← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

المشاهَدة، والعلمية فهي من حيث العين المبصرة ممتدة ومنبسطة مما يسهل الحياة عليها، فلو كانت ذات أي شكل هندسي غير الدائرة، لرأيت انحناءها وأنت واقف على أحد أضلاعها. وهي من حيث الاكتشافات العلمية دائرية؛ لأن الشكل الدائري يدل على بسطها، فالدائرة هي الشكل الهندسي الوحيد الذي يمكن أن تكون الأرض فيه ممدودة في كل نقطة تقف عليها منها. ولم يثبت أن شُوهِد أحد ينحني طريقه وهو يسير على الأرض في أي من بقاعها؛ كما ينحني طريق من يسير من ضلع (أ) إلى (ب). وكل هذا ظاهر للذي يسير من وسط الأرض إلى أيٍّ من أطرافها، ولا يكون إلا في الشكل الكروي. خامسًا: يوم القيامة تمد الأرض مدًا . قيل في قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ تتعلق بيوم القيامة، فالأرض تمد يوم القيامة: أي تمد مدًّا واحدًا كمد الأديم يعني: كمد الجلد، كأنما تفرش جلدًا أو سماطًا، ففي الأثر: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم" (١)، والأديم: هو الجلد المدبوغ.

стр. 7177

فالمد قد يكون مدًا مطلقًا كما سيحدث للأرض يوم القيامة، وقد يكون مدًا نسبيًا كما حدث للأرض عند بداية خلقها. الوجه العاشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وتوضيح أن للإنسان رؤية النسبية . قال ابن القيم: ١ - فآيات الأرض أنواع كثيرة: منها تسطيحها كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ولا ينافى ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان. ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقر الحيوان ومساكنه، وجعله قرارًا. وجعلها مهادًا ذلولًا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال، فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها. وجعلها بساطًا وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها، وللأموات تضمهم في بطنها، وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها، فهيأها لا يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها، وشق فيها الأنهار، وجعل فيها السبل والفجاج. ٢ - ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها، ونبه بكونها قرارًا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة؛ بل جعلها بين الصلابة والدماثة (١). الوجه الحادي عشر: الرد على الشبهة التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (سورة النازعات: ٣٠، ٣١) . أولًا: وجه الشبه بين دحو الأرض ودحو البيض: قال الرازي: قال أهل اللغة: في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو، ودحيت أدحى، ومثله: صفوت وصفيت، ولحوت العود ولحيته، وسأوت الرجل وسأيته، وبأوت عليه

стр. 7178

وبأيت، وفي حديث علي ﵇: "اللهم داحي المدحيات" أي: باسط الأرضين السبع، وهو المدحوات أيضًا، وقيل: أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان، ومنه يقال: إن الصبي يدحو بالكرة أي: يقذفها على وجه الأرض، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي: بسطته وأزلت ما فيه من حصى حتى يتمهد له، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد (١). وقال أيضًا: إن اللَّه تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السماء ثانيًا، ثم دحى الأرض أي: بسطها ثالثًا؛ وذلك لأنها كانت أولًا كالكرة المجتمعة، وبأنه لا يكون معنى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾: مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطًا مهيأً لنبات الأقوات، وهذا هو الذي بينه بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢). ففي هذه الآية وجه من البلاغة معروف؛ وهو التعبير بالمحل عن الحالِّ بالمحل. قال د/ عبد المنعم (العال): نقول في دارجتنا: الدَّحْيُ البَيْض، والمفرد: دَحية، والأُدحوة مبيض النعام في الرمل، وهو مجاز مرسل علاقته المكانية (٣). ثانيًا: النعامة تدحي مكان عشها: ١ - فمن تذليل اللَّه للحياة على سطح الأرض تكويرها، فلولا كرويتها لاستحالت الحياة عليها؛ كما أن النعامة تدحي مكان عشها وتسويه لتجعله ميسرًا ممهدًا لوضع البيض، فلولا ذلك لكسر البيض. ولا يُعقَل أن (تبسط) النعامة الأرض فتصبح منبسطة كالمرآة لتضع بيضها؛ وإلا

стр. 7179

سيتدحرج بعيدًا، ولما استطاعت جمعه لحضنه، وما أمنت عليه من الأعين، وعاديات الزمان والمكان. ٢ - كيف وإن كانت النعامة تضع بيضها بالطول؛ وذلك حتى يتوزع دفء الحَضْن على أكبر مساحة من بيضتها الأكبر بين البيوض - كل هذه الاعتبارات تقتضي أن لا يكون عش النعامة سوى حفرة في الأرض، أي: نصف كرة سفلي. ٣ - ومن هنا يتبين أن النعامة تدحي (تهيء) الأرض الصلبة لاستقبال البيض فلا يتكسر عند وضعه، وتكون ملائمة لحفظه عن العيون وحَضنِهِ وعدم تدحرجه، وما يكون ذلك إلا بضرب رجلها على الأرض الصلبة وتقعيرها إلى الداخل صانعةً العشَ؛ ذلك العش الذي يبدو للناظر - غير المدقق أنه مستوٍ وهو في الحقيقة متقعر نحو الأسفل، وهنا وجه الشبه بين الأرض والدحية. ٤ - ووجه شبه آخر أن الأرض أيضًا قد دحاها (هيأها) اللَّه للخليفة على الأرض، فهي حاضنته الرؤوم، التي لولا تلك التهيئة لما استطاع العيش عليها. إذًا فلو كان عش النعامة مستوٍ لما استطاعت حضن البيض، ولو باضت على الأرض الصلبة قبل ضربها برجلها جاعلةً منها ترابًا ناعمًا لتكسر البيض، كما لو كانت الأرض كلها مستوية مسطحة لما أمكن للأرض أن تحتضن الماء على سطحها بأي شكل (بحار وأنهار وسيول. . .) ولو كانت الأرض صلدة بلا تراب لما أنبتت المرعى (١). الوجه الثاني عشر: الرد على قول القائل: لو كان القرآن قد علم بكروية الأرض لأعطى حينذاك حلولا مسبقة للمشاكل التي سيتعرض لها مسلموا القطب مثلا . ١ - النبي محمد ﷺ هو مبيِّن لما في القرآن: فلقد وضَّح أن الإنسان ربما يمر بفترات لا يعلم فيها مواقيت الصلاة سواءً كان ذلك بسبب الأمور الكونية الطبيعية كما هو الحال

стр. 7180

عند سكان القطبين الشمالي والجنوبي، أو بسبب الأمور الكونية الغير عادية كما هو الحال في فترة وجود المسيح الدجال في آخر الزمان، أو بسبب أن الإنسان كان حبيسًا في مكان مظلم لا يعلم عن المواقيت شيئًا. فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ"؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ! قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا لَبْثُهُ فِي الأرض؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ" (١). قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو؛ إما أن يكون ذلك مطردًا في سائر العام، أو في أيام قليلة منه، فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة؛ لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعٌ وعشرون ساعة أو أكثر والنهار كذلك، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلًا أو انطماسه بالكلية فيعلق الحكم بتلك الظاهرة، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار، فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين؛ جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط والباقي نهارًا واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات، أما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها؛ لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الدجال الذي يكون في آخر

стр. 7181

الزمان، فسألوه عن لبثه في الأرض فقال: "أربعون يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قالوا: يا رسول اللَّه، فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فبماذا نقدره؟ يرى بعض العلماء أنه يقدر بالزمن المعتدل، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة، وكذلك النهار؛ لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز، ويرى آخرون أنه يقدر بأقرب البلاد إلى هذا المكان مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام؛ لأنه لما تعذر اعتباره بنفس اعتبر بأقرب الأماكن شبهًا به وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة، وهذا القول أرجح؛ لأنه أقوى تعليلًا وأقرب إلى الواقع، واللَّه أعلم (١). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ عام وشامل لكل من ألمت به الضرورة والعذر: قال السرخسي: اعلم أن مِن شرط وجوب أداء المأمور به القدرة التي بها يتمكن المأمور من الأداء لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولأن الواجب أداء ما هو عبادة، وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن اختيار ليكون معظمًا فيه ربه فينال الثواب وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة، غير أنه لا يشترط وجودها وقت الأمر لصحة الأمر؛ لأنه لا يتأدى المأمور بالقدرة الموجودة وقت الأمر بحال (٢). فهذا الحديث ليس خاصًا بالفترة التي فيها المسيح الدجال؛ بل في جميع الفترات التي لا يستطيع الإنسان التعرف فيها على المواقيت لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، فكل ما لا يستطيع الإنسان فعله من أمر الشرع فإنه يفعل ما يقدر عليه.

стр. 7182

٣ - وكذلك لا بد أن نعلم أن القرآن جاء بكل ما يحتاجه الإنسان وحل مشاكله إما بلفظ صريح وإما ضمنيًا؛ لذلك فإن القياس مصدر من مصادر الشريعة الإسلامية، فإن لأهل الأعذار في الفقه الإسلامي حلولًا كثيرة للأسئلة التي ترِد منهم في أمر مواقيت الصلاة: قال ابن تيمية: مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار، وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، وإن السُّنة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز أن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر؛ وهو الجمع بين الصلاتين إذا أخَّر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخَّرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة؛ فلذلك كان مدركًا للأولى بما أدرك به الثانية (١). الوجه الثالث عشر: الرد على من قال: إن الأرض كروية أنها حقيقة علمية ذكرها الكتاب المقدس . أولا: لفظ كرة الأرض في الكتاب المقدس لفظ محرف: ففي (أش ٤٠: ٢٢) الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجندب الذي ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن ولكن الترجمة المشتركة اختلفت عن ذاك النص السابق بـ: (أش ٤٠: ٢٢) هوَ الجالِسُ على قُبَّةِ الأرض، وسُكَّانُها تَحتَهُ كالجرادِ وَيَنْشُرُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسُّكْنَى. فالترجمة العربية اختلفت في التسمية حيث هناك ترجمة تقول: (الجالس على كرة الأرض). . وترجمة أخرى تقول: (الجالس على قبة الأرض). . فهل القبة كرة؟ أو هل الكرة كالقبة؟ فالمعروف عن القبة أنها عبارة عن نصف دائر، ولكن ليتضح لنا الأمر علينا أن نأتي للترجمة الإنجليزية سواء ترجمة الملك جيمس أو الترجمة

стр. 7183

الأمريكية أو غيرها التي تقول: It is he that sitteth upon the circle of the earth فهل circle تعني كرة؟ وفي أي لغة نجد أن Circle تعني كرة؟ ! فكلمة Circle تعني: دائرة، فلابد أن هناك خطأً ما، فإما أن تكون الترجمة العربية غير أمينة، أو أن تكون الترجمة الإنجليزية "ساذجة". . هل عندكم حل آخر؟ ثانيًا: لابد أن نرجع للغة الأصلية المكتوب بها العهد القديم: ولِنَعُدْ إلى الأصل العبراني وذلك باستخدام معجم سترونج الشهير، اقتباس: compass , circuit, from, 'chuwg' (٢٣٢٨);a circle: -- circle يعني: لا يوجد أثر لمفهوم الكروية، فمن أين أتى به أصحاب الترجمة العربية؟ بالطبع قد نتفهم أن يترجم أصحاب الترجمة العربية كلمة (قرص الأرض) بالعبرانية إلى: "كرة الأرض" كنوع من تحديث Updating لكتابهم المقدس، لكن أن يخرج علينا أحد المبشرين بدعوى وجود إعجاز في هذا النص "المعدل" فهذه "أطروفة الطرائف". . فضلًا عن كونها إما كذب متعمد أو تدليس جاهل. إذن لم تثبت أصول لغة العهد القديم أنه هناك كلمة اسمها (كرة) بالنص الذي جاء بالإصحاح الأربعين للعدد الثاني والعشرين لسفر أشعياء. . فمن أين أتت الترجمة العربية بكلمة (كرة)؟ لذلك جاءت الترجمة المشتركة بتصحيح هذا الخطأ واستخدمت كلمة (قبة) علمًا بأن المقصود هي كلمة (دائرة) وليس كلمة (كرة أو قبة). ثالثًا: عندما نكمل الفقرة نجد اكتشافًا آخر وهو أن الجالس على الدائرة أو القبة جعل السماء كالخيمة بقوله: (أش ٤٠: ٢٢) ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن. وهذا يعني أن السماء مسطحة، فإذا ذهبنا إلى القطب الشمالي نرى السماء، وإذا ذهبنا إلى القطب الجنوبي فلن نرى السماء؛ لأن السماء أصبحت كخيمة، والخيمة مسطحة من الأسفل وأسفل السماء الأرض، والمسطح لا يُبنى إلا لمسطح مثله، فهل الأرض مسطحة؟ ! رابعًا: في العهد القديم تفريق واضح بين لفظ: (دائرة) ولفظ: (كرة)، فلماذا استخدم النص العبري للآية السابقة لفظ: (دائرة)، وفي آية أخرى استخدم لفظ (كرة) ؟

стр. 7184

نحن نعلم أن "كرة" أصلها "دائرة" علمًا بأن اللغة العبرية قد عرفت كلمة الكرة واستخدمت في الكتاب المقدس في (أشعياء ٢٢: ١٨): "يلفك لف لفيفة كالكرة إلى أرض واسعة الطرفين. هناك تموت وهناك تكون مركبات مجدك يا خزي بيت سيدك" والكلمة المستخدمة هنا هي كلمة أخرى غير الكلمة المستخدمة سابقًا وجاء في قاموس سترونج أنها تعني ١٧٥٤: ball orr pile: --dure; from H ١٧٥٢; a circle duwr round about turn ball . ومن الواضح أن كلمة Duwr يمكن أن تعني: دائرة أيضًا (وهي شبيهة باللفظ العربي "دور") أما كلمة chuwg فبالبحث عنها في الكتاب المقدس فقد وجدت في ثلاثة مواضع أخرى هي: (أيوب ٢٦: ١٠) وجاءت بمعنى: "حدًا" في الترجمة العربية compass في الترجمة الإنجليزية: "رسم حدّا على وجه المياه عند اتصال النور بالظلمة" (أيوب ٢٢: ١٤) وجاءت بمعنى: "دائرة" في الترجمة العربية و circuit في الترجمة الإنجليزية: "السحاب ستر له فلا يرى وعلى دائرة السموات يتمشى" (أمثال ٨: ٢٧) وجاءت بمعنى: "دائرة" في الترجمة العربية و compass في الترجمة الإنجليزية "ما ثبت السموات كنت هناك أنا. لما رسم دائرة على وجه الغمر" (وفي رأي أن في هذه المواضع الثلاثة يصلح استخدام مفهوم الحد compass) فلا يوجد ما يحملنا على اعتبار أن كلمة chuwg تعني: كرة سوى رغبة النصارى، وهي لا تمثل سوى رغبتهم التي لا نستطيع الاستجابة لها في غياب أي دليل علمي معتبر من المعاجم اللغوية. خامسًا: أدلة أخرى من الكتاب المقدس توضح أن الأرض غير كروية: وبطبيعة الحال الثابت أن الإيمان المسيحي يقول: إن الرب يترك صياغة الوحى إلى شخصية الكاتب، حسبما تكون ثقافته وظروفه المختلفة وثنية كانت أم غير ذلك ليظهر ذلك في تنوع أشكال الأسفار، ما بين بسيطة وأدبية، وشعرية وفلسفية، فتسبب في ذلك الخلط بين الوثنية والديانات الأخرى اليهودية، فبالنسبة لكتاب شارك في كتاباته عشرات الأشخاص كالبايبل معظمهم مجهولي الهوية فمن الطبيعي أن نجد أحدهم يتبنى رأيًا لا يتبناه آخرون، سواءً لاختلافه معهم في وجهة النظر، أو لأنه كان يعاني من نقص معرفي.

стр. 7185

من ذلك أن للأرض أطرافًا أربعة: ١ - ويرفع راية للأمم، ويجمع منفيي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض (إشعياء ١١ - ١٢). ملاحظة: الجسم الكروي لا يمكن أن يكون له أربعة أطراف، أما أي شكل مسطح فيمكن أن يكون له ذلك، علمًا بأن اللفظ الإنجليزي الذي ترجم إلى أطراف قي العربية هو (corners) وتعني: أركانًا. فلو جاء بالنص (أطراف الأرض) فقط لما علقنا عليه، ولكنه حدد الأطراف بأنهم أربعة أطراف فقط، ولا يوجد في هذا الكون شكل هندسي له أربعة أطراف إلا الشكل المسطح (مستطيل أو مُربع)؛ لذلك جاء في القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (الرعد: ٤١) فكلمة (أطراف) تدلنا على أن لكل شيء طُولًا وعَرْضًا تتحدد به مساحته؛ وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه، ونحن نعرف أن أيَّ طول له طرفان، وإنْ كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع لذلك أوضح البايبل أن الأرض مسطحة على هيئة (مستطيل أو مربع) بتحديد أطرافه بعدد أضلاعه، ولكن في القرآن لم يحدد الأطراف؛ لأن المعروف هندسيًا أن كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفًا لذلك قال تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ وتوقف ولم يتطرق لعدد هذه الأطراف؛ لأن كل نقطة على دائرة المحيط طرف، أما البايبل فحد لنا أطراف الأرض بأنهم أربعة؛ وهذا أكبر دليل على أن الأرض مسطحة كما جاء بالبايبل. ٢ - أما كل من يدعي بأن المقصود هو (شمال، جنوب، شرق، غرب) فنقول له: إن هناك فارق كبير بين الأطراف والاتجاهات، فلماذا عجز البايبل في الإتيان باللفظ الصحيح علمًا بأن هناك نصوص بالبايبل تحدثت عن الاتجاهات مثل: (تك ١٣: ١٤)، (خر ٢٦: ٢٠)، (اخ ٩: ٢٤): (في الجهات الأربع كان البوابون في الشرق والغرب والشمال والجنوب (دا ٤: ١٠) فرؤي رأسي على فراشي هي أني كنت أرى فإذا بشجرة في وسط

стр. 7186

الأرض وطولها عظيم، فكبرت الشجرة وقويت فبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى أقصى كل الأرض. الترجمة الإنجليزية: and the height thereof reached and was strong, ١١ The tree grew: and the sight thereof to the end of all the earth, unto heaven فأي نقطة على الجسم الكروي تمثل نقطة الوسط، وبالتالي فوصف: (وسط الأرض) كما جاءت بالعدد العاشر من الإصحاح الرابع لسفر دنيال لا معنى له إلا إذا كان الكاتب يتصور جسمًا مسطحًا، أيضًا تعبير: (أقصى الأرض) كما جاءت بالعدد الحادي عشر من الإصحاح الرابع لسفر دنيال يشير إلى نهايات أو أطراف الأرض، والترجمة الإنجليزية لأقصى الأرض هي: (Ends of the earth). ٣ - وكذلك ما جاء بسفر أيوب: (ليمسك بأكناف الأرض فينفض الأشرار منها) (أيوب ٣٨: ١٣) وترجمتها: that the, ١٣ That it might take hold of the ends of the earth wicked might be shaken out of it أكناف الأرض ends of the earth فأين هي آخر نقطة على الأرض؟ ٤ - إن تأويل هذه الآيات بشكل مجازي هو أمر وارد جدًا، وأنا أتفق مع أن كثيرًا من هذه العبارات يمكن حملها على المجاز، إلا أن ذلك لا يمنع أن تصورات كتاب هذه العبارات الكوزمولوجية كانت خاطئة، خاصة في ظل دعاوي (عصمة الكتاب المقدس من الخطأ). ٥ - من الواضح أن البابلين والعبرانيين القدماء كانوا يتصورون أرضًا مسطحة لها نهاية أو أطراف، وأغلب الظن أنهم ظنوا أنها على شكل دائرة أو قرص، وهناك من يظن أنهم تصوروها على شكل مربع وذلك للآيات التي تشير إلى الأركان الأربعة كما في (إشعياء ١١: ١٢)، و (رؤية يوحنا ٧: ١)، وسواء أكان هناك تصورات مختلفة لدى كتاب الكتاب المقدس أم لا حول شكل الأرض، إلا أنه من الواضح أنهم كانوا متفقين على أنها مسطحة. إذن كل من يسعى بإدعاء أن البايبل أعلن كروية الأرض لا يمثل سوى رغبته التي لا

стр. 7187

نستطيع الاستجابة لها في غياب أي دليل علمي معتبر من المعاجم اللغوية. ومن ذلك أيضًا: الأرض واقفة على أعمدة: وبخصوص الأرض الواقفة على أعمدة والمعلقة على لا شيء؛ فهذه الصورة يرسمها لنا الكتاب المقدس في الآيات التالية: المزعزع الأرض من مقرها فتتزلزل أعمدتها (أيوب ٩: ٦) (أعمدتها: pillars في الترجمة الإنجليزية، ammuwd في الأصل العبري، وقد تكررت هذه الكلمة (١١١) مرة في (١٠٩) منهم كانت تعني: العمود أو الأعمدة، ومرة واحدة تعني: هما أو them وكانت تعود على أعمدة، ومرة واحدة تعني: (لكل)، وكانت أيضًا تعود على الأعمدة، وهاتان المرتان كانتا في الآية (٧: ١٥) من سفر الملوك الأول، وذلك حسب ما جاء في (قاموس سترونج) والأدهى من ذلك أن سفر أيوب أعلن لنا أن للسماء أعمدة كما هو حال الأرض (أيوب ٦: ١١) فللسماء أعمدة والأرض لها قواعد وأعمدة ولكنها معلقة على لا شيء، وهذا التصور يعتبر تصور جديد يضاف لتصورات الشعوب القديمة التي كانت ترى أن الأرض محمولة على أكتاف أطلس أو على ظهر سلحفاة أو فيل أو على قرون ثور. . . إلخ، فقد كان كاتب سفر أيوب يرى أن الأرض محمولة على لا شيء، ولكنه كان يؤمن بأنها واقفة على أعمدة كما تبين لنا؛ فخاطب الرب أيوب كاشف لها أن الأرض مسطحة ولها طول وعرض فقال (أيوب ٣٨: ١٨: (هل أدركت عرض الأرض أَخبرْ أن عرفته كله؟ فصيغة السؤال تكشف لنا أن الرب كشف لأيوب أن للأرض عرضًا ولم يدركه أيوب كله بل جزء منه. وفي آية أخرى: المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد (مزامير ١٠٤: ٥) والحقيقة أن في هذه الآية تستخدم كلمة foundations في الترجمة الإنجليزية كمعنى للكلمة العبرية makown وأحد المعاني الشائعة لهذه الكلمة في العهد القديم هي (مكان) وبذلك يمكن أن يكون معنى الآية هو (المثبت للأرض في مكانها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد) وهو ما يشير إلى تثبيت الأرض وعدم حركتها، فكيف بأرض كروبة يتم تأسيسها على قواعد؟ وأين هي هذه

стр. 7188

القواعد؟ ! وطالما أن للأرض قواعد فبذلك أصبحت مثبتة عديمة الحركة (١). ويتبين صواب ذلك بالمقارنة مع المذكور في الكتب المقدسة لليهود والنصارى، حين أثبتوا أن للأرض أربع زوايا! ورد في سفر الرؤيا (٧/ ١): وَرَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ مَلَائِكَةٍ وَاقِفِينَ عَلَى زَوَايَا الأرض الأَرْبَعِ، يَحْبِسُونَ رَياحَ الأرض الأَرْبَعَ، فَلَا تَهُبُّ رِيحٌ عَلَى بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ شَجَرٍ". ومثله في سفر حزقيال (٧/ ٢): النهاية قد أزفت على زوايا الأرض الأربع. فأي الكتابَبين أولى بالنقد، القرآن الكريم (الذي نفى الزوايا عن الأرض أم الكتاب المقدس الذي أثبتها؟ ! الوجه الرابع عشر: علماء النصارى قديمًا يؤمنون بأن الأرض مسطحة لا أنها كروية، بل ومن المعاصرين منهم من يعتقد ذلك . مما سبق نقول: إن هذا النص محرف، أو أن نص أن الكرة الأرضية المربعة محرف، فأحد النصين فيهم تحريف؛ والدليل هو في الفهم الخاطئ للكنيسة والقساوسة في العصور الوسطى، فالنص الذي يقول: إن الأرض مربعة هو ما كان دارجًا في ذاك الزمان، وبهذا يكون النص الآخر باطل ومحرف وجاء كإضافة في نسخ الكتاب المقدس؛ لأن هذا النص لو كان موجودًا في العصور الوسطى لما ظهرت فكرة أن الأرض مربعه، وكما نعلم أن القساوسة هم أكثر من يقرأ الكتاب المقدس، فهل عمي القساوسة عن ذاك النص الذي في أهم أسفار العهد القديم (إشعياء) وأبصرت عيونهم النص الذي يُقرُ أن الأرض مربعه؟ أم أن النصارى يعتقدون أنهم أنبه من قساوسة ذاك الزمان؟ وأن جميع قساوسة العصور الوسطى عمُوا فلم يقرؤا هذا النص؟ ! فبرغم هذا النص الواضح والصريح (كما زعموا) يعتقدون أن الأرض قرص منبسط. . . فما حقيقة هذا الكلام "العلمي". . . "الموزون"؟ ! وهناك في عالمنا المعاصر بعض المسيحيين المحافظين الذين يصرون على إيمانهم الكتابي بأن الأرض مسطحة مثل (صامويل بيرلي روبثام Rowbotham samuel Birley)

стр. 7189

مؤسس الحركة العصرية للأرض المسطحة ومثل (ويلبور جلن فوليفا Glenn Wilbur Voliva) أحد أشهر الأمريكين المنادين بالأرض المسطحة. الوجه الخامس عشر: إثبات كروية الأرض عند المتقدمين بطريقة عقلية . وأشار كذلك الإمام الفخر الرازي إلى كروية الأرض بطريقة عقلية فقال: ومما يتعلق بأحوال الأرض أنها كرة، وقد عرفت أن امتداد الأرض فيما بين المشرق والمغرب يسمى: طولًا، وامتدادها بين الشمال والجنوب يسمى: عرضًا، فنقول: طول الأرض إما أن يكون مستقيمًا، أو مقعرًا، أو محدبًا. والأول باطل؛ وإلا لصار جميع وجه الأرض مضيئًا دفعة واحدة عند طلوع الشمس، ولصار جميعه مظلمًا دفعة واحدة عند غيبتها، لكن ليس الأمر كذلك؛ لأنا لما اعتبرنا من القمر خسوفًا واحدًا بعينه، واعتبرنا معه حالًا مضبوطًا من أحواله الأربعة التي هي أول الكسوف وتمامه، وأول انجلائه وتمامه - لم يوجد ذلك في البلاد المختلفة الطول في وقت واحد، ووجد الماضي من الليل في البلد الشرقي منها أكثر مما في البلد الغربي. والثاني أيضًا باطل؛ وإلا لوجد الماضي من الليل في البلد الغربي أكثر منه في البلد الشرقي؛ لأن الأول يحصل في غرب المقعر أولًا ثم في شرقه ثانيًا. ولما بطل القسمان ثبت أن طول الأرض محدب، ثم هذا المحدب إما أن يكون كريًا أو عدسيًا، والثاني باطل؛ لأنا نجد التفاوت بين أزمنة الخسوف الواحد بحسب التفاوت في أجزاء الدائرة حتى إن الخسوف الذي يتفق في أقصى عمارة المشرق في أول الليل يوجد في أقصى عمارة المغرب في أول النهار فثبت أنها كرة في الطول. فأما عرض الأرض فإما أن يكون مسطحًا، أو مقعرًا، أو محدبًا، والأول باطل؛ وإلا لكان السالك من الجنوب على سمت القطب لا يزداد ارتفاع القطب عليه، ولا يظهر له من الكواكب الأبدية الظهور ما لم يكن كذلك، لكنا بينا أن أحوالها مختلفة بحسب اختلاف عروضها. والثاني أيضًا باطل؛ وإلا لصارت الأبدية الظهور خفية عنه على دوام توغله في ذلك المقعر ولا ننقص ارتفاع القطب والتوالي - كاذبة على ما قطعنا في بيان المراتب السبعة

стр. 7190

الحاصلة بحسب اختلاف عروض البلدان، وهذه الحجة على حسن تقريرها إقناعية. الحجة الثانية: ظل الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة. بيان الأول: أن انخساف القمر نفس ظل الأرض؛ لأنه لا معنى لانخسافه إلا زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس، ثم نقول: وانخساف القمر مستدير؛ لأنا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديرًا، وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة؛ لأن امتداد الظل يكون على شكل الفصل المشترك بين القطعة المستضيئة بإشراق الشمس عليها، وبين القطعة المظلمة منها، فإذا كان الظل مستديرًا وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي شكل كل الظل مثل شكله مستديرًا فثبت أن الأرض مستديرة، ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب الأرض؛ لأن المناظر الموجبة للكسوف تتفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن شكل الخسوف أبدًا على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الشكل من كل الجوانب. الحجة الثالثة: أن الأرض طالبة للبعد من الفلك ومتى كان حال جميع أجزائها كذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة، لأن امتداد الظل كرة، واحتج من قدح في كرية الأرض بأمرين: أحدهما: أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها متطبقًا على مركز العالم، ولو كان كذلك لكان الماء محيطًا بها من كل الجوانب؛ لأن طبيعة الماء تقتضي طلب المركز فيلزم كون الماء محيطًا بكل الأرض. الثاني: ما نشاهد في الأرض من التلال والجبال العظيمة والأغوار المقعرة جدًّا. أجابوا عن الأول بأن العناية الإلهية اقتضت إخراج جانب من الأرض عن الماء بمنزلة جزيرة في البحر لتكون مستقرًا للحيوانات، وأيضًا لا يبعد سيلان الماء من بعض جوانب الأرض إلى المواضع الغائرة منها؛ وحينئذ يخرج بعض جوانب الأرض من الماء. وعن الثاني أن هذه التضاريس لا تخرج الأرض عن كونها كرة؛ قالوا: لو اتخذنا كرة من خشب قطرها ذراع مثلًا، ثم أثبتنا فيها أشياء بمنزلة جاروسات أو شعيرات، وقورنا فيها كأمثالها فإنها لا تخرجها عن الكرية ونسبة الجبال، والغيران إلى الأرض دون نسبة

стр. 7191

تلك الثابتات إلى الكرة الصغيرة. اهـ. (١). وقال الرازي: إن مد الأرض هو بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وقد جعل اللَّه حجم الأرض عظيمًا لا يقع البصر على منتهاه، والكرة إذا كانت في غاية الكبير كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح المستوي الامتداد. قال الرازي: المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجمًا عظيمًا لا يقع البصر على منتهاه؛ لأن الأرض لو كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ (الرعد: ٤١)، وقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الأنبياء: ٤٤)، وهذا ظاهر للذي يسير من وسط الأرض إلى أيٍّ من أطرافها، ولا يكون إلا في الشكل الكروي. قال الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة: خسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، كقولهم: إن كسوف الشمس معناه: وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس وذلك عند اجتماعهما. * * *

стр. 7192

١٣ - شبهات: عن النجوم والشهب والشياطين الشبهة الأولى: النجوم رجومًا للشياطين ؟ ! نص الشبهة: ١ - القرآن يؤكد أن النجومَ رجومٌ للشياطين والكواكب زينة: ففي قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ (الملك: ٥) فقد فسرها البيضاوي بقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: أقرب السموات إلى الأرض، بمصابيح: بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها، والتنكير للتعظيم، ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سموات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها. ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم، والرجوم: جمع رَجَم، وهو مصدر سُمي ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها، وقيل: معناه: وجعلناها رجومًا وظنونا لشياطين الإنس، وهم المنجمون. ٢ - وجاء في سورة (الصافات: ٦ - ١٠): ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾. وجاء في سورة الحِجر: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾، وفسرها البيضاوي بقوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس إلى أهلها ويتصرّف في أمرها ويطّلع على أحوالها إلا من استرق السمع، واستراق السّمع اختلاسه سرًا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قُطّان (سكان) السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس: إنهم كانوا لا يُحجَبون من السموات، فلما وُلد عيسى مُنعوا من ثلاث سموات، فلما وُلد محمد مُنعوا منها كلها بالشهب،

стр. 7193

ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخرى. وقيل: الاستثناء منقطع؛ أي: ولكن من استرق السمع ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ فتبعه ولحقه ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر للمبصرين، والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق. ٣ - كل كوكب هو عالم ضخم، والكواكب هي ملايين العوالم الضخمة تسبح على أبعاد شاسعة في فضاء لا نهائي، فكيف نتصور الكواكب كالحجارة يمسك بها ملاك في حجم الإنسان ليضرب بها الشيطان منعًا له من استماع أصوات سكان السماء؟ هل كل هذه الأجرام السماوية خُلقت لتكون ذخيرة أو عتادًا حربيًا كالحجارة لرجم الشيطان حتى اشتهر اسمه بالشيطان الرجيم؟ ! وكيف يطرح الملائكة الكواكب؟ وكيف يُحفظ توازن الكون إذا سارت في غير فلكها؟ والرد على ذلك من وجوه: أولًا: الآيات المتعلقة بالموضوع: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ (المُلك: ٥). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ (الحِجر: ١٦ - ١٨). ٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن: ٨ - ٩). ثانيًا: بيان وجوه الرد: الوجه الأول: إن تلك الشبهة ليست حديثة، بل أثارها الزنادقة في العصر العباسي، ورد عليهم الجاحظ. الوجه الثاني: عالم الشياطين غيب، فلا يجوز قياس الغيب بأدوات البحث العلمي

стр. 7194

المستخدمة للمحسوسات. الوجه الثالث: السماوات السبع من الغيب، ولا يشترط أن تكون السماء كالسطح الأملس، فكل ما علا وارتفع يسمى سماء، ولذلك يقال لسقف البيت، والسحاب سماء. الوجه الرابع: ليس المقصود بالشهب أنها كواكب السماء؛ بل هي شواظ من النار. الوجه الخامس: هل لفظ النجوم لغة هو لفظ النجوم اصطلاحًا؟ الوجه السادس: بيان علماء التفسير لتوضيح الفرق بين النجوم والشهب في الآيات. الوجه السابع: الإعجاز العلمي في الآيات. الوجه الثامن: فهم ما في هذه الآيات من البلاغة يقتضي الفهم الصحيح لها، فلا يفهم القرآن من لم يفهم لغة القرآن، ومن أساليب العرب الاستطراد كما في الآية. الوجه التاسع: الآية توضح اتصال أمر من السماء بأمر من الأرض. الوجه العاشر: الملائكة في الكتاب المقدس تحرس الجنة معهم أدوات عقاب. وإليك التفصيل، الوجه الأول: إن تلك الشبهة ليست حديثة، بل أثارها الزنادقة في العصر العباسي، ورد عليهم الجاحظ . وذلك يوضح جليًا أن معظم الشبهات التي تثار ضد الإسلام إليوم؛ إنما هي مجمعة من الشبهات التي رد عليها علماء المسلمين قديمًا، وإليك كلام الجاحظ: قال الجاحظ (١): قالوا: زعمتم أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. ونحنُ لم نجدْ قطُّ كوكبًا خلا مكانهُ، فما ينبغي أنْ يكون واحدٌ من جميع هذا الخلق؛ من سكّان الصحارى، والبحار، ومن يَراعِي النُّجوم للاهتداء، أو يفَكِّر في خلق السموات أن يكون يرى كوكبًا واحدًا زائلًا، مع قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا

стр. 7195

لِلشَّيَاطِينِ﴾. قيل لهم: قد يحرِّك الإنسانُ يدَه أو حاجبَه أو إصبَعه فتضاف تلك الحركةُ إلى كلِّه، فلا يشكُّون أنّ الكلَّ هو العاملُ لتلك الحركة، ومتى فصَل شهابٌ من كوكب، فأحرق وأضاء في جميع البلاد فقد حكَم كلُّ إنسانٍ بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب، وهذا جواب قريبٌ سهل، والحمد للَّه. ولم يقلْ أحد: إنّه يجبُ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ أنّه يَعْني: الجميع، فإذا كان قد صحّ أنّه إنَّما عَنى البعض فقد عَنى نُجُوم المجرّة والنجومَ التي تظهر في ليالى الحنادس (١)؛ لأنّه محال أن تقعَ عينٌ على ذلك الكوكبِ بعينه في وقت زوَاله حتّى يكون اللَّه لو أفنى ذلك الكوكَب من بين جميع الكواكب الملتفَّة؛ لعرف هذا المتأمِّلُ مكانه، ولوَجَدَ مَسَّ فقدِه، ومن ظَنَّ بجهله أنَّه يستطيع الإحاطة بعدد النُّجوم فإنه متى تأَمَّلها في الحَنادس، وتأمَّل المجرَّة وما حولها؛ لم يضرِب المثل في كثرة العدد إلا بها، دونَ الرّمل والتّراب وقطْر السَّحاب. وقال بعضُهم: يدنو الشِّهاب قريبًا، ونراه يجيء عَرْضًا لا مُنْقضًا ولو كان الكوكب هو الذي ينقضُّ لم يُر كالخيط الدّقيق، ولأضاء جميع الدُّنيا، ولأحرق كلَّ شيء مما على وجْه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقيّة ولا تكونْ علوية؛ فإذا كانت كذلك فصل الشِّهابُ منها عَرْضًا، وكذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، ، وقال اللَّه : ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدَن الشيطان هو الكوْكب حتى لا يكون غير ذلك، وأنتم تسمعونَ اللَّه تعالى يقول: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، والشِّهاب معروفٌ في اللغة، وإذا لم يُوجِبْ عليها ظاهرَ لفظ القُرآن لم ينكر أنْ يكون الشِّهَابُ كالخطّ أو كالسهم لا يضيءُ إلا بمقدار، ولا يَقْوَى على إحراق هذا العالم، وهذا قريبٌ والحمد للَّه.

стр. 7196

وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ اللَّه ﵎ قال: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ وقال على سَنَنِ الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟ قيل له: ليس بممنوعٍ من الخطفة؛ إذ كان لا محالة مرمِيًّا بالشِّهاب، ومقْتُولًا، على أنّه لو كان سلِمَ بالخطْفة لما كان استفاد شيئًا للتكاذيب والرِّياسة، وليس كلُّ من كذب على اللَّه وادَّعى النبوَّة كان على اللَّه تعالى أنْ يُظهر تكذيبه؛ بِأن يخسِفَ به الأرْض، أو ينطِقَ بتكذيبه في تلك السَّاعة، وإذا وجبت في العُقول السّليمة إلا يصدق في الأخبار لم يكن معه بُرهان، فكفي بذلك. ولو كان ذلك لكانَ جائزًا، ولكنَّه ليس بالواجب، وعلى أنَّ ناسًا من النحويِّين لم يُدخلوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ في الاستثناء، وقال: إنّما هو كقوله: إلا كخارجة المكلّفِ نفسَه ... وابنَي قبيصة أن أغيبَ ويشْهدَا وقوله أيضًا: إلا كناشرة الذي كَلّفتمُ ... كالغُصنِ في غلوائه المتَنبّتِ قلت: يقصد الجاحظ أن الذي يصيب بدن الشيطان هو أثر حرارة النار الناتجة عن احتكاك الجرم السماوي بالغلاف الجوي للأرض، ونراه على صورة ضياء لا عين الجرم الموجود في مركزه. الوجه الثاني: عالم الشياطين غيب، فلا يجوز قياس الغيب بأدوات البحث العلمي المستخدمة للمحسوسات . أولًا: أقول لصاحب هذه الشبهة: أرني الشياطين أريك كيف يرجمها اللَّه بالنجوم؟ ! إن من يلقي تلك الشبهة هو غالبًا نصراني. . . أي: أنه يؤمن بالشياطين وبعالم الغيب، فكيف يطلب منا أن نشرح له شيئًا هو في علم الغيب؟ إنه يؤمن بأن هناك عالمًا كاملًا مختفيًا اسمه عالم الشياطين، ولا دليل علمي محسوس عليه، ولا يستطيع أكبر نصراني في العالم أن يرينا ولو دليل واحد عليه، فلماذا يسخر إذن من شيء هو في علم الغيب الذي عند اللَّه؟ قد أفهم

стр. 7197

هذا السؤال من رجل ملحد، لا يؤمن بالغيب أصلًا، لكن كيف يجرؤ النصراني على قول هذا السؤال وهو يؤمن بأن هناك غيب وشياطين؟ ! ففي المعارف الكتابية: يصور لنا العهد الجديد الشيطان بأنه شخصية خبيثة غير بشرية، ولكن الكثيرين لا يقبلون مفهوم وجود كائن اسمه الشيطان، وحجتهم في ذلك أن وجود شيطان حقيقي لا يمكن إثباته علميًا، ونحن نعترف أن الحقائق الروحية لا يمكن إثباتها بوسائل علمية طبيعية، وبناء عليه يمكن أيضًا رفض الإعلان الكتابي عن وجود اللَّه. ثانيًا: إن اللَّه في هذه الآيات يخبرك بحقيقة غيبية لا بحقيقة علمية، والمتفحص في آيات اللَّه سيظهر له جليًا الفارق بين آية تتحدث عن حقيقة علمية وآية أخرى تتحدث عن حقيقة غيبية، فمثلًا عندما يقول اللَّه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾، لاحظ أن اللَّه جاء بفعل غيبي هنا. . . فالسجود هو للَّه ، فإن طلب النصراني أن نريه كيف يسجد النجم والشجر للَّه، طلبنا منه أن يرينا اللَّه أصلًا فليست كل آية يجئ اللَّه فيها بشيء مادي محسوس هي آية إعجاز علمي، ويمكن لأي أحد معرفة ذلك بسهوله شديدة من ملاحظة مجرى الآية. ثالثًا: آيات الإعجاز العلمي تلاحظ أنها تصف حقيقة واقعة لا تأتي بشيء غيبي. . . مثل قوله تعالى في سورة (يس: ٤٠): ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾، هل هناك أي غيب في الآية؟ هل هناك ذكر لملائكة، أو شياطين، أو سجود للَّه تعالى، أو نار، أو جنة، أو يوم قيامة، أو ما إلى ذلك من علم الغيب؟ لا. . . إن الآية واضحة للغاية في أنها تورد حقيقة واقعة جاء العلم الحديث ليفاجئ بصحتها، بل يفاجئ بدقتها الشديدة أيضًا، فلا يوجد وصف أدق لحركة الكواكب والنجوم والشمس والقمر في الفضاء إلا بالسباحة في مسارات محددة لها توصف بالأفلاك. وأيضًا كما في الآية الكريمة في سورة (الحج: ٥): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ

стр. 7198

الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾، لاحظ أنه في تلك الآية جاء اللَّه بعلم غيبي (البعث) ثم أتبعه بمثال علمي ليظهر لنا إمكان حدوث الغيب، وهنا جمع اللَّه بين النوعين، لكنه جعل الفارق واضحًا بين أول الآية وبقيتها؛ أي: بين علم الغيب وعلم الواقع، لكيلا يتداخل النوعان عند المتلقي. فإن أول الآية (الحقيقة الغيبية) لابد أن يوضحها اللَّه لنا بعلم واقعي (الحقيقة العلمية) فهو يضرب لنا مثلًا من واقعنا، ولم يضرب لنا مثلًا بحقيقة غيبية أخرى، وإلا انتفي الغرض من الآية. رابعًا: هل للنصراني أن يرينا كيف أن الشيطان ينزع الكلمة من القلوب؟ بل وكيف تزرع الكلمة في القلوب؟ بل إننا نطلب منه فقط أن يرينا شيطانًا واحد أصلًا! ففي إنجيل (مرقص: ١٥: ٤) (وهؤلاء هم الذين على الطريق؛ حيث تزرع الكلمة حينما يسمعون يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم). الوجه الثالث: السماوات السبع من الغيب، ولا يشترط أن تكون السماء كالسطح الأملس، فكل ما علا وارتفع يسمى سماء، ولذلك يقال لسقف البيت، والسحاب سماء (١). فالسماء هى خضم الفضاء بما فيه من الأجرام والشهب والصورة التي يراها سكان الأرض في الليالى الصافية هى القبة الزرقاء تُزينها النجوم والكواكب وكأنها مصابيح، كما ترى الشهب تهوى محترقة في أعالى جو الأرض، وما القبة الزرقاء إلا نتيجة لتلاقى ضوء الشمس والنجوم مع دقائق الغبار العالقة في الهواء وجزئيات الهواء نفسه وتشتته بها، هذا

стр. 7199

فضلًا عن الظواهر الضوئية الخاصة التي تزين السماء الدنيا مثل: الشفق والفجر، والأضواء البروجية، وأضواء الشمال، أو الفجر القطبى، وكلها ظواهر متباينة ترجع إلى تفاعل الضوء مع غلاف الأرض الجوى ومجالها المغناطيسى. ففي ختام سورة الطلاق؛ وهي تلفت الأنظار إلى قدرة اللَّه تعالى البالغة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. الوجه الرابع: ليس المقصود بالشهب أنها كواكب السماء؛ بل هي شواظ من النار أولا: ففي القرآن تفسير الشهب بشواظ من نار، ففي قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ (الرحمن: ٣٣ - ٣٥)، فقد جعل للجن غير ما جعل للإنس من أدوات العقاب، ولم يجعل للجن كواكب تُرمى بها كالقمر والشمس، وإنما جعل للجن ﴿شُوَاظٌ﴾ أى: شهب. ثانيًا: الآيات الكريمة تتحدث أن الحرارة الناتجة عن احتراق الجرم السماوي (الشهاب) الذي لا يشترط أن يكون أصله نجَمًا - رجومًا للشياطين، ولم تذكر أبدًا أن أداة الرجم نجمًا كاملًا. "والذي في الآية أن هناك أجسامًا نارية تصيب الشياطين، ولم يذكر أن الشيطان يسقط عليه نجم أو أن الملائكة ترميه به، والعلم الحديث ورواد الفضاء يتحدثون عن النيازك التي ترى في الفضاء الواسع مذنبات مضيئة، ومنها الناري الذي ينطفئ ويتفتت في سيره، وبعضها يصل إلى الأرض؛ وهي تشبه المقذوفات البركانية، والذين درسوا الجغرافية الفلكية يعرفون هذا، فهذه المقذوفات قطع تنفصل من الكواكب وتتحرك في الفضاء، خصوصًا إذا كان النجم أو الكوكب قريبًا من الأرض، واللَّه تعالى

стр. 7200

يصيب بها من يشاء ويحفظ بها من يشاء" (١). أَمَا سَمِعَ نوابغُ العصر أصحاب (تيموثاوس) أن الذين نزلوا على سطح القمر رأوا هناك جهات ساكنة نارها، وأخرى ملتهبة؟ وأنهم رأوا الأرض مشعة كما نرى نحن القمر فكأنها قطعًا باردة ولكنها مضيئة؟ وأن الفضاء مليء بقطع نارية سابحة، ومنها ما يصل إلى الأرض. قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (الحجر: ١٦ - ١٨) فالبروج بقيت في مكانها، والذي تحرك هو الشهاب، وتأمل ما ورد في سورة (الصافات: ٦ - ١٠): ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فالذي (أتْبَعَ) الشيطانَ الماردَ ليس الكوكب [المذكور في الآية رقم (٦)]، بل الشهاب [المذكور في الآية رقم (١٠)]. الوجه الخامس: هل لفظ النجوم لغة هو لفظ النجوم إصطلاحًا ؟ لا يشترط أن تكون النجوم المذكورة في القرآن الكريم هي عينها ما اتفق عليه اصطلاح الناس حديثًا؛ بأنها ذلك الجرم الكوني الضخم الغازي المضيء بذاته كالشمس. (٢) بعكس سائر الأجرام المعتمة كالكواكب والأقمار، فيجوز أن يكون المقصود بالنجم -لغة لا اصطلاحًا-: كل جسم صلب يسبح في الفضاء. جاء في العين: "النَّجمُ: اسم يقعُ على الثُّريا، وكلِّ منزلٍ من منازلِ القمر سمِّي نجمًا. وكل كوكب من أعلام الكواكب يُسمى نجمًا، والنُّجومُ تَجمَعُ الكواكب كلَّها" (٣). الوجه السادس: بيان علماء التفسير لتوضيح الفرق بين النجوم والشهب في الآياتِ . فَمَرَدُّ الشبهة أن الشهب تسمى وفق الرؤية الظاهرية بالنجوم المارقة أو الهاوية

стр. 7201

(Shooting or Falling Stars)، ووفق ما سجلته المعاجم لا تميز لغةُ العرب بين النجم والكوكب، بينما ميز القرآن الكريم بينهما على نحو يتفق مع الواقع كما في المصطلح العلمي الحديث، ووصف القرآن الكريم الشهب بالتوهج بلفظ (مصابيح) على نحو يتفق مع كونها ظاهرة ضوئية؛ قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ (فصلت: ١٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك: ٥) ومرد الإشكال إلى الفهم بأن الشهب المعبر عنها في الآيتين الكريمتين تشبيهًا بالمصابيح لتوهجها هي النجوم الثوابت، ولكن المحققين قد دفعوا هذا الوهم وقالوا بأن النجوم ثوابت في مواقعها لا ينقص عددها، وإنما المراد هو الشهب دونها كما صرح بذلك القرآن الكريم نصًا. قال الخازن: ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب. وقال ابن عاشور: والذي جُعل رُجومًا للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة، ثم تلوح منقَضَّة؛ وتسمى الشُهُب (١). وقال الرازي: هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين. (٢) وقال: ولو كانت هذه الشهب هي تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة؛ فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير البتة، فهذه الشهب جنس آخر غير الكواكب. . . فالضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ عائد إلى المصابيح، فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعينها. فإن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا

стр. 7202

بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ فنقول: كل نير يحصل في الجو العالى فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها ما تبقى على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك، وهي هذه الشهب التي يحدثها اللَّه تعالى، ويجعلها رجومًا للشياطين، وبهذا التقدير فقد زال الإشكال (١). وقال الألوسي: وإطلاق الرجوم على النجوم، وقولهم: رمي بالنجم يحتمل أن يكون مبنيًا على الظاهر للرائي، كما في قوله تعالى في الشمس: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وهذه الشهب ليست هي الثوابت، وإلا لظهر نقصان كبير في أعدادها، بل هي جنس آخر غيرها يحدثها اللَّه تعالى، ويجعلها رجومًا للشياطين، ولا يأباه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها؛ لأنا نقول: كل نير يحصل في الجو العالى فهو مصباح لأهل الأرض، والشهب من هذا القسم، وحينئذ يزول الإشكال (٢). وقال أيضًا: ﴿وشِهَابٌ﴾ هو في الأصل الشعلة الساطعة من النار الموقدة، والمراد به العارض المعروف في الجو الذي يرى كأنه كوكب منقض من السماء ﴿ثَاقِبٌ﴾ مضيء، كما قال الحسن وقتادة كأنه ثقب الجو بضوئه، وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم؛ عن يزيد الرقاضي أنه قال: يثقب الشيطان حتى يخرج من الجانب الآخر. فذكر ذلك لأبب مجلز فقال: ليس ذاك؛ ولكن ثقوبه ضوؤه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿الثَّاقِبُ﴾ المتوقد وهو قريب مما تقدم. وأخرج عن السدي ﴿الثَّاقِبُ﴾ المحرق. وليست الشهب نفس الكواكب التي زينت بها السماء فإنها لا تنقض وإلا لانتقصت زينة السماء بل لم تبق، على أن المنقض إن كان نفس الكواكب بمعنى أنه ينقلع عن مركزه

стр. 7203

ويُرمى به الخاطف فيرى لسرعة الحركة كرمح من نار لزم أن يقع على الأرض؛ وهو إن لم يكن أعظم منها فلا أقل من أن ما انقض من الكواكب من حين حدث الرمي إلى اليوم أعظم منها بكثير؛ فيلزم أن تكون الأرض اليوم مغشية بأجرام الكواكب، والمشاهدة تكذب ذلك بل لم نسمع بوقوع جرم كوكب أصلًا. وأصغر الكواكب عند الإسلاميين كالجبل العظيم، وعند الفلاسفة أعظم وأعظم بل صغار الثوابت عندهم أعظم من الأرض وإن التزم أنه يرمى به حتى إذا تم الغرض رجع إلى مكانه، قيل عليه: إنه حينئذٍ يلزم أن يسمع لهويه صوت هائل فإن الشهب تصل إلى محل قريب من الأرض، وأيضًا عدم مشاهدة جرم كوكب هابطًا أو صاعدًا يأبى احتمال انقلاع الكوكب والرمي به نفسه، وإن كان المنقض نوره فالنور لا أذى فيه فالأرض مملوءة من نور الشمس وحشوها الشياطين، على أنه إن كان المنقض جميع نوره يلزم انتقاص الزينة أوذهابها بالكلية، وإن كان بعض نوره يلزم أن تتغير أضواء الكواكب ولم يشاهد في شيء منها ذلك، وأمر انقضاضه نفسه أوانفصال ضوئه على تقدب كون الكواكب الثوابت في الفلك الثامن المسمى بالكرسي عند بعض الإسلاميين وأنه لا شيء في السماء الدنيا سوى القمر أبعد وأبعد. والفلاسفة يزعمون استحالة ذلك لزعمهم عدم قبول الفلك الخرق والالتئام إلى أمور أخر، ويزعمون في الشهب أنها أجزاء بخارية دخانية لطيفة وصلت كرة النار فاشتعلت وانقلبت نارًا ملتهبة، فقد تُرى ممتدة إلى طرف الدخان، ثم تُرى كأنها طفئت وقد تمكث زمانًا كذوات الأذناب وربما تتعلق بها نفس على ما فصلوه، وهم مع هذا لا يقولون بكونها ترمي بها الشياطين بل هم ينكرون حديث الرمي مطلقًا، وفي النصوص الإلهية رجوم لهم. ولعل أقرب الاحتمالات في أمر الشهب أن الكوكب يقذف بشعاع من نوره فيصل أثره إلى هواء متكيف بكيفية مخصوصة يقبل بها الاشتعال بما يقع عليه من شعاع الكوكب بالخاصية فيشتعل فيحصل ما يشاهد من الشهب، وإن شئت قلت: إن ذلك الهواء المتكيف

стр. 7204

بالكيفية المخصوصة إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو أثرت فيه أشعة الكواكب بما أودعه اللَّه تعالى فيها من الخاصية فيشتعل فيحصل ما يحصل، وتأثير الأشعة الحرق في القابل له مما لا ينكر فإنا نرى شعاع الشمس إذا قوبل ببعض المناظر على كيفية مخصوصة أحرق قابل الإحراق ولو توسط بين المنظرة وبين القابل إناء بلور مملوء ماء، ويقال: إن اللَّه تعالى يصرف ذلك الحاصل إلى الشيطان المسترد اللسمع وقد يحدث ذلك وليس هناك مسترق، ويمكن أن يقال: إنه سبحانه يخلق الكيفية التي بها يقبل الهواء الإحراق في الهواء الذي في جهة الشيطان. ولعل قرب الشيطان من بعض أجزاء مخصوصة من الهواء معد بخاصية أحدثها اللَّه تعالى فيه لخلقه تلك الكيفية في ذلك الهواء القريب منه، مع أنه يخلق تلك الكيفية في بعض أجزاء الهواء الجوية حيث لا شيطان هناك أيضًا. وإن شئت قلت: إنه يخرج شؤبوب من شعاع الكوكب فيتأذى به المارد أو يحترق، واللَّه قادر على أن يحرق بالماء ويروي بالنار، والمسببات عند الأسباب لا بها وكل الأشياء مسندة إليه تعالى ابتداءً عند الأشاعرة، ولا يلزم على شيء مما ذكر انتقاص ضوء الكوكب، ولو سلم أنه يلزم انتقاص على بعض الاحتمالات! قلنا: إنه يخلق بلا فصل في الكوكب بدل ما نقص منه، وأمره سبحانه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. ولا ينافي ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك: ٥)؛ لأن جعلها رجومًا يجوز أن يكون لأنه بواسطة وقوع أشعتها على ما ذكرنا من الهواء تحدث الشهب فهي رجوم بذلك الاعتبار، ولا يتوقف جعلها رجومًا على أن تكون نفسها كذلك بأن تنقلع عن مراكزها ويرجم بها، وهذا كما تقول: جعل اللَّه تعالى الشمس يحرق بها بعض الأجسام فإنه صادق فيما إذا أحرق بها بتوسيط بعض المناظر وانعكاس شعاعها على قابل الإحراق. وزعم بعض الناس أن الشهب شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة إلى كرة النار

стр. 7205

وهي الرجوم ولكونها بواسطة تسخين الكواكب للأرض قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾ على التجوز في إسناد الجعل إليها أو في لفظها، ولا يخفي أن كرة النار مما لم تثبت في كلام السلف ولا ورد فيها عن الصادق -عليه والصلاة والسلام- خبر، وقيل: يجوز أن تكون المصابيح هي الشهب وهي غير الكواكب وزينة السماء بالمصابيح، لا يقتضي كونها فيها حقيقة إذ يكفي كونها في رأي العين كذلك، وقيل: يجوز أن يراد بالسماء جهة العلو وهي مزينة بالمصابيح والشهب كما مزينة بالكواكب. وتعقب هذا بأن وصف السماء بالدنيا يبعد إرادة الجهة منها، وتعقب ما قبله بأن المتبادر أن المصابيح هي الكواكب ولا يكاد يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (الصافات: ٦)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الملك: ٥) إلا شيء واحد، وأن كون الشهب المعروفة زينة السماء مع سرعة تقضيها وزوالها وربما دهش من بعضها مما لا يسلم، والقول بأنه يجوز إطلاق الكوكب على الشهاب للمشابهة؛ فيجوز أن يراد بالكواكب ما يشمل الشهب وزينة السماء على ما مَرَّ آنفًا زيد فيه على ما تقدم ما لا يخفي ما فيه، نعم. . يجوز أن يقال: إن الكوكب ينفصل منه نور إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو انقلب نارًا ورؤي منقضًا ولا يعجز اللَّه شيء، وقد يقال: إن في السماء كواكب صغارًا جدًا غير مرئية ولو بالأرصاد لغاية الصغر وهي التي يرمي بها أنفسها، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك: ٥) من باب عندي درهم ونصفه، و ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا﴾ (الصافات: ٦، ٧) الآية، إن كان على معنى: وحفظًا بها فهو من ذلك الباب أيضًا وإلا فالأمر أهون فتدبر. واختلف في أن المرجوم هل يهلك بالشهاب إذا أصابه أو يتأذي به من غير هلاك، فعن ابن عباس: أن الشياطين لا تقتل بالشهاب ولا تموت ولكنها تحرق وتخبل أي يفسد منها بعض أعضائها، وقيل: تهلك وتموت، ومتى أصاب الشهاب من اختطف منهم كلمة قال للذي يليه كان كذا وكذا قبل أن يهلك.

стр. 7206

وأيًّا ما كان لا يقال: إن الشياطين ذوو فطنة؛ فكيف يعقل منهم العود إلى استراق السمع مرة بعد مرة مع أن المسترق يهلك أو يتأذى الأذى الشديد واستمرار انقضاض الشهب دليل استمرار هذا الفعل منهم؛ لأنا نقول: لا نلزم استمرار هذا الفعل منهم، واستمرار الانقضاض ليس دليلًا عليه؛ لأن الانقضاض يكون للاستراق ويكون لغيره، فقد أشرنا فيما سبق أن الهواء قد يتكيف بكيفية مخصوصه فيحترق بسبب أشعة الكواكب وإن لم يكن هناك مسترق، وقيل: يجوز أن ترى الشهب لتعارض في الأهوية واصطكاك يحصل منه ما ترى كما يحصل البرق باصطكاك السحاب على ما روي عن بعض السلف وحوادث الجولا يعلمها إلا اللَّه تعالى، فيجوز أن يكونوا قد استرقوا أو، فشاهدوا ما شاهدوا فتركوا واستمرت الشهب تحدث لما ذكر لا لاستراق الشياطين، ويجوز أن يقع أحيانًا ممن حدث منهم ولم يعلم بما جرى على رؤوس المسترقين قبله، أو ممن لا يبالى بالأذى ولا بالموت حبًا لأن يقال: ما أجسره أو ما أشجعه مثلًا كما يشاهد في كثير من الناس يقدمون في المعارك على ما يتيقنون هلاكهم به حبًا لثل ذلك، ولعل في وصف الشياطين بالمارد ما يستأنس به لهذا الاحتمال، وأما ما قيل: إن الشهاب قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا فخلاف المأثور، فقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن أن عباس ﵃ قال: إذا رمي بالشهاب لم يخطىء من رمي به. هذا وقد استشكل أمر الاستراق بأمور؛ منها: أن الملائكة في السماء مشغولون بأنواع العبادة؛ أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد فماذا تسترق الشياطين منهم؟ وإذا قيل: إن منهم من يتكلم بالحوادث الكونية فهم على محدبها، والشياطين تسترق تحت مقعرها وبينهما كما صح في الأخبار خمسمائة عام فكيف يتأتى السماع لا سيما والظاهر أنهم لا يرفعون أصواتهم إذا تكلموا بالحوادث إذ لا يظهر غرض برفعها، وعلى تقدير أن يكون هناك

стр. 7207

رفع صوت فالظاهر أنه ليس بحيث يسمع من مسيرة خمسمائة عام، وعلى تقدير أن يكون بهذه الحيثية فكرة الهواء تنقطع عند كرة النار ولا يسمع صوت بدون هواء؟ وأجيب بأن الاستراق من ملائكة العنان وهم يتحدثون فيما بينهم بما أمروا به من السماء من الحوادث الكونية، و ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ (الجن: ٨) طلبنا خبرها أو من الملائكة النازلين من السماء بالأمر فإن ملائكة على أبواب السماء ومن حيث ينزلون يسألونهم بماذا تذهبون؟ فيخبرنهم، وليس الاستراق من الملائكة الذين على محدب السماء. وأمر كرة النار لا يصح، والهواء غير منقطع وهو كلما رق ولطف كان أعون على السماع، على أن وجود الهواء مما لا يتوقف عليه السماع على أصول الأشاعرة، ومثله عدم البعد المفرط، وظاهر خبر أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة أن الاستراق من الملائكة في السماء قال: "إذا قضى اللَّه تعالى أمرًا تكلم ﵎ فتخر الملائكة كلهم سجدًا فتحسب الجن أن أمرًا يقضي فتسترق، فإذا عن قلوب الملائكة ﵈ ورفعوا رؤوسهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا جميعًا: الحق وهو العلي الكبير". وجاء في خبر أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر؛ عن إبراهيم التيمي: "إذا أراد ذو العرش أمرًا سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم فإذا قاموا قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال من شاء اللَّه: الحق وهو العلي الكبير. ولعله بعد هذا الوجه يذكر الأمر بخصوصه فيما بين الملائكة ﵈، وظاهر ما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس من تفسير الملأ الأعلى بكتبة الملائكة ﵈ أيضًا أن الاستراق من ملائكة في السماء إذ الظاهر أن الكتبة في السماء، ولعله يتلى عليهم من اللوح ما يتلى فيكتبونه لأمر ما فتطمع الشياطين باستراق شيء منه، وأمر البعد كأمر الهواء لا يضر في ذلك على الأصول الأشعرية، ويمكن أن يُدَّعَى أن جرم السماء لا يحجب الصوت وإن كثف، وكم خاصية أثبتها الفلاسفة للأفلاك! ليس عدم الحجب أغرب منها.

стр. 7208

ومنها أنه يغني عن الحفظ من استراق الشياطين عدم تمكينهم من الصعود إلى حيث يسترق السمع، أو أمر الملائكة ﵈ بإخفاء كلامهم بحيث لا يسمعونه، أو جعل لغتهم مخالفة للغتهم بحيث لا يفهمون كلامهم؟ وأجيب بأن وقوع الأمر على ما وقع من باب الابتلاء، وفيه أيضًا من الحِكَمِ ما فيه، ولا يخفي أن مثل هذا الإشكال يجري في أشياء كثيرة، إلا أن كون الصانع حكيمًا، وأنه جل شأنه قد راعى الحكمة فيما خلق وأمر على أتم وجه حتى قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان - يحل ذلك ولا يبقى معه سوى تطلب وجه الحكمة وهو مما يتفضل اللَّه تعالى به على من يشاء من عباده، والكلام في هذا المقام قد مر شيء منه فارجع إليه، ومما هنا وما هناك يحصل ما يسر الناظرين ويرضي العلماء المحققين (١). الوجه السابع: الإعجاز العلمي في الآيات . فالشهب ظاهرة جوية تصحب سقوط النيازك (meteors)، ووفق الموسوعة البريطانية: قد تطلق التسمية على الأحجار النيزكية ذاتها، وهي تمثل بالفعل خطرًا حقيقيًا على كل عابر متجاوز الحدود المعهودة إذا توانى، وتتواجد الكتل الحجرية والثلجية بكثرة بين المريخ والمشتري في حزام الكويكبات، وتحيط بالنظام الشمسي من كل جانب بهيئة هالة مذنبية تسمى هالة أوورت (Oort Halo). وبالرغم مما ذُكر من قبل، إلا أن هناك إعجازًا علميًا في الآيات السابق ذكرها، وهو نبع من تساؤلنا: لماذا القرآن عندما يذكر: النجوم، والكواكب، والشهب؛ يذكرهم كأنهم شيء واحد وكذلك في المعاجم العربية، غير ما نسمع عنه الآن من أن هناك فرقًا كبيرًا بين مكوناتهم وهيئتهم، وكأن كلًّا منهم لا يمت صلة بالآخر؟ فالجواب على ذلك: أن القرآن يوضح أن أصل خلقتهم واحدة. قال الدكتور زغلول النجار: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك: ٥): وإجماع المفسرين وأهل العلم على أن المقصود بالتعبير

стр. 7209

القرآني: ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهو النجوم، والجمع بين النجوم، والكواكب، ورجوم الشياطين (الشهب والنيازك) فيه إشارة إلى وحدة البناء في الكون مما يشهد للَّه الخالق بالوحدانية فوق جميع خلقه؛ وذلك لأن اللَّه -تعالى- يخلق النجوم أمام أنظار الراصدين من دخان السماء بعلمه وحكمته وطلاقه قدرته وأنه يعيد النجوم بانفجاراتها إلى دخان السماء والكواكب مفصولة أصلًا عن النجوم والشهب والنيازك من نواتج انفجار الكواكب وهكذا (١). الوجه الثامن: فهم ما في هذه الآيات من البلاغة يقتضي الفهم الصحيح لها، فلا يفهم القرآن من لم يفهم لغة القرآن، ومن أساليب العرب الاستطراد كما في الآية . ١ - قال ابن القيم (٢): هذا استطراد؛ فقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (الصافات: ٦) و ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ٥) فالتي جعلت رجومًا ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر، وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد. . . . فذكر الخاص بعد العام استطرادًا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾، فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية، فهكذا قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة.

стр. 7210

٢ - فانتقال الكلام من أسلوب لأسلوب آخر كانتقال الحديث من الفرد إلى الجنس؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ يقول علماء البلاغة: إن هذا انتقال من الفرد إلى الجنس، أي: من جنس هذه النجوم، فجزء ملتهب منها قد يكون بقدر الحصاة الصغيرة مثلًا يصيب الشياطين، وليس المقصود أن النجم كله يجرى وراء الشيطان فهذا مستحيل. وهذا كما في قوله تعالى عند الحديث عن الإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ فهنا انتقل الحديث من الفرد الذي هو آدم ﵇ إلى الجنس وهم بنو آدم الذين خلقوا من نطفة (١). الوجه التاسع: الآية توضح اتصال أمر من السماء بأمر من الأرض . فللرد على مَنْ قال: لماذا جعل اللَّه الشياطين تسترق السمع أليس هو قادر على أن يمنعهم بلا حاجة إلى شهب لحرقهم؟ نقول: ١ - السموات السبع بما فيها من الملائكة محفوظة من الشياطين؛ فإن اللَّه طرد إبليس منها، فلم يجعل اللَّه له سلطانًا على السموات ولا على أي أمر يحدث فيها، ولكن جعل اللَّه لإبليس وجنوده سلطانًا على المنحرفين (من أهل الأرض) عن شريعة اللَّه التي أنزلها من السماء على أنبيائه، والشياطين لهم صولات وجولات في أنحاء الأرض، بل وفي السماء الدنيا (التي بها الكواكب والنجوم). ٢ - هناك فارق بين سماع الشياطين لما تتكلم به الملائكة، وبين أن الشياطين لها سلطان على أن تسمع. ففي هذه الحالة يعتبر الشيطان كالسارق (سارق للسمع) الذي يستمع إلى الملك أثناء حديثه للوزراء، مع أن الملك يعلم ذلك، ولكنه يريد أن يخدع السارق والذين هم وراء هذا السارق بعدة أمور: أولًا: أن السارق لو سمع فإنه يسمع عدة كلمات فلا يفهم هذا الكلام مندرج تحت أي سياق، فلربما يتحدث الملك فيذكر كلمتي (معركة - حرب) وهو يقصد تلك المعركة التي

стр. 7211

حدثت في الماضي، ويظن هذا السارق أن الملك سيقوم بمعركة في المستقبل، فيذهب لأعداء الملك ليخبرهم بالتجهز لتلك المعركة. ثانيًا: ربما يغضب الملك لاجتراء السارق أن يستمع لحديثه (مع أن الحديث يشبه الحالة الأولى تمامًا)، ولكنه أراد أن يعاقب السارق في هذه الحالة، أما في الحالة الأولى كان يريد أن يخادع السارق، وللملك في كل هذه الأحوال حكم لأنه ملك حكيم، فعندما يريد أن يؤدب السارق فإنه يأمر أحد وزرائه أن يتتبع هذا السارق، أو أن يرميه أحد الرماة بالنبل ليقضي عليه. ثالثًا: في كل هذه الأحوال فإن هذا الملك قوي لا يخاف من أعدائه حتى ولو سمعوا كل ما يتحدث به. وللَّه المثل الأعلى فإن اللَّه يخادع هذه الشياطين التي تسترق السمع حتى تنزل بعض ما يستمعون إليه إلى السحرة، وإذا أراد أن يعاقبهم فيعاقبهم. الوجه العاشر: الملائكة في الكتاب المقدس تحرس الجنة معهم أدوات عقاب . إن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن: ٨ - ٩). قال ذلك حكاية عن الجن، وليس المعنى كما فهم مثيرو هذه الشبهة؛ وإنما المعنى هو أن اللَّه جعل على السماء حراسًا من الملائكة، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين وهى الشهب، فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف في يد الجندى المحارب. وفي الإصحاح الثالث من سفر التكوين. (أن اللَّه لما طرد آدم من الجنة وهى جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، أقام شرقى جنة عدن ملائكة تسمى الكروبيم، ووضع لهيب سيف متقلب في أياديهم لحراسة طريق شجرة الحياة: (فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان، وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم،

стр. 7212

ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة) (تك ٣: ٢٣ - ٢٤). ويقول المفسرون: إن الكروبيم من الملائكة المقربين، وهو في الفارسية بمعنى: الحارس، وكان عملهم وقت طرد آدم هو حراسة الفردوس، لئلا يرجع الإنسان إليه" اهـ (١). الشبهة الثانية: الشهب مادة، والشيطان روح؛ فكيف بمادة تحرق روحًا . نص الشبهة: بعد أن تفحصنا أقوال المفسرين نجدها أثبتت لنا أيضًا أن المعتقد الإسلامي عن الشهب هو أنها خلقت بالضبط لرجم الشياطين التي كانت تقعد مقاعد للسمع في السماء قبل بعثة محمد ﷺ ، لكنها فوجئت بالشهب ترجمها عندما ظهر محمد ﷺ ، وبالرغم من ذلك هناك بعض الشياطين الذين يخطفون الخطفة على غرة من أهل السماء فيُتْبِعُهُمْ اللَّه شهابًا ليحرقهم، وهناك أيضًا مَنْ ينجون من ذلك الرجم فيلقون ما سمعوا إلى الكهان الذين بدورهم يخبرون أهل الأرض بما سيقع في المستقبل؛ ولذلك سنعلق بما يلي: ١ - لقد أثبت العلماء أن الشهب تتكون من ثاني أوكسيد الكربون والخليط (حديد - نيكل) (Ferro-nikel) ومواد أخرى. . . أما (الجن) أو ما نسميه نحن الأرواح الشريرة فالإسلام كعقيدة يشاطرني الرأي بأنها كائنات روحية ليست لها أجسام مادية، فكيف تسقط إذن الأجسام المادية على كائنات غير مادية؟ ! ٢ - تقع في غالب الأحيان تساقطات غزيرة للشهب وهو ما وقع في السنوات الأخيرة، فماذا يعني ذلك؟ هل هو رجم لجيش من الشياطين؟ وبماذا نفسر المسارات المتوازية لهذه التساقطات؟ هل هي رجم لشياطين متصافة؟ وهل يعقل أن يكون اللَّه العظيم القدرة عاجزًا عن حفظ أخبار الغيب لهذه الدرجة حتى إنه يخلق نجومًا لترجم كل من اختطف السمع وهرب؟ ! إنه أمر يدعو للاستغراب أن نقول: إن بعض الشياطين تخطف أسرارًا من اللَّه وترميها للكهان بينما يعجز اللَّه عن منعهم إذ يرسل الشهب التي تصيب بعضهم ولا

стр. 7213

تصيب من ينجون! ! وهل الشهب لم تكن تسقط قبل مجيء محمد ﷺ ؟ لأن القرآن يؤكد أن الجن كانوا يستمعون إلى أخبار السماء قبل مجيء محمد (سورة الجن: ٨)! والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الجن عند المسلمين: ليس روحًا فقط، بل له مادة خلق منها . الوجه الثاني: يصلح لفظ: (شياطين) أن يوصف به البشر؛ فلا يقصد به شياطين الجن فقط. الوجه الثالث: رجومًا للشياطين أي جعلناها ظنونًا ورجومًا بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون. الوجه الرابع: أصل الخلق شيء وطبيعة المخلوق شيء آخر. الوجه الخامس: الاختلاف في أمر الجن، ومم هو؟ الوجه السادس: نزول الشهب أمر كوني، فهل كان موجودًا قبل الإسلام؟ وقد جاء في الشعر الجاهلي تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بانقضاض الكواكب. الوجه السابع: الشيطان له طبيعة مادية كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الجن عند المسلمين: ليس روحًا فقط، بل له مادة خلق منها. أدلة من القرآن والسنة على أن الجن روح ومادة: ١ - الجن مكلف بعبادة اللَّه مثل الإنس: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦) قال ابن حجر: وَأَمَّا كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ؛ فَقَالَ ابْنِ عَبْد الْبَرِّ: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ. وَقَالَ عَبْد الْجَبَّار: لَا نَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل النَّظَر فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَالدَّلِيل لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِين وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدّ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب، وَهَذِهِ الْخِصَال لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْر وَارْتَكَبَ النَّهْي مَعَ تَمَكُّنُه مِنْ أَنْ لَا يَفْعَل، وَالآيَات وَالْأَخْبَار الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةِ جِدًّا. . . وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَان

стр. 7214

الْإِسْلَام، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ الْفُرُوع فَاخْتُلِفَ فِيهِ (١). قلت: فكيف تؤمر الروح بأن تنحني أو تركع أو تسجد وتقرأ القرآن. لذلك فإن إبليس أمر بالسجود ولا يؤمر بذلك إلا من كان له هيئة يستطيع السجود بها: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف: ٥٠) ففي تفسير الجلالين: سجودَ انحناءٍ لا وضع جبهة تحية له (٢). ٢ - التناكح: وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾. وَبِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَة مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَة. وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه تعالى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّار مِنْ اليبُوسَة وَالْخِفَّة مَا يَمْنَع مَعَهُ التَّوَالُد. وَالوجه أَنَّ أَصْلهمْ مِنْ النَّار كَمَا أَنَّ أَصْل الْآدَمِيّ مِنْ التُّرَاب، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَة كَذَلِكَ الْجِنِّيّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَة، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيح فِي قِصَّة تَعَرُّض الشَّيْطَان لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فَأَخَذْته فَخَنَقْته حَتَّى وَجَدْت بَرْد رِيقه عَلَى يَدَيَّ". قُلْت: وَبِهَذَا الوجه يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ اسْتَشْكَلَ قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ: كَيْفَ تُحْرِق النَّارُ النَّارَ (٣)؟ ٣ - الجن يسمع ويتكلم: فالروح لابد لها من جسد لتُؤثِّر فيه بالأفعال والأعمال. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ (الأحقاف: ٢٩، ٣٠).

стр. 7215

فالإنذار لا يكون إلا من خلال كلام بين المنذِر والمنذَر. قال الرازي: وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن، وعلى أنهم أنذروا قومهم (١). وكذلك الشيطان يتكلم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ (إبراهيم: ٢٢). ٤ - الجن أمة من الأمم: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (الأعراف: ٣٨). ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ (النمل: ١٧) فالجن أمة لهم أرواح وأجساد، كما أن الإنس أمة لهم أرواح وأجساد؛ فمنهم من يعذب ومنهم من ينعَّم. ٥ - الجن قام بأعمال لسليمان ﵇ والشيطان له عمل: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ (سبأ: ١٢)، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا﴾ (سبأ: ١٣) وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ (ص: ٣٧، ٣٨)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠)، والجن يمكن أن يُربط لأن له روحًا وجسدًا؛ مع أنه قد يتشكّل في صور إما باستعمال التخييل أو التحويل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَىَّ الْبَارِحَةَ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إليهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ
следующие страницы →