← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحشر، ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة؛ فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على خلق كلب، أو حمار، أو حية، أو عقرب، وغير ذلك، وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب، وأخلاق الخنازير، وأخلاق الحمير، ومنهم من يتطوس في ثيابه لحمًا بتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي يروغ كروغانها، وقد شبه اللَّه تعالى أهل الجهل والغي بالحُمُر تارة، وبالكلب تارة، وبالأنعام تارة، وتقوى هذه المشابهة باطنًا حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورًا خفيًا يراه المتفرسون، ويظهر في الأعمال ظهورًا يراه كل أحد، ولا يزال يقوى حتى تعلو الصورة فنقلب له الصورة بإذن اللَّه وهو المسخ التام؛ فيقلب اللَّه الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة ويمسخ قردة وخنازير، فسبحان اللَّه! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر! وقلب ممسوخ! وقلب مخسوف به! وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر اللَّه عليه ومستدرج بنعم اللَّه عليه! وكل هذه عقوبات وإهانة ويظن الجاهل أنها كرامة (١). ثم علق ابن القيم قائلًا: واللَّه سبحان قد جعل بعض الدواب كسوبًا محتالًا، وبعضها متوكلًا غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمر مقطوعًا، وبعضها لا يعرف ولده البتة،

стр. 7072

وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضيع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها يدخر، وبعضها لا تكسب له، وبعض المذكور يعول ولده، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وجعل بعض الحيوانات يُتمها من قبل أمهاتها، وبعضها يُتمها من قبل آبائها، وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئ، وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمه من جنسه لم يدع أحدًا يدنوا منه، وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار منه، وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين، وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضهم حقود لا ينسَ الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة، وبعضها لا يغضب، وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح سواءٌ عنده، وبعضها يقبل التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال (١). وفي المستطرف: فأثبت اللَّه المماثلة بيننا وبين البهائم وذلك إنما هو في الأخلاق خاصة؛ فليس أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة. . . وعلى هذا النمط فليحترز العاقل من صحبة الأشرار، وأهل الغدر، ومَنْ لا وفاء لهم؛ فإنه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه وبدنه (٢). قلت: فمن ينظر للصراع بين البشر على الدنيا، وما يحدث بينهم من قتل وتشريد وتعذيب يرى أن مبدأ البقاء للأقوى قد أصبح شعارًا لكثير من الناس حتى ولو لم يتكلموا به, ومن قبل كان منا من يظن أن هذا المبدأ مطبق في عالم الحيوان، فالآن أصبح واقعًا في عالم الإنسان.

стр. 7073

الوجه العاشر: معنى الآية: أن اللَّه كما سيسألكم ويحاسبكم عما كنتم تفعلون فكذلك سيحاسب هذه الحيوانات؛ فهم أمم أمثالكم في الحساب والبعث والحشر يوم القيامة . ١ - الحشر: قال الشنقيطي: قد دلَّت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق كقوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول اللَّه، فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها؛ ومن حقها حلبها يوم وردها؛ إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أو فر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافا وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول اللَّه، فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بقر ولا غنم يؤدي منها حقها؛ إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئًا؛ ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولادها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (٢).

стр. 7074

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى إِنَّ الذُّبَابَ لَتُحْشَرُ) (١). ٢ - الحساب: عن أبي هريرة ﵁ قال: (يقضي اللَّه بين خلقه الجن، والإنس، والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال اللَّه: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٢). فبالرغم من أن الحيوان ليس له عقل مثل الإنسان إلا أن الحيوان له إرادة وفعل يحاسب عليه، فإن اللَّه لا يظلم شيئًا، فلا يستوي الحيوان الذي يقتل ويفسد مع الحيوان الذي فيه سكينة ولطف ولا يؤذي غيره من الحيوانات، ولكن أمر الحساب الذي يكون للإنسان يختلف عما يكون للحيوان، فهما يشتركان في لفظ الحساب ولا يشتركان في كيفية الحساب. وقال الطبري: جعلها اللَّه أجناسًا مجنسة وأصنافًا مصنفة تعرف كما تعرفون وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب (٣). قلت: وليس معنى ذلك أن الحيوان إذا كان يجري فاصطدم بإنسان أننا نأخذ من الحيوان الدية، ولكن المقصود أنه هناك من الحيوانات والطيور من يكون فاسقًا مفسدًا يشبه الإنسان الفاسق مثل: الفأرة، والغراب، فكأن حُب الإفساد هدف يسعى لتحقيقه، ومن يطلع على سلوك الحيوانات والطيور يرى ذلك واضحًا، فهل من يحب الخير ويساعد فيه كمن يحب الشر ويسعى لتحقيقه؟ ! فهذا الدلفين ينقذ الإنسان إذا غرق، وهذا أبو قردان يساعد الفلاح في حقله، وأشد ما يكرهه الفلاح الغراب والحدأة لما يحدثان من أضرار؛ فالغراب يوقع الثمار من على الشجر فلا هو يأكل الثمرة ولا هو يتركها.

стр. 7075

فعن عائشة قالت قال رسول اللَّه ﷺ : "خمس من الدواب كلها فواسق تقتل في الحرم: الغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة" (١). قال بعض علماء النصارى: أما الحيوان الجاني فلا بدَّ من عقابه (تكوين ٩: ٥، لاويين ٢٠: ١٥ - ١٦)، وفي بعض الأحيان، يصل العقاب إلى الرجم (خروج ٢١: ٢٨ - ٣). وأخيرًا، يشارك الحيوان الناس سواء في أعمال التوبة (يونان ٣٠: ٧)، سواء في احتمال العقاب (خروج ١١: ٥) (٢). الوجه الحادي عشر: هذه الآية رد على من ينكر أن الحيوانات والطيور لها أرواح مثلنا . ١ - فقد كان العرب في الجاهلية يتشاءمون بطيور ويستبشرون بطيور أخرى؛ فجاء الإسلام ليغير تلك النظرة لهذه المخلوقات التي لا تملك شيئًا من أمرها، فهي لها أرواح وأجساد مثلما أن البشر ليسوا بأجساد فحسب، حتى إن من العرب من كان يعتقد أنه من مات مقتولًا يرصد له طائر عند رأسه ينادي بالثأر ممن قتله، وهذا يشبه ما عليه النصارى من أن روح القدس كأنه طائر فيحل بكل مؤمن بالمسيح! فنقول: إن أي طائر موجود في هذه الدنيا لا بد أن يكون له روح وجسد، ومن يقل بغير ذلك فعليه بالدليل، ولا نخضع لقولهم بأن روح القدس هو عالم روحاني لا تستطيع العقول أن تدركه، وهذه حجة كل من يريد أن يُسكت من يجادله فيعطي لنا تصورات لا يقبلها العقل، ثم يقول: هذا ما لا يدركه العقل، فكفار قريش يقولون بالتشاؤم بالطير، ثم إذا سألتهم: لماذا تتشاءمون؟ قالوا: بأن هذا أمر لا يدركه العقل، فيوحي لنا هؤلاء وهؤلاء بأن هناك أمورًا سريةً في معتقداتهم. ٢ - سُئل أنس بن مالك عن مَنْ يقبض أرواح البهائم؟ فقال: ملك الموت. فبلغ الحسن فقال: صدق إن ذلك في كتاب اللَّه ثم تلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ

стр. 7076

بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١). لذلك هناك أحاديث تنهي عن التطير؛ أي: التشاؤم بالطير، وأن الطير لا يُغيّر في القدر، ولا يملك نفعًا ولا ضرًا، فبعض الشعوب تعتقد أن هناك مخلوقات ليس لها أرواح؛ كمن يعتقد أن المرأة جسد بلا روح! الوجه الثاني عشر: أي: كما خلقكم لحكمة العبادة خلقهم لحكمة التسخير، فالتماثل هو تماثل في كون كلٌ له حكمة من خلقه، وفي ذلك كله لم يخلقكم ولم يخلقهم سدى . قال الأصفهاني: والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد؛ سواء كان الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: كل نوع منها على طريقة قد سخره اللَّه عليها بالطبع؛ فهي ما بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرفة -وهي دويبة غبراء تبني بيتًا حسنًا تكون فيه؛ وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أصنع من سرفة-، ومنها المدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوته كالعصفور والحمام، وغير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع (٢). قَالَ الْخَطَّابِيُّ في شرح حديث: "لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ": مَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ إِفْنَاء أُمَّة مِنْ الْأُمَم وَإِعْدَام جِيل مِنْ الْخَلْق؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَلْق اللَّه تعالى إِلَّا وَفِيهِ نَوْع مِنْ الْحِكْمَة وَضَرْب مِنْ الْمَصْلَحَة (٣). فحتى لو أن الحيوان والطير مسخر للإنسان؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (الحج: ٦٥)، فكذلك هناك تسخير متبادل حتى بين الإنس بعضهم لبعض؛ قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ

стр. 7077

دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: ٣٢). قال سيد قطب: إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون حتى يكون وجودهم مصادفة، وحتى تكون حياتهم سدى؛ إن حولهم أحياء أخرى كلها ذات أمر منتظم يوحي بالقصد والتدبير والحكمة، ويوحي كذلك بوحدة الخالق، ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله. إنه ما من دابة تدب على الأرض -وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات، وهوام، وزواحف، وفقاريات- وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء -وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة- ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ذات خصائص واحدة، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك؛ شأنها في هذا شأن أمة الناس، ما ترك اللَّه شيئًا من خلقه بدون تدبير يشمله، وعلم يحصيه، وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها فيقضي في أمرها بما يشاء. إن هذه الآية القصيرة -فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء- لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل، والتدبير الواسع، والعلم المحيط، والقدرة القادرة للَّه ذي الجلال (١). الوجه الثالث عشر: الآية تشير إلى علم الأحياء، وأن هناك علاقة بين الكائنات الحية لا يمكن أن ينكرها عاقل . عن مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال: أصنافًا مصنفة تعرف بأسمائها (٢). قال الواحدي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أصناف مصنفة تعرف بأسمائها فكل جنس من البهائم أمة كالطير، والظباء، والذباب، والأسود، وكل صنف من الحيوان أمة مثل بني آدم يعرفون بالإنس (٣). قال ابن حزم: بضرورة العقل والحس علمنا أن كلَّ واقعين تحت جنس فإن ذلك

стр. 7078

الجنس يعطيهما اسمه وحده عطاءً مستويًا، فلما كان جنس الحي يجمعنا مع سائر الحيوان استوينا معها كلها استواء لا تفاضل فيه فيما اقتضاه اسم الحياة من الحس والحركة الإرادية، وهذان المعنيان هما الحياة لا حياة غيرهما أصلًا، وعلمنا ذلك بالمشاهدة؛ لأننا رأينا الحيوان يألم بالضرب والنخس، ويحدث لهما من الصوت والقلق ما يحقق ألمًا كما نفعل نحن ولا فرق؛ ولذلك لما شاركنا والحيوان جميع الشجر والنبات في النماء استوى جميع الحيوان فيما اقتضاه اسم النمو من طلب الغذاء واستمالته في المتغذى به إلى نوعه، ومن طلب بقاء النوع مع جميع الشجر والنبات استواءً واحدًا لا تفاضل فيه، ولما شاركنا جميع الحيوان، والشجر، والنبات، وسائر الجمادات في أن كل ذلك أجسام طويلة عريضة عميقة جميع الأجرام استوى كل ذلك فيما اقتضاه له اسم الجسمية في ذلك استواء لا تفاضل فيه، ولم يدخل ما لم يشارك شيئًا مما ذكرنا في الصفة التي انفرد بها عنه هذا كله يعلمه ضرورة من وقف عليه ممن له حس سليم (١). قال د/ علي بن حسن علي القرني: يشير القرآن إلى حقيقة تتعلق بعلم الأحياء أو ما يعرف بالتاريخ الطبيعي، وذلك الذي يقرر اشتمال الحيوانات على الأجهزة العضوية الموجودة في الإنسان من مثل الجهاز العصبي والجهاز التنفسي (٢). فكل عاقل الآن يعلم أن هناك عناصر كيميائية مشتركة بين الكائنات ولكن تختلف نسبتها، بل وهناك تشابه في بعض العمليات الحيوية، ويتضح ذلك من خلال مسألة نقل الأعضاء من حيوان لإنسان، ومسألة التركيب العضوي لمخ الإنسان ومخ القرد، ولنتساءل عن نظرية (داروون) وافتخار البعض بها، مع أن (داروون) قالها صراحة: إن الإنسان كان قردًا ثم تطور! فلماذا لم ينكر هؤلاء عليه؟ !

стр. 7079

٢ - قال الماوردي: إنها أجناس وتتميز في الصور والأسماء (١). قال ابن عاشور: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فهو في معنى التشبيه البليغ أي: كأمم إذا تدبرتم في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموه كأمم أمثالكم؛ لأن هذا الاعتبار كان الناس في غفلة عنه (٢). وقال أيضًا: فلها خصائص لكلِّ جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها؛ أي: جعل اللَّه لكلِّ نوع ما به قوامه، وألهمه اتِّباع نظامه، وأنّ لها حياة مؤجّلة لا محالة. فمعنى ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها. والمماثلة في قوله: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ التشابه في فصول الحقائق والخاصّات التي تميّز كلّ نوع من غيره، وهي النظم الفطرية التي فطر اللَّه عليها أنواع المخلوقات، فالدّواب والطير تُماثل الأناسي في أنّها خلقت على طبيعة تشترك فيها أفراد أنواعها، وأنّها مخلوقة للَّه معطاة حياة مقدّرة مع تقدير أرزاقها، وولادتها، وشبابها، وهرمها, ولها نظم لا تستطيع تبديلها (٣). وانظر لعلم البيولوجيا وتقسيم الكائنات الحية لحيوانات وزواحف وطيور و. . .، وأن الإنسان ليس هو من قسم الزواحف ولا الطيور بل من قسم الحيوانات. وانظر لعلم المنطق وأنه يعتبر الإنسان حيوانًا ناطقًا، فلماذا لا يعترض منهم أحد على علم البيولوجيا ولا على علم المنطق؟ الوجه الرابع عشر: المقصود من الآية: أن اللَّه ينبه الإنسان في هذه الآية إلى أهمية التدبر في المخلوقات، وليس المقصود بالآية أن الإنسان مثل الحيوان سلوكًا . قال الأستاذ محمد محمد معافي علي المهدلي: القرآن العظيم وهو يخاطب البيئة العربية البدوية التي تعرف الناقة، والجمل، والخيل، والبغال، والطير، والغنم، والشاء، وغيرها من المخلوقات، يلفت الأنظار إلى قدرة الباري

стр. 7080

سبحانه في خلقها وتكوينها وبديع صنعه فيها، وهذا ما يعلل سر ذلك الحشد الهائل من الآيات القرآنية التي تتحدث عن الأنعام؛ فلا تكاد تجد سورة من القرآن إلا وفيها حديث أو إشارة إلى آيات اللَّه وبديع صنعه في الأنعام؛ بل لقد سميت بعض سور القرآن بأسماء بعض الأنعام نحو: النمل، والنحل، والفيل، والعنكبوت، والبقرة، والأنعام، والعاديات أي: الخيل، وهكذا. وفي هذا استنهاض للعقول والأفئدة للتفكر في بديع صنع اللَّه فيها، وقدرته تعالى كما قال : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (النحل: ٨). ومن ضمن الآيات القرآنية التي تحمل الإعجاز والتحدي للبشرية آية من كلام اللَّه تعالى مهما كتب فيها الكاتبون وصنف فيها المصنفون فلن يحصوا ما فيها من علم إلهي إذ تعجز الأقلام عن الخوض في لججها المتلاطمة؛ إنها قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾. ومن أجل أن تتضح الآية لا بُد من أن نُعرَّج على أقوال علماء اللغة وأئمة التفسير حول الآية، لقد لفت القرآن العظيم الأنظار والعقول من أول يوم للرسالة إلى التأمل والتفكر في شأن المخلوقات؛ لا سيما في الأنعام والحيوانات كونها ألصق بالعرب وبحياتهم، ولا يعرفون إلا هي كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧). . .﴾، وإحياءُ المنهج التفكرُ في المخلوقات الذي دعانا إليه الإسلام (١). الوجه الخامس عشر: الآية تشير إلى عبودية الكائنات للَّه . ١ - قال ابن عباس: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ يريد: يعرفونني، ويوحدونني، ويسبحونني، ويحمدونني مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢).

стр. 7081

قال عطاء: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في التوحيد والمعرفة (١). فيحكي اللَّه قول الهدهد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (النمل ٢٥: ٢٦). قال مكي: المماثلة في أنها تعرف اللَّه وتعبده (٢). وقال الطيبي: أَيْ: أَمْثَالكُمْ في كَوْنهَا دَالَّة عَلَى الصَّانِع وَمُسَبِّحَة لَهُ. قال عماد الدين السمان: نعلم أن كل خلق اللَّه من الجماد، والنبات، والحيوان هو عابد للَّه، مسبح له أكثر من البشر أنفسهم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج: ١٨). هذا في الأجناس التي أعلمنا اللَّه بوجودها، وكذلك كل ما خلق اللَّه مما لا نعلم عنه وعن وجوده شيء في السموات والأرض هو مسبح وعابد للَّه : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (مريم: ٩٣)، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ (الإسراء: ٤٤). . . ولكن ما أبعد مهام البشر عن مهام الملائكة، وتكاليف البشر عن تكاليف الملائكة وواجبات البشر عن واجبات الملائكة، وكذلك الجن، والدواب، والشجر، وما لا تعلمون، حقًا لقد اشترك هؤلاء جميعًا في العبودية للَّه ولكنهم لم يشتركوا في التكاليف، والمهمات، والواجبات، ولا في الحقوق، فاللَّه خلق لكل منهاجًا ومهمة تناسب مادة خلقه التي خلق منها، وتناسب الحكمة التي أراد اللَّه مِن خَلقِ كل نوع وجنس؛ بحيث تحقق

стр. 7082

بمجموعها التكامل لا التماثل، وهو العليم الحكيم (١). قال محمد محمد معافي: الكائنات كلها من إنسان، أو حيوان، أو نبات تعبد ربها وخالقها، وتوحده؛ فطرت وجبلت على هذا وصار جزءًا من تكوينها ومن خلقتها لا ينكر ذلك إلا جاحد أو جاهل، وقد تواترت الأدلة على هذا من الكتاب والسنة والوقائع والشواهد؛ فمن الكتاب الكريم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾. نعم وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الحيوانات لديها بعض السلوكيات الغريبة التي لا تفسير لها إلا أنها عبودية للَّه ، فهي نفس ما يفعله المؤمن ويصنعه تعبدًا للَّه وتقربًا إليه من صيام، ودعاء، وتوجه إليه سبحانه (٢). يقول مختار سالم: اكتشف علماء الطبيعة أن الإنسان ليس هو الكائن الحي الذي يصوم؛ وإنما جميع المخلوقات الحية في الكون تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر لها الغذاء في الطبيعة حولها، فالحيوانات تصوم؛ فهناك من الحيوانات ما يسكن في جحره أيامًا وربما شهورًا متوالية يمتنع فيها عن الحركة والأكل، والطيور أيضًا تصوم؛ فمن الطيور ما يكمن في عُشه ويمتنع عن الطعام في مواسم معينة كل عام، والأسماك أيضًا تصوم؛ فبعض الأسماك يدفن نفسه في قاع المحيط أو قاع النهر لفترة معينة بدون أكل، والحشرات كذلك

стр. 7083

تصوم؛ فمن المعروف أن الحشرة تمر بمرحلة تتحوصل فيها ويمتنع الطعام، وحتى النبات أيضًا يصوم. لقد لاحظ العلماء أن هذه المخلوقات تخرج بعد فترة الصيام هذه أكثر نشاطًا وحيوية، وأن أكثرها يزداد نموًا وصحة بعد الصوم، فالحيوانات منها ما يجدد جلده وقواه، والطائر يكتسي ريشًا جديدًا زاهيًا ويبدأ في التزاوج، والحشرة تخرج بعد صيامها لتأكل بنهم شديد وتتكاثر بسرعة، والنبات ينمو ويترعرع ويصبح أكثر نضجًا بعد فترة صيامه (١). ٢ - وهناك قول آخر: أن الكائنات لها عبودية بلسان الحال: قال ابن عاشور: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤) فذلك بلسان الحال في العجماوات حين نراها بَهِجَة عند حصول ما يلائمها فنراها مرحة فرحة، وإنّما ذلك بما ساق اللَّه إليها من النعمة وهي لا تفقه أصلها ولكنّها تحسّ بأثرها فتبتهج؛ ولأنّ في كل نوع منها خصائص لها دلالة على عظيم قدرة اللَّه وعلمه تختلف عن بقية الأنواع من جنسه، والمقصد من هذا صرف الأفهام إلى الاعتبار بنظام الخلق الذي أودعه اللَّه في كلّ نوع (٢). ٣ - وقد يكون التسبيح غير التسبيح والسجود غير السجود: قال ابن حزم: وليس في العالم شيء إلا وهو قال بما فيه من دلائل الصنعة واقتضائه صانعًا لا يشبه شيئًا مما خلق، على أن اللَّه تعالى منزه عن كل سوء ونقص، وأيضًا فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، والكافر الدهري شيء لا يشك في أنه شيء وهو لا يسبح بحمد اللَّه تعالى البتة؛ فصح ضرورة أن الكافر يسبح إذ هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد اللَّه تعالى، وأن تسبيحه ليس هو قوله: سبحان اللَّه وبحمده بلا شك؛ ولكنه تنزيه اللَّه تعالى بدلائل خلقه وتركيبه عن أن يكون الخالق مشبها لشيء مما خلق -وهذا

стр. 7084

يقين لا شك فيه- فصح بما ذكرنا أن لفظة التسبيح هي من الأسماء المشتركة وهي التي تقع على نوعين فصاعدًا، وأما السجود الذي ذكره اللَّه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ فقد علمنا أن السجود المعهود عندنا في الشريعة واللغة هو وضع: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين، والأنف في الأرض بنية التقرب بذلك إلى اللَّه تعالى، وهذا ما لا يشك فيه مسلم، وكذلك نعلم ضرورة لا شك فيها أن الحمير، والهوام، والخشب، والحشيش، والكفار لا تفعل ذلك لا سيما من ليس له هذه الأعضاء وقد نص تعالى على صحة ما قلنا، وأخبر تعالى أن في الناس من لا يسجد له السجود المعهود عندنا بقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (فصلت: ٣٧ - ٣٨). فأخبر تعالى أن في الناس من يستكبر عن السجود له فلا يسجد وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (الرعد: ١٥)، فبين تعالى أن السجود كرهًا غير السجود بالطوع الذي هو السجود المعهود عندنا، وإذ قد أخبر اللَّه تعالى بهذا وصح أيضًا بالعيان؛ فقد علمنا بالضرورة أن السجود الذي أخبر اللَّه تعالى أنه يسجد له مَنْ في السموات والأرض هو غير السجود الذي يفعله المؤمنون طوعًا ويستكبر عنه بعض الناس ويمتنع منه أكثر الخلق هذا مما لا يشك فيه مُسلمٌ؛ فإذ هذا كذلك بلا شك فواجب علينا أن نطلب معنى هذا السجود ما هو؟ ففعلنا، فوجدناه مبينًا بلا إشكال في آيتين من كتاب اللَّه؛ وهما قوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ (النحل: ٤٨)، فبيَّن تعالى في هاتين الآيتين بيانًا لا إشكال فيه أن ميل الفيء والظل بالغدوات والعشيّات من كل ذي ظل هو معنى السجود المذكور في الآية لا السجود المعهود عندنا، وصح بهذا

стр. 7085

أن لفظة: السجود هي من الأسماء المشتركة التي تقع على نوعين فأكثر (١). الوجه السادس عشر: الكتاب المقدس يشير إلى أن الحيوان والطير يعبدون اللَّه . قال بعض علماء النصارى: يشير الكتاب المقدس إلى الصلة بين الحيوان والإنسان، يعبّر الكتاب المقدس بصراحة قاسية عن وجه الشبه بين الإنسان والحيوان، ولا سيما فيما يخص أصلهما الترابي المشترك، ومصيرهما الحتمي إلى التراب (جامعة ٣: ١٩ - ٢١، مزمور ٤٩: ١٣)، ولكن في الغالب وبطريقة ملطّفة يظهر العلاقة الودية بين هاتين الخليقتين تحت هذه التسمية المشتركة: (الكائنات الحيّة)، فتارة نجد الإنسان يساعد الحيوان: يخلّص نوح ﵇ من مياه الطوفان زوجًا أي: ذكرًا وأنثى من كل نوع كائن حيّ، وطورًا نجد الحيوان يساعد الإنسان: تنقذ الأتان البصيرة بلعام (عدد ٢٢: ٢٢ - ٣٥). وتقوت الغربان إيليا (١ ملوك ١٧: ٦)، وينقذ الحوت يونان العاصي ويرجعه إلى الطريق القويم (يونان ٢)، ولما فيها من كمالات يصل أيوب إلى الاعتراف بعظمة الخالق (أيوب ٣٨: ٣٩ إلى ٣٩: ٣٠، ٤٠: ١٥ - ٤١: ٢٥)، وأخيرًا تُذَكِّر الحيواناتُ البشرَ بأن اللَّه لا يزال يفيض عطاياه على جميع الكائنات الحيّة (مزمور ١٠٤: ٢٧، ١٤٧: ٩، متى ٦: ٢٦). إن الحيوانات قريبة من الإنسان لدرجة أنها تدخل معه في العهد المبرم بين اللَّه ونوح (تكوين ٩: ٩ - ١١)، وأنها تصبح هي أيضًا خاضعة للشريعة الموسوية؛ فراحة السبت تنطبق على الثور أسوة بالعبد (خروج ٢٣: ١٢، تثنية ٥: ١٤). ويفرض اللَّه معاملة متسمة بالرأفة نحو الحيوان (خروج ٢٣: ٥، تثنية ٢٢: ٦ - ٧، ٢٥: ٤، راجع ١ كورنتس ٩، ١ تيموتاوس ٥: ١٨) (٢). الوجه السابع عشر: الآية تفيد أن الإنسان والحيوان والطير جميعًا أدلة على وجود اللَّه . قال القرطبي: في معنى الآية: أي: في كونها مخلوقة دالة على الصانع (٣).

стр. 7086

قال محمد بن عبد العزيز المسند: فنعتقد أن اللَّه تعالى خلقها -أي: الحيوانات والطيور- وجعلها من آيات قدرته وكمال ربوبيته؛ فقال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (البقرة: ١٦٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود: ٦) أي: يعلم أماكنها وآجالها، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (لقمان: ١٠) (١). الوجه الثامن عشر: معنى الآية: أن لكل من الحيوان والطير لغة يتصل بها بغيره كما أن لكم لغات وألسنة تتحدثون بها: ١ - قال ابن عباس: أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض (٢). فلذلك رُكبت الأفهام في المشركين ليتدبروا الحجج (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: ١٨)، ويحكي اللَّهُ قولَ الهدهد لسليمان ﵇: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل: ٢٣). قال ابن الأنباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن اللَّه تعالى ركب في المشركين عقولًا، وجعل لهم أفهامًا ألزمهم بها أن يتدبروا أمر النبي ﷺ ، ويتمسكوا بطاعته كما جعل للطير أفهامًا يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذَّكر منها لإتيان الأنثى وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيه (٤). ٣ - قال عبد المحسن المطيري: فقد أصبح من المقطوع به الآن عند العلماء الذين

стр. 7087

يدرسون سلوك أنواع الطير والحيوان والحشرات أن لكل منها لغة تقوم مقام اللغة المعهودة عند البشر في التعبير ونقل الأحاسيس والمعارف؛ على نحو ما ما تزال تفاصيله مجهولة من البشر، لكن المقطوع به من شواهد كثيرة جدًا أن لكل منها نوعًا من اللغة يتم به الاتصال بين أفراده، وقد سجَّل بعض العلماء تسجيلات صوتية لأنواع من الطيور في حالة الفزع نقلت إليهم -في غاية من الوضوح- هذه المشاعر والمعاني، وقد استخدم هذا تجريبيًا في زجر الطير لاقط الحب عن أماكن هذه الحبوب بإذاعة تسجيلات التحذير والفزع، والعلماء الآن يحاولون التعرف على منطق بعض الطير، فلم يعد يُشك الآن في أن كل نوع من الأحياء له لغة خاصة بأفراده، وهذا أمر واضح لكل من يراقب سلوك الطيور والحشرات، بل إن بعض العلماء يذهبون إلى أن أنواع النبات هي الأخرى تملك لغة واتصالًا فيما بينها، على نحو ما مما لا يتسع المجال لتقرير القول فيه، ولا يتطلبه. فما العجب بعد هذا من أن تتكلم النملة، ويتكلم الهدهد بكلام يفهمه سليمان ﵇ لأنه -كما ورد في القرآن الكريم- عُلَّم منطق الطير وأُوتي من كل شيء، أما أنهم تكلموا بكلام يدل على شيء من العقل فإن من يراقب سلوك الطير والحشرات، فسوف يدرك بغاية من الوضوح أن سلوكهم يجري على نظم من الوعي والتدبير والعمل من أجل غايات تهديهم إليها غرائزهم وفطرهم، وعلى المعاند في هذا أن يقرأ شيئًا عن سلوك الحشرات والطيور في كتب العلم التجريبي، وسوف يذهله ما يقرأ، وعليه أن يراقب العمل والنطام في (مملكة النحل) أو في (عالم النمل وقراه التي ينشئها). . وليس ذلك كله إلا مصدقًا لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ (طه: ٥٥)، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ (الأنعام: ٣٨)، وهو الذي تدل عليه بحق كافة مشاهدات

стр. 7088

العلماء المحققين، والمتشكك في ذلك إنما هو المستحق لسخرية الساخرين (١). ٤ - ويختلف النطق عندنا عن النطق عند الحيوان: قال ابن حزم: النطق عندنا هو التصرف في العلوم والصناعات ومعرفة الأشياء على ما هي عليه. . . لم ندفع أن يكون للحيوان أصوات عند معاناة ما تقتضيه له الحياة من طلب الغذاء، وعند الألم، وعند المضاربة، وطلب الفساد، ودعاء أولادها، وما أشبه ذلك، فهذا هو الذي علمه اللَّه تعالى سليمان رسوله ﵇، وهذا الذي يوجد في أكثر الحيوان، وليس هذا من تمييز دقائق العلوم والكلام ولا من عمل وجوه الصناعات كلها في شيء، وإنما عني اللَّه تعالى بمنطق الطير أصواتها التي ذكرنا لا تمييز العلوم والتصرف في الصناعات. . . وإذا قلنا: إن الحيوان لا نطق له نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات (٢). الوجه التاسع عشر: الرد على من يقول: أن الممارسة الجنسية عند الحيوان ما هي إلا ممارسة همجية . فالجوانب العلمية التي اكتشفها العلم الحديث توضح وجود تماثل بين الإنسان وسائر الكائنات الحية على وجه الأرض مثل: الجوانب السلوكية والأخلاقية، ويتفرع من ذلك الممارسة الجنسية. ١ - البيت الزوجي لدى الحيوانات: فكما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فهذا للإنسان، ولكن ليس الإنسان وحده الذي يعيش في بيت يسكنه بل كذلك الحيوانات والطيور وغيرها من الكائنات المختلفة والمخلوقات، وقد أكد هذه الحقيقة عالم الحيوان (ب. ألتوم) حيث يرفض الفكرة القائلة بأن الطائر يستطيع الذهاب حيث يشاء، ولقد ثبت أن الطيور تتقاسم المسكن فيما بينها، وأن لكل منها حماه الخاص الواضح المعالم والحدود والذي يقوم بحراسته والدفاع عنه، ومنع أبناء جنسه من اختراقه أو الدخول إليه، إن امتلاك الحمى

стр. 7089

أمر شائع ومعروف لدى جميع الأنواع الحيوانية، وفي كل مراحل تطورها فما هي الأمور التي يوفرها امتلاك الحمى؟ يحتل كل عنصر من عناصر الحيوانات مساحة كافية توفر له ما يحتاجه للبقاء والتناسل ولهذا السبب نلاحظ أن مساحة الحمى مرتبطة إلى حد كبير بحجم الحيوان ونوعية غذائه. وغالبا ما يشكل الحمى الكان الذي يلتقي فيه الذكر بالأنثى وهذا ما نلاحظه بشكل خاص لدى الطيور المهاجرة مثل: اللقلق لدى عودتها إلى المناطق الاستوائية تبادر إلى البحث عن عشها القديم إنها أكثر إخلاصًا للمكان منها إلى شريكها منزل واضح المعالم يؤمن للزوجين مكانا حميمًا يلتقيان فيه أثناء وقت السفاد وخلال عملية تربية الصغار (١). أقول: هذا الحمى الذي نجده من أساسيات الحياة الحيوانية كما رأينا فهو كذلك يعتبر للإنسان فمن المحال أن تجد إنسانًا بلا حمى، وإلى هذا أشار تعالى بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾. ٢ - تنظيم العملية الجنسية لدى الحيوانات: ليس فقط الإنسان وحده الذي ينظم العملية الجنسية بل كذلك حتى الحيوانات لها نظامها الخاص حيث أثبتت الدراسات ما يلي: يتسافد الفراش عادة في ساعة محددة من اليوم إنها ساعة خاصة بكل نوع لا تطلق الأنثى نداءاتها إلا في ذلك الوقت كما أن الذكر لا يحفل بتلك النداءات إلا في تلك الساعة، بعضها يتسافد مع إطلالة النهار، بعضها الآخر يؤثر أول الليل بعضها الآخر يتقاسم سائر ساعات الليل. قام أحد الباحثين طوال أسبوعين بالنهوض كل ليلة في الثالثة صباحا للتأكد من دقة مواعيد ذكرين عاشقين من نوعين من أنواع الفراش يأتيان للقاء أنثيين في قفص كانت

стр. 7090

الدقة في الحضور تفتقر أحيانًا إلى حوالي خمس دقائق فقط (١). ٣ - الغيرة لدى بعض الحيوانات: ليست الغيرة من خصائص الأنثى (المرأة) في عالم البشر فقط؛ بل هي كذلك في المخلوقات والكائنات كلها، ونضرب مثالًا لهذه الغيرة في عالم الحيوان: (البط) كمثال: إذا شاهدت بطةٌ بطةً أخرى داخل الحمى الزوجي فإنها تشجع صاحبها على مهاجمتها بحركات من الرأس وصرخات نشزة تطلقها, ينقض الذكر على الفور على البطة الدخيلة خافض الجناحين مادًا عنقه إلى الأمام يعود بعد ذلك نحو صاحبته، لكن بما أنه لا يزال مثارًا فإنها هي الأخرى ليست بمنأى عن خطر تعرضها لهجومه، ومع ذلك فإنه يستطيع التوقف في اللحظة المناسبة يرفع رأسه علامة الهدوء، ويطلق الزوجان صرخة مدوية أطلق على هذا السلوك: (احتفال النصر) (٢). ومن هنا نفهم أن الغيرة لدى المرأة من ضرتها طبيعة بشرية نفسية لا يمكن تجاهلها أو إلغاؤها. الوجه العشرون: الأخلاقيات الكريمة لدى الطيور والحيوانات . فمن ذلك يتم الرد على من قال بأن الحياة لدى الحيوانات حياة همجية. ١ - الوفاء والأمانة الزوجية لدى الحيوان: قال (ألفانا الوارديني): اختار الباحثون ترغل الغابات (ستربيتوبيليايتر) حقلًا لتجاربهم أجروا عملية تسافد بين عدد من هذه الطيور، ثم فرقوا بين الذكور والإناث وذلك طوال ثمانية أشهر بعدها بدأت التجارب الحاسمة، الهدف هو التأكد من قدرة الأزواج على التعارف من جديد، وأن شعورهما المتبادل لا يزال قائمًا، قسمت الطيور إلى مجموعات صغيرة، وضع ثلاثة ذكور وثلاث إناث في مطيرة في غاية قريبة، وضعت في المجموعة الأنثى التي سبق للذكر أن سافدها، تابع علماء الطيور باهتمام ما يسافد الذكر؟ مع من يتعاون لبناء عشه وحضن بيضه؟ جاءت النتائج غير قابلة للنقاش. . .! بعد عزلة

стр. 7091

طويلة في محيط مجهول تعرف كل ترغل إلى صاحبته التي سبق له أن سافدها في المختبر (١). ولعل الحصان العربي الأصيل هو مضرب الأمثال في الوفاء لصاحبه! ٢ - التعاون والمحبة في عالم الحيوان: لا يمكن للحياة أن تسير بدون تعاون ومحبة بين الكائنات؛ ولذا تجد التعاون في أكمل صوره وأزهى حلله وأتم أحواله بين المخلوقات والكائنات؛ تدع اللسان يلهج دومًا: سبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى؛ كما تسبح سائر المخلوقات، وتلهج بذكر اللَّه ، ونضرب لهذا التعاون بين الكائنات بمثال واحد من بين ما لا يعد ولا يحصى من الأمثلة بالتعاون في عالم النحل. قال الدكتور/ يوسف عز الدين: لو اكتشف أحد عمال النحل حقلًا أو كمية من النباتات تعتبر مصدرًا للغذاء فإنه يعود للمستعمرة ليخبر باقي العمال عن هذا الكنز الذي اكتشفه؛ وذلك عن طريق طقوس رقص عجيبة تفعلها النحلة بطريقة غريزية دون أن تدري لماذا تفعل هذا؟ إنها ترقص رقصات عجيبة ذات مدلولات معينة؛ إذ أن جسمها يصنع في أثناء الرقص زاوية تدل على زاوية الشمس وإذا كان الحقل قريبًا من المستعمرة فإن الرقصة في هذه الحالة تختلف عنها في حالة بعد الحقل مسافة أطول، ومن هذه الرقصات يفهم النحل أن حقلًا من البرسيم أو غيره من النباتات ذات الأزهار التي يحضر النحل غذاءه منها يقع على بعد معين، والطريق إليه يقتضي السير بزاوية معينة بالنسبة لمكان الشمس، فيؤدي بعض العمال الرقصة نفسها عند ذلك تطمئن النحلة التي اكتشفت الحقل، إلا أن باقي النحل قد فهم ما تريد أن تقوله فيطير باقي الأفراد ويصلون إلى ذلك الحقل مباشرة لإحضار مزيد من الغذاء. هداية الحمام وعجائب صنع اللَّه فيه وأوجه التماثل بينه وبين الإنسان: تلمس العناية والهداية الإلهية في كل المخلوقات، والكائنات ليس فقط في عالم

стр. 7092

الإنسان؛ بل في كل شيء من خلق اللَّه تعالى كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ (طه: ٥٠)، ومن هداية اللَّه تعالى هدايته للحمام (١). ولعل أحسن من تكلم عن هذه الهداية الإمام ابن القيم حيث يقول: والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه؛ فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها، وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى، لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث، وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب، وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرًا آخر منها؛ وإذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها، وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره، وأخرى تمعط الذكر وتدعوه إلى نفسها، وأنثى تركب أنثى وتساحقهما، وذكر يركب ذكرًا ويعسفه، وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام، وفيها من لا تبيض؛ وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها، وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة؛ ولا تواتي غير زوجها البتة بمنزلة المرأة الحرة، ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها ثم ينتقل عنها إلى غيرها، وكذلك الأنثى توافق ذكرًا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعًا في برج واحد، ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب (٢). ويواصل ابن القيم حديثه القيم عن الحمام وبدائع صنع اللَّه فيه وعجيب هدايته إلى ما هداه إليه في حديث طويل ممتع يدل على أن التفكر في خلق اللَّه منهج أخذ به أهل العلم أنفسهم تحقيقًا لأمر اللَّه لعباده في التفكر والنظر فيقول: وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية؛ حتى قال الشافعي: أعقل الطير الحمام، وبيرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد؛ فإن الغرض الذي يحصل به

стр. 7093

لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره؛ لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهى الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول، والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناءً عظيمًا فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت التسافد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها، والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها، ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرًا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة، والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم، ويحتاطون لها، والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حمامًا ساقطًا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة، وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها، ويقولون هو أحسن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنًا وأقوى بدنًا وأحسن اهتداءً، وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون: الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن، فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين، والحمام موصوف باليمن والأُلف للناس، ويحب الناس ويحبونه، ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه، ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء (١). الوجه الحادي والعشرون: الإنسان يتعلم من الحيوان ات، فلماذا لا نعترف أن للحيوان قيمة وقدرًا ؟ ! الإنسان يتعلم من الحيوان: قال محمد محمد معافي: فضل اللَّه تعالى الإنسان على كثير من مخلوقاته وميزه عليها، ولكن بعض الكائنات تتفوق على الإنسان في بعض صفاتها وأخلاقها ويحتاج الإنسان لأن يتعلم من هذه المخلوقات كثيرًا من هذه الصفات الغائبة عن كثير من الناس، وقد تكلم

стр. 7094

ابن القيم على هذا التفوق الخلقي لبعض الكائنات والتي بحاجة لأن يتعلمها بنو البشر فيقول: وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورًا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره، وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، قال أبو جعفر الباقر: واللَّه ما اقتصر على تشبيهم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلًا منها. فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أيامًا تهرب به من الذر والنمل؛ لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف عليه الذر والنمل، فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد. وقال ابن الأعرابي: قيل لشيخ من قريش: من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب؟ قال: علمني اللَّه الذي علَّم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعًا نصيبهما من حضانتها, ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد. وقيل لآخر: من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها؟ قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارًا عديدة حتى تستمر صاعدة. وقيل لآخر: من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟ قال: من علم الطير تغدو خماصًا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض. وقيل لآخر: من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟ فقال: الذي علم السهر أن ترصد جحر الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد. وقيل لآخر: من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون؟ قال: من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأعمال الثقيلة والمشي والتعب: الجمل وضربه، وكل الثقل على ظهره ومرارة الجوع والعطش في كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه، ولا يعدل به ذلك عن الصبر. وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل؟ قال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل

стр. 7095

يستدعي الدجاج ويطلبهن طلبًا حثيثا؛ حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام. وقيل لآخر: من علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله؟ قال: من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها؛ وهي أكثر من أن تذكر، ومن علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفي أثره ويطلب عفي أثر مشيته بذنبه، ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه؛ لأن اللبؤة تضعه جروا كالميت؛ فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك، ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع، ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويدلس له إذا اجتمعا حتى ينال منه له، ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد فأجابه إجابة المملوك لمالكه، ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه، فإذا أراد السباع ذلك أذعنت له بالطاعة والخضوع، ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة، فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها، ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم، ومن علم الدب إذا أصابه كلم أن يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به فيبرأ، ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه؛ لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة؛ لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان وهي عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق، فتأتي ما وسطها تضعه فيه فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم، ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر، ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره، والذكر من الأنثى فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد وأبعد وثبة، ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطًا أو شوطين حقن ببوله؛ وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن،

стр. 7096

وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه فيدركه الكلب، وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم عدوها، ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف فيعلم أن تحته جحر الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق، ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبًا بين عينيه فينام بإحداها حتى إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى إذا قال بعض العرب: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم ومن علم العصفور إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير معهم، قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه فلا يطير، وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئًا فلا يتحرك؛ فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي، ومن علم الحمامة إذا حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفًا تشبه الحائط ثم يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام، ومن قسم بينهما الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى، وأكثر ساعات جلب القوت على الأب، وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخًا متداركًا حتى تتسع حوصلته، ثم يزقانه اللعاب أو شيئًا قبل الطعام وهو كاللبن للطفل، ثم يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ، فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب، فإذا علما أنه أطاق اللقط منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه، ومن علمهما إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلًا لتذيقه حلاوة المواصلة، ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه، ثم تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها، وتعرض محاسنها، ثم يحدث بينهما من التغزل، والعشق، والتقبيل، والرشف ما هو مشاهد بالعيان، ومن علم المرسلة منها إذا

стр. 7097

سافرت ليلًا أن تستدل ببطون الأودية، ومجاري المياه، والجبال، ومهاب الريح، ومطلع الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فإذا عرفت الطريق مرت كالريح. . . وهذا باب واسع جدًا يكفي فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، وقد قال النبي ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" (١). الوجه الثاني والعشرون: بعض الطيور تقلد أصوات البشر: قال محمد محمد معافي: تشتهر الببغاوات بقدرتها على تقليد أصوات البشر، ويعتبر ببغاء البركيت وطائرة الميناه الآسيوي من المقلدين الجيدين، لقد حازت الببغاء الإفريقية والتي تسمى (برودل) على جائزة أفضل ببغاء متكلمة لمدة اثنتي عشرة سنة متتالية في مهرجان لندن للطيور، كانت قادرة على نطق ٨٠٠ كلمة كما تستطيع بعض الببغاوات التحدث بعدة لغات، وهناك طيور أخرى تستطيع تقليد الأصوات اليومية، وقد أجاد الزرزور في ترديد صوت رنين الهاتف، وجعل الناس يتدافعون للرد على الهاتف (٢). الوجه الثالث والعشرون: بعض الحيوانات تسبق الإنسان في معرفة بعض الأحداث والمعلومات قال محمد محمد معافي: بعض الأحداث والمعلومات تتفنن بعض الكائنات في سرعة معرفتها بما وهبها اللَّه تعالى من حواس وقدرات تتناسب ومعيشتها وحياتها فزودها اللَّه تعالى بهذه القدرات والتي تعد في عالم البشر من الخوارق؛ كمعرفة موعد الزلازل مثلًا، حيث إن الثعابين بارعة جدًا في معرفة مواعيد الزلازل؛ حيث يظل جسد الثعبان ملامسًا للأرض طوال الوقت؛ حيث يتمتع بحساسية شديدة لأقل الذبذبات بما في ذلك الذبذبات المنبئة عن الزلازل، ومنذ زمن طويل ساد اعتقاد بأن الثعابين مخلوقات سحرية لأنها تستطيع معرفة

стр. 7098

متى تحدث الزلازل. ويؤكد الباحثون أن الحيوانات تملك قدرة كبيرة على توقع الكارثة، فالفئران وبعض الحيوانات الأخرى تدرك متى ستقع الهزة الأرضية مثلًا وربما تغادر منطقة الهزة قبل وقوع هذه الهزة (١). قلت: وإذا أمكن للحيوانات سماع بعض الأحداث والمغيبات في عالم البشر، فليس يبعد كذلك سماعها لتعذيب الكافرين في قبورهم ونحو هذا من المغيبات لا سيما وقد أخبر الصادق المصدوق بهذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما: عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّه وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّه بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِي ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي؛ كنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" (٢). عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم؛ فإن ما قل وكفي خير مما كثر وألهى. ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا". ولولا أنه يبعد على البشر معرفة هذه الحقيقة لقوله ﷺ : "إلا الثقلين" لعرف ذلك الباحثون، ولكن الشواهد العلمية والدراسات تؤكد صدق ما أخبر به النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ

стр. 7099

أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (فصلت: ٥٣)، واللَّه أعلم. الحيوان متفوق على الإنسان في الكتاب المقدس: قال بعض علماء النصارى: لا تزال هناك آثار باقية من الاعتقاد في تفوق الحيوانات في مخيلة الكتبة الملهمين؛ فإنهم لا يترددون في التحدث عن حيوانات خرافية، وأيًّا كان أصل هذه التصورات، فإن مثل هذه الحيوانات تميّز عالمًا يتجاوز الطبيعة والقدرة البشرية (دانيال ٧، رؤيا ٩: ٣ - ١١)، ويتصل إمّا بالعالم الشيطاني (رويا ١٢، ١٣، ١٦: ١٣ - ١٤، ٢٠: ١ - ٣)، وإمّا بالعالم السماوي (حزقيال ١: ٤ - ٢٤ رؤيا ٤: ٦ - ٨) (١). النمل في الكتاب المقدس: يقول سفر الأمثال ٦: (٦ اذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسُولُ، تَمعَّنْ فِي طُرُقِهَا وَكُنْ حَكِيمًا، ٧ فَمَعَ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ قَائِدٍ أَوْ مُدَبِّرٍ أَوْ حَاكِمٍ، ٨ إِلَّا أَنَّهَا تَخْزِنُ طَعَامَهَا فِي الصَّيْفِ، وَتَجْمَعُ مَؤُونَتَهَا فِي مَوْسِمِ الْحَصَادِ). قلت: وشتان بين الحقيقة العلمية والنص أعلاه! فإن الأغلبيّة العظمى للنمل تعيش على شكل مستعمرات، وهي عبارة عن عائلات أو مجموعات العائلات المتّصلة، كلّ مستعمرة تتكوّن من الملكة وبناءها الكبار، فالنمل أمة كأمة البشر لها قانونها الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، بل والعسكري أيضًا، فالنمل له نظام اقتصادي خاص في التوفير، ورصد الاحتياطي لوقت الحاجة وحفظ المخزون بطريقة معينة حتى لا بفسد. وفي النظام السياسي من ملوك ورؤساء وقادة، وفي النظام الاجتماعي من أسرٍ وجماعات. وفي النظام العسكري من جيوش وحمايات، بل ثبت أن النمل يقوم بحملات عسكرية على القرى المجاورة من النمل ويأسر منهم الأسرى ويضعهم في السجون!

стр. 7100

ولقد كشف الباحثون في علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية أن النمل يقدم تنظيمًا بيولوجيا اجتماعيًا معقدًا، ومجتمعات النمل هي وحده متكاملة من الترابط الذي ينظم سلوك أفرادها، ولا تستطيع أن تعيش النملة منفصلة عن المجموعة، وإذا انفصلت فإنها تهلك. النعام في الكتاب المقدس: أما عن النعام: فيقول سفر أيوب ٣٩: ١٣ يُرَفْرِفُ جَنَاحَا النَّعَامَةِ بِغِبْطَةٍ، وَلَكِنْ أَهُمَا جَنَاحَانِ مَكْسُوَّانِ بِرِيشِ الْمَحَبَّةِ ١٤ فَهِيَ تَتْرُكُ بَيْضَهَا عَلَى الأرض لِيَدْفَأَ بِالتُّرَابِ، ١٥ وَتَنْسَى أَنَّ الْقَدَمَ قَدْ تَطَأُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ الْكَاسِرَةِ قَدْ تُحَطِّمُهُ. ١٦ إِنَّهَا تُعَامِلُ صِغَارَهَا بِقَسْوَةٍ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا، غَيْرَ آسِفَةٍ عَلَى ضَيَاعِ تَعَبِهَا، ١٧ لأَنَّ اللَّهَ قَدْ أنْسَاهَا الْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَمْنَحْهَا نَصِيبًا مِنَ الْفَهْمِ. ١٨ وَلَكِنْ مَا إِنْ تَبْسُطُ جَنَاحَيْهَا، لِتَجْرِيَ حَتَّى تَهْزَأَ بِالْفَرَسِ وَرَاكِبِهِ! وفي نص آخر: (١٣ جناح النعامة يرفرف) أفهو منكب رأوف أم ريش. ١٤ لأنها تترك بيضها وتحميه في التراب. ١٥ وتنسى أن الرّجل تضغطه أو حيوان البر يدوسه. ١٦ تقسو على أولادها كأنها ليست لها. باطل تعبها بلا أسف. ١٧ لأن اللَّه قد أنساها الحكمة ولم يقسم لها فهما. وهنا أيضًا نقول: وشتان بين الحقيقة العلمية والنص أعلاه! الأرنب من الحيوانات المجترة في الكتاب المقدس ! ففي سفر (لاويين ١١: ٥ - ٨): والوبر لأنه يجترّ لكنه لا يشق ظلفًا فهو نجس لكم. ٦ والأرنب لأنه يجترّ لكنه لا يشق ظلفًا فهو نجس لكم. ٧ والخنزير. لأنه يشق ظلفًا ويقسمه ظلفين لكنه لا يجترّ. فهو نجس لكم. ٨ من لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا إنها نجسة لكم. وهنا أيضًا نقول: وشتان بين الحقيقة العلمية والنص أعلاه! فالأرنب أبعد من أن يكون من المجترات، والحيوانات المجترة هي التي تملأ المعدة بالطعام ثم تعود لأكله. فالأرنب -على اختلاف أنواعه- ليس من الحيوانات المجتره بالمقياس العلمي، أي: أن معدته لا تتكون من أربعة أقسام كسائر الحيوانات المجترة، ولكن من عادة الأرنب أن يبتلع ما

стр. 7101

يجده من طعام، ثم يعود لمضغ ما عسر على معدته أن تهضمه، وهو نوع من الاجترار الجزئي. إن هذه الفقرة من الكتاب المقدس تتحدث عن طريقة الأرنب في الأكل، وذلك لأن جهازه الهضمي فقير جدًا، وأما الاجترار فقط في الحيوانات التي تحتوي على كرش كالبقر، والجاموس، والغنم، والماعز، والكرش غير موجود بالأرانب أصلًا. وهي الطريقة العجيبة التي تهضم بها بعض الحيوانات الطعام، وهي تشمل الثور، والغنم، والمعز، والوعل، والغزال، والزراف، والهجين، والجمل، وهذه الحيوانات لا تمضغ الطعام في الحال، بل تبتلعه من صحيحًا، وتختزنه في الكرش الأول، وهو واحد من الغرف الأربع المكونة للمعدة، ويمر الطعام بعد ذلك عند الاسترخاء، من الكرش الأول، إلى الغرفة الثانية المسماة المعدة الثانية للمجترات حيث يضغط إلى كتل ملتفة، ترجع إلى فم الحيوان ثانية، والآن يمضغ الطعام، ويبتلع للمرة الأخيرة، ثم يمر إلى الغرفتين التاليتين اللتين يكونان المعدة الحقيقية (المعدة الثالثة، والرابعة للحيوانات المجترة)، حيث يبدأ الهضم الحقيقي، ثم يمر الغذاء بعد ذلك إلى الأمعاء، فلابد أن تتوافر هذه الشروط في الحيوان لكي يُصنف مجُترّا. الوجه الرابع والعشرون: هم يفهمون خطأ من هذه الآية أن الإنسان يشبه الحيوانات، وسنرد على ذلك، ولكن بالنظر في الكتاب المقدس نجد أن اللَّه يشبه بالحيوانات، وإليك أمثلة على ذلك: * الرب حمامة: (١٦ فَلَمّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّه نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ ١٧ وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: "هَذَا هُوَ ابْنِي الحبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ") (متى ٣: ١٦ - ١٧). * الرب خروف وشاة: (هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه ربُّ الأرباب وملك الملوك) (رؤيا يوحنا ١٧: ١٤)، (مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ هَكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ) (أعمال الرسل ٨: ٣٢). * وهو تارة مثل السوس والدودة: (١٢ لِهَذَا أَكُونُ كَالْعُثِّ لإِسْرَائِيلَ، وَكالسُّوسِ

стр. 7102

النَّاخِرِ لِشَعْبِ يَهُوذَا) (هوشع ٥: ١٢). * وتارة مثل الأسد والنمر والدبة: (٧ لِهَذَا أَكُونُ لَهُمْ كَأَسَدٍ، وَأَكْمنُ كَنَمِرٍ لَهمْ عَلَى الطَرِيقِ. ٨ وَأَنْقَضُّ عَلَيْهِمْ كَدُبَّةٍ ثَاكِلٍ، وَأُمَزِّقُ قُلُوبَهُمْ) (هوشع ١٣: ٧). * وتارة مثل الدب والأسد: (١٠ هُوَ لِي كَدُبٍّ مُتَرَبِّصٍ، وَكَأَسَدٍ مُتَرَصِّدٍ فِي مَكْمَنِهِ) (مراثي إرميا ٣: ١٠١). الوجه الخامس والعشرون: الكتاب المقدس يشير إلى تشبيه بعض البشر ببعض الصفات الحيوانية . قال بعض علماء النصارى: يشير الكتاب المقدس إلى أن عالم الحيوان يشكل هذا القسم من المخلوقات المنظورة الأقرب إلى الإنسان، وكان الشعب العبراني يحسّ خصيصًا بهذه الرابطة التي قد تخفي أحيانًا عنا، إذ كانت حياتهم متصلة اتصالًا أوثق بالحيوانات، ولذا نجد غالبًا الكتاب المقدس يستعمل -لتوضيح أوصافه- قابلية الحيوان للتعبير عن بعض أوضاعٍ إنسانية: مثلًا يسمّى العدو كلبًا (مزمور ٢٢: ١٧)، ويشبّه جيش الغزاة بسحاب من الجراد (إشعيا ٣٣: ٤)، ويستخدم الكتاب وصف الأسد في إشارته تارة إلى اللَّه، وطورًا إلى العدو، ومن هنا نرى خلال ازدواج المعنى في بعض الرموز التباس هذا العالم الحيواني الذي نُشكِّل نحن جزءًا منه، والقادر على الأحسن كما هو قادر على الأسوأ، فغالبًا ما يشبّه الكتاب المقدّس الشعب بالقطيع كما في مثل ناتان (٢ صموئيل ١٢: ١ - ٤، إرميا ٢٣: ١ - ٨، حزقيال ٣٤، يوحنا ١٠: ١ - ١٦)، إلى جانب أن الحَمَل يستخدم للتعبير عن المسيح (يوحنا ١: ٢٩، رؤيا ٥: ٦. . .) والحمامة عن الروح القدس (متى ٣: ١٦)، ولكن فيما نتجاوز هذه الملاحظات المتفرقة لا بد من أن نتتبّع في القصص الكتابية جهد هؤلاء الرجال الذين يواجهون قدرة عالم الحيوان، فيدركون شيئًا فشيئًا تفوّقهم عليه، وأكثر من ذلك؛ فعندما يتكلم أصحاب الكتب المقدسة عن عالم الحيوان الذي يشتركون فيه ويعكسون عليه بنوع ما حالتهم الشخصية نجدهم يعلنون في آخر الأمر درامة البشر والخلق كله، في توقهم إلى الفداء.

стр. 7103

الحيوان والإنسان في الخلق: يعاقب اللَّه (نبوكد نصر) على تشامخه الجنوني، فيعطيه قلب وحش (دانيال ٤: ١٣)، لأن التصرف الحيواني عند البشر يرمز إلى التمرّد ضد الروح، وبالتالي ضد اللَّه (١). * * *

стр. 7104

١٠ - شبهة: غلبت الروم . نص الشبهة: جاء في القرآن: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (الروم: ٢ - ٣) ١ - (أدنى) ليست بمعنى: أخفض: درج المفسرون على تفسير (أدنى) بمعنى: الأقرب، وأيضًا القرآن نفسه يستعمل (أدني) بمعنى: أقرب. ٢ - الآية لا تشير إلى معركة الفرس والرومان: وحيث إن (أدنى) حسب كلام بعض علماء الإعجاز تعني: أخفض؛ فيجب أن تكون المعركة تمت بالقرب من القدس كي تكتمل المعجزة، من غير دليل على أن الآية تشير إلى معركة الفرس والرومان سوى إشارة أخفض الأرض، والتي يجب أن تكون القدس. ٣ - إنكار ذكر المعركة في كتب المسلمين: الملفت للنظر أن المسلمين لم يهتموا بدراسة تاريخ تلك الحقبة لتحديد تلك المعركة التي انتصر فيها الفرس على الروم، ولكنَّ صانعي المعجزات لا يجدون غضاضة في تجاهل التاريخ وعدم البحث عن الحقيقة طالما وافقت هواهم (١). وبذلك لا يكون هنالك إعجاز كما يزعمون. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: كلمة (أدنى) كما أنها تعني: أقرب في اللغة فكذلك تعني: أخفض. الوجه الثاني: كلمة (أدنى) في آيات من القرآن جاءت بمعنى: أخفض أو أقل؛ وليس بمعنى: أقرب. الوجه الثالث: هل القرآن تابع للمعاجم اللغوية؟ الوجه الرابع: أدنى في أحاديث من أحاديث رسول اللَّه ﷺ جاءت بمعنى: أخفض أو أقل، وليس بمعنى أقرب. الوجه الخامس: يمان معنى أدنى الأرض في العلوم الحديثة، وإنهاء الخلاف الذي

стр. 7105

حدث قديمًا لتحديد هذه المنطقة. الوجه السادس: الرد على قول القائل: لماذا لم يذكر القرآن كلمة (أخفض) بدلا من (أدنى)، فلو كان هذا حدث لانتهى الإشكال؟ الوجه السابع: الجمع بين قول المتقدمين وقول المعاصرين بأن نقول: إن كلمة (أدنى) عند العرب تأتي بمعنيين: أقرب، وأخفض؛ فهي من جهة أقرب منطقة لشبه الجزيرة العربية، ومن جهة أخرى هي أخفض منطقة على سطح الأرض. الوجه الثامن: (أل) للعهدية في كلمة (الأرض). الوجه التاسع: كلمة (الأرض) في القرآن تأتي بعدة معانٍ: الوجه العاشر: القرآن ما زال به معجزات لم يكشف عنها. الوجه الحادي عشر: بالنظر للناحية التاريخية، وإثبات أن علماء المسلمين المتقدمين اهتموا بتلك الحادثة. وإليك التفصيل، الوجه الأول: كلمة (أدنى) كما أنها تعني: أقرب في اللغة فكذلك تعني: أخفض . قال ابن جزي (١): أدنى له معنيان: أقرب من الدنو، وأقل فهو من الداني. قال ياسر محمود الأقرع: إن معاجم اللغة -لمن يتأملها- بُنيت على أساسٍ تراكمي؛ إذ أخذ كل معجم مادته ممن سبقه في هذا المضمار، وقلما زاد الأخير على سابقيه شيئًا، إلى درجة يصعب معها اكتشاف الفروق بين معجم وآخر في تناول معاني الكلمة الواحدة، وهذا ما نلحظه بالرجوع إلى مادة (دنا) أو (دنو) في المعاجم اللغوية؛ إذ نجد أنفسنا أمام معانٍ معينة، وكلام معاد، وشواهد مكررة تناقلها أصحاب المعاجم الواحد عن الآخر. ما هو أدنى الأرض أو (أقلها) جيولوجيًا ؟ أدنى الأرض معناه: أقلها سماكة، وحيث تكون الأرض أقل سماكة تكون أخفض،

стр. 7106

وكلمة (أدنى) بمعنى: أخفض، (والانخفاض ضد العلو) وردت كثيرًا في الشعر العربي كما في قول ابن قيم الجوزية: لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوانِ لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتُحرم ... ذا وذا يا ذلة الحرمانِ فنحن نلاحظ في البيتين السابقين (الطباق) بين كلمتي: الأدنى والأعلى، وورودهما على أنهما متضادتين من حيث المعنى. ويقول (أبو عدي النمري): تهامية الأدنى حجازية الذرا ... كأن عليها من عُمان شقيقها على الرغم من أن الشاعر في مَعْرِض الحديث عن النسب القريب منه والبعيد؛ إلا أنه يختار للتعبير عن ذلك كلمتين متضادتين معنويًا من وجهة نظره؛ وهما: الأدنى - الذرا، الذرا: أكثر الأماكن علوًّا، الأدنى: أكثر الأماكن انخفاضًا. . . . والقرب والبعد مسألة نسبية (١). قلت: وكذلك يتم استخدام كلمة (أدنى) بمعنى: أخفض في كثير من حياتنا اليومية. . . فمن يطالع النشرة الاقتصادية كل مساء يَجِد مَنْ يعرض النشرة يقول: انخفض سعر صرف الين الياباني إلى أدنى مستوى له أمام الدولار. الوجه الثاني: كلمة (أدنى) في آيات من القرآن جاءت بمعنى: أخفض أو أقل؛ وليس بمعنى: أقرب . ١ - قال أبو البقاء الكفوي (٢): و (الأدنى) يُعبر به تارة عن الأصغر فيقابل بالأكبر: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾، وتارة عن الأرذل فيقابل بالخير: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، وتارة عن الأول فيقابل الآخر: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، وتارة عن الأقرب فيقابل بالأقصى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: أقرب لنفوسهم.

стр. 7107

قال الواحدي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ للصَّلاة والقراءة ﴿أَدْنَى﴾ أقلَّ ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ أي: وتقوم نصفه وثلثه. (١) قال الأصفهاني: الدنو: القرب بالذات، أو بالحكم، ويستعمل في المكان والزمان والمنزلة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ (الأنعام: ٩٩)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ (النجم: ٨) هذا بالحكم (٢). ٢ - لذلك نقول: إننا لا نستطيع أن ننكر على من قال: (أدنى) بمعنى: أخفض لما سبق من أقوال العلماء المتقدمين على أن أدنى تعني: أقرب وكذلك تعني أخفض. ٣ - من أقوال العلماء السابقين أن كلمة (أدنى) الواردة في الآية هي بمعنى: أقرب؛ والسبب هو: قال ياسر محمود الأقرع: وذلك انطلاقًا مما حملته معاجم اللغة من معانٍ لهذه الكلمة لا تكاد تخرج عن معنى القرب والدنوِّ، وظل مفسرو القرآن ودارسوه يتحدثون عن الإعجاز الغيبي في هذه الآية، ذلك أن اللَّه أخبرنا أن الروم سيهزمون الفرس في بضع سنين (من ثلاث إلى تسع سنوات)، وهذا ما شهده معاصرو نزولِ الآية بعد نزولها بتسع سنوات. ثم طالعنا بحثًا جديدًا يؤكد أن أهم مراحل الحرب التي أسفرت عن هزيمة الروم وخسارتهم كانت في أكثر مناطق العالم انخفاضًا، في حوض البحر الميت الذي يقع في منطقة تتقاطع فيها كل من: سورية، والأردن، وفلسطين، ويبلغ مستوى سطح الأرض في هذه المنطقة (٣٩٥) مترًا تحت سطح البحر، وهذا يعني أنها أدنى منطقة في الأرض. ويذهب البحث إلى أن كلمة (أدنى) الواردة في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ لها معنى آخر هو: أخفض إضافة إلى المعنى الذي تعارف عليه المفسرون وهو

стр. 7108

أقرب، وقد أنكر بعض مَنْ قرأ البحث هذه النتيجة مؤكدًا أن كلمة (أدنى) تعني من الوجهة اللغوية: أقرب، وليس ثمة رأي آخر يدل على أنها قد تأتي بمعنى: أخفض. وإذا كان معنى كلمة (دنا) مقتصرًا -من الناحية اللغوية- على ما ذكرناه، فماذا نقول إذن في قوله تعالى في الآية (٧) من سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك في قوله تعالى في الآية (٢٠) من سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾، نلاحظ أن كلمة (أدنى) في الآيتين السابقتين جاءت بمعنى: أقل، ولا يستقيم المعنى إذا نحن أوَّلناها على أنها: (أقرب) نزولًا عند معطيات المعاجم اللغوية. في سورة المجادلة جاءت (أدنى) بمعنى: (أقل) مرتبطة بدلالة عددية؛ فالأدنى من العدد ثلاثة هو العدد اثنان. وفي سورة المزمل جاءت كلمة (أدنى) بمعنى: (أقل) مقترنة بدلالة زمنية (أدنى من ثلثي الليل)، والأدنى من ذلك: نصفه أو ثلثه أو ربعه أو. . . إذن جاءت كلمة (أدنى) التي بمعنى: أقل ذات دلالة عددية في سورة المجادلة، وذات دلالة زمنية في سورة المزمل، وفي الدلالات العددية أو الزمنية هنالك ما هو أدنى: (أقل) وما هو (أكثر)، ولكن في الحديث عن الأرض ما هي دلالة كلمة (أدنى) إن كانت بمعنى (أقل) (١)؟ بيان أن معنى أدنى في الآية: أخفض . قال عبد الدائم الكحيل: أولًا: يحدثنا القرآن في عصر لم يكن باستطاعة أحد أن يقيس أخفض نقطة على سطح اليابسة من الأرض، يحدثنا عن هذه المنطقة بالذات، وأن معركة وقعت فيها وكانت نتيجتها انتصار الفرس على الروم. لقد حدَّدت هذه الآيات (الروم: ١ - ٧) موقع المعركة في (أدنى الأرض) فما هو معنى

стр. 7109

هذه العبارة؟ وهل يمكن أن نفهمها بأنها تعني فقط: (أقرب الأرض) كما فسَّرها المفسِّرون الأوائل رحمهم اللَّه تعالى أم أن هنالك معانٍ أخرى؟ وهل هنالك معجزة في هذه الآية الكريمة؟ ثانيًا: لقد تأملت هذا النص الكريم طويلًا واطلعتُ على تفاسيره فوجدتُ أن المفسرين يفسرون قوله تعالى: ﴿أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ بأقرب الأرض؛ أي: أقرب أرض الروم إلى أرض العرب وهي أغوار البحر الميت؛ أي: المنطقة المحيطة بهذا البحر، انظر مثلًا تفسير الطبري أو تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. ولكن الذي لَفَتَ انتباهي هو أن عبارة: (أدنى الأرض) عامة وليست خاصة بأرض العرب؛ أي: أن القرآن في هذه الآية يطلق صفة (أدنى) على الأرض دون تحديد أرض معينة، ولذلك فقد فهم المفسرون أن الأدنى هو الأقرب بسبب أنهم لم يتصوّروا أن هذه المعركة قد وقعت في أخفض منطقة على وجه اليابسة. وهذه هي عظمة القرآن؛ أن المعجزة تبقى مختفية قرونًا طويلة على الرغم من المحاولات الكبيرة لفهمها، إلا أن اللَّه تعالى يُظهرها في الوقت المناسب لتبقى آيات اللَّه مستمرة وقائمة إلى يوم القيامة، ولو أن المفسرين استطاعوا تفسير القرآن كله إذن سوف تتوقف المعجزة، واللَّه تعالى قد تعهّد بأنه سيرينا آياته وينبغي علينا ألا ننكرها، يقول تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ (غافر: ٨١). ثالثًا: تأملتُ قوله تعالى عن المسجد الأقصى وهو مسجد يقع في مدينة القدس التي لا تبعد سوى عشرين كيلو مترًا عن منطقة البحر الميت حيث دارت المعركة؛ يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء: ١)، وبدأت التساؤلات: كيف يصِف اللَّه تعالى منطقة البحر الميت بأنها (أقرب الأرض)، ثم يعود ويصِف المسجد الموجود هناك بأنه (المسجد الأقصى) أي: الأبعد؟ ! ثم تأملتُ في الخرائط الجغرافية فوجدتُ بأن المنطقة التي وقعت فيها المعركة وهي التي

стр. 7110

سماها القرآن بـ (أدنى الأرض) تبعد عن مكة أكثر من ألف ومئتي كيلو مترًا، فكيف تكون هذه الأرض هي (الأقرب) وهي تقع على هذه المسافة الكبيرة؟ وكيف يكون المسجد الأقصى هو (الأبعد) وهو يقع على نفس المسافة من مكة المكرمة حيث نزلت هذه الآيات؟ ثم تساءلتُ: لو أن اللَّه تعالى يقصد كلمة (أقرب) فلماذا لم يستخدم هذه الكلمة؟ إذن كلمة (أدنى) هي المقصودة، وهي الكلمة التي تعطي المعنى الدقيق والمطلوب، وهذا ما سنراه يقينًا. رابعًا: معاني متعددة للكلمة: نعلم أن اللَّه تعالى قد خلق سبع سماوات طباقًا، وسمى السماء السفلى أي: أخفض سماء سمَّاها (السماء الدنيا)؛ فقال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ (فصلت: ١٢) وهنا كلمة (الدنيا) جاءت بمعنى: الأقرب من الأرض، ولكن تتضمن معنى آخر وهو الطبقة السفلى بين طبقات السماء السبعة؛ وسُمِّيت بالدنيا لدنوِّها من الأرض. ويقول أيضًا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة: ٢١)، ويفسر المفسرون كلمة (الأدنى) هنا بمصائب الدنيا وأمراضها، وهنا لا يمكن أن تكون (الأدنى) بمعنى: الأقرب بل (الأصغر)؛ لأن اللَّه تعالى يقارن في هذه الآية بين نوعين من أنواع العذاب: ١ - (الْعَذَابِ الْأَدْنَى) ٢ - (الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) إذن في هذه الآية نحن أمام مقياسين هما: (الأدنى) و (الأكبر)؛ أي: الأصغر والأكبر، كما نعبر عنه في مصطلحاتنا اليوم بالحدِّ الأدنى والحد الأعلى؛ ونقصد الأصغر والأكبر. يقول تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: ٧)، وهنا جاءت كلمة (أدنى) بمعنى: أقلَّ؛
следующие страницы →