← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

حدثت في الماضي، ويظن هذا السارق أن الملك سيقوم بمعركة في المستقبل، فيذهب لأعداء الملك ليخبرهم بالتجهز لتلك المعركة. ثانيًا: ربما يغضب الملك لاجتراء السارق أن يستمع لحديثه (مع أن الحديث يشبه الحالة الأولى تمامًا)، ولكنه أراد أن يعاقب السارق في هذه الحالة، أما في الحالة الأولى كان يريد أن يخادع السارق، وللملك في كل هذه الأحوال حكم لأنه ملك حكيم، فعندما يريد أن يؤدب السارق فإنه يأمر أحد وزرائه أن يتتبع هذا السارق، أو أن يرميه أحد الرماة بالنبل ليقضي عليه. ثالثًا: في كل هذه الأحوال فإن هذا الملك قوي لا يخاف من أعدائه حتى ولو سمعوا كل ما يتحدث به. وللَّه المثل الأعلى فإن اللَّه يخادع هذه الشياطين التي تسترق السمع حتى تنزل بعض ما يستمعون إليه إلى السحرة، وإذا أراد أن يعاقبهم فيعاقبهم. الوجه العاشر: الملائكة في الكتاب المقدس تحرس الجنة معهم أدوات عقاب . إن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن: ٨ - ٩). قال ذلك حكاية عن الجن، وليس المعنى كما فهم مثيرو هذه الشبهة؛ وإنما المعنى هو أن اللَّه جعل على السماء حراسًا من الملائكة، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين وهى الشهب، فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف في يد الجندى المحارب. وفي الإصحاح الثالث من سفر التكوين. (أن اللَّه لما طرد آدم من الجنة وهى جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، أقام شرقى جنة عدن ملائكة تسمى الكروبيم، ووضع لهيب سيف متقلب في أياديهم لحراسة طريق شجرة الحياة: (فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان، وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم،

стр. 7212

ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة) (تك ٣: ٢٣ - ٢٤). ويقول المفسرون: إن الكروبيم من الملائكة المقربين، وهو في الفارسية بمعنى: الحارس، وكان عملهم وقت طرد آدم هو حراسة الفردوس، لئلا يرجع الإنسان إليه" اهـ (١). الشبهة الثانية: الشهب مادة، والشيطان روح؛ فكيف بمادة تحرق روحًا . نص الشبهة: بعد أن تفحصنا أقوال المفسرين نجدها أثبتت لنا أيضًا أن المعتقد الإسلامي عن الشهب هو أنها خلقت بالضبط لرجم الشياطين التي كانت تقعد مقاعد للسمع في السماء قبل بعثة محمد ﷺ ، لكنها فوجئت بالشهب ترجمها عندما ظهر محمد ﷺ ، وبالرغم من ذلك هناك بعض الشياطين الذين يخطفون الخطفة على غرة من أهل السماء فيُتْبِعُهُمْ اللَّه شهابًا ليحرقهم، وهناك أيضًا مَنْ ينجون من ذلك الرجم فيلقون ما سمعوا إلى الكهان الذين بدورهم يخبرون أهل الأرض بما سيقع في المستقبل؛ ولذلك سنعلق بما يلي: ١ - لقد أثبت العلماء أن الشهب تتكون من ثاني أوكسيد الكربون والخليط (حديد - نيكل) (Ferro-nikel) ومواد أخرى. . . أما (الجن) أو ما نسميه نحن الأرواح الشريرة فالإسلام كعقيدة يشاطرني الرأي بأنها كائنات روحية ليست لها أجسام مادية، فكيف تسقط إذن الأجسام المادية على كائنات غير مادية؟ ! ٢ - تقع في غالب الأحيان تساقطات غزيرة للشهب وهو ما وقع في السنوات الأخيرة، فماذا يعني ذلك؟ هل هو رجم لجيش من الشياطين؟ وبماذا نفسر المسارات المتوازية لهذه التساقطات؟ هل هي رجم لشياطين متصافة؟ وهل يعقل أن يكون اللَّه العظيم القدرة عاجزًا عن حفظ أخبار الغيب لهذه الدرجة حتى إنه يخلق نجومًا لترجم كل من اختطف السمع وهرب؟ ! إنه أمر يدعو للاستغراب أن نقول: إن بعض الشياطين تخطف أسرارًا من اللَّه وترميها للكهان بينما يعجز اللَّه عن منعهم إذ يرسل الشهب التي تصيب بعضهم ولا

стр. 7213

تصيب من ينجون! ! وهل الشهب لم تكن تسقط قبل مجيء محمد ﷺ ؟ لأن القرآن يؤكد أن الجن كانوا يستمعون إلى أخبار السماء قبل مجيء محمد (سورة الجن: ٨)! والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الجن عند المسلمين: ليس روحًا فقط، بل له مادة خلق منها . الوجه الثاني: يصلح لفظ: (شياطين) أن يوصف به البشر؛ فلا يقصد به شياطين الجن فقط. الوجه الثالث: رجومًا للشياطين أي جعلناها ظنونًا ورجومًا بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون. الوجه الرابع: أصل الخلق شيء وطبيعة المخلوق شيء آخر. الوجه الخامس: الاختلاف في أمر الجن، ومم هو؟ الوجه السادس: نزول الشهب أمر كوني، فهل كان موجودًا قبل الإسلام؟ وقد جاء في الشعر الجاهلي تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بانقضاض الكواكب. الوجه السابع: الشيطان له طبيعة مادية كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الجن عند المسلمين: ليس روحًا فقط، بل له مادة خلق منها. أدلة من القرآن والسنة على أن الجن روح ومادة: ١ - الجن مكلف بعبادة اللَّه مثل الإنس: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦) قال ابن حجر: وَأَمَّا كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ؛ فَقَالَ ابْنِ عَبْد الْبَرِّ: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ. وَقَالَ عَبْد الْجَبَّار: لَا نَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل النَّظَر فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَالدَّلِيل لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِين وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدّ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب، وَهَذِهِ الْخِصَال لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْر وَارْتَكَبَ النَّهْي مَعَ تَمَكُّنُه مِنْ أَنْ لَا يَفْعَل، وَالآيَات وَالْأَخْبَار الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةِ جِدًّا. . . وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَان

стр. 7214

الْإِسْلَام، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ الْفُرُوع فَاخْتُلِفَ فِيهِ (١). قلت: فكيف تؤمر الروح بأن تنحني أو تركع أو تسجد وتقرأ القرآن. لذلك فإن إبليس أمر بالسجود ولا يؤمر بذلك إلا من كان له هيئة يستطيع السجود بها: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف: ٥٠) ففي تفسير الجلالين: سجودَ انحناءٍ لا وضع جبهة تحية له (٢). ٢ - التناكح: وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾. وَبِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَة مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَة. وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه تعالى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّار مِنْ اليبُوسَة وَالْخِفَّة مَا يَمْنَع مَعَهُ التَّوَالُد. وَالوجه أَنَّ أَصْلهمْ مِنْ النَّار كَمَا أَنَّ أَصْل الْآدَمِيّ مِنْ التُّرَاب، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَة كَذَلِكَ الْجِنِّيّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَة، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيح فِي قِصَّة تَعَرُّض الشَّيْطَان لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فَأَخَذْته فَخَنَقْته حَتَّى وَجَدْت بَرْد رِيقه عَلَى يَدَيَّ". قُلْت: وَبِهَذَا الوجه يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ اسْتَشْكَلَ قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ: كَيْفَ تُحْرِق النَّارُ النَّارَ (٣)؟ ٣ - الجن يسمع ويتكلم: فالروح لابد لها من جسد لتُؤثِّر فيه بالأفعال والأعمال. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ (الأحقاف: ٢٩، ٣٠).

стр. 7215

فالإنذار لا يكون إلا من خلال كلام بين المنذِر والمنذَر. قال الرازي: وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن، وعلى أنهم أنذروا قومهم (١). وكذلك الشيطان يتكلم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ (إبراهيم: ٢٢). ٤ - الجن أمة من الأمم: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (الأعراف: ٣٨). ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ (النمل: ١٧) فالجن أمة لهم أرواح وأجساد، كما أن الإنس أمة لهم أرواح وأجساد؛ فمنهم من يعذب ومنهم من ينعَّم. ٥ - الجن قام بأعمال لسليمان ﵇ والشيطان له عمل: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ (سبأ: ١٢)، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا﴾ (سبأ: ١٣) وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ (ص: ٣٧، ٣٨)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠)، والجن يمكن أن يُربط لأن له روحًا وجسدًا؛ مع أنه قد يتشكّل في صور إما باستعمال التخييل أو التحويل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَىَّ الْبَارِحَةَ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إليهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ

стр. 7216

لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ "قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا" (١). ٦ - طعام الجن: فالجن يأكل الطعام فهذا يدل على وجود جسد له. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِي ﷺ إِدَاوَةً لِوَضوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُو يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ: "مَنْ هَذا"؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: "ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَة". فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا في طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: "هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الْجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهِ لهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إلا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا" (٢). ولا يخفى أن ذكر هذين الصنفين من الطعام لا يدل على أن الجن عامة مقتصرون عليهما، فربما كان ذلك من أهم طعامهم، أو أنه مختص ببعضهم على حسب أصنافهم وأماكن إقامتهم. وتحول العظم إلى أوفر ما يكون لحمًا؛ وكذلك الروث إلى علف للدواب مختص بالمؤمنين فحسب، أما الكفّار من الجن فليس لهم ذلك؛ بل هم يستحلون كل طعام لم يذكر اسم اللَّه عليه كما في الحديث: "إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم اللَّه عليه" رواه مسلم. ٧ - مساكن الجن: عن زيد بن أرقم عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ باللَّه من الخبث والخبائث" (٣). فلم يرد في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله ﷺ الصحيحة وصفًا تفصيليًا لمساكن الجن، أو

стр. 7217

شكل عيشهم، وهل لهم مدن وقرى كالحال عند البشر، أم إنهم يعيشون في البراري والفيافي، أم هم مختلطون بالبشر في بيوتهم ومساكنهم، إلا أنه قد ورد في السنة تعيين بعض الأماكن بأن الشياطين تتواجد فيها، كما في الحديث السابق. قال الخطابي: وأصل الحش النخل المتكاثف، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ المراحيض في البيوت، ومعنى (مُحْتَضَرةٌ) أي: تحضرها الجن والشياطين وتنتابها لقصد الأذى (١). قال ابن تيمية: (الجن يتصورون في صور الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور بني أدم، ولما أجمعت قريش الخروج إلى بدرٍ ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم، فجاء لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي -وكان من أشراف بني كنانة- فقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيءٍ تكرهونه، فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم، فلما دار القتال ورأى عدو اللَّه جند اللَّه قد نزلت من السماء، فركض على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؛ فقال: ﴿نِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وثمة آثار كثيرة تبين تمثل الجن ببني آدم، وهي تدل على قدرة الجن على أن تتشكل بصور مختلفة. تلك كانت نبذة مختصرة عن هذا العالم المجهول، والذي استندنا في تصويره ورسمه إلى نصوص القرآن والسنة، والتي بينت بجلاء حقيقة هذا العالم، بعيدًا عن الخرافات والخيالات الجانحة (٢). الوجه الثاني: يصلح لفظ: (شياطين) أن يوصف به البشر؛ فلا يقصد به شياطين الجن فقط .

стр. 7218

ويصلح لفظ: (شياطين) أن يوصف به البشر إذا تجاوزوا الحدود المعهودة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (الأنعام: ١١٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (البقرة: ١٤)؛ فالوصف بشياطينهم عائد على كبرائهم بجامع العتوِّ والسيطرة. قال ابن عباس ﵄: كهنتهم ورؤسائهم. وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : أما شياطينهم فهم رؤوسهم في الكُفر (١). وقال البغوي: والشيطان المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء، وأصله البعد، يقال: بئر شطون أي: بعيدة العمق والقعر، وسمي الشيطان شيطانًا لامتداده في الشر وبعده عن الخير (٢). وفي المعارف الكتابية للكتاب المقدس: معنى (الشيطان): خصم، وهو لفظ مأخوذ من فعل عبري معناه: (يكمن)، (يقاوم) فهو أكبر عدو للَّه وللناس، وتتضح المطابقة بين (إبليس) و (الشيطان) من (رؤ ١٢: ٩، ٢٠: ٢). الإشارات إليه في العهد القديم: تستخدم الكلمة بدون (أل) التعريف بمعنى: (عدو)؛ وهكذا ترجمت في (١ صم ٢٩: ٤) عن داود كعدو محتمل في المعركة، وفي (١ مل ١١: ١٤ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥) ترجمت: خصمًا، وفي سفر العدد (٢٢: ٢٢) ترجمت: (يقاوم)، واستخدمت بلفظها للدلالة على خصم بشري. أما بأداة التعريف (أل) فيصبح اسم علم للدلالة على (الشيطان) بالذات، وهو ما نجده مثلًا في أيوب (١، ٢)، زكريا (٣: ١، ٢) إذ واضح أن الإشارة هنا إلى كائن غير بشري، وفي (١ أخ ٢١: ١) ترد الكلمة بدون (أل) التعريف ولكن واضح أيضًا أن المقصود بها هو الشيطان نفسه (انظر ٢ صم ٢٤: ١). ويقول البعض: إن صورة الشيطان في العهد القديم لا يبدو منها أنه كائن شرير أساسًا، بل يبدو كائنًا ملائكيًا، عمله أن يمتحن الناس، ولا شك أن الصورة الكاملة

стр. 7219

للشيطان لا تتضح تمامًا في الإشارات القليلة إليه في العهد القديم، ولكن من الواضح أيضًا أن اللمحات المسجلة عن نشاطه تكشف عن أنه يعمل لمقاومة كل خير للإنسان، فنرى في أيوب (١، ٢) بكل جلاء طبيعته الخبيثة، كما أنه هو الذي أغوى داود ليعد إسرائيل فيجلب السخط عليه، كما انتهره الرب من أجل شكواه ضد يهوشع الكاهن العظيم. وفي العهد الجديد: تكتمل صورة الشيطان في العهد الجديد، فتذكر كلمة (الشيطان) ٣٧ مرة، كما استخدمها الرب يسوع المسيح -بدون أداة التعريف- مرتين في حديثه إلى بطرس (مت ١٦: ٢٣، مرقس ٨: ٣٣)، ومرة عن يهوذا الإسخريوطي (يو ٦: ٧٠)، أما في سائر المرات فتذكر عادة بأداة التعريف للدلالة على (الشيطان) نفسه فيما عدا مت ٤: ١٠، مرقس ٣: ٢٣ مرتين، لو ٢٢: ٢٣، ٢ كو ١٢: ٧ فلا توجد أداة التعريف) كما يذكر باسم (إبليس) ٣٤ مرة. (لفظ إبليس = الشيطان). الوجه الثالث: رجومًا للشياطين أي: وجعلناها ظنونًا ورجومًا بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون . قال الزمخشري ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [*] أي: القربى؛ لأنها أقرب السموات إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم، والمصابيح السرج؛ سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ أي: بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك منافع أخر: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾ لأعدائكم: ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾. وعن محمد بن كعب: في السماء واللَّه ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة. والرجوم: جمع رجم: وهو مصدر سمي به ما يرجم به، ومعنى كونها مراجم للشياطين: أن الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها؛ لأنها قارَّةٌ في الفَلَك على حالها، وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص. وقيل: من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب، ومنهم من يخبله، وقيل: معناه

стр. 7220

وجعلناها ظنونًا ورجومًا بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون (١). الوجه الرابع: أصل الخلق شيء وطبيعة الملخلوق شيء آخر . الإنسان مخلوق من طين ومع ذلك لو أنه وقع عليه حجارة كبيرة من طين فإنها تؤدي إلى وفاته؛ مع أن تلك الحجارة مخلوقة من أصل ما خلق الإنسان منه، فلا نتعجب إذا وقع شهاب أو شواظ من نار على جان مخلوق من النار فتم إحراق هذا الجان بهذا الشهاب. ولا يخفي أن خلق الجان من نار لا يلزم منه أن أشكالهم وهيئاتهم كالنار، فالبشر خلقوا من تراب وليسوا كذلك في أشكالهم، ولكن يؤخذ منه أن في الجن صفات من صفات النار كالخفة واللطافة، مثلما للبشر من صفات التراب كالثقل والكثافة. قال الآلوسي: ولا يأبى تأثير الشهاب في كونهم مخلوقين من النار؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها (٢). قال الشبلي: قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه (الفنون): اعلم أن اللَّه تعالى أضاف الشياطين والجن إلى النار حسب ما أضاف الإنسان إلى التراب والطين والفخار، والمراد به في حق الإنسان أن أصله الطين، وليس الآدمي طينًا حقيقةً، ولكنه كان طينًا، كذلك الجان كان نارًا في الأصل؛ بدليل قول النبي ﷺ : "عرض لي الشيطان في صلاتي فخنقته حتى وجدت برد لعابه على يدي" ومَنْ يكون نارًا محرقةً كيف يكون لعابه أو ريقه باردًا أو له ريق أصلًا؟ ومما يدل على أن الجن ليسوا بباقين على عنصرهم الناري؛ قول النبي ﷺ : "إن عدو اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي"، وبيان الدلالة منه أنهم لو كانوا باقين على عنصرهم الناري لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما

стр. 7221

تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرد المس (١). وبهذا يعلم أنه كما يتأذى الإنسان من ضربه بالطين والحجر، مع أنه خلق من طين، فإن الجن يتأذون ويحترقون بالنار مع أنهم خلقوا منها. وفي الكتاب المقدس أن الشيطان يُحرق بالنار: فتقول المعارف الكتابية: (مصير الشيطان) يعلن لنا الكتاب النهاية الأكيدة للصراع بين الخير والشر، والمصير المحتوم للشيطان وملائكته، وقد رأى المسيح صورة لهذه الهزيمة النهائية في انتصار السبعين على قوات الشر (لو ١٠: ١٨) كما أكد المسيح أن النار الأبدية معدة (لإبليس وملائكته) (مت ٢٥: ٤١). ويخبرنا سفر الرؤيا عن الدينونة النهائية للشيطان، فعند مجيء المسيح في مجده سيطرح الشيطان في بئر الهاوية لمدة ألف سنة، تخلوالأرض فيها من خداعه وإغراءاته (رؤ ٢٠: ١ - ٣)، وفي نهاية الألف سنة يحل الشيطان من سجنه ويستأنف خداعه لسكان الأرض، وينجح في ذلك نجاحًا هائلًا، ولكن هذا التمرد الأخير سيقضي عليه بعمل إلهي، وسيطرح الشيطان في (بحيرة النار والكبريت حيث الوحش النبي الكذاب وسيعذبون نهارًا وليلًا إلى أبد الآبدين) (رؤ ٢٠: ٧ - ١٠)، وكل الذين خدعهم سيقاسمونه نفس المصير والعذاب (٢٠: ١٢ - ١٤). (لفظ إبليس = الشيطان). الوجه الخامس: الاختلاق في أمر الجن، ومم هو ؟ انقسم الناس في أمر الجن؛ فمن الناس من أنكره، ومنهم من أثبته، والمثبتون لوجود الجن، منهم من قال إنه روح، ومنهم من قال إنه جسم لكن ليس بجسم كثيف. قال الرازي: واعلم أنه لا بدَّ أولًا من البحث عن ماهية الجن والشياطين، فنقول: أطبق الكلُّ على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم، بل القول المحصل فيه قولان:

стр. 7222

الأول: أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة. والقول الثاني: أن كثيرًا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية، ثم هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية؛ وهي الملائكة المقربون؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ (الأنبياء: ١٩) ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام، وأشرفها حملة العرش؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ (الحاقة: ١٧). والمرتبة الثانية: الحافون حول العرش؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (الزمر: ٧٥). والمرتبة الثالثة: ملائكة الكرسي. والمرتبة الرابعة: ملائكة السموات طبقة طبقة. والمرتبة الخامسة: ملائكة كرة الأثير. والمرتبة السادسة: ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم. والمرتبة السابعة: ملائكة كرة الزمهرير. والمرتبة الثامنة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار. والمرتبة التاسعة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال. والمرتبة العاشرة: مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم. واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة، وهي المسماة بالصالحين من الجن، وقد تكون كدرة سفلية شرير شقية، وهي المسماة بالشياطين. وردًا على كلا القولين السابقين قال الرازي: وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية؛ فقالوا: الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار، وهذان المعنيان أعراض، فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض، والأشياء المختلفة بالماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم، فلم لا يجوز أن يقال: الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة، وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار؟ وإذا ثبت هذا فنقول: لِمَ لا يجوز أن يقال: أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها، قادرة

стр. 7223

على الأعمال الشاقة لذواتها، وهي غير قابلة للتفرق والتمزق؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة، ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها، والأجسام الكثيفة لا تفرقها، اليس الفلاسفةُ قالوا: إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد، وتخرج من الجانب الآخر؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها، وأنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها. وقال: بيان أن الجن مخلوق من النار، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ (الحجر: ٢٧)، وقال تعالى حاكيًا عن إبليس -لَعَنَهُ اللَّهُ- أنه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ (ص: ٧٦)، واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد، الا ترى أن الأطباء قالوا: المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح، وهما في غاية السخونة، وقال جالينوس: إني بقرت مرة بطن قرد فأدخلت يدي في بطنه، وأدخلت أصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة بل تزيد، ونقول: أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية، وقال بعضهم: الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة من الروحانيات. وقال: المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك، فإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضًا غير ممتنع قياسًا على النفس وغيره. الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) الثالث: قوله ﷺ : "إن الشيطان ليجري من

стр. 7224

ابن آدم مجرى الدم" (١). الوجه السادس: نزول الشهب أمر كوني، فهل كان موجودًا قبل الإسلام؟ وقد جاء في الشعر الجاهلي تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بانقضاض الكواكب . فإن نزول الشهب كثر في الإسلام، ومن قبل كان يقع نادرًا، أو يكون جعلها رجومًا ملازمًا لظهور الإسلام (لذلك قيل: إنه رجوم إسلامي) وفيما تقدم من الزمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك: ٥). قال الآلوسي: ورُوي عن الشعبي: من أنه لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي ﷺ فلما قذف بها جعل الناس يسيبون أنعامهم ويعتقون رقيقهم يظنون أنه القيامة فأتوا (عبد ياليل) الكاهن وقد عمي وأخبروه بذلك فقال: انظروا إن كانت النجوم المعروفة من السيارة والثوابت فهو قيام الساعة، وإلا فهو أمر حادث فنظروا فإذا هي غير معروفة فلم يمض زمن حتى أتى خبر النبي ﷺ . ووافق على عدم حدوثه قبلُ ابنُ الجوزي في المنتظم لكنه قال: إنه حدث بعد عشرين يومًا من مبعثه. والصحيح أن القذف كان قبل ميلاده ﵊، وهو كثير في أشعار الجاهلية إلا أنه يحتمل أنه لم يكن طاردًا للشياطين وأن يكون طاردًا لهم لكن لا بالكلية وأن يكون طاردًا لهم بالكلية، وعلى هذا لا يتأتى الاحتمال السابق، وعلى الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات يكون الحادث يوم الميلاد طردهم بذلك، وعلى الثاني طردهم بالكلية وتشديد الأمر عليهم لينحسم أمرهم وتخليطهم ويصح الوحي فتكون الحجة أقطع. والذي يترجح أنه كان قبل الميلاد طاردًا لكن لا بالكلية، فكان يوجد استراق على الندرة وشدد في بدء البعثة، وعليه يراد بخبر لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي ﷺ أنه لم يكثر القذف بها، وعلى هذا يخرج غيره إذا صح كالخبر المنقول في السير؛ أن إبليس كان

стр. 7225

يخترق السموات قبل عيسى ﵇، فلما بعث أو ولد حجب عن ثلاث سموات ولما ولد النبي ﷺ حجب عنها كلها وقذفت الشياطين بالنجوم. فقال قريش: قامت الساعة فقال عتبة بن ربيعة: انظروا إلى العيوق فإن كان رمي به فقد آن قيام الساعة وإلا فلا. وقال بعضهم: اتفق المحدثون على أنه كان قبل لكن كثر وشدد لما جاء الإسلام ولذا قال تعالى: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾ (الجن: ٨) ولم يقل حرست. وبالجملة لا جزم عندنا بأن ما يقع من الشهب في هذه الأعصار ونحوها رجوم للشياطين والجزم بذلك رجم بالغيب (١). قال القرطبي: في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث؟ أو بعده لأجل المبعث؟ على قولين، وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة الجن عن ابن عباس، وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث النبي ﷺ ثم رميت، أي: لم تكن ترمى رميًا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبًا، وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويَسْلَم واحد ولا يَسْلَم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل، فلما بعث النبي ﷺ زيد في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها؛ فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة.

стр. 7226

فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة فلم دام بعد النبي ﷺ ؟ فالجواب: أنه دام بدوام النبوة؛ فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة فقال: "ليس منا من تكهن" فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل؛ ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يُؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة؛ فصح أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي ﵇، وبعد أن توفاه اللَّه إلى كرامته ﷺ . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ وأي: دائم؛ عن مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: شديد. الكلبي، والسدي، وأبو صالح: موجع؛ أي الذي يصل وجعه إلى القلب؛ مأخوذ من الوصب وهو المرض. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير الوحي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٢)، فيسترق الواحد منهم شيئًا مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض؛ وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ، وروي في هذا الباب أحاديث صحاح مضمونها: أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء فتقعد للسمع واحدًا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي اللَّه تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيناه، فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع كما بيناه في (الأنعام)، فلما جاء اللَّه بالإسلام حرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع بَتَّةً، والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها؛ لأنها قريبة منا، وقد مضى في هذا الباب في سورة (الحجر) من البيان ما فيه كفاية، وذكرنا في (سبأ) حديث أبي هريرة؛ وفيه: (والشياطين بعضهم فوق بعض)،

стр. 7227

وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح. وفيه عن ابن عباس: (ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم في جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون) قال: هذا حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشيء بسرعة؛ يقال: خَطَفَ، وخَطِفَ، وخَطَّف، وخَطِّف، وخِطِّف، والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء؛ لأن حركة التاء ألقيت عليها، ومن كسرها فلالتقاء الساكنين، ومن كسر الطاء أتبع الكسرَ الكسرَ. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مضيء؛ قاله الضحاك، والحسن، وغيرهما. وقيل: المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ابن عباس في الشهب: تحرقهم من غير موت. وليست الشهب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت؛ يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها، وقد مضى هذا. وجمع شهاب: شهب، والقياس في القليل أشهبة وإن لم يُسمع من العرب، و ﴿ثَاقِبٌ﴾ معناه: مضيء؛ قاله الحسن، ومجاهد، وأبو مجلز، ومنه قوله: وزندك أثقب أزنادها، أي: أضوأ، وحكى الأخفش في الجمع: شُهُبٌ ثُقُبٌ وثواقب وثقاب، وحكى الكسائي: ثقبت النار تثقب ثقابةً وثقوبًا إذا اتقدت، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد؛ من قولهم: أثقب زندك أي: استوقد نارك؛ قال الأخفش؛ وأنشد قول الشاعر: بينما المرء شهاب ثاقب ... ضرب الدهر سناه فخمد (١) قلت: وهناك حديث يوضح ما قاله القرطبي: قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا بين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث؛ فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي

стр. 7228

حال بينكم وبين خبر السماء؟ فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له؛ فقالوا: هذا واللَّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾؛ فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن (١). الوجه السابع: الشيطان له طبيعة مادية . فمن قال بأن الشياطين روح، والشهاب مادة، وكيف تصرع المادة الروح؟ نقول له: ورد في الكتاب المقدس أن الشيطان: يتكلم، ويعترض، ويقف، ويشم، ويسقط، ويؤسر، ويضر، ويصرع، ويقتل؛ فكل هذه أفعال لا يتصور إلا أنها تتم من خلال جسم مادي (العرض)، ولا يتم بالروح فقط (الجوهر). فكما أنه لايستطيع الجسد أن يقوم بأعمال بدون روح فكذلك لا تستطيع الروح أن تقوم بأعمال بدون جسد، فإذا أثبتنا أن مخلوقًا ما يقوم بأعمال فلابد أن يشترط فيه الجسدية والروحية معًا، فالادعاء بأن الجن والشياطين أرواح مجردة ليس عليه دليل علمي ولا عقلي. ١ - الشيطان يغوي، ويقف ضد شعب كامل: ففي سفر أخبار الأيام الأول: (٢١: ١) (ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوي داود ليحصي إسرائيل). فكيف بروح تقف ضد شعب، فإذا قلنا بأن الشيطان روح شريرة مجردة عن الجسد، فالعقل يقول: إن الإنسان له ميزة عن الشيطان، فالإنسان روح وجسد، أما الشيطان روح مجردة -على قولكم-، فكيف بالروح المجردة تغلب الروح والجسد معًا؟ هل لأن الشيطان روحه قوية بدرجة لا تُتصور؟ مع أن روح المؤمن أقوى لأنها في معية اللَّه ورعايته! وحتى لو افترضنا أن روح الشيطان هي الأقوى؛ فلابد للشيطان من محل أو شيء يَحِل

стр. 7229

فيه، حتى يؤثر في العالم الخارجي، فإذا حلَّ في كلب مثلًا، كانت قوته مقيدة بما حلَّ فيه. ففي المعارف الكتابية: فإبليس محدود لا يوجد في كل مكان، ولكنه عن طريق أتباعه الكثيرين يمارس تأثيره في كل العالم. فإذا وصف الكتاب المقدس الشيطان بأنه روح شريرة؛ فلا يعني ذلك بأنه روح مجردة: ١ - لأن الجسد هو منقاد بالروح، فإذا كانت الروح خبيثة فإنها تهلك ويهلك الجسد بهلاكها، فهو تابع لها. ٢ - أو أنه أطلق الجزء وأراد الكل. وفي المعارف الكتابية: ويوصف إبليس بأنه (رئيس هذا العالم) (يو ١٢: ٣١)، والعالم الذي يحكمه هو النظام العالمي الراهن القائم على مباديء إبليس وأساليبه وأهدافه (٢ كو ٤: ٣ و ٤، أف ٢: ٢، كوا: ١٣، ١ يو ٢: ١٥ - ١٧). فجشع الأمم، وأطماعها الأنانية، والأساليب الدبلوماسية الماكرة في عالم السياسة، والبغضاء المرة، والمنافسة المريرة في عالم التجارة، والقيم الشريرة في المجتمع البشري؛ كل هذه من عمل الشيطان، (الروح الذي يعمل في أبناء المعصية) (أف ٢: ٢). وعبارة: (العالم كله وضع في الشرير) (١ يو ٥: ١٩) تعني: أن عالم البشر غير المتجددين، موضوع في قبضة إبليس ومستسلم تمامًا لسلطانه، وقد حصل إبليس على سلطانه على الجنس البشري بالدهاء. والاغتصاب، فبتحريضه الإنسان على الخطية -التي قصاصها الموت- حصل إبليس على (سلطان الموت)، ويستخدم الرهبة من الموت وسيلة للاحتفاظ بالناس تحت سيادته (عب ٢: ١٤ و ١٥). وعبارة أنه: (كان قتَّالًا للناس من البدء) (يو ٨: ٤٤) لا تعني أنه يستطيع أن يقتل حسبما يشاء، بل تعني أنه بسبب سقوط آدم وحواء، جلب الموت على الجنس البشري، وقد كسر المسيح بموته قوة الشيطان وأنقذ أسرى الشيطان (انظر رؤ ١: ١٨، ١٢: ٢٩). وفي التجربة في البرية استعرض إبليس أمام يسوع كل ممالك العالم؛ مؤكدًا بذلك أنها كلها قد دفعت ليده، وأن في إمكانه أن يعطيها لمن يشاء (لو ٤: ٥ و ٦). والجدير بالملاحظة

стр. 7230

أن يسوع لم يعترض على دعوى الشيطان بسيادته على هذا العالم، ولكن سيأتي الوقت، في نهاية الأزمنة، فيه يقبل (إنسان الخطية)، (الأثيم) هذا الملكوت من يد الشيطان (٢ تس ٢: ٣ - ٩، رؤ ١٣: ٤). وفي جهاد الشيطان لإثبات إرادته، فإنه يعمل بلا كلل لإحباط عمل اللَّه (أع ١٣: ١٠) وتتملكه رغبة عارمة في أن يكون موضع العبادة مثل اللَّه ، وقد بدت هذه الرغبة الطاغية في عرضه على المسيح أن يعطيه السلطة على كل ممالك العالم إن سجد له، وستتحقق للشيطان هذه الرغبة في أن يكون موضوع العبادة عن طريق (إنسان الخطية) (٢ تس ٢: ٩ - ١١ رؤ ١٣: ٤)، والدافع إلى الوثنية بانحرافها عن عبادة اللَّه الحقيقي، إنما هي قوى شيطانية (١ كو ١٠: ٢٠، مز ١٠٦: ٣٤ - ٣٨). ويشغل الشيطان مركز قوة وسيادة في العالم الروحى، فنقرأ في أيوب (١، ٢) أنه جاء وسط (بنى اللَّه) مع أنه بطبيعته الأدبية ليس واحدًا منهم، كان له أن يمثل في محضر اللَّه، وهو امتياز سيحرم منه في يوم قادم (رؤ ١٢: ٩)، وكان في مركز عظيم حتى إن ميخائيل رئيس الملائكة وجد فيه عدوًا جبارًا (فلم يجسر أن يورد حكم افتراء) (يهوذا ٩). ويكشف لنا العهد الجديد عن أن الشيطان يحكم مملكة الشر القوية بكل ذكاء وحنكة، فنرى الرب يسوع في دحضه للاتهام بأنه يخرج الشياطين بقوة، يبين سخف الاتهام لأنه يعني أن الشيطان قد (انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته؟ (مت ١٢: ٢٦)، فالشيطان لا يعمل بمفرده ولكنه يرأس مملكة منظمة جيدًا يقوم جنوده فيها بمسئولياتهم بتوجيه منه، فهو قائد هيئة ضخمة متضامنة من الكائنات الروحية هم (ملائكته) (مت ٢٥: ٤١، رؤ ١٢: ٧)، و (كرئيس سلطان الهواء) (أف ٢: ٢) يوجه بمهارة جيشًا منظمًا من الأرواح الشريرة في السماويات يأتمرون بأمره (أف ٦: ١٢). فالملائكة الساقطون الموالون للشيطان (رؤ ١٢: ٤ و ٧ و ٩) يحتفظون برتبهم وألقابهم ومراكزهم التي سمح لهم بها اللَّه. ومهما كان أصل الأرواح الشريرة (أي: الشياطين) فمن الواضح أنهم يخضعون في ولاء كامل لحكم الشيطان (مت ١٢: ٢٨ و ٢٩)، ونرى في سفر الأعمال (١٠: ٣٨) أن انطلاق

стр. 7231

القوى الشيطانية في أثناء خدمة الرب يسوع المسيح على الأرض، إنما كان بوحي من إبليس، ويعلن لنا سفر الرؤيا أنه في ختام هذا العصر وفي أيام الضيقة العظيمة ستنطلق القوى الشيطانية مرة أخرى بصورة رهيبة (رؤ ٩: ١ - ١١، ١٨: ٢) (لفظ إبليس = الشيطان). ٢ - الشيطان يتكلم مع الرب ويعترض عليه، فهل هناك روح مجردة تتكلم وتعترض . ففي سفر أيوب (١/ ١٢: ٦): وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللَّه لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. ٧ فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟ ". فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "مِنْ الجوَلَانِ فِي الأَرْضِ، وَمنَ التَّمَشِّي فِيهَا". ٨ فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللَّهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". ٩ فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبَ اللَّهَ؟ ١٠ أَليْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْل بَيْتِهِ وَحَوْل كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. ١١ وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ". ١٢ فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لَا تَمُدَّ يَدَكَ". ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ. ٤ - الشيطان يقوم واقفًا على اليمين، ألا يدل ذلك على أن له جسمًا ؟ وفي سفر زكريا (٣/ ٢: ١): وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلَاكِ الرَّبِّ، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. ٢ فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟ ". ٥ - الشياطين تكره رائحة الدخان المتصاعد من حرق قلب، فهل معنى ذلك أن لها أنفًا تشم به ؟ ففي الأسفار القانونية الثانية (٦: ٧): فأجابه الملاك قائلًا إذا القيت شيئًا من قلبه على الجمر فدخانه يطرد كل جنس من الشياطين في رجل كان أو امرأة بحيث لا يعود يقربهما أبدًا. وهذا النص يدل أيضًا على أن الشياطين قد تسكن داخل رجال ونساء، ونحن نعلم أن الإنسان بداخله روحه، فهل إذا دخل فيه الشيطان يكون بذلك قد اتحدتا روحان داخل جسده؟ فهل يعقل أن لإنسان روحين في جسد واحد.

стр. 7232

٦ - الشيطان يقتل سبعة أزواج وكذلك يصرع، فهل له يد يقتل بها ؟ ففي الأسفار القانونية الثانية: (١٤: ٦): فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عقد لها على سبعة أزواج فماتوا وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم. وفي لوقا: (٩: ٤٢): وبينما هو آت مزقه الشيطان وصرعه، فانتهر يسوع الروح النجس وشفي الصبي وسلمه إلى أبيه. ٧ - الشيطان يؤسر ويقيد، فهذا يدل أن له جسدًا ! ففي الأسفار القانونية الثانية: (٨: ٣) حينئذ قبض الملاك رافائيل على الشيطان وأوثقه في برية مصر العليا. وفي سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: (٢٠: ١): ورأيت ملاكًا نازلًا من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده. (٢٠: ٢): فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان وقيده ألف سنة. ٨ - الشيطان تسبب في إصابة رجل بالخرس، وربط ابنة إبراهيم؛ فله قدرة على الإضرار بالناس وكذلك يدخل في أجسادهم ! ففي متى: (٩: ٣٣): فلما أُخرج الشيطان تكلم الأخرس؛ فتعجب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في اسرائيل. (وانظر: لوقا ١١: ١٤). فلو كان الشيطان روحًا؛ فكيف يسيطر على جسد الأخرس وجسده مادة؛ فكذلك على قولهم: نقول: إن الشيطان كما تزعمون روح، وإن الشهاب وهو مادة: سيطر على الشيطان وأحرقه، كما حدث عكس هذا في أمر الأخرس. وفي لوقا: (١٣: ١٦): وهذه وهي ابنة إبراهيم قد ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت. فالشيطان له جرم ناري لطيف، ليس مثل جسم الإنسان؛ لذلك فهو يستطيع أن يتحرك بحركات أسرع، ويتشكل بتشكلات مختلفة، ويدخل إلى جسم الإنسان أو يخرج منه. فالشيء الروحي أنّى له ذلك؟ ! وفي (لوقا ٢٢: ٣): فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي وهو من جملة

стр. 7233

الاثني عشر. ٩ - الشيطان كالبرق سقط من السماء: ففي لوقا (١٠: ١٨): فقال لهم رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. قلت: فهذا يدل على أن الشيطان يُرى بالعين. ١٠ - الشيطان قد يفلى المقربين إلى المسيح، فهذا يدل على أن له أفعالًا: ففي لوقا: ٢٢: ٣١ وقال الرب: سمعان سمعان؛ هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. وفي يوحنا: ١٣: ٢ فحين كان العشاء وقد القى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطي أن يسلمه. (وانظر: يوحنا (١٣: ٢٧). فهل للشيطان قوة فوق قوة أتباع المسيح من قساوسة معصومين وغيرهم، فكيف بالرب يحذرهم من غربلة الشيطان لهم مع أن لهم قوة روحية طيبة تغلب قوة الروحية الشريرة الشيطانية، فهل يحذرهم من أذى الشيطان المادي أم الروحي؟ فإن قيل: إنه تحذير من الأذى الروحي! قلنا: إن أرواح أتباع المسيح الصادقين أقوى؛ في فائدة التحذير من الرب، وإن قيل: إنه تحذير من الأذى المادي فقد أثبتنا للشيطان قوة مادية. ففي المعارف الكتابية: المؤمنون والشيطان: إذ أنقذ المؤمنون من ملكوت الظلمة، أصبح لهم اليقين بالنصرة على كل جهود الشيطان الخبيثة، فلهم الوعد أن (إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلهم سريعًا) (رو ١٦: ٢٥)، ويجدون أمنهم وأمانهم في قوة المسيح التي تحفظم (رو ٨: ٣١ - ٣٩، ١ يو ٥: ١٨). ولقد جهز اللَّه المؤمنين بكل ما يلزم للنصرة على الشيطان، فالنصرة على كل هجمات الشيطان ممكنة لمن يلبسون (سلاح اللَّه الكامل) (أف ٦: ١٣ - ١٧)، كما أن لهم مسحة من الروح القدس وبها يميزون بين الصواب والخطأ (١ يو ٢: ٢٠ و ٢١ و ٢٦ و ٢٧). (لفظ

стр. 7234

إبليس = الشيطان). ١١ - الشيطان يتشكل في صور مختلفة: ففي رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس: ١١: ١٤ ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور. ١٢ - مسكن الشيطان وكرسيه. . . والسكن والجلوس لا يكون إلا بجسد ! وفي سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي ٢: ١٣ (أنا عارف أعمالك وأين تسكن؟ حيث كرسي الشيطان وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني حتى في الأيام التي فيها كان انتيباس شهيدي الأمين الذي قتل عندكم حيث الشيطان يسكن). فإن قيل أن هذا الكلام مجاز، قلنا: لا يخلو القول بالمجاز على وجود له شبه في الحقيقة، فلو قلنا: هذا الرجل كالأسد، فمما لا شك فيه أن الرجل له وجود في الحقيقة وكذلك الأسد، فكذلك يبين أن هذا النص يدل على أن للشيطان كرسيًا كما أن للإنسان أعمالًا، ولكن مسألة كون الأعمال تحت الكرسي؛ فقد يكون هذا هو المجاز. * * *

стр. 7235

١٤ - اختلاف البصمات نص الشبهة: في الآيات الخمس من سورة القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ (القيامة: ١ - ٤) وجه الاعتراض: قول علماء الإعجاز في الآية أنها تشير إلى البصمة الوراثية؛ وهذا من إعجاز القرآن العلمي، قالوا: ونحن لا نسلم بهذا، فما ذُكرت البنان إلا موافقة للسجع، وليس في الآية أدنى إعجاز. والرد من وجوه: الوجه الأول: في ظلال معنى الآية . الوجه الثاني: ذَكَرَ المفسرون في الآية قولين، والقول بالإعجاز العلمي في مسألة بصمة الإصبع يوافق أحدهما. الوجه الثالث: توضيح كيفية موافقة القول بالإعجاز العلمي لأحد قولي المفسرين. الوجه الرابع: توجيه القول الثاني من أقوال المفسرين. الوجه الخامس: توضيح أن قول المفسرين لا يتعارض مع العلم. الوجه السادس: إثبات أن عظم الإصبع هو المسئول عن تغير بصمة كل إنسان. الوجه السابع: هناك علاقة تلازمية بين عظم الإصبع والجلد الذي يكسو هذا العظم. الوجه الثامن: إعجاز القرآن في إشارته إلى البصمة والبنان. وإليك التفصيل؛ الوجه الأول: في ظلال معنى الآية. ١ - معنى: البنان . قال ابن منظور: والبَنان الأَصابع، وقيل: أَطرافها (١). ٢ - معنى: البصمة

стр. 7236

البصمة مشتقة من البُصم؛ وهو فوت ما بين طرف الخنصر إلى طرف البنصر، يُقال: ما فارَقْتُك شِبْرًا، ولا فِتْرًا، ولا عَتَبًا، ولا رَتَبًا، ولا بُصْمًا. وبَصَمَ بصمًا إذا ختم بطرف إصبعه، والبصمة أثر الختم بالإصبع (١). ٣ - وقد ارتضى المجمع الفقهي بمكة التعريف التالي للبصمة الوراثية: "البصمة الوراثية: هي البنية الجينية نسبة إلى الجنيات؛ أي: المورثات التي تدل على هوية كل إنسان بعينه" (٢). ٤ - فرضًا على قول من يقول: إن القرآن لم يذكر لا بصمات ولا جلد ولا أي شيء آخر غير العظام التي تتكون منها أطراف الأصابع والأصابع نفسها. نقول: البصمة عند الإطلاق تنصرف إلى بصمات الأصابع وهي الأثر التي تتركها الأصابع عند ملامستها الأشياء، وتكون أكثر وضوحًا في الأسطح الناعمة، فكما أن البعرة تدل على البعير فكذلك البصمة تدل على ملامح وصفات للبنان والإصبع، فإذا ذُكر المؤثر اكتُفي به عن ذكر الأثر، فيصح لك أن تقول: إن الشمس سبب في تغذية النبات وإمدادنا بالطاقة؛ مع أن أشعة الشمس هي التي فعلت ذلك، فقياسًا على ذلك يصح لك أن تقول: إن اختلاف أطراف الأصابع (البنان) من شخص لآخر سبب لمعرفة مرتكب جريمة ما، ونقصد بذلك اختلاف البصمات، مع أنه عدما تقدم العلم وأثبت أنواع من البصمات مختلفة ترى علماء الطب وغيره يخصصون كل بصمة عن أخرى فيقولون بصمة العين وبصمة السمع. فكلمة: بصمة كلمة عامة؛ فقد يقول قائل: إن أي إنسان لو سمع كلمة بصمة فهي ترد على بصمة الإصبع. قلت له: ولكن عندما يشتهر ذكر البصمات الأخرى حتى أنه في يوم ما قد تكون استخدام أجهزة لمعرفة بصمة العين أو غيرها هي الأصل فعندئذ إذا أردت أن تشير إلى بصمة الإصبع فعليك بعدم الاكتفاء بلفظ (بصمة) فقط. الوجه الثاني: ذكر المفسرون في الآية قولين، والقول بالإعجاز العلمي في مسألة

стр. 7237

بصمة الإصبع يوافق أحدهما. قال ابن الجوزي: في قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أنه فيه قولان: أحدهما: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كخُفّ البعير، وحافر الحمار، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة والخياطة، هذا قول الجمهور. والثاني: نقدر على أن نسوي بنانه كما كانت، وإن صغرت عظامها، ومن قدر على جمع صغار العظام، كان على جمع كبارها أقدر، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج (١). فهذان القولان معتبران، ولا يمكن الإنكار على أحدهما، فإذا وافق الإعجاز العلمي أحدهما فلا ننكر على مَنْ قال بالإعجاز العلمي في الآية ظنًا منا أنه يخالف القول الآخر. فقد وافق الإعجاز العلمي في إثبات البصمة الوراثية للقول الثاني. الوجه الثالث: توضيح كيفية موافقة القول بالإعجاز العلمي لأحد قولي المفسرين . ١ - كلا قولي المفسرين: فيه توضيح لطيف لبيان قدرة اللَّه في خلق بنان الإنسان واختلافه عن بنان الحيوان، والسؤال هو: لماذا اختص اللَّه بنان الإنسان بالذكر في هذه الآية ولم يختص أي عضو آخر من أعضاء الإنسان؟ أليس هذا لإثبات أن في البنان عجائب وأسرار. فليس بشرط أن يذكر اللَّه البصمة الوراثية مع ذكر البنان في الآية. قال الأستاذ زغلول النجار: ومن عادة القرآن الكريم أنه يشير إلى الحقائق الكونية بصياغة ضمنية يفهم منها أهل كل عصر معنًى محددًا تحكمه كمية المعارف المتاحة لأهل هذا العصر، وتظل هذه المعاني للآية الواحدة تتسع باتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهذا من أبلغ آيات الإعجاز العلمي في كتاب اللَّه. خذ مثلًا موضوع الجبال وحركتها ودلالة هذه الحركة على حركة الأرض كما وردت في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٨٨)

стр. 7238

فسر بعض الأقدمين هذه الآية على أنها تشير إلى الحركة التي تقع على الجبال يوم القيامة، بينما فسرها آخرون بأنها تتحرك الآن لكننا لا ندرك حركتها لضخامتها، حاليًا يمكننا تفسير الآية المذكورة على أنها تشير إلى الحركات التي تقوم بها الأرض حول نفسها وحول الشمس (١). ٢ - فإن قول قول ابن قتيبة والزجاج لتفسير الآية فيه توضيح الإعجاز في خلق بنان الإنسان. يقول النيسابوري: وإنما خص البنان؛ وهو الأنملة وجمعها (أنامل) بالذكر؛ لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على إتمام الإصبع وتمام الإصبع يدل على سائر الأعضاء التي هي أطرافها (٢). ٣ - وقد اختص اللَّه البنان بالتصريح والتوضيح لما فيه من صورة الخلق معجزة، لم يتوصل العلم الحديث إلى معرفة تفاصيلها إلا في القرن التاسع عشر، وقد كانت هذه الآية المعجزة سببًا في إسلام بعض العلماء بعد أن تأكدوا ما تحويه هذه الآية (الأنامل) من خصائص ومميزات، فالبنان (أو الأنملة) هو أطراف الأصابع وتدعمه عظمة صغيرة من العظام الغضروفية ولها شكل خاص، وهى الهيكل الأساسي للبنان، حيث يغطيها جلد خارجي تظهر فيه التضاريس أو الأخاديد التي تميز بخطوط معينة تسمى البصمة، وتترك هذه الخطوط والأخاديد في الإصبع آثارًا عند لمس أي شيء خصوصًا الأشياء الملساء. ٤ - والعلم الحديث يعلم ما فيها من خطوط البصمات التي لا يتشابه بها اثنان في العالم كله، حيث إنها تختلف من شخص لآخر لدرجة أنها لا تتشابه حتى في الإخوة التوائم، هذا بالرغم تشابه التوائم في كثير من الصفات والخصائص، لكنها تختلف في بصمات الأصابع. لقد كانت البصمة ولا تزال سرًا من أسرار عظمة اللَّه في خلقه، والبصمة هي تلك العلامة التي خلقها اللَّه في الإنسان والتي تميز كل إنسان عن غيره بما تحيط بها من خطوط تأخذ أشكالًا مختلفة على جلد أطراف الأصابع، وتبدأ البصمة في التكوين منذ الأسبوع

стр. 7239

السادس للحمل، وتنتهي تسويتها في الأسبوع التاسع عشر بطريقة لم يطلع العلماء على سرها حتى الآن برغم التقدم العلمي، وبالتالي فهي من أدق عمليات التخلق الجنيني، وهذه البصمة تبقى طوال حياة الإنسان حتى مماته لا تتغير ولا تتبدل، ومهما حاول الإنسان تغير هذه البصمة بإزالة الجلد أو كشطه، فإن هذه الطبقة تنمو مرة أخرى، وتتشكل بنفس الشكل الذي كانت عليه من قبل. وعن طريق البنان اكتشف علم جديد؛ هو علم تحقيق الشخصية في عصرنا الحالي، ولم يكن معروفًا في العصور السابقة مطلقًا، وهو أدق وأبدع شيء خلقه اللَّه في بناء جسم الإنسان تسوية البنان، بحيث إنه لا يمكن أن نجد بنانًا لأحد يشبه بنان آخر بحال من الأحوال، وعن طريق هذا البنان اكتشفوا كثيرًا من القضايا والحوادث الجنائية. قدرة اللَّه في خلقه وصلت إلى مرحلة خلق الإنسان بأحسن تقويم، وهو وجه الإنسان وصوته، لقد خلق اللَّه ملايين البشر واستطاع في هذه المساحة الصغيرة التي هي الوجه أن يتميز به كل إنسان. ٥ - وقد اهتم بدراسة البصمات الباحث الالماني ج. س. مايو عام ١٨٥٦ عندما أعلن أن الخطوط البارزة في بنان الإنسان تبقى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل منذ ولادته حتى وفاته، وكان الاستخدام العلمي للبصمات تم عام ١٨٥٢ م بواسطة الحاكم الإنجليزي (وليم هرتشل) عندما أمر بأن يطبع أشكال أكفهم في نهاية العقود حتى يضمن عدم إنكار أطراف التعاقد في المقاضاة. إلا أنه لم يكن تعريف البصمات معتبرًا حتى عام ١٨٨٠ عندما قامت المجلة العلمية (الطبيعة) بنشر مقالات لهنري فولدز، ووليم هوشل يشرحان فيها وحدانية وثبوت البصمات، ثم أثبتت ملاحظتهم على يد العالم الإنكليزي فرانسيس غالتون وجاء نظامه خدمة لمن جاء بعده من العلماء، إذ كان الأساس الذي ينبني عليه نظام تصنيف البصمات الذي طوره إدوارد هنري، وقد قام العالم غالتون عام ١٨٨٦ م بتقسيم البصمات إلى أربعة أنواع وأصدرها في كتابه (بصمات الأصابع) الذي يعتبر مرجعًا أساسيًا

стр. 7240

في علم البصمات، واعتمدته الحكومة البريطانية بعد ذلك في عام ١٩٠١ م، واعتمدت الأرجنتين كأول دولة في العالم نظام علم البصمات عام ١٨٩١ م، لقد وضع غالتون بصمة الأصابع في نظام معين يقضي على أن لكل بصمة ١٢ ميزة خاصة، وثبت أن من بين المليون من البصمات التي حصلت عليها شرطة لندن لم يعثر على بصمتين متشابهتين في أكثر من سبع مميزات من بين المميزات الإثنى عشر، وقد قدر غالتون أن هناك أقلّ من فرصة واحدة من ٦٤ مليار لوجود بصمة واحدة مطابقة للأخرى، وقد قام العلماء بعده بتصنيف البصمات إلى منحنيات وخطوط وثنيات. الوجه الرابع: توجيه القول الثاني من أقوال المفسرين . وهو القول الذي يفسر قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كخُفّ البعير وحافر الحمار. قال الرازي: وقد يكون المعنى: كنا قادرين على أن نجعل بنانه مع كفه مثل صفيحة مستوية لا شقوق (أخاديد) فيها كخف البعير، فلا يستطيع أن يؤدي الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرها من الأعمال التي يستعين الإنسان بأصابعه في القيام بها (١). توجيه هذا القول: ١ - وهذا فيه إشارة إلى علم التشريح؛ وذلك بأن اللَّه يدعو الإنسان لكي يتأمل في خلقه، وفي الفرق بينه وبين الحيوان، وهذا التأمل إما بالنظر أو بالتدقيق، فالنظر يكون بالعين المجردة، والتدقيق يكون عن طريق علم التشريح. فهناك اختلاف بيْن بنان الإنسان وبنان الحيوان في التركيب والتكوين، وإن كان هذا ظاهرًا للناس إلا أن هناك اختلافات دقيقة تتأتى من علم التشريح. ٢ - أي أن اللَّه قادر أن يحدث تشوه في بنانه أو تصلُّب فيها فتصبح شبيهة بأيدي أو أرجل الحيوان بالتشوه أو بالمسخ، والشبه لا يعني التساوي، بل قصد المفسرين أن يد

стр. 7241

الإنسان لو نزع منها خاصية الليونة في المفاصل ووجود أنامل إصبع؛ لانتفت قدرة اليد على الإمساك بالقلم والفأس بطلاقة، نعم هناك بعض القرود قد تفعل ذلك ولكن ليس بنفس طلاقة فعل الإنسان وقوة تحكمه. وفي هذا امتنان من اللَّه على الإنسان وتكريمه على باقي خلقه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠). إذًا هذا دليل على أن هناك حكم وأسرار في هذا البنان الذي هو لدى الإنسان ولا يدري ما فيه من تلك الحكم وتلك الأسرار، فهل هو شاكرٌ لهذه النعمة ومعترف بربه ذو الحكمة، أم أنه ينتظر أن تزول تلك النعمة منه في الدنيا بأن يمسخ أو في الآخرة بأن يُشوَّه. ٣ - يوم القيامة سيحدث فيه تغيير لخلقة المجرمين من البشر؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، أي: في أعدل خلق وفي أحسن صورة، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ أي: إلى النار، قاله الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، والمعنى: إنا نفعل هذا بكثير من الناس، تقول العرب: أنفق فلان ماله على فلان، أي لم ينفقه كله (١). فمن الناس يوم القيامة من سيكون مثل الذر. ٤ - هناك من البشر من تشبه يديه يد الحيوان وكذلك رجليه، وليس هذا ظاهرًا للناس، ولكن الإنسان عندما يُعرض عن الحق فكأنه يتشبه بالحيوانات التي لا تعلق، فلقد شبَّه اللَّه أذن الكافر بأذن الحيوان ليس ذلك لأنه يشبهها في الشكل الظاهري؛ ولكن لأنه لم يستفد من جعل أذنه تسمع الحق ليعمل به؛ قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ (البقرة: ١٧١). حتى إن العرب تقول جعد البنان: للبخيل.

стр. 7242

ولكن المؤمن المؤيَد من اللَّه يجعل اللَّه يده ورجله وسائر جوارحه متَّبعة للحق عاملة به، فتنشغل جوارحه بما أمره اللَّه به وأباحه له من الحلال، وذلك يوضحه الحديث القدسي: "فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا" (١). الوجه الخامس: توضيح أن قول المفسرين لا يتعارض مع العلم . قال الطبري: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ على أعظم من ذلك أن نسوي بنانه، وهي أصابع يديه ورجليه، فنجعلها شيئًا واحدًا كخفّ البعير، أو حافر الحمار، فكان لا يأخذ ما يأكل إلا بفيه كسائر البهائم، ولكنه فرق أصابع يديه يأخذ بها، ويتناول ويقبض إذا شاء ويبسط، فحسن خلقه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل (٢). توضيح أن هذا القول لا يتعارض مع العلم وذلك لما يأتى: ١ - إذا اختلفت عظام الأصابع وتحولت إلى أشياء أخرى غير ما عليها الإنسان الآن لاختلفت باقي وظائف الأصابع (عظم - لحم - جلد) اختلافًا كبيرًا. ٢ - تصبح هذه البصمات المميزة للإنسان لا يمكن معرفتها، ولا يمكن التفريق بين إنسان وآخر بها لماذا؟ لأن اليد ستصبح شيئًا واحدًا كما قال المفسرون المتقدمين. ٣ - اليد الواحدة ستصبح ملتصقة الأصابع ويتداخل اللحم بين الأصابع، فلا يمكن معرفة بصمة كل إصبع في اليد الواحدة، فضلًا على ذلك عدم إمكان معرفة البصمة المختلفة لكل إنسان عن الآخر. ٤ - هل خفّ البعير أو حافر الحمار لهما بصمات؟ وكأنه بطريقة ضمنية نستشف من كلام المفسرين أن بصمة الأصابع الخاصة بالإنسان تختلف تمامًا عما في الحيوان والطائر، فلو تحولت يد إنسان إلى يد حيوان (وذلك كما حدث في الأمم التي قد مسخت قردة

стр. 7243

وخنازير) فإن الإنسان يفقد الخصائص الوراثية المميزة لأصابعه. ٥ - يتضح من ذلك أن أقوال المفسرين لا يعارض العلم، بل يكشف لنا حقائق علمية ينبغي بحثها وهي: هل الحيوانات والطيور لهم بصمات متشابهة مع بصمات الإنسان؟ ٦ - هناك بصمات وراثية للنبات والحيوان والطير: فقد نجح علماء الجينات في مصر في السيطرة على أكثر من ٢٠ ألف أصل وراثي للنباتات والحيوانات والطيور الأمر الذي يبعد شبح الانقراض عن كثير من السلالات المصرية الأصيلة والنادرة، وقد تم إنشاء البنك من أجل الحفاظ عل هذه الثروات وذلك بجمع وحفظ المصادر الوراثية حتى لا تتعرض للاندثار، والبنك القومي للجينات في مصر من أهم البنوك في منطقة الشرق الأوسط نظرًا للرصيد الهائل الذي يمتلكه في فترة قليلة جدًا وفي البنك غرف لحفظ الأصول الوراثية من الانقراض، ولكن حتى لو ثبت أن لهم بصمات في يد ورجل الحيوان، أو في جناح الطائر فإن هذا مختلف تمامًا عن ما هو في الإنسان. ٧ - وكذلك يمكن القول بأن بصمة الرائحة هي الصفة المميزة التي يستخدمها الحيوان في حياته اليومية ليتعرف على أولاده وطعامه والمخاطر التي تحيط به. الوجه السادس: إثبات أن عظم الإصبع هو المسئول عن تغير بصمة كل إنسان . فللرد على الشبهة التي تقول: إن كون القرآن لم يذكر لا بصمات ولا جلد ولا أي شيء آخر غير العظام التي تتكون منها أطراف الأصابع والأصابع نفسها -والدليل على ذلك هو سبب نزول الآيات- إذن فالأمر يتعلق بالعظام لا غير! فنقول: على قول المفسرين الذين فسروا ﴿بَنَانَهُ﴾ أي: من البنان: وهي أطراف الأصابع أو الأصابع نفسها، فبالرغم من ذلك نقول: إن القرآن قد ذكر البصمات وجلد الأصابع ذكرًا ضمنيًا؛ وذلك للأدلة الآتية: ١ - فإنه عند تكون جسم الإنسان توجد العظام أولًا ثم يتكون اللحم والجلد فوقها؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا

стр. 7244

فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ (المؤمنون: ١٤). فالجلد بمنزلة الغطاء الذي يغطي كلًا من اللحم والعظم، فإذًا يكتسب الجلد خصائصه الوراثية وصفاته الحيوية من كل من اللحم والعظم فليس الجلد بمعزلٍ عنهما والجلد من بعض خصائصه البصمة الوراثية، فالجلد يشبه الغطاء الذي تُغطَّى به قطعة من الأرض، فإذا كانت تضاريس الأرض بها مرتفعات ومنخفضات أخذ الغطاء نفس شكل هذه التضاريس. ٢ - وكذلك عظم الإصبع هو أصل جلد الإصبع، فالأصل هو ما يبنى عليه غيره، فعظم الإصبع مثل جذع الشجرة والجلد المغطي له كالفروع والأوراق، فإذا كان الجذع سميكًا كثرت المحمَّلة عليه؛ وبالتالي كثرة الأوراق، وكذلك إذا تعرفنا على شكل الجذع وعلمنا أنه جذع نخلة مثلًا علمنا أنه يختلف عن جذع آخر كجذع شجرة البرتقال، وبالتالي تأكدنا أن بسبب اختلاف بين جذوع الشجر تختلف والأوراق، فكذلك لاختلاف تركيب المواد العضوية والأحماض النووية الموجودة في عظام الأصابع لشخص تختلف عن شخص آخر، لذلك اختلف الجلد المغطِي لهذه الأصابع من شخص إلى آخر، فلذلك لكل جلد له صفات خاصة به، والبصمة ما هي إلا عدة خطوط منحنية في شبه بيضاوي على باطن جلد بنان أطراف الأصابع. ولنتساءل: ما السبب الحقيقي وراء اختلاف البصمات ؟ فنقول: اختلاف البصمات لاختلاف تركيب المواد العضوية والأحماض النووية الموجودة في عظام الأصابع وفي باقي الجسم، إذًا ليست البصمة شيئًا مستقلًا بذاته؛ بل شيئًا مرتبطًا بباقي العمليات الحيوية التي تجرى في عظام الأصابع وفي اللحم المغطي لها. الوجه السابع: هناك علاقة تلازمية بين عظم الإصبع والجلد الذي يكسو هذا العظم . فإذا تم تكوين عظم الإصبع كانت الجينات المتواجدة في العظم واللحم هي المسئولة عن اختلاف بصمة كل إنسان عن الآخر، وليس الجلد المغطي للإصبع هو فقط المسئول عن تغير البصمة من إنسان لآخر، فحتى لو تم إزالة جلد الإصبع فعندما يتجدد ترجع نفس البصمة.

стр. 7245

الوجه الثامن: إعجاز القرآن في إشارته إلى البصمة والبنان . قال أ. د/ كارم غنيم: وإذا كانت هذه السورة القرآنية [سورة القيامة] تسوق بعض مظاهر القدرة الإلهية في معرض الرد على منكري البعث والقيامة فإنه اختص (البنان) بالتصريح والتوضيح لما فيه من صورة في الخلق معجزة، لم يتوصل العلماء إلى معرفة تفاصيلها إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أسلم البعض بعد معرفتهم هذه الإشارة العلمية المعجزة في القرآن الكريم؛ أي الإشارة إلى البنان (الأنملة) وما يحتوى من مكونات وخصائص ومميزات، نذكر أهمها فيما يلي: من الناحية التشريحية: فإن البنان طرف الإصبع، وتدعمه عظمة صغيرة من العظام الغضروفية لها شكل خاص، وتمثل الهيكل الأساسي للبنان، ويلتصق بها (من الناحية الخلفية) النسيج المبطن والمكون للأظافر، ويحيط بهذه العظمة الرقيقة نسيج لين مرن ناعم يمكنه من تحمل الصدمات والضربات، ويغطى هذا النسيج جلد خارجي، تظهر فيه "التضاريس" - البروزات [Ridges]، والأخاديد [Furrows]- التي تتميز بخطوط معينة تسمى "البصمة" [Finger Print]. وأما الظفر [Nail] فعبارة عن نسيج مختلف عن الأنسجة الصلبة والأنسجة شبه الصلبة في الجسم، وينمو من خلايا خاصة بجلد البنان، ويستمر نموه طول العمر، ولا نستطيع أن نصنفه ضمن العظام، ولا ضمن الغضاريف، ولا ضمن الجلد، ولا يجهل الجميع ما للظفر من فوائد عديدة سواءً جمالية أم دعامية أم عملية. ويتحرك البنان نتيجة وجود أربطة عضلية متصلة بعظمه تحركه في اتجاه واحد، وتمكنه من أداء حركة واحدة حول محور أفقي. . . ومن مميزات البنان أنه عند ملامسته للأشياء يشعر بدرجة حرارتها ويحدد شكلها ويتعرف على صلابتها، ويستمد البنان هذه القدرات الحسية [Sensory Capaility] من مجموعة ألياف عصبية [Neurofibriles] متباينة الأحجام والأشكال والوظائف، فبعضها قادر على استقبال أبسط المؤثرات [Stimuli] سواءً كانت هذه المؤثرات احتكاكًا، أم حرارة، أم ألمًا، أم ضغطًا، ومن هذه الألياف العصبية ما هو منفرد، ومنها ما هو كروي ملتف، ومنها ما هو مستطيل.

стр. 7246

وتتجمع هذه الألياف في الطبقة الرقيقة من جلد الأنملة. . .، وتشغل المراكز العصبية الدماغية التي تتحكم في حركة البنان مساحة كبيرة في الدماغ إذا قوبلت بمساحة بقية المراكز الدماغية التي تتحكم في حركة بقية الأعضاء. . .، وبالإضافة إلى الألياف العصبية توجد شبكة من الأوعية الدموية الدقيقة تقوم بإمداد البنان بالدفء والحيوية، وتصل شدة حساسية البنان إلى درجة تمييز وخز إبرتين قريبتين قربًا شديدًا والتفريق بينهما، وهو ما لا تستطيعه مناطق الجلد الأخرى. ومن حيث الوصف: فإنه بصمة الإصبع تتألف من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها خطوط منخفضة (أخاديد)، وكذلك الحال في داخل الكفين، وتترك هذه الخطوط طابعها الخاص على كل شيء تلمسه خصوصًا الأشياء الملساء، ويفيدها في هذا العرق [Sweat] الذي تفرزه هذه المنطقة، حيث تفتح فيها مسام عرقية، وتتكون هذه الخطوط البارزة والمنخفضة وتتفرع بطريقة تختلف من شخص لآخر، لدرجة أنها لا تتشابه حتى في الأخوة التوائم الذين يتخلقون من بيضة مخصبة واحدة [Fertilized Ovum] في المرأة، هذا برغم تشابه التوائم في كثير من الصفات والخصائص والسلوكيات. ويولد الطفل، وينمو، ويكبر؛ وتظل بصمته على شكلها دون تغيير طوال حياته وحتى مماته، دون أن يطرأ عليها أي تغيير، أما إذا أزيلت الأدمة [Dermis] (وهى الطبقة التي تلي بشرة الجلد [Epidermis] إلى الداخل) بعمل جروح فيها -لإخفاء معالم البصمة- فإن هذه الجروح عندما تلتئم تظل بآثار مميزة، ومن سوء حظ المجرمين الذين يجرحون أصابعهم لإخفاء بصماتهم أن هذه الآثار في حد ذاتها تعد دليل إضافي إلى بصماتهم! ! وقد تزول البصمة إذا أصيب الإنسان بمرض كالجذام الذي يؤدي إلى استواء الخطوط البارزة بالخطوط المنخفضة في هذه المناطق، وتزول كذلك بفعل وتأثير المواد الكيميائية التي تأكل طبقات الجلد، وخصوصًا إذا كان استعمالها متكررًا أو دائمًا، وأما إذا حاول المجرم أن يزيل بصمته أو يغيرها -لقطع الطريق على رجال العدالة والهرب من تحققهم بشخصه- بكشط الطبقة

стр. 7247

الخارجية لجلد أنامله، فإن هذه الطبقة تنمو مرة أخرى وتتشكل بنفس الشكل الذي كانت عليه من قبل. ذكرت السجلات أن اليونان القدامى عرفوا "البصمة"، واعتمدوها كعلامة مميزة للأفراد، كما عرف أهل الصين القدامى بصمة الإنسان أيضًا في القرن الثامن قبل الميلاد، وتوالت محاولات البشر لمعرفة تفاصيل البصمة إلى أن جاء بيركنجى [Z.Purkinge] - الأستاذ بجامعة برسلاو [Breslau] في بولندا- وبحث الموضوع جيدًا، ثم وضع تقسيم البصمات الذي يشتمل على تسعة أقسام (أو أنواع) رئيسية، وشرحها وكان هذا هو أول تصنيف للبصمات. وجاء من بعده الطبيب الإنجليزي فولدز [H.Faulds] - وكان يعمل في طوكيو عام ١٨٧٧ م- وابتدع طريقة أخذ البصمة بحبر المطابع، ثم أوصى في سنة ١٨٨٠ م بأخذ بصمات الأصابع العشر، وجاء جالتون [Galton] ووضع تقسيمًا مختصرًا للبصمات في سنة ١٨٨٦ م؛ وهو أربعة أقسام فقط هى: المنحدر إلى اليمين، المنحدر إلى اليسار، والمستدير، والمقوس. ثم أكد جالتون في عام ١٨٩٢ م أن البصمة تبقى في أصابع صاحبها طوال حياته دون تغيير. وإذا كانت البصمات تختلف من شخص لآخر حتى في الأسرة الواحدة وحتى فيما بين التوائم المتطابقة "الحقيقة" [True or Identical Twins]؛ فإنها تختلف أيضًا من إصبع لآخر في اليد الواحدة، وقد تظهر على الورق أو الأشياء الملساء في شكل أقواس [Archs]، أو خطوط حلزونية [Spirals]، أو دوائر [Circles]، وقد تكون البصمة الواحدة مركبة من هذه الأشكال جميعها. وقد تتأثر البصمة بمهنة صاحبها، أو بمعنى آخر تدل البصمة على مهنة صاحبها، كالترزي، والبناء، والذي يكوي الملابس، وصانع الأحذية، والحلاق، والنقاش، والكاتب. . . إلخ. وإضافة إلى استعمال البصمة كدليل جنائي في الطب الشرعي، ودوائر الأمن، وتعقب الجناة وتحديد الآثمين؛ فإنها تستعمل أيضًا في تحديد بعض الأمراض، أو على الأقل في تحديد القابلية للإصابة بأمراض معينة مثل: ضغط الدم الانقباضي [Systolic] الذي تدل

стр. 7248

عليه "البصمة الدوامة" [Whorl Print] التي تسمى أحيانًا "بصمة المغزلية"، وإضافة إلى هذا وذاك، فإن من العلماء من يستطيع تقدير عمر الشخص بتحديد مساحة بصمته، وبعدد الخطوط الموجودة في وحدة القياس المستعملة فيها (وهى نصف سنتميتر مربع). توصل العلماء -مع تقدم العلوم وابتكار الأجهزة- إلى تحديد أنواع أخرى من الأدلة التي تميز كل شخص وتفرق بينه وبين غيره، أي أنهم تعرفوا على أنواع أخرى من البصمات، ومنها: بصمة القدم، وبصمة الشفتين، وبصمة الأذنين، وبصمة الدم، وبصمة اللعاب، وبصمة الصوت، وبصمة الشعر، وبصمة رائحة العرق، وبصمة قزحية العين، والبصمة الوراثية [Genetic Fingerprint]، ولكن بصمة البنان تبقى سيدة هذه البصمات وأوضحها وأسهلها وأسرعها، لدرجة أن شركة سوني [Sony] اليابانية أنتجت جهازًا أسمته (FIU ٠٠١)، وطرحته للبيع في الأسواق بسعر (١٧٠٠ دولار) في سنة ١٩٩٧ م لتشخيص بصمات الأصابع بسرعة تبلغ ٨٠ من ألف من الثانية، وتخزين وحفظ بصمات ١٠٠ شخص تقريبًا. .! ويظل التحدي الإلهي للكافرين ومنكري البعث وإعادة الموتى أحياءً كما كانوا بالضبط في الدنيا. . . يظل هذا التحدي قائمًا، وهو ما صرحت به الآية الرابعة من سورة القيامة: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. . . تظل هذه الإشارة القرآنية المعجزة التي لم يتوصل العلماء إلى فك بعض أسرارها والوقوف على بعض تفاصيلها إلا في القرن العشرين الميلادي، وبالتالي خصها اللَّه بالذكر في هذا النص القرآني المجيد للتدليل (وخاصة للكافرين ومنكري البعث) على قدرته المطلقة على الخلق والإيجاد، وإعادة الموتى مهما بليت أجزاؤهم، وتناثرت أشلاؤهم، وتباعدت أعضاؤهم، وتآكلت أنسجتهم، وتحللت خلايا أجسامهم، وتحولت جثثهم إلى تراب؛ لأن اللَّه خلق من التراب، وأماتهم وأحالهم إلى تراب، وهو القادر على إحيائهم من التراب. . . إنه على كل شيء قدير (١). * * *

стр. 7249

١٥ - شبهة: معرفة الجنين . نص الشبهة: لقد حاول الطاعنون الإساءة إلى القرآن الكريم قائلين: إن العلم الحديث يمكنه معرفة الجنين قبل ولادته، فما هي المزية والإعجاز في قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: علم اللَّه لمثل هذه الأمور علم أزلي، وشتان بين علم اللَّه وعلمهم . وبيان ذلك في النقاط التالية: ١ - إن اللَّه تعالى يعلم ما تحمل كل أنثى قبل حملها، بل قبل جماعها، بل قبل خلقها، وكل ذلك بعلمه الأزلى كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ. فَقَالَ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ" (١). وصح أنه ﷺ قال: "كَتَبَ اللَّه مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ -قَالَ- وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ". (٢) فهل يمكن للعلم الحديث أن يأتي على فتاة في الخامسة من عمرها ويخبرنا عن هذه البنت هل ستحمل أم لا؟ فإذا قال تحمل، فليقل لنا بمن؟ وبكم؟ وفي أي وقت؟ فإن عجز فقد عجز، وهو لا يستطيع أن يعلم ذلك، لكن ربنا سبحانه كل شيء عنده بمقدار كما في الآية التي معنا، وهو الذي أحاط بكل شيء علما قبل وجوده وبعد وجوده. ٢ - إن اللَّه أخبر في هذه الآية عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل ومن كل إناث الحيوانات كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ

стр. 7250

الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤) (١). فهذه الوحوش الكاسرة والأسماك البحرية الكبيرة الفاتكة بما وصل إليها هل يستطيع البشر أن يحدد لنا الآن ما يحمل منها وما لا يحمل، وهذه الحشرات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة والتي لم يكتشفها العلم بعد وماذا تحمله إناثها؟ ! والجواب: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ وفي وقت واحد وآن واحد. ٣ - إن اللَّه يعلم ما تحمل كل أنثى من ذكر وأنثى (٢) منذ التلقيح، بل قبله إذا لقحت بماذا تلقح، فهل يستوي هذا بعلم من يعلمونه بعد الخلق والتكوين؛ ثم إننا نسألهم عما في بطن الحشرات التي لا ترى بالعين أهو ذكر أم أنثى! ٤ - وكذلك يعلم اللَّه تعالى أَحَسَنٌ هذا الحمل أم قبيح (٣)، طويل أم قصير، عظيم الخلقة أم حقير، وذلك على سبيل العلم لا على سبيل الظنون والاحتمالات. ٥ - إن اللَّه يعلم ما في الأرحام، وما تحمل كل أنثى، ومما يشمله العلم أشقيٌ هو أو سعيد (٤) غني أو فقير، عزيز أو ذليل، خادم أو مخدوم، ما هي مهنته؟ وما هي صنعته؟ فهل يمكن للعلم الحديث أن يقول لنا عما في بطن هذه المرأة أنه سيكون رئيسًا للعالم أم أنه سيكون شقيًا في السجون طيلة حياته؟ وهل سيرزق بأولاد أم أنه سيكون عقيمًا؟ وأولاده يعيشون أم يموتون؟ وهل يموتون قبله أم بعده؟ . . . إلخ. ثم انظر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ
следующие страницы →