← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

والرابع: قدَّر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أنَّ ثياب اليمن لا تصلح إلا بـ (اليمن) والهرويَّة بـ (هراة) ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة؛ قاله عكرمة، والضحاك. والخامس: قدَّر البُرَّ لأهل قُطْرٍ، والتَّمْر لأهل قُطْرٍ، والذُّرَة لأهل قُطْرٍ؛ قاله ابن السائب. وقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيّام، قال الأخفش: ومثله أن تقول: تزوجت أمسِ امرأة، واليومَ ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها أمس. قوله تعالى: ﴿سَوَاءً﴾ قرأ أبو جعفر: ﴿سَوَاءً﴾ بالرفع، وقرأ يعقوب، وعبد الوارث: "سواءٍ" بالجر، وقرأ الباقون من العشرة: بالنصب. قال الزجاج: من قرأ بالخفض، جعل (سواءٍ) من صفة الأيّام فالمعنى: في أربعة أيّامٍ مستوِياتٍ تامَّاتٍ، ومن نصب فعلى المصدر؛ فالمعنى: استوت سواءً واستواءً، ومن رفع فعلى معنى: هي سواءٌ (١). قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه تعالى أخبر أنه قدَّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أنه قدَّر قوتًا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتَّصَرُّف في البلاد لما خصَّ به بعضًا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحليِّ، ولا قول في ذلك أصح مما قال جلَّ ثناؤه: قدَّر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة (٢). الوجه السادس: حقائق القرآن تتحدث عن نشأة الكون . هناك مراحل لنشوء الكون، ولكن نتوقف قليلًا لكي نقارن بين الحقائق المذكورة في الآيات القرآنية مع ما توصل إليه العلماء من حقائق. ١ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.

стр. 7142

قال ابن تيمية: فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان؛ قيل: هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش؛ فإن البخار نوع من الدخان (١). فقد ذكرت الآية القرآنية التي هي عنوان هذا الباب أن الكون كان على شكل مادة دخانية في مرحلة نشوئه الأولى، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، والمقصود بالسماء في هذه الآية هو الفضاء الذي امتلأ بالدخان الناتج عن الانفجار الكوني العظيم، وليست السماء التي ستتكون من هذا الدخان لاحقًا فلم يكن ثَمَّةَ سماء قبل ذلك، وقد أطلق العلماء على هذه السحابة من الجسيمات الأولية اسم الغبار الكوني، بينما سماها القرآن الدخان والتسمية القرآنية أدقُّ من تسمية العلماء؛ فالجسيمات الأولية أصغر من أن تكون غبارًا وحتى دخانًا، ولكن الدخان هو أصغر وأخف شيء يمكن أن تراه أعين البشر، ولا بد هنا من أن نسأل الذين لا يؤمنون باللَّه أو الذين لا يصدقون بأن هذا القرآن منزل من عند اللَّه السؤال التالي وهو: من أين جاء هذا النبي الأمي الذي عاش في أمة أمية بهذه الحقيقة الكبرى عن حال الكون عند بداية خلقه والتي ظلت مجهولة إلى أن كشفها اللَّه على أيدي خلقه في هذا الزمان فقط؟ إن هذه الحقيقة العلمية لم تذكرها الكتب المقدسة التي سبقت القرآن ممَّا يؤكد صدق هذا القرآن وصدق مَنْ أنزِلَ عليه وأنه مُنَزَّلٌ من لدن عليم خبير مطلع على جميع أسرار هذا الكون، وكيف لا وهو خالقه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك: ١٤). فالكون في الأصل كان كتلة واحدة ثم تحول إلى مادة دخانية ملأت الفراغ المحيط بها سماها القرآن الكريم الدخان، وهذا لا يحدث إلا نتيجة لانفجار هذه الكتلة المادية، وهذا الانفجار هو الذي جعل مادة الكون الأولية تتناثر وتندفع في كل اتجاه بقوة رهيبة محدثة التوسع الكوني الذي لا زلنا نشاهد أثره إلى هذه اللحظة، وممَّا يؤكد على أن مادة هذا الكون قد

стр. 7143

جاءت نتيجة انفجار كوني ضخم هو إشارة القرآن إلى أن الكون في توسع مستمر؛ والتوسع لا يتأتى إلا إذا بدأ الكون من جرم رأسه واستخدمه من بني البشر، لقد تمكن علماء الفيزياء من وضع نظرية جديدة معدلة لنظرية (الانفجار العظيم) أطلق عليها اسم نظرية (الكون المنتفخ)؛ وذلك بسبب فشل النظرية الأولى في تفسير بعض الظواهر الفيزيائية في لحظات الانفجار الأولى، إلا أنهما تتفقان في تفسير الأحداث الكونية فيما بعد ذلك، فعندما قام العلماء بإعادة حل المعادلات الفيزيائية التي حكمت تفاعلات مادةِ وقوى الكون في اللحظات الأولى لنشوئه، وبالتحديد في الثانية الأولى اكتشفوا حقائق عجيبة تدعم الصورة التي رسمتها الكتب السماوية -وخاصة القرآن الكريم- عن تركيب هذا الكون، وملخص هذه النظرية أنه في خلال الثانية الأولى من الانفجار العظيم ونتيجة لحدوث ظاهرة فيزيائية غريبة يطلق عليها اسم (التأثير النفقي) بدأ الكون بالتمدد بمعدلات أكبر بكثير من المعدلات التي نصت عليها نظرية الانفجار العظيم، وقد نتج عن هذا التمدد المفاجئ للكون في لحظاته الأولى ظهور عدة مناطق مادية على شكل فقاعات متلاحقة يفصل بينها حواجز قوية، وشكلت كل فقاعة من هذه الفقاعات كونًا خاصا بها، وتؤكد النظرية بالنص على أن هذا الكون العظيم المترامي الأطراف الذي نشاهده -أو ما يسمى بالكون المشاهد- لا يشكل إلا جزءًا يسيرًا من هذه الأكوان التي لم تستطع النظرية تحديد عددها. ٢ - قوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وهذا بالضبط ما قد أجمعت عليه جميع الكتب السماوية من وجود أكوان أخرى غير الكون الذي نراه بأعيننا أو تصل إليه مراصدنا، وقد أطلقت الكتب السماوية على هذه الأكوان اسم السموات السبع كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ٣ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ

стр. 7144

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (الطلاق: ١٢). فقد كشف القرآن الكريم في آيات أخرى عن بعض الخصائص المتعلقة بطبيعة هذه السموات، فذكر أولًا أنها على شكل طبقات حيث تطبق كل سماء على السماء التي دونها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت هذه السموات على شكل كرات مجوفة كل واحدة تحيط بالأخرى بحيث يكون مركز هذه الكرات هو المكان الذي حدث فيه الانفجار الكوني العظيم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ (الملك: ٣)، وذكر القرآن كذلك أن في كل سماء من هذه السموات السبع أجرامها الخاصة بها؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: ١٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ (النبأ: ١٢) فقد وصف القرآن الكريم هذه السموات السبع بالشدة والمتانة، وقد جاء هذا الوصف مطابقًا لما اكتشفه العلماء في نظرية الكون المنتفخ وهي أن الحواجز بين الأكوان المختلفة مكونة من أقطاب مغناطيسية أحادية القطبية وهي من أثقل الجسيمات التي تنبأ العلماء بوجودها، ولكنهم لم يعثروا على أيٍّ منها حتى الآن في أجرام الكون المشاهد وصدق اللَّه العظيم القائل: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ (النبأ: ١٢)، والقائل سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ (النازعات: ٢٧ - ٢٨)، والقائل سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (غافر: ٥٧). ٥ - قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) لقد أتى القرآن الكريم أيضًا على ذكر أجرام قد خلقها اللَّه في هذا الكون وهي أكبر من السموات السبع وما فيهن ككرسي الرحمن الذي يحوي في داخله هذه السموات السبع مصداقًا

стр. 7145

لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، إن حجم هذا الكرسي وما يحويه من السموات السبع لا تكاد تذكر مع حجم العرش الذي استوى عليه الرحمن فقال عز من قائل: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ (المؤمنون: ٨٦)، والقائل سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (النمل: ٢٦). ٦ - ولقد أشارت بعض الأحاديث النبوية الشريفة إلى الضخامة البالغة لهذا الكون الذي نعيش فيه ممَّا جعل بعض الناس يشكك في صحة هذه الأحاديث بسبب المبالغة التي ذكرتها لأبعاد هذا الكون، ففي أحد هذه الأحاديث ذكر النبي ﷺ أن أبعاد السماء الدنيا بما تحويه من آلاف البلايين من المجرات والتي يحوي كل منها على مئات البلايين من النجوم بالنسبة لأبعاد السماء الثانية كأبعاد الحلقة (الخاتم) إلى أبعاد الفلاة؛ والفلاة هي الصحراء الواسعة، وكذلك هو حال السماء الثانية مع الثالثة. . .، وهكذا مع بقية السموات إلى أن ننتهي إلى العرش، ولقد تبين لنا بعد الاكتشاف العلمية الحديثة في مجال الفلك أنه لا يوجد أيُّ مبالغة في الصورة التي حاولت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن تعطيها لحجم هذا الكون، بل إن أسلوب القرآن الكريم كان في غاية الذكاء عندما حاول أن يبين للناس المسافات الشاسعة التي تفصل ما بين النجوم، وذلك من خلال القسم بمواقعها؛ ومن ثم أشار إلى أن هذا القسم عظيم لو أن الناس تمكنوا من معرفة مقدار هذه المسافات فقال عز من قائل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٦) (١). إذن فما المقصود باليومين الذين خلق اللَّه فيهما الأرض ؟ وعلى ضوء هذه الحقائق العلمية يمكن لنا الآن أن نفهم ما المقصود باليومين الذين خلق اللَّه فيهما الأرض كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي

стр. 7146

يَوْمَيْنِ﴾، فالمدة الزمنية التي مرت على الأرض منذ أن كانت في حالة الدخان إلى أن أخذت موقعها في مدار ثابت حول الشمس على شكل كرة ملساء ذات سطح شبه سائل تمثل اليومين اللذين خلق اللَّه فيهما هذه الأرض الأولية، ولقد حدد اللَّه علامة بارزة لنهاية يومي خلق الأرض الأولية وبداية الأيام الأربعة التي أكمل اللَّه فيها تجهيز الأرض لتكون صالحة لظهور الحياة عليها وهذه العلامة هي بداية تكون الجبال. ١ - فقد ذكر اللَّه أن أول الأحداث في الأيام الأربعة التالية من أيام الخلق الستة هو تَشَكُّلُ الجبالِ فوق سطحها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾، ومن الطبيعي أن تكون الجبالُ أولَ ما ظهر على سطح الأرض، وبالتالي أول أحداث تهيئة الأرض، فالأرض كانت قبل ذلك كما ذكرنا سابقًا كرة ملساء، وسطحها حار جدًا وشبه سائل وهي تغلي وتفور بسبب الحرارة الشديدة التي في باطنها، واستمرت الأرض على هذا الحال إلى أن بدأت القشرة الأرضية الصلبة بالتكون بعد أن برد سطحها نتيجة لإشعاع حرارتها إلى الفضاء الخارجي، وعندما أصبح سمك القشرة الأرضية بالقدر الكافي بدأت المواد التي تقذف بها البراكين من جوف الأرض بالتراكم فوقه ليبدأ بذلك تكون الجبال، ولا زال مشهد تكون الجبال من البراكين قائمًا إلى يومنا هذا ولكن بمعدل لا يكاد يذكر مع الحال الذي كانت عليه الأرض في بداية تكونها. ٢ - وكما هو واضح من هذه الآية فإن عملية تجهيز الأرض بعد أن استقرت في مدارها حول الشمس لتكون صالحة لظهور الحياة عليها استغرق أربعة أيام من أيام اللَّه؛ وهي من مثل الأيام التي خلق اللَّه بها السموات والأرض بشكلها الأولى، وفي هذه الأيام الأربعة تكونت الجبال، والقارات، والمحيطات، والبحيرات، والأنهار، وتشكل الغلاف الجوي الذي بدأ بحماية الأرض من بقايا الشهب التي كانت ترشق الأرض من الفضاء الخارجي، وبعد أن وفر اللَّه كل أسباب الحياة على هذه الأرض بدأت الحياة الأولية بالظهور

стр. 7147

عليها، ومن ثم خلق اللَّه النباتات والحيوانات، ومن ثم خلق اللَّه الإنسان في آخر ساعة من ساعات اليوم السادس من أيام الخلق كما جاء ذلك في الأحاديث النبوية الشريفة. إن توفر جميع الشروط اللازمة لظهور الحياة على هذه الأرض من الكثرة والتعقيد بحيث أن خللًا بسيطًا في أحد هذه الشروط قادر على إنهاء جميع أشكال الحياة على هذه الأرض كما سنبين تفصيل ذلك في باب قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾. ٣ - ولا بد أن يتبادر لذهن القارئ أسئلة تتعلق بعُمر هذا الكون، وما هو طول اليوم من الأيام التي ذكرت في الآية القرآنية عنوان هذا الباب، ولم يتمكن العلماء إلى الآن من إعطاء رقم دقيق لعمر الكون حيث تتراوح تقديراتهم لمقدار الزمن الذي مرَّ على الكون منذ لحظة الانفجار الكوني إلى الآن ما بين ثمانية بلايين وخمسة عشر بليون سنة، وقد اعتمد العلماء في تقديرهم لعمر الكون على قياسهم لنصف قطر الكون المشاهد وذلك بقياس أبعد المجرات عن مجرتنا التي تقع في الطرف المقابل من الكون المشاهد، وبمعرفة ثابت التوسع الكوني يمكن للعلماء تحديد عمر الكون على وجه التقريب، ويعود هذا التفاوت في تقدير عمر الكون إلى عدم دقة الطرق المستخدمة في قياس أبعاد المجرات، وكذلك عدم تمكن العلماء من تحديد قيمة ثابت التوسع الكوني بشكل دقيق، وعدم تيقنهم فيما إذا كان الثابت الكوني ثابتًا فعلًا أم أنه قد تغير مع مرور الزمن. الوجه السابع: قيل: إن هذه الأيام لم تنتهي بعد . عن محمد بن سيرين عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن اللَّه تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وجعل أجل الدنيا ستة أيام وجعل الساعة في اليوم السابع ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع فمثل ذلك كمثل

стр. 7148

الحامل إذا دخلت شهرها ففي آية لحظة ولدت كان تمامًا (١). أما القرآن الكريم فقد حدد المدة الكاملة التي خلق اللَّه بها السموات والأرض بستة أيام من أيامه سبحانه، وحدد كذلك المدة التي خلق اللَّه بها السموات والأرض الأولية بيومين والمدة التي هيأ بها الأرض بأربعة أيام، وكما ذكرنا فيما سبق أن أيام اللَّه كما أكد على ذلك القرآن الكريم ليست كأيام البشر، فاللَّه لا يحده زمان ولا مكان ويُقدِّر زمن الأحداث والوقائع بما شاء من مقادير، فقد يكون طول بعض أيامه ألف سنة من أيامنا التي نعدها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧)، وقد يكون طول بعض أيامه خمسين ألف سنة كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (المعارج: ٤)، وقد يكون طول بعضها ملايين أو ربما بلايين السنين كما هو الحال مع طول الأيام التي خلق اللَّه بها هذا الكون، ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم هو أول من تحدث عن نسبية الزمان والمكان، فإذا كانت مدة الخمسين ألف سنة يراها البشر زمنًا طويلًا فإنها عند اللَّه زمن قصير، وعندما يسأل اللَّه البشر يوم القيامة عن مدة مكثهم في الأرض يكون جوابهم: أنه يوم أو بعض يوم، وذلك بعد أن يتحرر البشر من أَسْرِ أُطِرِ المكان والزمان التي كانوا يعيشون فيها على الأرض كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٢ - ١١٤). ولكي نتمكن من استيعاب الأرقام الكبيرة التي حدد بها العلماء عُمر هذا الكون والتي تقاس ببلايين السنين ومقارنتها مع الأيام المذكورة في الآيات القرآنية لا بد لنا من قبول حقيقة أن أيام الخلق الستة لم تنتهي بعد، فهذه الأيام ليست كما يظن كثير من الناس أنها أيام قد مرت وانتهت بل هي أيام لا زال زمانها يجري، وهي إن كانت قد انتهت

стр. 7149

بالنسبة للَّه خالق الزمان والمكان إلا أنها بالنسبة للبشر لم تنته بعد بل لازلنا نعيش في اللحظات الأخيرة من هذه الأيام، وهذا يعني أن الأيام الستة التي خلق اللَّه خلالها جميع موجودات هذا الكون تمثل العمر الكلي للكون منذ أن خلقه اللَّه من الدخان وإلى أن يطويه اللَّه كطي السجل للكتب ويعيد جميع مادته إلى النقطة التي بدأت منها، وليس من الصعب على القارئ أن يستوعب هذا الأمر إذا ما علم أن مكونات الكون قد تم خلقها على مدى هذه الأيام الستة، فالإنسان الحديث قد تم خلقه قبل ما يقرب من عشرين ألف سنة حسب تقديرات العلماء، وهي تمثل آخر ساعة من ساعات اليوم السادس من أيام الخلق الستة، فمن السهل أن نستنج من هذا أننا لا زلنا نعيش ضمن هذه الأيام الستة. ويمكننا الآن أن نستعين بالمعلومات الواردة في الآية القرآنية المتعلقة بخلق الكون وبعض التقديرات الدقيقة لبعض الأحداث التي مر بها الكون للحصول على رقم تقريبي لعمر هذا الكون، فقد حددت هذه الآية أن الجبال قد بدأت بالتكون في بداية الأيام الأربعة الأخيرة من أيام الخلق الستة، ولو تمكنا من معرفة عمر أقدم جبال الأرض تكونًا فمن السهل علينا حساب عمر الكون، وهذا على افتراض أننا نعيش في اللحظات الأخيرة من أيام الخلق الستة كما أكدت على ذلك كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لقد استخدم العلماء طرقًا مختلفة لتقدير عمر الأرض وما عليها من جبال وما فيها من متحجرات؛ وذلك لدراسة تطور الحياة عليها من خلال تحديد أعمار العينات التي يدرسونها، إن أكثر الطرق دقةً في تحديد أعمار الجبال هي تلك التي تعتمد على التحلل الإشعاعي لبعض العناصر المشعة كاليورانيوم، والثوريوم، والبوتاسيوم، فمن خلال قياس نسبة الرصاص إلى اليورانيوم في عينة مأخوذة من جبل ما وبمعرفة العمر النصفي لليورانيوم يمكن تحديد عمر هذه العينة وبالتالي زمن تكون هذا الجبل، لقد وجد العلماء أن عمر أقدم جبال الأرض والموجود في الدرع الكندي يبلغ أربعة بلايين سنة تقريبًا، وبما أن هذه المدة تساوي أربعة أيام من أيام الخلق الستة فإن طول كل يوم من أيام الخلق

стр. 7150

سيكون بليون سنة تقريبًا وعليه فإن عمر الكون سيكون ستة بلايين سنة، وهذا على افتراض أن عمر أقدم الجبال صحيحًا، ولكن يبقى علم هذا الأمر عند عالم الغيب والشهادة خالق السموات والأرض القائل سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (الأنعام: ٥٩)، وقوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾ (فصلت: ٤٧). الوجه الثامن: الآيات تشير الى النظرية النسبية . فتشير الآيات أن الزمان والمكان أمورٌ نسبية، فالأيام التي خلق اللَّه فيها السموات والأرض تختلف عن أيامنا الآن؛ تختلف عن مقدار يوم القيامة. الوجه التاسع: الأخطاء العلمية في الكتاب المقدس في مسألة خلق السموات والأرض . أولًا: جاء في سفر التكوين ما يلي: (أن اللَّه خلق السماوات والأرض في ستة أيام وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا) (التكوين ١/ ٣). ولكن العلم الحديث يخبرنا أنه يستحيل أن يكون تكونت السماوات والأرض في ستة أيام، أما بنسبة للقرآن فقد ذكر أن اللَّه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولكن المقصود بستة أيام فترات طويلة حيث أن اللَّه لم يذكر مساء ولا صباح. ثانيًا: جاء أيضًا في سفر التكوين (١/ ٥: ٣): وَقَالَ اللَّه: لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ. وَرَأى اللَّه النُّورَ أنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللَّه بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَدَعَا اللَّه النُّورَ نَهَارًا وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلًا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. ومعنى هذا الكلام أن اللَّه خلق النور والظلمة في اليوم الأول، ثم بعد ذلك نجد أن اللَّه قد خلق الشمس في اليوم الرابع. ففي (التكوين ١/ ١٩: ١٤): وَقَالَ اللَّه: لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. وَتَكُونَ أَنْوَارا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى

стр. 7151

الأرض. وَكَانَ كَذَلِكَ. فَعَمِلَ اللَّهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللَّهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأرض. وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأى اللَّهُ ذَلِكَ أنَّهُ حَسَنٌ. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا. هل يعقل أن يكون هناك نور وظلمة بدون شمس؟ ثالثًا: نجد أنه قد ذكر في سفر التكوين أن اللَّه قد خلق الأرض في اليوم الثالث (التكوين ١/ ١٣: ٩) وَقَالَ اللَّهُ: لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إلى مَكَانٍ وَاحِدٍ وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ. وَكَانَ كَذَلِكَ. وَدَعَا اللَّهُ الْيَابِسَةَ أرْضا وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأى اللَّهُ ذَلِكَ أنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ اللَّهُ: لِتُنْبِتِ الأرض عُشْبًا وَبَقْلا يُبْزِرُ بِزْرًا وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأرض. وَكَانَ كَذَلِكَ. فَأخْرَجَتِ الأرض عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأى اللَّهُ ذَلِكَ أنَّهُ حَسَنٌ. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا. فكيف يكون هناك ليل ونهار قبل خلق الأرض كما ذكر في تكوين (من ٣ - ٥) لأنه من المعلوم أن الليل والنهار ناتج من دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس؟ رابعًا: جاء في سفر التكوين أن اللَّه خلق نورين عظيمين هما القمر والشمس (التكوين ١/ ١٨: ١٤): وَقَالَ اللَّهُ: لِتَكُنْ أنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأوْقَاتٍ وَأيَّامٍ وَسِنِينٍ. وَتَكُونَ أنْوَارا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأرض. وَكَانَ كَذَلِكَ. فَعَمِلَ اللَّهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللَّهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأرض. وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأى اللَّهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وفي المخطوطات العبرية ذكر (lamps) وهذا يعني أن نور القمر ليس منعكس من الشمس؛ وهذا خطأ آخر، بل هو نور يصدره القمر بنفسه لكن العلم الحديث أثبت أن القمر نوره منعكس من الشمس.

стр. 7152

خامسًا: هل الأرض ستبقى إلى الأبد أم ستزول؟ [١١: ١ HEB] هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى. هنا ذكر أن الأرض ستزول، ثم بعد ذلك نجد أنه ذكر أن الأرض ستبقى إلى الأبد. [٤: ١ ECC] دَوْرٌ يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ وَالأرض قَائِمَةٌ إلى الأَبَدِ. فعليك أيها النصراني أن تختار هل ستبقى الأرض أم ستزول؟ ! الوجه العاشر: بعض الأخطاء الرياضية في الكتاب المقدس . هم يحتجون علينا أن الآيات السابقة بها تعارض رياضي بين ستة أيام في الآيات التي أجملت، والآيات التي فصلت. فنقول: إن الكتاب المقدس مليء بالأخطاء الرياضية، فانظروا إلى كتابكم أولًا. [٦٥: ٢ Ezr] فَضْلًا عَنْ عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ فَهَؤُلَاءِ كَانُوا سَبْعَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَلَهُمْ مِنَ المُغَنِّينَ وَالمُغَنّيَاتِ مِئَتَانِ. ثم نجد بعد ذلك في موضع آخر ما يناقض هذا النص: [٦٧: ٧ Neh] فَضْلًا عَنْ عَبيدِهِمْ وَإِمَائِهِمِ الَّذِينَ كَانُوا سَبْعَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلَاثِينَ. وَلَهُمْ مِنَ المُغَنِّينَ وَالمُغَنّيَاتِ مِئَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ. فأيَّ النصين نصدق؟ ! * * *

стр. 7153

١٢ - شبهة: أن الأرض كروية . نص الشبهة: قالوا: ١ - القرآن لم يصرح ولو مرة بأن الأرض كروية الشكل. ٢ - القرآن يجزم بأن الأرض مبسوطة كما في قوله: ﴿مَدَدْنَاهَا﴾، ﴿سُطِحَتْ﴾، ﴿طَحَاهَا﴾، وغيرها من الآيات. ٣ - هل المفسرون فسروا الكلمات السابقة على أنها تعني أن الأرض مبسوطة كما يدعي هؤلاء. ٤ - تنبؤ زيد بن عمرو بكروية الأرض، وذلك قبل ظهور محمد. ٥ - يقولون: لو أن محمدًا يؤمن بأن الأرض كروية لوضع على ذلك أحكامًا فقهية. ٦ - الكتاب المقدس ينص على كروية الأرض. ٧ - الفلكيون أثبتوا أن الأرض كروية قبل ظهور محمد. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إجماع علماء المسلمين على أن الأرض كروية خاصةً المتقدمين منهم. الوجه الثاني: لم يكتف علماء المسلمين المتقدمين ببيان أن الأرض كروية، بل جاؤا باكتشافات تدل على فهمهم لعلوم الأرض مثل: اكتشاف الجاذبية الأرضية، وتقسيم الكرة الأرضية إلى خطوط طول ودوائر عرض، وأن الأرض كرة ولكن غير منتظمة التكوير. الوجه الثالث: للجواب على شبهة أن الفلكيين أثبتوا أن الأرض كروية قبل ظهور محمد ﷺ نقول بأنه لم يعرف أحد حقيقة أن الأرض كروية إلا من خلال وحي منزل من السماء، أو اكتشاف عن طريق التقدم العلمي، أما غير ذلك فإنها كانت ظنونًا لا تعتمد على يقين. الوجه الرابع: الرد على قولهم: إن زيد بن عمرو تنبأ بكروية الأرض. الوجه الخامس: الأدلة من القرآن على كروية الأرض بتوضيح آيات قد يظن أنها ليست متعلقة بمسألة كروية الأرض، وبيان بأنها مثبتة لذلك. الوجه السادس: قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وهذا يفيد بكروية الأرض.

стр. 7154

الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (الزمر: ٥) يفيد كروية الأرض. الوجه الثامن: القرآن يثبت أن تغير الليل والنهار دليل على كروية الأرض. الوجه التاسع: الرد على شبهة متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ فإن ذلك لا يعارض كون الأرض كروية. الوجه العاشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾، وتوضيح أن للإنسان رؤية النسبية. الوجه الحادي عشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ (سورة النازعات: ٣١، ٣٠). الوجه الثاني عشر: الرد على قول القائل: لو كان القرآن قد علم بكروية الأرض لأعطى حينذاك حلولًا مسبقة للمشاكل التي سيتعرض لها مسلموا القطب مثلًا. الوجه الثالث عشر: الرد على من قال: إن الأرض كروية أنها حقيقة علمية ذكرها الكتاب المقدس. الوجه الرابع عشر: علماء النصارى قديمًا يؤمنون بأن الأرض مسطحة لا أنها كروية، بل ومن المعاصرين منهم من يعتقد ذلك. الوجه الخامس عشر: إثبات كروية الأرض عند المتقدمين بطريقة عقلية. وإليك التفصيل،

стр. 7155

الوجه الأول: إجماع علماء المسلمين على أن الأرض كروية خاصةً المتقدمين منهم . ١ - عاش ابن حزم في القرن الرابع الهجري، وكان في زمانه يقول العوام بعدم تكوير الأرض، وهو تمسك بأنها كروية؛ لأن هذا هو قول العلماء المحققين: فقد قال ابن حزم: قالوا: -أي: العلماء- إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية، والعامة تقول غير ذلك، وجوابنا وباللَّه تعالى التوفيق: إن أحدًا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم ﵃ لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة؛ بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها (١). ٢ - سُئِلَ ابن تيمية عَنْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاءِ وَالأرض هَلْ هُمَا جِسْمَانِ كُرِّيَّانِ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: كُرِّيَّانِ، وَأَنْكَرَ الآخَرُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالَ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ، وَرَدَّهَا. . . فَمَا الصَّوَابُ؟ فَأَجَابَ: السَّمَاوَاتُ مُسْتَدِيرَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَكَى إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ مِثْلُ: أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي -أَحَدِ الأَعْيَانِ الْكِبَارِ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَلَهُ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ مُصَنَّفٍ- وَحَكَى الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ. وَرَوَى الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ بِالأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَبَسَطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا دَلائِلُ حِسَابِيَّةٌ، وَلا أَعْلَمُ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفِينَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إلا فِرْقَةٌ يَسِيرَةٌ مَنْ أَهْلِ الْجَدَلِ لَمَّا نَاظَرُوا المُنَجِّمِينَ فَأَفْسَدُوا عَلَيْهِمْ فَاسِدَ مَذْهَبِهِمْ فِي الأَحْوَالِ وَالتَّأْثِيرِ خَلَطُوا الْكَلامَ مَعَهُمْ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي الْحِسَابِ؛ وَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً أَوْ مُسَدَّسَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْفُوا أَنْ تَكُونَ مُسْتَدِيرَةً لَكِنْ جَوَّزُوا ضِدَّ ذَلِكَ. وَمَا عَلِمْتُ مَنْ

стр. 7156

قَالَ إنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدِيرَةٍ -وَجَزَمَ بِذَلِكَ- إلا مَنْ لا يُؤْبَهُ لَهُ مِنْ الْجُهَّالِ (١). وإلى ذلك أشار أيضًا فقال: اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كريِّة الشكل، وليست تحت وجه الأرض إلا وسطها ونهاية التحت المركز وهو الذي يسمى محيط الأثقال (٢). ٣ - قال ياقوت الحموي: خط الاستواء من المشرق إلى المغرب وهو أَطولُ خط في كرة الأرض. . . ثم قال: بل السماء كروية، وكل ما فيها يدور، وهو لا خلاف فيه (٣). ٤ - قال ابن الجوزي: لا اختلاف بين العلماء في أن السماء مثال الكرة، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدور الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين، أحدهما في ناحية الشمال، والآخر في ناحية الجنوب، وكذلك أجمعوا على أن الأرض مثل الكرة، ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوحد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب، وكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء (٤). ٥ - قال النيسابوري: قال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية (٥). ٦ - قلت: وقال بكروية الأرض من العلماء المتقدمين: الغزالي (٦)، والفخر الرازي (٧)، وابن القيم (٨)، والمقدسي (٩)، والذهبي (١٠)، والقلشندي (١١)، وابن حيان (١٢)، وأبو بكر

стр. 7157

الصوفي (١)، وابن النفيس (٢)، وصاحب تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٣)، وابن خرداذبة (٤)، والمسعودي (٥)، وأبو محمد الجويني (٦). الوجه الثاني: لم يكتف علماء المسلمين المتقدمين ببيان أن الأرض كروية، بل جاؤا باكتشافات تدل على فهمهم لعلوم الأرض مثل: اكتشاف الجاذبية الأرضية، وتقسيم الكرة الأرضية إلى خطوط طول ودوائر عرض، وأن الأرض كرة ولكن غير منتظمة التكوير ١ - قال ابن خرداذبة: الأرض بمنزلة الحجر (المغناطيس) الذي يجتذب الحديد، والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء وهو من المشرق إلى المغرب وهذا طول الأرض، وهو أكبر خط في كرة الأرض، فاستدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة (٧). وبنحوه قال المقدسي (٨)، وابن الجوزي (٩). ٢ - عدم الاستدارة الكاملة للأرض: قال الشريف الإدرسي: إنه صحيح أن الأرض مستديرة، ولكنها غير كاملة الاستدارة. ٣ - قال الصفدي: لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض، وأدرنا الحبل على كرة الأرض، انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض، والتقى

стр. 7158

الطرفان (١). ٤ - قال المسعودي: الأرض مقسومة نصفين وبينهما خط الاستواء، وهو بين المشرق إلى المغرب، وهذا هو طول الأرض، لأنه أكبر خط في كرة الأرض (٢). ٥ - ثلاثة أرباع الأرض ماء. قال الفخر الرازي: اعلم أن خط الاستواء يقطع الأرض نصفين: شمالي وجنوبي، فإذا فرضت دائرة أخرى عظيمة مقاطعة لها على زوايا قائمة، انقسمت كرة الأرض بهما أرباعًا. . . ويُقال واللَّه أعلم: إن ثلاثة الأرباع ماء (٣). وقال أيضًا: الأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم، وظهر لثان وعصر لثالث، ومغرب لرابع وعشاء لخامس، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلًا من هذه الجهة (٤). ٦ - قال الذهبي: الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة، والسماء محيطة بها من جميع جوانبها، وأسفل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز، وهو منتهى السفل، والتحت وما دونه لا يسمى تحتًا، بل لا يكون تحتًا، ويكون فوقًا؛ بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق، ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق، وبرهان ذلك أنا لو فرضنا مسافرًا سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب، وامتد مسافرًا، لمشى مسافرًا على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه؛ وهو في سفره هذا لم

стр. 7159

يبرح الأرض تحته والسماء فوقه، فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض لا تحتها؛ لأن السماء فوق الأرض بالذات (١). ٧ - قال القلقشندي: كرة الأرض يقسمها خط في وسط بنصفين: نصف جنوبي، ونصف شمالي، ويسمى هذا الخط الاستواء لاستواء الليل والنهار عنده في جميع فصول السنة، ويقاطعه خط آخر يقسمها بنصفين: نصفٍ شرقي ونصفٍ غربي، وتصير الأرض به أربعة أرباع (٢). ٨ - وقال الغزالي: عرف العقلُ -ببراهين لم يقدر الحس على المنازعة فيها- أن قرص الشمس أكبر من كرة الأرض بأضعاف مضاعفة (٣). وقال أيضًا: إن الواقفين على نقطتين متقابلتين من كرة الأرض تتقابل أخمص أقدامهما، ونحن بالضرورة نعلم ذلك (٤). ٩ - تعليل سبب عدم رؤية الأجسام من بعيد بكروية الأرض عند ابن النفيس: قال ابن النفيس: هذا يتم سواء كانت العين مرتفعة أو منخفضة، ولكن العين المرتفعة ترى أكثر مما إذا كانت غير مرتفعة؛ وسبب ذلك ليس زيادة قوتها أو زيادة إدراكها، بل إن تشكُّل الأرض كرة، فالبعيد جدًا ما هو على ظاهر الأرض يَنْسَتِرُ عن الرؤية بحدبة الأرض (٥). ١٠ - الرازي يبين أن خسوف القمر دليل على كروية الأرض. قال الرازي: إذا حصل خسوف قمري فإذا سألنا سكان أقصى المشرق عن ابتدائه؟ قالوا: إنه حصل في أول الليل، وإذا سألنا سكان أقصى المغرب؟ قالوا: إنه حصل في آخر الليل. فعلمنا أن أول الليل في أقصى المشرق هو بعينه آخر الليل في أقصى المغرب؛ وذلك

стр. 7160

يوجب كون الأرض كرة (١). الوجه الثالث: للجواب على شبهة أن الفلكيين أثبتوا أن الأرض كروية قبل ظهور محمد ﷺ ، فنقول بأنه لم يعرف أحد على الحقيقة أن الأرض كروية إلا من خلال وحي منزل من السماء، أو اكتشاف عن طريق التقدم العلمي، أما غير ذلك فإنها كانت ظنونًا لا تعتمد على يقين . ١ - ولم تظهر كروية الأرض للناس وهي تسبح في الفضاء إلا عندما أطلق الروس القمر الصناعي الأول (سبوتنيك) في مداره حول الأرض في (أكتوبر ١٩٥٧ م) واستطاع العلماء الحصول على صور واضحة لكوكب الأرض بواسطة آلات التصوير التي كانت مثبتة في القمر الصناعي وفي (عام ١٩٦٦ م) هبط القمر الصناعي (لونيك ٩) بأجهزته المتطورة على سطح القمر، وأرسل لمحطات الاستقبال على الأرض صورًا عن كوكب الأرض، فكيف عرف محمد ﷺ ذلك؟ ! إنه الوحي الإلهي، الذي يدل على أن الذي أنزل القرآن هو خالق الأكوان، وهو بكل شيءٍ عليم (٢). الوجه الرابع: الرد على قولهم: إن زيد بن عمرو تنبأ بكروية الأرض . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الأرض تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا دَحَاهَا فَلَمّا رَآهَا اسْتَوَتْ ... عَلَى الْمَاءِ أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا (٣) أولًا: زيد بن عمرو كان متتبعًا لدين إبراهيم ﵇ ، فما المانع أنه أخذ ذلك من آثار وجدها من كتب، أو من أقوال محفوظة عند أحد الناس؟ وحتى لو كان دين إبراهيم تعاليمه لم

стр. 7161

تكن منتشرة في وقته فهذا لا يمنع أن بعضها أو قليلًا منها كان متقولًا على ألسنة الناس. قال ابن إسحاق: وكان الخطاب بن نفيل عم زيد بن عمرو وأخوه لأمه يعاتبه ويؤذيه، حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة فإذا دخل مكة سرًا آذوه وأخرجوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد، ثم خرج يطلب دين إبراهيم، فجال الشام والجزيرة (١). ثانيًا: زيد بن عمرو لم يكن آخذا ما قاله من اليهود والنصارى فإنه كان يبغضهم . عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّى أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي. فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّه. قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّه، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّه شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّه. فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالمًا مِنَ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّه. قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّه، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّه وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّه. فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ (٢). ثالثًا: مقابلة زيد بن عمرو للنبي ﷺ -. عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمًا حَارًّا مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ. . . قَالَ: فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. . . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا زَيْدُ، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟ قَالَ: وَاللَّه يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ نَائِلَةٍ لِي مِنْهُمْ، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ، حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أًحْبَارِ فَدَكٍ، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي

стр. 7162

أَبْتَغِي! فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ الشَّامِ، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّه بِهِ إِلا شَيْخٌ بِالْحِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّه، مِنْ أَهْلِ الشَّوْكِ وَالْغَرْبِ، فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الَّذِي تَطْلُبُ قَدْ ظَهَرَ بِبِلادِكَ، قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ، قَدْ طَلَعَ نَجْمُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتُهُمْ فِي ضَلالٍ، فَلَمْ أُحِسَّ بِشَيْء بَعْدُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: وَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ. . . قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ، قَالَ: وَتَفَرَّقْنَا فَطَافَ بِهِ، وَأَنَا مَعَهُ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: وَكَانَ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ: أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: يَسَافٌ، وَالآخَرُ يُقَالُ لَهُ: نَائِلَةُ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهَمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لا تَمْسَحْهُمَا، فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَسَسْتُهُمَا، فَقَالَ: يَا زَيْدُ، أَلَمْ تُنْهَ؟ قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزَيْدٍ: إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ (١). قلت: ١ - فهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يكن تلميذًا لزيد بن عمرو، بل كل ما هنالك أنه أُجريت محادثة بينهما، وأن زيدًا لم يكن ليُعلِّم النبيَّ التوحيد، بل كان رسول اللَّه موحدًا منذ أن خلقه اللَّه، ولم يشرك باللَّه شيئًا، فليس هناك أي دليل على النبي ﷺ وقع في شرك ثم أتى زيد ليعلمه التوحيد ويعلمه مما أوتي من العلم. ٢ - وحتى لو صح أن زيد بن عمرو قال بأن اللَّه دحى الأرض، لم يكن هذا شرطًا بأن النبي ﷺ أخذ منه ذلك، فكما أنهما توافقا بأنهما موحدين دون أن يتعلم هذا من ذلك أمر

стр. 7163

التوحيد فكذلك توافقا بالقول بأن اللَّه دحى الأرض دون أن ينقل هذا من ذاك هذه المقولة. ٣ - النبي ﷺ أتى بأمور كثيرة عن الأرض بوحي من اللَّه، وليس فقط بالقول بأن اللَّه دحى الأرض، فلو ادعى المدعون بأن دحوية الأرض مأخوذة من قول زيد بن عمرو، فنقول لهم: ومن أين أخذ النبي ﷺ بباقي الأقوال والأخبار عن الأرض التي سيأتي ذكرها؟ رابعًا: قال الأستاذ محمد رشيد رضا: وقد كان زيد بن عمرو مضطهدًا ولجأ إلى حراء لكن لم تكن له اجتماعات برسول اللَّه حتى يُقال: إنه تذاكر معه مسائل الدين، وترك في نفسه أثرًا عميقًا، أو أنه أخذ منه الفكرة؛ لأن المسألة ليست مسألة اقتباس فكرة، فالقرآن وما حواه من فصاحة، وبلاغة خارقة، وحكم بالغة، وأمثال محكمة، وذكر أحوال الماضين من أنبياء وأمم، وأنباء المستقبل، وعلاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بغيره، والتشريع العظيم الشأن الذي صار موضوع بحث الأئمة المجتهدين والعلماء الأعلام - لا يكون مصدره اجتماع زيد بن عمرو برسول اللَّه مصادفة في حراء أو في الطريق، ثم إننا فوق ذلك لا نعلم من تاريخ رسول اللَّه أنه كان يتذاكر مع رجال أو كانوا يعلمونه من صغره إلى أن صار نبيًا؛ بل الثابت أنه كان أميًّا لا يدري ما الكتابة والقراءة، ولا الدين ولا أصوله حتى أُوحي إليه، ثم إن رسالة النبي ﷺ لم تكن محدودة للأمة العربية كما ظن (سل) وأمثاله بل كانت رسالته عامة بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨) (١). خامسًا: كلمة (دحاها) التي يقصدها في شعره ليس معناها كما قصدها من قال بأن الأرض كروية . فزيد بن عمرو يقصد أن (دحاها) بمعنى: (سواها)، وهذا المعنى لا يشير إلى كروية

стр. 7164

الأرض بصورة واضحة، ومن قال بأن الأرض كروية يقصد بأن دحاها أي: بسطها ومدها. قال الآلوسي: (دحاها) أولًا بمعنى: بسطها ومدها لسكنى أهلها وتقلبهم في أقطارها من الدحو أو الدحى بمعنى البسط، وعليه قول أمية بن أبي الصلت: وبث الخلق فيها إذ دحاها ... فهم قطانها حتى التنادي ثانيًا: وقيل: دحاها سواها، وأنشدوا قول زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالًا دحاها فلما استوت شدها ... بأيد وارسي عليها الجبالا والأكثرون على الأول، والظاهر أن دحوها بعد خلقها (١). قلت: فقول أمية موافق معناه لما أتى به القرآن، ومن الممكن أن يكون أمية أخذ هذا المعنى من القرآن، فإن وفاته كانت مقاربة لوفاة النبي ﷺ . قال ابن حجر في ترجمة أمية بن أبي الصلت: والمعروف أنه مات التاسعة -أي: من الهجرة- ولم يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافرًا، وصح أنه عاش حتى رثى أهل بدر، وفي البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا في حديث: (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) (٢). سادسًا: حتى ولو كان هذا البيت صحيح نسبته إلى عمرو بن زيد، وحتى لو كان يقصد أن الأرض كروية فقد كان المشهور لدى العرب، بل ولدى النصارى واليهود -حيث تدعون أن محمدًا أخذ القرآن منهم- أن الأرض منبسطة وليست كروية؛ لأن هذا هو المشاهد بالعين المجردة لديهم، وكذلك هذا ما فهمه اليهود والنصارى من كتبهم المقدسة، حتى إن الكنيسة في فترة من الفترات حذرت وأنذرت كل من يقول: إن الأرض كروية.

стр. 7165

١ - لذلك نقول: إنه من الطبيعي أن محمدًا ﷺ كان عليه أن يتبنى فكرة أن الأرض منبسطة تمامًا لا أنها كروية، فعندما خالف الرأي المشهور في عصره كان ذلك دليلًا واضحًا أنه يتبع وحيًا من السماء لا أنه يتبع ويحاكي ما يقوله أهل الكتاب، حتى ولو قلنا: إن أحد الناس قبله قال بأن الأرض كروية فإن هذا القول كان شاذًا وغريبًا لدى سكان الجزيرة العربية. ٢ - لذلك نرى مشركي العرب يعترضون على ما يثبته اللَّه من آيات كونية في القرآن، وأدل مثالٍ على ذلك اعتراضهم على أن اللَّه يستطيع أن يعرّج بنبيه محمد ﷺ من الأرض إلى السماء، وعلى أن اللَّه يستطيع أن يحيي الموتى، وأرادوا انشقاق القمر فانشق أمام أعينهم. سابعًا: زيد بن عمرو لم يكن له دواوين من الشعر كما كانت لشعراء العرب . ١ - فعندما نريد أن نثبت صحة نسبة شعرٍ لشاعر فإما أن يكون له معلقة، أو ديوان، أو كتاب له كُتِبَ فيه شعره، أوإثبات علماء الأدب والشعر بصحة هذا الشعر لهذا الشاعر، أو بذكر شعره بسندٍ متصل له. ٢ - فلا نستطيع أن نثبت أبياتًا من الشعر مذكورة في كتب الفقه أو التاريخ لشاعر من شعراء الجاهلية المشهورين، ونترك ما ذُكر له من الشعر في كتب الأدب. ٣ - فإن هذا الشعر المنسوب لزيد بن عمرو ليس من معلقة له، أو ديوان له، أو كتاب له كُتِبَ فيه شعره، ولم يثبته علماء الأدب والشعر في كتبهم، ولم يُذكر شعره بسندٍ متصل له، وإن ابن إسحاق الذي روى هذا الشعر عنه لم يسمع منه هذا الشعر، فإنه لم ينقله بسندٍ متصل عنه، ولم ينقل هذا الشعر بنقل متواتر في كتب الأخبار. الوجه الخامس: الأدلة من القرآن على كروية الأرض بتوضيح آيات قد يظن أنها ليست متعلقة بمسألة كروية الأرض، وبيان بأنها مثبتة لذلك . ومن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ (الأنبياء: ٣٣)، وَقَالَ تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كفَلْكَةِ المغْزَلِ، يدورون مَا تدور الفلكة في

стр. 7166

المغزل (١). قال ابن تيمية: وَهَذَا صَرِيحٌ بِالاسْتِدَارَةِ وَالدَّوَرَانِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ (الْفَلَكَ) فِي اللُّغَةِ هُوَ الشَّيْءُ المُسْتَدِيرُ، يُقَالُ: تَفَلَّكَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إذَا اسْتَدَارَ وَيُقَالُ لِفَلْكَةِ المِغْزَلِ المُسْتَدِيرَةِ: فَلْكَةٌ لاسْتِدَارَتِهَا. فَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ (الْفَلَكَ) هُوَ المُسْتَدِيرُ. وَالمُعْرِفَةُ لمِعَانِي كِتَابِ اللَّه إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ: مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ مِنْ السَّلَفِ، وَمنْ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا وَهِيَ لُغَةُ الْعَرَبِ (٢). الوجه السادس: قوله تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وهذا يفيد بكروية الأرض . قال الشعراوي: ثم نتأمل بعد ذلك قوله : ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ما معنى الآية الكريمة ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾؟ معناه: أنه يَرُدُّ عليهم في قضية في عصرهم ليصححها لهم، فهم يقولون: إن النهار يسبق الليل، يبدأ اليومُ بشروق الشمس وينتهي بغروبها، ثم يأتي بعد ذلك الليل؛ أي: أن النهار يسبق الليل، فيأتي اللَّه ويقول: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ومن هنا فإنه يرد على قولهم: بأن النهار يسبق الليل قائلًا: لا النهار يسبق الليل ولا الليل يسبق النهار، وهذا إعلان لهم بأن الأرض كروية، وأن الليل والنهار موجودان في وقت واحد على سطحها. فلو أن الأرض مبسوطة فإن الأمر لا يخرج عن حالتين: الحالة الأولى: أن اللَّه قد خلق الشمس مواجهة للأرض المسطحة، وفي هذه الحالة يكون النهار موجودًا أولًا ثم يُغَيِّبُ اللَّه الشصسَ فيأتي الليل ثانيًا. الحالة الثانية: أو أنه خلق الشمس غير مواجهة لسطح الأرض، وفي هذه الحالة يكون الليل موجودًا أولًا، ثم تطلع الشمس على السطح فيأتي النهار، لا يخرج الأمر عن

стр. 7167

هذين الشيئين، فعندما يأتي اللَّه ويقول: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي أنه ينفى كلية أن النهار يسبق الليل، أو أن الليل يسبق النهار؛ حيث إنهما لا يسبق أحدهما الآخر منذ متى؟ منذ بداية خلق الأرض، أو منذ خلق اللَّه الأرض، ولا يتأتى هذا في عالم الأحجام أبدًا إلا إذا كانت الأرض مكورة. فحين خلق اللَّه الشمس والأرض وجد الليل والنهار معًا، فنصف الأرض المواجهة للشمس صار نهارًا، والنصف الآخر صار ليلًا، ثم دارت الأرض، فأصبح الليل نهارًا، والنهار ليلًا وهكذا، إذن فالآية الكريمة ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ تعطيني أن الأرض مخلوقة على هذه الصورة الكروية (١). الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ يفيد كروية الأرض . قال ابن تيمية: قَالُوا: و (التَّكْوِيرُ) التَّدْوِيرُ، يُقَالُ: كَوَّرْت الْعِمَامَةَ وَكَوَّرْتهَا إذَا دَوَّرْتهَا، وَيُقَالُ: لِلْمُسْتَدِيرِ كَارَةٌ، وَأَصْلُهُ (كورة) تحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا، وَيُقَالُ أَيْضًا: (كُرَةٌ)، وَأَصْلُهُ كُورَةٌ؛ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ عَيْنُ الْكَلِمَةِ كَمَا قِيلَ فِي: ثُبَةٍ، وَقُلَةٍ. وَاللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَسَائِرُ أَحْوَالِ الزَّمَانِ تَابِعَةٌ لِلْحَرَكَةِ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الحَرَكَةِ، وَالْحَرَكَةُ قَائِمَةٌ بِالجِسْمِ المُتَحَرِّكِ، فَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ التَّابعُ لِلْحَرَكَةِ التَّابِعَةِ لِلْجِسْمِ مَوْصُوفًا بِالاسْتِدَارَةِ كَانَ الْجِسْمُ أَوْلَى بِالِاسْتِدَارَةِ. وَقَالَ تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (الملك: ٣) وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ إلا أَجْسَامُ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ (يقصد كروي الشكل كالنجوم والكواكب) أَمَّا التَّثْلِيثُ، وَالتَّرْبِيعُ، وَالتَّخْمِيسُ، والتَّسْدِيسُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَفِيهَا تَفَاوُتٌ وَاخْتِلافٌ بِالزَّوَايَا وَالأَضْلاعِ لا خِلافَ فِيهِ ولا تَفَاوُتَ (٢). قال ابن حزم: وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذ من كور العمامة

стр. 7168

وهو إدارتها وهذا نص على تكوير الأرض (١). قال يوسف الحاج أحمد: فإن اللَّه يكور الليل على النهار فيخفيه، ويكور النهار على الليل فيخفيه، وبين تكورهما على بعضهما نرى جرمًا كرويًا يتدحرج بينهما فيجمعهما يكوران على بعضهما، هذا الجرم هو الأرض، لنتصور أننا في منطقة النهار، وبعد ساعات سيغشى الليل هذه المنطقة، لكنه لا يغشاها بشكل عادي بل يكور تكويرًا، أي: ينحني بشكل كروي، ومن البديهي أن المنطقة يجب أن تكون كروية ليمكن فهم الكلام. كانت الإنسانية تجهل هذا إلا بعض الخرافات التي كانت سائدة! فكيف عرفه محمد ﷺ وأقره؟ ! تبين الآية الكريمة أن الليل والنهار خُلقا على هيئة التكوير، وبما أن الليل والنهار وَجَدَا على سطح الأرض معًا، فلا يمكن أن يكونا على هيئة التكوير، إلا إذا كانت الأرض نفسها كروية، فلو أن البقعة التي يغطيها النهار لا تساوي في المساحة القطعة التي يغطيها الليل لما شكلا معًا شكل كرة؛ بل الشرط الرفيع الفاصل بينهما سيكون على شكل هندسي آخر -بحسب مساحته على سطح الأرض- وهنا التعبير المعجز الدقيق: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي: نصف الكرة الأرضية نهار، والنصف الآخر ليل (٢). قال الشعراوي: ثم نتأمل قول اللَّه تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ لماذا استخدم اللَّه كلمة: (يكور)؟ لماذا استخدم اللَّه لفظ: (يكور)؟ ولم يقل: يبسط الليل والنهار ما دامت الأرض منبسطة؟ أو بغير الليل والنهار. . أو أي لفظ آخر؟ إنك لو جئت بشيء ولففته حول كرة فتقول: إنك كورت هذا القماش مثلًا أي: جعلته يأخذ شكل الكرة الملفوف حولها، وإذا أردت من إنسان أن يصنع لك شيئًا على شكل كرة فتقول له: خذ هذا وكوره؛ أي: اصنعه على شكل كرة.

стр. 7169

ومعنى قول اللَّه تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ أي: يجعلهما يحيطان بالكرة الأرضية. ومن إعجاز القرآن أن الليل والنهار مكوران حول الكرة الأرضية في كل وقت؛ أي: أن اللَّه لم يقل: يكور الليل ثم يكور النهار، ولكنه قال: يكور الليل على النهار، واستخدام كلمة: (على) هنا تستحق وقفة لتتصور مدى انطباقها على كروية الأرض، فلم يقل: (يكور الليل والنهار) ومعناه: أنهما موجودان في نفس الوقت حول الكرة الأرضية، وهذا ما نبأ به القرآن منذ أربعة عشر قرنًا، ولم يصل إلى علم البشر إلا في الفترة الأخيرة، وقضية كروية الأرض مسها القرآن في أكثر من مكان. . لماذا؟ لأنها حقيقة كونية كبرى (١). وقال أيضًا: ١ - وهكذا يصف الحق أن الليل والنهار خلقا على هيئة التكوير، وبما أن الليل والنهار وُجدا على سطح الأرض معًا فلا يمكن أن يكونا على هيئة التكوير إلا إذا كانت الأرض نفسها كروية بحيث يكون نصف الكرة مظلمًا والنصف الآخر مضيئًا، وهذه حقيقة قرآنية أخرى تذكر لنا أن نصف الأرض يكون مضيئًا والنصف الآخر مظلمًا، فلو أن الليل والنهار وُجدا على سطح الأرض غير متساويين في المساحة بحيث كان أحدهما يبدو شريطًا رفيعًا في حين يغطي الآخر معظم المساحة لما كان الاثنان معًا على هيئة كرة؛ لأن الشريط الرفيع في هذه الحالة سيكون في شكل مستطيل، أو مثلث، أو مربع. . أو أي شكل هندسي آخر حشما المساحة التي يحتلها فوق سطح الأرض، وكان من الممكن أن يكون الوضع كذلك باختلاف مساحة الليل والنهار. . ولكن قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ دليل على أن نصف الكرة الأرضية يكون ليلًا والنصف الآخر نهارًا. ٢ - وعندما تقدم العلم وصعد الإنسان إلى الفضاء ورأى الأرض وصورها وجدنا

стр. 7170

فعلًا أن نصفها مضيء ونصفها مظلم كما أخبرنا اللَّه (١). الوجه الثامن: القرآن يثبت أن تغير الليل والنهار دليل على كروية الأرض . قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف: ٥٤). قال د/ زغلول النجار: لقد تحدث القرآن الكريم عن كروية الأرض في زمان ساد فيه الجهل والخرافة، ففي الآيات يذكر اللَّه أنه النهار يطلب الليل حثيثًا، ويطلبه حثيثًا تعني: يلاحقه سريعًا دون توقف، لنتصور هذا. . . النهار كائن من ضياء منبعث من الشمس يملأ الفضاء والجو في كل الجهات، والليل كائن آخر لا ضوء فيه إلا بصيص الشهب يلاحق النهار بسرعة والنهار يلاحقه، هذا يجري وذاك يطلبه دون توقف، لكن إلى أين؟ وكيف؟ هل يجريان في طريق مستقيمة طرفها اللانهاية؟ لو كان ذلك لما مرَّ على الأرض إلا نهار واحد لحقه ليل وينتهي الأمر، لكننا نراهما متعاقبين، فالنهار يطلع كل يوم من نفس الجهة التي طلع منها في اليوم السابق وتسير شمسه لتغيب في نفس الجهة التي غربت فيها بالأمس. وهكذا العتمة من الشرق وتغور في الغرب، ثم يتكرر المشهد ويتكرر إلى ما شاء اللَّه. لنتصور الحركة في قوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ من خلال هذا الواقع فنرى أن الطريق دائرية لا لبس فيها، لندرك هذا بسهولة يجب علينا أن نتفهم جيدًا الأسلوب التصويري في القرآن، حينئذ سيظهر لنا بوضوح من خلال الآية نجد صورة طريق دائرية حول الأرض يجري عليها الليل والنهار، ذاك يغشى هذا وهذا يغشى ذاك (٢). الوجه التاسع: الرد على شبهة متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ ،

стр. 7171

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ فإن ذلك لا يعارض كون الأرض كروية. قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ. .﴾ (الرعد: ٣)، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ. .﴾ (الحجر: ١٩). أولا: (المد): هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه . قال أبو عبد اللَّه الداراني: ثبت بالدليل أنّ الأرض كرة، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وذلك أنّ الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كأن قطعة منها تشاهد كالسطح (١). قال ابن عادل: لما قرر اللَّه الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها، قال الأصم: (المد): البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ ليشعر بأنَّه تعالى جعل حجم الأرض حجمًا عظيمًا لا يقع البصر على منتهاه. قال ابن الخطيب: فإن قالوا: قوله تعالى: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ ينافي كونها كرة! قلنا: لا نسلم؛ لأن الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان لك قطعة منها تشاهدُ كالسَّطح، والتَّفاوت الحاصل بينه وبين السَّطح لا يصلح إلَّا في علم اللَّه ﵎ إلا في قوله تعالى ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ: ٧) مع أن العالم من النَّاس يستقرُّون عليه، فكذلك هنا (٢). ثانيًا: قال الشعراوي: ١ - واعتقد أنه في عهد النبي ﷺ لم يكن أحد من البشر يعرف شيئًا عن كروية الأرض، أو لم يكن ذلك قد وصل إلى علم أحد، وهنا يأتي القرآن ويقول: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ ويلاحظ دقة تعبير القرآن في ألفاظه، لقد اختار اللفظ الوحيد المناسب للعصر الذي نزل فيه والعصور القادمة فكلمة مددناها تعطى المعنى للاثنين معًا.

стр. 7172

٢ - عندما يقول: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها، لا تنشأ مشكلة لأن الأرض تظهر أمام الناس منبسطة في ذلك الوقت، فإذا مر الزمن وثبت أن الأرض كروية نجد هذا اللفظ هو المناسب تمامًا الذي يصف لنا بدقة كروية الأرض. وقال: إن القرآن كلام اللَّه المتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن يحدث تصادم بينه وبين الحقائق العلمية في الكون؛ لأن القرآن الكريم لا يتغير ولا يتبدل ولو حدث مثل هذا التصادم لضاعت قضية الدين كلها، ولكن التصادم يحدث من شيئين: عدم فهم حقيقة قرآنية أو عدم صحة حقيقة علمية، فإذا لم نفهم القرآن جيدًا وفسرناه بغير ما فيه حدث التصادم، وإذا كانت الحقيقة العلمية كاذبة حدث التصادم، ولكن كيف لا نفهم الحقيقة القرآنية؟ سنضرب مثلا لذلك ليعلم الناس أن عدم فهم الحقيقة القرآنية قد تؤدي إلى تصادم مع حقائق الكون، اللَّه يقول في كتابه العزيز: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ (الحجر: ١٩)، (المد) معناه: البسط، ومعنى ذلك أن الأرض مبسوطة، ولو فهمنا الآية على هذا المعنى لا تَّهَمْنَا كلَّ من تحدّث عن كروية الأرض بالكفر خصوصًا أننا الآن بواسطة سفن الفضاء والأقمار الصناعية قد استطعنا أن نرى الأرض على هيئة كرة تدور حول نفسها؟ نقول: إن كل من فهم الآية الكريمة: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بمعنى أن الأرض مبسوطة لم يفهم الحقيقة القرآنية التي ذكرتها هذه الآية الكريمة، ولكن المعنى يجمع الإعجاز اللغوي والإعجاز العلمي معًا، ويعطي الحقيقة الظاهرة للعين والحقيقة العلمية المختفية عن العقول في وقت نزول القرآن. عندما قال الحق : ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ هو أي: بسطناها، أقال أيَّ أرض؟ لا، لم يحدد أرضًا بعينها، بل قال: الأرض على إطلاقها، ومعنى ذلك أنك إذا وصلت إلى أي مكان يسمى أرضًا تراها أمامك ممدودة أي منبسطة، فإذا كنت في القطب الجنوبي، أو في القطب الشمالي، أو في أمريكا، أو أوروبا، أو في أفريقيا، أو آسيا، أو في أي بقعة من الأرض - فإنك ترها أمامك منبسطة، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كانت

стр. 7173

الأرض كروية، فلو كانت الأرض مربعة أو مثلثة أو مسدسة أو على أي شكل هندسي آخر، فإنك تصل فيها إلى حافة لا ترى أمامك الأرض منبسطة، ولكنك ترى حافة الأرض ثم الفضاء، ولكن الشكل الهندسي الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه الأرض ممدودة في كل بقعة تصل إليها هي أن تكون الأرض كروية؛ حتى إذا بدأت من أي نقطة محددة على سطح الكرة الأرضية ثم ظللت تسير حتى عدت إلى نقطة البداية فإنك طوال مشوارك حول الأرض ستراها أمامك دائمًا منبسطة، وما دام الأمر كذلك فإنك لا تسير في أي بقعة على الأرض إلا وأنت تراها أمامك منبسطة، وهكذا كانت الآية الكريمة ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ لقد فهمها بعض الناس على أن الأرض مبسوطة دليل على كروية الأرض، وهذا هو الإعجاز في القرآن الكريم. . يأتي باللفظ الواحد ليناسب ظاهر الأشياء ويدل على حقيقتها الكونية؛ ولذلك فإن الذين أساءوا فهم هذه الآية الكريمة وأخذوها على أن معناها أن الأرض منبسطة قالوا: هناك تصادم بين الدين والعلم، والذين فهموا معنى الآية الكريمة فهمًا صحيحًا قالوا: إن القرآن الكريم هو أول كتاب في العالم ذكر أن الأرض كروية، وكانت هذه الحقيقة وحدها كافية بأن يؤمنوا؛ ولكنهم لا يؤمنون، وهكذا نرى الإعجاز القرآني. . فالقائل هو اللَّه، والخالق هو اللَّه، والمتكلم هو اللَّه. . فجاء في جزء من آية قرآنية ليخبرنا أن الأرض كروية، وأنها تدور حول نفسها. . ولا ينسجم معنى هذه الآية الكريمة إلا بهاتين الحقيقتين معًا. . هل يوجد أكثر من ذلك دليل مادي على أن اللَّه هو خالق هذا الكون؟ (١) وقال الشعراوي: ١ - يأتي إنسان ويقول: الأرض مبسوطة. . ويستدل على ذلك بأن اللَّه يقول: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها؛ لأن المد هو البسط، ولقد فهم أن هذه حقيقة قرآنية حتى إنه بعد أن خرج الإنسان خارج الغلاف الجوي للأرض ورآها كروية فإن هذا الرجل يرفض تصديق العلم، ويقول: لا، الأرض مبسوطة! هكذا قال

стр. 7174

القرآن، وكل ما عدا ذلك كفر؟ ! نقول له: إنك أخطأت في فهم الحقيقة القرآنية، وإن الدليل الذي أتيت به لا يخدم ما تدعيه؛ بل هو ضد ما تدعيه، فالأرض إن كانت مبسوطة لا تخرج عن أشياء: إما مربعة، وإما مثلثة، وإما مستطيلة، وإما متوازية، وإما شبه منحرف، أو شكل مختلف الأضلاع، وباختصار أترك لك أن تتصور أي وضع للأرض غير وضع الكرة أو شكل الكرة. ٢ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: وهي كرة، إذا ما دامت الأرض مسطحة فلابد أن يكون لها حيز، فإذا جئت في آخر السطح لابد أن تصل إلى حافة، ولكن اللَّه يقول: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ ومعنى مددناها: أنك أينما ذهبت فوق سطح الكرة الأرضية تراها ممدودة أمامك؛ أي: منبسطة أمامك، فإذا ذهبت إلى القطب الشمالي رأيت الأرض منبسطة، وإذا أسرعت إلى القطب الجنوبي رأيت الأرض منبسطة، وإذا ذهبت إلى خط الاستواء وجدت الأرض أمامك منبسطة؛ في أي مكان نذهب إليه نرى الأرض منبسطة، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الأرض كروية، إذًا فقول اللَّه : ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ دليل على كروية الأرض. ٣ - ولكن إنسانًا أخطأ وفسر ذلك اللفظ على أنه دليل على أن الأرض مبسوطة، وخرج من ذلك بأن هذه حقيقة قرآنية وهي ليست حقيقة قرآنية، فإذا ثبت أن الأرض كروية بدأ تعارض وهمي بين حقيقة كونية وحقيقة قرآنية، وهنا يبرز دور الجهل في محاولة النيل من كتاب اللَّه، ولو تعمق بعض الناص قليلًا لعرفوا أن كروية الأرض ودوران الأرض موجودان في القرآن (١). ثالثًا: وكذلك الآية تفيد أن اللَّه جعل الأرض مختصة بمقدار معيَّن لا يزيدُ ولا ينقص . قال ابن الخطيب: هذه الآية إنَّما ذكرت ليستدل على وجود الصَّانع؛ والشروط فيه أن يكون ذلك أمرًا مشاهدًا معلومًا حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع؛ لأن الشيء إذا

стр. 7175

رأيت حجمه ومقداره صار ذلك الحجم وذلك المقدار عبرة، فثبت أنَّ قوله: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو الذي جعل الأرض مختصة بمقدار معيَّن لا يزيدُ ولا ينقص، والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقدارًا ممَّا هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه، فاختصاصه بذلك المقدار المعيَّن لا بدَّ وأن يكون بتخصيص مخصَّصِ، وتقدير مقدِّرٍ (١). رابعًا: مد الأرض وبسطها يقتضي تكويرها؛ لأن أي شكل هندسي آخر (مثلث، مربع، خماسي. .) لابد أن يكون فيه انحناء عند الانتقال من ضلع إلى آخر . إن سياق الآية يدل على أن اللَّه يخاطب الإنسان، بل إن القرآن كله مخاطبة للإنسان وعندما يقول: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ نسأل لمن؟ الجواب: مددناها لك أيها الإنسان كيف تكون الأرض ممدودة؟ وما معنى ذلك؟ معنى ذلك أننا مهدنا السير فيها فستبقى ممدودة أمامنا، لن تنتهي فيها إلى حاجز يحول دون ما وراءه، أو هوة أبدية نقف عندها عاجزين. فلنسر في أي اتجاه نريد، ولتسر الليالي والشهور والسنين والعمر كله، وسنبقى نسير وستبقى ممدودة، ولا يوجد شكل من الأشكال الهندسية تتحقق فيه هذه الحالة إلا الشكل الكروي، فيحثما سرت عليه يبقى ممددًا أمامك، وأي شكل آخر لا يمكن أن يحقق معنى هذه الآية. مد الأرض وبسطها يقتضي تكويرها؛ لأن أي شكل هندسي آخر (مثلث، مربع، خماسي. .) لابد أن يكون فيه انحناء عند الانتقال من ضلع إلى آخر. انظر الشكل التالي ويمثل عدة أشكال هندسية، وتم التعبير عن كل ضلع بحرف خاص (أ، ب، ج. .) عدا الدائرة فليس لها أضلاع. شكل هندسي كما أن في التعبير القرآني المعجز عن انبساط وامتداد الأرض التقاء للحقيقتين الحسية

стр. 7176

المشاهَدة، والعلمية فهي من حيث العين المبصرة ممتدة ومنبسطة مما يسهل الحياة عليها، فلو كانت ذات أي شكل هندسي غير الدائرة، لرأيت انحناءها وأنت واقف على أحد أضلاعها. وهي من حيث الاكتشافات العلمية دائرية؛ لأن الشكل الدائري يدل على بسطها، فالدائرة هي الشكل الهندسي الوحيد الذي يمكن أن تكون الأرض فيه ممدودة في كل نقطة تقف عليها منها. ولم يثبت أن شُوهِد أحد ينحني طريقه وهو يسير على الأرض في أي من بقاعها؛ كما ينحني طريق من يسير من ضلع (أ) إلى (ب). وكل هذا ظاهر للذي يسير من وسط الأرض إلى أيٍّ من أطرافها، ولا يكون إلا في الشكل الكروي. خامسًا: يوم القيامة تمد الأرض مدًا . قيل في قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ تتعلق بيوم القيامة، فالأرض تمد يوم القيامة: أي تمد مدًّا واحدًا كمد الأديم يعني: كمد الجلد، كأنما تفرش جلدًا أو سماطًا، ففي الأثر: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم" (١)، والأديم: هو الجلد المدبوغ.

стр. 7177

فالمد قد يكون مدًا مطلقًا كما سيحدث للأرض يوم القيامة، وقد يكون مدًا نسبيًا كما حدث للأرض عند بداية خلقها. الوجه العاشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وتوضيح أن للإنسان رؤية النسبية . قال ابن القيم: ١ - فآيات الأرض أنواع كثيرة: منها تسطيحها كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ولا ينافى ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان. ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقر الحيوان ومساكنه، وجعله قرارًا. وجعلها مهادًا ذلولًا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال، فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها. وجعلها بساطًا وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها، وللأموات تضمهم في بطنها، وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها، فهيأها لا يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها، وشق فيها الأنهار، وجعل فيها السبل والفجاج. ٢ - ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها، ونبه بكونها قرارًا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة؛ بل جعلها بين الصلابة والدماثة (١). الوجه الحادي عشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (سورة النازعات: ٣٠، ٣١) . أولًا: وجه الشبه بين دحو الأرض ودحو البيض: قال الرازي: قال أهل اللغة: في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو، ودحيت أدحى، ومثله: صفوت وصفيت، ولحوت العود ولحيته، وسأوت الرجل وسأيته، وبأوت عليه

стр. 7178

وبأيت، وفي حديث علي ﵇: "اللهم داحي المدحيات" أي: باسط الأرضين السبع، وهو المدحوات أيضًا، وقيل: أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان، ومنه يقال: إن الصبي يدحو بالكرة أي: يقذفها على وجه الأرض، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي: بسطته وأزلت ما فيه من حصى حتى يتمهد له، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد (١). وقال أيضًا: إن اللَّه تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السماء ثانيًا، ثم دحى الأرض أي: بسطها ثالثًا؛ وذلك لأنها كانت أولًا كالكرة المجتمعة، وبأنه لا يكون معنى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾: مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطًا مهيأً لنبات الأقوات، وهذا هو الذي بينه بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢). ففي هذه الآية وجه من البلاغة معروف؛ وهو التعبير بالمحل عن الحالِّ بالمحل. قال د/ عبد المنعم (العال): نقول في دارجتنا: الدَّحْيُ البَيْض، والمفرد: دَحية، والأُدحوة مبيض النعام في الرمل، وهو مجاز مرسل علاقته المكانية (٣). ثانيًا: النعامة تدحي مكان عشها: ١ - فمن تذليل اللَّه للحياة على سطح الأرض تكويرها، فلولا كرويتها لاستحالت الحياة عليها؛ كما أن النعامة تدحي مكان عشها وتسويه لتجعله ميسرًا ممهدًا لوضع البيض، فلولا ذلك لكسر البيض. ولا يُعقَل أن (تبسط) النعامة الأرض فتصبح منبسطة كالمرآة لتضع بيضها؛ وإلا

стр. 7179

سيتدحرج بعيدًا، ولما استطاعت جمعه لحضنه، وما أمنت عليه من الأعين، وعاديات الزمان والمكان. ٢ - كيف وإن كانت النعامة تضع بيضها بالطول؛ وذلك حتى يتوزع دفء الحَضْن على أكبر مساحة من بيضتها الأكبر بين البيوض - كل هذه الاعتبارات تقتضي أن لا يكون عش النعامة سوى حفرة في الأرض، أي: نصف كرة سفلي. ٣ - ومن هنا يتبين أن النعامة تدحي (تهيء) الأرض الصلبة لاستقبال البيض فلا يتكسر عند وضعه، وتكون ملائمة لحفظه عن العيون وحَضنِهِ وعدم تدحرجه، وما يكون ذلك إلا بضرب رجلها على الأرض الصلبة وتقعيرها إلى الداخل صانعةً العشَ؛ ذلك العش الذي يبدو للناظر - غير المدقق أنه مستوٍ وهو في الحقيقة متقعر نحو الأسفل، وهنا وجه الشبه بين الأرض والدحية. ٤ - ووجه شبه آخر أن الأرض أيضًا قد دحاها (هيأها) اللَّه للخليفة على الأرض، فهي حاضنته الرؤوم، التي لولا تلك التهيئة لما استطاع العيش عليها. إذًا فلو كان عش النعامة مستوٍ لما استطاعت حضن البيض، ولو باضت على الأرض الصلبة قبل ضربها برجلها جاعلةً منها ترابًا ناعمًا لتكسر البيض، كما لو كانت الأرض كلها مستوية مسطحة لما أمكن للأرض أن تحتضن الماء على سطحها بأي شكل (بحار وأنهار وسيول. . .) ولو كانت الأرض صلدة بلا تراب لما أنبتت المرعى (١). الوجه الثاني عشر: الرد على قول القائل: لو كان القرآن قد علم بكروية الأرض لأعطى حينذاك حلولا مسبقة للمشاكل التي سيتعرض لها مسلموا القطب مثلا . ١ - النبي محمد ﷺ هو مبيِّن لما في القرآن: فلقد وضَّح أن الإنسان ربما يمر بفترات لا يعلم فيها مواقيت الصلاة سواءً كان ذلك بسبب الأمور الكونية الطبيعية كما هو الحال

стр. 7180

عند سكان القطبين الشمالي والجنوبي، أو بسبب الأمور الكونية الغير عادية كما هو الحال في فترة وجود المسيح الدجال في آخر الزمان، أو بسبب أن الإنسان كان حبيسًا في مكان مظلم لا يعلم عن المواقيت شيئًا. فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ"؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ! قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا لَبْثُهُ فِي الأرض؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ" (١). قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو؛ إما أن يكون ذلك مطردًا في سائر العام، أو في أيام قليلة منه، فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة؛ لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعٌ وعشرون ساعة أو أكثر والنهار كذلك، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلًا أو انطماسه بالكلية فيعلق الحكم بتلك الظاهرة، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار، فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين؛ جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط والباقي نهارًا واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات، أما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها؛ لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الدجال الذي يكون في آخر
следующие страницы →