وظنوه المسيح، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح، وهو الشك فيه، لقد كان أخبرهم بنجاته من المؤامرة ثم يرون أنه قد أخذ ولم ينج.
ويوضح العلامة أحمد عبد الوهاب هذه المسألة، فيقول بأن الشك هو تراجع داخل النفس، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا: "كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون".
ويفرق بين الإنكار والشك، فالشك عمل قلبي، والإنكار: قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار. فلقد آمن التلاميذ بالمسيح، وصدقوه فيما تنبأ به، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفًا لنبوءاته، فسوف يحصل منهم الشك، والردة عن العقيدة.
ويورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب احتمالين:
الأول: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، وستُحدث له ألمًا ومعاناة، إلا أنها ستفشل، وسينقذه الله من القتل، كما في قوله: "سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي" (يوحنا ٧/ ٣٦). وهذا الذي حصل ولم يشاهده التلاميذ، بل هم قد رأوا ما حسبوه وظنوه نقيضَه، فقد رأوا المسيح مأخوذًا مصلوبًا، فوقعوا في الشك فيه، لأن كلامه لم يتحقق، وهذا هو الصحيح.
والآخر: أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله، وليس هناك ما يدعو للشك والارتياب حسب هذه الصورة، سواء تحقق قوله أم لم يتحقق، إذ تحققه تصديق لقوله، وتخلُفه إكرام من الله له وحفظ ورعاية.
وهذا الفرض خاطيء، ويدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح، حيث نجد أن التلاميذ جميعا قد هربوا، وتركوا المسيح وحده. ويبدو هنا شكهم واضحًا، لقد حصل أمام التلاميذ ما لم يتوقعوه -فيما يظهر لهم-، أي ما لم يتنبأ به المسيح.
فلئن كان أخبرهم بأن سيُقبض عليه وسيقتل، فليس ثمة ما يثير الشك، وإن كان
стр. 737
الاحتمال الأول بأنه سينجو، وأن المؤامرة ستفشل، ولكنهم يجدونه -فيما يظهر لهم- قد قبض عليه، ولم تتحقق نبوءته، فحيئذ وقعوا في الشك. (١)
ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته، فقد نجى الله النبي دانيال، وإبراهيم، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار.
أما نجاة إبراهيم، فقد ذكرت في قوله تعالى: ﴿قَالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨ - ٧٠).
وأما دانيال، فقد ألقاه الملك في جُبٍّ مع الأُسود، وختم الجب بخاتمه، ثم لما فتحه ناداه: " "يَا دَانِيآلُ عَبْدَ الله الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟ " ٢١ فتكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! ٢٢ إِلهِي أَرْسَلَ مَلَاكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّني، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا". ٢٣ حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ. فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ. ٢٤ فَأَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا أُولئِكَ الرِّجَال الَّذِينَ اشْتَكَوْا عَلَى دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُمْ فِي جُبِّ الأُسُودِ هُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى بَطَشَتْ بِهِمِ الأُسُودُ وَسَحَقَتْ كُلَّ عِظَامِهِمْ." (دانيال ٦/ ١٥ - ٢٤).
وأما الفتية الثلاثة فقد أُلقوا في النار، ولكن "لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِمْ" (دانيال ٣/ ٢٧).
ومما يؤكد استجابة الله للمسيح: ظهور ملاك له ليقويه (انظر لوقا ٢٢/ ٤٣) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليه ويهزأ به، أم يعينه فينجيه؟
وهذا الأخير هو ما يليق بعدل الله ورحمته، فقد استجاب الله للمسيح فأنجاه، وصلب
стр. 738
يهوذا الخائن، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح، وصلبه وتسليمه إلى مرام أعدائه ومبغضيه.
لقد حفظ الله مسيحه، وأمكنه من النجاة ويسّر له سُبلها، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل والمكانة، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه، وحطم سلاسله وهو نائم، وأمره بالخروج. (انظر أعمال ١٢/ ٧).
وكذلك زعم لوقا أن بولس نجا من السجن بأعجوبة، فقد تزلزلت الأرض، وتصدع السجن، وتحطمت القيود. وانفتحت الأبواب، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما. (انظر أعمال ١٦/ ٢٦).
كما أن توراة القوم تتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم: أخنوخ" ٢٤ وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ الله أَخَذَهُ." (التكوين ٥/ ٢٤).
ومثله النبي إيليا" ١١ وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتكلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ." (الملوك (٢) ٢/ ١١).
فِلمَ أمكن هذا لبطرس وبولس وغيرهما، ولم يمكن للمسيح، وهو أولى منهم برعاية الله وحفظه؟ !
وهكذا، ومن خلال هذه الأمثلة، نرى أن رعاية الله التي أحاطت بالمؤمنين من قبل قد أحاطت بالمسيح، وأنجته من يدي أعدائه، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله: "٢٩ وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ"" (يوحنا ٨/ ٢٩).
المبحث السادس: عدم وجود شهود على صلب المسيح .
فقد تركه الجميع وهربوا، بل إن حادثة الصلب فيها من التناقضات التي تضطر كل عاقل أن يرفضها.
(إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة من تلاميذه فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل الدار جث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته فقالت: وهذا كان معه، فحلف بطرس أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم فذهب
стр. 739
ولم يعد، وأن شابًا تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره في أيديهم وأفلت عريانًا). (١)
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر فلم يبلغوا عدد التواتر أصلًا، بل كانوا آحادًا وأفرادًا، فمن نازع فيما قلناه ونقلناه فهذا الإنجيل الذي بأيديهم حكما فيما بيننا وبينه، وإذا ثبت أن أتباع المسيح لم يحضر منهم أحد، واليهود الذين حضروا عصابة قليلة دون عدد التواتر يجوز عليهم السهو والغلط واعتماد الكذب، لم يجب قبول أقوالهم فلا جرم يقدم تواتر الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء/ ١٥٧). (٢)
المبحث السابع: من الذي مات على الصليب، الإنسان أم الإله ؟
يَرد على المسيحيين أسئلة كثيرة: من الذي صلب على الصليب؟ ومن الذي أسلم روحه ومات على الصليب؟ هل المسيح الإنسان؟ أم أنه المسيح الإله؟ أو بمعنى آخر: هل فارق اللاهوت الناسوت وقت الصلب والموت؟ أم أن اللاهوت لم يفارق الناسوت؟
مقتضى فكرة المسيحيين عن المخلص تحتم أن الذي صلب هو المسيح ابن الله، فهو في -نظرهم- تجسد خصيصا من أجل الصلمب والموت ليخلص البشرية.
لذلك جاء في كتاب (السنكسار): "وتعلمنا الكنيسة المقدسة أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين." (٣)
ويقول الأب لويس برسوم: "وإذن ظل اللاهوت متحدًا بالناسوت على الدوام دون أن يفارقه قط، وحتى حينما أسلم يسوع روحه لم يفارق اللاهوت الناسوت، بل ظل متحدًا مع الجسد الذي دفن في القبر." (٤)
ويقول الأب ساويرس: "لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده ولم يفارق
стр. 740
روحه ولا جسده عند موته." (١)
كل هذا يقتضي أن اللاهوت وقع عليه الآلام وتعرض هو والناسوت إلى المعاناة والمشقة، ولكن المسيحيين يقولون نعم إن اللاهوت لم يفارق الناسوت لحظة إلا أن الذي تألم ومات هو الناسوت أما اللاهوت فلم يتألم ولم يمت. (٢)
يقول أفلاطون مطران موسكو: "إن الذي تألم هو الناسوت لا اللاهوت المنزه عن كل ألم، ثم دفن مع الجسد لئلا يظن موت المسيح خياليًا." (٣)
ويقول إلياس اليسوعي: "إن المسيح لم يمت بوصفه إلهًا -فالإله لا يموت- ولكنه مات بوصفه إنسانًا وليس في موت الإنسان ما يدعو على الاستغراب." (٤)
فالمسيح في -نظرهم- مات بوصفه (ابن الإنسان) لأن اللاهوت لا يتأثر بالصلب أو الموت. (٥)
يقول باسيليوس: "المسيح ابن الله مات يقينا ليس بلاهوته بل بناسوته قد مات ومع ذلك فإن إنسانية المسيح اتحدت بشخصه الإلهي وتشخصت فيه، ولذلك فرغم أن لاهوت المسيح كان حرا من الآلام وقت آلامه، وغير مائت في وقت موته إلا أن هذه الآلام قد اتخذها ابن الله وتبناها لنفسه بطريقة ما تفوق الفهم، ولهذا السبب يمكننا أن نقول عن ابن الله الأزلي المتجسد تألم ومات على الصليب بناسوته بينما ظل غير متألم بلاهوته." (٦)
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: من الذي مات على الصليب الناسوت ألم اللاهوت ؟
١ - القول بأن الناسوت هو الذي تحمل الآلام والصلب والموت يعني الحط من شأن الفداء والخلاص؛ لأنه بذلك يصير خلاصًا ناسوتيًا بشريًا لا لاهوتيًا، أو أن معناه أن
стр. 741
الناسوت أقدر على الخلاص والفداء من اللاهوت.
"ويقال لهم أليس المسيح عندكم عبارة عن لاهوت وناسوت اتحدا فصارا مسيحا؟ فإذا قالوا بلى. قلنا فالميت أيهما؟ فإذا قالوا الناسوت. قلنا: فكيف استقل بهداية الخلق ناسوت ميت وعجز عن ذلك لاهوت حي؟ أفتقولون إن ناسوت المسيح أقدر على الهداية من لاهوته؟ . (١)
الوجه الثاني: لابد في المخلص أن يكون إلها، وهذا يبطل فكرة الناسوت .
إن هذا القول مناقض لفكرتهم وشروطهم في المخلص، إنه لابد وأن يكون المسيح ابن الله، فإذا كان الذي صلب وتألم ومات هو ابن الإنسان، فمعنى ذلك أنه لم يتوافر فيه وقت الفداء هذا الشرط.
هذا إلى جانب أن هذا القول مناقض لما جاء في العهد الجديد الذي يقول: "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ." (يوحنا الأولى ١/ ٧).
فدم ابن الله -لا ابن الإنسان- هو الذي يطهرهم من كل الخطايا.
الوجه الثالث: لو كان المصلوب ناسوتًا فهي مهمة يقوم بها أي بشر سوى عيسى .
أنه على هذا القول لا داعي لتجسد ابن الله، لأن أي إنسان كان يكفي أن يقوم بهذا ويتحمل الآلام ويصلب ويموت نيابة عن البشر. (٢)
الوجه الرابع: أنتم وصفتم الإله بعدم الموت ثم تثبتون موته على الصليب !
ورد في الكتاب عندهم عدة نصوص تفيد بأن الإله لا يموت سواء أكان ذو طبيعة واحدة أم ذو طبيعتين؟ فسواء كان ابن الإله أو الإله الرئيسي، فهو في النهاية إله والإله لا يموت باعتراف الكتاب والعقل.
وها هي الأدلة:
١ - ورد في سفر التثنية ٣٢/ ٣٩: "٣٩ اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي."
стр. 742
أما يسوع "قَال: "قَدْ أُكْمِلَ". وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." (يوحنا ١٩/ ٣٠).
٢ - ورد في التثنية (٣٢/ ٤٠): "٤٠ إِنِّي أَرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ يَدِي وَأَقُولُ: حَيٌّ أَنَا إِلَى الأَبَدِ."، لكن يسوع "فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ" (متى ٢٧/ ٥٠).
٣ - ورد في إرمياء (١٠/ ١٠): "١٠ أَمَّا الرَّبُّ الإِلهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ."، أما يسوع "٤٦ وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَال: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". وَلمَّا قَال هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ." (لوقا ٢٣/ ٤٦).
٤ - ورد في سفر دانيال (٦/ ٢٦): "٢٦ مِنْ قِيَلي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ، لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى."، ولكن يسوع: "فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." (متى ٢٧/ ٥٠).
٥ - ورد في سفر دانيال ٦/ ٢٦: "٢٦ مِنْ قِيَلي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ، لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى.".
٦ - ورد في متى ١٦/ ١٦: "سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَال: "أَنْتَ هُوَ المُسِيحُ ابْنُ الله الحْيِّ! ".
وكل هذه النصوص -وغيرها مما لم نذكره هنا- لا تنطبق على يسوع بأي حال من الأحوال، لأنه مات: "فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." (متى ٢٧/ ٥٠).
إذن، فلمن أسلم عيسى روحه يا ترى؟ لقد أسلمها إلى بارئها، إلى خالقها.
إذن فليس هو الله، وبما أنه ليس هو الله، فلا يوجد داع لأن ينزل ويتجسد، وبما أنه ليس هو الله، فلا سلطان له لغفران الذنوب، وبما أنه لا سلطان له لغفران الذنوب، إذن فأسطورة الصلب والفداء ليس لها أصل في دين السماء إنما هي مقتبسة من الأديان الوثنية. (١)
الوجه الخامس: إن لله تعالى صفات لا تتغير فكيف هذا التلون في قضية الصلب ؟
стр. 743
يؤيد هذا الكتاب المقدس في نصوص كثيرة منها:
"٦ لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لَا أَتَغَيَّرُ" (ملاخي ٣/ ٦).
"فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ الله، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ " (إشعياء ٤٠/ ١٨).
"٢٥ "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟ " يَقُولُ الْقُدُّوسُ." (إشعياء ٤٠/ ٢٥).
فلا يمكن أن يكون الرب إنسان، ولا حيوان، ولا جماد ولا نبات، ولا أي صورة يمكن الإنسان أن يتخيلها، فهو لا مثيل له، ليس كمثله شيء.
وقد أكد كتابهم على هذه النقطة عدة مرات حتى لا يلبس الشيطان على الناس أمر دينهم، فقال: "١٢ فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ وَأَنْتُمْ سَامِعُونَ صَوْتَ كَلَامٍ، وَلكِنْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً بَلْ صَوْتًا ... " فَاحْتَفِظُوا جِدًّا لأَنْفُسِكُمْ. فَإِنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً مَّا يَوْمَ كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ فِي حُورِيبَ مِنْ وَسَطِ النَّارِ." (تثنية ٤/ ١٢ - ١٥).
وعندما طلب موسى من الله أن يراه: "٢٠ وَقَال: "لَا تَقْدِرُ أَنْ ترى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَرَانِي وَيَعِيشُ". (الخروج ٢٣/ ٢٠).
فإذا كان الله روح، ولا يمكن أن يرى الإنسان هذا الروح لأن "١٨ الله لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ." فكيف يكون عيسى ﵇ هو الله، وهل الله له جسد أو مولود من الجسد؟ الجواب بالطبع: لا "٦ الْمَوْلُودُ مِنَ الجْسَدِ جَسَد هُوَ، وَالمُوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. "يوحنا ٣/ ٦. و "كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ المُسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الجسَدِ فَهُوَ مِنَ الله، ٣ وَكُلُّ رُوحٍ لَا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الجْسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ الله" (رسالة يوحنا (١) ٤/ ٢ - ٣)
فهذا نفي قاطع من عيسى ﵇، وتحذير أن يتخذه إنسان ما إله، لأنه مولود من جسد امرأة، فكان عظامًا وكان لحمًا.
أما الذين اتخذوا إنسانًا إلهًا وعبدوه بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة العقل وعرفوا الإله الحقيقي الذين يدين ولا يدان، الحي الذي لا يصلب ولا يموت، القدوس الذي لا يهان، فهم من الأنجاس الخالدين في النار: "٢١ لأَنَّهُمْ لمَّا عَرَفُوا الله لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا
إذن فقد أعلمهم عيسى أن الله سوف يتوفاه إليه أي يستخلصه وينقذه منهم ويرفعه إليه، أما الشخص الذي ستقبضون عليه، وتهينونه، فعندما ترفعونه على الصليب فسوف تفهمون أني أنا هو هذا الشخص المعلق: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. "وهو فهم خاطئ، لأني سأغلب العالم" وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالمَ"." (يوحنا ١٦/ ٣٣)
فلن تتمكنوا مني، وهذه هي إرادة الله "٢٩ وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ". (يوحنا ٨/ ٢٩).
واللغز المحير هو: هل المقصود بقوله "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ" هو يسوع؟ الإجابة: لا، للأدلة الآتية:
١ - لو كان يقصد نفسه لما تكلم عن نفسه بصيغة الغائب.
٢ - ثم إن قوله هذا الذي قاله هو نبوءة، بمعنى يجب أن تتحقق، فهل لو كان هو الذي علق على الصليب لكان إلهًا تافهًا كاذبًا، فقد تحدى اليهود وأخبرهم أنه سوف يغلبهم ويغلب العالم كله. فهل بعد كلامه هذا تغلبه شرذمة قليلة من اليهود؟
وأيضًا لا يمكن أن يكون رسولًا؛ لأن الرسول لا يخبر إلا الصدق ويتكلم بما يوحي إليه، فكيف يتحداهم رسول الله، بناء على تعليمات من الإله ثم يخدعه هذا الإله ويتركه يصلب؟
٣ - كما أنها نبوءة في المقام الأول، ولابد أن تتحقق، وإلا كان نبيًّا كاذبًا وحاشاه، وعلى ذلك فإن الذي فهمه اليهود كان خطأ، وماتوا في خطيتهم وهم يؤمنون أنهم صلبوا رسول الله، ولو سلمتم أن يسوع هو ابن الإنسان هنا، لانتفت عنه صفة الألوهية لقول الكتاب إن الله ليس كمثله أحد قط.
"١٩ لَيْسَ الله إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلَا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتكَلَّمُ وَلَا يَفِي؟ " (عدد ٢٣/ ١٩) "٩ هَلْ تَقُولُ قَوْلًا أَمَامَ قَاتِلِكَ: أَنَا إِلهٌ؟ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ لَا إِلهٌ فِي يَدِ طَاعِنِكَ! " (حزقيال ٢٨/ ٩). "هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدِ ارْتَفَعَ قَلْبُكَ
стр. 746
وَقُلْتَ: أَنَا إِلهٌ. فِي مَجْلِسِ الآلِهَةِ أَجْلِسُ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ. وَأَنْتَ إِنْسَانٌ لَا إِلهٌ، وَإِنْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ كَقَلْبِ الآلِهَةِ! " (حزقيال ٢٨/ ١ - ٢).
ولقول الكتاب إن الله حي لا يموت "٤٠ إِنِّي أَرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ يَدِي وَأَقُولُ: حَيٌّ أَنَا إِلَى الأَبَدِ." (تثنية ٣٢/ ٤٠).
وبهذا يكون عيسى قد تحدى اليهود بأنهم سيؤمنون أنه هو ابن الإنسان الذي سيكون معلقًا على الصليب، ويموتون على هذا الفهم وعلى هذه الخطية، خطية محاولتهم قتل رسول الله.
٤ - لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها اليهود قتل عيسى ﵇ فقد سبقها عدة محاولات، نجح عيسى ﵇ من الإفلات منهم، بما أعطاه الله من قدرة على التخفي، وهذه أمثلة:
١ - أرادوا مرة أن يقذفوه من فوق الجبل فمكنه الله من تغيير هيئته وخرج من وسطهم ولم يعرفوه: "٢٨ فَامْتَلأَ غَضبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي المُجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هذَا، ٢٩ فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ المدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةَ الجبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. ٣٠ أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى." (لوقا ٤/ ٢٨ - ٣٠).
٢ - لم يعرفه اثنان من أتباعه وأحبائه "١٥ وفِيمَا هُمَا يَتكلَّمَانِ ويتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. ١٦ وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ." (لوقا ٢٤/ ١٥ - ١٦).
٣ - بل لم يعرفه سبعة من تلاميذه وخاصته: "١ أبَعْدَ هذَا أَظْهَرَ أَيْضًا يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتَّلَامِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هكَذَا: ٢ كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ، وَتُومَا الَّذِي يُقَال لَهُ التَوْأَمُ، وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ، وَابْنَا زَبْدِي، وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تَلَامِيذ مَعَ بَعْضِهِمْ. ٣ قَال لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: "أَنَا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّدَ". قَالوا لَهُ: "نَذْهَبُ نَحْنُ أَيْضًا مَعَكَ". فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ لِلْوَقْتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئًا. ٤ وَلمَّا كَانَ الصُّبْحُ، وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلكِنَّ التَّلَامِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟ ". أَجَابُوهُ: "لَا! " ٦ فَقَال لَهُمْ: "أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا". فَأَلْقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ. ٧ فَقَال ذلِكَ التِّلْمِيذُ
стр. 747
الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ: "هُوَ الرَّبُّ! ". فَلَمّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ، اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ." (يوحنا ٢١/ ١ - ٧).
٤ - وكذلك لم يعرفه اليهود، الذين كانوا يسمعونه في المعبد في كل حين، ولو كان بإمكان اليهود القبض عليه والتعرف عليه لفعلوا، ولكن تغيير صورته وشكله وصوته أشكل عليهم الأمر، مما اضطرهم للجوء لأحد تلاميذه ليرشدهم عليه:
"٣ فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلَاحٍ. ٤ فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَال لَهُمْ: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " ٥ أَجَابُوهُ: "يَسُوعَ النَاصِرِيَّ". قَال لَهُمْ: "أَنَا هُوَ". وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. ٦ فَلَمَّا قَال لهمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. ٧ فَسَأَلهمْ أَيْضًا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " فَقَالوا: "يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". ٨ أَجَابَ يَسُوع: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلَاءِ يَذْهَبُونَ"." (يوحنا ١٨/ ٣ - ٨).
٥ - كذلك أمسك عين مريم المجدلية أن تعرفه: "١٤ أوَلمَّا قَالتْ هذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. ١٥ قَال لَهَا يَسُوعُ: "يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ "فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ، فَقَالتْ لَهُ: "يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ". ١٦ قَال لَهَا يَسُوعُ: "يَا مَرْيَمُ" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالتْ لَهُ: "رَبُّونِي! " الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ." (يوحنا ٢٠/ ١٤ - ١٦).
٦ - كذلك تحدى يسوع كل اليهود قائلا: "وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالمَ" (يوحنا (١٦/ ٣٣).
فكيف يكون قد غلب العالم لو قبض عليه وقهر وصلب؟
٧ - قضى الله أن يعلق الشرير بعمل يديه: "١٦ مَعْرُوفٌ هُوَ الرَّبُّ. قَضَاءً أَمْضَى. الشِّرِّيرُ يَعْلَقُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ." (مزامير ٩/ ١٦) "٨ تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ. ٩ تَجْعَلُهُمْ مِثْلَ تَنُّورِ نَارٍ فِي زَمَانِ حُضُورِكَ. الرَّبُّ بِسَخَطِهِ يَبْتَلِعُهُمْ وَتَأْكُلُهُمُ النَّارُ.
стр. 748
١٠ تُبِيدُ ثَمَرَهُمْ مِنَ الأَرْضِ وَذُرِّيَّتَهُمْ مِنْ بَيْنِ بَنِي آدَمَ. "لأَنَّهُمْ نَصَبُوا عَلَيْكَ سَرًّا. تَفَكَّرُوا بِمَكِيدَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوهَا." (مزامير ٢١/ ٨ - ١١).
الخلاصة: تحدى عيسى ﵇ اليهود، وأعلمهم أنهم سيموتون في خطيتهم أي على فهمهم الخاطيء، وعلى محاولتهم قتل نبي الله، ولن يمكنهم الله منه. (١)
المطلب الثاني: كيف نجي المسيحُ من الصلب ؟
إذا كانت الأدلة قد أثبتت أن المسيح قد نجا من عملية الصلب، فإن ثمة سؤالًا يطرح نفسه وهو: كيف نجا المسيح من عملية الصلب؟
ملخص ما ذكرته الأناجيل في ذلك ما يلي:
١) أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه.
٢) أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلًا، وبإلحاح كبير طالبًا من الله أن يصرف عنه كأس الموت.
٣) أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره، فقال: "وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ"." (متى ٢٦/ ٣٩) وقال: "فَلْتكُنْ مَشِيئَتُكَ" (متى ٢٦/ ٤١).
٤) المسيح يصلي، والتلاميذ نيام، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة.
٥) وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن، ومعه الجند، يحملون مشاعل وسيوفًا وعصيًا، للقبض على المسيح، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح.
٦) وصلت الجموع؛ فخرج إليهم المسيح، وقال: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال المسيح: "قَال لَهُمْ: "أَنَا هُوَ" .... ٦ فَلَمّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" (يوحنا ١٨/ ٥ - ٦).
٧) حاول بطرس الدفاع، لكنه كان أعجز من ذلك، فهرب وجميع التلاميذ.
стр. 749
٨) اقتيد المأخوذ (وهو غير المسيح) للمحاكمة عند رئيس الكهنة، ثم بيلاطس، وبطرس يتابعه في بعض ذلك، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات.
٩) في المحاكمة سأل رئيس الكهنة، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح، فأجابه: "٦٤ قَال لَهُ يَسُوعُ: "أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ"" (متى ٢٦/ ٦٤).
١٠) حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله: إن كان هو ملك اليهود، فأجابه: "أنت تقول"، ثم لم يجبه بكلمة واحدة، حتى تعجب بيلاطس منه.
١١) لم يجد الوالي للمأخوذ علة في القبض عليه يستحق عليها القتل، فأراد أن يطلقه، لكن الجموع أصرت على صلبه، وإطلاف باراباس، فأعلن براءته من دم هذا البار، وأسلمه لهم.
١٢) اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب، وصلب بجوار لصين.
١٣) صرخ المصلوب على الصليب، فسقوه خلًّا، ثم أسلم الروح.
ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة، وهي من هو المأخوذ من ساحة القبض على المسيح؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك، إذ هي موضع النزاع، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير. (انظر وجه الإبطال بنبؤات التوراة).
ولنتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ، وأنه حصل التباس عند آخذيه، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير، تحمل المشاعل والسيوف والعصي، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا.
ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نيامًا، وقد حاول المسيح القاظهم مرارًا فلم يستطع، برغم أن الموقف كان صعبًا، فقد كانت عيونهم ثقيلة، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا، والتلاميذ نيام "٦ فَلَمّا قَال لهمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ." (يوحنا ١٨/ ٦).
وهنا نتوقف مليًا، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور.
стр. 750
فما فائدة سقوطهم على الأرض؟ وما الذي أسقطهم؟ وماذا أفاد المسيحَ سقوطهم، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها؟ وَلم لَمْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها؟
ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب، وفي تلك اللحظة اقترب الجند، حملة المشاعل والسيوف للقبض على المسيح، فتدخلت قدرة الله العظيم -كما ذكر يوحنا-، فسقطوا على الأرض، بعد أن رجعوا للوراء.
ولك أن تتخيل ما حصل، من هرج، وتدافع، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم.
بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض، وأفاقوا من ذهولهم لما حصل لهم، ورأوا يهوذا وحده مبهوتًا أصابه الذهول، وقد رأى المسيح يرفع للسماء، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا، ومن الذي يعرفه وقتذاك؟
فكانت لحظةُ وقوع الجند: لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير "٦ الآنَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ" (المزمور ٢٠/ ٨)، وفي مزمور آخر: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتبارِكُ. قَامُوا وَخَزُوا" (المزمور ١٠٩/ ٢٨)، وفي مزمور آخر يسجل تلك اللحظة الخالدة: "٩ حِينَئِذٍ تَرْتَدُّ أَعْدَائِي إِلَى الْوَرَاءِ" (المزمور ٥٦/ ٩)، و "لِيَرْتَدَّ إِلَى خَلْفٍ وَيَخْجَلِ ائشْتَهُونَ لِي شَرًّا." (المزمور ٧٠/ ٢)، و"٢ عِنْدَ مَا اقْتَرَبَ إِلَيَّ الأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا. " (المزمور ٢٧/ ٢)، "١٤ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لإِهْلَاكِهَا. لِيَرْتَدَّ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلْيَخْزَ الْمَسْرُورُونَ بِأَذِيَّتِي." (المزمور ٤٠/ ١٤ - ١٥) وغيرها.
بعدها حُمل يهوذا إلى المحاكمة وإلى ديوان بيلاطس، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات، فقد شك فيه رئيس الكهنة، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبيء عن الذهول الذي أصابه، وعن عجزه عن بيان الحقيقة، التي لن يُقنع أحدًا إن ذكرها، فكان يجيبهم: "أنتَ تَقُولُ" (متى ٢٧/ ١١)، "٦٦ وَلمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ
стр. 751
الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ ٦٧ قَائِلِينَ: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ المْسِيحَ، فَقُلْ لَنَا! ". فَقَال لَهُمْ: "إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لَا تُصَدِّقُونَ، ٦٨ وَإِنْ سَأَلْتُ لَا تُجِيبُونَنِي وَلَا تُطْلِقُونَنِي. ٦٩ مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ الله". ٧٠ فَقَال الجْمِيعُ: "أَفَأَنْتَ ابْنُ الله؟ " فَقَال لهمْ: "أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ"." (لوقا ٢٢/ ٦٦ - ٧٠).
ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح، وإن أشبهه، وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في الحقيقة المأخوذ، فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ، فلم ينكر ولم يثبت.
وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره، إذ لن يصدقه أحد، ولربما ولفرط ندمه قد استمسلم لرداه، ورضي بعقوية الله له، أن يصلب عن المسيح، لعله بذلك أن يفديه، لذلك تكرر سكوته.
وهذا الموقف ليس بعيدًا عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه، وانتحر.
لقد تحققت فيه نبوءات المزامير "٧ إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِيًا، وَصَلَاتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً. ٨ لِتكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً، وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ." (المزمور ١٠٩/ ٧ - ٨)، لقد أتى ليخطف المسيح، فلم يستطع .. "رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ" (المزمور ٦٩/ ٤).
وقد يشكل هنا أن متى ذكر في إنجيله أن يهوذا مات مخنوقًا (انظر متى ٢٧/ ٢ - ٥)، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه. (انظر أعمال ١/ ١٦ - ٢٠)، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا، فاخترع كل من متى ولوقا نهاية ليهوذا تليق بجريمته، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين، مشعر بوجود نهاية حقيقية، خفيت على الكاتبين، ودفعتهما لاختلاق روايتيهما.
الباب الرابع: دعوى قيامة المسيح من أجل الخلاص والرد عليها .
الفصل الأول: أقوالهم في إثبات القيامة والرد عليها، وينقسم إلى:
المبحث الأول: أقوالهم في إثبات القيامة:
يدعي النصارى أن المسيح ﵇ صلب ومات ثم بعد ذلك قام من القبر بعد ثلاثة أيام حيث ظهر لتلاميذه. وهاهي أقوالهم في ذلك:
стр. 752
يقول حبيب جرجس: "بعدما دفن السيد المسيح ومكث في القبر ثلاثة أيام عادت نفسه الطاهرة ونهض بقوة لاهوته قائما من القبر في يوم الأحد باكرًا ... وظهر بعد قيامته لتلاميذه. (١)
والاعتقاد بقيامة المسيح ركيزة أساسية من العقيدة النصرانية - حتى إنه بدون قيامة لا تكون المسيحية سوى وهم لا جدوى منه." (٢)
ويقول باركلي: "ويجب ألا ننسى أنه بدون قيامة لما قامت الكنيسة المسيحية على الإطلاق." (٣)
وهذه العقيدة - في نظر المسيحيين - هي المنطلق الأساسي الذي بُني عليه الإيمان المسيحي كله فالإيمان بالمسيح يعني الإيمان بالقيامة. (٤)
ويقول بولس: "١٤ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ" (كورنثوس الأولى ١٤).
يقول بولس إلياس اليسوعي "يظهر بولس بهذه العبارة أهمية القيامة بالنسبة للدين المسيحي، لو لم يقم المسيح من بين الأموات لكان إيمان المسيحيين باطلًا." (٥)
يقول كلايد تارنر: "إن مسيحا ميتا لا يمكن أن يكون مخلصًا، فقيامة المسيح أكدت أن الله قد قبل عمله الكفاري على الصليب." (٦)
ويقول بولس "٢٥ الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا."
ويقول د/ فهيم عزيز: "إن قيامة المسيح كانت ركنًا أساسيًا في هذا العمل العظيم." (٧)
وذلك لأن المسيح بقيامته - في نظرهم - أظهر انتصاره على الموت الذي هو أجرة الخطية.
стр. 753
يقول اسبيروجبور: "ففي آدم مات الجميع بآدم حيث انتقل الموت إلى الجميع، أما في المسيح فقد قام الجميع، بالمسيح انتقل الجميع من الموت إلى الحياة." (١)
ويقول أفلاطون مطران موسكو: "وقد أظهر يسوع بقيامته أنه غلب الموت، وكيف كان ممكنا أن ينضبط الموت المتسلط على الحياة." (٢)
يقول دوم كولومبا مرميون: "فالمسيح بقيامته أباد الخطيئة التي سببت الموت لآدم ونسله، ذلك أن المسيح بقيامته انتصر على الموت الذي سببته الخطية، وعليه فإن القيامة أعادت الحياة الجديدة للإنسان التي لا سلطان للموت عليها." (٣)
المبحث الثاني: الرد على هذه الأقوال من وجوه:
الوجه الأول: إذا كان المسيح قد مات فمن الذي أحياه ؟
فإن قالوا: نفسه، قلنا: وهو حي أو ميت؟
فإن قالوا وهو حي لزمهم تحصيل الحاصل، وإن قالوا وهو ميت لزمهم المحال، لأن الخالق للحياة لا يمكن أن يكون ميتًا، بل أقلّ أحواله أن يكون عالمًا بمن يحييه، وقيام العلم بغير الحي محال، وإن قالوا أحياه غيره وهو الذي أماته. قلنا: فذلك الغير الذي تولى موته وإحيائه أحي أم ميت؟ فإن قالوا ميت كان ذلك محالا إذ الميت لا يحيي ولا يميت، وإن قالوا كان حيا قادرا أمات المسيح ثم أحياه قلنا فقد اعترفتم أن المسيح عبد من العبيد تجري عليه الأحكام من الأموات والأحياء وفي هذا بطلان شريعة إيمانكم." (٤)
الوجه الثاني: من كان يحكم الكون أيام موت المسيح ؟
هم يقولون إن المسيح الابن - الأقنوم الثاني - هو الذي يمثل العلم أو النطق للذات الإلهية، وهنا نتسائل: هل كان الله في هذه الأيام الذي مات ودفن فيها جاهلًا بدون علم؟
стр. 754
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
هل كان الله في هذه الأيام أخرسًا بدون نطق! ! تنزه وتعالى عن ذلك.
هم يقولون أيضًا إنه الله وهنا أيضًا نتسائل - كما يقول ابن القيم - "أخبرونا من كان الممسك للسماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطًا على خشبة الصليب وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال وسمرت اليد التي أتقنت العوالم فهل بقيت السموات والأرض خلوا من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم؛ أم تقولون استخلف على تدبيرها غيره وهبط عن عرشه لربط نفسه على خشبة الصليب وليذوق حر المسامير وليوجب اللعنة على نفسه ......... ". (١)
الوجه الثالث: تناقض روايات الصلب تبطل معتقدهم .
وأيضًا إن روايات القيامة متناقضة فيما بينها تناقضًا عظيمًا - كما سبق -.
يقول شارل جنيبير: "إن روايات الإنجيل التي وصلت إلينا والتي تتعلق بقيامة المسيح لتبدو للمؤرخ الناقد نوعًا من الإنشاءات التي لا تنسجم عناصرها، قد بنيت على ذكريات مبهمة وتفاصيل متعارضة". (٢)
وقد وضحنا ذلك بالأدلة في الفصول السابقة.
الفصل الثاني: تناقضات روايات قصة القيامة .
وتتحدث الأناجيل الأربع عن قيامة المسيح بعد دفنه، وتمتلئ قصص القيامة في الأناجيل بالمتناقضات التي تجعل من هذه القصة أضعف قصص الأناجيل.
١ - الخلاف في رؤية المسيح بعد ذلك يقول متى (٢٨): إن ملكًا لاقى امرأتين وأخبرهما أن المسيح قام من الأموات: "فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ. ٩ وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لَاقَاهُمَا وَقَال: "سَلَامٌ لَكُمَا". فتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. ١٠ فَقَال لَهما يَسُوعُ: "لَا تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولَا
стр. 755
لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي". "
ويقول لوقا: إن ملكين قابلا النساء، وذاكرهن بقول المسيح أنه سيقوم فرجعن من القبر وأخبرن التلاميذ فلم يصدقوهن، وحسب هذه الرواية لم يقابلن المسيح مطلقًا.
ويختلف يوحنا في الرواية كذلك، فيقول: إن المرأة قابلت المسيح أثناء وجودها مع الملكين عند القبر، وأنه قال لهما: "وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلِهَكُمْ". "
٢ - من ذهب إلى القبر؟ وماذا حدث وقتئذ؟ ومتى كان ذلك؟
يقول متى (٢٨/ ١) "١ وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. ٢ وَإِذَا زَلْزَلَة عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلَاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الحجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ.".
ويقول مرقس (١٦/ ١) "١ وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. ٢ وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. ٣ وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: "مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟ " ٤ فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا. وَلمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لَابِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ."
ويقول لوقا (٢٤/ ١) " ١ ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. ٢ فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، ٣ فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. ٤ وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذلِكَ، إِذَا رَجُلَانِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. "
فتأمل الاختلاف والتناقض الغريب في الحالة الواحدة:
١ - يقول الأول: من ذهب إلى القبر هما مريم المجدلية ومريم الأخرى.
ويقول الثاني: إنهن ثلاثة لا اثنتان والثالثة هي سالومة.
ويقول لوقا (٢٣/ ٥٥): إنهن نساء عديدات ولم يعينهن، وذكر أن معهن أناس.
٢ - يقول الأول: حين أتيتا إلى القبر حدثت زلزلة عظيمة، والآخران يظهر من كلاهما
стр. 756
واضحا، أنه لم تحدث أية زلزلة.
٣ - يقول الأول: إنهما حين جاءتا إلى القبر، نزل ملاك الرب أمامهما ودحرج الحجر وجلس عليه.
ويقول الثاني: إنهن وجدن الحجر موضوعا على القبر فقلن لأنفسهن من يدحرج الحجر فرأين الحجر قد دحرج.
ويقول الثالث: إنهن أقبلن على القبر فوجدن الحجر مدحرجا من قبل.
٤ - يقول الأول: إن ملاك الرب جلس على الحجر.
ويقول الثاني: إنه كان جالسا في القبر على اليمين.
ويقول الثالث: إنهن لقين رجلين في القبر بثياب براقة.
٥ - يقول مرقس: إن مريم ومريم وسالومة ذهبن إلى القبر إذ طلعت الشمس.
ويقول يوحنا: إنه لم تكن إلا امرأة واحدة هي مريم المجدلية وقد أتت "الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلَامُ بَاق." (يوحنا ٢٠/ ١).
وأيضًا يخالفهم يوحنا مخالفات كبيرة: "١ وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَليَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلَامُ بَاق. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ. ٣ فَرَكَضَتْ وَجَاءَتْ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَإِلَى التِّلْمِيذِ الآخَرَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ، وَقَالتْ لَهُمَا: "أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ! ". ١١ أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ، ١٢ فَنَظَرَتْ مَلَاكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا. ١٣ فَقَالا لَهَا: "يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ " (يوحنا ٢٠).
فأي تناقض بعد هذا؟ ! ثم يزعم النصارى أن هذا هو كلمة الله، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (البقرة/ ٧٩).
٣ - متى أتت الزائرات إلى القبر؟
стр. 757
تتحدث الأناجيل عن زائراتٍ للقبر في يوم الأحد، ويجعله مرقس بعد طلوع الشمس، فيقول: "٢ وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. ٣ وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: "مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟ "" (مرقس ١٦/ ٢ - ٣).
لكن لوقا ومتَّى يجعلون الزيارة عند الفجر، وينصُّ يوحنا على أن الظلام باقٍ، يقول يوحنا: "١ وفي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلَامُ بَاق. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ." (يوحنا ٢٠/ ١) " (انظر: متى ٢٨/ ١، لوقا ٢٤/ ١).
ولنقرأ محاولة الأب متى المسكين في الجمع بين الفجر وطلوع الشمس، فقد قال: "فالاختلاف ناتج أن النسوة قمن باكرًا جدًّا والظلام باق، وأتين إلى الباب، باب غربي المدينة، وانتظرن هناك إلى أن فتحوا الباب الذي لا يفتح إلا في شروق الشمس، وهكذا بين أن قمن ووصلن في الفجر عند الباب وخرجن والشمس قد طلعت؛ كانت المفارقة". (١)
ولا ريب أن القارئ يدرك أن أحدًا من الإنجيليين ولا المؤرخين يدري عما يكتبه الأب المسكين عن باب المدينة المغلق، كما يدرك أن تفسير الأب للقصة يكذب ما قاله يوحنا الذي يقول: "جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلَامُ بَاق."، لقد وصلت المجدلية إلى القبر والظلام باق، وليس إلى باب المدينة الغربي الذي لا يفتح إلا بعد شروق الشمس!
٤ - من زار القبر؟
أما الزائرات والزوار، فهم حسب يوحنا مريم المجدلية وحدها كما في النص السابق "جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا" (يوحنا ٢٠/ ١ - ٣).
وأضاف متى مريمَ أخرى أبهمها "جَاءَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ." (متى ٢٨/ ١).
لكن مرقس يخبر قراءه أن الزائرات هن مريم المجدلية وأم يعقوب وسالومة، فيقول: "اشْتَرَتْ مَرْيَمُ المُجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ." (مرقس ١٦/ ١).
стр. 758
وأما لوقا فيخبر أن القادمات للزيارة كن نساء كثيرات ومعهن أناس، يقول لوقا: "٥٥ وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ. ٥٦ فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا. وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ."، " ١ ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. ٢ فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ" (لوقا ٢٣/ ٥٥ - ٢٤/ ١ - ٢). وهذا كله إنما كان في زيارة واحدة.
٥ - متى دحرج الحجر؟
ثم هل وجد الزوار الحجر الذي يسد القبر مدحرجًا أم دُحرج وقت الزيارة؟
يقول متى: "٢ وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلَاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ." (متى ٢٨/ ٢)، فيفهم منه أن الدحرجة حصلت وقتذاك.
بينما يذكر الثلاثة أن الزائرات وجدن الحجر مدحرجًا، يقول لوقا: "أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الحنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. ٢ فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ" (لوقا ٢٤/ ٢) (وانظر: مرقس ١٦/ ٤، يوحنا ٢٠/ ١).
٦ - ماذا رأت الزائرات؟
وقد شاهدت الزائرات في القبر شابًا جالسًا عن اليمين، لابسًا حُلة بيضاء حسب مرقس (انظر: مرقس ١٦/ ٥)، ومتَّى جعل الشاب ملاكًا نزل من السماء. (انظر: متى ٢٨/ ٢)، ولوقا جعلهما رجلين بثياب براقة. (انظر: لوقا ٢٤/ ٤).
وأما يوحنا فقد جعلهما ملَكين بثياب بيضٍ، أحدهما عند الرأس، والآخر عند الرجلين. (انظر يوحنا ٢٠/ ١٢).
٧ - أين لقيت المجدلية المسيح؟ ومن الذي بشرها بقيامة المسيح؟
لقد كانت زائرات القبر أول من رأين المسيح، فأين حصل هذا اللقاء.
يجيب يوحنا بأنه كان داخل قبر المسيح، حين كانت المجدلية (وهي الزائرة الوحيدة
стр. 759
حسب يوحنا) تتحدث إلى الملائكة، " ١٣ فَقَالا لَهَا: "يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ " قَالتْ لَهُمَا: "إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ! ". ١٤ وَلَمَّا قَالتْ هذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. ١٥ قَال لَهَا يَسُوعُ: "يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ " فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ، فَقَالتْ لَهُ: "يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ". ١٦ قَال في يَسُوعُ: "يَا مَرْيَمُ" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالتْ لَهُ: "رَبُّونِي! " الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ." (يوحنا ٢٠/ ١٣ - ١٦)، ونلحظ هنا أنَّها اكتشفت أن المسيح مازال حيًّا من غير إخبار الملائكة لها، فقد رأته وتعرفت عليه بعد برهة من حديثه معها.
وأما إجابة متى عن السؤال فهي مختلفة، فإنه يرى أن المجدلية وصاحبتها قد لقيتاه خارج القبر، بل بعيدًا عنه، فقد قال لهما الملاك مبشرًا بنجاة المسيح: ": "لَا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. ٦ لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأنَّهُ قَامَ كَمَا قَال! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ. ٧ وَاذْهَبَا سَرِيعًا قُولَا لِتَلَامِيذِهِ: إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ ترَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا". ٨ فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ. ٩ وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لَاقَاهُمَا وَقَال: "سَلَامٌ لَكُمَا". فتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. ١٠ فَقَال لَهُمَا يَسُوعُ: "لَا تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولَا لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي"." (متى ٢٨/ ٥ - ١٠).
وهكذا فحسب متى كان اللقاء بعيدًا عن القبر، وكانت البشارة بقيامته من قبل الملائكة، لا المسيح نفسه، ليتجدد السؤال: أي الإنجيلين أصاب كبد الحقيقة وأيهما أخطأها؟ وهل يمكن أن يكون مصدر ذا وذاك الله؟
٨ - هل أسرت الزائرات الخبر أم أشاعته؟
ويتناقض مرقس مع لوقا في مسألة: هل أخبرت النساء أحدًا بما رأين أم لا؟ فمرقس يقول: "وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ." (مرقس ١٦/ ٨)، ولوقا يقول: "٩ وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهذَا كُلِّهِ." (لوقا ٢٤/ ٩).
стр. 760
٩ - لمن ظهر المسيح أول مرّة؟
وتختلف الأناجيل مرّة أخرى في عدد مرات ظهور المسيح لتلاميذه، وفيمن لقيه المسيح في أول ظهور؟ فمرقس ويوحنا يجعلان الظهور الأول لمريم المجدلية. (انظر: مرقس ١٦/ ٩، يوحنا ٢٠/ ١٤). ويضيف متى: مريم الأخرى. (انظر: متى ٢٨/ ٩).
بينما يعتبر لوقا أن أول من ظهر له المسيح هما التلميذان المنطلقان لعمواس (انظر: لوقا ٢٤/ ١٣).
١٠ - كم مرّة ظهر المسيح؟ وأين؟
ويجعل يوحنا ظهور المسيح للتلاميذ مجتمعين ثلاث مرات. (يوحنا ٢٠/ ١٩، ٢٦) بينما يذكر الثلاثة للمسيح ظهورًا واحدًا (انظر: متى ٢٨/ ١٦، مرقس ١٦/ ١٤، لوقا ٢٤/ ٣٦).
ويجزم لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق أن المسيح ظهر للتلاميذ مرّة واحدة، وقد رُفع في نهاية هذه المقابلة، فيقول: "وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَال لهمْ: "سَلَام لَكُمْ! " ٣٧ فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا ... وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. ٥١ وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. " (لوقا ٢٤/ ٣٦ - ٥١).
وهذا اللقاء الأول والأخير بين المعلم وتلاميذه يرى لوقا أنه قد تم في أورشليم، فيقول: "وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ، هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ ٣٤ وَهُمْ يَقُولُونَ: "إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالحْقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ! ٣٥ وَأَمَّا هُمَا فَكَانَا يُخْبِرَانِ بِمَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ. ٣٦ وَفِيمَا هُمْ يَتكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَال لهمْ: "سَلَامٌ لَكُمْ! "" (لوقا ٢٤/ ٣٣ - ٣٦).
بينما يقول صاحباه (متى ومرقس) بأن ذلك كان في الجليل" ١٦ وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الجْلِيلِ إِلَى الجْبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. ١٧ وَلمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، " (متى ٢٨/ ١٦ - ١٧)، (وانظر مرقس ١٦/ ٧)، فهل كان لقاؤهم الأول مع المسيح في الجليل أم في أورشليم؟
١١ - هل حضر توما اللقاء الأول مع المسيح؟
стр. 761
وعند غض الطرف عن عدد ظهورات المسيح للتلاميذ فإنا نتساءل عن الحضور الذين رأوا المسيح في اللقاء الأول حيث كان التلاميذ مجتمعين في أورشليم أو الجليل، هل كانوا جميعًا موجودين أم أن أحدهم وهو توما الشكاك كان غائبًا عن هذا اللقاء؟
متّى يرى أن التلاميذ الاثني عشر كانوا موجودين خلا يهوذا الخائن، فيقول: "١٦ وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الجْلِيلِ إِلَى الجْبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. ١٧ وَلمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا." (متى ٢٨/ ١٦ - ١٧)، يفهم منه أن توما كان أحد أولئك الساجدين حينذاك، ولعله هو من عناه متى حين قال: "وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا".
لكن يوحنا يجزم بغياب توما عن اللقاء الأول، ويقول: "٢٤ أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَال لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. ٢٥ فَقَال لَهُ التَّلَامِيذُ الآخَرُونَ: "قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ! "." (يوحنا ٢٠/ ٢٤ - ٢٥)، والحديث بالطبع عن اللقاء الأول، وقد لقيه بعد ذلك بثمانية أيام، وشكّ في شخص من يراه، وأراه المسيح يديه ورجليه كما قال يوحنا. (انظر يوحنا ٢٠/ ٢٦ - ٢٧).
لكن العجب كل العجب فيما أضافه بولس في اللقاء الأول، لقد أضاف ضيفًا غريبًا ثقيلًا، وهو يهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن الهالك، فقد قال: "٤ وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، ٥ وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ." (كورنثوس (١) ١٥/ ٤ - ٥)، إنه تناقض صارخ آخر من تناقضات هذه الرواية التي تعتبر بحق أضعف أجزاء العهد الجديد.
١٢ - كم بقي المسيح في الأرض قبل رفعه؟
ونشير أخيرًا إلى تناقض كبير وقعت فيه الأناجيل، وهي تتحدث عن ظهور المسيح، ألا وهو مقدار المدة التي قضاها المسيح قبل رفعه.
ويفهم من متى ومرقس أن صعوده كان في يوم القيامة (انظر: متى ٢٨/ ٨ - ٢٠، مرقس ١٦/ ٩ - ١٩، ولوقا ٢٤/ ١ - ٥٣).
بيد أن مؤلف أعمال الرسل - والمفترض أنه لوقا - جعل صعود المسيح للسماء بعد
стр. 762
أربعين يومًا من القيامة. (انظر: أعمال ١/ ١٣).
وبهذه التناقضات وغيرها سقطت شهادة الشهود في هذه المسألة، وصح لأي محكمة أن تعتبرهم شهود زور، وهل يُعرف شهود الزور إلا بمثل هذه التناقضات، أو أقلّ منها؟ ، أما الأب متى المسكين فأعياه أن يواجه تناقضات قصة القيامة، فبدلًا عنه رأى أن يقدم "رجاء وتوعية لكل قارئ أن لا يعثر من الاختلافات الواضحة في قصة القيامة، لأن الذي يتحدث عن القيامة إنما يتحدث عن أمور ليست تحت ضبط العقل والفكر والحواس والتمييز البصري .. فكل ما يخص القيامة لا يدخل تحت النقد أو الفحص أو التحقيق والإيضاح". (١)
فهل القارئ الكريم ممن يلتمس العذر لكتاب الأناجيل فيما عثروا به في قصة القيامة؟ أم يعتبرها دليلًا آخر على كذب الشهود وسقوط شهاداتهم المتخالفة عن الشهادة في مثل هذه القضية العظيمة؟ (٢)
"وملاك القول أن ثمة تناقضا كثيرًا بين بعض الأناجيل والبعض الآخر، وأن فيها نقطًا تاريخية مشكوكًا في صحتها، وكثيرًا من القصص الباعثة على الريبة والشبيهة بما يُروى عن آلهة الوثنيين، وكثيرًا من الحوادث التي يبدو أنَّها وضعت عن قصد لإثبات وقوع النبوءات الواردة في العهد القديم، وفقرات كثيرة ربما كان المقصود منها تقدير أساس تاريخي لعقيدة متأخرة من عقائد الكنيسة أو طقس من طقوسها، ... ، ويبدو أن ما تنقله الأناجيل من أحاديث وخطب قد تعرضت لما تتعرض له ذاكرة الأميين من ضعف وعيوب، ولما يرتكبه النساخ من أخطاء أو تصحيح". (٣)
الفصل الثالث: من الذي أقامه من الأموات ؟
يقول بولس مجددًا: "١٤ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ المسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانَكُمْ
стр. 763
" (كورنثوس الأولى ١٥/ ١٤)، فهل هو الذي أقام نفسه؟ لا، فإن الذي أقامه هو الله، ومعنى ذلك أنه كان هناك أحد الثالوث ميتًا والآخر حيًّا. وهذا دليل يضاف إلى ما سبق على أن يسوع ليس متحدًا مع الاب ولا الروح القدس. ومعنى ذلك أيضًا أنه لا يوجد داع مطلقًا لأن يتجسد الإله ليهان وتراق كرامته على مذبح اليهود، ويفقد قداسته بين أيديهم، ليغفر للبشرية خطيئة لم يرتكبوها.
وسنذكر بعون الله تعالى الأدلة على أن يسوع لم يقم من الأموات، ولكن الله الذي يحيي ويميت هو الذي أقامه، وساعتها يبطل إيمانكم بنص كتابكم، وتبطل كرازتكم، وتقام عليكم الحجة في عدم اتحاد الخالق بالمخلوق والمحيي والمميت بالميت.
١ - ورد في سفر أعمال الرسل (٢/ ٢٤) " ٢٤ الَّذِي أَقَامَهُ الله نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمكنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. "
٢ - ورد أيضًا في أعمال الرسل (٢/ ٣٢) " ٢٢ فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ الله، وَنَحْنُ جميعًا شُهُودٌ لِذلِكَ. "
٣ - وورد أيضًا في اعمال الرسل (٣/ ١٥): "١٥ وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ الله مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ."
٤ - وورد أيضًا في أعمال الرسل (٣/ ٢٦): "٢٦ إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، إِذْ أَقَامَ الله فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ". "
والغريب حقا أن المترجم غير كلمة "عبده: إلى "فتاه"، فقد جاءت في الكثير من التراجم كلمة عبده:
Act ٣: ٢٦ To You, first Godsent his servnt. blessing you by turning every one of you from his sins. (BBE)
Unto you first God, having raised up his servant. sent him to bless you. in turning away every one of you from your iniquities (ASV)
Euch Zuerst hat gott. al ser seinen Knecht erweckte. ihn gesandt, euch zu sergnen, indem er einen jeden von euren Bosheiten abwendet (GEB)
стр. 764
Euch zuvorderst hat gott auferweckt seinen knecht gesus und ihn zu euch ges andt, auch zu segnen, daB ein jeglicher sich bekehre von seiner bosheit. (GLB)
وانظر إلى هذه الترجمة يتضح لك تحريف المترجم ليتناسب ما يكتبه وإيمان طائفته، فقد حذف المترجم كلمة (إذ أقام الله عبده يسوع):
God sent his choosen son to you first, because God wanted to bless you and make each one of turn away from your sins. (CEV)
والسبب في هذا التغيرٍ هو أن عيسى ﵇ قاى ما معناه: إن العبد لا يمكن أن يكون أعظم من سيده، ولا الرسول أعظم من مرسله، أي أنه بذلك ينفي الاتحاد المزعوم بينه وبين الله " ١٦ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ." (يوحنا ١٣/ ١٦).
فهو بذلك يقر بأن الله أعظم منه، فهو رسوله إلى بني إسرائيل، ويستحيل أن يتحد الإله القدوس بالعبد الذليل: "٢٨ سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي." (يوحنا ١٤/ ٢٨).
٥ - ورد أيضًا في أعمال الرسل ٤/ ١٠: "فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ المَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ الله مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. "
٦ - وفي أعمال الرسل ٥/ ٣٠: "٣٠ إِلهُ آبَائِنَا أَقامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قتَلْتُمُوهُ معَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. "
٧ - وفي أعمال الرسل (١٠/ ٤٠): "٤٠ هذَا أَقَامَهُ الله فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَعْطَى أَنْ يَصِيرَ ظَاهِرًا".
٨ - وفي أعمال الرسل (١٣/ ٣٠): "٣٠ وَلكِنَّ الله أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.".
٩ - وفي أعمال الرسل (١٣/ ٣٣ - ٣٧): "٣٣ إِنَّ الله قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلَادَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ ... ٣٤ إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ ... ٣٧ وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَهُ الله فَلَمْ يَرَ فَسَادًا".
١٠ - وفي أعمال الرسل (١٧/ ٣١): "٣١ لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ
стр. 765
المَسْكُونَةَ بِالْعَدْل، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". "
١١ - ورد في سفر رومية (٤/ ٢٤): "٢٤ بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أيضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ.".
١٢ - وفي سفر رومية أيضًا (٨/ ١١): "١١ أَهاِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ المَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أيضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ.".
١٣ - وفي سفر رومية ١٠/ ٩: "٩ لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ الله أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. "
١٤ - وفي غلاطية (١/ ١): "١ بُولُسُ، رَسُولٌ لَا مِنَ النَّاسِ وَلَا بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ المَسِيحِ وَالله الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ".
١٥ - وفي أفسس (١/ ٢٠): "٢٠ الَّذِي عَمِلَهُ في الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ في السَّمَاوِيَّاتِ".
١٦ - وفي كولوسي (٢/ ١٢): "١٢ مَدْفُونِينَ مَعَهُ في الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ الله، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. "
١٧ - وفي تسالونيكي الأولى (١/ ١٥): "٢١ وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي. "
١٨ - وفي بطرس الأولى ١/ ٢١): "٢١ أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِالله الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا في الله." (١)
وأخيرًا: ما السبيل إلى النجاة ؟
لقد أوضح لهم عيسى ﵇ كيفية دخول الجَنَّة، وتأمل هذه النصوص:
١ - ورد في يوحنا ١٧/ ٣: "٣ وَهذِهِ هِيَ الحيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ
стр. 766
وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ. "
٢ - وورد في متى (٥/ ١٦): "١٦ فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. "
٣ - وورد في متى ٥/ ٢٠: "٢٠ فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ.".
٤ - وورد في متى ١٩/ ١٦ - ١٧: "١٦ وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَال لَهُ: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلَاحٍ أَعْمَلُ لِتكُونَ لِيَ الحيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ " ١٧ فَقَال لَهُ: "لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الله. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الحيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا". "
الوجه الثالث: بيان بطلان عقيدة الصلب والفداء عند النصارى فيما يُكْفَّر به الذَّنْبَ عقلًا ومنطقًا .
الفصل الأول: لماذا كل هذا التضخيم لذنب آدم ؟ .
النصارى يزعمون أن آدم لما أكل من الشجرة غضب الرب عليه وعاقبه وأن تلك العقوبة بقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح وصلب وأنه كانت الذرية في حبس إبليس فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم في حبس إبليس حتى قالوا ذلك في الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى (١).
وأن آدم لما تخطى ما أُمر به وزلّ استحقّ العقاب، فلما توجه عليه العتاب أشفق من ذنبه وتقطع أسفًا على مخالفة ربّه، فرحمه الله ولطف له وفداه بابنه المسيح، فكان كلّ ما نزل بالمسيح من ضربٍ وإذلالٍ وصلبٍ وموتٍ إنما هو فداء وقضاء عن آدم، فضرب عوضًا من رفاهية آدم، ومات بدلا عن موت المعصية الذي كان آدم يتوقعه (٢).
فمن تمام رحمته بالناس أنه رضي بإراقة دمه ليرفع عنهم وزر خطيئة آدم على خشبة الصليب، فمكّن اليهود أعداءه من نفسه ليتم سخطه عليهم فأخذوه وصلبوه؛ لأنه لم يكن
стр. 767
في الحكمة الأزلية أن لا ينتقم الله من عبده العاصي آدم الذي ظلمه واستهان بقدره، لم يرد الله الانتقام منه لاعتلاء منزلة السيد وسقوط منزلة العبد فأراد الله أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فصُلب ابن الله الذي هو الله الذي هو الله في تمام الساعة التاسعة من يوم الجمعة صلبه اليهود الملاعين (١).
ومن رحمته بعباده جسد كلمته وهو ابنه الأزلي تجسدًا ظاهرًا، ورضي بموته على الصليب وهو غير مستحق لذلك لكي يكون ذلك فداءً عن الخطية الأولى، ولم يكن في استطاعة أحد أن يقوم بهذا الفداء سوى ابن الله وابن الإنسان منا، وكان ذلك الابن وهذا الفداء هو المسيح عيسى ولد مريم العذراء أرسل الله إليها ملاكه جبريل وبشرها بأن المسيح مخلِّص الدنيا يولد منها، وأن الروح القدس يحل فيها، فتلد الكلمة الأزلية وتصير والدة الإله.
فلهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله وبين عدله ورحمته، إذ إن مقتضى العدالة أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتران العدل والرحمة وبتوسيط الابن الوحيد وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق قرب الناس من الرب بعد الابتعاد وقد كان التكفير الذي قام به المسيح هو الصلب. (٢)
وجواب ذلك من وجوه
الوجه الأول: أبأكلة من شجرة يغضب الرب، ويحكم بالموت الأبدي على آدم وذريته ؟
فالنصارى يعتقدون أن سبب خطيئة آدم ﵇ أبي البشر أكلة من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجَنَّة، وعلى هذا الأساس قامت نظرية (عقيدة) الصلب والفداء والتي تعني صلب المسيح ﵇ (ابن الله كما يعتقدون) نيابةً عن الجنس البشري وفداءً لهم وهذا ما يعبِّر عنه النصارى بالخلاص (٣).
الوجه الثاني: كل هذا التصوير الظالم لحال آدم لكي يصبح لصلب المسيح مبررًا .
وكل هذا التصوير الظالم لحال آدم وذريته اللعنة المؤبدة الموروثة لماذا؟ لكي يصبح فداء
стр. 768
المسيح - صلبه - مبَررًا (١).
ومن المعلوم أن الديانة النصرانية بجملتها تقوم أو تسقط بقيام فكرة الخلاص والخطيئة أو سقوطها، فهذه الفكرة هي الأساس الأول والأخير الذي قامت عليه كل عقائد النصارى، فعلى أساسها جعلوا عيسى ابنًا وجعلوه إلهًا وجسدوا الإله وجعلوه مصلوبًا (٢).
الوجه الثالث: أليس من العدل أن تتناسب العقوبة مع الذَّنْبَ ؟
من المسلَّم به في جميع الشرائع العادلة أن تتناسب العقوبة مع الذَّنْبَ، فهل تتناسب العقوبة بصلب المسيح (كما يزعمون) مع خطيئة آدم ﵇ بالأكل من الشجرة، إن كل خطيئة آدم التي أحال عليها النصارى عملية قتل المسيح وصلبه لا تعدو أن تكون أكلًا من شجرة نُهي عنها، وثبت بنصوص الكتب المقدسة أن الله عاقبه عليها بإخراجه من الجَنَّة، ولا شك أنه عقاب كافٍ، فالحرمان من الجَنَّة والخروج منها إلى الكدح والتعب في الدنيا عقاب ليس بالهين (٣).
لكن النصارى يمنعون أن يعفو الله عن آدم وأبنائه، ويصرون أن لابد من العقوبة المستحقة لهم، لكنهم قد نالوها بالفعل، فما بال الخطيئة تتوارث وعقوبتها في أبنائهم.
الوجه الرابع: ألا يُعد تكرار العقوبة على العاصي ظلمًا ؟
أليس تكرار العقوبة للعاصي صورة من صور الظلم الذي يتنزه عنه الله! ، وقد ذكر في سفر التكوين (٣/ ١٧): "ملعونة الأرض بسببك، وبالتعب تأكل منها كل أيام حياتك".
الوجه الخامس: إذا كان ذنب آدم احتاج لتجسد الإله والصلب، فما بال معاصي بني آدم الكثيرة ؟
وليس ثمة تناسبًا بين الذَّنْبَ والعقوبة، ونلحظ في العقوبة شدة متمثلة في لعن الأرض كلها والأتعاب الطويلة للرجال والنساء، ونلحظ أن ليس ثمة تناسبًا بين الذَّنْبَ والعقوبة، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجَنَّة (٤).
إذا كان خطأ آدم قد احتاج لتجسد إله وصلبه من أجل أن يُغفر، فكم تحتاج معاصي
стр. 769
بنيه من آلهة تصلب، إن جريمة قتل المسيح التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم، وأعظم منها ما نسبه القوم إلى أنبيائهم من القبائح التي لا تصدر إلا من حثالة البشر، وإن كان خطأ آدم في أكله من شجرة الإله قد ورث أبناءه الخطيئة الكبرى التي لن يغفرها الرب الإله إلا بقتل ابنه الوحيد، فكم تكون خطيئة بني آدم لقتلهم ابن الإله، إنها لا تُقارن بخطيئة أبيهم آدم، أي الخطيئتين أعظم؟ ، وأي المعصيتين أفدح عند الإله؟ ، وإن الرضا عن جريمة قتل ابن الإله التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم (١).
الفصل الثاني: أليس في وقوع آدم ﵇ في الذنب حكمة بليغة ؟
وفيه وجوه:
الوجه الأول: أليس قد قضى الله بأن يكون آدم خليفته في الأرض، وأخبر بذلك ملائكته قبل خلق آدم ؟
خلق الله آدم وقد علم سبحانه أنه خلقه ليجعله خليفة في الأرض ويستخلف أولاده واقتضت حكمته سبحانه أن يبتلي الأبوين لتمام سعادتهم، فإن كمال العبودية المحبة والطاعة إنما يظهر عند المعارضة، والدواعي إلى الشهوات والإرادات المخالفة للعبودية (٢).
فلما نسي آدم ﵇ عهد الله إليه في أن إبليس عدو له أحسن الظن بيمينه. فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيًا ومتأولًا وقاصدًا إلى الخير (٣).
إن الله قد علم منهما (الأبوين) أنه يتناول من الشجرة فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه، وإنما خلق للأرض وأنه لا يترك في الجَنَّة بل ينتقل منها إلى الأرض فكان تناوله من الشجرة سببا لإهباطه واستخلافه في الأرض كما قال تعالى قبل خلقه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤).
فإن الله سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما له في ذلك
стр. 770
من الحِكَم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من الجَنَّة إلى دار قد أسكناها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية.
الوجه الثاني: أليس في ابتلاء آدم بالذنب سبب لسعادته؟ فخرج من الجَنَّة ليعود إليها على أحسن الأحوال ؟ .
وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة تترتب على خروجه من الجَنَّة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت غايات لحِكم ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه. (١)
فإن الله سبحانه لما اهبط آدم أبا البشر من الجَنَّة لما له في ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن معرفتها والألسن عن صفتها فكان إهباطه منها عين كماله ليعود إليها على أحسن أحواله. (٢)
الوجه الثالث: لم يكن خروج آدم ﵇ من الجَنَّة عقوبة، فقد تاب الله عليه .
لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجَنَّة وإهباطه منها عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقَبِلَ توبته وإنما أهبطه إما تأديبًا وإما تغليظًا للمحنة.
والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجَنَّة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجَنَّة، ولله أن يفعل ما يشاء (٣).
وبُلي الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة وهو التوحيد والاستغفار فأزيل عنه العتب وغفر له الذَّنْبَ وقبل منه المتاب وفتح له من الرحمة والهداية كل باب ونحن الأبناء ومن أشبه أباه فما ظلم ومن كانت شيمته التوبة
стр. 771
والاستغفار فقد هدي لأحسن الشيم (١).
الوجه الرابع: أليس قد عهد الله لآدم بأن يعود إلى الجنة هو وكل من اتبع هدى الله من ذريته ؟
وإذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٢).
الفصل الثالث: كيف لا تكون توبة آدم مقبولة ؟ .
الوجه الأول: ليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبة آدم .
إن آدم ﵇ وإن كان أكل من الشجرة فقد تاب الله عليه واجتباه، قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبته وإنما قد يقول قائلهم: إنا لا نعلم أنه تاب، أو ليس عندنا توبته وعدم العلم بشيء ليس علمًا بعدمه وعدم وجود الشيء في كتاب من كتب الله لا ينفي أن يكون في كتاب آخر ففي التوراة ما ليس في الإنجيل وفيهما ما ليس في الزبور وفي الإنجيل والزبور ما ليس في التوراة وفي سائر النبوات ما لا يوجد في هذه الكتب والقرآن لو كان دون التوراة والإنجيل والزبور والنبوات أو كان مثلها لأمكن أن يكون فيه ما ليس فيها فكيف إذا كان أفضل وأشرف وفيه من العلم أعظم مما في التوراة والإنجيل وقد بين الله تعالى فضله عليهما في غير موضع كقوله تعالى: " ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ
стр. 772
عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
الوجه الثاني: كيف يجوز أن يكون رسل الله في حبس الشيطان في جهنم ؟
وسواء تاب آدم أو لم يتب فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافرًا ولم يؤاخذه الله بذنبه فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم مع أنه كان نبيًّا ونوح ﵇ قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأغرق الله أهل الأرض بدعوته وجعل ذريته هم الباقين فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان لأجل ذنب آدم (١).
والمسلمون يثبتون بالدلائل الكثيرة أنهم بدلوا معاني التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من نبوات الأنبياء وابتدعوا شرعًا لم يأت به المسيح ولا غيره ولا يقول عاقل مثل زعمهم إن جميع بني آدم من الأنبياء والرسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح.
فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم فكيف وهذا الكلام ليس منقولًا عندهم عن أحد من الأنبياء وإنما ينقلونه عمن ليس قوله حجة لازمة فإن كثيرا من دينهم مأخوذ عن رؤوسهم الذين ليسوا بأنبياء.
فإذا قطعنا بكذب من ينقله عن الأنبياء فكيف إذا لم ينقله عنهم وذلك أن الأنبياء ﵈ يخبرون الناس بما تقصر عقولهم عن معرفته لا بما يعرفون أنه باطل ممتنع فيخبرونهم بمحيرات العقول لا محالات العقول (٢).
الوجه الثالث: أليس الإنسان ضعيفًا ومُعَرَّض للخطأ، فماذا يفعل إذا أذنب ؟
وهكذا نلاحظ أن آدم قد ارتكب خطيئته وأخذ جزاءه وهو الخروج من الجَنَّة، ثم
стр. 773
أدرك خطأه فتاب إلى الله فقبل توبته واجتباه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿(١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، إذ انتهت الخطيئة على صاحبها، ولكن النصارى يدعون شيئين كليهما لا يمكن تسليمه إطلاقًا:
الأول: أنَّ الخطيئة باقية لم تزل، وأن الله لم يغفرها لآدم.
الثاني: أنَّ الخطيئة لم تقف عند حد آدم، بل انتقلت منه إلى جميع أبنائه، ومن هنا أصبحوا مخطئين بطبيعتهم.
ونحن لا نسلم الأمر الأول؛ لأن الله قد تاب على آدم، وهو التواب الرحيم يفتح باب التوبة للإنسان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ليس مَلَكًا مجردًا من الشهوة، وإنما هو مركب من الخير، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ومن هنا كان من الممكن أن يسقط الإنسان في الخطأ بحكم طبيعته ومنطق العدل والرحمة يستلزم أن يفتح الله باب توبته لمن يتوب، ولكن النصارى لا يؤمنون بالتوبة كطريق إلى مغفرة الذنوب، ويقولون: ليست هناك توبة كاملة لأي مخلوق، وليس هناك إلا طريق واحد لمغفرة الذنوب، وهو أن يصلب الله نفسه على الصليب تكفيرًا عن خطايا البشر.
وهم (أي النصارى) يزعمون أن الله لا يمكن أن يغفر الخطيئة بمجرد كلمة إلهية تصدر منه لأنه لا يقدر أن يكون غير عادل، والذي نود أن نفهمه من هؤلاء ما وجه معارضة غفران الخطايا للعدالة، وألا يتعارض هذا مع صفة الرحمة.
الوجه الرابع: البرهان من التوراة والإنجيل على أن التوبة وحدها تكفي لغفران الذنوب، ولا حاجة للصلب .
في الإنجيل الذي بين أيديكم أن الله صفح (وتاب على أهل نينوى عندما صاموا وقاموا)، ويقولون: إن الصوم والصلاة والصدقة والتوبة لا تجدي شيئًا لأنَّها طرق بشرية ولا بد في التوبة من وسيلة إلهية، وهي (صلب نفسه على الصليب) (١).
стр. 774
ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلَّا قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل وهو الذي يعرف بسفر الخليقة لقابيل الذي قتل هابيلًا، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله: "إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك" (التكوين ٤/ ٧: ٦)، وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهرًا له ومخلصًا، فلا حاجة إلى شيءآخر.
وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة: "إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة" (التكوين ٤/ ١٥)، وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة.
وقد قال الله تعالى في بعض النبوات: "لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون" (حزقيال ١٨/ ٢٠)، وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه: " ﴿إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤).
وقد قال الله في المزمور الرابع: "يَا بَنِي الْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَارًا؟ حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟ سِلَاهْ. ٣ فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. ٤ اِرْتَعِدُوا وَلَا تُخْطِئُوا. تَكَلَّمُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَلَى مَضَاجِعِكُمْ وَاسْكُتُوا. سِلَاهْ. اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ." (مزمور ٤/ ٥: ٢)، فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك.
وقال الله تعالى في المزمور الأوّل: "طُوَبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورة الأَشْرَارِ، وَفي طَرِيقِ الخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وِفي مَجْلِسِ المُسْتَهْزِئينَ لَمْ يَجْلِسْ. ٢ لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا." (مزمور ١/ ٢: ١)، فقد أخبر الله تعالى على لسان داود ﵇ أن الاشتغال بأسباب الخير ومفارقة أهل الشّرّ مخلص فلا حاجة إلى الخلاص بقتل المسيح وصلبه.
وقال بولس - خطيب النصارى ومتكلمهم -: "أولا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ " (بولس ٢/ ٥: ٣). فإن كان لا بدّ من قتل المسيح لضرورة
стр. 775
خلاصهم فلا معنى لتوبة الله على عبده (١).
الوجه الخامس: أليس من رحمة الله أن يفتح لعباده باب التوبة والغفران ؟
فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطًا عظيمًا فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلا، لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذَّنْبَ بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون ﵇ (٢).
فما وقع فيه آدم ﵇ من مخالفته بأكله من الشجرة التي نهاه الله عنها، فقد نص القرآن أن الله ألقى في روع آدم ﵇ أن يتوسل إليه بكلمات ألهمه إياها ليتوب عليه فاستقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حتى تعلمها فتاب عليه، وأصبحت خطيئته كأن لم تكن لأن التوبة الصادقة تمحو الذَّنْبَ، وبالتالي فلا حاجة إلى تسلسل الخطيئة من ذرية آدم أو توارثها في الأجيال التي من بعده، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾، بذلك فتح الله للعصاة طريق التوبة إذا عصوا فيتوب عليهم كما تاب على أبيهم آدم بدون واسطة من الكهان أو الرهبان؛ لأنه سبحانه التواب الرحيم (٣).
فالتوبة من الذَّنْبَ كفارة له، وهي من فضل الله على الخاطئين، فالتوبة تغسل الذَّنْبَ وتنقي القلب، فيكون الخاطئ التائب حبيبًا إلى الله، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته؟ لم يصرون على القصاص؟ ولِمَ يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه" بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"؟ (عبرانيين ٩/ ٢٢).
الوجه السادس: أليست توبة الله على آدم موافقه للعقل والنقل ؟