← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والاستغفار فقد هدي لأحسن الشيم (١). الوجه الرابع: أليس قد عهد الله لآدم بأن يعود إلى الجنة هو وكل من اتبع هدى الله من ذريته ؟ وإذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٢). الفصل الثالث: كيف لا تكون توبة آدم مقبولة ؟ . الوجه الأول: ليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبة آدم . إن آدم ﵇ وإن كان أكل من الشجرة فقد تاب الله عليه واجتباه، قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبته وإنما قد يقول قائلهم: إنا لا نعلم أنه تاب، أو ليس عندنا توبته وعدم العلم بشيء ليس علمًا بعدمه وعدم وجود الشيء في كتاب من كتب الله لا ينفي أن يكون في كتاب آخر ففي التوراة ما ليس في الإنجيل وفيهما ما ليس في الزبور وفي الإنجيل والزبور ما ليس في التوراة وفي سائر النبوات ما لا يوجد في هذه الكتب والقرآن لو كان دون التوراة والإنجيل والزبور والنبوات أو كان مثلها لأمكن أن يكون فيه ما ليس فيها فكيف إذا كان أفضل وأشرف وفيه من العلم أعظم مما في التوراة والإنجيل وقد بين الله تعالى فضله عليهما في غير موضع كقوله تعالى: " ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ

стр. 772

عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. الوجه الثاني: كيف يجوز أن يكون رسل الله في حبس الشيطان في جهنم ؟ وسواء تاب آدم أو لم يتب فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافرًا ولم يؤاخذه الله بذنبه فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم مع أنه كان نبيًّا ونوح ﵇ قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأغرق الله أهل الأرض بدعوته وجعل ذريته هم الباقين فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان لأجل ذنب آدم (١). والمسلمون يثبتون بالدلائل الكثيرة أنهم بدلوا معاني التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من نبوات الأنبياء وابتدعوا شرعًا لم يأت به المسيح ولا غيره ولا يقول عاقل مثل زعمهم إن جميع بني آدم من الأنبياء والرسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح. فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم فكيف وهذا الكلام ليس منقولًا عندهم عن أحد من الأنبياء وإنما ينقلونه عمن ليس قوله حجة لازمة فإن كثيرا من دينهم مأخوذ عن رؤوسهم الذين ليسوا بأنبياء. فإذا قطعنا بكذب من ينقله عن الأنبياء فكيف إذا لم ينقله عنهم وذلك أن الأنبياء ﵈ يخبرون الناس بما تقصر عقولهم عن معرفته لا بما يعرفون أنه باطل ممتنع فيخبرونهم بمحيرات العقول لا محالات العقول (٢). الوجه الثالث: أليس الإنسان ضعيفًا ومُعَرَّض للخطأ، فماذا يفعل إذا أذنب ؟ وهكذا نلاحظ أن آدم قد ارتكب خطيئته وأخذ جزاءه وهو الخروج من الجَنَّة، ثم

стр. 773

أدرك خطأه فتاب إلى الله فقبل توبته واجتباه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿(١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، إذ انتهت الخطيئة على صاحبها، ولكن النصارى يدعون شيئين كليهما لا يمكن تسليمه إطلاقًا: الأول: أنَّ الخطيئة باقية لم تزل، وأن الله لم يغفرها لآدم. الثاني: أنَّ الخطيئة لم تقف عند حد آدم، بل انتقلت منه إلى جميع أبنائه، ومن هنا أصبحوا مخطئين بطبيعتهم. ونحن لا نسلم الأمر الأول؛ لأن الله قد تاب على آدم، وهو التواب الرحيم يفتح باب التوبة للإنسان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ليس مَلَكًا مجردًا من الشهوة، وإنما هو مركب من الخير، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ومن هنا كان من الممكن أن يسقط الإنسان في الخطأ بحكم طبيعته ومنطق العدل والرحمة يستلزم أن يفتح الله باب توبته لمن يتوب، ولكن النصارى لا يؤمنون بالتوبة كطريق إلى مغفرة الذنوب، ويقولون: ليست هناك توبة كاملة لأي مخلوق، وليس هناك إلا طريق واحد لمغفرة الذنوب، وهو أن يصلب الله نفسه على الصليب تكفيرًا عن خطايا البشر. وهم (أي النصارى) يزعمون أن الله لا يمكن أن يغفر الخطيئة بمجرد كلمة إلهية تصدر منه لأنه لا يقدر أن يكون غير عادل، والذي نود أن نفهمه من هؤلاء ما وجه معارضة غفران الخطايا للعدالة، وألا يتعارض هذا مع صفة الرحمة. الوجه الرابع: البرهان من التوراة والإنجيل على أن التوبة وحدها تكفي لغفران الذنوب، ولا حاجة للصلب . في الإنجيل الذي بين أيديكم أن الله صفح (وتاب على أهل نينوى عندما صاموا وقاموا)، ويقولون: إن الصوم والصلاة والصدقة والتوبة لا تجدي شيئًا لأنَّها طرق بشرية ولا بد في التوبة من وسيلة إلهية، وهي (صلب نفسه على الصليب) (١).

стр. 774

ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلَّا قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل وهو الذي يعرف بسفر الخليقة لقابيل الذي قتل هابيلًا، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله: "إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك" (التكوين ٤/ ٧: ٦)، وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهرًا له ومخلصًا، فلا حاجة إلى شيءآخر. وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة: "إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة" (التكوين ٤/ ١٥)، وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة. وقد قال الله تعالى في بعض النبوات: "لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون" (حزقيال ١٨/ ٢٠)، وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه: " ﴿إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤). وقد قال الله في المزمور الرابع: "يَا بَنِي الْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَارًا؟ حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟ سِلَاهْ. ٣ فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. ٤ اِرْتَعِدُوا وَلَا تُخْطِئُوا. تَكَلَّمُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَلَى مَضَاجِعِكُمْ وَاسْكُتُوا. سِلَاهْ. اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ." (مزمور ٤/ ٥: ٢)، فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك. وقال الله تعالى في المزمور الأوّل: "طُوَبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورة الأَشْرَارِ، وَفي طَرِيقِ الخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وِفي مَجْلِسِ المُسْتَهْزِئينَ لَمْ يَجْلِسْ. ٢ لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا." (مزمور ١/ ٢: ١)، فقد أخبر الله تعالى على لسان داود ﵇ أن الاشتغال بأسباب الخير ومفارقة أهل الشّرّ مخلص فلا حاجة إلى الخلاص بقتل المسيح وصلبه. وقال بولس - خطيب النصارى ومتكلمهم -: "أولا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ " (بولس ٢/ ٥: ٣). فإن كان لا بدّ من قتل المسيح لضرورة

стр. 775

خلاصهم فلا معنى لتوبة الله على عبده (١). الوجه الخامس: أليس من رحمة الله أن يفتح لعباده باب التوبة والغفران ؟ فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطًا عظيمًا فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلا، لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذَّنْبَ بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون ﵇ (٢). فما وقع فيه آدم ﵇ من مخالفته بأكله من الشجرة التي نهاه الله عنها، فقد نص القرآن أن الله ألقى في روع آدم ﵇ أن يتوسل إليه بكلمات ألهمه إياها ليتوب عليه فاستقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حتى تعلمها فتاب عليه، وأصبحت خطيئته كأن لم تكن لأن التوبة الصادقة تمحو الذَّنْبَ، وبالتالي فلا حاجة إلى تسلسل الخطيئة من ذرية آدم أو توارثها في الأجيال التي من بعده، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾، بذلك فتح الله للعصاة طريق التوبة إذا عصوا فيتوب عليهم كما تاب على أبيهم آدم بدون واسطة من الكهان أو الرهبان؛ لأنه سبحانه التواب الرحيم (٣). فالتوبة من الذَّنْبَ كفارة له، وهي من فضل الله على الخاطئين، فالتوبة تغسل الذَّنْبَ وتنقي القلب، فيكون الخاطئ التائب حبيبًا إلى الله، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته؟ لم يصرون على القصاص؟ ولِمَ يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه" بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"؟ (عبرانيين ٩/ ٢٢). الوجه السادس: أليست توبة الله على آدم موافقه للعقل والنقل ؟

стр. 776

لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها وقبول الله لها، فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة، ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي سفر حزقيال: "فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلًا فَحَيَاةً يَحْيَا. لَا يَمُوتُ. ٢٢ كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لَا تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا. ٢٣ هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ " (حزقيال ١٨/ ٢١ - ٢٣)، فالتوبة مقبولة عند الله كوسيلة للخلاص من الذَّنْبَ، ولا تتناقض مع قدر الله القاضي بالقصاص من العاصي، ولكن النصارى يقولون إن التوبة مهما كان شأنها ليست كافية للصفح عما مضى من خطايانا (١). فالتوبة هي الطريق إلى المغفرة والخلاص، فالتوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم قد تاب، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله جعله للخاطئين، فلمَ لا يقولون بأن آدم تاب وقُبلت توبته؟ ولم يصرون على القصاص الدموي؟ (٢). وذلك لأن في القول بالتوبة والأعمال الصالحة وسائل لتكفير الذنوب هدمٌ لأصل معتقدهم، والأساس الذي بُنيت عليه عقيدة الصلب هو خطيئة آدم ﵇ الموروثة منه إلى أبنائه عقيدة باطلة من أساسها؛ لأن آدم ﵇ عندما عصا ربه بالأكل من الشجرة المحرمة قد استغفر الله تعالى وتاب وأناب إليه، وقد قبل الله تعالى توبته، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في عدة آيات من الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (البقرة: ٣٥ - ٣٧). وقال تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا

стр. 777

عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (الأعراف ١٩: ٢٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه ١١٥: ١٢٢). الفصل الرابع: كيف يحمل الإنسان إثم ذنب لم يرتكبه؟ (الرد على وراثة الذَّنْبَ) الوجه الأول: هل يعقل أن تتوارث الخطيئة ؟ ولو فرضنا جدلًا أن آدم وحواء ﵉ لم يتوبا إلى الله ولم يستغفراه، فهل يُعقل أن تنتقل الخطيئة أو غيرها وراثيًا إلى أبنائهما من البشر، إنه قول يؤكد كل عقل سليم وكل فطرة سليمة على أنه ظاهر البطلان والفساد، وأنه لا يمكن أن يرث شخص خطيئة أبيه أو أمه أو أي فرد مهما كانت قرابته، فكلٌ مسؤول عما جنت يداه إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، وقد قرر القرآن الكريم المسؤولية الفردية في عدة آيات من الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة ٨: ٧)، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (فصلت: ٤٦)، وقال أيضًا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ (غافر: ١٧)، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء: ١٥). الوجه الثاني: أليس في ادعاء غضب الله على البشر بدون ذنب لم يرتكبوه وصفٌ له بالظلم ؟

стр. 778

النصارى يزعمون أن آدم لما أكل من الشجرة غضب الرب عليه وعاقبه وأن تلك العقوبة بقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح وصلب وأنه كانت الذرية في حبس إبليس، فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم في حبس إبليس حتى قالوا ذلك في الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وغيرهم، ومعلوم أن إبراهيم كان أبوه كافرًا ولم يؤاخذه الله بذنب أبيه، فكيف يؤاخذه بذنب آدم وهو أبوه الأبعد؟ ، هذا لو قدر أن آدم لم يتب فكيف وقد أخبر الله عنه بالتوبة؟ ثم يزعمون أن الصلب الذي هو من أعظم الذنوب والخطايا به خلص الله آدم وذريته من عذاب الجحيم وبه عاقب إبليس مع أن إبليس ما زال عاصيًا لله مستحقًا للعقاب من حين امتنع من السجود لآدم ووسوس لآدم إلى حين مبعث المسيح والرب قادر على عقوبته وبنو آدم لا عقوبة عليهم في ذنب أبيهم، فمن ثم أضحى قولهم مثل هذه الخرافات مضاحك العقلاء، والتي لا تصلح أن تضاف إلى أجهل الملوك وأظلمهم، فكيف يدعون مع هذ! أنهم يصفون الله بالعدل؟ . وإن قيل: إن عدل الرب ليس كعدل المخلوقين بل من عدله أن لا ينقص أحدًا من حسناته ولا يعاقبه إلا بذنبه لم يجز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم، ولم يجز أن يعاقب الأنبياء الذين ليس لهم ذنب إلا ذنبًا تابوا منه بذنب غيرهم، فإن الأنبياء معصومون أن يقروا على ذنب فكل من مات منهم مات وليس له ذنب يستحق عليه العقوبة فكيف يعاقبون بعد الموت بذنب أبيهم إن قدر أنه مات مصرًا على الذَّنْبَ؛ مع أن هذا تقدير باطل ولو قدر أن الأنبياء لهم خطايا يستحقون بها العقوبة بعد الموت وتسليط إبليس على عقوبتهم مع أن هذا تقدير باطل فمن بعد المسيح من غير الأنبياء أولى بذلك فكيف يجوز في العدل الذي يوجب التسوية بين المتماثلين عقوبة الأنبياء ومنع عقوبة من هو دونهم بل من هو من الكفار؟ (١). الوجه الثالث: أليس في تحميل البشر ذنبًا لم يرتكبوه ظلم لهم ؟ من العقائد المسيحية المرفوضة إسلاميًا، وذلك لأن الخطيئة كما يعتقدون بدأت بآدم، وأن آدم في خطيئته كان نائيًا عن كل نسله في الخطيئة، أي أن النسل الذين لم يكونوا قد

стр. 779

وُجدوا بعد قد أنابوا أباهم آدم ليخطيء بالنيابة عنهم، ومن ثَمَّ فإن كل إنسان فاسد بطبيعته وأيضا خاطيء وفاسد بأعماله، هذا هو جوهر الخطأ والباطل والظلم، واللامعقول الذي بُنيت عليه عقائد المسيحية كلها، ففيه مصادمة للعدالة الإلهية التي قضت، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ (النجم ٣٨: ٤١)، وقال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه ١٢١: ١٢٢). وهم يعتقدون أن آدم ﵇ عندما أخطأ قد ناب عن نسله في الخطيئة، وفي هذا الاعتقاد مصادمة للحقيقة التي تقول إن الإنسان يُولد على الفطرة والبراءة، كما تدَّعي هذه العقيدة - في الخطيئة - أن سبب كل هذا السقوط الجماعي والأبدي وكل هذه اللعنة إنما هو التطلع إلى شجرة المعرفة، وكل هذا التصوير الظالم لحال آدم وذريته واللعنة المؤبدة والموروثة لماذا؟ لكي يصبح فداء المسيح - بذبحه وصلبه - مبَررًا. ومن النصوص التي تكشف عن المنطق الظالم لهذه العقائد ما ينسبونه إلى الله تعالى عن ذلك من قوله (من عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل)، فأين هذا من العدل الإلهي القائل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١). الوجه الرابع: أليس منطق العقل يقضي بأن يتحمل كل إنسان نتيجة عمله ؟ القول بأن خطيئة آدم يتحملها كل أبنائه من بعده، فإن كتبهم المقدسة تنفي أن يتحمل الولد ذنب الوالد، ويرفض أن تزر وازرة وزر أخرى، فقد جاء في التوراة كتابهم المقدس (الابن لا يحمل إثم أبيه، والأب لا يحمل إثم الابن، وعدل العادل يكون عليه، ونفاق المنافق يكون عليه)، وهذا يتفق مع القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ

стр. 780

أُخْرَى﴾، وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾. ثم هذا هو منطق العقل أن يتحمل كل إنسان نتيجة عمله، حتى يقول الرسول ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئًا"، وهكذا يتبرأ الرسول ﷺ من أن يتحمل ذنب ابنته، فكيف يتحمل عيسى ﵇ كل خطايا البشر؟ وهل من العدل أن يُضار البشر كلهم جميعًا بسبب خطيئةٍ ارتكبها آدم؟ وكيف رضي الله أن يخلد موسى صفيه وإبراهيم خليله وسائر الأنبياء في النار بسبب خطيئة آدم؟ وما ذنبهم؟ وما أعجب إلا من قولهم: إن آدم هو النائب عنا فتعود خطاياه علينا، فبأي وجه حق؟ وما ذنبنا؟ هل هذا عدل؟ ولماذا كان عيسى وحده مسئولًا من بين كل البشر عن خطيئة آدم؟ ولماذا يتحملها وحده؟ والغريب أن عيسى عندهم متحمل لكل خطايا البشر، والإيمان والنجاة عندهم مختصرة في طريق واحد، وهو الاعتقاد بأن عيسى قد صُلب فداءً عن خطايا البشر. هذا هو طريق البراءة من النار والعودة إلى الجَنَّة، وهو طريق ما أسهله لو كان حقًّا" (١). الوجه الخامس: نصوص التوراة والإنجيل تقضي بأن يتحمل كل إنسان نتيجة عمله . ومما يبطل نظرية وراثة الذَّنْبَ أيضًا النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله، وقد تعاقَب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل، ومنها ما جاء في التوراة "لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته" (الأيام (٢) ٢٥/ ٤)، وأيضًا يقول المسيح: "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله" (متى ١٦/ ٢٧) (٢). وفي (حزقيال ١٨/ ٢٠): النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الابْنُ لَا يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لَا يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ)، وهذا ما

стр. 781

يقضي به القرآن الكريم دستور العدالة الإلهية في قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، وقوله تعال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. والمبدأ العام المُعترف به في الديانات جميعًا وفي القوانين الوضعية وعرف جميع الناس أنه لا يُورَّث عن الاباء والأجداد سوى ثرواتهم، أما جرائمهم فلا تُورَّث عنهم ولا تواخَذ بها ذرياتهم، ويعلل النصارى لتلك الفكرة المزعومة من أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم آدم (١). يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبناءه حاملي الإثم ووارثيه نوع من الظلم الذي لا تقره الشرائع باختلاف أنواعها، فإن كان آدم قد تاب من فعلته وتاب الله عليه، فقد انقطعت عنا خطيئته ولم تحط بنا معصيته، فقد تاب آدم وتاب الله عليه، فلِمَ تُحمل فوق كواهلنا خطيئته؟ (٢). الوجه السادس: أليس الهدف من توريث الخطيئة إيجادَ مبرر لصلب المسيح وذبحه ؟ إن الإسلام يستهجن مبدأ الخطيئة الأصلية وينظر إلى الأولاد على أنهم أبرار وأطهار منذ ولادتهم. وبشأن الخطيئة فالإسلام يقرر بأنها لا تورث. ولكنها شيء ما يكتسبه الإنسان بنفسه بعمل ما لا ينبغي أن يعمله ولا يعمل ما ينبغي أن يعمله. ومن المنطق أن يعتبر الإسلام مبدأ الخطيئة الأصلية ذروة في الظلم لإدانة كافة الجنس البشري لخطيئة اقترفت منذ آلاف السنين مضت بواسطة أبوينا الأولين، إن الخطيئة الأصلية التي تنادي بها المسيحية هي انتهاك عنيد لناموس الله أو لقانون الصواب والخطأ، ذلك لأن المسئولية والملامة باقتراف الخطيئة الأصلية ينبغي أن تقع فقط على الإنسان الذي اقترفها وليس على أولادهم (٣). الخطيئة كما يعتقدون بدأت بآدم، وأن آدم في خطيئته كان نائبًا عن كل نسله في الخطيئة،

стр. 782

أي أن النسل الذين لم يكونوا قد وُجدوا بعد قد أنابوا أباهم آدم ليخطئ بالنيابة عنهم، ومن ثَمَّ فإن كل إنسان فاسد بطبيعته وأيضًا خاطئ وفاسد بأعماله، هذا هو جوهر الخطأ والباطل والظلم واللامعقول الذي بُنيت عليه عقائد المسيحية كلها ففيه مصادمة للعدالة الإلهية، قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ (النجم ٣٨: ٤١)، وفيه تجاهل لتوبة آدم من معصيته، وقبول الله سبحانه لتوبته، والاعتقاد أن آدم ﵇ عندما أخطأ قد تاب عن نسله في الخطيئة، هذا القول مصادم للحقيقة التي تقول: إن الإنسان يُولد على الفطرة والبراءة، فكل هذا التصوير الظالم لحال آدم وذريته واللعنة المؤبدة والموروثة لماذا؟ لكي يصبح فداء المسيح - بذبحه وصلبه - مبررًا (١). الوجه السابع: الإسلام يقرر أن كل إنسان مُحاسب عن نفسه . فالإسلام لا يعرف الخطيئة الموروثة، ولا يعرف السقوط عن طبيعة إلى ما دونها، فلا يُحاسب أحد بذنب أبيه ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس مما يدين به المسلم أن يرتد النوع الإنساني ما دون طبيعته، ولكنه مما يؤمن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، وقوامه الحرية والتبعة، فهو بأمانة التكليف قابل للصمود إلى قمة الخليقة، وهو قابل للهبوط إلى أسفل سافلين، فهذا الإنسان من أحسن تكوين إلى أسفل سافلين، ولا يزال في الحالين إنسانًا مكلفًا قابلًا للنهوض بنفسه بعد العثرة قابلًا للتوبة بعد الخطيئة محاسبًا لما جنت يداه غير محاسبٍ لما جناه غيره، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾، وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٢). الفصل الخامس: كيف يكون في العفو عن المذنب تناقض بين العدل والرحمة الإلهية ؟ . الوجه الأول: بيان المقصود بالعدل، وبم تحقق العدل . قال أهل السنة والحديث ومن وافقهم: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه،

стр. 783

وهو سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة، وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة، ويضعها بوضعها لما في ذلك من الحكمة ولا يعاقب أهل البر والتقوى، وهذا قول أهل اللغة قاطبةً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ قال المفسرون من السلف والخلف قاطبةً إن الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم هو أن ينقص من حسنات العامل (١). فإن من عدل الرب أن لا ينقص أحدًا من حسناته ولا يعاقبه إلا بذنبه لم يجز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم ولم يجز أن يعاقب الأنبياء الذين ليس لهم ذنب إلا ذنبًا تابوا منه بذنب غيرهم فإن الأنبياء معصومون أن يقروا على ذنب فكل من مات منهم مات وليس له ذنب يستحق عليه العقوبة فكيف يعاقبون بعد الموت بذنب أبيهم؟ إن قدر أنه مات مصرًا على الذَّنْبَ مع أن هذا تقدير باطل (٢). والعدل إذا كان مصدرًا فمعناه خلاف الجور (الظلم) وهو ما قام بالنفوس أنه مستقيم، وقال الراغب: الظلم هو الانحراف عن العدل، ولذلك حد بأنه وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به (٣). والنصارى يظنون أن العدل معناه وجوب معاقبة المذنب على ذنبه، والحق أن العدل معناه المساواة، فإذا ساوى الله تعالى بين جميع عباده في معاملته معهم بأن غفر مثلًا لجميع المذنبين وزاد في مقابلة ذلك في أجر المحسنين فهو لا شك عادل لغةً وعرفًا وعقلًا، وكذلك إذا وفَّى كل مخلوق حقه تمامًا بلا نقص في الأجر ولا زيادة في العقاب عما يستحقه كل شخص، ولا

стр. 784

ينافي العدل بعد ذلك أن يزيد في الثواب أو ينقص من العقاب بمقتضى فضله ورحمته، فإذا أُريد بالعدل والمساواة في أصل الخلق وكل ما يلزمه، فهذا قطعًا غير موجود، وإن أُريد به المساواة في مجازاة العاملين بما يستحقونه في الظاهر - بلا مراعاة ولا محاباة فهذا حق، وهو صفة من صفاته تعالى، فإنه كما يسميه المسلمون الحكم العدل لجميع مخلوقاته (١). الوجه الثاني: ما الذي جعل الإله في مأزق بين العدل والرحمة ؟ يقولون إن الله أراد برحمته أن يخلص الأرض من اللعنة التي أصابتها بسبب معصية آدم، لكن عدله يأبى إلا أن يعاقب أصحاب الذَّنْبَ، فكيف المخرج للتوفيق بين العدل والرحمة، فمن أين علموا أن معصية آدم كانت لعنة أصابت الأرض بمن عليها، وما ذنب الأرض والمعصية قد فعلها آدم في الجَنَّة في السماء، وليست على الأرض؟ ومن الغريب أنهم بعد أن وضعوا الإله الأب في مأزق من صنع أيديهم راحوا يخترعون له مخرجًا يخرج منه بأقلامهم وألسنتهم (٢). قولهم: (إن صلب المسيح كان لا بد منه للتوفيق بين العدل والرحمة التي تنتج عن خطية آدم بالأكل من الشجرة والتي ترتب عليها الانفصال بين البشر والإله والحكم عليهم بالموت ففداهم المسيح الإله وصُلب كفارةً عن خطايا البشر). وللرد على ذلك نقول: لا يمكن أن يَقبل هذه القصة (صلب المسيح كما يزعمون) من يؤمن بالدليل العقلي أن خالق العالم لا بد أن يكون بكل شيء عليمًا، وفي كل صنعه حكيمًا؛ لأنَّها تستلزم الجهل والبداء على الباري ، كأنه حين خلق آدم ما كان يعلم ما يكون عليه أمره، وحين عصاه ما كان يعلم ما يقتضيه العدل والرحمة في شأنه حتى اهتدى إلى ذلك بعد ألوف السنين مرت على خلقه، كان فيها حائرًا كيف يُجمع بين الصفتين من صفاته وواقعًا في ورطة التناقض بينهما، ولكن قد يقبلها من يشترط الدين عندهم أن لا يتفق مع العقل.

стр. 785

يلزم من هذه القصة شيء أعظم من عجز الخالق عن اتهام مراده بالجمع بين العدل والرحمة، وهو انتفاء كل من العدل والرحمة في صلب المسيح؛ لأنه عذبه من حيث هو بشر وهو لا يستحق العذاب لأنه لم يذنب قط، فتعذيبه بالصلب والطعن بالحراب على ما زعموا لا يصدر من عادل ولا رحيم بالأحرى. فكيف يعقل أن يكون الخالق غير عادل ولا رحيم؟ أو أن يكون عادلًا رحيمًا فيخلق خلقا يوقعه في ورطة الوقوع في انتفاء إحدى هاتين الصفتين، فيحاول الجمع بينهما فيفقدهما معًا؟ . فما رأينا أحدًا من العقلاء ولا من علماء الشرائع والقوانين يقول: إن عفو الإنسان عمن يذنب إليه، أو عفو السيد عن عبده الذي يعصيه ينافي العدل والكمال، بل يعدون العفو من أعظم الفضائل، ونرى المؤمنين بالله من الأمم المختلفة يصفونه بالعفو ويقولون: إنه أهل للمغفرة، فدعوى الصليبيين أن العفو والمغفرة مما ينافى العدل مردودة غير مسلمة (١). الوجه الثالث: ما هو الأليق بجلال الله: أن يعفو عن المذنب، أم يصلب الإله نفسه فداءً له ؟ فالله فتح باب التوبة للإنسان لأنه يعلم أن الإنسان ليس ملكًا مجردًا من الشهوة، وإنما هو مركب من الخير والشر، ومنطق العدل يستلزم أن يفتح باب توبته لمن يتوب، ولكن النصارى لا يؤمنون بالتوبة كطريق إلى مغفرة الذنوب، ويقولون ليست هناك توبة كاملة لأي مخلوق، وأن الأعمال الصالحة كالتوبة لا تجدي شيئًا لأنَّها طرق بشرية، ولا بد من غفران الذنوب من وسيلة إلهية (وهي صلب المسيح الإله نفسه على الصليب) (٢). وإذا كان الأب عادلًا فكيف يعاقب الذرية من آدم إلى المسيح بالبعد عن رحمته وما ذنب الأبناء في إثم ارتكبه أبوهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وإذا كان الله محبة لمَ ترك بني آدم في هذه الفترة الطويلة من غير أن يغفر لهم، وإذا كان قد حرمهم هذه

стр. 786

المدة الطويلة من رحمته فما الجدوى إذًا من بعث الرسل قبل المسيح ﵈ ليبينوا لهم طريق الهدى من طريق الضلال. إذا كان المسيح ابن الله فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان يلاقي الابن الوحيد ألوان التعذيب والسخرية ثم الصلب مع دق المسامير في بدنه، من هذا الذي قيَّد الله وجعل عليه أن يلزم العدل وأن يلزم الرحمة وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما؟ (١). الوجه الرابع: أنَّ دعوى أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة فيها تجريد للإله من الرحمة . وإن كان لابد من سفك الدم فهي دعوى لا دليل لكم عليها، ولم يكن موت المسيح بسفك دمه وذبحه، ولِمَ لم يزل عن الإنسان ذلك القصاص بعد الصلب؟ ، وإذا كان الله لا يكتفي بما حل ويحل بالإنسان في هذه الحياة من المصائب والبلايا والموت والقتل وغيره ويصر على الانتقام منه في شخص أحد أفراد هذا النوع (المسيح) الذي حمله من أنواع الإهانات والفظائع ما جعله يستغيث به، فلم يغثه ولم يرحمه (لوقا ٣٩/ ٢٢: ٤٦)، (رومية ٨/ ٣٢)، مع أنه اتخذه له ابنًا وحلّ فيه. وإذا كان أيضًا لا يكتفي بحلول روح القدس في الناس لتطهيرهم ولتوبتهم واستقامتهم ولا باستشهاد كثير منهم في سبيله إلا بعد سفك دم عيسى ولحب الضحايا البشرية من قديم الزمان وبتفضيلها من مقربيها (قضاة ١١/ ٢٩: ٤٠)، وبأمر أنبيائه وأتباعهم بسفك دم ما لا يحصى من الحيوانات (مل ٨/ ٦٢: ٦٣)، وقتل ما لا يُعد من البشر (التثنية ٢٠/ ١٦)، ورائحة المحرقات (لاويين ١/ ١٧)، وإذا كانت كل هذه صفات إلههم فهو مجرد من كل رحمة وشفقة وحنان وعدو للإنسان والحيوان، حتى أنه ندم على خلقه للإنسان (التكوين ٦/ ٦) لشدة غيظه منه وبغضه له وخوفه منه (التكوين ٣/ ٢٢) (التكوين ١١/ ٦)، فكيف يمكن للإنسان أن يحبه بعد ذلك كله؟ ، مع أن الله وهو أقدر منا طبعًا لم يحب الإنسان ولم يرحم إلا بعض أفراد هذا النوع بعد أن شبع ورُوي من الدماء التي تملأ الأنهار، فهل يا قوم هذه العقيدة هي التي تدعون

стр. 787

أنَّها الطريقة الوحيدة لإظهار محبة الله للإنسان؟ وهل هذا إله محب كما يسميه يوحنا؟ (يوحنا ٤/ ١٦)، وهل كل هذه الأشياء التي صدرت منه ضد الإنسان تحملنا على حبنا له، ولا طريقة تحملنا على حبه غيرها؟ إن هذا لشيء عجيب (١). الوجه الخامس: أليس حال المسيح عند الصلب ينفي أنه رضي بالصلب المزعوم ؟ يدَّعي النصارى أن صلب المسيح وقتله كان لتحقيق العدل والرحمة، وأي عدل وأي رحمة في تعذيب شخص غير مذنب وصلبه، فإن قالوا إنه قبل ذلك تجد ما ورد بأسفارهم عكس هذا القول، فقد جاء في إنجيل (متى ٢٧/ ٤٦): (وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: "إِيلي، إِيلي، لِما شَبَقْتَنِي؟ " أَيْ: إِلهِي، إِلِهي، لمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ )، كما ورد في إنجيل (مرقص ١٥/ ٣٤). وإذا كان المسيح ابن الله - كما يزعمون - فأين كانت عاطفة الأبوة وأين الرحمة حينما كان هذا الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب والسخرية؟ ويرى المسلمون في هذا الفكر النصراني انحرافًا وتجافيًا عن المعقول والمنقول، فإن فيه إساءة الأدب مع الله وكفرًا به كان ينبغي أن ينزهه النصارى عنه، إذ كيف يُقبل عقلًا ودينًا القول بتناقض العدل الإلهي مع الرحمة الإلهية قرونًا متطاولة من غير أن يهتدي الرب - تعالى عن ذلك - إلى سبيل التوفيق بين صفاته المتناقض، وأخيرًا جاء الحل الدموي بصلب المسيح البريء رحمةً من رب العالمين؟ (٢). ويشبه النصارى إلههم وقتذاك بصورة مستقذرة، بصورة المرابي وهو يريد عوضًا على كل شيء، ونسي هؤلاء أن الله حين يعاقب لا يعاقب للمعاوضة أو لإرضاء نفسه أو للانتقام، بل لكبح الشر وتطهير النفس من درن الذَّنْبَ (٣). الوجه السادس: أليس في الإقرار بعقيدة الفداء دعوى للتحلل والشرور ؟

стр. 788

إذا كان الفداء عامًا لكل البشر ولكل الخطايا، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملئون الأرض بالفساد، وتكون عقيدة الفداء دعوة للتحلل والفساد باسم الدين، ثم القول بالفداء للجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كفرعون وقارون واليهود الذين تآمروا على المسيح (١). إذا كان كل من يقول بهذه العقيدة أو القضية ينجو من عذاب الآخرة كيفما كانت أخلاقه وأعماله لزم من ذلك أن يكون أهلها إباحيين، وأن يكون الشرير الذي يعتدي على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم ويفسدون في الأرض ويهلك الحرث والنسل من أهل الملكوت الأعلى لا يُعذَّب على شروره وخطيئاته، ولا يُجازى عليها بشيء، فله أن يفعل في هذه الدنيا ما شاء هواه وهو آمن من عذاب الله، وإذا كان يُعذب على شروره وخطيئاته كغيره من الصليبيين فما هي فرية هذه العقيدة؟ وإذا كان امتياز عند الله في نفس الجزاء فأين العدل الإلهي؟ (٢). فهم يزعمون أن المسيح اختار الصلب ليتحمل خطايا البشر، فمن آمن فقد تطهر من جميع الذنوب والآثام، وإن ارتكب الفواحش والمنكرات فالإيمان بالمسيح وحده كافٍ للنجاة ولا حاجة إلى العمل في الحصول على النجاة (٣). الفصل السادس: هل لا يغفر الإله للبشر إلا بعد الحصول على ثمن منهم ؟ وفيه وجوه: الوجه الأول: هل الله يحتاج إلى العوض حتى يغفر الذَّنْبَ ؟ فإن كلّ ما نزل بالمسيح من ضربٍ وإذلالٍ وصلبٍ وموتٍ إنما هو فداء وقضاء عن آدم، ضرب عوضًا من رفاهية آدم، وأهين بدلًا من عزّه الذي أمله بالخلود في الجَنَّة، وذلك رحمة من الله ولطف لآدم وبنيه وإظهار الشرف للمسيح، إذ جعله كبش قربان العالم بأسره (٤). من هنا وضع النصارى للفدية شروطًا كلها لا تنطبق إلا على عيسى ﵇ وحده،

стр. 789

وبذلك يبرروا صلبه، وأن المسيح ﵇ إنما هو الإله كما يزعمون الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة، فكان أداة خلاصنا (١). الوجه الثاني: بطلان الزعم بأن المسيح وحده الفادي لأنه المبرَّأ من كل ذنب . إن شرط النصارى في براءة الفادي من الذَّنْبَ لم يتحقق حتى في عيسى ابن مريم رغم أنه وُضع له، فيسوع عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي (المسيح) وهم يقولون بالصلب فإن أحدًا منهم لا يقول بصلب الإله (المسيح) ولكن بصلب الناسوت (يسوع) وناسوت المسيح جاءه من مريم هي أيضًا حاملة للخطيئة، فالمسيح يجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثةً لا يصلح أن يكون فاديًا، فإن زعموا أن مريم قد تطهرت من خطيئتها بوسيلة ما من غير حاجة للفداء، فلِمَ لا يطهر جميع الناس بهذه الوسيلة؟ . فالنصارى يرون نوع البشر مذنب بصورة فظيعة، ويستحق الهلاك الأبدي، والله لا يخلص أحدًا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع، والشفيع لا بد أن يكون إلهًا تامًا وبشرًا تامًا، ويرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرًا من خطيئة آدم، ويرون أنه كذلك وُلد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه، وسؤالنا لهم ألم يأخذ عيسى نصيبًا من الخطيئة عن طريق أمه؟ ، وهم يجيبون عن ذلك بأن الله قد طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الله الابن رحمها، والسؤال إذا كان الله يستطيع هكذا في سهولة ويسر أن يطهر بعض خلقه من الخطيئة فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر، وبدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب؟ (٢). القول بأن جميع البشر مذنبون منذ آدم إلى المسيح وما بعده افتراء يرده كتابهم المقدس حين يصف يحيى نبي الله وهابيل بن آدم ودانيال نبي الله وزكريا نبي الله وزوجته بأنهم كانوا من المعصومين، وأنهم لم يقترفوا شيئًا من الذنوب (٣).

стр. 790

الوجه الثالث: هل يقبل العقل فكرة الاستعاضة التي يقوم عليها اعتقادكم ؟ تنقسم عقيدة الفداء إلى ثلاثة أقسام: ١ - الخطيئة الأصلية. ٢ - الإيمان بأن عدالة الله تتطلب بأن يكون القصاص بسفك دم ثمنًا للخطيئة. ٣ - الإيمان بأن يسوع المسيح قد دفع الثمن عن خطايا الناس بموته على الصليب، وهذا هو الخلاص الوحيد لأولئك الذين يؤمنون بكونه ذبيحة عوضًا عنهم. إن مبدأ توريث الخطيئة لا تجد له سندًا في كلمات يسوع المسيح ولا كلمات الأنبياء الذين جاءوا قبله، لقد علموا أن كل إنسان مسئول عن أعماله الشخصية. والإسلام يقرر أن الخطيئة لا تُورث، وأن المسئولية والملامة باقتراف الخطيئة الأصلية ينبغي أن تقع فقط على الذي اقترفها وليس على أولاده. ثانيًا: أنَّ غفران الخطيئة للخاطئ بعد القصاص منه أو القصاص من إنسان نيابةً عنه ليس بالغفران على الإطلاق أن الله يقدر ويقضي بالمغفرة لأولئك الذين يبدو صلاحهم حقًّا، وأولئك الذين تنحوا كليةً عن خطاياهم، وتلك القدرة ليست ضد العدالة، وفي الواقع هذا هو الغفران الحقيقي وحده. ثالثًا: إن تطلَّب الدم ثمنًا لمغفرة خطايا الناس ومعاقبة إنسان بريء لم يقترف إثمًا من أجل خطايا الآخرين، سواء كان السلف راغبًا أم لا، إن هذا هو ذروة الظلم وفيه إنكار لرحمة الله ودحض لعدالته. إن فكرة الاستعاضة أو الذبيحة (الضحية) العويصة غير معقولة ولا معنى لها بل هي ظالمة، ونحن لا نجد ارتباطًا بين الخطيئة والدم، وأن تطهير الإنسان من الخطيئة يكون بالتوبة الصادقة وتأنيب الضمير والمثابرة على الجهاد ضد الميول الشريرة، ولذلك تبين أن عقيدة الكفارة مختلة للأسباب التالية: ١ - أن الإنسان لم يولد بالخطيئة. ٢ - أن الله لم يطلب ثمنًا لمغفرة الخطايا.

стр. 791

٣ - أن فكرة الذبيحة العويصة ظالمة وقاسية. ٤ - أن خطيئة الإنسان لا تؤذي الله، بل تؤذي الإنسان نفسه (١). الفصل السابع: هل يعقل أن يتجسد الإله فيصبح إنسانًا ثم يُصلب ويموت من أجل غفران خطايا بن آدم ؟ . الوجه الأول: كيف حال الوجود والإله في اللحود؟ ومن دبَّر شئون الخلق في غيابه ؟ نقول للنصارى: قد زعمتم أن المسيح هو إله العباد وخالقهم وبارئهم ورازقهم وآمرهم وناهيهم ومدبِّرهم في جميع أحوالهم وحافظهم إلى منتهى آجالهم، ثم زعمتم مع ذلك أن اليهود عدوا عليه فأخذوه قهرًا وسحبوه قسرًا بعد أن هرب واختفى، وإنما دَلَّ عليه بعض أصحابه، فلما ظفروا به أهانوه وبذلوه وما صانوه، ثم جعلوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وعبثوا به كما يعبث بأهل النوك، ثم رفعوه على جذع ضمانًا واستسقى ماء فسقي خلًا هوانًا، ثم ترك حتى ألصقت الشمس جسده بالصليب، ولم يكفن لولا تصدّق عليه بالكفن إنسان غريب، وبقي برهة تحت التراب تبكيه الأحباب والأتراب، فأخبرونا يا سخفاء العقول ومنتحلي هذا المحال المنقول - مَنِ الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام في تلك الأيام؟ ). وكيف كان حال الوجود والإله في اللحود؟ ! ومَن الذي دَبَّر السماء والأرض وخلقه فيها بالبسط والقبض والرفع والخفض؟ ! وهل دُفنت الكلمة بدفنه وقُتلت بقتله أم خذلته وهربت مع تلاميذه؟ . فإن كان قد دفنت بدفنه، فإن قبرًا وسع الإله القديم لقبر عظيم، وإن كانت قد فرّت وأسلمته، فكيف تصحّ مفارقتها له بعد اتّحادها به؟ ! أين ذهب الاتّحاد وكيف بطل الامتزاج؟ ). وما شأن هذا الإله المسكين - أسلمه قومه لأعدائه وخذله سائر أودائه؟ . أين قولكم في الأمانة: "إن المسيح أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء"؟ أين ما وصفتم عن الإنجيل أن العالم بالمسيح كُوِّن؟ (٢). الوجه الثاني: من هو أقدر على الخلاص اللاهوت أم الناسوت ؟

стр. 792

من أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانًا، وحُبل به ووُلد من مريم البتول وألم واتجع وقُتل وصُلب ودُفن في اليوم الثالث، فهذا قول من هُدم عقله وسُلب فهمه وغلب عليه هواه، وطبع الله على قلبه وأعماه لأنهم جعلوا إلههم يعجز عن خلاصهم، ففعل بنفسه ما لا يليق من هذه الخصال الرذيلة، ولم يكن يقدر على خلاصهم حتى نزل بنفسه من السماء وتجسد بجسد، ودخل في بطن أمه وخرج من فرجها، ثم حل به بعد ذلك ما وصفوه (قتل وصلب وإهانة) فكأنه لو لم يكن ... المرأة ويحمل بما أخذه من ناسوتها لم يقدر على خلاصهم، وما ترى الناسوت إلا أقوى من الإله، إذ لولاه لم يقدر لكم الإله على خلاص (١). الوجه الثالث: أليس من الجهل والضلال الادعاء بأن إله الخلق حل به الضرب والإذلال والصلب ؟ قولهم إن الله فداهم بنفسه ودمه فهرق دمه في مرضاة جميع ولد آدم إذ كان ذنبه باقيًا في أعناق جميعهم فخلصهم منه بأن مكن أعداءه من صلبه وتسميره وصفعه إلا من أنكر صلبه أو شك فيه أو قال: بأن الإله يجل عن ذلك، فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله بمملوكه، وكذبوا الله كونه تاب على آدم ﵇ وغفر له خطيئته ونسبوه إلى أقبح الظلم حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم بسبب خطيئة أبيهم ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا وبالجملة فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة (٢). الوجه الرابع: هل الإهانة التي حلت بالمصلوب لحقت الإله فإن ذلك لازم القول بالاتحاد ؟ إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعيتين إحداهما طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت وأن هاتين الطبيعتين تركبتا كما تركبت النفس مع البدن فصارتا إنسانًا واحدًا

стр. 793

وجوهرًا واحدًا وشخصًا واحدًا وأن هذه الطبيعة الواحدة والشخص والواحد هو المسيح وهو إله كله وإنسان كله وهو شخص واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين. ومما يوضح تناقضهم أنهم يقولون إن المسيح وهو اللاهوت والناسوت شخص واحد وأقنوم واحد مع قولهم أنهما جوهران بطبيعتين ومشيئتين فيثبتون للجوهرين أقنومًا واحدًا ويقولون هو شخص واحد ثم يقولون إن رب العالمين إله واحد وأقنوم واحد وجوهر واحد وهو ثلاثة أقانيم فيثبتون للجوهر الواحد ثلاثة أقانيم وللجوهرين المتحدين أقنومًا واحدًا مع أن مشيئة الأقانيم الثلاثة عندهم واحدة والناسوت واللاهوت يثبتون لهما مشيئتين وطبيعتين ومع هذا هما عندهم شخص واحد أقنوم واحد وهذا يقتضي غاية التناقض سواء فسروا الأقنوم بالصفة أو الشخص أو الذات مع الصفة أو أي شيء قالوه. وهو يبين أن الذين تكلموا بهذا الكلام ما تصوروا ما قالوه بل كانوا ضلالا جهالا بخلاف ما يقوله الأنبياء فإنه حق فلهذا لا يوجد عن المسيح ولا غيره من الأنبياء ما يوافق قولهم في التثليث والأقانيم والاتحاد ونحو ذلك مما ابتدعوه بغير سمع وعقل بل ألقوا أقوالا مخالفة للشرع والعقل. ويقولون باتحاد اللاهوت والناسوت: فيشبهونه تارة باتحاد الماء باللبن وهذا تشبيه الأرثوذوكس وتارة باتحاد النار بالحديد أو النفس بالجسم وهذا تشبيه الكاثوليك وغيرهم، ومعلوم أنه لا يصل إلى الماء شيء إلا وصل إلى اللبن فإنه لا يتميز أحدهما عن الآخر، فكأن حقيقة تمثيلهم يقتضي أن اللاهوت أصابه ما أصاب الناسوت من إهانة اليهود وتعذيبهم له وإيلامهم له والصلب الذي ادعوه. وهذا لازم على القول بالاتحاد فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا يشركه الآخر فيه لم يكن هنا اتحاد، بل تعدد (١). إلهكم الذي صُلب مات أم لم يمت ؟

стр. 794

يقول النصارى: إن مريم ولدت إلها وأن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت عند جماعتهم لا يشكون في ذلك مات بالجسد وأن الله لم يمت والذي قد ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته فكيف يكون ميت لم يمت. وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الله وأن الذي ولدته مريم وهو المسيح الاسم الجامع للجوهرين للاهوت والناسوت قد مات فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنَّها فعلت بالمسيح إلا عليهما، فكيف يصح لذي عقل عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات ونالته العلل وآلافات. وقانون الإيمان عندهم الذي أجمعوا عليه هو: أنَّ الرب المسيح الذي هذه صفته على ما اقتصصناه منها الإله الحق من الإله الحق نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانًا وحبل به وولد من مريم البتول وتألم وصلب. في هذا الإقرار شبهة أو علقة يتعلق بها العنت المدافع عن الحجة فتدبروا هذا القول يا معشر النصارى فإنه لا يمكن أحد منكم أن يخرج عنه ولا أن يدفع ما صرح به فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله فمريم على قولكم ولدت الله سبحانه وتعالى عما يقولون وإن قلتم إنه إنسان فمريم ولدت إنسانًا وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم فاختاروا أي القولين شئتم فإن فيه نقض الدين. الوجه الخامس: هل يعقل أن يولد الإله من بشر، ويعيش مثل البشر يعتريه الآفات والأوجاع ؟ وقد يجب على ذوي العقول أن تزجرهم عقولهم عن عبادة إله ولدته مريم وهي امرأة آدمية ثم مكث على الأرض ثلاثين سنة تجري عليه أحكام الآدميين من غذاء وتربية وصحة وسقم وخوف وأمن وتعلم وتعليم لا يتهيأ لكم أن تدعوا أنه كان منه في تلك المدة من أسباب اللاهوتية شيء ولا له من أحوال الآدميين كلها من حاجتهم وضروراتهم وهمومهم ومحنهم وتصرفاتهم مخرج ثم أحدث بعد هذه المدة الطويلة ما أحدثه من إظهار أمر الله تعالى. (١)

стр. 795

يقول النصارى: إن مريم ولدت الله - تعالى الله عما يقولون - وإن الله مات وتألم وصلب متجسدًا ودفن وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء فجاءوا من القول بما لو عرض على السماء لانفطرت أو على الأرض لانشقت أو على الجبال لانهدت فلم يكن لمحاجة هؤلاء وجه إذ كان كفرهم بما صرحوا به أوضح من أن يقع فيه الشك. الوجه السادس: هل يعقل أن يُصلب الناسوت بدون اللاهوت وهم متحدون ؟ إن ما ذكروه من موته قد بينا أن الله لم يذكر ذلك وأن المسيح لم يمت بعد وما ذكروه من أنه صلب ناسوته دون لاهوته باطل من وجهين: الأول: أنَّ ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوت وهم ذكروا ذلك دعوى مجردة فيكتفى في مقابلتها بالمنع. الثاني: لازم على القول بالاتحاد فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا يشركه الآخر فيه لم يكن هنا اتحاد بل تعدد. هؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السماوات والأرض متحدًا ببشر في جوف امرأة وجعلوه له مسكنًا ثم جعلوا أخابث خلق الله (اليهود) أمسكوه وبصقوا في وجهه ووضعوا الشوك على رأسه وصلبوه بين لصين وهو في ذلك يستغيث بالله ويقول (إلهي إلهي لم تركتني) وهم يقولون اللاهوت صوت شخص واحد، إما أن يكون مستغيثًا وإما أن يكون مستغاثًا به وإما أن يكون داعيًا وإما أن يكون مدعوا فإذا قالوا إن الداعي هو غير المدعو لزم أن يكونا اثنين لا واحدا وإذا قالوا هما واحد فالداعي هو المدعو (١). الوجه السابع: هل المصلوب كان إله أم إنسان، وكيف يعقل ذلك ؟ ثم كيف كان المسيح عندما علق على الصليب؟ ، هل كان لاهوتًا أم ناسوتًا؟ فإن قالوا بأنه كان ناسوتًا فقط فهو إذا ليس بإله كما يقولون بل إنسان فقط، والإنسان لا يستحق التأليه فهو مخلوق. وإن قالوا بأنه كان لاهوتًا فقط، أو لاهوتًا وناسوتًا معًا فيلزم من ذلك بأن نقول بقتل

стр. 796

الإله، إذ إن المسيح إله مطلق في نظرهم وابن الإله متساوٍ معه من القدم. إذًا فالقول بقتل الإله خروج عن العقل والدين معًا، فالإله الذي لا يستطيع دفع الضرر عن نفسه ليس بإله ولا يستحق الإلوهية، فإن قالوا قُتل الناسوت، فهذا القول يناقض قولهم بأن المسيح ليس ناسوتًا محضًا مع أنهم يطلقون القول بالصلب، إذًا فقد ثبت بطلان وتناقض قد صُلب مع أنه إله؟ (١). الوجه الثامن: ما الفائدة من إرسال الرسل إذا كان الخلاص لا يقم الا بصلب الإله ؟ فلو كان الإنسان واقعًا تحت حكم اللعنة والخطيئة التي لا يُرجى خلاص منهما إلا على يد الله في تلك الصورة التي تنتهي بصلب الإله وإراقة دمه، فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك داعٍ لإرسال الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين، ولا تزال الكتب التي تحض على الفضائل، ولما كان هناك داعٍ لأي عمل يعمله الإنسان، ولما كان هناك فرق بين محسن ومسيء. الوجه التاسع: إذا كان الناسوت مأخوذًا من مريم، فكيف لا يلوثه الخطية المورثة (المزعومة) كسائر الخلق ؟ وإذا كان المسيح باعتبار ناسوته من نسل آدم مولود من مريم، وتكوَّن من رحمها ودمها، فهو كباقي أولاد آدم واقع في الذَّنْبَ، فهو أيضًا يحتاج إلى كفارة مثلهم، وإذًا يكون غير طاهر ولا معصومًا من الذنوب كما تزعمون لأن (ابن الإنسان الخاطئ) وناسوته مخلوق من مريم بمقتضى التولد الجثماني، وإن كان لم يتلوث بذنب آدم، فلِمَ لم يتلوث غيره، وكلنا من نسل آدم وطبيعتنا هي من طبيعته، أو أن الله طهره من الخطيئة بحلوله فيه، فإذًا يجوز التطهير من الذنوب بدون سفك الدم، وهو خلاف ما تدعون، وإن كان حلول الابن مطهرًا من ذلك، فلِم لم يطهركم حلول روح القدس فيكم، وكلكم هيكل الله الحي كما يقول بولس (أفسس ٤/ ٦) "، (أعمال الرسل ٢/ ٤). فإذا كان حلول الله أو أحد أقانيمه في الإنسان مطهرًا له من الذنوب، فأية حاجة إذًا إلى صلب المسيح؛ ولمَ لم يحصل موت شهدائهم الكثير بزعمهم كفارة عن باقي النوع الإنساني،

стр. 797

وكلهم ممتلئون من روح القدس، وإن قيل: إنه باعتبار ناسوته واقع مثلنا في خطيئة آدم، ولكن صلبه وهو ابن الله كان لتكفير الخطيئة عن جميع بني آدم وهو من ضمنهم. قلت: إن كان صلبه باعتباره إله جاز على الله الموت والألم والجزع والاستغاثة بغيره والضعف وغير ذلك مما أظن أنكم تنزهون الله تعالى عنه وخصوصًا بعد قول المصلوب (إلهي إلهي لماذا تركتني)، وإن كان صلبه باعتباره إنسان فهو خاطئ مثلنا بمقتضى طبيعته البشرية، فكيف لا يكون موته مكفرًا عنه وحده، ويكون ما ينال كلًا من في هذه الحياة من المشاق والأحزان والموت أو القتل وغير ذلك كفارةً له عن ذنبه، وقد كان أصل العقاب على ذنب آدم (كما في سفر التكوين) الموت والالم والتعب والعداوة للشيطان أو الحية، ونحو ذلك، وكل هذه الأشياء واقعةً بنا وباقيةً علينا إلى الآن (١). الوجه العاشر: هل كان الإله المصلوب قادرًا على منع الصلب أم لا ؟ إما أن يقولوا: إن اللاهوت كان قادرًا على دفعهم على ناسوته وإما أن يقولوا لم يكن قادرًا فإن قالوا: لم يكن قادرًا لزم أن يكون أولئك اليهود أقدر من رب العالمين، وأن يكون رب العالمين مقهورًا مأسورًا مع قوم من شرار اليهود وهذا من أعظم الكفر والتنقص برب العالمين وهذا أعظم من قولهم إن لله ولدًا وأنه بخيل وأنه فقير ونحو ذلك مما يسب به الكفار رب العالمين. الوجه الحادي عشر: أليس هروب الإله واستغاثته عند صلبه دليل على أن صلبه كان بدون اختياره ؟ وإن قالوا كان قادرًا فإن كان ذلك من عدوان الكفار على ناسوته وهو كاره لذلك فسنة الله في مثل ذلك نصر رسله المستغيثين به فكيف لم يغث ناسوته المستصرخ به وهذا بخلاف من قتل من النبيين وهو صابر فإن أولئك صبروا حتى قتلوا شهداء والناسوت عندهم استغاث وقال: (إلهي إلهي لماذا تركتني) وإن كان هو قد فعل ذلك مكرًا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق فناسوته أعلم بذلك من

стр. 798

جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ذلك من الحكمة وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما جرى عليه كان بغير اختياره. ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا على المكر بالعدو ولم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما وافقه على أنه يحمل الصواع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر الصواع في رحله كما جزع إخوته حيث لم يعلموا وكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي يصفون به المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية. (١) الوجه الثاني عشر: كيف يوقع الإله العقاب على الذي هو إله مثله ؟ تقولون: إن عيسى إله، فكيف يوقع الإله العقاب على الذي هو إله مثله، وهو جزء مثله؟ ، فالنصارى يعتقدون أن الصلب وقع على الناسوت فقط، وهم يقولون إن الناسوت في اللاهوت كالماء في اللبن، جوهران أصبح جوهرًا واحدًا، من يعقل هذا؟ إذا كان عيسى ﵇ إلهًا وقد صُلب ودُفن كما يقولون، فمن الذي أمسك السماوات من السقوط؟ والأرض أن تميد، ومن دبر شئون الخلق في هذه اللحظات التي غاب فيها الإله؟ (٢). الفصل الثامن: لماذا تأخر الصلب؟ وما هو حال الذين ماتوا قبل الصلب ؟ الوجه الأول: كيف يُترك الأنبياء في الجحيم في حبس الشيطان قرونًا عديدة حتى يأتي المسيح ليصلب ؟ مناسبة بين الصلب الذي هو من أعظم الذنوب سواء صلبوا المسيح أو المشبه به وبين تخليص هؤلاء من الشيطان فإن الشيطان إن فعل ذلك بالذرية كان ظالما معتديًا والله قادر على منعه من ظلمهم بل وعلى عقوبته إذا لم ينته عن ظلمهم، فلماذا أخر منعه من ظلمهم إلى زمن المسيح وهو سبحانه ولي المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم وهم رسله الذين نصرهم على من عاداهم بل أهلك أعداءهم الذين هم جند الشيطان فكيف لا يمنع الشيطان بعد موتهم أن

стр. 799

يظلمهم ويجعل أرواحهم في جهنم هذا إن قدر أن الشيطان كان قادرا على ذلك وكيف يجوز أن يجعل الشيطان بعد موت أنبيائه وأوليائه وسقوط التكليف عنهم واستحقاقهم كرامته وإحسانه وجنته بحكم وعده ومقتضى حكمته فجعله مسلطًا على حبسهم في جهنم. وإن قالوا الرب ما كان يقدر على تخليصهم من الشيطان مع علمه بأنه ظالم معتد عليهم بعد الموت إلا بأن يحتال عليه بإخفاء نفسه ليتمكن الشيطان منه كما يزعمون فهذا مع ما فيه من الكفر العظيم وجعل الرب سبحانه عاجزًا كما جعلوه أولًا ظالمًا فيه من التناقض ما يقتضي عظيم جهلهم الذي جعلوا به الرب جاهلًا فإنهم يقولون إنه احتال على الشيطان ليأخذه بعدل كما احتال الشيطان على آدم بالحية فاختفى منه لئلا يعلم أنه ناسوت الإله. الوجه الثاني: هل ضاقت الأمور بالإله بحيث لم يجد وسيلة للتوفيق بين العدل والرحمة إلا الصلب ؟ أين كان عدل الله ورحمته منذ طرد آدم من الجَنَّة حتى صلب المسيح (في زعمهم)، فهل كان الله حائرًا بين العدل والرحمة آلاف السنين حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يُصلب للتكفير عن خطيئة آدم ﵇، ثم كيف ضاقت الأمور على رب العالمين في نظر النصارى حتى استحال عليه أن يجد طريقًا آخر للخلاص ووسيلة أخرى من الممكن بواسطتها أن يغفر خطيئة آدم بدلًا من هذه الصورة القاسية لمن يزعمون أن صلب ابنه بتلك الصورة التي زادت بها خطايا البشر، فهل يُعالج المرض بمرض أخطر منه؟ أليس أولى بحكمة الله أن يقول للعصاة غفرت لكم بدلًا من هذه التمثيلية البشعة؟ وكيف يُستساغ أن يظل سبحانه مضمرًا السوء للجنس البشري غاضبًا عليه آلاف السنين حتى جاءت رسالة المسيح، وهنا فقط ينتهي الغضب بحادثة الصلب والقتل المنسوبة إليه؟ (١). الوجه الثالث: كيف يكون أمر الصلب مخفيًا عن الأنبياء، فلم يذكروه في كتبهم حتى أتى بولس بعد المسيح فذكره ؟ إن من العجب أن يعتقد النصارى أن هذا السر اللاهوتي وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتومًا عن كل الأنبياء والرسل السابقين، ولم تكتشف إلا

стр. 800

الكنيسة، ومتى كان ذلك؟ لقد كان ذلك بعد حادثة الصلب والقتل، وإذا كان ذلك هو قصد الله فلماذا لم يعلنه للجنس البشري من بدء الخليقة على ألسنة الأنبياء والرسل، ولماذا لم يوضحه الله في كتابه؟ ولماذا لم يوضحه المسيح في الإنجيل؟ (١). وتظهر العقيدة النصرانية الله عاجزًا عن العفو عن آدم وذنبه، حائرًا في الطريقة التي ينبغي أن يعاقبه بها بعد أن قرر عقوبته، ويظهر قرار العقوبة وكأنه قرار متسرع يبحث له عن مخرج، وقد امتد البحث عن هذا المخرج قرونًا عديدة، ثم اهتدى إليه بعدُ، فكان المخرج الوحيد هو ظلم المسيح وتعذيبه على الصليب كفارة عن ذنب لم يرتكبه (٢). وفي هذا الصدد نسأل سؤالًا لا يجوز إغفاله أو الحيدة عن إجابته: كيف جهل الأنبياء ذلك المعتقد الهام، فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكره المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده، حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة، فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين؟ (٣). الوجه الرابع: ما بال الذين ماتوا قبل مجيء المسيح كفارًا كانوا أم مؤمنين ؟ ويقال للنصارى: ما تقولون فيمن اخترم قبل مجيء المسيح، أكفارًا كانوا أم مؤمنين؟ ، فإن قالوا: مؤمنين، فقد سَلَّموا أنه لا حاجة إلى قتل المسيح في تخليصهم، إذ إيمانهم هو الذي خلصهم. وإن قالوا: بل كانوا كفارًا، أكذبهم المسيح إذ يقول في الإنجيل: "إني لم أرسل إلَّا إلى الذين ضلّوا من بيت إسرائيل، وإن الأصحاء لا يحتاجون إلى الدواء" (متى ٩/ ١٥: ١٢). ثم نقول لهم: ألستم تزعمون أن المسيح إنما تجشَّم ونزل من السماء لخلاص معشر الناس كما عقدتم في الأمانة التي لكم؟ ! فإذا قالوا: بلى. قلنا لهم: فما قولكم فيمن مات قبل نزوله ﵇؟ ! . وكيف الطريق إلى بلوغ دعوته إليهم؟ ! . فإن قالوا: تعذّر تلافي أمره وفات استدراكه بموته. قلنا لهم: جوَّزتم المسيح ونسبتموه إلى الظلم والحيف حيث لم ينْزل لخلاصهم قبل موتهم، فلِمَ أخَّر ذلك حتى اخترموا على

стр. 801

الكفر والضلال؟ ! وكيف صار الأحياء أحقّ برحمة المسيح عندكم من الأموات؟ وفي هذه المقالة هدم أصلكم في التحسين والتقبيح، وإن تحامقوا وقالوا: إن المسيح لما جاء دعا الأحياء وهو حيّ، ثم مات فدعا الأموات. في أجداثهم، فمن أجابه نجى ومن أبى هلك. .. ، فنقول: أدعاهم في أجداثهم وهو حيّ أم دعاهم وهو ميّت؟ ! ، فإن قالوا: دعاهم وهو ميّت، سقطت مكالمتهم لتبيّن جنونهم، فإن قالوا: دعاهم وهو حيّ، نقضوا قولهم أنه مات فدعا الأموات (١). الوجه الخامس: ما قولكم فما الذين أخبر عنهم كتابكم المقدس بأنهم خلصوا بدون الحاجة للصلب المزعوم؟ ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلًا على موتهم، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهما حيين كما في الأسفار المقدسة (انظر: التكوين ٥/ ٢٤، والملوك (٢) ٢/ ١١، وعبرانيين ١١/ ٥) (٢). وتشهد الكتب المقدسة عند النصارى لكثيرين بالخيرية، وتثني عليهم، ولو كانوا مسربلين بالخطيئة الأصلية لما استحقوا هذا الثناء، ومن هؤلاء الأطفال الذين قال فيهم المسيح في إحدى وصاياه: "الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلَادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. ٤ فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّماوَاتِ." (متى ١٨/ ٣ - ٤)، ومن الأبرار أيضًا لاوي بن يعقوب، وأيضًا شهد المسيح بنجاة لعازر، وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح. ويجزم المسيح بخلاص العشار زكا الذي أنفق نصف ماله في سبيل الله من غير أن يحتاج لدم يخلصه أو فادٍ يصلب عنه، لقد نال الخلاص بالبر والعمل الصالح. والعفو من الصفات الإلهية التي اتصف بها الرب، وطلب من عباده أن يتصفوا بها، وهو أولى بها لما فيها من كمال وحُسن، وقد عفا عن بني إسرائيل من غير كفارة ولا مصلوب"

стр. 802

رَضِيتَ يَا رَبُّ عَلَى أَرْضِكَ. أَرْجَعْتَ سَبْيَ يَعْقُوبَ. ٢ غَفَرْتَ إِثْمَ شَعْبِكَ. سَتَرْتَ كُلَّ خَطِيَّتهِمْ. سِلَاهْ. ٣ حَجَزْتَ كُلَّ رِجْزِكَ. رَجَعْتَ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ." (المزمور ٨٥/ ١ - ٣). ويقول بولس: "طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. ٨ طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (رومية ٤/ ٧ - ٨)، فثمة أناس عفا الله عن خطاياهم وذنوبهم، وسترها عليهم، من غير دم يسفك عنهم، ولا تناقض بين عدل الله ورحمته بشأنهم (١). الفصل التاسع: ماذا تحقق من الخلاص بالصلب المزعوم للإله ؟ الوجه الأول: أي شيء تغير بوقوع الصلب المزعوم؟ وأي فتنة انطفأت؟ وأي آثام مُحيت ؟ وأما قولهم: إنه أراد أن يستسلم ويبذل نفسه فداء عن الناس لينقذهم من الخطيئة والبأس، فهذا كلام من الكلام السخيف، وذلك أنه لا يخلو أن يفديهم بنفسه من عقاب نفسه أو عقاب غيره. فإن كان إنما فداهم من عقاب نفسه، فما حاجته أن يرذل نفسه في أمر هو يملكه وزمامه بيده؟ فهلا عفا عنهم وأعفا نفسه من القتل والإهانة! وإن كان إنما افتداهم من عقاب غيره فقد صار ضعيفًا عاجزًا لم يمكنه صلاح عباده إلَّا بأن يشفع لهم، ثم لا تقبل شفاعته حتى يبذل نفسه للصفع والإهانة والموت. والعجب أنه مع بذل نفسه لهذه المحن لم تقبل شفاعته، ولم يحصل لهم الفداء الذي يدعون، هذا مع أن المشفوع إليه أبوه، أفلم يكن له عند أبيه من الجاه ما يُشَفِّعه في مطلوبه وهو معافى من هذه المحن بلا قتله وصلبه من غير إسعافه بمراده؟ ومثل هذا الفعل لا يصدر إلَّا من العدوّ المشاحن وأرباب الحقود والضغائن، ومما يتعجب منه أن هذا الرّبّ الذي تدعون بعد أن تعنَّى ونزل إلى الأرض وحَلَّ به ما وصفتم يبتغي بذلك خلاصكم، لم يحصل لكم خلاص ولا تَمَّ له مراد. لأنه إن كان أراد خلاصكم من محن الدنيا فها أنتم باقون على ما كنتم عليه من طبائع البشر وتحمل الضرر ومعالجة

стр. 803

الهرم والكبر ومضاجعة الأجداث والحُفر. (١) الوجه الثاني: أي خلاص تم لكم وأنتم ما زلتم مطالبين بالتكاليف والحساب يوم القيامة ؟ تتحدث نصوص الكتب المسيحية عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من المسيحيين وغيرهم، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق المسيحية في الفداء، فالمسيحيون يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح (وقد أعطاه السلطان لأن يدين) (يوحنا ٥/ ٢٧)، كما تتحدث النصوص المسيحية عن وعيد في النار لبعض أبناء البشر فدل ذلك على أنهم غير ناجين، فلم ينالهم الخلاص المزعوم (وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ ... ثُمَّ يَقُولُ أيضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلَاعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ المُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ) (متى ٢٥/ ٣١: ٤٢)، فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قالت أكبر الكنائس لم يكن لهذه النصوص معنى (٢). ونحن نطرح سؤالًا على النصارى، فنقول لهم: إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك؟ . والنصارى يجيبون عن ذلك فيقولون بالحرف الواحد: إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا فالذنب ذنبهم؛ لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤْثرين الظلمة بإرادتهم، ومعنى ذلك أن خطيئة واحدة مُحيت، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدَّت بعد ذلك، وسيُحاسب الناس على ما اقترفوه، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم، فلماذا كانت مظاهرة التجسد لخطيئة واحدة وتُركت خطايا لا تُعد. (٣) يقول بولس: "مُخَلِّصِنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي أَبْطَلَ المَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالخُلُودَ"، فهل رُفعت العقوبات بموت المسيح، وهل رُفع حكم الصلب عن ذرية آدم؟ .

стр. 804

والصحيح أن شيئًا لم يتغير، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح، يموت أبرارهم وفجارهم، فلم يبطل حكم الموت فيهم، فالمسيح لم يبطل بصلبه ولا بدعوته أي موت، لا الموت الحقيقي ولا الموت المجازي، إذ ما زال الناس في الخطيئة يتسربلون، ثم بعد ذلك يموتون. وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء، بل هو أمر قد كتب على بني آدم، بَرهم وفاجرهم على السواء، قبل المسيح وبعده، وإلى قيام الساعة، وعليه نستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم. وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة، فما زال الرجال يكدون ويتعبون، وما تزال النساء تتوجع في الولادة ... ويستوي في ذلك النصارى المفديون - حسب العهد الجديد - بدم المسيح وغيرهم. والعجب من إصرار النصارى بعد وقوع هذه العقوبات على أن الذَّنْبَ ما زال مستمرًا، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات الشديدة التي نالها أصحابها (١). فما السبيل للنجاة من هذه الخطايا التي لا تزال تُصدر وتُمارس من بني آدم إذا كانت التوبة والأعمال لا تؤدي إليها كما زعم بولمس، وقد تم الصلب والخلاص من خطيئة آدم منذ ألفي سنة، وقد حار علماؤنا في فهم نصوص الفداء المتناقضة كما حاروا في فهم ما يريده المسيحيون من الخلاص؟ ، هل الخلاص - أي الغفران - خاص بالمسيحيين تحديدًا أم هو لقوم يسوع من بني إسرائيل تعيينًا، أم أنه عام لكل البشر؟ (٢). وهل هو خاص بخطيئة آدم الموروثة، أم أنه خلاص عام من جميع الخطايا والذنوب؟ ، ثم إننا نسال النصارى هذين السؤالين: هل تغير حال الدنيا من بعد المسيح عما كان قبله؟ سيقولون: لا، هل أنتم امتزتم عن سائر الناس بشيء؟ سيقولون: لا، ذلك أنه لا مزية لهم عن سائر البشر، فإنهم يسعون في طلب الرزق كسائر الناس (٣).

стр. 805

الفصل العاشر: حقيقة الخلاص في الإسلام . الوجه الأول: الخلاص بالإخلاص لله وترك الشرك وعبادة الله وحده واتباع نبيه محمد ﷺ -. بعث الله سبحانه عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم فجدد لهم الدين وبين لهم معالمه ودعاهم إلى عبادة الله وحده والتبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم وراموا قتله فطهره الله تعالى منهم ورفعه إليه فلم يصلوا إليه بسوء وأقام الله تعالى للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه ودخل فيه الملوك وانتشرت دعوته واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلثمائة سنة. ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء بل ركَّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة: أحدهما: الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه وإلهًا آخر معه وأنفوا أن يكون عبدًا له. والثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم حيث زعموا أنه عن قولهم علوًا كبيرًا - نزل من العرش عن كرسي عظمته ودخل في فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن ثم خرج من حيث دخل رضيعًا صغيرًا يمص الثدي ويبكي ويجوع ويعطش ويتغوط، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرًا بين لصين وألبسوه إكليلًا من الشوك وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له.

стр. 806

ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم كما قال تعالى فيما يحكي عنه رسوله الذي نزهه ونزه أخاه المسيح عن هذا الباطل الذي: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا﴾ فقال: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولذا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته (١). إبطال التثليث بأقوال المسيح: في الآية الثالثة من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى ﵇ خطاب الله هكذا: (وَهذه هِيَ الحيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الحقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْته.) فبين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية، عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي وأن عيسى ﵇ رسوله. وما قال: إن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله واعتقاد الرسالة للمسيح فضدهما يكون موتًا أبديًا وضلالًا بينًا البتة، والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي، وكون المسيح رسولًا ضد لكونه إلهًا لأن التغاير بين المرسِل والمرسَل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل الله. وأما غيرهم فالمجوس ومشركوا الهند والصين محرومون منها لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الثاني (٢). الخلاص الحقيقي في الإسلام: لا جدال أنه لا فداء ولا خلاص بتلك المفاهيم التي تعتنقها الطوائف النصرانية، بل

стр. 807

الحق أن الخلاص كل الخلاص هو الخلاص من دعاوي الشرك بالله وتصحيح الاعتقاد السائد لديهم، ولا يكون ذلك إلا باتجاههم إلى عقيدة التوحيد في الإسلام التي لا لبس فيها ولا التواء، وهو أن الله واحد لا شريك له، وأن المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله دعا إلى التوحيد الخالص الذي أمر الله به (١). الجزاء أثر لازم للعمل: إن مدار نجاة الإنسان في الآخرة من العقاب وفوزه بالنعيم والسعادة الأبدية إنما هو على تزكية نفسه وتطهيرها من العقائد الوثنية الباطلة والأخلاق الفاسدة حتى تكون متخلية من الأباطيل والشرور، متحلية بالفضائل وعمل البر والخير، ومدار الهلاك على ضد ذلك، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، فالله جعل كل إنسان متمسكًا بقواه الفطرية من أعمال الفجور والشرور، ومن أعمال التقوى والخيرات، وهو الذي يزكي نفسه بهذه أو يدسها بتلك، فإن صحت عقيدته وحسن عمله صلحت نفسه وزكت كانت أهلًا للنعيم في ذلك العالم العلوي، ومن كانت عقيدته خرافية باطلة، وأعماله سيئة فسدت أخلاقه وخبثت نفسه، وكان هو الذي تكلف تدسيتها ودهورتها إلى هاوية الجحيم، ولا يُشترط في التزكية أن لا يلم الإنسان بخطأ ولا تقع منه سيئة البتة، بل المدار على طهارة القلب وسلامته من الخبث وسوء النية بحيث إذا غلبه بعض انفلات النفس ألمَّ بذنب يبادر إلى التوبة ويلجأ إلى الندم والاستغفار، وتكفير ذلك الذَّنْبَ بعمل صالح، فيكون مثل نفسه كمثل بيت تتعاهده ربته من التراب بالكنس والمسح وسائر وسائل النظافة، فإذا ألمَّ به غبار أو أصابه دنس بادرت بإزالته، فيكون الغالب عليه النظافة، ولا يشترط في الشهادة له بذلك ما لا تخلو منه البيوت النظيفة عادةً من قليل غبار أو وسخ لا يلبث أن يزال، فالجزاء أثر لازم للعمل، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فمن أخلص لله في تزكية نفسه وإصلاحها بالإيمان والعمل الصالح بقدر استطاعته كان

стр. 808

مقبولًا مرضيًا عند الله تعالى، ولا يؤاخذه تعالى بما لا يستطيع، ومن لم يكن كذلك غضب الله عليه، وكان محرومًا من رضوانه الأكبر، ولا ينفعه في الآخرة شفاعة شافع ولا يُقبل منه فداء لو ملك الفداء، ولا يستطيع أحد من أهل السماوات والأرض أن يشفع لأحد لم يرض الله تعالى بالإيمان والإخلاص وتزكية النفس التي يقلب بها الحق والخير على ضدها (١). قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وقد علم مما ذكرناه من تزكية النفس، وتدسيتها بعمل الإنسان وكسبه الاختياري أن الجزاء في الآخرة أثر لازم للتزكية والتدسية مرتب عليهما ترتيب المسبب على السبب، والمعلول على العلة بفضل الله وحكمته ومقتضى سننه في خلقه، والله يضاعف لمن يشاء ويزيدهم من فضله. أليست هذه التعاليم الإسلامية هي التي ترفع قدر الإنسان وتُعلي همته وتحفزه إلى طلب الكمال بإيمانه وإخلاصه وأعماله الصالحة، أليست أفضل وأنفع من الاتكال على تلك القصة الصليبية المأثور مثلها عن خرافات الوثنيين التي لا يصدقها عقل مستقل (٢). الوجه الرابع: كفارة الذنب عند المسلمين . وفيه مسائل: الأولى: بيان أن الله قد تاب على آدم خلق الله آدم وقد علم سبحانه أنه خلقه ليجعله خليفة في الأرض ويستخلف أولاده، واقتضت حكمته سبحانه أن يبتلي الأبوين لتمام سعادتهم، فإن كمال العبودية والمحبة والطاعة إنما يظهر عند المعارضة والدواعي إلى الشهوات والإرادات المخالفة للعبودية (٣).

стр. 809

كما قال تعالى قبل خلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ (١). فإن الله سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من الجَنَّة إلى دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجَنَّة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت غايات لحكم ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه (٢). لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجَنَّة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبًا وإما تغليظًا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجَنَّة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجَنَّة ولله أن يفعل ما يشاء (٣). وبلى الحبيب آدم ﵇ بالذنب فاعترف وتاب وندم وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة وهو التوحيد والاستغفار فأزيل عنه العتب وغفر له الذَّنْبَ وقبل منه المتاب وفتح له من الرحمة والهداية كل باب ونحن الأبناء ومن أشبه أباه فما ظلم ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدي لأحسن الشيم (٤). والمقصود أن الله لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجَنَّة أعاضهم أفضل منها وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببًا موصلا لهم إليه، فمن أتيه

стр. 810

منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١). قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]، فبهذا الإطلاق وهذا التصريح، وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعتب على النبيّ المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلًا عن أن تجسروا عن التورط في الكبائر (٢). وأجمع أهل الإسلام أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي معصية بعمد سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ونقول أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب منه فيوافق خلاف مراد الله تعالى إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين وينبههم عليه (٣). اتفق العلماء على أن الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شين ونقص اجتماعًا، إنما اختلف العلماء في هل وقع من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا؟ ، والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات،
следующие страницы →