ (٣).
وقال ابن القيم: قوله ﷺ : (الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) (٤). وهذا الحكم متفق عليه عليه بين الأمة (٥).
الوجه الثاني: الرضاع الذي يثبت به التحريم، والآثار الشرعية المترتبة عليه .
أولا: في الرضاع الذي يثبت به التحريم .
١ - في عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم:
اختلف العلماء في الرضاع الذي يثبت به التحريم، وذلك على أقوال عدة (٦):
فذهب بعض العلماء، إلى أن قليل الرضاع وكثيره يثبت به التحريم.
والثاني: إلى أن المصة والمصتين لا تحرم.
والثالث: إلى أن خمس رضعاتٍ فأكثر هو المعتبر، وهو الذي يثبت به التحريم. وهذا هو
стр. 7037
الرجح من أقوال العلماء (١)؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) (٢). وهذا الحديث مُقَيِّدٌ للأحاديث المطلقة، والقولُ بخمسٍ معلوماتٍ صريحٌ بخلاف الأحاديث الأخرى (٣).
فالروايات فيها غير صريحةٍ بتحريم الثلاث أو الأربع، وفي الخمس حصر، ومعلوم لدى علماء البيان كالزمخشري أن الأخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ومفهوم الحصر أرجح من مفهوم العدد (٤).
стр. 7038
٢ - في السن الذي ينعقد به التحريم: (١)
اتفق العلماء على أن السنَّ الذي يكون فيه التحريم بالرضاع هو الحولين، ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وما دون ذلك لا ينعقد به التحريم (٢).
ولعل هذا السنَّ الذي يكون فيه إنبات العظم، ولا شك أن لبن المرضع يؤثر في الطفل حتى إنه يأخذ صفات المرضع وخاصة في هذا السنّ.
وقد عقدت منظمة الصحة العالمية مؤتمرًا لها بعنوان Complementary feeding عام ٢٠٠١ م وجاء بهذه النتائج:
стр. 7039
١ - إن السنتين الأوليين من حياة الطفل هما نافذةٌ حرجةٌ يتم خلالهما بناء التأسيسات للنمو والتطور الصحي.
٢ - إن تغذية الطفل الرضيع هي بُعْدٌ جوهري للعناية خلال هذه الفترة.
ويقول العلماء اليوم بعد تجارب استمرت نصف قرن: (بعد أن يبلغ الطفل سنتين من العمر من الصعب جدًا أن ينعكس العامل المعيق للنمو والذي كان ممكن الحصول قبل هذه المدة).
وقد بينت الأبحاث الحديثة أن الإرضاع الطبيعي لمدة ٢٤ شهرًا يقي الأم من خطر سرطان المبيض بنسبة الثلث (١).
ثانيًا: الآثار الشرعية المرتبة عليه: بإرضاع المرأة الطفل تترتب آثارٌ شرعيةٌ وتنتشر المحرمية بمجرد الرضاع من ثلاث جهاتٍ: المرضعة، الطفل، زوج المرضعة (صاحب اللبن) (٢).
قال ابن القيم: فأولادُ الطفلِ وإن نزلوا أولادُ ولدِهما، وأولادُ كُلِّ واحدٍ من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره إخوتهُ وأَخواته من الجهات الثلاث، فأولادُ أحدهما من الآخر إخوتُه وأَخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه،
стр. 7040
وأولادُ المرضعة من غيره إخوتُه وأخواتُه لأمه، وصار آباؤها أجدَادَهُ، وجَدَّاتِه، وصارَ إخوة المرأة وأخواتُها أَخوالَه وخالاتِه، وإخوةُ صاحب اللبن وأخَواتُه أعمامه وعَمَّاتِه (١)، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط (٢).
فهذه حرمة الرضاع والآثار المترتبة عليه، والناس قد غلب عليهم التساهل في أمر الرضاعة؛ فيرضعون الولد من امرأةٍ أو عدة نسوةٍ، ولا يعنون بمعرفة أولاد المرضعة، وأخواتها، ولا أولاد زوجها من غيرها؛ ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام كحرمة النكاح، وحقوق هذه القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب، فكثيرًا ما يتزوج الرجل أخته، أو عمته، أو خالته من الرضاعة وهو لا يدري، والواجب الاحتياط في هذا الأمر حتى لا يقع الإنسان في المحظور (٣)، ومن الأمور التي ينبغي أن ننبه عليها في هذا المقام ما يعرف (ببنوك الحليب)، ولما كان التساهل في هذه البنوك واختلاط ألبان الأمهات؛ فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من (١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/ ٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م) بعد أن عرض على المجمع دراسةً فقهيةً، ودراسةً طبّيةً حول بنوك الحليب:
وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين ومناقشة كلٍ منهما مناقشةً مستفيضةً شمِلت مختلِف جوانب الموضوع تبين:
١ - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية، والعلمية فيها فانكمشت وقلَّ الاهتمام بها.
٢ - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحُمةً كلُحمةِ النسب يَحرُم به ما يَحرُم من النسب بإجماع
стр. 7041
المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية: المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤديةٌ إلى الاختلاط أو الرّيبة.
٣ - أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج (١) أو ناقص الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب، وبِناءً على ذلك قرر:
أولًا: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
ثانيًا: حرمة الرضاع منها، واللَّه أعلم (٢).
الوجه الثالث: في الحكمة من تحريم الرضاع وجعله كالنسب .
كثير من الأحكام الشرعية قد تظهر لنا الحكمة منها وقد لا تظهر، فاللَّه ما أمرنا بشيءٍ إلا وفيه الخير، وما نهانا عن شيءٍ إلا وفيه الشر، وكذلك النبي ﷺ ، فالحكمة في تحريم الرضاع وجعله كالنسب واضحة لكل عاقلٍ في أن الطفل لا يعلم شيئًا وبفطرته التي جعلها اللَّه فيه يبحث عما يسدّ ألم الجوع، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨)، فأول ما يشعر به الطِّفل ألم الجوع وألم البرد، وأول ما يُلهَمه امتصّ حلمة الثدي، ثم تزيد الإدراكات فيسمع ويبصر من غير تمييز بين مُدرَكٍ وآخرَ، ثم يميز بين مرضعته وغيرها، حتّى إنّ بعض الأطفال الذين يُعوَّدون على الرضاع من امرأة واحدة إذا اتّفق أن حاولت مرضعٌ أخرى إرضاع أحدهم يأباها وينفر منها (٣)، وفي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ
стр. 7042
وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (النساء: ٢٣)، فدلّ على أن تحريم الأمهات من الرضاعة كحرمتهم من النسب، قال المهايمي: لأن الرَّضاعَ جزءٌ، منها وقد صار جزءًا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها فأشبهت أصلَه (١)، ولعل الذي جعل المرضعة جزءًا من الرضيع هو الإرضاع؛ لأنه رضع منها فكان بعض بدنه جُزْءًا مِنْهُا، ولأَنَّهُ تَكَوَّنَ مِنْ لَبَنِهَا فَصَارَتْ فِي هَذَا كَأُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ، وَصَارَ أَوْلَادُهَا إِخْوَةً لَهُ؛ لِأَنَّ لِتَكْوِينِ أَبْدَانِهِمْ أَصْلًا وَاحِدًا هُوَ ذَلِكَ اللَّبَنُ (٢).
فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج بنيته وقيام هيكله، غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها، وهذه درَّتْ عليه سد رَمقِه في أول نشأته، فهي أمٌّ بعد الأم وأولادها إخوةٌ بعد الإخوة، وقد قاست في حضانته ما قاست، وقد ثبت في ذمته من حقوقها ما ثبت، وقد رأت في صغره ما رأت، فيكون تملكها والوثوب عليها ما تمجه الفطرة السليمة، وكم من بهيمةٍ عجماءَ لا تلتفت إلى أمها أو مرضعتها هذه اللفتة، فما ظنك بالرجال؟ وأيضًا فإن العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حيٍّ من الأحياء، فيشبّ فيهم الوليد، ويخالطهم كمخالطة المحارم، ويكون عندهم للرضاعة لُحمةٌ كلُحمةِ النسب، فوجب أن يُحملَ على النسب (٣).
فيحدث التحريم بالرضاع بسبب تكون أجزاء البنية الإنسانية من اللبن، فلبن المرأة يُنْبِتُ لحم الرضيع، ويُنْشِزُ عظمه؛ أي يُكَبِّرُ حجمَه، كما جاء في الحديث: "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ الْعَظْمَ" (٤).
فإن إنشاز العظم وإنبات اللحم، إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن، وبه تصبح المرضع
стр. 7043
أمًّا للرضيع؛ لأنه جزءٌ منها حقيقةً (١).
فاللَّبَنُ يَخْرُجُ مِنْ دَمِ المُرْضِعِ وَيَمْتَصُّهُ الوَلَدُ فَيَكُونُ دَمًا لَهُ يَنْمُو بِهِ اللَّحْمُ، وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ، فَهُوَ يَشْرَبُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ مَنْ يَرْضَعُ مِنْ لَبَنِ الْأَتَانِ يَغْلُظُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ كُلِّ حَيَوَانٍ يُؤَثِّرُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَكِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ نَفْسِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَكْثَرُ مِمَّا هِيَ بَدَنِيَّةٌ، فَجِسْمُهُ مُسَخَّرٌ لِشُعُورِهِ وَعَقْلِهِ؛ لِذَلِكَ كَانَ تَأْثِيرُ الِانْفِعَالَاتِ، وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ المُرْضِعِ فِي الرَّضِيعِ أَشَدَّ مِنْ تَأْثِيرِ الصِّفَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَقَدْ لَاحَظْنَا أَنَّ صَوْتَ المُرْضِعِ قَدْ ظَهَرَ فِي الْوَلَدِ الَّذِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَكَيْفَ بِآثَارِ عَقْلِهَا، وَشُعُورِهَا، وَمَلَكَاتِهَا النَّفْسِيَّة؟ . (٢)
والمرضع إذا أكلت الحلال كان اللبن أنفع للصبي، وأقرب إلى صلاحه قالوا: العادة جاريةٌ أن من ارتضع امرأًة؛ فالغالب عليه أخلاقها من خيرٍ وشرٍ، ولذا قيل: إنه ترضعه امرأةٌ صالحةٌ كريمةُ الأصل؛ فإن لبن المرأة الحمقاء يسري، وأثر حمقها يظهر يومًا ما، وفي الحديث: (الرضاع يغير الطباع) (٣)، ومن ثمة لما دخل الشيخ أبي محمد الجويني بيته ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرتضع ثدي غير أمه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وأدخل أصبعه في فِيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلًا: يسهل عليّ موته ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة (٤).
فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ المُبَالَغَةِ فِي الْعِنَايَةِ بِتَرْبِيَةِ الْأَطْفَال مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ، وَقَابِلْهُ بِتَهَاوُنِ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي أَمْرِ الْوِلْدَانِ فِي رَضَاعَتِهِمْ وَسَائِرِ شُئُونِهِمْ، حَتَّى إِنَّ الْأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي فَطَرَهُنَّ اللَّه
стр. 7044
تعالى عَلَى التَّلَذُّذِ بِإِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ وَالْغِبْطَةِ بِهِ، قَدْ صَارَ نِسَاءُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُنَّ يَرْغَبْنَ عَنْهُ ترَفُّعًا وَطَمَعًا فِي السِّمَنِ وَبَقَاءِ الْجَمَالِ، أَوِ ابْتِغَاءَ سُرْعَةِ الْحَمْلِ، وَكُلُّ هَذَا مُقَاوَمَةٌ لِلْفِطْرَةِ وَمَفْسَدَةٌ لِلنَّسْلِ، وَقَدْ فَطِنَ لَهُ مَنْ عَرَفَ سُنَنَ الْفِطْرَةِ مِنَ الْأُمَمِ المُرْتَقِيَةِ بِالْعِلْمِ وَالتَّرْبِيَةِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ قَيْصَرَةَ الرُّوسِيَّةِ تُرْضِعُ أَوْلَادَهَا وَتُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْمَرَاضِعَ (١).
الوجه الرابع: أهمية الرضاع في الإسلام وبيانه من الناحية الطبية .
أولًا: أهمية الرضاع في الإسلام .
لما كان الإسلام هو دين الفطرة والدين الذي ارتضاه اللَّه تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (الروم: ٣٠)، فكان أمرًا طبيعيًا أن يرشدنا هذا الدين الحنيف إلى الفطرة في كل شيء، وإِنْ كَانَتِ الْفِطْرَةُ تَقْضِي بِهِ فَدِينُنَا دِينُ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلَّمَنَا اللَّه ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ أَنَّ دِينًا أَرْشَدَ إِلَى مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ دِينُنَا مِنْ ذَلِكَ (٢)، فقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ وقال تعالى لأم موسى ﵇: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (القصص: ٧)، فجَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِإِرْضَاعِ الْأُمَّهَاتِ أَوْلَادَهُنَّ عَلَى مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ، فَأَفْضَلُ اللَّبَنِ لِلْوَلَدِ لَبَنُ أُمِّهِ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ؛ أَيْ: لِأَنَّهُ قَدْ تَكَوَّنَ مِنْ دَمِهَا فِي أَحْشَائِهَا، فَلَمَّا بَرَزَ إِلَى الْوُجُودِ تَحَوَّلَ اللَّبَنُ الَّذِي كَانَ يَتَغَذَّى مِنْهُ الرَّحِمُ إِلَى لَبَنٍ يَتَغَذَّى مِنْهُ فِي خَارِجِهِ، فَهُوَ اللَّبَنُ الَّذِي يُلَائِمُهُ وَيُنَاسِبُهُ (٣)، ولحثِّ الأمِ على إرضاع ولدها، وأن ذلك بأهمية بمكان روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ جَاءَتْه امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه طهّرني، فَقَالَ: "وَيْحَكِ ارجعي؛ فاستغفري اللَّه وتوبي إِلَيْهِ" فَقَالَتْ:
стр. 7045
أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تردّدَني كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: "وَمَا ذَاكِ؟ " قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: "آنْتِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لهَا: "حَتَّى تضَعي مَا في بَطْنِكِ". قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: "إِذَنْ لَا نَرْجُمَهَا وَنَدَع وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نبي اللَّه، قَالَ: فَرَجَمَهَا" (١).
وعن الْبَرَاء قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ" (٢). وروى مسلم أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي؛ وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي؛ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ" (٣)، وما ذلك إلا دليلٌ على أهمية الرضاعة في الإسلام.
ولاشك أن الرضاعة الطبيعية هامةٌ، ولقد دَلَّل عليها القرآن كثيرًا كما وضحنا فيما سبق وكذلك السنة، وأرشدَنا العلماء أيضًا إلى ذلك؛ فقال الرازي: تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها (٤).
فالرضاعة الطبيعية مما لاشك فيه هي الأفضل من أيِّ بدائل أخرى، فترى ما يعرف بالحلمات المطاطية، وقد حذرت دراسةٌ نُشِرَتْ مؤخرًا من احتمال إصابة الطفل بالسرطان من جرّاء ارتضاعه الحلمات المطاطية، وقد أمرت الحكومة الفِرَنسية بسحب ما يقارب ٣٠ مليون (ثلاثين مليونًا) حلمة مطاطية لاشتباه السلطان بوجود مواد كيماوية تسبب السرطان تدخل في تركيب تلك الحلمات (٥). فعظمة التشريع الإسلامي تتجلى في الاهتمام بالرضاع والحث عليه، حتى إن بعض العلماء قال: ولَبَنُ المُرْضِعِ يُؤَثِّرُ فِي جِسْمِ الطِّفْلِ وَفِي أَخْلَاقِهِ وَسَجَايَاهُ؛
стр. 7046
وَلذَلِكَ يُحْتَاطُ فِي انْتِقَاءِ الْمَرَاضِعِ، وَيُجْتَنَبُ اسْتِرْضاعُ الْمَرِيضَةِ وَالْفَاسِدَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَاب (١).
ثانيًا: الرضاع والحكمة بالحولين في الرضاعة وذلك من الناحية الطبية .
١ - الرضاع بوجه عام من الناحية الطبية:
وترى ذلك واضحًا أيضًا من الناحية الطبية وحتى نعلم أن هذه فطرة اللَّه حقًا، وأن اللَّه أنعم على الإنسان منذ الوهلة الأولى في حياته بلبن الثدي، ولقد ثبت طبيًا أن لبن الأم هو أنسب غذاء للطفل، تذكر منظمة الصحة العالمية أن عشرة ملايين طفل يتوفون سنويًا في العالم الثالث نتيجة أمراض الجهاز الهضمي والإسهال، وأغلب هذه الوفَيات ناتجةٌ عن تغذية الأطفال بالألبان المصنعة بواسطة القارورة حيث لا يتم التعقيم كما ينبغي، وتكون الكمية من اللبن مخففة بالماء وتسبب إصابة أكثر من تسعة ملايين طفل بنقصٍ شديدٍ في التغذية؛ مما يؤدي إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض، والوفَيات المبكرة؛ ولذا ترى المنظمة الصحية العالمية التي تُعنَى بشؤون الأطفال، وصحتهم مثل اليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية أن إرضاع المواليد من أمهاتهم لمدة عامين سينقذ -بإذن اللَّه- أكثر من عشرة ملايين طفل يُتوفون سنويًا بسبب الإسهال، وسوء التغذية، وأمراضٍ أخرى كثيرةٍ. وتذكر مجلة (اللانسيت) الطبية البريطانية المشهورة في افتتاحيتها ١٩٩٤ م أن الرضاعة تنقذ مليونًا من الأطفال بما توفره من تحسين جهاز المناعة، وهذا الرقم غير الملايين العديدة الذين يمكن أن تنقذهم الرضاعة، والذين يتوفون نتيجة الإسهال والأمراض المعدية الأخرى (٢).
ومن حكمة اللَّه أن تركيب هذا اللبن يتغير تدريجيًا مع نمو الطفل بصورةٍ تتوافق مع حاجة جسم الطفل في مراحل نموه المختلفة، وفي الأيام الأولى بعد الولادة يفرز الثدي
стр. 7047
لبنًا كثيفًا يسمى اللِّبَأ * (colostrum)، وهو غنيٌّ جدًّا بعناصر المناعة التي يحتاجها الطفل في مراحل نموه الأولى، حيث يكون جسمه ضعيفًا لا يقوى على مواجهة المرض (١)، ولقد أدرك الفقهاء هذه الحقيقة حتى قال العلماء: إنه لاستيفاء القصاص أو حد الرجم على امرأة حامل وقد وجب عليها الحد لا يكون حتى تضع حملها وتسقيه اللبأ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ فِي الْغَالِب (٢)، ولقد أوجب الشافعية على الأم إرضاع ولدها اللِّبَأ (٣).
٢ - الحكمة بالحولين في الرضاعة طبيًا ووجه الإعجاز في ذلك:
стр. 7048
لقد أرشدنا كتاب اللَّه على أهمية الرضاعة الطبيعية في الحولين، وحث اللَّه تعالى الأمهات على إرضاع الأبناء، وحدّد مدة الرضاع بعامين كاملين؛ لأن هذه المدة يستغني بها الطفل عن ثدي أمه، ويبدأ بالتغذي بعدها عن طريق تناول الطعام والشراب (١).
يقول اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، فهل من ذلك من حكمةٍ أو علةٍ طبيةٍ؟ ولنقرأ حول الحكمة من ذلك ووجه الإعجاز في بحث بمجلة الإعجاز العلمي جاء فيه تحت عنوان:
العلم الحديث يجلي الحكمة في الرضاعة الطبيعية حولين كاملين:
ذكر كتاب (نلسون) وهو أحد المراجع المشهورة في طب الأطفال في طبعته عام ١٩٩٤ م أن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود علاقة ارتباطية قوية بين عدد ومدة الرضاعة من ثدي الأم وبين ظهور مرض السكري من النوع الأول في عدد من الدراسات على الأطفال في كلٍّ من النرويج، والسويد، والدنمارك، وعلل الباحثون ذلك بأن لبن الأم يمد الطفل بحمايةٍ ضد عوامل بيئيةٍ تؤدي إلى تدمير خلايا (بيتا البنكرياسية) في الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي لذلك، وأن مكونات الألبان الصناعية، وأطعمة الرضع تحتوي على مواد كيميائية سامة لخلايا بيتا البنكرياسية، وأن ألبان البقر تحتوي على بروتينات يمكن أن تكون ضارة لهذه الخلايا، كما لوحظ أيضًا في بعض البلدان الأخرى أن مدة الرضاعة من الثدي تتناسب عكسيًا مع حدوث مرض السكري؛ لذلك ينصح الباحثون الآن بإطالة مدة الرضاعة من ثدي الأم للوقاية من هذا المرض الخطير وللحفاظ على صحة الأطفال في المستقبل، وبِناءً على هذه الحقائق برزت في السنوات الأخيرة نظرية مفادها أن بروتين لبن البقر يمكن أن يحدث تفاعلًا حيويًا مناعيًا يؤدي إلى تحطيم خلايا (بيتا البنكرياسية) التي تفرز الأنسولين، ويعضد هذه النظرية وجود أجسام مضادة بنسب مرتفعة لبروتين لبن البقر في مصل الأطفال المصابين بداء السكري بالمقارنة مع الأطفال غير المصابين
стр. 7049
بالمرض كمجموعة مقارنة، وفي دراسةٍ حديثةٍ منشورةٍ في مجلة السكري في (يناير ١٩٩٨ م) استخلص الباحثون أن البروتين الموجود في لبن الأبقار يعتبر عاملًا مستقلًا في إصابة بعض الأطفال بمرض السكري بغضِّ النظر عن الاستعداد الوراثي، وفي دراسةٍ حديثةٍ منشورةٍ في (فبراير ١٩٩٨ م) في جريدة المناعة أشار المؤلفون إلى أن تناول لبن البقر وبعض الألبان الصناعية كبديلٍ للبن الأم يؤدي إلى زيادة نسبة الإصابة بمرض السكّري في هؤلاء الأطفال، وقد أُجرِيَت هذه الدراسة على أطفالٍ صغار السن حتى الشهر التاسع من العمر؟ ولهذا نصح المؤلفون بإطالة مدة الرضاعة الطبيعية، وفي دراسةٍ مشابهةٍ منشورةٍ في مجلة السكري يناير ١٩٩٤ م أوضح الباحثون وجودَ ارتباطٍ قوي بين تناول منتجات الألبان الصناعية (خاصة لبن الأبقار) في السن المبكر حتى العام الأول من العمر وازدياد نسبة الإصابة بمرض السكري وفي دراسة أُجرِيَت بقسم الباطنة (سنة ١٩٩٥ م) تحت إشرافي وجدنا أن الأجسام المناعية المضادة للبن الأبقار وجدت في مصل الأطفال الذين تناولوا لبن الأبقار حتى نهاية العام الثاني، أما الأطفال الذين تناولوا لبن الأبقار بعد عامين من العمر فلم يتضح فيهم وجود هذه الأجسام المناعية؛ مما يُظهِر جليًا حكمة تحديد القرآن الكريم للرضاعة بعامين كاملين.
لكن لماذا يسبب لبن الأبقار هذا الضرر قبل العام الثاني، بينما يزول الأثر السيئ للبن الأبقار بعد هذه المدة؟
في دراسةٍ أُجرِيَتْ بفنلندا (عام ١٩٩٤ م) منشورةٍ في مجلة المناعة الذاتية يقول المؤلفون: إن بروتين لبن الأبقار يمر بحالته الطبيعية من الغشاء المبطن للجهاز الهضمي نتيجة عدم اكتمال نمو هذا الغشاء من خلال ممراتٍ موجودةٍ فيه؛ حيث إن إنزيمات الجهاز الهضمي لا تستطيع تكسير البروتين إلى أحماضٍ أمينيةٍ؛ ولذلك يدخل بروتين لبن الأبقار كبروتين مركبٍ مما يحفز على تكوين أجسام مناعية داخل جسم الطفل، وتشير المراجع الحديثة إلى أن الإنزيمات والغشاء المبطن للجهاز الهضمي وحركية هذا الجهاز وديناميكية الهضم
стр. 7050
والامتصاص - لا يكتمل عملها بصورةٍ طبيعيةٍ في الأشهر الأولى بعد الولادة وتكتمل تدريجيًا حتى نهاية العام الثاني.
ومجموع هذه الأبحاث يشير إلى أنه كلما اقتربت مدة الرضاعة الطبيعية من عامين قل تركيز الأجسام المناعية الضارة بخلايا (بيتا البنكرياسية) التي تفرز الإنسولين، وكلما بدأت الرضاعة البديلة وخاصةً لبنَ الأبقار في فترةٍ مبكرةٍ بعد الولادة ازداد تركيز الأجسام المناعية الضارة في مصل الأطفال.
وفي إشارةٍ علميةٍ دقيقةٍ أخرى للقرآن الكريم نراه يحدد مدة الرضاعة بما يقرب من الحولين، كما جاء في الآية (١٤) من سورة (لقمان): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، والآية (١٥) من سورة (الأحقاف): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، ويُفهم من هذا أن إرضاع الحولين ليس حتمًا، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه، كما أشارت الأحكام الإِسلامية الخاصة بالرضاعة إلى ذلك، اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: ٢٣٣).
يقول ابن كثير (١): أي فإن اتفق والدَا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيَا في ذلك مصلحة له وتشاورَا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أنَّ انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحدٍ منهما أن يستبدّ بذلك من غير مشاورة الآخر؛ قاله الثوري وغيره. وهذا فيه احتياطٌ للطفل، والتزامٌ للنظر في أمره، وهو من رحمة اللَّه بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه (٢).
стр. 7051
فتلك عظمة التشريع الإِسلامي وحكمته التي تتجلّى في القرآن منذ ألف وأربعمائة عامٍ مضت وجاءت الأبحاث العلمية لتوافقها، وها هي الآيات تظهر لتعلم البشرية أنه دين الحق.
الوجه الخامس: في الدليل على أن الصفات الوراثية تثبت بالرضاع كما تثبت بالولادة .
وذلك فيما يلي:
أولًا: الأجسام المناعية وانتقال الصفات الوراثية:
أثبتت الأبحاث العلمية التي أُجرِيَت حديثًا وجودَ أجسامٍ في لبن الأم المرضعة الذي يترتب على تعاطيه تكوين أجسامٍ مناعيةٍ في جسم الرضيع بعد جرعاتٍ تتراوح من ثلاث إلى خمس جرعات. . .، وهذه هي الجرعات المطلوبة لتكوين الأجسام المناعية في جسم الإنسان؛ حتى في حيوانات التجارب المولودة حديثًا، والتي لم يكتمل نمو الجهاز المناعي عندها. . .، فعندما ترضع اللبن تكتسب بعض الصفات الوراثية الخاصة بالمناعة من اللبن الذي ترضعنه، وبالتالي تكون مشابهةً لأخيها أو لأختها من الرضاع في هذه الصفات الوراثية، ولقد وُجِدَ أن تكوُّن هذه الجسيمات المناعية يمكن أن تؤديَ إلى أعراضٍ مرضيةٍ عند الإخوة في حالة الزواج. ومن هنا نجد الحكمة في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدده في تحريمه زواج الإخوة من الرضاع والذي حدد الرضعات بخمس رضعات مشبعات (١).
стр. 7052
ثانيًا: نقل الجينات من حليب الأم واختراقها لخلايا الرضيع:
وإن القرابة من الرضاعة تثبت وتنتقل في النسل، والسبب الوراثة ونقل الجينات؛ أي أن قرابة الرضاعة سببها انتقال جيناتٍ (عوامل وراثية) من حليب الأم، واختراقها لخلايا الرضيع، واندماجها مع سلسلة الجينات عند الرضيع يساعد على هذه النظرية أن حليب الأم يحتوي على أكثر من نوع للخلايا، ومعلوم أن المصدر الطبيعي للجينات البشرية هو نواة الخلايا (DNA) كما يحتمل أن الجهاز الوراثي عند الرضيع يتقبل الجينات الغريبة لأنه غير ناضجٍ، حاله حال عدة أجهزة في الجسم لا يتم نضجها إلا بعد أشهرٍ وسنواتٍ من الولادة، وإذا صح تفسير قرابة الرضاعة بهذه النظرية فإنّ لها تطبيقاتٍ في غاية الأهمية والخطورة (١).
ثالثًا: الخلايا الجذعية وعلاقتها بالرضيع:
ففي كل يوم تثبت الدراسات أن المرضعة تؤثر على الطفل الذي ترضعه وتتأثر به أيضًا، ولا ننسى أن علماء الغرب يؤكدون حتى هذه اللحظة أنهم يجهلون التركيب الدقيق لحليب الأم، ولكن هناك بحثٌ قدّمه الدكتور (Mark Cregan) عالم البيولوجيا الجزيئية من جامعة غرب استراليا، هو اكتشافٌ يُعرَض لأول مرةٍ كما يقول (فبراير ٢٠٠٨ م)، وقد أثبت من خلاله أن حليب الأم يؤثر على الطفل الذي رضع منها بشكل مذهل لم يكن معروفًا من قبل، قال في بحثه: إننا وللمرة الأولى ندرك أن حليب الأم يحوي خلايا جذعية (جنينية)، وهذه الخلايا معقدة لدرجة كبيرة لا نزال نجهلها، وهي تؤثر على الطفل الذي يرضع حليب أمه بشكلٍ كبيرٍ، إن الخلايا الجذعية الموجودة في حليب الأم تشبه بل تطابق تمامًا خلايا الجنين الذي تحمله في بطنها، أي أن الطفل الذي يرضع من ثدي امرأة غير أمِّه يكتسب خصائص تشبه خصائص إخوته، بل إن الدكتور (Mark Cegan) يقول وبالحرف الواحد: إن الخلايا الجنينية الموجودة في حليب الأم تحوي برنامجًا يؤثر على من
стр. 7053
يتناول هذا الحليب، وتساهم في بناء الإنسجة في جسده، بل وتؤثر على سلوك هذا الطفل في المستقبل ويستمر تأثيرها إلى ما بعد مرحلة البلوغ؛ ولذلك فإن اللَّه حرم علينا الأمهات اللاتي أرضعننا، يقول تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (النساء: ٢٣)، وهذا من إعجاز القرآن الكريم (١).
رابعًا: الرضاعة المحرمة والصفات الوراثية:
اكتشف العلماء فائدة الرضاعة المحرِّمة كعلاجٍ لبعض الأمراض الوراثية، وقد اكتشف الطب أنماطًا متعددةً لها؛ ومن أحد أنواعها: الأمراض أحادية التوريث (Defects Single Gene) والتي تزيد على ثلاثة آلاف مرض وراثي تنتقل من الوالدين أو أحدهما إلى الذرية عن طريق وجود عيبٍ في موروثة واحدة (Gene Abnormal) يتوارثها الأبناء عن الآباء حيث يكون جزء صغير جدًا من الصبغي (الكروموسوم) مسئولًا عن تصنيع بروتينٍ معينٍ (هرمون أو إنزيم أو غيرهما)، وبهذه الحالة يكون عدد الصبغيات (الكروموسومات) طبيعيٌّ ولا يوجد زيادةٌ أو نقصٌ فيها، ولكن يوجد نقصٌ أو تغيرٌ في نوعية هذه الموروثات تؤدى إلى حدوث هذه الأمراض التي تعد المورثة مسئولة عن تصنيعها.
وحيث إن لأغلب هذه الأمراض الوراثية توزيع جغرافي وعرقي معين، ومنها ما تكون ذات صفات متنحية (Recessive) أي أن موروث المرض مغلوبةٌ على أمرها؛ فهي لا تستطيع أن تعبر عن نفسها وتظهر المرض إلا عندما توجد مورثةٌ مماثلةٌ مقابلةٌ لها تشدّ من أزرها عند كلا الوالدين فيتفقان على إظهار المرض، وبهذه الحالة يجب أن يكون كلٌ من الوالدين إما حاملًا لموروثة المرض أو مصابًا بها، ومن أمثلة ذلك في بلادنا داء فقر الدم المنجلي (Sickle cell Anemia)، دم البحر المتوسط (Thalaaassemia)، وفي بريطانيا يمثلها داء التكيس الليفي (cystic Fibrosis).
стр. 7054
وقد توصّل الطب والعلم الحديثان من خلال استعمال التقنيات الحديثة من تشخيص هذه الأمراض الوراثية خلال الحياة الجنينية (في بطن الأم) فضلًا عن تشخيصها بعد الولادة.
وفي تشخيص حالة كهذه قبل الولادة أو بعدها مباشرةً يمكن معالجتها في نظريتنا من خلال إرضاع الطفل المصاب من مرضعةٍ أخرى من غير أقاربه (أجنبية) تملك بنيةً سليمةً وصحةً جيدةً (خالية من الأمراض الوراثية) نلحقه بها مباشرةً بعد ولادته بدلًا من أمه التي تحمل الصفات الوراثية المرضية، ولمدةٍ لا تقل عن ستة أشهرٍ حيث إن المفترض أن الحليب من المرضعة الصحيحة سيزيح، أو ينحي، أو يتغلب على الصفة الوراثية المرضية التي اكتسبها من والديه وذلك من خلال اختراقه بعض مكوناته للجهاز المناعي والوراثي للرضيع، وهو تطبيقٌ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (الطلاق: ٦) (١)؛ من أجل التوصل إلى أن إطلاق الزوائد المتشجرة لهرمون (أوكسيتوسين) يتيح زيادة التواصل بين الخلايا العصبية (٢).
فهل عرفنا الحكمة من تحريم الرضاع وجعله كالنسب بعد أن علمنا أن الصفات الوراثية تنتقل بالفعل بين المرضع والرضيع؟ وهل من بعد هذا الحق من ضلال؟ !
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣).
خامسًا: هرمون الثقة والعلاقة النفسية بين المرضعة والرضيع:
أظهر العلماء ولأول مرة كيفية نشوء ما أسموه بهرمون (الثقة) في أدمغة الأمهات المرضعات عند إرضاع صغارهن، وقال العلماء: إن الرضيع عندما يبدأ في مص الحليب من ثديي أمه تنطلق سلسلة متصلة من العمليات في دماغ الأم تؤدي إلى نشوء هرمون الثقة، وقال العلماء: إن هذا الكشف يشكل دليلًا إضافيًا على أن الرضاعة الطبيعية تعزز الرابطة بين الأم المرضعة ورضيعها من خلال عمليات كيميائية حيوية.
стр. 7055
وقال فريق العمل في جامعة ورويك الذي أنجز البحث: إن الهرمون المسمى (أوكسيتوسين) كان معروفًا أنه عند إطلاقه في الدم يسبب في انسكاب الحليب من الغدة الثديية، لكن ما لم يكن معروفًا أنه عند إطلاق الهرمون (أوكسيتوسين) في الدماغ، فإنه يساعد على تعزيز الرابطة بين الأم والرضيع من خلال الثقة التي تنشأ بين الطرفين، ويؤدي هرمون (أوكسيتوسين) أيضًا إلى حدوث انقباضاتٍ خلال أوجاع المخاض ويسبب في (انسكاب) الحليب من الغدد الثديية، وينشأ الهرمون في جزء الدماغ المسؤول عن التحكم في حرارة الجسم، والعطش، والجوع، والغضب، والتعب.
وخلص فريق البحث إلى أن الهرمون المذكور يفرز مشاعر ثقة الرضيع في أمه واتّكاله عليها، إضافةً إلى تقليص خوفه من العالم الجديد الذي وقد إليه.
فالجنين منذ أن يكون في بطن أمه يعود نفسه على مص أصابعه استعدادًا ليرضع من ثدي أمه بعد الولادة مباشرة، وتؤكد الدراسة المنشورة في مجلة ((Computational Plos)) إلى أن الرضيع عندما يرضع من ثديي أمه فإن خلايا عصبيةً خاصةً في دماغ الأم المرضعة تبدأ في إطلاق هرمون الثقة، لكن فريق البحث فوجئ بأن هرمون (أوكسيتوسين) يُطلَق أيضًا من جزء الخلية المسماة الزوائد المتشجرة والتي عادةً ما تكون هي نفسها جزء الخلية العصبية الذي يتلقى المعلومات وليس الذي يرسلها، وقد اعتمد العلماء على عملياتٍ حسابيةٍ دقيقةٍ.
* * *
стр. 7056
٩ - شبهة: أمم أمثالكم .
نص الشبهة:
جاء في القرآن: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، هل الحيوانات أمم أمثالنا؟ !
١ - القرآن لم يحدد أوجه الشبه بين الإنسان والحيوان، فإن كان يقصد الشبه في كل شيء فهذا مستحيل وغير ممكن؛ لأنه ظاهر للعيان أن الحيوان مختلف عن الإنسان، أما إذا كان المقصود هو بعض أوجه الشبه فَرَدُّنا سيكون بحسب هذه الأوجه:
أ- في العلاقات: نختلف تمامًا عن الحيوان في نوعية العلاقة، فالعديد من الحيوانات تعيش فوضى دون ضوابط معينة؛ فالابن يطأ أمه، والأب يطأ ابنته، وغير ذلك مما نعرفه جميعًا، وهذا دليل على انعدام الضابط الأخلاقي، وتحكم الغريزة في الحيوان، وهناك أيضًا علاقات سلطوية تضبطنا جميعا كالرئيس والمرؤوس، أما أكثرية الحيوانات إن لم نقل كلها فإنها تعيش دون نظامًا معينًا (الأقوى هو الذي يربح ويتسلط على الآخرين دائمًا).
ب- في العقل: فإننا لم نتأكد بعد أن الحيوان يستخدم عقله في تصرفاته بل ظاهريًا يبدو العكس؛ بحيث نرى أن الحيوان يسير بحسب غرائزه، والدليل الأقوى في هذا الباب هو أن الحيوان منذ تواجده على الأرض لم يحقق أي تقدم أو رقي، ونحن نعلم أن مَنْ يستخدم عقله لا بد وأن يتطور مع مرور الزمن وهذا ما حدث مع الإنسان الذي استطاع في وقت وجيز أن يحقق تقدمًا مدهشًا وهائلًا، وبالتالي نخلص إلى القول بأن الحيوان لا يشبه الإنسان أبدًا في عقله.
ج- في الغرائز الطبيعية: قد يبدو لأول وهلة أن الإنسان يشبه الحيوان في وظائف الأكل، والشرب، والشم، والسمع، والكلام (على نحو ما) والسير، . . . إلخ، لكن هذا أيضًا ليس مطلقًا بل ينحصر في أشياء قليلة، فمثلًا طريقة التوالد تختلف عن الإنسان عند الحيوانات التي تبيض، والحيونات العمياء التي تعتمد في طبيعتها على الإحساس وأخرى تطير وغيرها يقفز، إلى غير ذلك مما يعلمه العامة من الناس حتى إن كان الشبه موجودًا من هذه الناحية فإنه ليس بالإعجاز لأنه ظاهر بمجرد الملاحظة! !
стр. 7057
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: معنى كلمة: (أمة) لغةً.
الوجه الثاني: معنى: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ لغةً.
الوجه الثالث: مفهوم ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في القرآن والسنة.
الوجه الرابع: النظرة العلمية لمفهوم الأممية عند الحيوان والطير وغيرهم، (أو التطبيق العلمي لمعرفة معنى كلمة: (الأمة)).
الوجه الخامس: هذه الشبهة ذُكرت في كتب التفسير وتم الرد عليها قديمًا.
الوجه السادس: النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذواتها في الأعراض.
الوجه السابع: هذه الآية لا تتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بل هناك علاقة بينهما.
الوجه الثامن: هذه الآية يفسرها قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وكذلك الآيات التي توضح تدبير اللَّه لأمر الإنسان والحيوان جميعًا.
الوجه التاسع: إجماع العقلاء أن من البشر من قد تدنى في أخلاقه حتى إنه ليشبه في تصرفاته تصرفات بعض الحيوانات، بل قد يكون الحيوان أفضل منه في تلك الحالة، وليس معنى ذلك أنه قد أشبهت خلقته خلقة الحيوان.
الوجه العاشر: معنى الآية: أن اللَّه كما سيسألكم ويحاسبكم عما كنتم تفعلون فكذلك سيحاسب هذه الحيوانات؛ فهم أمم أمثالكم في الحساب والبعث والحشر يوم القيامة.
الوجه الحادي عشر: هذه الآية رد على من ينكر أن الحيوانات والطيور لها أرواح مثلنا.
الوجه الثاني عشر: أي: كما خلقكم لحكمة العبادة خلقهم لحكمة التسخير، فالتماثل هو تماثل في كون كلٌ له حكمة من خلقه، وفي ذلك كله لم يخلقكم ولم يخلقهم سدى.
الوجه الثالث عشر: الآية تشير إلى علم الأحياء، وأن هناك علاقة بين الكائنات الحية لا يمكن أن ينكرها عاقل.
стр. 7058
الوجه الرابع عشر: المقصود من الآية: أن اللَّه ينبه الإنسان في هذه الآية إلى أهمية التدبر في المخلوقات، وليس المقصود بالآية أن الإنسان مثل الحيوان سلوكًا.
الوجه الخامس عشر: الآية تشير إلى عبودية الكائنات للَّه .
الوجه السادس عشر: الكتاب المقدس يشير إلى أن الحيوان والطير يعبدون اللَّه.
الوجه السابع عشر: الآية تفيد أن الإنسان والحيوان والطير جميعًا أدلة على وجود اللَّه.
الوجه الثامن عشر: معنى الآية: أن لكل من الحيوان والطير لغة يتصل بها بغيره كما أن لكم لغات وألسنة تتحدثون بها:
الوجه التاسع عشر: الرد على من يقول: إن الممارسة الجنسية عند الحيوان ما هي إلا ممارسة همجية.
الوجه االعشرون: الأخلاقيات الكريمة لدى الطيور والحيوانات.
الوجه الحادي والعشرون: الإنسان يتعلم من الحيوانات، فلماذا لا نعترف أن للحيوان قيمة وقدرًا؟ !
الوجه الثاني والعشرون: بعض الطيور تقلد أصوات البشر.
الوجه الثالث والعشرون: بعض الحيوانات تسبق الإنسان في معرفة بعض الأحداث والمعلومات.
الوجه الرابع والعشرون: هم يفهمون خطأً من هذه الآية أن الإنسان يشبه الحيوانات، وسنرد على ذلك، ولكن بالنظر في الكتاب المقدس نجد أن اللَّه يُشبّه بالحيوانات.
الوجه الخامس والعشرون: الكتاب المقدس يشير إلى تشبيه بعض البشر ببعض الصفات الحيوانية.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: معنى كلمة: (أمة) لغةً .
أما معنى: (الأمة) في معاجم اللغة فقد وردت لها معان مختلفة:
١ - منها أن كل قوم في دينهم من أمتهم؛ قال تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، وقال ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: دين واحد.
٢ - كل من مات على دين واحد مخالفًا لسائر الأديان فهو أمة على حدة كما كان
стр. 7059
إبراهيم ﵇ أمة.
٣ - وكل قوم نسبوا إلى نبي وأضيفوا إليه فهم أمة وقد يجيء في بعض الكلام أن أمة محمد ﷺ هم المسلمون خاصة، وجاء أيضًا أن أمته مَنْ أُرسل إليه ممن آمن به أو كفر به فهم أمته في اسم الأمة لا الملة.
٤ - كل جيل وكل جنس من السباع والحيوان أمة كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وتأتي الأمة بمعنى: الجماعة، والطريقة، والدين (١).
قال ابن القيم: كل جنس من أجناس الحيوان يسمى: أمة. . . وفي حديث النبي الذي قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأُحرقت فأوحى اللَّه إليه: من أجل أن قرصتك نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح اللَّه (٢).
الوجه الثاني: معنى: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ لغةً:
قال ابن منظور: وإِذا قيل: هو مِثْلُه في كذا فهو مُساوٍ له في جهةٍ دون جهةٍ (٣).
قال العسكري: [الفرق بين المِثل والمَثَل]: المِثلان: ما تكافآ في الذات، والمَثَل بالتحريك: الصفة، قال اللَّه تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (الرعد: ٣٥) أي: صفة الجنة. وقولك: ضربت لفلان مثلًا؛ معناه: أنك وصفت له شيئًا، وقولك: مِثل هذا كمثل هذا؛ أي: صفته كصفته وقال اللَّه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: ٥) وحاملوا التوراة لا يماثلون الحمار، ولكن جَمَعَهم وإياه صفة فاشتركوا فيها (٤).
قال الشوكاني: الأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنًا ما كان (٥).
стр. 7060
قلت: ومن معاني المثلية أيضًا: التشابه في بعض الصفات؛ يقول ابن كثير عند قول اللَّه تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم اللَّه متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدًا (١).
أي: فيما يستقبل، والمثلية هنا هي تلقى الإفك الذي روي عن أم المؤمنين بالألسنة والأفواه، وهذا شيء ليس لهم به علم.
فالمماثلة ليست في جميع الصفات، ولكن هذا إلزام شبه بحكم ظاهر من المماثلة، فالمماثلة هنا تشابه، والتشابه هو أقل درجات المثلية.
الوجه الثالث: مفهوم ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في القرآن والسنة:
القرآن:
قال ابن منظور: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قال أَبو إِسحق: إِن قال قائل: وهل للإِيمان مِثْل هو غير الإِيمان؟ قيل له: المعنى واضح بيِّن، وتأْويلُه: إِن أَتَوْا بتصديقٍ مِثْلِ تصديقكم في إِيمانكم بالأَنبياء وبتوحيد كتوحيدكم، فقد اهتدوا أَي: قد صاروا مسلمين مثلكم. . . قال محمد بن سلام: ومثل ذلك قوله: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ أَي: صِفَتُهم. . . أَي: ذلك صفةُ محمدٍ ﷺ وأَصحابِه في التوراة، ثم أَعلمهم أَن صفتهم في الإِنجيل كَزَرْعٍ. . . ويقال: مَثَلُ زيد مثَلُ فلان؛ إِنما المَثَل مأْخوذ من المِثال، والحَذْوِ، والصفةُ تَحْلِية ونعتٌ. . . وقد يكون المَثَلُ بمعنى: العِبْرةِ؛ ومنه قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. . ويكون المَثَلُ بمعنى: الآيةِ قال اللَّه في صفة عيسى ﵇ على نبينا ﷺ : ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَي: آيةً تدلُّ على نُبُوّتِه (٢).
قال الطحاوي: فأخبر أنهم أمم أمثالنا, ولم يرد بذلك أنهم أمثالنا في الخلقة التي نتباين نحن وهم فيها, ولا أنهم مثلنا في أنا متعبدون بما أتانا اللَّه فيما نعبد بأنه مما لم
стр. 7061
يتعبدهم به، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يعني: مثل السماوات؛ ليس يعني بذلك فيما خلقهن عليه، ولكنه على أن لهن من العدد مثل ما للسماوات من العدد (١).
السنة والآثار:
١ - قال ابن منظور: وفي حديث المِقْداد أَن رسول اللَّه ﷺ قال: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتاب ومِثْلَه معه". قال ابن الأَثير: يحتمل وجهين من التأْويل؛ أَحدهما: أَنه أُوتِيَ من الوَحْي الباطِن غيرِ المَتْلُوِّ مثل ما أُعطيَ من الظاهر المَتْلُوِّ. والثاني: أَنه أُوتي الكتابَ وَحْيًا وأُوتي من البَيان مثلَه؛ أَي: أُذِنَ له أَن يبيِّن ما في الكتاب، فيَعُمَّ ويَخُصَّ، ويَزيد وينقُص، فيكون في وُجوب العَمَل به ولزوم قبوله كالظاهِر المَتْلوِّ من القرآن، وفي حديث المِقْدادِ قال له رسول اللَّه ﷺ : "إِن قَتَلْتَه كنتَ مِثْلَه قبلَ أَن يقولَ كلمته" أَي: تكون من أَهل النار إِذا قتلتَه بعد أَن أَسْلَمَ وتلفَّظ بالشهادة، كما كان هو قبل التلفُّظ بالكلمة من أَهل النار؛ لا أَنه يصير كافرًا بقتله، وقيل: إِنك مِثْله في إِباحة الدَّمِ؛ لأَن الكافرَ قبل أَن يُسْلِم مُباحُ الدم فإِن قتله أَحد بعد أَن أَسلم كان مُباحَ الدم بحقِّ القِصاصِ، ومنه حديث صاحب النِّسْعةِ: "إِن قَتَلْتَه كنتَ مِثْلَه". قال ابن الأَثير: جاء في رواية أَبي هريرة أَنَّ الرجلَ قال: (واللَّه ما أَردت قَتْله) فمعناه: أَنه قد ثَبت قَتْلُه إِياه، وأَنه ظالم له فإِن صَدَقَ هو في قوله: إِنه لم يرِد قَتْله ثم قَتَلْتَه قِصاصًا كنتَ ظالمًا مثلَه؛ لأَنه يكون قد قتلَه خطًا، وفي حديث الزكاة: (أَمَّا العبَّاس فإِنها عليه ومثلُها مَعها)، قيل: إِنه كان أَخَّرَ الصَّدَقة عنه عامَيْن؛ فلذلك قال: ومثلُها معها، وتأْخير الصدقةِ جائز للإِمام إِذا كان بصاحبها حاجةٌ إِليها، وفي رواية قال: (فإِنها عَليَّ ومثلُها معها) قيل: إِنه كان اسْتَسْلَف منه صدقةَ عامين؛ فلذلك قال عَليَّ، وفي حديث السَّرِقة: (فعَلَيْه غَرامةُ مِثْلَيْه) هذا على سبيل الوَعِيدِ والتغليظِ لا الوُجوبِ ليَنْتَهِيَ فاعِلُه عنه، وإِلّا فلا واجبَ على متلِف الشيء أَكثر من مِثْلِه، وقيل: كان في صدْر الإِسلام تَقَعُ
стр. 7062
العُقوباتُ في الأَموال ثم نسِخ، وكذلك قوله في ضالَّة الإِبِلِ: غَرامَتُها ومثلُها معها (١).
٢ - قال الطحاوي: قول أبي هريرة: (يُغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب) ليس على أنه مغسول من الهر سبعًا كما يكون مغسولًا من الكلب سبعًا, ولكنه مغسول كما الكلب مغسول منها وإن اختلفا في العدد (٢).
٣ - وَقَالَ ابن حجر: لَفْظُ الْمِثْلِ لَهُ اسْتِعْمَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِفْرَادُ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾، وَالْآخَرُ الْمُطَابَقَةُ كَقَوْلِهِ تعالى ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ أَبْنِيَةً مُتَعَدِّدَةً فَيَحْصُلُ جَوَابُ مَنْ اسْتَشْكَلَ التَّقَيُّدَ بِقَوْلِهِ: مِثْلَهُ مَعَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِاحْتِمَالِهَا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بَنَى اللَّه لَهُ عَشَرَةَ أَبْنِيَةٍ مِثْلَهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ ثَوَابَ الْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ بِحُكْمِ الْعَدْلِ وَالزِّيَادَةُ بِحُكْمِ الْفَضْلِ، وَمنْ الْأَجْوِبَةِ المُرْضِيَةِ: أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ هَاهُنَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ وَالزِّيَادَةَ حَاصِلَةٌ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةٍ بَلْ مِنْ مِائَةٍ، أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمِثْلِيَّةِ أَنَّ جَزَاءَ هَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسَعَةِ الْجَنَّةِ، إِذْ مَوْضِعُ شِبْرٍ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهِمَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بِلَفْظِ بَنَى اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ: أَوْسَعَ مِنْهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا المُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (٣).
قلت: فمن ذلك يتضح لنا أمران في قوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾:
١ - المثلية ليست على ظاهرها.
٢ - المثلية في مسمى كلمة أمم: أي كما أن لكم أعدادًا كبيرة وشعوبًا فهم كذلك، ولكن الاختلاف في الذات والصفات.
стр. 7063
الوجه الرابع: النظرة العلمية لمفهوم الأممية عند الحيوان والطير وغيرهم، أو التطبيق العلمي لمعرفة معنى كلمة: (الأمة) .
فمعنى كلمة: (الأمة) علميًا: أنه كما أننا نحن البشر أعدادنا كثيرة مؤلفة من قبائل، وعشائر، وشعوب، وعائلات، وكذلك أنواعنا: من أبيض، وأسمر، وأصفر، وغير ذلك - فكذلك الحيوانات والطيور.
قال ابن جماعة: فكل الأحياء من حشرات، وزواحف، وفقاريات، ومن طائر يطير بجناحيه في الهواء، ومن حيوان مائي، وبرمائي، وبري، وجبلي، ما من مخلوق من هذه المخلوقات إلا وهي تنتظم في أمة ذات خصائص واحدة وطريقة في الحياة واحدة؛ خلقت مفطورة على اتجاه معين في الحياة، ونظمت خلايا تكوينها على شكل لا يمكن أن يخرج بسببها حيوان من فطرته ونظامه، ولا نبات عن جنسه، وما أودع اللَّه تعالى فيه فلن ينقلب كما لم يحصل قط القط إلى كلب، ولا السمك إلى حيوان بري، ولا الثوم بصلًا, ولا البصر كراثًا (١).
النظرة العلمية: لقد اكتشف علماء الحيوان الذين يدرسون حياته الاجتماعية سواء منها ما تسعى في الأرض، أو تطير في السماء، أو تسبح في الماء؛ أنما هي شعوب، وقبائل، وأمم تربطها صلات وعلاقات وثيقة، فهي لا تختلف في أسلوب حياتها ونشاطها عن أمم البشر الذين يعمرون الأرض، وقد ألف علماء علم الأحياء مؤلفات كثيرة تبين نتائج ما وصلوا إليه من معلومات وحقائق عن نظام كل نوع من الحيوان والحشرات في حالة السلم والحرب، وفي السعي لطب الغذاء، وفي رعاية الصغار والضعفاء, وما تلجأ إليه من حيل في التغلب على ما يواجهها من مصاعب وأخطار، وفي انقيادها لما هيأه لها الخالق العظيم من أعمال تتلاءم مع بيئتها وبنيتها، والأهداف التي خلقت لها، ويقول في سورة النحل (آية: ٦ - ٩) تبيانًا لذلك: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ
стр. 7064
أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (١).
قال السيد سلامة السقا: أكثر من مليون نوع من الحيوان استطاع الإنسان أن يتعرف عليها, ولا يعرف أعداد كل نوع إلا اللَّه : ٦٠٠٠ نوع من الزواحف، و ٨٠٠٠٠٠ نوع من المفصليات؛ منها حوالي ٧٠٠٠٠٠ نوع من الحشرات، وأكثر من ١٠٠٠٠٠ نوع من الرخويات، وأكثر من ٩٠٠٠ نوع من الطيور، وآلاف وآلاف لا يعلمها إلا اللَّه تسكن في الأرض وتنتشر في جنباتها وتغوص في أعماقها ومائها ويحملُها هواؤها. . . إلخ (٢).
قلت: ألا تدلنا هذه الأرقام على أممية الحيوانات كما أخبرنا اللَّه !
قال الأستاذ محمد محمد معافي علي المهدلي:
أخبرنا اللَّه في الآية التي نحن بصددها أن عالم الدواب والطيور أمم شتى، وأنواع متعددة، وأصناف مختلفة، وأجناس، وألوان عدة، وهذا ما تضمنه قوله : ﴿أُمَمٌ﴾ وهذا ما يؤكده علم الحيوان اليوم، فالباحثون يؤكدون أن عالم الحيوان أشبه بالمدن الهائلة والشعوب المتعددة الأعراف، والأعراق، واللغات، والعادات، والأجناس التي لا حصر لها ويعجز العقل عن تصور أعدادها الهائلة والضخمة، وأنسب وصف لهذه الكائنات ذوات الأعداد الهائلة هو مصطلح: (الأمم) كما وصفها القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ونضرب لهذه الأعداد الضخمة والهائلة بعض الأمثلة:
١ - الطيور: تعد الطيور الجاثمة أكثر من ٥٠٠٠ نوع وكل نوع من هذه الطيور هو أيضًا أنواع عدة؛ فمثلًا طيور الفران الأمريكية الإستوائية حوالي ٢٢١ نوع صغيرة الحجم
стр. 7065
نوعًا ما، وذوات عادات متنوعة جدًا. وهناك ٢٢٣ نوع من الطيور النملية، والدج النملي، والبيتا النملية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطيور الفران الأمريكية الجنوبية والوسطى. . . وتبلغ أنواع طيور النورس أكثر من ٩٠ نوع. أما أنواع الحمام واليمام فهنالك حوالي ٢٩٠ نوع منها موزعة في أرجاء العالم. ويبلغ أنواع الببغاوات أكثر من ٥٠٠ نوع.
٢ - الحيوانات: وفي عالم القرود تبلغ مثلًا قرود العالم القديم أكثر من ٦٠ نوع، ومن عجائبها أن لها ٣٢ سنًا كالإنسان.
الزواحف: وبالنظر إلى الزواحف نجدها أعدادًا هائلة جدًا، وأنواعًا لا حصر لها، كما تشتمل مجموعة السلحفيات على السلاحف والحمسات -وهي سلحفة المياه العذبة- فتضم حوالي ١٠٠ نوع وتبلغ أنواع السحالي العملاقة أكثر من ٧٠٠ نوع في مناطق العالم الجديد.
٣ - وتقول بعض المصادر العلمية أن عدد أنواع الثعابين الحالية أكثر من ٢٧٠٠ نوع ثلثها فقط سام.
٤ - وأما الثدييات عمومًا فتضم أكثر من ٤٢٠٠ نوع.
٥ - وبالجملة يعتقد العلماء بإمكانية وجود أكثر من عشرة ملايين نوع أو جنس من الحيوانات في العالم، ولكن قد تكون هناك أنواع أكثر بكثير بانتظار اكتشافها (١).
النشأة الأممية:
قلت: فالآية تثبت أن المخلوقات أنشأها اللَّه ﵎ نشأةً أمميةً، وهذا دلت عليه النصوص المتقدمة، ومعنى الأممية فيها معان منها: التناكح، والتناسل، وطلب المعاش، والخوف من المهالك، وغيرها.
الوجه الخامس: هذه الشبهة ذكرت في كتب التفسير وتم الرد عليها قديمًا .
١ - وإليك الدليل على أن شبهاتهم في القرآن إنما هي مجمعة من كتب التفسير، فلو أن كل مسلم اطلع على تفسير القرآن وأقوال العلماء ما كان الأمر به صعوبة كما يواجهون هم
стр. 7066
صعوبة بالغة للرد على الأخطاء المذكورة في الكتاب المقدس؛ مما يضطرهم إلى تأويلات فاسدة لتخرجهم من هذا المأزق.
قال الخازن: فإن قلت: ثبت بالآية والحديث أن الدواب والطير أمم أمثالنا، وهذه المماثلة لم تحصل من كل الوجوه فيما يظهر لنا فما وجه هذه المماثلة؟
قلت: اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقيل: إن هذه الحيوانات تعرف اللَّه، وتوحده، وتسبّحه، وتصلي له؛ كما أنكم تعرفون اللَّه، وتوحدونه، وتسبحونه، وتصلّون له.
وقيل: إنها مخلوقة للَّه كما أنكم مخلوقون للَّه .
وقيل: إنها يفهم بعضها عن بعض، ويألف بعضها بعضًا كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضًا، ويفهم بعضهم عن بعض.
وقيل: أمثالكم في طلب الرزق، وتوقي المهالك ومعرفة الذكر والأنثى (١).
٢ - وهذا الرد (أي: للخازن) هو رد مجمل به تفصيلات كثيرة هامة للرد، فكان العلماء المتقدمون يردون على الشبهة برد مجمل؛ لأنهم ينظرون إلى أن هذه الشبهات من المفترض ألّا تَرِد من إنسان عنده علم باللغة العربية، فعندما انتشرت العُجْمة قَلّ فَهم الناس للقرآن، فاضطر العلماء المعاصرون أن يتوسعوا في الرد، فلا تتعجب من أن هناك ردود علمية فلكية أو ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن.
٣ - وللرد على تلك الشبهة لا بد من معرفة:
١ - أقوال اللغويين والمفسرين والعلماء في الآية.
٢ - المراد بالمثلية في الآية.
٣ - فهم الأممية لدى الحيوانات.
٤ - معرفة مفهوم العبودية لدى الكائنات.
٥ - توضيح الجوانب العلمية التي اكتشفها العلم الحديث في التماثل بين الإنسان
стр. 7067
وسائر الكائنات على وجه الأرض (السلوكيات والأخلاق).
وبعد توضيح ذلك فإن العلماء يعترفون كما أن هناك أوجها للمماثلة فإن هناك أوجها للمفارقة.
قال ابن عاشور: وليست المماثلة براجعة إلى جميع الصفات؛ فإنّها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة المكتسبة من الفكر الذي اختصَّ به الإنسان، ولذلك لا يصحّ أن يكون لغير الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهنّ (١).
الوجه السادس: النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذواتها في الأعراض .
قال ابن حزم: وما اختلفت قط اللغات والطبائع والأمم في أن النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذوابها في الأعراض، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فليت شعري هل قال ذو مسكة من عقل: أن الحمير، والكلاب، والخنافس تنوب منابنا أو تسدنا، وقال تعالى حاكيًا عن الأنبياء ﵈ أنهم قالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فهل قال قط مسلم: إن الكفار ينوبون عن الأنبياء ويسدون مسدهم، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ فهل قال ذو مسكة من عقل: إن الياقوت ينوب مناب الحور العين ويسد مسدهن، ومثل هذا في القرآن كثير جدًا وفي كلام كل أمة. . .
وحقيقة التماثل والتشابه هو أن كل جسمين اشتبها فإنما يشتبهان بصفة محمولة فيهما وكل عرضين فإنما يشتبهان بوقوعهما تحت نوع واحد كالحمرة والخضرة، وهذا أمر يدرك بالعيان، وأول الحس، والعقل (٢).
قلت: فلا ضير أن نقول: زيد كالأسد؛ فإن هذا لوجود علاقة بين المشبَّه والمشبه به وهي الشجاعة، فإن هذا مما اتفقت عليه اللغات، وانظر إلى التشبيه في كتب البلاغة العربية
стр. 7068
المتقدمة، ويحرم علينا أن نقول: اللَّه كالأسد؛ فليس هناك أي علاقة تشابة في الصفات بين اللَّه وبين مخلوقاته، وقد يكون هناك تشابه في الأسماء ولكن الاسم غير المسمى.
قال محمد محمد معافي المهدلي:
يمكننا مما سبق من كلام علماء اللغة والتفسير في المراد بالتماثل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وبجمع أقوالهم في الآية يتبين لنا أن المراد بالتماثل بين الدواب والإنسان إنما هو في بعض الجوانب وليس المراد هو التماثل التام من كل وجه؛ إذ لو وقع هذا لكان الإنسان حيوانًا كسائر الحيوانات، وهو محال عقلًا وشرعًا. أما عقلًا فمعلوم وأما شرعًا فإن اللَّه قد كرم بني آدم على سائر الكائنات وفضلهم على كثير من خلقه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠).
ولو قلنا بالتماثل من كل وجه لقلنا برفع التكليف عن بني آدم شأنهم في ذلك شأن البهائم والدواب؛ وهو محال شرعًا، وإنما المراد -واللَّه أعلم- هو التماثل والتشابه السلوكي، والخلقي، والطبعي كما قال الإمام الخطابي، والقرطبي، والشوكاني، وغيرهم. . . فسمى النبي ﷺ الكلاب أمة من الأمم أي: في الخلق، والتدبير، والأفعال، والأعمال، والسلوكيات، ومحال تماثل الكلب لكل الأمم من كل الوجوه (١).
الوجه السابع: هذه الآية لا تتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بل هناك علاقة بينهما .
وتتضح العلاقة بأن اللَّه كما خلقكم فخلقهم، وكما أكرمكم فأكرِموهم، فاللَّه كرم بني آدم وفضله على الحيوانات، ولكن ليس معنى ذلك أنه يسطو عليهم، والأدلة في القرآن والسنة على ذلك كثيرة، فقد دخلت امرأة النار في قطة حبستها (٢)، ودخلت امرأة الجنة في
стр. 7069
كلب سَقَته.
١ - قال القرطبي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: هم جماعات مثلكم في أن اللَّه خلقهم وتكفل بأرزاقهم وعدل عليهم؛ فلا ينبغي أن تظلموهم ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به (١).
قال الماوردي: أنها مخلوقة لا تُظْلَم، ومرزوقة لا تُحْرَم (٢).
الوجه الثامن: هذه الآية يفسرها قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وكذلك الآيات التي توضح تدبير اللَّه لأمر الإنسان والحيوان جميعًا .
١ - فمعنى الآية: أي: أمم مثلكم في تدبير شئون حياتهم حتى يكفل لهم البقاء، نعم حياة الإنسان المعيشية تختلف عن حياة الحيوان، ولكن لا ننسى أن من الناس حتى يومنا هذا يعيشون في الغابات، وأن حياتهم بدائية في المطعم، والمسكن، والملبس؛ فهذا دليل على أن البشر أنفسهم يختلفون في شئون تدبير حياتهم، فهذا اختلاف بينهم وبين بعضهم، فلماذا ننكر الاختلاف بينهم وبين الحيوانات في تدبير شئون الحياة؟
* الرزق:
قال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء، وابتغاء الرزق، وتوقي المهالك (٣).
قال القرطبي: أي: محتاجة إلى اللَّه مرزوقة من جهته كما أن رزقكم على اللَّه (٤).
قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها، بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض؟ وأين تأوي إليه من وكرها؟ وهو مستودعها (٥).
стр. 7070
* التدبير:
قال الزمخشري: فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه وسعة سلطانه، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف؛ وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان (١).
قال البيضاوي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته، وشمول علمه، وسعة تدبيره؛ ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية (٢).
الوجه التاسع: إجماع العقلاء أن من البشر من قد تدنى في أخلاقه حتى إنه ليشبه في تصرفاته تصرفات بعض الحيوانات، بل قد يكون الحيوان أفضل منه في تلك الحالة، وليس معنى ذلك أنه قد أشبهت خلقته خلقة الحيوان .
قال ابن القيم: وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر اللَّه عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنعٌ من جهة الخلقة والصورة، وعدمٌ من جهة النطق والمعرفة؛ فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق (٣).
وقال أيضًا: من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمًى أصمَ أبكمَ، ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه؛ فيخسف به إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر؛ وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالًا حول السفليات، والقاذورات، والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه اللَّه وقربه إليه لا يزال جوالًا حول البر، والخير، ومعالي الأمور، والأعمال، والأقوال، والأخلاق. قال بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة؛ فمنها ما
стр. 7071
يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحشر، ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة؛ فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على خلق كلب، أو حمار، أو حية، أو عقرب، وغير ذلك، وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب، وأخلاق الخنازير، وأخلاق الحمير، ومنهم من يتطوس في ثيابه لحمًا بتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي يروغ كروغانها، وقد شبه اللَّه تعالى أهل الجهل والغي بالحُمُر تارة، وبالكلب تارة، وبالأنعام تارة، وتقوى هذه المشابهة باطنًا حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورًا خفيًا يراه المتفرسون، ويظهر في الأعمال ظهورًا يراه كل أحد، ولا يزال يقوى حتى تعلو الصورة فنقلب له الصورة بإذن اللَّه وهو المسخ التام؛ فيقلب اللَّه الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة ويمسخ قردة وخنازير، فسبحان اللَّه! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر! وقلب ممسوخ! وقلب مخسوف به! وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر اللَّه عليه ومستدرج بنعم اللَّه عليه! وكل هذه عقوبات وإهانة ويظن الجاهل أنها كرامة (١).
ثم علق ابن القيم قائلًا: واللَّه سبحان قد جعل بعض الدواب كسوبًا محتالًا، وبعضها متوكلًا غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمر مقطوعًا، وبعضها لا يعرف ولده البتة،
стр. 7072
وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضيع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها يدخر، وبعضها لا تكسب له، وبعض المذكور يعول ولده، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وجعل بعض الحيوانات يُتمها من قبل أمهاتها، وبعضها يُتمها من قبل آبائها، وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئ، وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمه من جنسه لم يدع أحدًا يدنوا منه، وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار منه، وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين، وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضهم حقود لا ينسَ الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة، وبعضها لا يغضب، وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح سواءٌ عنده، وبعضها يقبل التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال (١).
وفي المستطرف: فأثبت اللَّه المماثلة بيننا وبين البهائم وذلك إنما هو في الأخلاق خاصة؛ فليس أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة. . . وعلى هذا النمط فليحترز العاقل من صحبة الأشرار، وأهل الغدر، ومَنْ لا وفاء لهم؛ فإنه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه وبدنه (٢).
قلت: فمن ينظر للصراع بين البشر على الدنيا، وما يحدث بينهم من قتل وتشريد وتعذيب يرى أن مبدأ البقاء للأقوى قد أصبح شعارًا لكثير من الناس حتى ولو لم يتكلموا به, ومن قبل كان منا من يظن أن هذا المبدأ مطبق في عالم الحيوان، فالآن أصبح واقعًا في عالم الإنسان.
стр. 7073
الوجه العاشر: معنى الآية: أن اللَّه كما سيسألكم ويحاسبكم عما كنتم تفعلون فكذلك سيحاسب هذه الحيوانات؛ فهم أمم أمثالكم في الحساب والبعث والحشر يوم القيامة .
١ - الحشر:
قال الشنقيطي: قد دلَّت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق كقوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات (١).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول اللَّه، فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها؛ ومن حقها حلبها يوم وردها؛ إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أو فر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافا وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".
قيل: يا رسول اللَّه، فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بقر ولا غنم يؤدي منها حقها؛ إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئًا؛ ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولادها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (٢).
стр. 7074
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى إِنَّ الذُّبَابَ لَتُحْشَرُ) (١).
٢ - الحساب:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (يقضي اللَّه بين خلقه الجن، والإنس، والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال اللَّه: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٢).
فبالرغم من أن الحيوان ليس له عقل مثل الإنسان إلا أن الحيوان له إرادة وفعل يحاسب عليه، فإن اللَّه لا يظلم شيئًا، فلا يستوي الحيوان الذي يقتل ويفسد مع الحيوان الذي فيه سكينة ولطف ولا يؤذي غيره من الحيوانات، ولكن أمر الحساب الذي يكون للإنسان يختلف عما يكون للحيوان، فهما يشتركان في لفظ الحساب ولا يشتركان في كيفية الحساب.
وقال الطبري: جعلها اللَّه أجناسًا مجنسة وأصنافًا مصنفة تعرف كما تعرفون وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب (٣).
قلت: وليس معنى ذلك أن الحيوان إذا كان يجري فاصطدم بإنسان أننا نأخذ من الحيوان الدية، ولكن المقصود أنه هناك من الحيوانات والطيور من يكون فاسقًا مفسدًا يشبه الإنسان الفاسق مثل: الفأرة، والغراب، فكأن حُب الإفساد هدف يسعى لتحقيقه، ومن يطلع على سلوك الحيوانات والطيور يرى ذلك واضحًا، فهل من يحب الخير ويساعد فيه كمن يحب الشر ويسعى لتحقيقه؟ ! فهذا الدلفين ينقذ الإنسان إذا غرق، وهذا أبو قردان يساعد الفلاح في حقله، وأشد ما يكرهه الفلاح الغراب والحدأة لما يحدثان من أضرار؛ فالغراب يوقع الثمار من على الشجر فلا هو يأكل الثمرة ولا هو يتركها.
стр. 7075
فعن عائشة قالت قال رسول اللَّه ﷺ : "خمس من الدواب كلها فواسق تقتل في الحرم: الغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة" (١).
قال بعض علماء النصارى: أما الحيوان الجاني فلا بدَّ من عقابه (تكوين ٩: ٥، لاويين ٢٠: ١٥ - ١٦)، وفي بعض الأحيان، يصل العقاب إلى الرجم (خروج ٢١: ٢٨ - ٣). وأخيرًا، يشارك الحيوان الناس سواء في أعمال التوبة (يونان ٣٠: ٧)، سواء في احتمال العقاب (خروج ١١: ٥) (٢).
الوجه الحادي عشر: هذه الآية رد على من ينكر أن الحيوانات والطيور لها أرواح مثلنا .
١ - فقد كان العرب في الجاهلية يتشاءمون بطيور ويستبشرون بطيور أخرى؛ فجاء الإسلام ليغير تلك النظرة لهذه المخلوقات التي لا تملك شيئًا من أمرها، فهي لها أرواح وأجساد مثلما أن البشر ليسوا بأجساد فحسب، حتى إن من العرب من كان يعتقد أنه من مات مقتولًا يرصد له طائر عند رأسه ينادي بالثأر ممن قتله، وهذا يشبه ما عليه النصارى من أن روح القدس كأنه طائر فيحل بكل مؤمن بالمسيح!
فنقول: إن أي طائر موجود في هذه الدنيا لا بد أن يكون له روح وجسد، ومن يقل بغير ذلك فعليه بالدليل، ولا نخضع لقولهم بأن روح القدس هو عالم روحاني لا تستطيع العقول أن تدركه، وهذه حجة كل من يريد أن يُسكت من يجادله فيعطي لنا تصورات لا يقبلها العقل، ثم يقول: هذا ما لا يدركه العقل، فكفار قريش يقولون بالتشاؤم بالطير، ثم إذا سألتهم: لماذا تتشاءمون؟ قالوا: بأن هذا أمر لا يدركه العقل، فيوحي لنا هؤلاء وهؤلاء بأن هناك أمورًا سريةً في معتقداتهم.
٢ - سُئل أنس بن مالك عن مَنْ يقبض أرواح البهائم؟ فقال: ملك الموت. فبلغ الحسن فقال: صدق إن ذلك في كتاب اللَّه ثم تلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ