← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الشبهة الثانية: الرد على أن الأعمال الصالحة لا تفي حق الله فيما وقع فيه الإنسان من خطايا . نص الشبهة: إن الأعمال الصالحة التي نقوم بها نحن الخطاة - لا يمكن الخطأ في حق الله الذي لا حد لقداسته وبره وحقه -، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تحصل لنا أي صفح لأنَّها أعمال محدودة، فأثر العمل الصالح محدود وحق الله غير محدود، والشيء المحدود لا يفي مطالب أمر ليس له حدود، فالأعمال الصالحة إرضاء الله وليس للتكفير عن الخطية، وإننا بكل أعمالنا الصالحة لا نستطيع أن تكفِّر عن خطايانا لأن خطايانا هي تعدِّ حدود الله، وحقوق الله لا حد لها كما أن ذاته لا حد لها، بينما أعمالنا الصالحة مهما كثرت وتنوعت فهي محدودة، والأعمال المحدودة لا تستطيع أن تكون تكفيرًا عن إساءة موجهة إلى حقوق غير محدودة، وإن الله وحده هو الذي يستطيع أن يكفِّر عن الإنسان لأنه هو وحده الذي يعرف حقوقه غير المحدودة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هناك اختلاف في المقصود بحق الله عند كلٍّ من المسلمين والنصارى . هناك فارق بين المسلمين والنصارى في تعريف حق الله. فالمسلمون يرون أن حق الله هو ما يستحقه الله على عباده مما جعله الله محتمًا عليهم من عبادته سبحانه وتوحيده وعدم الإشراك به شيئًا. بينما النصارى يرون أن حق الله هو الإيمان بأن المسيح الإله كما يزعمون تجسَّد وصار إنسانًا ثم عاش وصُلب على الصليب كفارةً لخطايا البشر ومن أجل خلاصهم. وبناءً على ذلك يترتب الاختلاف في الطريقة الذي يوفِّي هذا الحق، فما السبيل إلى الوفاء بحق الله ؟ . المسلمون يرون أن حق الله يتمثل في عبادته بامتثال أمره واجتناب نهيه وتوحيده وعدم الإشراك به، وأن يتوجه بالعبادة له وحده، فالأعمال الصالحة يبتغي بها مرضاة الله الذي شرعها للقرب منه وللتكفير عن الذَّنْب. بينما النصارى يرون أنه لا جدوى من هذه الأعمال الصالحة أن الوسيلة الوحيدة لتكفير الذنوب والقيام بحق الله هي الاعتبار بأن المسيح الإله صُلب كفارةً عن خطايا البشر.

стр. 842

الوجه الثاني: لا تصلح الأعمال الصالحة للتكفير عن الذنوب عند النصارى لأن في القبول بذلك هدم لمعتقدهم ؟ . إن النصارى يزعمون أن البشر جميعًا خطاة بسبب وراثتهم لذنب آدم ﵇ الذي أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجَنَّة، وأن الإنسان بطبيعته الخاطئة التي ورثها من آدم ﵇ لا يستطيع القيام بحقوق الله إلا بإيمانه بأن المسيح الإله صُلب كفارةً لخطايا البشر، وبالتالي فإن النصارى يشككون في صلاحية الأعمال الصالحة للتكفير عن الذنوب، وذلك لأن في قبولهم بالأعمال الصالحة وسيلة لتكفير الذَّنْب هدم لأصل معتقدهم الذي هو الإيمان بأن صلب المسيح الإله لنفسه كوسيلة وحيدة لتكفير الذَّنْب. وحتى لا يصبح الناس مستهترين ومتكلون على الكفارة المجانية، فكل من يعتقد بأن المسيح صُلب فقد غُفر له كل خطاياه، ولذا فإن النصارى (الأرثوذكس) يقولون أنه لكي تحصل على الخلاص الذي تم بصلب المسيح لا بد أن تعمل أعمالا تتم هذا الخلاص من جهتك من خلال سلطان الكنيسة وممارسة طقوسها السبعة (المعمودية، الشكر، التوبة ... )، وهم في ذلك يتناقضون، فالخلاص المزعوم بصلب المسيح الإله هل تحقق به غفران الذنوب أم لم يتحقق؟ ، فإذا كان تحقق به غفران الذنوب فما هو فائدة أسرار الكنيسة السبعة، وإذا كان هو موقوف على ممارسة هذه الأسرار فكيف يمكن أن يقول أنه تم الخلاص. ثانيًا: أنَّ هذا التضخيم لذنب آدم والإدعاء أنه خطية لا محدودة ولا تصلح التوبة كعمل صالح لمحوها، وذلك من أجل الوصول إلى نتيجة أن الخطية اللا محدودة لا يكفرها إلا الغير محدود مثله للوصول أن صلب المسيح هو الحل، وهو وحده الذي يستطيع أن يدفع الثمن عن هذه الخطية. الوجه الثالث: الأعمال الصالحة أسباب شرعها الله للتكفير عن الذنب وليس ثمنًا للخلاص . فالمسلمون يرون أن الأعمال الصالحة ليست ثمنًا ولا عوضًا عن الذَّنْب، إنما النجاة بفضل الله ورحمته، وأن هذه الأعمال إنما هي أسباب قدَّرها الله وشرعها للتكفير عن الذَّنْب، فإن الإنسان ضعيف أمام الشهوات، فإذا غلبته شهوته وأغواه الشيطان فإنه يتوب إلى الله

стр. 843

ويستغفره ويعمل صالحًا ليكفِّر عن ذنبه، فنحن إذًا لا نقول بأن الأعمال ثمنًا للخلاص، فإن نعم الله على العبد لا تُعد ولا تُحصى، وإن أعمال العبد من توفيق الله، وهي لا توفي شكر هذه النعم فضلًا عن وقوع الذنوب من العبد التي تحتاج لأعمال تكفِّرها، فإن النجاة هي من فضل الله ومنِّه، وتتحقق بطاعته واجتناب نهيه وإخلاص العمل له وحده. حق الله تعالى على العباد كما يعرِّفه أهل الإسلام: وهذا الحق من أعظم الحقوق وأجلَّها قدرًا، وهو يدور على أصلين: الأول: عبادته سبحانه. الثاني: توحيده وعد الإشراك به شيئًا، ومعنى حق الله تعالى على العباد ما يستحقه عليهم متحتمًا عليهم (١). قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، فالعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ أي مهملًا، قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب والصحيح الأمران فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها وحقيقة العبادة امتثالهما، فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره، هاذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة (٢). حق الله على عباده: سأل النبي ﷺ معاذ بن جبل فقال له: هل تدري ما حق الله على عباده؟ ، فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، فأجابه النبي ﷺ فقال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. فالحق هو كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، وكذا الحق المستحق على الغير إذا

стр. 844

كان لا تردد فيه والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتمًا عليهم، المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد (١). قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبته وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى، ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه، فالعبادة تجمع أصلين عظيمين غاية الحب بغاية الذل والخضوع، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبته ما أحبه وبذل الجهد في فلعه وموافقته في كراهة ما كرهه وبذل الجهد في تركه (٢). فالعبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها، ولذا يقول المسلم في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وأفضل أهل العبادة والاستعانة بالله عليها فعبادة الله غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب ﵎ الإعانة على مرضاته. وأفضل العبادة هو العمل على تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره (٣). حق الله كما يراه النصارى: إن لفظة حق في العهد الجديد تعني الأمور عينها في تطبيقها على وحي الله في شخص المسيح، فحق الله أو أمانته لمخططه الخلاص ينكشف في يسوع المسيح الذي يسمَّى الحق

стр. 845

لمخططه الخلاص ينكشف في يسوع المسيح (رومية ٨/ ٧: ٣) الذي يسمَّى الحق (رومية ٣/ ١٤: ٧)، فالسند المتين للمسيحي هو يسوع المسيح هو الإنجيل الذي هو كلمة الحق النهائية، فعلى الإنسان أن يخضع لهذا الحق، القاعدة الوحيدة لحياته ومن ابتعد عن هذا الوحي النهائي أصاب الحق في الصميم، فالله هو الحق وحده تجاه الأصنام الضعيفة الواهية. فالحق عند يوحنا هو واقع الخلاص، أو الواقع الذي أوحى به الله والذين يشهدون بالحق يؤكدون أن يسوع قال الحق، والأب يتكلم ويعمل حقًّا في يسوع، وبما أن يسوع هو وحي الأب الحقيقي فهو النور الحق، ويسوع هو الطريق الذي يقود إلى الأب لأنه الحق، ولأنه يمنح عطية معرفة حياة الله في تجلِّيها السامي (١). الشبهة الثالثة: أنَّ التوبة ناقصة ولا تصلح لتكفير الذَّنْب . نص الشبهة: يقولون إنها لا توجد توبة كاملة للتكفير عن الذَّنْب، وذلك لسببين: أ- أن الذَّنْب قد يتكرر بالقول والعمل، فلا يكون للتوبة معنى. ب - أن التوبة لو كانت خالصة فإنها لا تستطيع غفران الخطية إلا بتوفية عدالة الله بالاعتقاد أن المسيح الإله كما يزعمون قام فتجسد وصار إنسانًا، ثم صُلب على الصليب لغفران خطايا البشر. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان معنى التوبة وحقيقتها، والشروط اللازمة لقبولها . معنى التوبة: هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. التوبة النصوح: أنَّ يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. النصح في التوبة: الصدق فيها، والإخلاص، وتعميم الذنوب بها وتمحو جميع الذنوب. (٢) شروط التوبة: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق

стр. 846

آدميٍ؛ فلها شروط ثلاثة هي: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍ فشروطها أربعةٌ: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؟ فإن كانت مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذفٍ ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحت توبته من ذلك الذَّنْب (١). الوجه الثاني: علامات التوبة المقبولة . أن يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها، ومنها أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون فهناك يزول الخوف، ومنها انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها. ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفا من سوء عاقبته فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفًا تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد وإنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحًا خاشعًا (٢). قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ

стр. 847

جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. وصف الله تعالى المتقين بأنهم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يُصرُّوا عليها، فدلَّ على أنَّ المتقين قد يَقَعُ منهم أحيانًا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنَّهم لا يُصرُّون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، ويستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة: هي تركُ الإصرار على الذنبِ. ومعنى قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا عظمته وشِدَّة بطشه وانتقامِه، وما توعد به على المعصية من العقابِ، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال والاستغفارَ وتركَ الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾، لما كان العبدُ مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أَنَّه لابُدَّ أنْ يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أنْ يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة، قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾، قال رسول الله ﷺ : "اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبعِ السَّيِّئةً الحَسَنَةَ تمَحُهَا، وخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (١). الوجه الثالث: أن الإنسان ضعيف أمام الذَّنْب، وهو بحاجة دائمة لأن يلجأ إلى الله . فالإنسان ضعيف بحاجة إلى التوبة والمغفرة، وسبيل النجاة هو الالتجاء لله: قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، خُلق من ماء مهين لا يصبر على الشهوات، وضعُف عزمه عن قهر الهوى، وأن ضعفه يعم هذا كله، فإنه ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف العلم ضعيف الصبر وآلافات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدور فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي

стр. 848

يحمد عليها الرب سبحانه ويثنى عليه بها وهو موجب حكمته وعزته (١). فالمذنبين ليس لهم من يلجأون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرب يهربُ إليه إلَّا هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه: "لا ملجأ ولا مَنجَا منك إلَّا إليك" (٢). الوجه الرابع: إن لم يتب الله على الإنسان ويغفر له ذنوبه هلك . إن الصبر غاية كل أحد من ولد آدم وكماله، فليس للعبد كمال بدون التوبة البتة، فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويق العبد من ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد، فإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما يصلح به النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر والمغفرة تمنع الشر والرحمة توجب الخير والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد إذ عاد كما كان ظالما لنفسه ظلومًا بنفسه فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها وهي متحركة بالذات فإن لم تتحرك للخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها (٣). فلو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين من العاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر جملة بل تعطيل الملك والحمد، والتكليف إنما يتم بإعطاء القدرة والاختيار والله تعالى قد أقدر عباده على الطاعات والمعاصي والصلاح والفساد وهذا الأقدار هو مناط الشرع،

стр. 849

والأمر والنهي فلولاه لم يكن شرع ولا رسالة ولا ثواب ولا عقاب (١). والله إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه، وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وإن لم يرده ذلك البلاء إليه وشرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه، والرجوع إليه فهو علامة شقاوة العبد وإرادة الشر به (٢). الوجه الخامس: الأعمال الصالحة لابد من اقترانها بالتوبة النصوح . فالله تعالى قد بيَّن لنا شرط نفع الأعمال الصالحة في مغفرة الذنوب وهو اقترانها بالتوبة الصحيحة كقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾. (٣) وختامًا: من خلال ما سبق يعرف القارئ اللبيب أن مسألة الصلب والفداء من الأوهام التي يعيش على أساسها النصارى، بينما هي لا أساس لها من الصحة، وقد ظهر عليها كل علاقة للبطلان والفساد كما بيناه في هذا البحث، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 850

إثبات التحريف في الكتاب المقدس

стр. 851

٤ - إثبات التحريف في الكتاب المقدس . نص الشبهة: إن حقيقة تحريف اليهود والنصارى لأسفارهم، أمر لا يجادل فيه إلا مماحك مجادل بالباطل يخفي الحقيقة ويُلبس على الناس، وقد نطقت ألسنة القوم بالتحريف، واعترف أكابرهم بوقوع التحريف بشتى أنواعه في أسفارهم لكن العجيب: أن ترى بعض أئمتهم يجادلون في هذه الحقيقة المتواترة عند الجميع! ولذا كان الرد على هذه المسألة الكبيرة تحت هذا البحث والذي يتكون مما يلي: ١ - الباب الأول: المقدمة مع إثبات التحريف اللفظي، والمعنوي للتوراة والإنجيل من القرآن، والسنه، وأقوال العلماء في ذلك. ٢ - الباب الثاني: الكتاب المقدس، ويحتوي على فصلين: الفصل الأول: التعريف بالكتاب المقدس. الفصل الثاني: معتقد المسلمين في التوراة والإنجيل. ٣ - الباب الثالث: مدى صحة الكتاب المقدس، ويحتوي على أربعة فصول: الفصل الأول: إسناد الكتاب المقدس. الفصل الثاني: إبطال دعوى الإلهام لكتبة العهد الجديد، ويحتوي على ثلاثة مباحث: المبحث لأول: شروط حجية الكتاب المقدس. المبحث الثاني: إبطال دعوى النبوة لكتبة العهد الجديد. المبحث الثالث: بولس، حقيقته وأثره في الملة النصرانية. الفصل الثالث: المصادر الوثنية للكتاب المقدس. الفصل الرابع: قانونية (قدسية) الكتاب المقدس، ويشتمل على عدة مباحث: المبحث الأول: قانونية التوراة. المبحث الثاني: قانونية العهد الجديد. المبحث الثالث: الأسفار غير القانونية (الأبوكريفا).

стр. 852

المبحث الرابع: إنجيل المسيح ﵇. المبحث الخامس: إنجيل برنابا. المبحث الخامس: المجامع. ٤ - الباب الرابع: نقد متن الكتاب المقدس، ويشتمل على عدة فصول: الفصل الأول: الألفاظ غير المناسبة لقدسية الكتاب، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: صفات الله تعالى في التوراة. المبحث الثاني: صفات الأنبياء في التوراة. المبحث الثالث: الأخلاق في الكتاب المقدس وأثره على أتباعه. الفصل الثاني: أغلاط الكتاب المقدس. الفصل الثالث: التحريف في الكتاب المقدس. الفصل الرابع: تناقضات الكتاب المقدس. الفصل الخاس: اختلافات تراجم الكتاب المقدس. الفصل السادس: الكتاب المقدس والعلم الحديث، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: موقف النصارى من العلم اعتقادًا وتشريعًا. المبحث الثاني: دراسة نصوص الكتاب المقدس في ضوء العلم الحديث. المبحث الثالث: موقف المفسرين النصارى من الأخطاء في نصوص الكتاب المقدس. ٥ - الباب الخامس: متفرقات تتعلق بالعقيدة النصرانية، ويتكون من الآتي: الفصل الأول: الأسرار الكنسية السبعة. الفصل الثاني: العبادات. الفصل الثالث: الطوائف النصرانية والخلاف بينها في العقيدة والكتاب. وإليك التفصيل

стр. 853

الباب الأول: المقدمة مع أدلة إثبات التحريف اللفظي والمعنوي للتوراة والإنجيل من القرآن، والسنة، وأقوال العلماء في ذلك . بداية: ننبه على بعض الأمور في هذا الصدد: الأمر الأول: لقد شهد القرآن الكريم، وشهدت السنة المطهرة على وقوع التحريف في أسفار السابقين بتغيير الألفاظ بالحذف والإضافة كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩] وبتغير المعاني بتأويلها وتفسيرها علي غير معناها. الأمر الثاني: لقد كثر كلام النصارى حول صحة نسخة التوراة والإنجيل التي كانت إبان البعثة النبوية لمحمد ﷺ والنصارى يقصدون من وراء ذلك: إقرار الإسلام لهم على صحة دينهم كله لا صحة كتبهم فقط. لكن اعلم أيها القارئ أن ثمة فرقٌ بين صحة الدين وصحة الكتب. فقد يكون الكتاب صحيح اللفظ لكن محرف المعنى، فلا يغني عنهم من الله شيئًا. ولذلك كان الأولى عندنا في هذا المقام هو تحريف المعاني لا تحريف الألفاظ، لأنه الخطوة الأولى المؤهلة لتحريف الألفاظ، وهو الدليل على بطلان الدين، ولذلك كان أكثر ما عاب القرآن الكريم على أهل الكتاب أنهم حرفوا المعاني وبدلوها، ثم تبع ذلك تجرؤهم على تحريف الألفاظ لما سهل عليهم تحريف المعنى كخطوة أولى. الأمر الثالث: إن تحريف أهل الكتاب لمعاني التوراة والإنجيل لا خلاف عليه بين علماء المسلمين. وهو الذي تقوم به الحجة عليهم في هذا المقام. ولا ينفعهم عدم تحريف اللفظ لو فرضنا ذلك. قال ابن تيمية: فأما تحريف معاني الكتب بالتفسير والتأويل وتبديل أحكامها، فجميع المسلمين واليهود والنصارى يشهدون عليهم بتحريفها وتبديلها، كما يشهدون هم والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة وتبديل أحكامها، وإن كانوا هم واليهود يقولون: إن التوراة لم تحرف ألفاظها. وحينئذ فلا ينفعهم بقاء حروف الكتب عندهم مع تحريف معانيها، إلا كما ينفع اليهود بقاء حروف التوراة والنبوات عندهم مع تحريف معانيها. بل جميع النبوات التي يقرون بها هي عند اليهود، وهم مع اليهود ينفون

стр. 854

عنها التهم والتبديل لألفاظها، مع أن اليهود عندهم من أعظم الخلق كفرًا واستحقاقًا لعذاب الله في الدنيا والآخرة .. فعُلم أن بقاء حروف الكتاب مع الإعراض عن اتباع معانيها وتحريفها لا يوجب إيمان أصحابها ولا يمنع كفرهم. (١) وقال ﵀: فإن كل ما يحتج به من الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، ممن أرسل بغير اللغة العربية لابد في الاحتجاج بألفاظه من هذه المقدمات أن يعلم اللفظ الذي قاله ويعلم ترجمته ويعلم مراده بذلك اللفظ. والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على وقوع الغلط تفسير بعض الألفاظ وبيان مراد الأنبياء بها، وفي ترجمة بعضها فإنك تجد بالتوراة عدة نسخ مترجمة وبينها فروق يختلف بها المعنى المفهوم، وكذلك في الإنجيل وغيره. (٢) الأمر الرابع: التحريف اللفظي أعم وأعظم في كتب اليهود والنصارى، وقد أشار إليه القرآن الكريم والنبي ﷺ والصحابة ﵁، وقد شهد به الواقع، ونطق به اليهود والنصارى، وقال به جمهور المسلمين. أما ما يستدل به النصارى من أقوال بعض علماء الإسلام أن التحريف وقع في المعنى فقط لا في اللفظ، فهو استدلال ساقط لعدة أسباب: السبب الأول: أنهم نقلوا عن بعض علماء الإسلام ذلك، دون أن ينقلوا عنهم إقرارهم وقوع التحريف اللفظي في أسفار اليهود والنصارى. السبب الثاني: يتعمد النصارى دائمًا تحريف أقوال علماء الإسلام، فأغلب من أقر بوقوع التحريف المعنوي، أقر في غير موضع في مؤلفاته بوقوع التحريف اللفظي، لكن هؤلاء النصارى نقلوا عنهم ما يتماشى مع أفكارهم المنحرفة. السبب الثالث: اليهود والنصارى ينعدم في أسفارهم التواتر.

стр. 855

الأمر الخامس: إذا اتفقت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على حكم، وجب إثباته، وتحريف ألفاظ أسفار أهل الكتاب نطق به القرآن الكريم والسنة النبوية وهو الراجح في المسألة، لوجود مرجحات عدة، أبرزها الكتاب والسنة، وما أكده الواقع وشهد به على مر العصور، فلا يعتد بمن قال خلاف ذلك، فالتحريف اللفظي والمعنوي واقع ولا شك في هذا كما سيأتي! الأمر السادس: أنه على فرض أن الكتب السابقة لم تمسها أيدي المحرفين، فلا حجة للنصارى في ذلك، لأن عندنا التمسك بكتاب منسوخ ولو كان صحيحًا، كالتمسك بكتاب مبدل محرف. ثانيًا: أدلة إثبات التحريف اللفظي والمعنوي للتوراة والإنجيل من القرآن، والسنة، وأقوال العلماء في ذلك . أولًا: إثبات التعريف من القران الكريم تحدث القرآن الكريم عن تحريف التوراة والإنجيل في عدة آيات كريمة: ١ - منها قول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١]). ٢ - وقال تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ (البقرة: ٧٥). وعن تحريفهم بالنقص يقول: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: ٩١)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤] (البقرة: ١٧٤)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]. وعن تحريفهم بالزيادة والكذب على الله يقول: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ

стр. 856

مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨)، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. قال الطبري: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بني إسرائيل قاسية، منزوعًا منها الخير، مرفوعًا منها التوفيق، فلا يؤمنون ولا يهتدون، فهم لنزع الله التوفيق من قلوبهم والإيمان، يحرفون كلام ربهم الذي أنزله على نبيهم موسى ﷺ ، وهو التوراة، فيبدلونه، ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله على نبيهم، ثم يقولون لجهال الناس: هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى ﷺ ، والتوراة التي أوحاها إليه. وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود، ممن أدرك بعضهم عصر نبينا محمد ﷺ ، ولكن الله عز ذكره أدخلهم في عداد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم، وعلى منهاجهم في الكذب على الله، والفرية عليه، ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة. (١) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. يقول الرازي مبينًا إعجاز القرآن الكريم في هذا الباب: قوله تعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ هو إشارة إلى أن أهل الكتاب يذكرون التأويلات الفاسدة للنصوص التي عندهم وليس فيه بيان أنهم يخرجون اللفظة من الكتاب، أما في الآية الثانية فقوله تعالى

стр. 857

﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظة من الكتاب (١). - وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]). قال مجاهد ﵀: "هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، ثم يحرفونه". (٢) وهم أهل الكتاب كما علمت مسبقًا من قول ابن عباس ﵄. وقال الشوكاني في تفسيره لنفس الآية السابقة: والكتابة معروفة، والمراد: أنهم يكتبون الكتاب المحرف ولا يبينون ولا ينكرونه على فاعله. وقوله: "بأيديهم" تأكيد لأن الكتابة لا تكون إلا باليد فهو مثل قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، وقوله "يَقُولُونَ بِأَفَوَاهِهِم" وقال ابن سراج: هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم. وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله: "يكتبون الكتاب" فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك. (٣) ثانيًا: أدلة التحريف من السنة النبوية . ١ - حديث ابن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم). فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. (٤) ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم

стр. 858

وقولوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ... الآية". (١) ٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: أتى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ على النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ فَقَال: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الخطَّابِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لا تَسْألوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فتصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي". (٢) وفي هذا الحديث الترياق الشافي عما يسأل عنه كثير من النصارى- كيف يكون الكتاب المقدس محرفًا ويستشهد به القرآن الكريم- فيظهر منه أنه ﷺ غضب من عمر ﵁ لاطلاعه على صحيفة من التوراة، وهذا يدل على أنها محرفة، لأنه ﷺ يؤمن بتوراة موسى ويعظمها كما أمرنا الله في كتابه الحكيم، فلا معنى للغضب إلا لأنها قد حرفت، إذ لو كانت صحيحة ما انتهر النبي ﷺ عمر الذي كان يعلم أنها محرفة كما أشار القرآن الكريم، لكنه ظن ﵁ أن الإطلاع عليها دون سبب شرعي جائز، وقوله ﷺ عن شريعته أنها بيضاء نقية، يفيد العكس في صحيفة التوراة، بمعنى: لقد جئتكم بالشريعة النقية البيضاء الخالية من أوساخ التحريف والتزييف، فدع عنك يا عمر هذه الصحيفة الملوثة بالتحريف. أما قوله ﷺ : "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" يدل على براءة موسى وكذلك عيسى ﵉ من هذه الكتب وهذه الشراع، واتباعهما لشريعة محمد ﷺ والقرآن الكريم، فإن ما في الكتب السابقة من خير موجود في القرآن الكريم، ففي القرآن الكريم ما يغني عن كل هذه الكتب لقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ [آل عمران: ٣]. ٤ - عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عباس ﵄، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو

стр. 859

من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا، والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم. (١) فهذه من أعظم شهادات كبار الصحابة، لصدروها عن حبر هذه الأمة بتحريف اليهود والنصارى لأسفارهم. وقوله ﷺ : (تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ). قال الحافظ في الفتح: "أي لم يخالطه غيره". وهي إشارة جلية من ابن عباس ﵁ على أن كتب أهل الكتاب قد اختلطت بالتحريف والكذب، فلم تُصبح نقية، أما القرآن فلم يخالطه غيره. قال الحافظ: "قوله (أَفلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ وَلَا وَالله مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْألكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيكُمْ) فيه تأكيد الخبر بالقسم، وكأنه يقول: لا يسألونكم عن شيء مع علمهم بأن كتابكم لا تحريف فيه، فكيف تسألونهم وقد علمتم أن كتابهم محرف". (٢) ٥ - عن أنس بن مالك ﵁: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى) (٣). وكان هذا في وجود معظم الصحابة ﵁، مما يعني علمهم اليقيني مما استاقوه من كلام ربهم وفهمهم لسنة نبيهم ﷺ أن اليهود والنصارى قد حرفوا أسفارهم فاختلفوا من بعد ذلك يكفر بعضهم بعضًا. ٦ - وعن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: (كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم ﵇ بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة) (٤). ثالثا: أقوال العلماء في التحريف ١ - قال العلامة ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ

стр. 860

الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (يونس: ٩٤) (وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبنائهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم) (١). وقال ﵀: (وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه (أي عن المسيح) أربعة: لوقا ومتَّى ومرقس ويوحنا، وبين الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة لكل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الأخرى ..... وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ((٢). ٢ - قال الإمام القرطبي الأندلسي ما نصه: (إن الكتاب الذي بأيدي النصارى الذي يسمونه بالإنجيل ليس هو الإنجيل الذي قال الله فيه على لسان رسوله ﷺ ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ٣ - ٤) (١). وقال أيضًا: (فظهر من هذا البحث أن الإنجيل المدعى لم ينقل تواترًا، ولم يقم دليل على عصمة ناقليه. فإذًا يجوز الغلط والسهو على ناقليه فلا يحصل العلم بشيء منه، ولا غلبة الظن، فلا يلتفت إليه، ولا يعول في الاحتجاج عليه. وهذا كاف في رده وبيان قبول تحريفه وعدم الثقة بمضمونه. ولكنا مع ذلك نعمد منه إلى مواضع يتبين فيها تهافت نقلته ووقوع الغلط في نقله) (٤) ثم نقل المواضع المذكورة ثم قال: (فقد حصل من هذا البحث

стр. 861

الصحيح أن التوراة والإنجيل لا يحصل الثقة بهما، فلا يصح الاستدلال بهما لكونهما غير متواترين وقابلين للتغير. وقد دللنا على بعض ما وقع فيهما من ذلك. وإذا جاز مثل ذلك في هذين الكتابين، مع كونهما أشهر ما عندهم وأعظم عمدهم ومستند ديانتهم فما ظنك بغير ذلك من سائر الكتب التي يستدلون بها مما ليس مشهورًا مثلهما ولا منسوبًا إلى الله نسبتهما؟ فعلى هذا هو أولى بعدم التواتر وبقبول التحريف منهما) (١). ٣ - قال العلامة "أبو عبيدة الخزرجى" في رسالته إلى القسيس "حنا مقار العيسوي" بعد أن بيَّن له تضارب الأناجيل وما اشتملت عليه من تناقض: (وأقتصر على هذا من تهافت أناجيلكم، وما اشتملت عليه من الزلل والأباطيل. ومن طالع كتبكم (يعني كتب العهد القديم)، وأناجيلكم وجد فيها من العجائب ما يقضي له بأن شرائعكم وأحكامكم ونقولكم قد تفرقت تفرق أهل سبأ، وأنكم لا تلزمون مذهبًا، وليس هذا بغريب فأناجيلكم ما هي إلا حكايات، وتواريخ، وكلام كهنة، وتلاميذ وغيرهم حتى أني أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، أن تاريخ الطبري عندنا أصح نقلًا من الإنجيل، ويعتمد عليه العاقل أكثر، مع أن التاريخ عندنا لا يجوز أن ينبني عليه شيء من أمر الدين، وإنما هو فكاهات في المجالس). (٢) ٤ - قال شهاب الدين القرافى المالكي في شأن توراة العهد القديم: (نقول: التوراة مبدلة قطعًا، لما تقدم بيانه مما اشتملت عليه من نسبة الأنبياء ﵈ وخاصة عباد الله إلى الفسوق والزنا وشرب الخمر، وما يصدر من أدنى السفلة، حتى أنهم يسمون هذه الحكايات النجاسات، مع قيام الأدلة على عصمة الأنبياء، فيحصل الجزم بعدم صحة هذه التوراة). (٣) وقال في شأن الأناجيل: (ونحن ننازعهم في أن ما بين أيديهم -من الكتب- منزلة، بل هي مبدلة مغيرة في غاية الوهن والضعف، وسقم الحفظ والرواية والسند بحيث لا

стр. 862

يوثق بشيء منها) (١). ٥ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ادعوا (أي النصارى) أن محمدًا ﷺ صدَّق بجميع ألفاظ الكتب التي عندهم. فجمهور المسلمين يمنعون هذا، ويقولون: إن بعض ألفاظها بُدِّل كما قد بُدِّل كثير من معانيها) (٢). ٦ - قال ابن القيم: وقولهم "إن نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض ومغاربها" كذب ظاهر، فهذه التوراة التي بأيدي النصارى تخالف التوراة التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه، وهذه نسخ الأناجيل يخالف بعضها بعضًا ويناقضه. فدعواهم: أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربًا من البهت والكذب الذي يروجونه على أشباه الأنعام، وأن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعًا أن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى، وأن هذه الأناجيل التي بأيدي النصارى فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعًا أن ذلك ليس في الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح) (٣). وقد بَيَّنَ أنواع التحريف الواقع في أسفار أهل الكتاب بشتى أنواعه (اللفظي والمعنوي. ٧ - يقول اللواء أحمد عبد الوهاب ﵀: لم تعد أسفار المسيحيين الدينية كتابًا مقدسًا، فهذا هو واقع الحال الآن. فبعد أن كانت طبعات تلك الأسفار تصدر معنونة باسم: "الكتاب المقدس"، إذ بها تصدر الآن وقد جردت من القداسة فصار عنوانها: "الكتاب"! فمثلًا صدرت ترجمة الملك جيمس الإنجليزية، التي اعتمدت عام ١٦١١ م هكذا: الكتاب المقدس the holy bible ولكن صدرت الترجمة الإنجليزية التي شارك فيها اثنان وثلاثون عالمًا في منتصف هذا

стр. 863

القرن (١٩٥٢ م) بعنوان: الكتاب: ترجمة قياسية مراجعة the bible: revised standerd version وحدث مثل ذلك في التراجم الفرنسية، فبعد أن صدرت تحت اسم: الكتاب المقدس LA SAINTE BIBLE إذًا بالتراجم اللاحقة تصدر هكذا: الكتاب الأورشليمي LA BIBLE de JERUSALEM وكذلك: الترجمة المسكونية للكتاب TRADUCTION OECUMENIQU de LA BIBLe ومثل ذلك في اللغة الألمانية، فبعد أن كان العنوان هو: الكتاب المقدس DIEHEILIGE BIBLE، وصار الآن: الكتاب DIEBIBLE (وفي العربية بعد أن كان التقليد المعروف في تسمية الأسفار الدينية بـ "الكتاب المقدس " صدرت العديد من الترجمات الحديثة فجردت الأسفار من القداسة واكتفت بذكر "الكتاب"، وأذكر منها ترجمة "كتاب الحياة"). إن السبب في هذا التغيير الهام لعنوان الأسفار الدينية واضح ومعروف لدى العلماء، وهو أن هذا "الكتاب" يحتوي في جملته، أسفارًا مؤلفة بكل معنى الكلمة. وهي ككل مؤلفات البشر لا عاصم لها من الخطأ. والحق أن إطلاق اسم "الكتاب" فقط على أسفارهم الدينية، بعد تجريده من صفة المقدس لهو آية من آيات الله. فهذا ما خاطبهم به القرآن منذ ١٤ قرنًا في مثل قوله: ١١ يَا أَهْلَ الْكِتَاب" ولم يقل لهم أبدًا: "يا أهل الكتاب المقدس" ... وها هم قد عادوا مُسلِّمين بتسمية القرآن العظيم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (النمل: ٥٢) (١).

стр. 864

الباب الثاني: الكتاب المقدس . الفصل الأول: التعريف بالكتاب المقدس . وقبل أن نبدأ في الحديث التفصيلي عن الكتاب المقدس نحب أن نعطي نبذة مختصرة عن الكتاب المقدس وعن مكوناته؛ ليكون القارئ على بينة مما نتحدث عنه. يتكون الكتاب المقدس من قسمين: العهد القديم والعهد الجديد، وسنتكلم عن كل واحد على حدة. أولًا: العهد القديم: ١ - موضوعه: العهد الذي عاهد الله شعبه على يد موسى في جبل سيناء، ويزعم النصارى أن هذا القسم وصل إليهم بوساطة الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح ﵇، ويعرفون منه أخبار العالم في عصوره القديمة وشرائع اليهود الدينية والاجتماعية، وتاريخ نشأتهم، وحكوماتهم وحوادثهم، والنبوات السابقة منذ هبوط الإنسان على هذه الأرض ويقتبسون منه الأدعية المتوارثة والمواعظ والشعر والحكمة وغير ذلك، كما يعرفون منه البشارات بالأنبياء اللاحقين. (١) ٢ - أسفاره: اختلف أهل الكتاب في أسفار العهد القديم، قبولًا وردًا في بعضها، وتقسيمًا وترتيبًا وتسمية في بعض آخر: أولًا: فاليهود العبرانيون اعتمدوا أربعة وعشرين سفرًا، اعتقدوا أنها مقدسة -أي موحى بها- وهم يقسمونها من حيث الأسلوب والصفات الخارجية إلى ثلاثة أقسام: ١ - أسفار الشريعة، أو كتب موسى الخمسة، وتسمى التوراة أو الناموس وهي: (سفر التكوين- الخروج- اللاويين- العدد- التثنية). ٢ - أسفار الأنبياء، وينقسم إلى قسمين: (أ) الأنبياء السابقين، ويتكون من أسفار: يشوع القضاة -صموئيل (الأول والثاني) -

стр. 865

الملوك (الأول والثاني). (ب) الأنبياء المتأخرين، ويتكون من أسفار: أشعياء- أرمياء- حزقيال- الاثنى عشر نبيا الأصاغر (هوشع- يوئيل- عاموس- عوبديا- يونان- ميخا- ناحوم- حبقوق- صفنيا- حجي- زكريا- ملاخي). ٣ - أسفار الكتبة أو الكتب، وتتألف من أسفار: (أ) المزامير- الأمثال- أيوب. (ب) راعوث- نشيد الأنشاد- الجامعة- مراثي أرمياء- أستير. (ج) دانيال - عزرا -نحميا- أخبار الأيام (الأول والثاني). ثانيًا: واليهود السامريون لهم توراة خاصة بهم، تعرف بالتوراة السامرية، وهي لا تحتوي إلا على الأسفار الخمسة، لأنهم يبطلون كل نبوة في بني إسرائيل بعد موسى ويوشع، ويتهمون العبرانيين بالوضع والتحريف، وبعض السامريين يضيف إليها سفرى يوشع والقضاة. ويرون في هذه السبعة كتابهم المقدس. ٣ - والنصارى البروتستانت اعتمدوا الأسفار المعترف بها لدى اليهود، غير أنهم يختلفون معهم في التقسيم والترتيب. فاليهود جعلوها أربعة وعشرين سفرًا، والبروتستانت وزعوها بحسب الأسماء، فأصبحت تسعة وثلاثين سفرًا. ٤ - أما الكاثوليك والأرثوذكس، فقد أضافوا إليها سبعة أخرى، فغدت ستة وأربعين سفرا. وهم يختلفون مع البروتستانت في تقسيم وترتيب وتسمية بعض الأسفار. وثمة سفر آخر منسوب إلى عزرا لا يعترف به الكاثوليك والبروتستانت، ويراه الأرثوذكس واجب التسليم. ثانيًا: العهد الجديد: ١ - تعريف لفظ الإنجيل: يطلق هذا اللفظ على الإنجيل وملحقاته، وكلمة إنجيل كلمة يونانية معناها (الحلوان) وهو ما تعطيه لمن أتاك بالبشرى، ثم أريد بالكلمة البشرى عينها، أما السيد المسيح فقد

стр. 866

استعملها بمعنى (بشرى الخلاص) التي حملها إلى البشر، واستعملها الرسل من بعده بالمعنى نفسه، وربما استعملوها أيضًا بمعنى ملخص تعاليم المسيح لأن فيه الخلاص. وما لبثت هذه الكلمة أن استعملت بمعنى الكتاب الذي يتضمن هذه البشرى وقد غلب استعمالها بهذا المعنى منذ أواخر القرن الأول حتى اليوم. ويزعم النصارى أن هذا القسم كتب بإلهام الروح القدس الذي حل في التلاميذ بعد رفع المسيح ﵇. وقد استقر رأيهم في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي على اعتماد سبعة وعشرين سفرًا من الأسفار التي اختلفوا فيها، وأطلقوا عليها اسم (العهد الجديد) ويعتقدون أن الوحي إنما هو في معانيها دون ألفاظها. ٢ - أقسامه: ينقسم العهد الجديد من حيث الترتيب التقليدي لأسفاره إلى خمسة أقسام هي: ١ - مجموعة الأناجيل: وهي أهم المجموعات في نظرهم، لأنها تروى سيرة المسيح ﵇ وتعاليمه. ٢ - سفر الأعمال: وهو منسوب إلى لوقا. ٣ - مجموعة رسائل بولس: وعددها أربع عشرة رسالة. وهي: رسالتان إلى أهل تسالونيكي سنة ٥٤. رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس سنة ٥٥. رسالته إلى أهل روما سنة ٥٦ أو ٥٧. رسالته إلى أهل أفسس وفيلبي وكولوسي سنة ٦١ أو ٦٣. ثم رسالته إلى أهل غلاطية، ورسالتان إلى تلميذه تيموثاوس، ورسالة إلى تيطس ورسالة إلى فيليمون، ورسالة إلى العبرانيين، ورسالته الثانية إلى أهل كورنثوس. ٤ - مجموعة الرسائل الكاثوليكية: وعددها سبع، وهي: ثلاث رسائل من كتابة يوحنا.

стр. 867

رسالتان من كتابة بطرس. رسالة واحدة من كتابة يعقوب. رسالة واحدة من كتابة يهوذا. ومن هنا يتضح أن أكثر الرسائل هي رسائل بولس، ويتضح بالتالي أن بولس وضع أكثر التشاريع المسيحية. ٥ - رؤيا يوحنا اللاهوتي، أو السفر النبوي. وتسمى رؤيا لأنها أشبه بالأحلام ولكن يوحنا رآها في اليقظة. ويحاول فيها يوحنا أن يظهر سلطان المسيح بعد رفعه وصلته بالكنائس. (١) ترجمات الكتاب المقدس من المعروف أن اللغة التي كتبت بها أسفار العهد الجديد هي اللغة اليونانية، المعروفة باللغة الإسكندرانية. والتي كانت منتشرة في الشرق منذ انتصارات الإسكندر، وهي ذات اللغة التي استعملت في الترجمة السبعينية لأسفار العهد القديم، إلا أن بعض فصوله كانت مكتوبة بالآرامية التي كان يتكلمها السيد المسيح. وقد عرف الكتاب المقدس ترجمات كثيرة من بينها: أولًا: التراجم القديمة ١ - الترجمة السبعينية: من الترجمات القديمة التي نعرفها عن الكتاب المقدس (أسفار العهد القديم) الترجمة المعروفة بـ "السبعينية". وقد تمت هذه، في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد. وقد استخدمت لمنفعة أهل العهد القديم القاطنين خارج أرض فلسطين، حول حوض البحر الأبيض المتوسط والذين كانوا يتكلمون اليونانية، كما أن هذه الترجمة كانت معروفة في العصر الرسولي. ويؤكد بعض اللاهوتيين بأن الرسل والمبشرين قد استعملوها. ٢ - الترجمة الباشيطا . إن أقدم الكنائس التي تشكلت في الشرق العربي، هي الكنيسة السريانية، وقد وجد أبناء

стр. 868

الكنيسة هذه، ضرورة ترجمة الكتاب المقدس إلى لغتهم الخاصة. ومما عثر عليه ترجمات عديدة بهذه اللغة، ومن أشهرها ترجمة تدعى "الباشيطا" وتعني هذه الكلمة "بسيطة"، ويؤكد علماء الكتاب المقدس على أنها ترجمت في أواخر القرن الأول أو في بداية القرن الثاني للميلاد. ٣ - نسخة فيلكس السريانية ترجمت هذه النسخة سنة (٥٠٨) للميلاد. وقد وجدت ترجمات أخرى بالسريانية بقى منها نسختان أصليتان وهما نسخة الكارتونية والسينائية. ٤ - الترجمة إلى سريانية فلسطين (الآرامية) اكتشفت حديثًا قطع من ترجمة العهد الجديد من اليونانية إلى سريانية فلسطين التي كانت في عهد المسيح، كتبت هذه الترجمة في القرن الرابع للميلاد. ٥ - نسخة كليماكوس تشتمل هذه النسخة على أجزاء من البشائر الأربعة (الإنجيل) وسفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول، تمت هذه حوالي سنة ٦٠٥ للميلاد. ٦ - الترجمة القبطية: تشير الوثائق التاريخية، إلى أن أهل مصر كانوا يقرأون الكتاب المقدس باللغة القبطية قبل النصف الأول من القرن الثالث بعد الميلاد. واللغة القبطية هي مركبة من اللغة المصرية القديمة واللغة اليونانية ويعتقد أن العهد القديم ترجم إليها من الترجمة السبعينية في القرن الثاني والثالث بعد الميلاد. هذا قليل القليل مما نعرفه عن الترجمات القديمة لهذا الكتاب. ومما لاشك فيه، أنه توجد ترجمات عديدة للكتاب المقدس لم يحدد بعد تاريخ ترجمتها. والدراسات لا تزال قائمة حول هذا الموضوع. ثانيًا: الترجمات الحديثة . ١ - ترجمة فاندايك- البستاني ١٨٦٥: في عام ١٨٦٥ م بيروت. قام بطرس البستاني والمرسلان الإنجيليان عالي سميث وكرنيليوس فاندايك بترجمة الكتاب المقدس إلى العربية وهذب عباراته وقواعده النحوية

стр. 869

ناصيف اليازجيُ ويوسف الأسير. وقد أصبحت هذه الترجمة من أشهر الترجمات العربية للكتاب المقدس وأوسعها انتشارًا في البلدان التي تتكلم العربية. ٢ - ترجمة دار الكتاب المقدس بمصر- فاندايك الجديدة الكتاب المقدس طبعة دار الكتاب المقدس -مصر باللغة العربية بالترتيب الجديد- عمودين في الصفحة الواحدة. ٣ - ترجمة جمعية الكتاب المقدس في لبنان- ترجمة الأخبار السارة ترجمة الكتاب المقدس لجمعية الكتاب المقدس في لبنان إصدار دار الكتاب المقدس للنشر في الشرق الأوسط. وهي ترجمة لجنة من اللاهوتيين العرب من كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت. صاغ أسلوبها العربي الشاعر يوسف الخال. أول ترجمة عربية وضعتها لجنة من علماء لاهوتيين تنتمي إلي مختلف الطوائف المسيحية من إنجيلية وكاثوليكية. ٤ - الترجمة العربية المشتركة لدار الكتاب المقدس الدولية- الترجمة التفسيرية كتاب الحياة أو الترجمة التفسيرية (كتاب الحياة): تهدف هذه الترجمة لتبسيط المعنى وإيضاحه. وقد صدر العهد الجديد عام ١٩٨٢، ثم صدر الكتاب المقدس كاملًا عام ١٩٨٨. وهي ترجمة جيدة إلى حد كبير. وفي آخر ترجمة للكتاب المقدس الترجمة العربية المشتركة لدار الكتاب المقدس ووضعتها لجنة مؤلفة من علماء كتابين ولاهوتيين من مختلف الكنائس كاثوليكية وأرثوذكسية "طقسية" وإنجيلية وهذه الترجمة لا تذكر الأسفار القانونية الثانية أو الأبوكريفا. فهي تعد كتبًا تاريخية. وحتى الكتاب المقدس الذي يحوي هذه الأسفار يشار إليها بين قوسين "سفر قانوني ثاني" فالإجماع واضح على أنها أي هذه الأسفار لا ترقى من جهة وحيها إلى مستوى الأسفار القانونية التي يقر بها جميع المسيحيين على مختلف مذاهبهم .. وهذه الأسفار تعود إلى قبل التاريخ الذي ذكرته ٣٩٣ م فهذا تاريخ متأخر جدًّا لأن إقرار قانونية الأسفار كان في سنة ٩٠ م. ٥ - الترجمة العربية المبسطة: المخطوطات الشهيرة للكتاب المقدس .

стр. 870

وفيما يلي عرض سريع لأهم مخطوطات الكتاب المقدس: ١ - النسخة الفاتيكانية: (كودكس فاتيكانس): سميت بهذا الاسم لأنها كانت ملك مكتبة الفاتيكان بروما وعندما اجتاحت جيوش نابليون إيطاليا، نقلت النسخة إلى باريس. وقام بدراستها أحد العلماء، من عام ١٨٠٩ حتى سنة ١٨١٥. وتتألف هذه النسخة من ٨٢٥ صحيفة، ويرجّح الخبراء بأنها كتبت في تاريخ يتعدى منتصف القرن الرابع للميلاد. ٢ - النسخة السينائية: اكتشفت هذه النسخة في دير سانت كاترين المقام على سفح جبل سيناء على يد عالم ألماني يدعى "قسطنطين تشندرف" حين قام بزيارة الدير سنة ١٨٤٢ بحثًا عن هذه النسخة الأثرية. فوجد ٤٥ رقًا تحوي بعض أجزاء من الأسفار المقدسة. وفي عام ١٨٥٣ وعام ١٨٥٩ عاد ليبحث عن الأجزاء الناقصة منها. فقدم له أحد الرهبان لفة ضخمة وجدها تحتوي على العهد الجديد بأكمله، وأجزاء من العهد القديم. فاشترى الكل بمبلغ ٦٧٥٠ دولارًا ونقلها إلى بتروغراد. ولما قامت الثورة الشيوعية، عرضت النسخة للبيع. فاشتراها المتحف البريطاني بمبلغ نصف مليون دولار. والنسخة السينائية الأصلية يرجح أن عدد صفحاتها كان ٧٣٠ صفحة أحرق الرهبان بسبب جهلهم منها ٣٤٠ صفحة ولم يبق الآن سوى ٣٩٠ صفحة. ويقول العلماء بأنها كتبت في القرن الرابع أو في بداية القرن الخامس للميلاد. ٢ - النسخة الإسكندرانية: كانت تحوي هذه النسخة على ٨٢٥ صفحة بقى منها ٧٧٣ صفحة، وقد كتبت فيما بين نصف القرن الخامس ونهايته. وهي موجودة في متحف لندن. ٤ - نسخة أفرايم: كتبت في القرن الخامس وقد صنفها أفرايم السرياني الذي عاش في القرن الرابع للميلاد، وكانت هذه النسخة ملك عائلة مديتشي في فلورنسا، ونقلتها كاثرين دي مديتشي إلى باريس في القرن السادس عشر وهي اليوم في المتحف الفرنسي بباريس.

стр. 871

٥ - النسخة القطونية: كتبت هذه النسخة في القرن الخامس أو السادس. ٦ - النسخة الأمبروسانية: كتبت في نصف القرن الخامس. ٧ - النسخة البيرائية: كانت محفوظة في جامعة كامبردج من أعمال إنكلترا. وقد كتبت في بداية القرن السادس، وتوجد نسخ صغيرة عدا هذه النسخ الكبيرة تشتمل على أجزاء متفرقة من أسفار العهد الجديد بالأصل اليوناني ومن أقدمها عهدًا نسخة محفوظة على شفة واحدة من البردى اكتشفت حديثا في أصلال البهنا وهي تشمل الإصحاح الأول والإصحاح العشرين من إنجيل يوحنا. وكتبت هذه ما بين ٢٠٠ و ٣٠٠ م في مصر. (١) التعريف ببعض مصطلحات الكتاب المقدس ١ - السفر: كلمة يطلقها أهل الكتاب على مجموعة من الإصحاحات. ٢ - الإصحاح: عبارة عن مجموعة من الفقرات والجمل. ٣ - اختصارات أسماء الأسفار: أولًا: العهد القديم: التكوين (تك)، الخروج (خر)، اللاويين الا)، العدد (عد)، التثنية (تث)، يشوع (يش)، القضاة (قض)، راعوث (را)، صموئيل الأول (١ صم)، صموئيل الثاني (٢ صم)، الملوك الأول (١ مل)، الملوك الثاني (٢ مل)، أخبار الأيام الأول (١ أخ)، أخبار الأيام الثاني (٢ أخ)، عزرا (عز)، نحميا (نح)، أستير (أس)، أيوب (أي) المزامير (مز)، الأمثال (أم)، الجامعة (جا)، نشييد الأنشاد (نش) إشعياء (إش)، إرميا (إر)، مراثي إرميا (مرا)، حزقيال (حز)، دانيال (دا)، هوشع (هو)، يوئيل (يؤ)، عاموس (عا)، عوبديا (عو)، يونان (يون)، ميخا (مي)، ناحوم (نا)، حبقوق (حب)، صفنيا (صف)، حجي (حج)، زكريا (زك)، ملاخي (ملا). ثانيًا: العهد الجديد: إنجيل متى (مت)، إنجيل مرقس (مر)، إنجيل لوقا (لو)، إنجيل يوحنا (يو)، أعمال الرسل (أع) الرسالة إلى أهل روميا (رو)، الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (١ كو)، الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (٢ كو)، الرسالة إلى أهل غلاطية (غل)، الرسالة إلى أهل

стр. 872

أفسس (أف)، الرسالة إلى أهل فليبي (في)، الرسالة إلى أهل كولوسي (كو)، الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي (١ تس)، الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي (٢ تس)، الرسالة الأولى إلى تيموثاوس (اتي) الرسالة الثانية إلى أهل تيموثاوس (٢ تي)، الرسالة إلى تيطس (تي)، الرسالة إلى فليمون (فل)، الرسالة إلى العبرانيين (عب)، رسالة يعقوب (يع)، رسالة بطرس الرسول الأولى (١ بط)، رسالة بطرس الرسول الثانية (٢ بط)، رسالة يوحنا الرسول الأولى (١ يو)، رسالة يوحنا الرسول الثانية (٢ يو)، رسالة يوحنا الرسول الثالثة (٣ يو)، رسالة يهوذا (يه)، رؤيا يوحنا اللاهوتي (رؤ). (١) الفصل الثاني: معتقد المسلمين في التوراة والإنجيل . وقبل أن نستفيض في الكلام عن الكتاب المقدس، وذكر ما فيه من التحريف والتناقضات والأغلاط، أحببنا أن نكتب هذا الفصل لكي لا يفهم أننا بنقدنا لكتاب اليهود والنصارى اليوم أننا بذلك نطعن في التوراة والإنجيل الأصليين اللذين أنزلهما الله على موسى وعيسى ﵉. فنقول وبالله تعالى التوفيق. من أركان الإيمان، وأصول الاعتقاد: الإيمان بجميع كتب الله المنزلة على أنبيائه ورسله عليهم جميعًا الصلاة والسلام. وتبين آيات القرآن الكريم بجلاء موقف المسلمين من التوراة والإنجيل التي أنزلها الله ﵎ على نبيه موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، إذ يخبرنا القرآن أنهما وحي الله وكتابه وهديه الذي أنزله هدى ونورًا لبني إسرائيل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِين سْلَمُوا﴾ (المائدة: ٤٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ٣، ٤)، ويقول تعالى مخاطبًا المؤمنين، داعيًا إياهم إلى الإيمان والتصديق بكل ما أنزل على الأنبياء السابقين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى

стр. 873

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦] (البقرة: ١٣٦)، ويقول واصفًا المؤمنين: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقد ذكر القرآن الكريم أن الله وكل إلى أهل الكتاب حفظ كتابهم، فقال تعالى ﴿بَمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤) لكن هل كان بنو إسرائيل أمناء على الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم؟ القرآن يخبرنا أن اليهود قد امتدت أيديهم إلى الكتاب تتلاعب بمضامينه ومعانيه، فذكر أنهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: ١٣). كما أخبرنا الله تعالى أنهم كتموا بعضا مما أنزل الله عليهم، وأن الله بعث نبيه ومعه بيان كثير مما أخفوه، ناهيك عما تجاوزه، فلم يظهره ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، ثم كانت إحدى أكبر مساوئهم أنهم كانوا يكتبون كتبًا من عندهم، ثم ينسبونها إلى الله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. ووضح النبي ﷺ هذا المعتقد حين قال: (إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا، فاتبعوه، وتركوا التوراة) (١). وعليه، فإن ما في أيدي اليهود، والنصارى اليوم من التوراة والأناجيل المتعددة، والأسفار، والإصحاحات، التي بلغت العشرات، ليست هي عين التوراة المنزلة على

стр. 874

موسى ﵇، ولا عين الإنجيل المنزل على عيسى ﵇؛ لانقطاع أسانيدها، واحتوائها على كثير من التحريف، والتبديل، والأغاليط، والاختلاف فيها، واختلاف أهلها عليها، واضطرابهم فيها، وأن ما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما عداه فهو محرف مبدل، فهي دائرة بين النسخ والتحريف. ولهذا فليست بكليتها وحيًا، وإنما هي كتب مؤلفة من متأخريهم بمثابة التواريخ، والمواعظ لهم، وحاشا لله، أن يكون ما بأيدي اليهود من التوراة هو عين التوراة المنزلة على نبي الله موسى ﵇ وأن يكون ما بأيدي النصارى من الأناجيل هو عين الإنجيل المنزل على نبي الله عيسى ﵇. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غَضِبَ حينما رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة وقال ﷺ "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي". (١) واستقر هذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم، يقول ابن عباس ﵁: (قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (٢). التوراة والإنجيل فيهما من بقايا الوحي: ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع في التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء، ففي التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله ﷺ . ومن النصوص التي أشارت إلى وجود شيء من الحق في كتبهم ألبسوه بالباطل والزور قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ

стр. 875

الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧١)، وكذا قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾ [المائدة: ٤٣] وذلك في مسألة رجم الزاني، وهو مذكور في سفر التثنية، حيث يقول: ١١ "إِذَا كَانَتْ فتَاة عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، ٢٤ فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالحجَارة حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فتَنْزع الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ" (التثنية ٢٢/ ٢٣ - ٢٤). وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم". (١) أشياء ذكرت في القرآن وغير موجودة في التوراة والإنجيل: ومما يثبت أيضًا أن هذه الأسفار ليست توراة موسى ولا إنجيل عيسى أن القرآن نسب إلى أسفار موسى وإنجيل عيسى ﵉ الكثير من المعاني التي نفتقدها في النصوص الحالية، ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَآلْقُرءَانِ﴾ [التوبة: ١١١] ولا وجود لهذا المعنى في العهد القديم ولا الجديد. ومثله قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلي ١٦ - ١٩)، فهذا المعنى أيضًا لا وجود له في صحف الأسفار المنسوبة لموسى والتي تخلو من الحديث عن الآخرة والقيامة، فضلًا عن المقارنة بينها وبين الدنيا. ومثله نفتقد في الأسفار الحالية ما نسبه الله إلى توراته وإنجيله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 876

وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن، ونفتقدها في الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى اليوم، وذلك مؤذن ببطلان استدلالهم بالقرآن على توثيق ما في أيديهم من الكتب، إذ توثيق القرآن ومدحه، إنما هما لكتاب الله ووحيه، وليس للمحرف من كتبهم، والمنسوب زورًا إلى الله . (١) الباب الثالث: مدى صحة الكتاب المقدس الفصل الأول: هل للكتاب المقدس إسناد ؟ تمهيد: " ... فلابد لكون الكتاب سماويًا واجب التسليم أن يثبت أولًا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرد ادعاء فرقة أو فِرَق لا يكفي فيه .... ". (٢) وسنحاول خلال هذا المبحث أن نرى هل ثبت فعلًا أن للكتاب المقدس بشقيه (القديم والجديد) إسناد؟ أم هي محض توهمات وتخييلات؟ ، ونبدأ: أولًا: بالعهد القديم: أولًا: لمحة تاريخية عن التوراة والأدوار التي مرت بها عدم حفظ الله للكتب السابقة: لم يتكفل الله بحفظ الكتب السماوية السابقة المتقدمة كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، بل وَكَّل حفظ الكتب إلى علماء الأمة التي أُنزل عليها؛ ولذلك كانت تلك الكتب عرضة للتحريف والضياع، وخصوصًا إذا مرت بتلك الأمة فترات اضطهاد، وهذا هو عين ما حدث للكتابين المنزلين على بني إسرائيل (التوراة والإنجيل).

стр. 877

معنى التوراة: هي كلمة عبرية معناها: التعليم والشريعة، وفي اصطلاح أهل الكتاب هي: خمسة الأسفار التي تلقاها موسى ﵇ من الله في جبل سيناء بعد خروج اليهود من مصر، ثم ألحق بها أسفار الأنبياء. الأدوار التي مرت بها التوراة: التوراة في عهد موسى ويوشع: أمر الله موسى ﵇ أن يصعد إلى الجبل ليعطيه لوحى الحجارة والشريعة والوصية التي كتبها لتعليم بني إسرائيل (الخروج ٢٤/ ١٢). وأمره أيضًا أن يأمر بني إسرائيل فيصنعوا تابوتًا من خشب السنط، بين لهم أوصافه ليضع فيه موسى ﵇ الشهادة التي سيعطيه الله إياها (خروج ٢٥/ ١٠ - ٢١). كما أمره أن يقرب أخاه هارون ﵇ وبنيه من بين بني إسرائيل ليكونوا كهنة لله وأمره أن يصنع لهم ثيابًا خاصة مقدسة وصفها له (خروج ٢٨/ ١ - ٢). نزل موسى من الجبل، ولوحا الشهادة المكتوب عليهما كلمات العهد -أي الوصايا العشر- في يده (خروج ٣٤/ ٢٩). وفعل موسى كل ما أمره الرب به -أخذ الشهادة وجعلها في التابوت (خروج ٤٠/ ١٦ و ٢١) - وكتب موسى هذه التوراة وسلمها لكهنة بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد ليكون شاهدًا عليكم، وأمرهم بإخراجها كل سبع سنين في عيد المظال لتلاوتها على بني إسرائيل بعد أن يجتمع رجالهم ونساؤهم وأطفالهم، حتى الغريب الذي في ديارهم (سفر التثنية ٣١/ ٩ - ١٣ و ٢٤ - ٢٦). وهكذا صان موسى عليه السام التوراة عن سائر بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم خوفًا من اختلافهم بعده في تأويلها، مما يؤدي إلى انقسامهم. (١)

стр. 878

٤ - بعد وفاة موسى ﵇: بعد وفاة موسى خلفه يوشع بن نون في قيادة الشعب، فاستولى على فلسطين وقسمها بين الأسباط ما عدا سبط لاوى الذي اختص بالخدمة الدينية، واختص منه أبناء هارون بالكهنوت، إذًا فالهارونيين وحدهم هم الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها. ولم تكن كلها محفوظة على ألسنتهم، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا منها. ٥ - التوراة إبَّان حكم القضاة: وبعد موت يوشع ظل الشعب بأسباطه مقيما في تلك الجهات بين الشعوب المحيطة بهم وكان ذلك الجيل على شاكلة آبائه، لكن قام من بعده جيل آخر لم يعرف الرب، بل عمل الشر وعبد آلهة الشعوب الذين حوله، فسلط الله عليهم أعداءهم فنهبوهم. ولما ضاق الأمر بهم أقام لهم الرب قضاة، فخلصوهم من يد ناهبيهم. (سفر القضاة ٢/ ٨ - ١٦). وفي إحدى المعارك التي جرت بين الفلسطسنيين وبني إسرائيل هرب بنو إسرائيل وكانت الضرة عظيمة، فسقط منهم ثلاثون ألفًا، وأخذ الفلسطينيون منهم تابوت عهد الرب (سفر صموئيل الأول ٤/ ١٠ - ١١). • كيف عاد التابوت؟ وهذه قصة عجيبة جدًّا كما يقصها السفر، فقد أدخل الفلسطينيون التابوت إلى بيت إلههم (داجون) وأقاموا بقربه وفي الصباح وجدوا (داجون) ساقطًا على وجهه أمام التابوت فأقاموه مكانه، وفي صباح اليوم التالي وجدوه كذلك وقد قطعت رأسه ويداه، ثم أصيب أهل تلك المدينة بالبواسير، وتدافعت مدن الفلسطينيين حفظ التابوت إلى أن قرروا إعادته مع كمية من الذهب بعد سبعة أشهر (صموئيل ٥، ٦/ ١ - ٤). لكن ماذا حلَّ بالتوراة التي بداخله؟ لم يتعرض السفر لذلك. فهل عدم تعرضه ناتج عن أنه من البديهي أن تكون التوراة عادت مع التابوت سالمة غانمة، أم أنه من البديهي أن تكون قد أخرجت من الصندوق وأتلفت؟ !

стр. 879

٦ - التوراة إبان حكم الملوك: أمام خطر الفلسطينيين اجتمع شيوخ بني إسرائيل وطلبوا من القاضي صموئيل أن يجعل لهم ملكًا يحارب، فاختار لهم شاؤل بن قيس من سبط بنيامين -وهو الذي أتت تسميته في القرآن طالوت- فقادهم بشجاعة في الحروب (صموئيل ٨، ٩، ١٥). وبعد موت شاؤل استقر الأمر لداود ﵇ فحارب الفلسطينيين وفتح أهم مدنهم أورشاليم أي القدس، ثم اتخذها عاصمة له. كان التابوت في قرية يعاريم على أكمة منها (صموئيل الأول ٧/ ١) ولما فتح داود القدس نقله إليها في احتفال بهيج، حيث أقام له خيمة هناك وعين اللاويين لخدمته. (صموئيل الثاني ٦). وورث سليمان داود فبنى الهيكل، وبنى بداخله المحراب -أي قدس الأقداس- وهيئ مكانا في وسط البيت ليضع فيه التابوت. (صموئيل الثاني ٢٩/ ٢٣ - ٢٥)، وسفر الملوك الأول (٢/ ١٢، ٦/ ١٤ - ٣٥، ٧). وجمع سليمان شيوخ إسرائيل في العيد لوضع التابوت في المحراب. وفتح التابوت بعد وضعه في مكانه وكانت المفاجأة: ليس في التابوت إلا لوحا الحجر. (الملوك الأول ٨/ ١ - ١١) وهكذا فقدت التوراة في ظروف غامضة، ولا يعلم جزما متى ضاعت: هل مزقها الفلسطينيون ثم أعادوا التابوت فارغا؟ أم أنها فقدت خلال الفترة الطويلة من حكم القضاة حين انحرف الشعب عن أوامر الله وظهر في بني إسرائيل الكفر والارتداد وعبادة الأصنام وقتل الأنبياء. (١) ٧ - التوراة إبان الانقسام: تحسنت أحوال اليهود إبان حكم داود وفي صدر حكم ابنه سليمان -كما تقول أسفارهم ثم ارتد سليمان- على حد زعمهم- في آخر عمره بترغيب من أزواجه وعبد الأصنام وبنى لها المعابد. وإن المتأمل في هذا ليتساءل: إذا كان سليمان مرتدا فما غرضه بالتوراة إن كانت باقية؟ !

стр. 880

وبعد موت سليمان انقسمت المملكة إلى مملكتين: جنوبية اسمها يهوذا، وقد بقي الملك فيها في بيت داود إلى نهايتها. وشمالية اسمها إسرائيل، وقد تنقل الملك فيها بين بيوتات مختلفة. (سفر الملوك الأول ١٢/ ٢١). وحدث خلال ذلك أحداث عجيبة؛ فقد عكف معظم بني إسرائيل مع ملوكهم على عبادة الأصنام وترك أحكام التوراة مددا طويلة وأعصارًا متصلة، وكانت الأنبياء تتتابع عليهم ولكن هيهات، كفر مستمر وقتل للأنبياء. ٨ - سقوط دولة إسرائيل: كان الكفر والارتداد في مملكة إسرائيل أشد منه في مملكة يهوذا، ولذلك هاجر الكهنة ومن بقي معهم إلى مملكة يهوذا. وسلط الله أعداء بني إسرائيل عليهم، ففي عام ٧٢١ ق. م أغار ملك آشور (شلمناصر) على عاصمة إسرائيل وحاصرها، ثم دكها دكًا، ثم جاء خليفته (سرجون) فأسر شعب إسرائيل، وأجلاهم عن بلادهم وفرقهم في مملكته، وأسكن بدلًا منهم وثنيين من بابل وغيرها، ولم يبق من اليهود إلا شرذمة قليلة اختلطت بالوثنيين، فتزاوجوا وتوالدوا. فمنذ قيام دولة إسرائيل إلى أن محتها يد الأسر الآشوري، وأزالت شعبها من الوجود، لم يكن للأسباط الذين فيها غرض بالتوراة، وكان وجودها في تلك الدولة أندر من الكبريت الحمر. ٩ - العثور على التوراة قبيل سقوط مملكة يهوذا: جلس على حكم يهوذا بعد موت سليمان أكثر من عشرين ملكًا كان المرتدون منهم أكثر ممن يعترف بالدين، حتى غدا أهل المملكة وثنيين، ووضعت الأصنام حتى في البيت المقدس وبنيت لها المذابح، فضاعت التوراة وأصبحت نسيًا منسيًا (سفر الملوك الثاني ٢١، وسفر أخبار الأيام الثاني ٣٣). وآل الأمر إلى الملك يوشيا بنآمون وكان فتى طيبًا، فتاب إلى الله واتجه إلى نشر الإيمان، فرمم الهيكل وأزال رسوم الكفر منه وبحث عن التوراة، ولكن دون جدوى، ومضى سبعة
следующие страницы →