← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم كما قال تعالى فيما يحكي عنه رسوله الذي نزهه ونزه أخاه المسيح عن هذا الباطل الذي: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا﴾ فقال: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولذا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته (١). إبطال التثليث بأقوال المسيح: في الآية الثالثة من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى ﵇ خطاب الله هكذا: (وَهذه هِيَ الحيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الحقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْته.) فبين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية، عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي وأن عيسى ﵇ رسوله. وما قال: إن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله واعتقاد الرسالة للمسيح فضدهما يكون موتًا أبديًا وضلالًا بينًا البتة، والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي، وكون المسيح رسولًا ضد لكونه إلهًا لأن التغاير بين المرسِل والمرسَل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل الله. وأما غيرهم فالمجوس ومشركوا الهند والصين محرومون منها لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الثاني (٢). الخلاص الحقيقي في الإسلام: لا جدال أنه لا فداء ولا خلاص بتلك المفاهيم التي تعتنقها الطوائف النصرانية، بل

стр. 807

الحق أن الخلاص كل الخلاص هو الخلاص من دعاوي الشرك بالله وتصحيح الاعتقاد السائد لديهم، ولا يكون ذلك إلا باتجاههم إلى عقيدة التوحيد في الإسلام التي لا لبس فيها ولا التواء، وهو أن الله واحد لا شريك له، وأن المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله دعا إلى التوحيد الخالص الذي أمر الله به (١). الجزاء أثر لازم للعمل: إن مدار نجاة الإنسان في الآخرة من العقاب وفوزه بالنعيم والسعادة الأبدية إنما هو على تزكية نفسه وتطهيرها من العقائد الوثنية الباطلة والأخلاق الفاسدة حتى تكون متخلية من الأباطيل والشرور، متحلية بالفضائل وعمل البر والخير، ومدار الهلاك على ضد ذلك، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، فالله جعل كل إنسان متمسكًا بقواه الفطرية من أعمال الفجور والشرور، ومن أعمال التقوى والخيرات، وهو الذي يزكي نفسه بهذه أو يدسها بتلك، فإن صحت عقيدته وحسن عمله صلحت نفسه وزكت كانت أهلًا للنعيم في ذلك العالم العلوي، ومن كانت عقيدته خرافية باطلة، وأعماله سيئة فسدت أخلاقه وخبثت نفسه، وكان هو الذي تكلف تدسيتها ودهورتها إلى هاوية الجحيم، ولا يُشترط في التزكية أن لا يلم الإنسان بخطأ ولا تقع منه سيئة البتة، بل المدار على طهارة القلب وسلامته من الخبث وسوء النية بحيث إذا غلبه بعض انفلات النفس ألمَّ بذنب يبادر إلى التوبة ويلجأ إلى الندم والاستغفار، وتكفير ذلك الذَّنْبَ بعمل صالح، فيكون مثل نفسه كمثل بيت تتعاهده ربته من التراب بالكنس والمسح وسائر وسائل النظافة، فإذا ألمَّ به غبار أو أصابه دنس بادرت بإزالته، فيكون الغالب عليه النظافة، ولا يشترط في الشهادة له بذلك ما لا تخلو منه البيوت النظيفة عادةً من قليل غبار أو وسخ لا يلبث أن يزال، فالجزاء أثر لازم للعمل، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فمن أخلص لله في تزكية نفسه وإصلاحها بالإيمان والعمل الصالح بقدر استطاعته كان

стр. 808

مقبولًا مرضيًا عند الله تعالى، ولا يؤاخذه تعالى بما لا يستطيع، ومن لم يكن كذلك غضب الله عليه، وكان محرومًا من رضوانه الأكبر، ولا ينفعه في الآخرة شفاعة شافع ولا يُقبل منه فداء لو ملك الفداء، ولا يستطيع أحد من أهل السماوات والأرض أن يشفع لأحد لم يرض الله تعالى بالإيمان والإخلاص وتزكية النفس التي يقلب بها الحق والخير على ضدها (١). قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وقد علم مما ذكرناه من تزكية النفس، وتدسيتها بعمل الإنسان وكسبه الاختياري أن الجزاء في الآخرة أثر لازم للتزكية والتدسية مرتب عليهما ترتيب المسبب على السبب، والمعلول على العلة بفضل الله وحكمته ومقتضى سننه في خلقه، والله يضاعف لمن يشاء ويزيدهم من فضله. أليست هذه التعاليم الإسلامية هي التي ترفع قدر الإنسان وتُعلي همته وتحفزه إلى طلب الكمال بإيمانه وإخلاصه وأعماله الصالحة، أليست أفضل وأنفع من الاتكال على تلك القصة الصليبية المأثور مثلها عن خرافات الوثنيين التي لا يصدقها عقل مستقل (٢). الوجه الرابع: كفارة الذنب عند المسلمين . وفيه مسائل: الأولى: بيان أن الله قد تاب على آدم خلق الله آدم وقد علم سبحانه أنه خلقه ليجعله خليفة في الأرض ويستخلف أولاده، واقتضت حكمته سبحانه أن يبتلي الأبوين لتمام سعادتهم، فإن كمال العبودية والمحبة والطاعة إنما يظهر عند المعارضة والدواعي إلى الشهوات والإرادات المخالفة للعبودية (٣).

стр. 809

كما قال تعالى قبل خلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ (١). فإن الله سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من الجَنَّة إلى دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجَنَّة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت غايات لحكم ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه (٢). لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجَنَّة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبًا وإما تغليظًا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجَنَّة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجَنَّة ولله أن يفعل ما يشاء (٣). وبلى الحبيب آدم ﵇ بالذنب فاعترف وتاب وندم وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة وهو التوحيد والاستغفار فأزيل عنه العتب وغفر له الذَّنْبَ وقبل منه المتاب وفتح له من الرحمة والهداية كل باب ونحن الأبناء ومن أشبه أباه فما ظلم ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدي لأحسن الشيم (٤). والمقصود أن الله لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجَنَّة أعاضهم أفضل منها وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببًا موصلا لهم إليه، فمن أتيه

стр. 810

منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١). قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]، فبهذا الإطلاق وهذا التصريح، وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعتب على النبيّ المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلًا عن أن تجسروا عن التورط في الكبائر (٢). وأجمع أهل الإسلام أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي معصية بعمد سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ونقول أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب منه فيوافق خلاف مراد الله تعالى إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين وينبههم عليه (٣). اتفق العلماء على أن الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شين ونقص اجتماعًا، إنما اختلف العلماء في هل وقع من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا؟ ، والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات،

стр. 811

(بالنسبة) إلى مناصبهم وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم (١). وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على ما أخبر الله به في كتابه وما ثبت عن رسوله من توبة الأنبياء ﵈ من الذنوب التي تابوا منها وهذه التوبة رفع الله بها درجاتهم، وعصمتهم هي من أن يقروا على الذنوب والخطأ (٢). الثانية: وقوع الأنبياء في الذَّنْبَ لا ينقص من قدر النبوة والعصمة . اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه وبهذا يحصل المقصود من البعثة، وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبيا لا يخطئ أو لا يذنب فليس في النبوة يستلزم هذا وقول القائل لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله كذب صريح فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبأه الله بعد ذلك كما نبأ إخوة يوسف ونبأ لوطًا وشعيبًا وغيرهما وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته فإنه يوثق فيما يبلغه كما يوثق بمن لم يفعل ذلك وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان. والتوبة قد صار أفضل من غيره والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ومعلوم أن الصحابة ﵃ من عهد الرسول ﷺ وقبل أن يصدر منهم ما يدعونه من الأحداث كانوا من خيار الخلق وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام. ولا ريب أن السيئات لا يؤمر بها وليس للعبد أن يفعلها ليقصد بذلك التوبة منها فإن هذا مثل من يريد أن يحرك العدو عليه ليغلبهم بالجهاد، وهذا جهل بل إذا قدر من ابتلى بالعدو

стр. 812

فغلبه كان أفضل ممن لم يكن كذلك، والذنوب إنما تضر أصحابها إذا لم يتوبوا منها والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها (١). وهو سبحانه وله الحمد لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر معه توبته لينزهه عن النقص والعيب ويبين أنه ارتفعت منزلته وعظمت درجته وعظمت حسناته وقربه إليه بما أنعم الله عليه من التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة التي فعلها بعد ذلك وليكون ذلك أسوة لمن يتبع الأنبياء ويقتدي بهم إلى يوم القيامة، وأما من ذكر الله تعالى وتبارك عنه ذنبًا كآدم ﵇ فإنه لما قال ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]، وقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. ومن احتج على امتناع ذلك بأن الإقتداء بهم مشروع والاقتداء بالذنب لا يجوز قيل له إنما يقتدي بهم فيما أقروا عليه لا فيما نهوا عنه كما أنه إنما يقتدي بهم فيما أقروا عليه ولم ينسخ ولم ينسه فيما نسخ وحينئذ فيكون التأسي بهم مشروعًا مأمورًا به لا يمنع وقوع ما ينهون عنه ولا يقرون عليه لا من هذا ولا من هذا وإن كان اتباعهم في المنسوخ لا يجوز بالاتفاق. والذي أجمع عليه جمهور المسلمين من سلف الأمة وأئمتها في شأن الأنبياء أن الله يصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس والله أعلم حيث يجعل رسالاته فالنبي يختص بصفات ميزه الله بها على غيره وفي عقله ودينه واستعد بها لأن يخصه الله بفضله ورحمته، فالأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون والشهداء والصالحون، فالنبي مع وقوع الذَّنْبَ الذي هو بالنسبة إليه ذنب وقد لا يكون ذنبا من غيره مع تعقبه بالتوبة والإستغفار لا يقدح في كون الرجل من المقربين السابقين ولا الأبرار ولا يلحقه بذلك وعيد في الآخرة فضلًا عن أن يجعله من الفجار. فليس من تاب إلى الله تعالى وأناب إليه بحيث صار بعد التوبة أعلى درجة مما كان قبلها منقوصًا ولا مغضوضًا منه، بل هذا مفضل عظيم مكرم وبهذا ينحل جميع ما يوردونه من

стр. 813

الشبه حول آدم ﵇. والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال فلا ينظر إلى نقص البداية ولكن ينظر إلى كمال النهاية، وإذا ابتلى العبد بالذنب وقد علم أنه سيتوب منه ويتجنبه ففي ذلك من حكمة الله ورحمته بعبده أن ذلك يزيده عبودية وتواضعا وخشوعا وذلا ورغبة في كثرة الأعمال الصالحة ونفرة قوية عن السيئات فإن النبي ﷺ قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وذلك أيضًا يدفع عنه العجب والخيلاء ونحو ذلك مما يعرض للإنسان وهو أيضًا يوجب الرحمة لخلق الله ورجاء التوبة والرحمة لهم إذا أذنبوا وترغيبهم في التوبة. وهو أيضًا يبين من فضل الله وإحسانه وكرمه ما لا يحصل بدون ذلك كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم، وهو أيضًا يبين قوة حاجة العبد إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه في أن يستعمله في طاعته ويجنبه معصيته وأنه لا يملك ذلك إلا بفضل الله عليه وإعانته له فإن من ذاق مرارة الابتلاء وعجزه عن دفعه إلا بفضل الله ورحمته كان شهود قلبه وفقره إلى ربه واحتياجه إليه في أن يعينه على طاعته ويجنبه معصيته أعظم ممن لم يكن كذلك. ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، ولهذا تجد التائب الصادق أثبت على الطاعة وأرغب فيها وأشد حذرا من الذَّنْبَ من كثير من الذين لم يبتلوا بذنب، وقد تكون التوبة موجبة له من الحسنات ما لا يحصل لمن يكن مثله تائبا من الذَّنْبَ (١). فمن يجعل التائب الذي اجتباه الله وهداه منقوصا بما كان من الذَّنْبَ الذي تاب منه وقد صار بعد التوبة خيرًا مما كان قبل التوبة فهو جاهل بدين الله تعالى وما بعث الله به رسوله، ولسنا نقول إن كل من أذنب وتاب فهو أفضل ممن لم يذنب ذلك الذَّنْبَ بل هذا يختلف باختلاف أحوال الناس فمن الناس من يكون بعد التوبة أفضل ومنهم من يعود إلى ما كان ومنهم من لا يعود إلى مثل حاله والأصناف الثلاثة فيهم من هو أفضل ممن لم يذنب

стр. 814

ويتب وفيهم من هو مثله وفيهم من هو دونه (١). الثالثة: أسباب مغفرة الذنوب للعبد . فإن الذنوب مطلقًا من جميع المؤمنين هي سبب العذاب لكن العقوبة بها في الآخرة في جهنم تندفع بنحو عشرة أسباب: السبب الأول: التوبة فإن التائب من الذَّنْبَ كمن لا ذنب له والتوبة مقبولة من جميع الذنوب الكفر والفسوق والعصيان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٣، ٧٤]، فالتوبة عامة لكل عبد مؤمن كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣]. وقد أخبر الله في كتابه عن توبة أنبيائه ودعائهم بالتوبة كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال موسى ﵇ ﴿قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦]، فالتوبة مشروعة لكل عبد للأنبياء ولمن دونهم وأن الله سبحانه يرفع عبده بالتوبة وإذا ابتلاه بما يتوب منه فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين وهو يبدل بالتوبة السيئات حسنات والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك مالم يكن يحصل قبل ذلك ولهذا قال طائفة من السلف إن العبد ليفعل الذَّنْبَ فيدخل به الجَنَّة ويفعل الحسنة فيدخل بها النار يفعل الذَّنْبَ فلا يزال نصب عينيه إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجَنَّة ويفعل الحسنة

стр. 815

فيعجب بها فيدخل النار. السبب الثاني: الاستغفار فإن الاستغفار هو طلب المغفرة وهو من جنس الدعاء، والسؤال وهو مقرون بالتوبة في الغالب ومأمور به لكن قد يتوب الإنسان ولا يدعو وقد يدعو ولا يتوب، والتوبة تمحو جميع السيئات وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة. السبب الثالث: الأعمال الصالحة . فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال النبي ﷺ لأبي ذر يوصيه: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" (١)، وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢)، وقال ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٣)، وغير ذلك الكثير من الآيات والأحاديث. إن الإنسان قد يقول إذا كفر عنى بالصلوات الخمس فأي شىء تكفر عني الجمعة أو رمضان وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفره من السيئات، فيقال: أولًا العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل المقبول، والله تعالى إنما يتقبل من المتقين. فإن الله لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصًا لوجه الله تعالى، صاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه وإن تقبل منه عملًا آخر، وإذا كان الله يتقبل ممن يعمل العمل على

стр. 816

الوجه المأمور به. ففي السنن عن عمار عن النبي ﷺ أنه قال: "إن العبد لينصرف عن صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها حتى قال إلا عشرها" (١)، وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، وفي الحديث: "رب صائم حظه من صيامه العطش ورب قائم حظه من قيامه السهر" (٢)، وكذلك الحج والجهاد وغيرهما. فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال وأكثر الناس يقصرون في الحسنات حتى في نفس صلاتهم فالسعيد منهم من يكتب له نصفها وهم يفعلون السيئات كثيرًا فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء وبما يقبل من الجمعة شيء وبما يقبل من صيام رمضان شيء آخر وكذلك سائر الأعمال وليس كل حسنة تمحو كل سيئة بل المحو يكون للصغائر تارة ويكون للكبائر تارة باعتبار الموازنة. والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله له به كبائر كما في الترمذي وابن ماجة وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر فيقال هل تنكر من هذا شيئًا فيقول لا يا رب فيقول لا ظلم عليك فتخرج له بطاقة قدر الكف فيها شهادة أن لا إله إلا الله فيقول أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات فتوضع هذه البطاقة في كفيه والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات". (٣) فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخصهالا فأهل الكبائر (من المسلمين) الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا إله إلا الله ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجم قول صاحب البطاقة. وفي الصحيحين إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم

стр. 817

حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له موقها فسقته به فغفر لها. فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل ما بغى سقت كلبا يغفر لها وكذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق فعله إذ ذاك بإيمان خالص وإخلاص قائم بقلبه فغفر له بذلك فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كل من نحى غصن شوك عن الطريق غفر له، قال الله تعالى: (﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فالناس يشتركون في الهدايا والضحايا والله لا يناله الدم المهراق ولا اللحم المأكول والتصدق به لكن يناله تقوى القلوب، فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب وما في القلوب يتفاضل لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله عرف الإنسان أن ما قاله الرسول كله حق ولم يضرب بعضه ببعض. والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس بمجرد صورها الظاهرة بل لحقائقها التي في القلوب، والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلًا عظيمًا. السبب الرابع: الدعاء للمؤمنين . فإن صلاة المسلمين على الميت ودعاءهم له من أسباب المغفرة. السبب الخامس: دعاء النبي ﷺ -. واستغفاره في حياته وبعد مماته كشفاعته يوم القيامة. السبب السادس: ما يفعل بعد الموت من عمل صالح يهدي له مثل من يتصدق عنه ويحج عنه ويصوم عنه . السبب السابع المصائب الدنيوية التي يكفر الله بها الخطايا كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. (١)

стр. 818

السبب الثامن: مما يبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة وفتنة الملكين . السبب التاسع: مما يحصل له في الآخرة من كرب أهوال يوم القيامة . السبب العاشر: ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجَنَّة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجَنَّة (١). الرابعة: الله يقضي بين عباده ولا يظلم أحدًا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الله ينتصف من العباد ويقضي بينهم بالعدل وأن القضاء بينهم بغير العدل ظلم ينزه الله عنه وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فإن ذلك ينزه الله عنه بل لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الله تعالى يقول: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (٢)، فقد حرم على نفسه الظلم كما كتب على نفسه الرحمة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، فالله سبحانه يحسن ويعدل ولا يخرج فعله عن العدل والإحسان ولهذا قيل كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل. وعلى هذا فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزه الله عنه وأما إثابة المطيع ففضل منه وإحسان (٣). قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، فالصواب الذي دلت عليه النصوص أن الظلم الذي حرمه الله على نفسه وتنزه عنه فعلا وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره ولا يعذب بما لم تكسب يداه ولم يكن سعى فيه ولا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها إذا قارنها أو طرأ عليها ما يقتضي إبطالها أو اقتصاص المظلومين منها وهذا الظلم الذي نفى الله تعالى خوفه عن

стр. 819

العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ (١). قال أهل السنة والحديث ومن وافقهم: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة، وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة، ويضعها بوضعها لما في ذلك من الحكمة ولا يعاقب أهل البر والتقوى، وهذا قول أهل اللغة قاطبةً. وقال المفسرون من السلف، والخلف قاطبةً: أنَّ الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم هو أن ينقص من حسنات العامل (٢). إن سائر أهل السنة الذين يقرون بالقدر ليس فيهم من يقول إن الله تعالى ليس بعدل ولا من يقول إنه ليس بحكيم ولا فيهم من يقول إنه يجوز أن يترك واجبًا ولا أن يفعل قبيحًا، فليس في المسلمين من يتكلم بمثل هذا الكلام (٣). وإن الظلم مقدور ممكن والله تعالى منزه لا يفعله لعدله ولهذا مدح الله نفسه حيث أخبر أنه لا يظلم الناس شيئًا والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه لا بترك الممتنع، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قالوا: الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن يهضم حسناته، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي لا تنقص من حسناتها ولا تعاقب بغير سيئاتها فدل على أن ذلك ظلم ينزه الله عنه، ومثل هذا في القرآن في غير موضع مما يبين أن الله ينتصف من العباد ويقضي بينهم بالعدل وأن القضاء بينهم بغير العدل ظلم ينزه الله عنه

стр. 820

وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره (١). قال تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ أي لا يضيع جزاء من أحسن ولو بمثقال ذرة فدل على أن إضاعتها وترك المجازاة بها مع عدم ما يبطلها ظلم يتعالى الله عنه ومعلوم أن ترك المجازاة عليها مقدور يتنزه الله عنه لكمال عدله وحكمته ولا تحتمل الآية قط غير معناها المفهوم منها وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مهو، فالله لا يعاقب العبد بغير إساءة ولا يحرمه ثواب إحسانه، ولا يحمل أحد في وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه (٢). الله ليس كمثله شيء، فلا تماثل صفات الله وأفعاله صفات خلقه وأفعالهم فسلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم وأهل العلم بالكتاب والسنة متفقون على أن الله موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يتأولون كلام الله بغير ما أراده ولا يمثلون صفات الخالق بصفات المخلوق بل يعلمون أن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل هو موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص وليس له مثل في شيء من صفاته (٣). الخامسة: أعمال العبد الصالحة هي من توفيق الله وليست ثمنًا ولا عوضًا الله يتصرف في خلقه بالعدل لا بالظلم وبالإحسان لا بالإساءة وبالصلاح لا بالفساد، فهو يأمرهم وينهاهم إحسانًا إليهم وحمايةً وصيانةً لهم ولا حاجة إليهم ولا بخلًا عليهم، بل جودًا وكرمًا ولطفًا وبرًا، ويثيبهم إحسانًا وتفضلًا ورحمةً لا لمعاوضة

стр. 821

واستحقاق منهم، ودين واجب لهم يستحقونه عليه، ويعاقبهم عدلًا وحكمةً لا تشفيًا ولا مخافةً ولا ظلمًا (١). وأنه سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وله النعمة السابغة على خلقه، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم، وأنه سبحانه لا يعاقب أحدًا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره (٢). أعمالنا لا توجب على الله لنا ثوابًا: فأعمالنا لا أثر لها في إيجاب شيء أو تحريمه على الله، ومصدر الإيجاب والتحريم هو الله ، إذ أنه لم يخل بما وعد به، فإذا كانت الجَنَّة ثوابه والنار عقابه، وقد أوعد بهما، فإنه يفي بوعده دون أن يوجب عليه الخلق شيئًا، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه، وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال، والغاية المرادة به الجزاء بالعدل، والثواب والعقاب، وفضل الله على عباده غير مقيد بقدر أعمالهم (٣). دخول العباد الجنة بفضل الله ورحمته: إن الله قدر دخول الجَنَّة بالأعمال ودخول النار بالأعمال، وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السرور في الدنيا الآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب (٤). عمل العبد الصالح لا يوفي حق الله عليه: فالرب ﵎ هو المنعم حقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وُزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزءًا يسيرًا جدًّا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه، وأنه كلما كملت نعمة الله على العبد عظم حقه

стр. 822

عليه، وكان ما يطالب به من الشكر أكثر مما يطالب من دونه، فيكون حق الله عليه أعظم، وأعماله لا تفي بحقه عليه فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدًا مملوكًا مستعملًا فيما يأمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس له شيء، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله، بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه (١). الأعمال الصالحة أسباب لا أعواض ولا أثمان: قال النبي ﷺ : لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فإنها إنما تدل على أن الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي ﷺ في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب (٢). شكر الله على نعمه لا يقدر على القيام به أحد، لكثرة نعم الخالق وتقصير المخلوق: الله هو المنعم المالك على الحقيقة الذي لا تُعد نعمه وحقوقه على عبده، ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه، فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمنًا لرحمته البتة، فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدًا عيش البتة، ولا عرف خالقه ولا ذكره ولا آمن به ولا أطاعه، ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام به فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه ولا تنفعه طاعاته ولا يسمع دعاؤه. وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره، وعلى قدر نعمه، ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد، وله المطالبة به، وأن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه، فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه، فإن لم يحفظهم

стр. 823

هلكوا، وإن لم يرزقهم هلكوا، وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا، ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (١). ولا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره، ولا ينقص من حسناته ما يتحمل، فهذا هو العقول من الظلم ومن عدم خوفه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ فلما نفى الظلم عن نفسه وأثبته لهم دل على أن الظلم المنفي أن يعذبهم بغير جرم، وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم، ولا تحتمل الآية غير هذا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. ولا ريب أن هذا مذكور في سياق التحريض على الأعمال الصالحة والاستكثار منها، فإن صاحبها يجزي بها ولا ينقص منها بذرة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فأخبر أنه ليس على أحد في وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه. فالنصوص تقتضى كمال عدله وحكمته وغناه، ووضعه العقوبة والثواب مواضعهما، وأنه لا يعدل بهما عن سننهما، وأنه لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لكان ذلك تعذيبًا محقه عليهم، وكانوا إذ ذاك مستحقين للعذاب؛ لأن أعمالهم لا تفي بنجاتهم (ولو رحمهم لكان رحمته خيرًا لهم من أعمالهم)، فلو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكان ذلك لمجرد فضله وكرمه لا بأعمالهم (٢). فجميع عباده تحت عفوه ورحمته وفضله، فما نجى منهم أحدًا إلا بعفوه ومغفرته، ولا فاز بالجنة إلا بفضله ورحمته (٣).

стр. 824

الله غني عن خلقه، فلا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي: فبين سبحانه أن ما أمرهم به من الطاعات، وما نهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم ولا استدفاع ضررهم، كأمر السيد عبده والوالد ولده، والإمام رعيته بما ينفع الامر والمأمور، ونهيهم عما يضر الناهي والمنهي، فبين تعالى أنه المنزه عن لحوق نفعهم وضرهم به في إحسانه إليهم بما يفعله بهم وبما يأمرهم به، وأنهم لو أطاعوه كلهم لم يزيدوا في ملكه شيئًا، ولو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شيئًا، وأنه الغني الحميد، ومن كان هكذا فإنه لا يتزين بطاعة عباده، ولا تشينه معاصيهم، ولكن له من الحكم البوالغ في تكليف عباده وأمرهم ونهيهم ما يقتضيه ملكه التام وحمده وحكمته، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجب من عباده شكر نعمه التي لا تحصى بحسب قواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظم وأجلُّ من أن يقدر خلقه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمح به طبائعهم وقواهم، فلا شيء أحسن في العقول والفطر من شكر المنعم، ولا أنفع للعبد منه فهذان مسلكان آخران في حسن التكليف والأمر والنهي: أحدهما: يتعلق بذاته وصفاته وأنه أهل لذلك وإن جماله تعالى وكماله وأسماءه وصفاته تقتضي من عباده غاية الحب والذل والطاعة له. والثاني: متعلق بإحسانه وإنعامه ولا سيما مع غناه عن عباده وانه إنما يحسن إليهم رحمة منه وجودًا وكرمًا لا لمعاوضة ولا لاستجلاب منفعة ولا لدفع مضرة وأي المسلكين سلكه العبد أوقفه على محبته وبذل الجهد في مرضاته. (١) فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الحكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي المَعَاشِ وَالمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إضَاعَتِهَا، فَالشَّرِيعَةُ الَّتِي بَعَثَ الله بِهَا رَسولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالمِ (٢). الله أفعاله كلها حكمة، فلا يناقض عدل رحمته:

стр. 825

أسماء الله كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب وأفعاله كلها حكمة ورحمة مصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة وهو المحمود على ذلك كله فيستحيل إضافة الشر إليه، فالنعم كلها من نعم الله وفضله على عبده وهو سبحانه لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله (١). فأهل الإيمان من أهل السنة والجماعة يعملون أن الله أنعم عليهم بالطاعات، وأنها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه، وأن المعاصي من نفوسهم الظالمة الجاهلة (٢). الله خلق خلقه وأقدرهم على فعل الخير والشر ابتلاء: ويتساءل أهل الباطل ويقولون: إذا كان الرب قادرًا على الفضل بمثل الثواب والعقاب ابتداءَ بلا واسطة عمل، فلما شرع التكاليف والبلوى والمشاق في هذه الحياة وأهل السنة يجيبونهم عن ذلك بالقول: لو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين من المعاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر جملة، بل تعطيل الملك والحمد والرب تعالى له الخلق والأمر وله الملك والحمد والغايات المطلوبة والعواقب المحمودة التي لأجلها أنزل كتبه وأرسل رسله وشرع شرائعه وخلق الجَنَّة والنار ووضع الثواب والعقاب وذلك لا يحصل إلا بأقدار العباد على الخير والشر وتمكينهم من ذلك فأعطاهم الأسباب والآلات التي يتمكنون بها من فعل هذا وهذا (٣). إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه.

стр. 826

وإن لم يرده ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادته الشر (١). فالعبد الموحد يشهد انفراد الرب بالخالق ونفوذ مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ما سبق لها في علمه وجرى به قلمه ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت أسبابًا مقتضية لها شرعًا وقدرًا وحكمة فشهوده توحيد الرب وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الاستعاذة ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيرا عاجزًا مسكينًا لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل الوسمع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير فيكون سيره بين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذي أقيم مقام العبودية وضمن له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ـ (٢). حكمة الله في التخلية بين العبد والذنب: فالله هو الحكيم الخبير يشهد له بالحكمة في تخليته بينه وبين الذَّنْب، وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له، وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله: ١ - أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم. ٢ - تعريفه العبد بحاجته إلى ربه، وأنه إن لم يحفظه ربه وهلك.

стр. 827

٣ - استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه. ٤ - تكميل مقام الذل والإنكسار عندما يذنب، فلا يغتر إليه بعمله وصلاحه. ٥ - تعريف الإنسان بحقيقة نفسه الحاصلة، وأن كل خير هو فضل الله. ٦ - تعريف العبد بعلم الله، وأنه لو شاء لعجل له العقوبة، ولكنه يعفو عنه. ٧ - تعريف العبد أن سبيل النجاة، وهو عفو الله وأنه كريم يقبل توبته. ٨ - أن يرحم الخلق ويقبل معاذيرهم، كما يحب أن يعفو الله عن ذنبه. ٩ - أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية. ١٠ - أن يعرف العبد مقداره مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته. ١١ - من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية. ١٢ - توبة العبد إلى ربه توجب مزيد حبه وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة. ١٣ - إن شهد إساءته وظلمه استقل عمل الكثير لعلمه أن الذي يصلح لفعل ذنوبه أضعاف ما يفعله، فهو دائمًا مستقل عمله ولا يعجب به. ١٤ - الوقوع في الذَّنْبَ يوجب له الحذر والتيقظ من مصايد العدو ومكايده. ١٥ - أنه قد يكون هناك أمراض في القلب لا يشعر بها، فعندما يقع في ذنب يطلب منه دواء فيشفى من ذنبه الخفي. ١٦ - أنه يذيقه ألم الحجاب، والبعد عن الله بارتكاب الذَّنْبَ، فيدفعه للتوبة والإنابة. ١٧ - امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته أم لا؟ ، فإن كان ممن يصلح تضرع لربه ليرده إليه، وإن استمر العبد في أعراضه وما سُلب منه من حلاوة الطاعة، وإصراره على ذنبه عُلم أنه لا يصلح لله. ١٨ - الحكمة الإلهية في الابتلاء والاختبار لا يتم إلا بالوقوع في الذَّنْبَ الذي من موجبات البشرية. ١٩ - أن ينسيه رؤية أعماله الحسنة، ويشغله برؤية ذنوبه.

стр. 828

٢٠ - أن وقوع الذَّنْبَ الذي يجعله أن لا يرى لنفسه على أحد فضلًا، ويشتغل بعيب نفسه يوجب له المسامحة للخلق عن تقصرهم في حقه لعلمه أنه لم يقوم بحق الله عليه. (١) معنى العبادة، وبمَ تتحقق العبودية: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فجميع ما يحبه الله داخلًا في اسم العبادة، وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له التي خلق الخلق لها وبها أرسل جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، والعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة لله، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا لله. فالإله الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك، فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه ومحتاج إليه عرف عبوديته المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه. (٢) فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق وأضلهم (٣). وكلما قوى طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته، ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه، وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، من استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ذلك كل الضرر. ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله

стр. 829

والإخلاص له لم يكن شيء قط عنده أحلى من ذلك ولا أطيب ولا ألذ ولا أقنع، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوى في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى المحرمات بإخلاصه لله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك فإنه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل (١). المؤمن يحب الله لذاته: فطريق أهل العلم والإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه، وهي أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته، وأن الله سبحانه يستحقه لذاته، وهو سبحانه الحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له فهو يستحق ذلك؛ لأنه أهل أن يعبد ولو لم يخلق جنة ولا نارًا ولو لم يضع ثوابًا ولا عقابًا، وهو غاية سعادة النفس وكمالها والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته (٢). فالله فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكمال حبه والخضوع له والذل له وكمال طاعته وحده دون غيره وهذا من الحق الذي خلقت له، وبه قامت السموات والأرض وما بينهما، وعليه قام العالم، ولأجله خلقت الجَنَّة والنار، ولأجله أرسل رسله وأنزل كتبه، ولأجله أهلك القرون التي خرجت عنه وآثرت غيره، فكونه سبحانه أهلًا أن يُعبد ويُحب ويُحمد وُيثنى عليه أمر ثابت له لذاته، فلا يكون إلا كذلك، فهو سبحانه الإله الحق المبين والإله هو الذي يستحق أن يوله محبةً وتعظيمًا، فهو الإله الحق، ولو لم يخلق خلقه وهو الإله الحق، ولو لم يعبدوه فهو المعبود حقًّا إلا له حقًّا المحمود حقًّا، ولو قدر أن خلقه لم يعبدوه ولم يحمدوه ولم يألهوه، فهو الله الذي لا إله إلا هو قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يغنيهم.

стр. 830

ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ما دامت فطرها وعقولها سليمة، فلا ريب أن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب (١). فعبد الله من يرضيه ما يرضى الله وشمخطه ما يسخط الله ويحب ما أحب الله ورسوله، فجعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات (٢). فكلما ازداد القلب حبًا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه، فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة، وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائما مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). ولن يخلص العبد من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله لا يحب شيئًا لذاته إلا لله، ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة لا إله إلا الله، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، فكلما قوى إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عن الخلق، فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا

стр. 831

يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه بصحة مزاجه، فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب (١). فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعى محبة الله، فالدين الحق تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا (٢). فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضه له ومقته لفاعله، وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار عمل بموجب هذا العلم، ومن ظن أنه يقوى ما على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، ومحبة الله هي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه فإن المحب لمن يحب مطيع. وأمر الله جميع المؤمنين من أولهم إلى آخرهم بالتوبة ولا يستثني من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة لقال: قال رسول الله ﷺ : لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في محبتها شدة فرحه بها، فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها، فإن من زعم أن أحدًا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية،

стр. 832

وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظِّم له، إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات، وأكمل الخلق أكملهم توبةً وأكثرهم استغفارًا (١). فحال العبد مع ربه في جميع أعماله، فهو يعلم أنه لا يوفي هذا المقام حقه، فهو أبدًا يستغفر الله عقيب كل عمل، والعارف يسير بين مشاهدة المنة من الله ومطالعة عيب النفس والعمل، فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه وحمده والثناء عليه ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه سبحانه (٢). السادسة: كيف تكون الأعمال الصالحة أسبابًا للتكفير عن الذَّنْب ؟ لكي نفهم صلاحية الأعمال الصالحة لتكفير الذنوب فإننا نحتاج أن نتعرف على معنى الإسلام والإيمان، فإن الإسلام يعني الاستسلام والانقياد والخضوع لك، والإيمان يدخل في مسماه جميع ما يحب الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وجميع الطاعات فرضها ونقلها تدخل في مسماه سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب، فأصل الإيمان هو ما في القلب والأعمال الظاهرة لازمة لذلك. (٣) ولا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كانت لنقص الإيمان الذي في القلب فلا يكتفي بإيمان القلب بل لابد معه من الأعمال الصالحة، ولذا قال ﷺ : "في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله"، فإن إيقان العبد بلقاء ربه واطمئنان قلبه الإيمان ببعث الجوارح كلها للقيام بالعمل الصالح، وعندما يكون الإيمان في القلب فإن ذلك يدعوا صاحبه لعمل المأمور وترك المحظور، والناس يتفاوتون في إيمانهم على أقسام ثلاثة (سابق بالخيرات، ومقتصد، وظالم لنفسه)، فالسابقون مختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقون

стр. 833

للجنة، والظالم لنفسه هو الواقع في المعاصي والآثام. (١) والناس يتفاضلون في أعمالهم بتفاضل الإيمان في قلوبهم، فإذا فسد القلب فسد إرادته ففسدت الجوارح كلها، وانبعثت في معاصي الله ، ولم تقنع بالحلال، والمؤمن يزيد إيمانه بالعمل الصالح، ولحصول هذه الزيادة فإنه لابد له من التوكل على الله والاستعانة به فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما لا يقدر عليه، فالإيمان ليس مجرد التصديق بل لابد من أعمال قلبية تستلزم أعمال ظاهرة، فحسب ما أمر الله وبنقص ما نهى عنه من أخص الأمور بالإيمان، والعبد حين يقع في الذَّنْب يكون ناقص الإيمان، لذلك قال النبي ﷺ : "لا يزني الزاني وهو مؤمن ... "؛ لأنه لو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة أوجب الله الذي يغلبها لم يزن ولم يعص الله فمن كان مخلصًا الله حق الإخلاص لم يعصِ الله (لم يزن)، إنما يعصي (أو يزني) لخلوه من ذلك. والإيمان الذي ينزع من السلم حال وقوعه في الذَّنْب لا ينزع منه نفس التصديق ولهذا قيل هو مسلم وليس بمؤمن، فإن المسلم المستحق للثواب لا بد أن يكون مصدقًا، وإلا كان منافقًا ولكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الأحوال الإيمانية مثل كمال محبة الله ورسوله وخشيته لله والإخلاص له في الأعمال، بل يكون مصدقًا بما جاء به الرسول ﷺ وهو واقع في المعصية مثل الزنا والرياء ... إلخ. ولابد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وخشيته وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانًا البتة، وكل عاص لله فهو جاهل وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعصه، فإنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعصية، فمن عرف الله أحبه ومن أحبه أطاعه، فإن المحبة تقتضي الطاعة فمن ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب. (٢)

стр. 834

والأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه، وصدقته على عبده، فإنه أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها وحببها إليه وزينها في قلبه، وكره إليه أضدادها، فالحسنات التي هي الإيمان والعمل الصالح مصدرها من الله وغايتها منتهية إليه، والسيئات من النفس قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل الله ومنه، فالأعمال الصالحة وإن كانت أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاءها له سواه، فالنعم وأسبابها من الله وقبول العمل منه وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أي من الذين يتقونه في العمل، والتقوى في العمل بشيئين أحدهما إخلاصه لله، والثاني أن يكون مما أمره الله به، ولا يقبل العمل حتى يكون خالصًا وصوابًا، خالصًا بأن يكون لله صوابًا أن يكون على السنة فالسعيد يخاف في أعماله أن لا يكون صادقًا في إخلاصه الدين لله أو أن لا تكون موافقة لما أمر الله به على لسان رسوله، وهذا حال الصالحين كانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم ويخافون ألا يكون قبل منهم ذلك فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف وشدة الاجتهاد في العمل الصالح، وإن التائب توبة نصوحًا، مغفور له جزمًا، ولكن المؤمن يتهم توبته، ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها فلا يزال خائفًا من ذنبه وجلًا. (١) ومعنى التوبة وحقيقتها: هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. والنصح في التوبة: تخليصها من كل غش وفساد وإيقاعها على أكمل الوجوه. والصدق فيها والإخلاص وتعميم الذنوب بها، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث، والذنوب إنما تغلظ وتكبر في حق من تكررت منه مرارا عديدة، واتخذ الذَّنْب عادته. (٢) شروط التوبة: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ:

стр. 835

١ - أن يقلع عن المعصية. ٢ - أن يندم على فعلها. ٣ - أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا. ٤ - رد المظلمة إذا كان الذَّنْب يتعلق بحق آدمي. فالواجب على العبد الندم والاستغفار والاشتغال بالتكفير بحسنة تضاده، فإن لم تساعده النفس على الندم على الترك لغلبة الشهوة، فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يعجز عن الواجب، الثاني: وهو أن يدرأ بالحسنة السيئة ليمحوها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فإن قلت: فكيف يكون الاستغفار نافعًا من غير حل عقدة الإصرار؟ فنقول: الاستغفار الذي هو توبة الكاذبين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون لقلب فيه شركه، فأما إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى الله تعالى وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نية ورغبة، فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة. والمقصود أن للتوبة ثمرتان: إحداهما تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له. الثانية: نيل الدرجات حتى يصير حبيبًا. فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن خلا من حل عقدة الإصرار من أوائل الدرجات، فليس يخلو من الفائدة أصلًا فلا ينبغي أن يظن أن وجودها كعدمه. درجات الأعمال الصالحة في تكفير الذنوب الكبائر والصغائر هي: أولًا: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر، الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر، والفائدة من تعدد وتنوع الأعمال الصالحة التي تصلح لتكفير الذنوب سواء كانت صلاة أو صوم أو صدقة أونحو ذلك، فإن وجد ما يكفره من الصغائر يكفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة تثبت به حسنات ورفعت به درجات.

стр. 836

أما بالنسبة لما تكفره الأعمال الصالحة من الذنوب الصغائر والكبائر فإن العلماء اختلفوا هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر؟ أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فإن أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفرة كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر فهذا باطل، وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع فلا يغتر جاهل فينهمك في الموبقات اتكالا على أنَّها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة، فقد تمحى الكبيرة وتكبر الصغيرة فتهلك، فينبغي أن يكون الناس على وجل فلا يتجرءون على الصغائر اعتماد تكفير الأعمال، اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، فإن الذَّنْب استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يصدر عن الألف به وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات، والمحذور تسويده بالسيئات، ظلمة المعصية تمحى بحرقة الندم، وشدة المجاهدة بالترك في المستقبل. وغفران الذنوب يرجى للعبد إذا كان قد غلبته شهوته، وليس للعبد المستهتر، فإن هؤلاء الذين لا ينالون بذنب يقترفونه ولا يقدمون خوفًا ولا يدعون شهوة يحال بينهم دين التوبة غالبًا، ومن اعتمد على التقوى مع الإصرار على الذَّنْبَ فهو كالمعاند، فإن التائب توبة نصوحًا مغفور له جزمًا، ولكن المؤمن يتهم توبته ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها، فلا يزال خائفًا من ذنبه وجلًا. وإن حسن الظن والرجاء هو الذي يحمل على العمل ويسوق إليه والمؤمن يقترن خوفه ورجاؤه بالعمل الصالح. (١) الوجه الخامس: شبهات متعلقة بالفداء والصلب والرد عليها . الشبهة الأولى: الرد على تبريرات النصارى من قتل المسيح . نحن المسلمون نسأل النصارى سؤالًا:

стр. 837

سلمنا جدلًا أن المسيح قد قتل فما ذنب المسيح البريء حتى يدفعه الله ليُقتل ويُصلب عن الناس؟ فيجيب النصارى عن ذلك السؤال بالآتي: ١ - أن أنبياء الله قُتلوا بلا ذنب اقترفوه كما قرر ذلك القرآن، والله يكافئهم على ذلك. ٢ - أن مبدأ الإنابة (تحمل المسيح الصلب كفارة للبشر) مبدأ سليم ما دام أن من سيتوب يوافق القيام بالمهمة، وأن المسيح فعل ذلك بدافع المحبة وبرغبته مختارًا بدون إجبار ليقدم الفداء للكنيسة ولكل من يؤمن بها. ٣ - أن موت المسيح (الإله) لم يكن فجائيًا غير متوقع بالنسبة له كما يظن البعض ذلك، وينسون أن دم المسيح مكتوب عنه في العهد القديم في شكل نبوءات منذ آلاف السنين، فالذبائح كلها ترمز إلى ذبيحة المسيح، كذلك كل القرابين سواء في عيد الفصح أو غيرها. ٤ - أن الصلب كان هو الوسيلة التي بواسطتها يهزم الله بها الشيطان ويفتح للإنسان أن يعود للشركة مع الله. ٥ - أن ذلك بمقتضى عدالة الله ورحمته التي يلزم الجمع بينهما. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: القول بأن قتل المسيح (الإله كما يزعمون) بدون ذنب اقترفه مثل كمثل قتل الأنبياء من قبل أعدائهم، وأخذوا مكافأة على ذلك الفعل من الله كما قرر القرآن . وللرد على ذلك نقول أن الأنبياء هم بشر اصطفاهم الله ومن قبل عن النبيين وهو صابر، فإن أولئك صبروا حتى قتلوا واستشهدوا فأثابهم الله على ذلك بخلاف النصارى فإنها تعتقد أن المسيح إله، ولو أنَّها قالت بنبوة المسيح وادعت أنه صُلب لكان بالإمكان مناقشة الأمر على اعتبار أن المسيح بشر، وقد يتعرض لما يتعرض له البشر (١). فالنصارى يرون في صلب المسيح كما يقولون عملية فداء للبشرية وخلاص، ولكن إذا كان المسيح إلهًا فهل صلبه برهان على ألوهيته؟ فأخبرونا مَنِ الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام في تلك الأيام؟ ، وكيف كان حال الوجود والإله في اللحود؟ ! ومَن الذي دَبَّر السماء والأرض وخلقه فيها بالبسط والقبض

стр. 838

والرفع والخفض؟ ! وهل دُفنت الكلمة بدفنه وقُتلت بقتله أم خذلته وهربت مع تلاميذه؟ . فإن كان قد دفنت بدفنه، فإن قبرًا وسع الإله القديم لقبر عظيم، وإن كانت قد فَرَّت وأسلمته، فكيف تصحّ مفارقتها له بعد اتّحادها به؟ ! أين ذهب الاتّحاد وكيف بطل الامتزاج؟ ! (١). الوجه الثاني: قولهم بأن الإنابة مبدأ سليم طالما أن من سينوب قبل ذلك مختارًا غير محدد . والرد على ذلك نقول: قولهم بأن المسيح اختار الصلب يكفيه حال المسيح عند الصلب، كما يزعمون ويرونها في كتبهم؟ وسؤالنا للفكر النصراني الذين يرون في أن آلام وموت المسيح كانت معجزات وانتصارات لا كوارث ولا تراجع، ويرون في صلب الإله المسيح كما يقولون عملية فداء للبشرية، فإذا كان المسيح إلهًا، فهل تُقبل عملية الصلب بدون أي تذمر؛ لأنه يعرف أنه إله ومجرد صلبه هو صلب للمادة والجسد وليس النور الإلهي (٢). وإن الناسوت (الابن المتجسد كما يزعمون) استغاث عند صلبه وقال إلهي إلهي لماذا تركتني وإن كان هو قد فعل ذلك مكرا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق فناسوته أعلم بذلك من جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ذلك من الحكمة وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما جرى عليه كان بغير اختياره. ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا على المكر بالعدو ولم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما وافقه على أنه يحمل الصواع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر الصواع في رحله كما جزع إخوته حيث لم يعلموا وكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي يصفون به

стр. 839

المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية (١). الوجه الثالث: يقولون إن موت المسيح على الصليب كان من إعداد إلهي مسبق، ولم يكن فجائيًا كما يظن البعض، ويظهر ذلك شغل النبوءات التي في العهد القديم منذ آلاف السنين، فالذبائح كلها ترمز لدم المسيح . وللرد على ذلك نقول: إن العهد الجديد عند النصارى يركز على أن الصلب أساسًا لتحقيق هدف جاء من أجل المسيح يسوع إلى الدنيا وتحقيقًا لرغبة إلهية ورحمة من الرب نحو شعبه، ولذلك ركزت إصحاحات العهد الجديد في الأناجيل الأربعة على فكرة أن يسوع كان يعرف مهمته في الحياة، وأنه مكتوب عليه التضحية ليخلص الناس. ويرون أن المسيح قدم نفسه قربانًا فداءً للبشرية وتكفير عن خطاياها، ويرون أن المسيح قدم نفسه طوعًا، واختار أن يكون كمجرم علق جسده على مشنقة من أجل أن يبذل نفسه فداءً عن كثيرين، وأن موت يسوع الاختياري فداء غالي الثمن حيث يستبدل تقديم الذبائح غير العاملة بالذبيحة الشخصية والاختيارية، فيسوع لم يأت ليخدم، بل ليُخدم ولبذل نفسه فداءً عن كثيرين (٢). فالنصارى يقولون أن المسيح ﵇ هو الله، وأنه ما نزل في هذا العالم وما انحط مستوى البشر إلا ليخلص الناس من ذلك الذَّنْب المزعوم، فإذا كان هذا هو السبب الوحيد الذي أُرسل من أجله المسيح فلِمَ لم يقل عنه شيئًا ولِمَ لم يبينه، لقد كان المسيح معلم الشعب، فإذا كان نزل للفداء كان عليه أن ما جاء من أجله خاصة (٣). وادعاؤكم الألوهية في المسيح ما الحجة فيه عندكم؟ هل قالت كتب النبوات فيه ذلك أو هل قاله عن نفسه أو قاله أحد عن تلامذته والناقلين عنه الذين هم عماد دينكم وأساسه، وفي كلامهم بأنه رجل جاء من عند الله ونبي له قوة وفضل فتأولتم في ذلك

стр. 840

أنه أخرج كلامه على معنى الناسوت ولو كان كما تقولون لأفصح عن نفسه بأنه إله كما أفصح بأنه عبد ولكنه ما ذكره ولا ادعاه ولا دعا إليه ولا ادعته له كتب الأنبياء قبلة ولا كتب تلامذته ولا حكي عنهم. (١) الوجه الرابع: قولهم أن الصلب هو الوسيلة التي بها يُهزم الشيطان ويعود الإنسان للشركة مع الله ولا سبيل غير ذلك . وللرد على ذلك نقول: نقول ليس هناك مناسبة بين الصلب وتخليص البشر من الشيطان، فادعاء النصارى الباطل بأن معصية آدم بالأكل من الشجرة ومخالفته لوصية الله جلبت عليه الموت وعلى سائر ذريته وأن بمقتضى صفة العدل كان على الله أن يخرج آدم من الجَنَّة وأن تظل اللعنة تلاحق أبناءه فيذهب كل من يموت منهم إلى الجحيم وتظل روحه حبيسة في أسر إبليس، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يدبر وسيلة ينقذ بها البشرية من العذاب، فلم يجد أفضل من إرسال ابنه الوحيد متجسدًا في رحم مريم ومتأنسًا من الروح القدس متخذًا جسدًا بشريًا ليخدع إبليس الذي سيسارع باختطاف روحه - بعد موته - وأسرها في الجحيم ظنًا منه أن تلك الروح من ذرية آدم. فبطلان هذا الادعاء من وجوه متعددة: أن إبليس إذا كان قد أخذ ذرية آدم بذنب أبيهم فلا فرق بين ناسوت المسيح وغيره وإن كان أخذهم بالخطايا فلماذا يأخذهم بخطيئة أبيهم؟ أن العقل يرفض أن يذنب آدم وبنوه ثم يعاقبهم إبليس بغير إذن من الله في ذلك. إن ذرية آدم يخطئون من بعد المسيح كما كانوا يخطئون قبله، فكيف يجوز أن يتمكن إبليس من عقوبة الأنبياء المتقدمين ولا يمكن من عقوبة الكفار والجبابرة بعد المسيح؟ إن دخول ذرية آدم جهنم إما أن يكون عدلًا من إبليس فلا يجوز أن يحتال عليه ليمنع من العدل، وإما أن يكون ظلمًا منه، والرب أحق منعه قبل المسيح، فإن لم يكن قادرًا على ذلك ووُصف بالضعف والعجز، وذلك كفر صريح.

стр. 841

الشبهة الثانية: الرد على أن الأعمال الصالحة لا تفي حق الله فيما وقع فيه الإنسان من خطايا . نص الشبهة: إن الأعمال الصالحة التي نقوم بها نحن الخطاة - لا يمكن الخطأ في حق الله الذي لا حد لقداسته وبره وحقه -، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تحصل لنا أي صفح لأنَّها أعمال محدودة، فأثر العمل الصالح محدود وحق الله غير محدود، والشيء المحدود لا يفي مطالب أمر ليس له حدود، فالأعمال الصالحة إرضاء الله وليس للتكفير عن الخطية، وإننا بكل أعمالنا الصالحة لا نستطيع أن تكفِّر عن خطايانا لأن خطايانا هي تعدِّ حدود الله، وحقوق الله لا حد لها كما أن ذاته لا حد لها، بينما أعمالنا الصالحة مهما كثرت وتنوعت فهي محدودة، والأعمال المحدودة لا تستطيع أن تكون تكفيرًا عن إساءة موجهة إلى حقوق غير محدودة، وإن الله وحده هو الذي يستطيع أن يكفِّر عن الإنسان لأنه هو وحده الذي يعرف حقوقه غير المحدودة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هناك اختلاف في المقصود بحق الله عند كلٍّ من المسلمين والنصارى . هناك فارق بين المسلمين والنصارى في تعريف حق الله. فالمسلمون يرون أن حق الله هو ما يستحقه الله على عباده مما جعله الله محتمًا عليهم من عبادته سبحانه وتوحيده وعدم الإشراك به شيئًا. بينما النصارى يرون أن حق الله هو الإيمان بأن المسيح الإله كما يزعمون تجسَّد وصار إنسانًا ثم عاش وصُلب على الصليب كفارةً لخطايا البشر ومن أجل خلاصهم. وبناءً على ذلك يترتب الاختلاف في الطريقة الذي يوفِّي هذا الحق، فما السبيل إلى الوفاء بحق الله ؟ . المسلمون يرون أن حق الله يتمثل في عبادته بامتثال أمره واجتناب نهيه وتوحيده وعدم الإشراك به، وأن يتوجه بالعبادة له وحده، فالأعمال الصالحة يبتغي بها مرضاة الله الذي شرعها للقرب منه وللتكفير عن الذَّنْب. بينما النصارى يرون أنه لا جدوى من هذه الأعمال الصالحة أن الوسيلة الوحيدة لتكفير الذنوب والقيام بحق الله هي الاعتبار بأن المسيح الإله صُلب كفارةً عن خطايا البشر.

стр. 842

الوجه الثاني: لا تصلح الأعمال الصالحة للتكفير عن الذنوب عند النصارى لأن في القبول بذلك هدم لمعتقدهم ؟ . إن النصارى يزعمون أن البشر جميعًا خطاة بسبب وراثتهم لذنب آدم ﵇ الذي أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجَنَّة، وأن الإنسان بطبيعته الخاطئة التي ورثها من آدم ﵇ لا يستطيع القيام بحقوق الله إلا بإيمانه بأن المسيح الإله صُلب كفارةً لخطايا البشر، وبالتالي فإن النصارى يشككون في صلاحية الأعمال الصالحة للتكفير عن الذنوب، وذلك لأن في قبولهم بالأعمال الصالحة وسيلة لتكفير الذَّنْب هدم لأصل معتقدهم الذي هو الإيمان بأن صلب المسيح الإله لنفسه كوسيلة وحيدة لتكفير الذَّنْب. وحتى لا يصبح الناس مستهترين ومتكلون على الكفارة المجانية، فكل من يعتقد بأن المسيح صُلب فقد غُفر له كل خطاياه، ولذا فإن النصارى (الأرثوذكس) يقولون أنه لكي تحصل على الخلاص الذي تم بصلب المسيح لا بد أن تعمل أعمالا تتم هذا الخلاص من جهتك من خلال سلطان الكنيسة وممارسة طقوسها السبعة (المعمودية، الشكر، التوبة ... )، وهم في ذلك يتناقضون، فالخلاص المزعوم بصلب المسيح الإله هل تحقق به غفران الذنوب أم لم يتحقق؟ ، فإذا كان تحقق به غفران الذنوب فما هو فائدة أسرار الكنيسة السبعة، وإذا كان هو موقوف على ممارسة هذه الأسرار فكيف يمكن أن يقول أنه تم الخلاص. ثانيًا: أنَّ هذا التضخيم لذنب آدم والإدعاء أنه خطية لا محدودة ولا تصلح التوبة كعمل صالح لمحوها، وذلك من أجل الوصول إلى نتيجة أن الخطية اللا محدودة لا يكفرها إلا الغير محدود مثله للوصول أن صلب المسيح هو الحل، وهو وحده الذي يستطيع أن يدفع الثمن عن هذه الخطية. الوجه الثالث: الأعمال الصالحة أسباب شرعها الله للتكفير عن الذنب وليس ثمنًا للخلاص . فالمسلمون يرون أن الأعمال الصالحة ليست ثمنًا ولا عوضًا عن الذَّنْب، إنما النجاة بفضل الله ورحمته، وأن هذه الأعمال إنما هي أسباب قدَّرها الله وشرعها للتكفير عن الذَّنْب، فإن الإنسان ضعيف أمام الشهوات، فإذا غلبته شهوته وأغواه الشيطان فإنه يتوب إلى الله

стр. 843

ويستغفره ويعمل صالحًا ليكفِّر عن ذنبه، فنحن إذًا لا نقول بأن الأعمال ثمنًا للخلاص، فإن نعم الله على العبد لا تُعد ولا تُحصى، وإن أعمال العبد من توفيق الله، وهي لا توفي شكر هذه النعم فضلًا عن وقوع الذنوب من العبد التي تحتاج لأعمال تكفِّرها، فإن النجاة هي من فضل الله ومنِّه، وتتحقق بطاعته واجتناب نهيه وإخلاص العمل له وحده. حق الله تعالى على العباد كما يعرِّفه أهل الإسلام: وهذا الحق من أعظم الحقوق وأجلَّها قدرًا، وهو يدور على أصلين: الأول: عبادته سبحانه. الثاني: توحيده وعد الإشراك به شيئًا، ومعنى حق الله تعالى على العباد ما يستحقه عليهم متحتمًا عليهم (١). قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، فالعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ أي مهملًا، قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب والصحيح الأمران فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها وحقيقة العبادة امتثالهما، فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره، هاذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة (٢). حق الله على عباده: سأل النبي ﷺ معاذ بن جبل فقال له: هل تدري ما حق الله على عباده؟ ، فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، فأجابه النبي ﷺ فقال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. فالحق هو كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، وكذا الحق المستحق على الغير إذا

стр. 844

كان لا تردد فيه والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتمًا عليهم، المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد (١). قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبته وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى، ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه، فالعبادة تجمع أصلين عظيمين غاية الحب بغاية الذل والخضوع، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبته ما أحبه وبذل الجهد في فلعه وموافقته في كراهة ما كرهه وبذل الجهد في تركه (٢). فالعبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها، ولذا يقول المسلم في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وأفضل أهل العبادة والاستعانة بالله عليها فعبادة الله غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب ﵎ الإعانة على مرضاته. وأفضل العبادة هو العمل على تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره (٣). حق الله كما يراه النصارى: إن لفظة حق في العهد الجديد تعني الأمور عينها في تطبيقها على وحي الله في شخص المسيح، فحق الله أو أمانته لمخططه الخلاص ينكشف في يسوع المسيح الذي يسمَّى الحق

стр. 845

لمخططه الخلاص ينكشف في يسوع المسيح (رومية ٨/ ٧: ٣) الذي يسمَّى الحق (رومية ٣/ ١٤: ٧)، فالسند المتين للمسيحي هو يسوع المسيح هو الإنجيل الذي هو كلمة الحق النهائية، فعلى الإنسان أن يخضع لهذا الحق، القاعدة الوحيدة لحياته ومن ابتعد عن هذا الوحي النهائي أصاب الحق في الصميم، فالله هو الحق وحده تجاه الأصنام الضعيفة الواهية. فالحق عند يوحنا هو واقع الخلاص، أو الواقع الذي أوحى به الله والذين يشهدون بالحق يؤكدون أن يسوع قال الحق، والأب يتكلم ويعمل حقًّا في يسوع، وبما أن يسوع هو وحي الأب الحقيقي فهو النور الحق، ويسوع هو الطريق الذي يقود إلى الأب لأنه الحق، ولأنه يمنح عطية معرفة حياة الله في تجلِّيها السامي (١). الشبهة الثالثة: أنَّ التوبة ناقصة ولا تصلح لتكفير الذَّنْب . نص الشبهة: يقولون إنها لا توجد توبة كاملة للتكفير عن الذَّنْب، وذلك لسببين: أ- أن الذَّنْب قد يتكرر بالقول والعمل، فلا يكون للتوبة معنى. ب - أن التوبة لو كانت خالصة فإنها لا تستطيع غفران الخطية إلا بتوفية عدالة الله بالاعتقاد أن المسيح الإله كما يزعمون قام فتجسد وصار إنسانًا، ثم صُلب على الصليب لغفران خطايا البشر. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان معنى التوبة وحقيقتها، والشروط اللازمة لقبولها . معنى التوبة: هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. التوبة النصوح: أنَّ يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. النصح في التوبة: الصدق فيها، والإخلاص، وتعميم الذنوب بها وتمحو جميع الذنوب. (٢) شروط التوبة: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق
следующие страницы →