وكلمة (أدنى) بمعنى: أخفض، (والانخفاض ضد العلو) وردت كثيرًا في الشعر العربي كما في قول ابن قيم الجوزية:
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوانِ
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتُحرم ... ذا وذا يا ذلة الحرمانِ
فنحن نلاحظ في البيتين السابقين (الطباق) بين كلمتي: الأدنى والأعلى، وورودهما على أنهما متضادتين من حيث المعنى.
ويقول (أبو عدي النمري):
تهامية الأدنى حجازية الذرا ... كأن عليها من عُمان شقيقها
على الرغم من أن الشاعر في مَعْرِض الحديث عن النسب القريب منه والبعيد؛ إلا أنه يختار للتعبير عن ذلك كلمتين متضادتين معنويًا من وجهة نظره؛ وهما: الأدنى - الذرا، الذرا: أكثر الأماكن علوًّا، الأدنى: أكثر الأماكن انخفاضًا. . . . والقرب والبعد مسألة نسبية (١).
قلت: وكذلك يتم استخدام كلمة (أدنى) بمعنى: أخفض في كثير من حياتنا اليومية. . . فمن يطالع النشرة الاقتصادية كل مساء يَجِد مَنْ يعرض النشرة يقول: انخفض سعر صرف الين الياباني إلى أدنى مستوى له أمام الدولار.
الوجه الثاني: كلمة (أدنى) في آيات من القرآن جاءت بمعنى: أخفض أو أقل؛ وليس بمعنى: أقرب .
١ - قال أبو البقاء الكفوي (٢): و (الأدنى) يُعبر به تارة عن الأصغر فيقابل بالأكبر: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾، وتارة عن الأرذل فيقابل بالخير: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، وتارة عن الأول فيقابل الآخر: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، وتارة عن الأقرب فيقابل بالأقصى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: أقرب لنفوسهم.
стр. 7107
قال الواحدي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ للصَّلاة والقراءة ﴿أَدْنَى﴾ أقلَّ ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ أي: وتقوم نصفه وثلثه. (١)
قال الأصفهاني: الدنو: القرب بالذات، أو بالحكم، ويستعمل في المكان والزمان والمنزلة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ (الأنعام: ٩٩)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ (النجم: ٨) هذا بالحكم (٢).
٢ - لذلك نقول: إننا لا نستطيع أن ننكر على من قال: (أدنى) بمعنى: أخفض لما سبق من أقوال العلماء المتقدمين على أن أدنى تعني: أقرب وكذلك تعني أخفض.
٣ - من أقوال العلماء السابقين أن كلمة (أدنى) الواردة في الآية هي بمعنى: أقرب؛ والسبب هو:
قال ياسر محمود الأقرع: وذلك انطلاقًا مما حملته معاجم اللغة من معانٍ لهذه الكلمة لا تكاد تخرج عن معنى القرب والدنوِّ، وظل مفسرو القرآن ودارسوه يتحدثون عن الإعجاز الغيبي في هذه الآية، ذلك أن اللَّه أخبرنا أن الروم سيهزمون الفرس في بضع سنين (من ثلاث إلى تسع سنوات)، وهذا ما شهده معاصرو نزولِ الآية بعد نزولها بتسع سنوات. ثم طالعنا بحثًا جديدًا يؤكد أن أهم مراحل الحرب التي أسفرت عن هزيمة الروم وخسارتهم كانت في أكثر مناطق العالم انخفاضًا، في حوض البحر الميت الذي يقع في منطقة تتقاطع فيها كل من: سورية، والأردن، وفلسطين، ويبلغ مستوى سطح الأرض في هذه المنطقة (٣٩٥) مترًا تحت سطح البحر، وهذا يعني أنها أدنى منطقة في الأرض.
ويذهب البحث إلى أن كلمة (أدنى) الواردة في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ لها معنى آخر هو: أخفض إضافة إلى المعنى الذي تعارف عليه المفسرون وهو
стр. 7108
أقرب، وقد أنكر بعض مَنْ قرأ البحث هذه النتيجة مؤكدًا أن كلمة (أدنى) تعني من الوجهة اللغوية: أقرب، وليس ثمة رأي آخر يدل على أنها قد تأتي بمعنى: أخفض.
وإذا كان معنى كلمة (دنا) مقتصرًا -من الناحية اللغوية- على ما ذكرناه، فماذا نقول إذن في قوله تعالى في الآية (٧) من سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك في قوله تعالى في الآية (٢٠) من سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾، نلاحظ أن كلمة (أدنى) في الآيتين السابقتين جاءت بمعنى: أقل، ولا يستقيم المعنى إذا نحن أوَّلناها على أنها: (أقرب) نزولًا عند معطيات المعاجم اللغوية.
في سورة المجادلة جاءت (أدنى) بمعنى: (أقل) مرتبطة بدلالة عددية؛ فالأدنى من العدد ثلاثة هو العدد اثنان.
وفي سورة المزمل جاءت كلمة (أدنى) بمعنى: (أقل) مقترنة بدلالة زمنية (أدنى من ثلثي الليل)، والأدنى من ذلك: نصفه أو ثلثه أو ربعه أو. . .
إذن جاءت كلمة (أدنى) التي بمعنى: أقل ذات دلالة عددية في سورة المجادلة، وذات دلالة زمنية في سورة المزمل، وفي الدلالات العددية أو الزمنية هنالك ما هو أدنى: (أقل) وما هو (أكثر)، ولكن في الحديث عن الأرض ما هي دلالة كلمة (أدنى) إن كانت بمعنى (أقل) (١)؟
بيان أن معنى أدنى في الآية: أخفض .
قال عبد الدائم الكحيل: أولًا: يحدثنا القرآن في عصر لم يكن باستطاعة أحد أن يقيس أخفض نقطة على سطح اليابسة من الأرض، يحدثنا عن هذه المنطقة بالذات، وأن معركة وقعت فيها وكانت نتيجتها انتصار الفرس على الروم.
لقد حدَّدت هذه الآيات (الروم: ١ - ٧) موقع المعركة في (أدنى الأرض) فما هو معنى
стр. 7109
هذه العبارة؟ وهل يمكن أن نفهمها بأنها تعني فقط: (أقرب الأرض) كما فسَّرها المفسِّرون الأوائل رحمهم اللَّه تعالى أم أن هنالك معانٍ أخرى؟ وهل هنالك معجزة في هذه الآية الكريمة؟
ثانيًا: لقد تأملت هذا النص الكريم طويلًا واطلعتُ على تفاسيره فوجدتُ أن المفسرين يفسرون قوله تعالى: ﴿أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ بأقرب الأرض؛ أي: أقرب أرض الروم إلى أرض العرب وهي أغوار البحر الميت؛ أي: المنطقة المحيطة بهذا البحر، انظر مثلًا تفسير الطبري أو تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.
ولكن الذي لَفَتَ انتباهي هو أن عبارة: (أدنى الأرض) عامة وليست خاصة بأرض العرب؛ أي: أن القرآن في هذه الآية يطلق صفة (أدنى) على الأرض دون تحديد أرض معينة، ولذلك فقد فهم المفسرون أن الأدنى هو الأقرب بسبب أنهم لم يتصوّروا أن هذه المعركة قد وقعت في أخفض منطقة على وجه اليابسة.
وهذه هي عظمة القرآن؛ أن المعجزة تبقى مختفية قرونًا طويلة على الرغم من المحاولات الكبيرة لفهمها، إلا أن اللَّه تعالى يُظهرها في الوقت المناسب لتبقى آيات اللَّه مستمرة وقائمة إلى يوم القيامة، ولو أن المفسرين استطاعوا تفسير القرآن كله إذن سوف تتوقف المعجزة، واللَّه تعالى قد تعهّد بأنه سيرينا آياته وينبغي علينا ألا ننكرها، يقول تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ (غافر: ٨١).
ثالثًا: تأملتُ قوله تعالى عن المسجد الأقصى وهو مسجد يقع في مدينة القدس التي لا تبعد سوى عشرين كيلو مترًا عن منطقة البحر الميت حيث دارت المعركة؛ يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء: ١)، وبدأت التساؤلات: كيف يصِف اللَّه تعالى منطقة البحر الميت بأنها (أقرب الأرض)، ثم يعود ويصِف المسجد الموجود هناك بأنه (المسجد الأقصى) أي: الأبعد؟ !
ثم تأملتُ في الخرائط الجغرافية فوجدتُ بأن المنطقة التي وقعت فيها المعركة وهي التي
стр. 7110
سماها القرآن بـ (أدنى الأرض) تبعد عن مكة أكثر من ألف ومئتي كيلو مترًا، فكيف تكون هذه الأرض هي (الأقرب) وهي تقع على هذه المسافة الكبيرة؟ وكيف يكون المسجد الأقصى هو (الأبعد) وهو يقع على نفس المسافة من مكة المكرمة حيث نزلت هذه الآيات؟
ثم تساءلتُ: لو أن اللَّه تعالى يقصد كلمة (أقرب) فلماذا لم يستخدم هذه الكلمة؟
إذن كلمة (أدنى) هي المقصودة، وهي الكلمة التي تعطي المعنى الدقيق والمطلوب، وهذا ما سنراه يقينًا.
رابعًا: معاني متعددة للكلمة:
نعلم أن اللَّه تعالى قد خلق سبع سماوات طباقًا، وسمى السماء السفلى أي: أخفض سماء سمَّاها (السماء الدنيا)؛ فقال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ (فصلت: ١٢) وهنا كلمة (الدنيا) جاءت بمعنى: الأقرب من الأرض، ولكن تتضمن معنى آخر وهو الطبقة السفلى بين طبقات السماء السبعة؛ وسُمِّيت بالدنيا لدنوِّها من الأرض.
ويقول أيضًا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة: ٢١)، ويفسر المفسرون كلمة (الأدنى) هنا بمصائب الدنيا وأمراضها، وهنا لا يمكن أن تكون (الأدنى) بمعنى: الأقرب بل (الأصغر)؛ لأن اللَّه تعالى يقارن في هذه الآية بين نوعين من أنواع العذاب:
١ - (الْعَذَابِ الْأَدْنَى)
٢ - (الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ)
إذن في هذه الآية نحن أمام مقياسين هما: (الأدنى) و (الأكبر)؛ أي: الأصغر والأكبر، كما نعبر عنه في مصطلحاتنا اليوم بالحدِّ الأدنى والحد الأعلى؛ ونقصد الأصغر والأكبر.
يقول تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: ٧)، وهنا جاءت كلمة (أدنى) بمعنى: أقلَّ؛
стр. 7111
لأنها قد أُتبعت بكلمة (أكثر)، ونرى أن كلمة أدنى تُستخدم هنا مع الأعداد (١).
قال الشوكاني: في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ أي: ولا أقلَّ من العدد المذكور: كالواحد والاثنين، ولا أكثر منه كالستة والسبعة إلَّا هو معهم يعلم ما يتناجون به لا يخفى عليه منه شيء.
كيف نفهم الآية ؟
إذن من معاني كلمة (أدنى) لدينا: الأقل، والأصغر، والأقرب، فما هي المنطقة على سطح الكرة الأرضية والتي تتصف بهذه الصفات الثلاث؟ إنها منطقة البحر الميت، فهي:
١ - الأقرب: حيث هي أقرب أرض الروم إلى أرض العرب.
٢ - الأصغر: فهذه المنطقة مساحتها صغيرة جدًا ولا تتجاوز الكيلو مترات المعدودة، وذلك مقارنة بمساحة سطح الأرض والتي تزيد على ملايين الكيلو مترات المربعة.
٣ - الأقلّ: فهذه المنطقة هي الأقل ارتفاعًا على سطح اليابسة، فهي تنخفض عن سطح البحر بمقدار (٤٠٠) مترًا تقريبًا، ولا يوجد في العالم كله أدنى من هذه النقطة إلا ما نجده في أعماق المحيطات.
ولذلك فإن فهمنا لهذه الآية على هذا النحو لا يتعارض مع القرآن وكذلك لا يتعارض مع معطيات العلم، ثم إنهم يعترضون على أن كلمة (أدنى) تفسرها المعاجم اللغوية على أنها (أقرب)، وأن هذه المعاجم لم تورد كلمة (أخفض) ضمن معاني الكلمة.
خامسًا: ولكننا نجد المعاجم تورد معنى الأسفل أو الوادي ضمن معاني هذه الكلمة، فعلى سبيل المثال: لدينا في القاموس المحيط في معنى كلمة (دنا): تقول العرب: الأدنيان وهما واديان (٢).
وفي لسان العرب: والأَدْنَى: السَّفِلُ، فالعرب لا تستغرب أن يكون ضمن معاني هذه الكلمة هو الأسفل أو الوادي. ويقال: دَنَا وأَدْنَى ودَنَّى إِذا قَرُبَ، قال: وأَدْنى إِذا عاش
стр. 7112
عَيْشًا ضَيّقًا بعد سَعَةٍ، والأَدْنَى: السَّفِلُ (١).
ولكننا نجد هؤلاء القوم يأخذون من المعاني ما يتفق مع حججهم الواهية، ويتركون المعاني التي لا تروق لهم (٢).
الوجه الثالث: هل القرآن تابع للمعاجم اللغوية ؟
قال عبد الدائم الكحيل:
وهنا نود أن نقول: هل نحن ملزمون بأن نفهم القرآن كله على ضوء المعاجم؟ ولو كان هذا صحيحًا إذن لأمكن تفسير القرآن بالكامل ولم يعد هنالك حاجة للمفسرين والمجتهدين! ولنفرض أننا لم نعثر على معنى كلمة ما في المعاجم، فهل هذا يعني أن القرآن غير صحيح؟ مثلًا كلمة: (آلم)، و (آلر)، و (كهيعص)، هذه الكلمات غير موجودة في المعاجم، فهل هذا يعني أنها غير صحيحة؟
كلام اللَّه تعالى هو الأساس الذي يجب أن ننطلق منه وليس المعاجم اللغوية؛ وذلك لأن هذه المعاجم تم وضعها بعد نزول القرآن بمئات السنين، وكذلك التفاسير، وتجدر الإشارة إلى أن معظم الانتقادات التي يوجهها هؤلاء لكتاب اللَّه يعتمدون فيها على الفهم القديم للآية وعلى فهم المفسرين لها، وينسون أن هنالك معجزة متجددة للقرآن تتجلى في كل عصر من العصور بما يتناسب مع علوم العصر.
فمثلًا عندما فِهِمَ (بعضُ) المفسرين من قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ٢٠) أن الأرض ليست كروية بل مسطحة، وذلك حسب معطيات عصرهم، فهل نتابعهم على هذا الفهم ونخالف حقائق العلم؟ أم أننا نتدبر القرآن لنجد أنه لا تناقض بين القرآن والعلم؛ لأن كلمة (سُطِحَتْ) تعني: أن اللَّه قد مهَّدها وجعلها صالحة للحياة، بعكس القمر الذي نجد سطحه مليئًا بالمرتفعات والوديان مما يجعله غير مسطح
стр. 7113
وغير قابل للحياة، وهذا يعني أن اللَّه تعالى قد جعل للكرة الأرضية سطحًا ممهدًا.
فمثلًا إذا قلنا: انظر إلى هذه القبة كيف أن الذي صمَّمها وصنعها جعل لها سطحًا رائعًا فلا يعني هذا الكلام أن القبة أصبحت مستوية، بل جميع الأجسام تملك سطحًا.
إن هذه الدقة العلمية في استخدام الكلمات القرآنية هي ما نجده في قول الحق ﵎: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢).
إن هذه الآية تقرر أننا إذا ما تدبرنا القرآن فلن نعثر فيه على آية تناقضات، وهذا دليل كافٍ على أنه كتاب اللَّه تعالى، إن كتب البشر نجدها تتحدث عن نظرية علمية، ثم يأتي عصر يثبتُ فيه خطأ هذه النظرية ورفضها تمامًا، بينما نجد القرآن صالحًا لكل زمان ومكان وميسَّر الفهم.
إنهم دائمًا يعترضون على الإعجاز العلمي للقرآن، لأنه يخاطبهم بلغة قوية هي لغة العلم، ولذلك فإنهم يلجئون إلى الكتب القديمة حيث كان متعذرًا وقتها فهم هذه الآيات كما نفهمها في ضوء المعارف الحديثة، ونقول لهم: لماذا تلزموننا بفهم القرآن كما فهمه المفسرون قبل مئات السنين، ولا تلزمون أنفسكم بفهم الكتاب المقدس كما فهمه القسيسون قبل عشرات السنين فقط عندما حددوا عمر الكون بسبعة آلاف سنة، ثم ثبت يقينًا أن عمره بلايين السنوات؟ !
إن ميزة القرآن الكريم أن البدوي في الصحراء كان لا يجد مشكلة في فهمه والتعامل مع كلماته ومعانيه، وعالم الذرة يفهمه أيضًا ولا يجد مشكلة في تدبره مهما تطور العلم، وعالم اللغة يفهم منه أشياء قد لا يفهمها غيره، وعالم الفلك قد يرى فيه حقائق لم يرها أحد من قبله، وهكذا هو كتاب شامل كامل لجميع البشر ولجميع العصور.
ونقول لكل من يظن أن النبي الكريم ﷺ هو من وضع القرآن - أن يعود للكتب السماوية السابقة والصحيحة ليجد فيها الحقيقة الإلهية المتمثلة بدعوة الحق تعالى لهؤلاء ليؤمنوا برسالة الإسلام، يقول : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ
стр. 7114
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف: ١٥٧ - ١٥٨) (١).
الوجه الرابع: أدنى في أحاديث من أحاديث رسول اللَّه ﷺ جاءت بمعنى: أخفض أو أقل، وليس بمعنى أقرب .
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَيَقُولُ اللَّه لَهُ (أي آخر أهل الجنة دخولًا): اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالهِا أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا - قَالَ: فَيَقُوُل: أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً" (٢).
٢ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَيَاةِ النبي ﷺ . . . فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هي أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ (٣).
٣ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في أَدْنَى مِنْ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ (٤).
٤ - عن أَنَس ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُول: فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في
стр. 7115
قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ. فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ أَدْنَى شَيء (١).
الوجه الخامس: بيان معنى أدنى الأرض في العلوم الحديثة، وإنهاء الخلاف الذي حدث قديمًا لتحديد هذه المنطقة .
أولًا: قال د/ زغلول النجار:
١ - أكدت الدراسات الحديثة أن منطقة حوض البحر الميت بالإضافة إلى كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلى الجزيرة العربية - هي أيضًا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا؛ حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلى حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوى سطح البحر، وأن هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين إمبراطوريتي الفرس والروم، وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس على جيوش إمبراطورية روما الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) لا بد أنها وقعت في حوض البحر الميت، وأن الوصف بـ (أَدْنَى الأَرْضِ) هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية؛ يعني أيضًا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا، وهذه الإشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب اللَّه؛ لأن أحدًا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعده.
٢ - ثبت علميًا بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا هو غور البحر الميت، ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضًا؛ حيث يصل مستوى منسوب سطحه إلى حوالي أربعمائة مترًا تحت مستوي سطح البحر، ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة الثمانمائة مترًا تحت مستوى سطح البحر، وهو بحيرة داخلية؛ بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءًا من اليابسة، وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم؛ يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبريا، فالحدود الجنوبية لتركيا مرورًا بالبحر الأحمر وخليج العقبة، ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من: المحيط الهندي، وبحر العرب، وخليج عدن، ويبلغ طول أغوار وادي عربة -البحر الميت- الأردن حوالي الستمائة كيلومترًا، ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلى بحيرة طبريا في الشمال، ويتراوح
стр. 7116
عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترًا.
ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلى (٤٠٢) مترًا تحت المستوى المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين: الأحمر والأبيض المتوسط، وهو أخفض منسوب أرضي على سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية:
- منسوب سطح الأرض في وادي عربة = (٣٥٥ - ٤٠٠) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب أعمق نقاط قاع البحر الميت = (٧٩٤) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب سطح الماء في البحر الميت = (٤٠٢) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- مستوى سطح الأرض في غور الأردن = (٢١٢ - ٤٠٠) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا = ٢٠٩ م تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب قاع بحيرة طبريا = ٢٥٢ م تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصر الغربية = (١٣٣) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت كاليفورنيا = (٨٦) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
- منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم مصر = (٤٥) مترًا تحت مستوى سطح البحر.
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار، وهو بذلك في طريقه إلى الجفاف، ويعتقد أنه كان جافًا إلى عهد غير بعيد من تاريخه، وكان عامرًا بالسكان، وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلى بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة، ووصف بأسماء عديدة من مثل: بحر سدوم، بحيرة لوط، بحيرة زغر، البحر النتن، بحر
стр. 7117
عربة، بحر الأسفلت، والبحر الميت؛ وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها، ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم، واندفعت إليها من كل من: العراق، والجزيرة العربية، وبلاد الشام، ومنهم قوم لوط ﵇ الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي: سدوم، وعمورة، وأدمة، وصوبييم، وزغر، وقد ازدهرت فيها الحياة إلى أواخر القرن العشرين قبل الميلاد، ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها، وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق ﵎: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ (هود: ٨٢).
والأرض في حوض البحر الميت -بصفة عامة- وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة، وبتفجر كل من العيون المائية، والأبخرة الكبريتية الحارة فيها، وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرًا ما كانت تطفو على سطح مياه البحر الميت إلى عهد غير بعيد، وقرى قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت، والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا ﵎ لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي ٢٥ مليون سنة مضت، ولكن بعد تدميرها بالعقاب الإلهي دخلت المنطقة برحمة من اللَّه -تعالى- في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط، وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلى الحوض الجنوبي من البحر الميت، والذي يتجه اليوم إلى الجفاف مرة أخرى ليصير أرضًا يابسة.
٣ - وخلاصة القول: إن منطقة أغوار وادي عربة -البحر الميت- الأردن تحوي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة، وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن على أشده، ولا بد أن كثيرًا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار، وهي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة
стр. 7118
الفاصلة التي تغلب فيها الفرس على الروم - في أول الأمر بـ (أدنى الأرض) وصف معجز للغاية؛ لأن أحدًا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده، وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدًا آخر إلى الإعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي، فبالإضافة إلى ما جاء بتلك الآيات من إعجاز تنبؤي شمل الإخبار بالغيب، وحدد لوقوعه بضع سنين، فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات؛ فكانت من دلائل النبوة، فإن وصف أرض المعركة بالتعبير القرآني أدنى الأرض يضيف إعجازًا علميًا جديدًا يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام اللَّه الخالق، وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض.
وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق؛ فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد على أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق؛ وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار، ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
٤ - وعلى كُتَّاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم على أرض القسطنطينية، أو على الأرض بين مدينتي أذرعات وبصرى من أرض الشام، أو على أرض أنطاكية، أو على أرض دمشق، أو أرض بيت المقدس، أو أرض مصر (الإسكندرية) - أن يعيدوا النظر في استنتاجاتهم؛ لأن القرآن الكريم يقرر أن هزيمة الروم على أيدي الفرس كانت على الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة -البحر الميت- الأردن التي أثبت العلم أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا، والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدنى الأرض انطباقًا تامًا ودقيقًا.
وعلى الذين قالوا: إن معنى أدنى الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس، أو من بلاد العرب، أو هي أطراف بلاد الشام، أو بلاد الشام، أو إنطاكية، أو دمشق، أو بيت
стр. 7119
المقدس أو غيرها - أن يعيدوا النظر في ذلك؛ لأن حدود الإمبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضًا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخرى.
وعليه فلا يعقل أن يكون المقصود بتعبير (أدنى الأرض) في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب فقط؛ وإن كانت أرض الأغوار هي أقرب الأرض إلى بلاد العرب، بل هي في الحقيقة جزء من أرض شبه الجزيرة العربية. . . فسبحان الذي أنزل هذا التعبير المعجز أدنى الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنًا أن الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا، ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني (أدنى الأرض)، وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم، وذلك لقول الحق -عز من قائل-: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) (الروم: ١ - ٥) (١).
ثانيًا: أقوال أخرى تعضد ما قاله د/ زغلول النجار:
١ - ذكرت الموسوعة البريطانية ما تَرْجمته: (البحر الميت: بقعة مائية مالحة مغلقة بين إسرائيل والأردن، وأخفض جسم مائي على الأرض، فانخفاضه يصل إلى نحو (١٣١٢) قدم (حوالي ٤٠٠ متر) من سطح البحر، القسم الشمالي منه يقع في الأردن، وقسمه الجنوبي مقسَّم بين الأردن وإسرائيل، ولكن بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام (١٩٦٧) م ظل الجيش الإسرائيلي في كل الضفة الغربية (البحر الميت) يقع بين تلال جُدَيَّة غربًا وهضاب الأردن شرقًا).
٢ - وكذلك أعلنت وكالة ناسا الأمريكية: أن أخفض نقطة على سطح الأرض هي سواحل البحر الميت.
стр. 7120
الوجه السادس: الرد على قول القائل: لماذا لم يذكر القرآن كلمة (أخفض) بدلا من (أدنى)، فلو كان هذا حدث لانتهى الإشكال ؟
الجواب: لم يقل تعالى: (أخفض الأرض)، لأن أخفض منطقة على الأرض تقع في أعماق البحار، بينما كلمة (أدْنى) فيها تعبير دقيق عن اليابسة حصرًا، وهكذا نجد الدقة في مصطلحات القرآن العلمية، كيف لا تكون دقيقة وهي صادرة من رب السماوات والأرض ؟
الوجه السابع: الجمع بين قول المتقدمين وقول المعاصرين بأن نقول: إن كلمة (أدنى) عند العرب تأتي بمعنيين: أقرب، وأخفض؛ فهي من جهة أقرب منطقة لشبه الجزيرة العربية، ومن جهة أخرى هي أخفض منطقة على سطح الأرض .
قال أبو البقاء الكفوي (١): (دون): ظرف مكان مثل: (عند) لكنه ينبئ عن دنو أي: قرب كثير وانحطاط قليل؛ يوجد كلاهما في قوله: (أدنى مكان من الشيء)، ثم اتسع فيه واستعمل في انحطاط المحسوس لا يكون في المكان كقصر القامة مثلًا، ثم استعير منه بتفاوت في المراتب المعنوية تشبيها لها بالمراتب المحسوسة، وشاع استعماله فيها أكثر من استعماله في الأصل فقيل: (زيد دون عمرو في الشرف).
ثم اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حد وتخطي حكم إلى حكم وإن لم يكن هناك تفاوت وانحطاط، وهو في هذا المعنى مجاز في المرتبة الثالثة، وفي هذا المعنى قريب من أن يكون بمعنى: (غير) كأنه أداة الاستثناء، نحو: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾، ويستعمل للاختصاص وقطع الشركة تقول: (هذا لي دونك أو من دونك) أي: لا حقَّ لك فيه ولا نصيب، وفي غير هذا الاستعمال يأتي بمعنى: الانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار. . .
الوجه الثامن: (أل) للعهدية في كلمة (الأرض) .
فنقول: ليس هناك ما يمنع أن تكون (أل) في كلمة (الأرض) للعهد أي: المعهودة لأهل مكة القريبة منهم، وفي نفس الوقت تفيد صفة جديدة لهذه الأرض:
стр. 7121
١ - قال علي بن نايف الشحوذ: نلاحظ أن كلمة الأرض في الآية جاءت معرفة بـ (أل) العهدية؛ و (أل) العهدية هذه تضعنا أمام احتمالين:
إما أن تكون كلمة الأرض -هنا- مختصة بمنطقة معينة وموقع محدد؛ أي: تواضع عليها كل من المرسل والمتلقي، فهي معهود ذهني بينهما، أو تكون عامة؛ أي: الأرض كلها دون تخصيص، وهي معهود ذهني عام.
فأما الاحتمال الأول: فهو ما حملته لنا كتب مفسري القرآن ودارسيه من أن الأرض المذكورة هي أقرب أرض الروم إلى فارس.
ويبقى الاحتمال الثاني وهو ما يجيز لنا أن نعدَّ كلمة الأرض في الآية لفظًا عامًا أريد به الأرض كلها، وفي هذه الحالة يصبح (أدنى الأرض) بمعنى: أكثرها انخفاضًا - أمرًا ممكنًا، بل لعله يكون بهذا المعنى أقرب إلى الدقة، وإن كان لا ينفي الاحتمال الأول من الوجهة اللغوية (١).
قلت: ويؤكد ذلك أن في القرآن ذكرت (أل) العهدية وأريد بها العهد وكذلك صفة أخرى.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: ١٢٥)
فكلمة الناس مع أن المقصود منها أهل مكة إلا أنها عامة لجميع البشر، فكذلك ما المانع أن تكون كلمة الأرض التي حدثت فيها المعركة بين فارس والروم هي الأرض المعهودة لدى العرب والمنخفضة لدى الجيولوجيين؟
قال ابن عاشور: والمراد من الناس سكان مكة من ذرية إسماعيل وكل من يجاورهم ويدخل في حلفهم، فتعريف الناس للجنس المعهود، وتعليق للناس بمثابة على التوزيع أي: يزوره ناس وبذهبون فيخلفهم ناس، ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض التذكير بنعمة اللَّه أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون، فكان الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه، ويجوز حمل
стр. 7122
تعريف الناس على العهد، أي: يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كُمَّل الزائرين فهم يعودون إليه مرارًا، وكذلك كان الشأن عند العرب (١).
قال مصطفى الغلاييني: (ألْ العهديةُ) إما أن تكون للعهد الذِّكريِّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ: (جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ) أي: الضيف المذكور، ومنه قولُه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، وإما أن تكون للعهد الحُضوريِّ، وهي ما تكونُ مصحوبُها حاضرًا، مثل: (جئتُ اليومَ) أي: اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه.
وإما أَنْ تكون للعهد الذهنيّ؛ وهي ما تكونُ مصحوبُها معهودًا ذهِنًا، فينصرفُ الفكرُ إليه بمجرَّدِ النُّطقِ به؛ مثل: (حضرَ الأميرُ)، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول: (حضرَ الرجلُ) أي: الرجلُ المعهودُ ذِهنًا بينك وبين من تخاطبه (٢).
٣ - إثبات أن (أل) العهدية تأتي في القرآن بصور شتى:
قال ابن عاشور: (البيت) عَلَمٌ بالغلبة على الكعبة كما غلب النجم على الثريا، وأصل (أل) التي في الأعلام بالغلبة هي (أل) العهدية، وذلك إذا كثر عهد فرد من أفراد جنس بين طائفة أو قوم صار اسم جنسه مع (أل) العهدية كالعلم له، ثم قد يتعهدون مع ذلك المعنى الأصلي كما في: النجم للثريا، والكتاب للقرآن، والبيت للكعبة، وقد ينسى المعنى الأصلي إما بقلة الحاجة إليه كالصعِق علم على: (خويلد بن نفيل)، وإما بانحصار الجنس فيه كالشمس (٣).
الوجه التاسع: كلمة (الأرض) في القرآن تأتي بعدة معانٍ:
قال ابن الجوزي: الأرض تذكر ويراد بها:
أرض الأردن في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، ويراد بها القبر: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ
стр. 7123
الْأَرْضُ﴾، ويراد بها أرض مكة: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد بها أرض المدينة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾، ويراد بها أرض الإسلام: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، ويراد بها أرض التيه: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد بها الأرضون السبع: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد بها أرض مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، ويراد بها أرض الحجر: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، ويراد بها القلب: ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد بها أرض الغرب: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد بها الجنة: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ (١).
الوجه العاشر: القرآن ما زال به معجزات لم يكشف عنها .
١ - إن الصحابة علموا معجزات في القرآن فيكون ذلك بمثابة سببًا لتثبيتهم وزيادة إيمانهم، واللَّه لا يَحرم مَنْ يأتي بعدهم من أن يطلعهم على معجزات أخرى لتثبيتهم وزيادة إيمانهم أيضًا كما كان للصحابة؛ قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (فصلت: ٥٣).
قال د/ زغلول النجار: ومن عادة القرآن الكريم أنه يشير إلى الحقائق الكونية بصياغة ضمنية يفهم منها أهل كل عصر معنًى محددًا تحكمه كمية المعارف المتاحة لأهل هذا العصر، وتظل هذه المعاني للآية الواحدة تتسع باتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهذا من أبلغ آيات الإعجاز العلمي في كتاب اللَّه، خذ مثلًا موضوع الجبال وحركتها ودلالة هذه الحركة على حركة الأرض كما وردت في الآية (٨٨) من سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فسر بعض الأقدمين هذه الآية على أنها تشير إلى الحركة التي تقع على الجبال يوم القيامة، بينما فسرها آخرون بأنها تتحرك الآن لكننا لا ندرك حركتها لضخامتها، حاليًا يمكننا تفسير الآية المذكورة على أنها تشير إلى الحركات التي تقوم بها الأرض حول نفسها وحول
стр. 7124
الشمس (١).
الوجه الحادي عشر: بالنظر للناحية التاريخية، وإثبات أن علماء المسلمين المتقدمين اهتموا بتلك الحادثة .
قال فراس نور الحق: كانت الإمبراطورية الفارسية تقع شرقي الجزيرة العربية، على الساحل الآخر للخليج العربي، على حين كانت الإمبراطورية الرومانية تمتد عن غربي الجزيرة على ساحل البحر الأحمر إلى ما فوق البحر الأسود، وقد سميت الأولى -أيضًا- بالإمبراطورية الساسانية، والأخرى بالبيزنطية، وكانت حدود الإمبراطوريتين تصل إلى الفرات ودجلة في شمال الجزيرة العربية، وكانتا أقوى حكومتين شهدهما ذلك العصر.
ويبدأ تاريخ الإمبراطورية الرومانية -كما يرى المؤرخ (جبن) - في القرن الثاني بعد الميلاد، وكانت تتمتع حينئذ بمكانتها كأرقى دولة حضارية في العالم، وقد شغل المؤرخين تاريخ زوال الروم، كما لم يشغلهم زوال آية حضارة أخرى.
١ - وليس يغني كتاب من الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع عن الكتب الأخرى، ولكن يمكن اعتبار كتاب المؤرخ/ أدوارد جبن "تاريخ سقوط وانحدار الإمبراطورية الرومانية" أكثرهم تفصيلًا وثقة، وقد ذكر المؤرخ في الجزء الخامس من كتابه الوقائع المتعلقة ببحثنا هنا.
by,by Empire, The history of decline and the Roman Empir Edward Gibbon
اعتنق الملك (قسطنطين) الدين المسيحي عام (٣٢٥ م)، وجعله ديانة البلاد الرسمية، فآمنت بها أكثرية رعايا الروم، وعلى الجانب الآخر رفض الفرس -عباد الشمس- هذه الدعوة.
وكان الملك الذي تولى زمام الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن السابع الميلادي هو (موريس)، وكان ملكًا غافلًا عن شؤون البلاد والسياسة؛ ولذلك قال جيشه ثورة ضده بقيادة (فوكاس Phocas)، وأصبح فوكاس ملك الروم، بعد نجاح الثورة والقضاء على العائلة
стр. 7125
الملكية بطريقة وحشية، وأرسل سفيرًا له إلى إمبراطور إيران (كسرى أبرويز الثاني) وهو ابن (أنوشيروان) العادل، وكان (كسرى) هذا مخلصًا للملك (موريس)، إذ كان قد لجأ إليه عام (٥٩٠ - ٥٩١ م) بسبب مؤامرة داخلية في الأمبراطورية الفارسية، وقد عاونه (موريس) بجنوده لإستعادة العرش، ومما يروى أيضًا أن (كسرى) تزوج بنت (موريس) أثناء إقامته ببلاد الروم، ولذلك كان يدعوه بالأب، ولما عرف بأخبار انقلاب الروم غضب غضبًا شديدًا، وأمر بسجن السفير الرومي، وأعلن عدم اعترافه بشرعية حكومه الروم الجديدة، وأغار (كسرى أبرويز) على بلاد الروم، وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلى الشام، ولم يتمكن (فوكاس) من مقاومة جيوش الفرس التي استولت على مدينتي (انطاكية، والقدس)، فاتسعت حدود الإمبراطورية كالنسطورية، واليعقوبية - حاقدة على النظام الجديد في روما، فناصرت الفاتحين الجدد وتبعها اليهود مما سهل غلبة الفرس.
وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية إلى الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية يناشدونه إنقاذ الإمبراطورية، فأرسل الحاكم جيشًا كبيرًا بقيادة ابنه الشاب (هرقل) فسار بجيشه في الطريق البحرية، بسرية تامة. . حتى إن (فوكاس) لم يدر بمجيئهم إلا عندما شاهد الأساطيل وهي تقترب من السواحل الرومانية، واستطاع هرقل - دون مقاومة تذكر أن يستولي على الإمبراطورية، وقتل (فوكاس) الخائن، بيد أن هرقل لم يتمكن برغم استيلائه على الإمبراطورية وقتله (فوكاس) من إيقاف طوفان الفرس، فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبيها، لم يعد العلم الصليبي يرفرف على العراق، والشام، وفلسطين، ومصر، وآسيا الصغرى، بل علتها راية الفرس: (درفش كاوياني).
وتقلصت الإمبراطورية الرومانية في عاصمتها، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاسٍ، وعم القحط وفشت الأمراض الوبائية، ولم يبق من الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق، وكان الشعب في العاصمة خائفًا يترقب ضرب الفرس للعاصمة ودخولهم فيها، وترتب على ذلك أن أغلقت جميع الأسواق، وكسدت التجارة، وتحولت
стр. 7126
معاهد العلم والثقافة إلى مقابر موحشة مهجورة.
وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء على المسيحية. . .، فبدأوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة، ودمروا الكنائس، وأراقوا دماء ما يقرب من (١٠٠٠٠٠) من المسيحيين المسالمين، وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان، وأرغموا الناس على عبادة الشمس والنار، واغتصبوا الصليب المقدس، وأرسلوه إلى (المدائن). ويقول المؤرخ (جبن) في المجلد الخامس من كتابه: ولو كانت نوايا (كسرى) طيبة في حقيقة الأمر، لكان اصطلح مع الروم بعد قتلهم (فوكاس)، ولاستقبل (هرقل) كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته (موريس) بأحسن طريقة، ولكنه أبان عن نواياه الحقيقة عندما قرر مواصلة الحرب.
ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه (كسرى) إلى (هرقل) من بيت المقدس قائلًا: "من لدن الإله كسرى، الذي هو أكبر الآلهة، وملك الأرض كلها، إلى عبده اللئيم الغافل هرقل: إنك تقول إنك تثق في إلهك، فلماذا لا ينقذ إلهك القدس من يدي؟ !
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة، وقرر العودة إلى قصره الواقع في (قرطاجنة) على الساحل الإفريقي، فلم يعد يهمه أن يدافع عن الإمبراطورية، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه، وأرسلت السفن الملكية إلى البحر، وخرج (هرقل) في طريقه ليستقل إحدى هذه السفن إلى منفاه الاختياري، وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير الأساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في إقناع (هرقل) بالبقاء، وذهب (هرقل) مع الأسقف إلى قربان (سانت صوفيا) يعاهد اللَّه تعالى على أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي أختاره اللَّه له.
وبإشارة من الجنرال الإيراني (سين Sain) أرسل (هرقل) سفيرًا إلى (كسرى) طالبًا منه الصلح، ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلى القصر حتى صاح (كسرى) في غضب
стр. 7127
شديد: "لا أريد هذا القاصد حتى يهجر إلهه الصليبي ويعبد الشمس آلهتنا".
وبعد مضي ستة أعوام على الحرب رضي الإمبراطور الفارسي أن يصالح هرقل على شروط معينة: هي أن يدفع ملك الروم "ألف تالنت من الذهب، وألف تالنت من الفضة، وألف ثوب من الحرير، وألف جواد، وألف فتاة عذراء".
ويصف (جبن) هذه الشروط بأنها "مخزية" دون شك، وكان من الممكن أن يقبلها (هرقل) لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثورة كمحاولة أخيرة ضد أعدائه.
وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسية، والرومية هذه الأحداث، فقد سيطرت على شعب العاصمة المركزية في شبه الجزيرة العربية -وهي (مكة) المكرمة- مشكلة مماثلة؛ كان الفرس مجوسًا من عباد الشمس والنار، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح، وبالوحي، وبالرسالة، وباللَّه تعالى، وكان المسلمون مع الروم -نفسيًا- يرجون غلبهم على الكفار والمشركين، كما كان كفار مكة مع الفرس لكونهم من عباد الظاهر المادية، وأصبح الصراع بين الفرس والروم رمزًا خارجيًا للصراع الذي كان يدور بين أهل الإسلام وأهل الشرك في (مكة)، وبطريقة نفسية كانت كل من الجماعتين تشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هي نفس مآل صراعهما الداخلي، فلما انتصر الفرس على الروم قرب البحر الميت عام (٦١٦ م)، واستولوا على جميع المناطق الشرقية من دولة الروم، انتهزها المشركون فرصة للسخرية من المسلمين، قائلين: لقد غلب إخواننا على إخوانكم، وكذلك سوف نقضي عليكم، إذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد، وكان المسلمون بمكة في أضعف وأسوأ أحوالهم المادية، وفي تلك الحالة البائسة صدرت كلمات من لسان الرسول ﷺ : بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ
стр. 7128
اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ (سورة الروم ١: ٦).
وتعليقًا على هذه النبوة يكتب (جبن): "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوة، لم تكن آية نبوءة أبعد منها وقوعًا، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكومة (هرقل) كانت تؤذن بانتهاء الإمبراطورية الرومانية".
ولكن من المعلوم أن هذه النبوة جاءت من لدن من هو مهيمن على كل الوسائل والأحوال، ومن بيده قلوب الناس وأقدارهم، ولم يكد يبشر بهذه البشرى حتى أخذ انقلاب يظهر على شاشة الإمبراطورية الرومانية، ويرويه (جبن) على النحو التالي:
"إنها من أبرز البطولات التاريخية تلك التي نراها في (هرقل) فقد ظهر هذا الإمبراطور غاية في الكسل، والتمتع بالملذات، وعبادة الأوهام في السنين الأولى والأخيرة من حكومته، كان يبدو كما لو كان متفرجًا أبله، استسلم لمصائب شعبه، ولكن الضباب الذي يسود السماء ساعتي الصباح والمساء يغيب حينًا من الوقت لشدة شمس الظهيرة، وهذا هو ما حدث بالنسبة إلى هرقل، فقد تحول (أرقاديوس القصور) إلى (قيصر ميدان الحرب) فجأة، واستطاع أن يستعيد مجد الروم خلال ست حروب شجاعة شنها ضد الفرس، وكان من واجب المؤرخين الروم أن يزيحوا الستار عن الحقيقة تبيانًا لأسرار هذه اليقظة والنوم، وبعد هذه القرون التي مضت يمكننا الحكم بأنه لم تكن هناك دوافع سياسية وراء هذه البطولة، بل كانت نتيجة غريزة (هرقل) الذاتية، فقد انقطع عن كافة الملذات، حتى إنه هجر ابنة أخته (مارتينا) التي تزوجها لشدة هيامه بها رغم أنها كانت محرمة عليه".
(هرقل) ذلك الغافل الفاقد العزيمة وضع خطة عظيمة لقهر الفرس، وبدأ في تجهيز العدة والعتاد، ولكن رغم ذلك كله عندما خرج هرقل مع جنوده بدا لكثيرن من سكان (القسطنطينية) أنهم يرون آخر جيش في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة، ولذلك أعد بحريته للإغارة على الفرس من الخلف، وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود إلى (أرمينيا)، وشن على الفرس هجومًا مفاجئًا في
стр. 7129
نفس الميدان الذي هزم فيه الإسكندر جيوش الفرس لما زحف على أراضي مصر والشام، ولم يستطع الفرس مقاومة هذه الغارة المفاجئة فلاذوا بالفرار.
وكان الفرس يملكون جيشًا كبيرًا في (آسيا الصغرى)، ولكن (هرقل) فاجأهم بأساطيله مرة أخرى، وأنزل بهم هزيمة فادحة، بعد إحراز هذا النصر الكبير عاد (هرقل) إلى عاصمته (القسطنطينية) عن طريق البحر، وعقد معاهدة مع الأفاريين (Avars)، واستطاع بنصرتهم أن يسد سيل الفرس عند عاصمتهم.
وبعد الحربين اللتين مرَّ ذكرهما شن هرقل ثلاثة حروب أخرى ضد الفرس في سنوات (٦٢٣، ٦٢٤، ٦٢٥ م) واستطاع أن ينفذ إلى أراضي العراق القديم (ميسو بوتانيا) عن طريق البحر الأسود، واضطر الفرس إلى الانسحاب من جميع الأراضي الرومية نتيجة هذه الحروب، وأصبح (هرقل) في مركز يسمح له بالتوغل في قلب الإمبراطورية الفارسية، وكانت آخر هذه الحروب المصيرية - تلك الحروب التي خاضها الفريقان في (نينوا) على ضفاف (دجلة) في ديسمبر عام (٦٢٧ م).
ولما لم يستطيع (كسرى أبرويز) مقاومة سيل الروم حاول الفرار من قصره الحبيب (دستكرد)، ولكن ثورة داخلية نشبت في الإمبراطورية، واعتقله ابنه (شيرويه)، وزَجَّ به في سجن داخل القصر الملكي، حيث لقي حتفه، لسوء الأحوال في اليوم الخامس من اعتقاله، وقد قتل ابنه (شيرويه) ثماني عشرة من أبناء أبيه (كسرى) أمام عينيه.
ولكن (شيرويه) هو الآخر لم يستطع أن يجلس على العرش أكثر من ثمانية أشهر، حيث قتله أحد أشقائه، وهكذا بدأ القتال داخل البيت الملكي، وتولى تسعة ملوك زمام ملوك الحكم في غضون أربعة أعوام، ولم يكن من الممكن أو المعقول في هذه الأحوال السيئة أن يواصل الفرس حربهم ضد الروم. . .
فأرسل (قباد الثاني) ابن (كسرى أبرويز الثاني) يرجو الصلح، وأعلن تنازله عن الأراضي الرومية، كما أعاد الصليب المقدس، ورجع (هرقل) إلى عاصمته (القسطنطينية)
стр. 7130
في مارس عام (٦٢٨ م) في احتفال رائع؛ حيث كان يجر مركبته أربعة أفيال، واستقبله آلاف مؤلفة من الجماهير خارج العاصمة وفي أيديهم المشاعل وأغصان الزيتون.
وهكذا صدق ما تنبأ به القرآن الكريم عن غلبة الروم في مدته المقررة، أي في أقل من عشر سنين؛ كما هو المراد في لغة العرب من كلمة: (بضع).
وقد أبدى (جبن) حيرته وإعجابه بهذه النبوءة، ولكنه كي يقلل من أهميتها ربطها برسالة النبي ﷺ إلى (كسرى)، يقول جبن: "وعندما أتم الإمبراطور الفارسي نصره على الروم، وصلته رسالة من مواطن خامل الذكر من (مكة) دعاه إلى الإيمان بمحمد رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه رفض هذه الدعوة ومزق الرسالة. . .، وعندما بلغ هذا الخبر رسول العرب؛ قال: سوف يمزق اللَّه دولته تمزيقًا، وسوف يقضي على قوته".
"ومحمد الذي جلس في الشرق على حاشية الإمبراطوريتين العظيمتين طار فرحًا مما سمع عن تصارع الإمبراطوريتين وقتالهما، وجرؤ في إبَّان الفتوحات الفارسية وبلوغها القمة أن يتنبأ بأن الغلبة تكون لراية الروم بعد بضع سنين، وفي ذلك الوقت حين ساق الرجل هذه النبوءة لم تكون آية نبوءة أبعد مثها وقوعًا؛ لأن الأعوام الاثني عشر الأولى من حكومة (هرقل) كانت تشي بنهاية الإمبراطورية الرومانية".
بيد أن جميع مؤرخي الإسلام يعرفون معرفة تامة أن هذه النبوءة لا علاقة لها بالرسالة التي وجهها النبي إلى (كسرى أبرويز)؛ لأن تلك الرسالة إنما أرسلت في العام السابع من الهجرة بعد صلح الحديبية؛ أي: عام (٦٢٨ م)، في حين أن آية النبوءة المذكورة نزلت بمكة عام (٦١٦ م)؛ أي: قبل الهجرة بوقت طويل، فبين الحدثين فاصل يبلغ اثني عشر عامًا.
أما وجه الإعجاز: فهو تنبأ القرآن بهزيمة الفرس على أيدي الروم في بضع سنين، وقد كان، كما أنه هناك وجه إعجازي آخر في هذه الآيات؛ وهي أنها تقرر حقيقة جغرافية لم تكن معروفة عند أحد في ذلك الوقت، فالآية الثالثة من سورة الروم تبين أنهم خسروا المعركة في أدنى الأرض؛ قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
стр. 7131
سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾.
وتعبير (أدنى الأرض) في العربية يعني حسب بعض التفاسير: مكانًا قريبًا، ولكن هذا التفسير مجازي؛ لأن كلمة (أدنى) لم تأتِ في هذه الآية بهذا المعنى، فكلمة أدنى باللغة العربية مشتقة من: دنا يدنو بمعنى القريبة، وتأتي بمعنى المنخفض، والأرض تعني العالم، ولذلك فإن أدنى الأرض معناها: أكثر الأمكنة انخفاضًا في العالم.
والمثير للاهتمام أن أهم مراحل الحرب التي كانت بين الروم والفرس وأسفرت عن هزيمة الروم وخسارتهم للقدس - حصلت في أكثر مناطق العالم انخفاضًا في حوض البحر الميت الذي يقع في منطقة تتقاطع فيها كل من: سوريا، والأردن، وفلسطين، ويبلغ مستوى سطح الأرض هنا (٣٩٥) مترًا تحت سطح البحر، مما يجعل هذه المنطقة فعلًا أدنى منطقة من الأرض.
وأهم ما في الأمر أن ارتفاع البحر الميت لم يكن ليقاس في غياب تقنيات القياس الحديثة، ولذلك كان من المستحيل أن يعرف أيُّ شخص في ذلك الوقت أن هذه المنطقة أكثر المناطق انخفاضًا في العالم، ومع ذلك فإن هذه الحقيقة ذكرت في القرآن؛ وهذا يؤكد مرة أخرى على أن القرآن هو وحي إلهي (١).
* * *
стр. 7132
١١ - شبهة: خلق السموات والأرض في ستة أيام
وهي منقسمة إلى شبهتين:
الشبهة الأولى: هل اللَّه خلق السماء أولًا أم الأرض؟
يقول هنا بأنه خلق الأرض أولًا:
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
وهنا أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.
ولكن الكلام يناقض نفسه؛ ويقول وهو يتحدى من يدعون الخلق: بأنه خلق السماء أولًا قبل الأرض، وهذا يناقض كلامه السابق بأنه خلق الأرض أولًا ثم السماء: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ (النازعات: ٣٣ - ٢٧).
الشبهة الثانية:
إن القرآن الكريم قال في عدة سور: إن الأرض والسموات خلقتا في ستة أيام، وفي سورة فصلت: إن أيام الخلق ثمانية.
قالوا: إنها هفوة بشرية، ونسيان، خرجوا من ذلك بأن قائل هذا الكلام هو محمد ﷺ ؛ وهذا هو هدفهم، تعالوا نناقش ماذا قال القرآن الكريم في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف: ٥٤)، وقال في سورة يونس: ﴿نَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 7133
وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٣) [*]، وفي سورة الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (الفرقان: ٥٩).
إذن أجمعت كل هذه الآيات على أن خلق السموات والأرض وما بينهما تم في ستة أيام، لا خلاف في ذلك ولا جدال، فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى سورة فصلت حيث فَصَّلَ اللَّهُ خلق السموات والأرض في الآيات التي تقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
وإذا أحصينا عدد الأيام في السورة الكريمة نجد أن اللَّه يقول: إنه خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء، ثم يقول اللَّه : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ إذا أحصينا أيام الخلق في سورة فصلت نجد أنها ثمانية: يومان لخلق الأرض، وأربعة أيام قدر فيها رزقها وبارك فيها؛ فأيام الخلق هذه ستة أيام، ويومان آخران للسموات؛ إذن فهي ثمانية أيام.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: هذه الشبهة قديمة وقد رد عليها ابن عباس ﵁.
الوجه الثاني: كل مُجمل يفسره مُفصلَّه إلا العدد فإن مُفصَّله محمول على مجمله.
الوجه الثالث: لفظ: (يوم) في الآيات ليس المقصود به اليوم الذي هو أربع وعشرون ساعة.
الوجه الرابع: الاختلاف في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها.
стр. 7134
الوجه الخامس: معنى كلمة: (الأقوات).
الوجه السادس: حقائق القرآن تتحدث عن نشأة الكون.
الوجه السابع: قيل: إن هذه الأيام لم تنتهي بعد.
الوجه الثامن: الآيات تشير إلى النظرية النسبية.
الوجه التاسع: الأخطاء العلمية في الكتاب المقدس في مسألة خلق السموات والأرض.
الوجه العاشر: بعض الأخطاء الرياضية في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: هذه الشبهة قديمة وقد رد عليها ابن عباس ﵁ -.
قال ابن كثير: فصل اللَّه ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولًا لأنها كالأساس؛ والأصل أن يُبْدَأَ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (البقرة: ٢٩)، فأما قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣٣) ففي هذه الآية أن دَحْى الأرض كان بعد خلق السماء؛ فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه؛ فإنه قال:
وقال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ؛ قال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣٠)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ !
قال ابن عباس: خلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في
стр. 7135
يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض؛ ودَحْيُها: أن أخرج منها الماء والرعى، وخلق الجبال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَخُلِقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين، إن اللَّه لم يُرِدْ شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند اللَّه . (١)
الوجه الثاني: كل مُجمل يفسره مُفصله إلا العدد فإن مُفصَّله محمول على مجمله .
يقول المشكك: إنه لو كانت هذه القصة لخلق للأرض والسموات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل، ثم قال: لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح، فأعطيت فلانًا خمسة، وآخر ثلاثة، وثالث اثنين، فبذلك ينفد ما عندي.
١ - فللرد عليه نقول: إن اللَّه يخاطب أناسًا لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة، وقد فهم العرب ما لم يفهمه هذا المشكك.
قال السعدي: واعلم أن ظاهر هذه الآية مع قوله تعالى في النازعات، لما ذكر خلق السماوات قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ يظهر منهما التعارض؛ مع أن كتاب اللَّه لا تعارض فيه ولا اختلاف.
والجواب عن ذلك ما قاله كثير من السلف: أن خلق الأرض وصورتها متقدم على خلق السماوات كما هنا، ودحي الأرض بأن: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات، ولهذا قال فيها: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ إلى آخره، ولم يقل: (والأرض بعد ذلك خلقها)، وقوله: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: الأمر والتدبير اللائق بها، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين (٢).
فلو أننا دققنا في الآية الكريمة التي يجادلون فيها لوجدنا بدايتها تختلف عن الآيات
стр. 7136
السابقة فاللَّه يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (فصلت: ٩)، ومن هنا بدأت الآية بمخاطبة الكافرين الذين يجعلون للَّه أندادًا ويجادلون فيه؛ أي: أن اللَّه أراد أن يخبرنا أن الذي يستخدم هذه الآية الكريمة في التشكيك في القرآن الكريم هم أولئك الكافرون الذين يريدون أن ينشروا ويذيعوا الكفر بين الناس ويريدون أن يجعلوا للَّه أندادًا، وهم في الحالتين غير مؤمنين يحاربون اللَّه، ويحاربون دينه. إن بداية هذه الآية معجزة؛ لأن الذين يجادلون فيها هم أولئك الذين يحاربون هذا الدين، ويكفرون باللَّه، ويحاولون التشكيك، فكون اللَّه قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، وقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ كأنما هو يخاطب هنا أولئك الذين سيأتون بعد قرون عديدة ليشككوا في القرآن الكريم مستخدمين هذه الآية بالذات في محاولة التشكيك.
ونحن نقول لهم: إن مَنْ يقول هذا الكلام أما أن يكون متعمدًا أو غافلًا عن مدلولات النص، فاللَّه يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، ثم يقول : ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، إذن اللَّه يتحدث هنا عن إتمام خلق الأرض، هو يعطينا تفصيل الخلق فيقول: خلق الأرض في يومين، ثم يتم بعد ذلك الحديث عن الخلق فيقول: جعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام؛ وما دام الحديث تتمة لنفس الشيء الذي بدأ الكلام عنه وهو الأرض؛ أي: أن اللَّه لم ينتقل إلى الحديث عن السموات، وإنما هو يفصل كيفية خلق الأرض؛ فهو يتم لنا زمن خلق الأرض، فهو يقول: إنني خلقت الأرض في يومين، ثم أتممت خلقها في أربعة أيام، إذن فمدة الخلق كلفي بالنسبة للأرض هي أربعة أيام، وليست ستة.
قال ابن تيمية: أما قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ
стр. 7137
لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشق فيها الأنهار، وجعل فيها السبل، وخلق الجبال، والرمال، والآكام، وما فيها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ وجعلت السموات في يومين آخرين، وأنه استوى على العرش بعد أن خلق السموات (١).
قال ابن تيمية: فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ (فصلت: ٩ - ١٠) قالوا: الجميع في أربعة أيام ثم استوى إلى السماء الدنيا وهي دخان، فقال لها وللأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢).
٢ - ولنضرب مثلًا يقرِّب ما نقوله للأذهان: إذا فُرِض أنني ذاهب من القاهرة إلى الإسكندرية، وأن القطار سيتوقف في مدينة طنطا بعد ساعة، وفي الإسكندرية بعد ساعتين ونصف، فهل معنى ذلك أن المسافة بين القاهرة والإسكندرية ثلاث ساعات ونصف؟ أبدًا؛ المسافة بين القاهرة والإسكندرية هي التي ذكرتها مؤخرًا (ساعتين ونصف)، أما الساعة التي سيستغرقها القطار من القاهرة إلى طنطا فهذه جزء يدخل ضمن الساعتين والنصف؛ لماذا؟ لأن من القاهرة إلى طنطا جزء من الطريق بين القاهرة والإسكندرية.
واللَّه يتحدث عن خلق الأرض، فهو يقول : إنني خلقت الأرض في يومين، ثم أتممت عملية الخلق بأن جعلت فيها رواسي من فوقها،
стр. 7138
وباركت فيها أقواتها في أربعة أيام، كأن الأيام الأربعة هي كل الفترة التي استغرقتها عملية خلق الأرض؛ منها يومان لخلق الأرض، ويومان لإتمام الخلق بأن جعل اللَّه رواسي من فوقها، وبارك فيها أقواتها؛ المدة كلها أربعة أيام، وليست ستة أيام.
قال الزركشي: المراد بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ومع اليومين المتقدمين، ولم يرد بذكر الأربعة غير ما تقدم ذكره، وهذا كما يقول الفصيح سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يوما ولا يريد سوى العشرة بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين ٣ وأراد سوى الأربعة وذلك لا مخالفة فيه لأن المجموع يكون ستة (١).
الوجه الثالث: لفظ: (يوم) في الآيات ليس المقصود به اليوم الذي هو أربع وعشرون ساعة .
١ - لقد بين اللَّه تعالى أنه خلق الأرض والسماء في ستة أيام ولم يبين مقدار اليوم ولكن في نصوص أخرى بَيَّنَ اللَّهُ تعالى أن اليوم عند اللَّه تعالى يختلف عن اليوم بالمقاييس البشرية؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (الحج: ٤٧).
قال ابن الجوزي: ومعنى قوله: (في ستة أيام) أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ.
قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافًا في ذلك، ولو قال قائل: إنها كأيام الدنيا كان قوله بعيدًا من وجهين:
أحدهما: خلاف الآثار. والثاني: أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ستة آلاف سنة يتوهمه في ستة أيام عند تصفح قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإن قيل: فهلا خلقها في لحظة فإنه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة:
стр. 7139
أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمرًا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده؛ ذكره ابن الأنباري.
والثاني: أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل وجوده أبلغ في تعظيمه عند الملائكة.
والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة والتثبيت أبلغ في الحكمة؛ فأراد إظهار حكمته في ذلك كما يظهر قدرته في قوله: (كن فيكون).
والرابع: أنه علم عباده التثبت، فإذا تثبت من لا يَزِلُّ كان ذو الزلل أولى بالتثبت.
والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء أبعدُ مِنْ أن يُظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق (١).
فإن لفظ (يوم) مدلوله يختلف في اللغة العربية عنه في اللغات الأخرى.
٢ - ولقد أجمعت الكتب السماوية السابقة على أن اللَّه قد خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وجاء القرآن الكريم فأكد هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ (السجدة: ٤)، ولكن الفارق بين ذكر ذلك في القرآن الكريم وفي غيره أنه لم يكتفٍ بذكر هذه الحقيقة الكونية بل جاء بحقائق إضافية عن تفصيل هذه الأيام، وكذلك عن الحال الذي كان عليه الكون عند بداية خلقه والحال التي سيؤول إليها، ومن أهم الحقائق التي تفرد بذكرها القرآن دون غيره من الكتب السماوية هي حقيقة أن السموات والأرض قد خلقهما اللَّه في يومين اثنين ولم يستغرق خلقها ستة أيام كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ
стр. 7140
وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
وكما هو واضح من هذه الآية المليئة بالحقائق المتعلقة بالأحداث التي مَرَّ بها خلق الكون؛ فإن اللَّه قد خلق الأرض في يومين، وكذلك خلق السموات في يومين، بينما تنصُّ آيات أخرى كثيرة على أن مجموع أيام خلق السموات والأرض هي ستة أيام.
الوجه الرابع: الاختلاف في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها .
قال ابن الجوزي: واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها.
فقال ابن عباس: بدأ بخلق الأرض في يومين، ثم خلق السموات في يومين وقدر فيها أقواتها في يومين.
وقال الحسن ومجاهد: جمع خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام متوالية، ثم خلق السماء في يومين (١).
وقال بعض نحويي البصرة (الأخفش): قال ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ لأنه يعني أن هذا مع الأول أربعة أيام، كما تقول: تزوَّجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما التي تزوَّجتها أمس (٢).
الوجه الخامس: معنى كلمة: (الأقوات) .
قال ابن الجوزي: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال أبو عبيدة: هي جمعُ قوت، وهي الأرزاق وما يُحتاج إليه.
وللمفسرين في هذا التقدير خمسة أقوال:
أحدها: أنه شَق الأنهار وغرس الأشجار؛ قاله ابن عباس.
والثاني: أنه قسَّم أرزاق العباد والبهائم؛ قاله الحسن.
والثالث: أقواتها من المطر؛ قاله مجاهد.
стр. 7141
والرابع: قدَّر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أنَّ ثياب اليمن لا تصلح إلا بـ (اليمن) والهرويَّة بـ (هراة) ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة؛ قاله عكرمة، والضحاك.
والخامس: قدَّر البُرَّ لأهل قُطْرٍ، والتَّمْر لأهل قُطْرٍ، والذُّرَة لأهل قُطْرٍ؛ قاله ابن السائب.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيّام، قال الأخفش: ومثله أن تقول: تزوجت أمسِ امرأة، واليومَ ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها أمس.
قوله تعالى: ﴿سَوَاءً﴾ قرأ أبو جعفر: ﴿سَوَاءً﴾ بالرفع، وقرأ يعقوب، وعبد الوارث: "سواءٍ" بالجر، وقرأ الباقون من العشرة: بالنصب. قال الزجاج: من قرأ بالخفض، جعل (سواءٍ) من صفة الأيّام فالمعنى: في أربعة أيّامٍ مستوِياتٍ تامَّاتٍ، ومن نصب فعلى المصدر؛ فالمعنى: استوت سواءً واستواءً، ومن رفع فعلى معنى: هي سواءٌ (١).
قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه تعالى أخبر أنه قدَّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أنه قدَّر قوتًا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتَّصَرُّف في البلاد لما خصَّ به بعضًا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحليِّ، ولا قول في ذلك أصح مما قال جلَّ ثناؤه: قدَّر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة (٢).
الوجه السادس: حقائق القرآن تتحدث عن نشأة الكون .
هناك مراحل لنشوء الكون، ولكن نتوقف قليلًا لكي نقارن بين الحقائق المذكورة في الآيات القرآنية مع ما توصل إليه العلماء من حقائق.
١ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.
стр. 7142
قال ابن تيمية: فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان؛ قيل: هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش؛ فإن البخار نوع من الدخان (١).
فقد ذكرت الآية القرآنية التي هي عنوان هذا الباب أن الكون كان على شكل مادة دخانية في مرحلة نشوئه الأولى، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، والمقصود بالسماء في هذه الآية هو الفضاء الذي امتلأ بالدخان الناتج عن الانفجار الكوني العظيم، وليست السماء التي ستتكون من هذا الدخان لاحقًا فلم يكن ثَمَّةَ سماء قبل ذلك، وقد أطلق العلماء على هذه السحابة من الجسيمات الأولية اسم الغبار الكوني، بينما سماها القرآن الدخان والتسمية القرآنية أدقُّ من تسمية العلماء؛ فالجسيمات الأولية أصغر من أن تكون غبارًا وحتى دخانًا، ولكن الدخان هو أصغر وأخف شيء يمكن أن تراه أعين البشر، ولا بد هنا من أن نسأل الذين لا يؤمنون باللَّه أو الذين لا يصدقون بأن هذا القرآن منزل من عند اللَّه السؤال التالي وهو: من أين جاء هذا النبي الأمي الذي عاش في أمة أمية بهذه الحقيقة الكبرى عن حال الكون عند بداية خلقه والتي ظلت مجهولة إلى أن كشفها اللَّه على أيدي خلقه في هذا الزمان فقط؟
إن هذه الحقيقة العلمية لم تذكرها الكتب المقدسة التي سبقت القرآن ممَّا يؤكد صدق هذا القرآن وصدق مَنْ أنزِلَ عليه وأنه مُنَزَّلٌ من لدن عليم خبير مطلع على جميع أسرار هذا الكون، وكيف لا وهو خالقه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك: ١٤).
فالكون في الأصل كان كتلة واحدة ثم تحول إلى مادة دخانية ملأت الفراغ المحيط بها سماها القرآن الكريم الدخان، وهذا لا يحدث إلا نتيجة لانفجار هذه الكتلة المادية، وهذا الانفجار هو الذي جعل مادة الكون الأولية تتناثر وتندفع في كل اتجاه بقوة رهيبة محدثة التوسع الكوني الذي لا زلنا نشاهد أثره إلى هذه اللحظة، وممَّا يؤكد على أن مادة هذا الكون قد
стр. 7143
جاءت نتيجة انفجار كوني ضخم هو إشارة القرآن إلى أن الكون في توسع مستمر؛ والتوسع لا يتأتى إلا إذا بدأ الكون من جرم رأسه واستخدمه من بني البشر، لقد تمكن علماء الفيزياء من وضع نظرية جديدة معدلة لنظرية (الانفجار العظيم) أطلق عليها اسم نظرية (الكون المنتفخ)؛ وذلك بسبب فشل النظرية الأولى في تفسير بعض الظواهر الفيزيائية في لحظات الانفجار الأولى، إلا أنهما تتفقان في تفسير الأحداث الكونية فيما بعد ذلك، فعندما قام العلماء بإعادة حل المعادلات الفيزيائية التي حكمت تفاعلات مادةِ وقوى الكون في اللحظات الأولى لنشوئه، وبالتحديد في الثانية الأولى اكتشفوا حقائق عجيبة تدعم الصورة التي رسمتها الكتب السماوية -وخاصة القرآن الكريم- عن تركيب هذا الكون، وملخص هذه النظرية أنه في خلال الثانية الأولى من الانفجار العظيم ونتيجة لحدوث ظاهرة فيزيائية غريبة يطلق عليها اسم (التأثير النفقي) بدأ الكون بالتمدد بمعدلات أكبر بكثير من المعدلات التي نصت عليها نظرية الانفجار العظيم، وقد نتج عن هذا التمدد المفاجئ للكون في لحظاته الأولى ظهور عدة مناطق مادية على شكل فقاعات متلاحقة يفصل بينها حواجز قوية، وشكلت كل فقاعة من هذه الفقاعات كونًا خاصا بها، وتؤكد النظرية بالنص على أن هذا الكون العظيم المترامي الأطراف الذي نشاهده -أو ما يسمى بالكون المشاهد- لا يشكل إلا جزءًا يسيرًا من هذه الأكوان التي لم تستطع النظرية تحديد عددها.
٢ - قوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وهذا بالضبط ما قد أجمعت عليه جميع الكتب السماوية من وجود أكوان أخرى غير الكون الذي نراه بأعيننا أو تصل إليه مراصدنا، وقد أطلقت الكتب السماوية على هذه الأكوان اسم السموات السبع كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
٣ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
стр. 7144
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (الطلاق: ١٢).
فقد كشف القرآن الكريم في آيات أخرى عن بعض الخصائص المتعلقة بطبيعة هذه السموات، فذكر أولًا أنها على شكل طبقات حيث تطبق كل سماء على السماء التي دونها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت هذه السموات على شكل كرات مجوفة كل واحدة تحيط بالأخرى بحيث يكون مركز هذه الكرات هو المكان الذي حدث فيه الانفجار الكوني العظيم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ (الملك: ٣)، وذكر القرآن كذلك أن في كل سماء من هذه السموات السبع أجرامها الخاصة بها؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: ١٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ (النبأ: ١٢)
فقد وصف القرآن الكريم هذه السموات السبع بالشدة والمتانة، وقد جاء هذا الوصف مطابقًا لما اكتشفه العلماء في نظرية الكون المنتفخ وهي أن الحواجز بين الأكوان المختلفة مكونة من أقطاب مغناطيسية أحادية القطبية وهي من أثقل الجسيمات التي تنبأ العلماء بوجودها، ولكنهم لم يعثروا على أيٍّ منها حتى الآن في أجرام الكون المشاهد وصدق اللَّه العظيم القائل: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ (النبأ: ١٢)، والقائل سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ (النازعات: ٢٧ - ٢٨)، والقائل سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (غافر: ٥٧).
٥ - قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)
لقد أتى القرآن الكريم أيضًا على ذكر أجرام قد خلقها اللَّه في هذا الكون وهي أكبر من السموات السبع وما فيهن ككرسي الرحمن الذي يحوي في داخله هذه السموات السبع مصداقًا
стр. 7145
لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، إن حجم هذا الكرسي وما يحويه من السموات السبع لا تكاد تذكر مع حجم العرش الذي استوى عليه الرحمن فقال عز من قائل: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ (المؤمنون: ٨٦)، والقائل سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (النمل: ٢٦).
٦ - ولقد أشارت بعض الأحاديث النبوية الشريفة إلى الضخامة البالغة لهذا الكون الذي نعيش فيه ممَّا جعل بعض الناس يشكك في صحة هذه الأحاديث بسبب المبالغة التي ذكرتها لأبعاد هذا الكون، ففي أحد هذه الأحاديث ذكر النبي ﷺ أن أبعاد السماء الدنيا بما تحويه من آلاف البلايين من المجرات والتي يحوي كل منها على مئات البلايين من النجوم بالنسبة لأبعاد السماء الثانية كأبعاد الحلقة (الخاتم) إلى أبعاد الفلاة؛ والفلاة هي الصحراء الواسعة، وكذلك هو حال السماء الثانية مع الثالثة. . .، وهكذا مع بقية السموات إلى أن ننتهي إلى العرش، ولقد تبين لنا بعد الاكتشاف العلمية الحديثة في مجال الفلك أنه لا يوجد أيُّ مبالغة في الصورة التي حاولت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن تعطيها لحجم هذا الكون، بل إن أسلوب القرآن الكريم كان في غاية الذكاء عندما حاول أن يبين للناس المسافات الشاسعة التي تفصل ما بين النجوم، وذلك من خلال القسم بمواقعها؛ ومن ثم أشار إلى أن هذا القسم عظيم لو أن الناس تمكنوا من معرفة مقدار هذه المسافات فقال عز من قائل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٦) (١).
إذن فما المقصود باليومين الذين خلق اللَّه فيهما الأرض ؟
وعلى ضوء هذه الحقائق العلمية يمكن لنا الآن أن نفهم ما المقصود باليومين الذين خلق اللَّه فيهما الأرض كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي