وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن، ونفتقدها في الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى اليوم، وذلك مؤذن ببطلان استدلالهم بالقرآن على توثيق ما في أيديهم من الكتب، إذ توثيق القرآن ومدحه، إنما هما لكتاب الله ووحيه، وليس للمحرف من كتبهم، والمنسوب زورًا إلى الله . (١)
الباب الثالث: مدى صحة الكتاب المقدس
الفصل الأول: هل للكتاب المقدس إسناد ؟
تمهيد: " ... فلابد لكون الكتاب سماويًا واجب التسليم أن يثبت أولًا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرد ادعاء فرقة أو فِرَق لا يكفي فيه .... ". (٢)
وسنحاول خلال هذا المبحث أن نرى هل ثبت فعلًا أن للكتاب المقدس بشقيه (القديم والجديد) إسناد؟ أم هي محض توهمات وتخييلات؟ ، ونبدأ:
أولًا: بالعهد القديم:
أولًا: لمحة تاريخية عن التوراة والأدوار التي مرت بها
عدم حفظ الله للكتب السابقة: لم يتكفل الله بحفظ الكتب السماوية السابقة المتقدمة كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، بل وَكَّل حفظ الكتب إلى علماء الأمة التي أُنزل عليها؛ ولذلك كانت تلك الكتب عرضة للتحريف والضياع، وخصوصًا إذا مرت بتلك الأمة فترات اضطهاد، وهذا هو عين ما حدث للكتابين المنزلين على بني إسرائيل (التوراة والإنجيل).
стр. 877
معنى التوراة:
هي كلمة عبرية معناها: التعليم والشريعة، وفي اصطلاح أهل الكتاب هي: خمسة الأسفار التي تلقاها موسى ﵇ من الله في جبل سيناء بعد خروج اليهود من مصر، ثم ألحق بها أسفار الأنبياء.
الأدوار التي مرت بها التوراة:
التوراة في عهد موسى ويوشع:
أمر الله موسى ﵇ أن يصعد إلى الجبل ليعطيه لوحى الحجارة والشريعة والوصية التي كتبها لتعليم بني إسرائيل (الخروج ٢٤/ ١٢).
وأمره أيضًا أن يأمر بني إسرائيل فيصنعوا تابوتًا من خشب السنط، بين لهم أوصافه ليضع فيه موسى ﵇ الشهادة التي سيعطيه الله إياها (خروج ٢٥/ ١٠ - ٢١).
كما أمره أن يقرب أخاه هارون ﵇ وبنيه من بين بني إسرائيل ليكونوا كهنة لله وأمره أن يصنع لهم ثيابًا خاصة مقدسة وصفها له (خروج ٢٨/ ١ - ٢).
نزل موسى من الجبل، ولوحا الشهادة المكتوب عليهما كلمات العهد -أي الوصايا العشر- في يده (خروج ٣٤/ ٢٩).
وفعل موسى كل ما أمره الرب به -أخذ الشهادة وجعلها في التابوت (خروج ٤٠/ ١٦ و ٢١) - وكتب موسى هذه التوراة وسلمها لكهنة بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد ليكون شاهدًا عليكم، وأمرهم بإخراجها كل سبع سنين في عيد المظال لتلاوتها على بني إسرائيل بعد أن يجتمع رجالهم ونساؤهم وأطفالهم، حتى الغريب الذي في ديارهم (سفر التثنية ٣١/ ٩ - ١٣ و ٢٤ - ٢٦).
وهكذا صان موسى عليه السام التوراة عن سائر بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم خوفًا من اختلافهم بعده في تأويلها، مما يؤدي إلى انقسامهم. (١)
стр. 878
٤ - بعد وفاة موسى ﵇:
بعد وفاة موسى خلفه يوشع بن نون في قيادة الشعب، فاستولى على فلسطين وقسمها بين الأسباط ما عدا سبط لاوى الذي اختص بالخدمة الدينية، واختص منه أبناء هارون بالكهنوت، إذًا فالهارونيين وحدهم هم الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها. ولم تكن كلها محفوظة على ألسنتهم، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا منها.
٥ - التوراة إبَّان حكم القضاة:
وبعد موت يوشع ظل الشعب بأسباطه مقيما في تلك الجهات بين الشعوب المحيطة بهم وكان ذلك الجيل على شاكلة آبائه، لكن قام من بعده جيل آخر لم يعرف الرب، بل عمل الشر وعبد آلهة الشعوب الذين حوله، فسلط الله عليهم أعداءهم فنهبوهم.
ولما ضاق الأمر بهم أقام لهم الرب قضاة، فخلصوهم من يد ناهبيهم. (سفر القضاة ٢/ ٨ - ١٦).
وفي إحدى المعارك التي جرت بين الفلسطسنيين وبني إسرائيل هرب بنو إسرائيل وكانت الضرة عظيمة، فسقط منهم ثلاثون ألفًا، وأخذ الفلسطينيون منهم تابوت عهد الرب (سفر صموئيل الأول ٤/ ١٠ - ١١).
• كيف عاد التابوت؟
وهذه قصة عجيبة جدًّا كما يقصها السفر، فقد أدخل الفلسطينيون التابوت إلى بيت إلههم (داجون) وأقاموا بقربه وفي الصباح وجدوا (داجون) ساقطًا على وجهه أمام التابوت فأقاموه مكانه، وفي صباح اليوم التالي وجدوه كذلك وقد قطعت رأسه ويداه، ثم أصيب أهل تلك المدينة بالبواسير، وتدافعت مدن الفلسطينيين حفظ التابوت إلى أن قرروا إعادته مع كمية من الذهب بعد سبعة أشهر (صموئيل ٥، ٦/ ١ - ٤).
لكن ماذا حلَّ بالتوراة التي بداخله؟ لم يتعرض السفر لذلك. فهل عدم تعرضه ناتج عن أنه من البديهي أن تكون التوراة عادت مع التابوت سالمة غانمة، أم أنه من البديهي أن تكون قد أخرجت من الصندوق وأتلفت؟ !
стр. 879
٦ - التوراة إبان حكم الملوك:
أمام خطر الفلسطينيين اجتمع شيوخ بني إسرائيل وطلبوا من القاضي صموئيل أن يجعل لهم ملكًا يحارب، فاختار لهم شاؤل بن قيس من سبط بنيامين -وهو الذي أتت تسميته في القرآن طالوت- فقادهم بشجاعة في الحروب (صموئيل ٨، ٩، ١٥).
وبعد موت شاؤل استقر الأمر لداود ﵇ فحارب الفلسطينيين وفتح أهم مدنهم أورشاليم أي القدس، ثم اتخذها عاصمة له.
كان التابوت في قرية يعاريم على أكمة منها (صموئيل الأول ٧/ ١) ولما فتح داود القدس نقله إليها في احتفال بهيج، حيث أقام له خيمة هناك وعين اللاويين لخدمته. (صموئيل الثاني ٦).
وورث سليمان داود فبنى الهيكل، وبنى بداخله المحراب -أي قدس الأقداس- وهيئ مكانا في وسط البيت ليضع فيه التابوت. (صموئيل الثاني ٢٩/ ٢٣ - ٢٥)، وسفر الملوك الأول (٢/ ١٢، ٦/ ١٤ - ٣٥، ٧).
وجمع سليمان شيوخ إسرائيل في العيد لوضع التابوت في المحراب. وفتح التابوت بعد وضعه في مكانه وكانت المفاجأة: ليس في التابوت إلا لوحا الحجر. (الملوك الأول ٨/ ١ - ١١) وهكذا فقدت التوراة في ظروف غامضة، ولا يعلم جزما متى ضاعت: هل مزقها الفلسطينيون ثم أعادوا التابوت فارغا؟ أم أنها فقدت خلال الفترة الطويلة من حكم القضاة حين انحرف الشعب عن أوامر الله وظهر في بني إسرائيل الكفر والارتداد وعبادة الأصنام وقتل الأنبياء. (١)
٧ - التوراة إبان الانقسام:
تحسنت أحوال اليهود إبان حكم داود وفي صدر حكم ابنه سليمان -كما تقول أسفارهم ثم ارتد سليمان- على حد زعمهم- في آخر عمره بترغيب من أزواجه وعبد الأصنام وبنى لها المعابد.
وإن المتأمل في هذا ليتساءل: إذا كان سليمان مرتدا فما غرضه بالتوراة إن كانت باقية؟ !
стр. 880
وبعد موت سليمان انقسمت المملكة إلى مملكتين: جنوبية اسمها يهوذا، وقد بقي الملك فيها في بيت داود إلى نهايتها. وشمالية اسمها إسرائيل، وقد تنقل الملك فيها بين بيوتات مختلفة. (سفر الملوك الأول ١٢/ ٢١).
وحدث خلال ذلك أحداث عجيبة؛ فقد عكف معظم بني إسرائيل مع ملوكهم على عبادة الأصنام وترك أحكام التوراة مددا طويلة وأعصارًا متصلة، وكانت الأنبياء تتتابع عليهم ولكن هيهات، كفر مستمر وقتل للأنبياء.
٨ - سقوط دولة إسرائيل:
كان الكفر والارتداد في مملكة إسرائيل أشد منه في مملكة يهوذا، ولذلك هاجر الكهنة ومن بقي معهم إلى مملكة يهوذا.
وسلط الله أعداء بني إسرائيل عليهم، ففي عام ٧٢١ ق. م أغار ملك آشور (شلمناصر) على عاصمة إسرائيل وحاصرها، ثم دكها دكًا، ثم جاء خليفته (سرجون) فأسر شعب إسرائيل، وأجلاهم عن بلادهم وفرقهم في مملكته، وأسكن بدلًا منهم وثنيين من بابل وغيرها، ولم يبق من اليهود إلا شرذمة قليلة اختلطت بالوثنيين، فتزاوجوا وتوالدوا.
فمنذ قيام دولة إسرائيل إلى أن محتها يد الأسر الآشوري، وأزالت شعبها من الوجود، لم يكن للأسباط الذين فيها غرض بالتوراة، وكان وجودها في تلك الدولة أندر من الكبريت الحمر.
٩ - العثور على التوراة قبيل سقوط مملكة يهوذا:
جلس على حكم يهوذا بعد موت سليمان أكثر من عشرين ملكًا كان المرتدون منهم أكثر ممن يعترف بالدين، حتى غدا أهل المملكة وثنيين، ووضعت الأصنام حتى في البيت المقدس وبنيت لها المذابح، فضاعت التوراة وأصبحت نسيًا منسيًا (سفر الملوك الثاني ٢١، وسفر أخبار الأيام الثاني ٣٣).
وآل الأمر إلى الملك يوشيا بنآمون وكان فتى طيبًا، فتاب إلى الله واتجه إلى نشر الإيمان، فرمم الهيكل وأزال رسوم الكفر منه وبحث عن التوراة، ولكن دون جدوى، ومضى سبعة
стр. 881
عشر عامًا من حكمه دون أن يعثر أحد على نسخة للتوراة أو يسمع شيئًا عنها.
وفي السنة الثامنة عشرة من حكمه ادَّعى رئيس الكهنة حلقيا أنه وجد سفر شريعة الرب بيد موسى -أى التوراة- في بيت الرب بين الفضة التي جمعت من الشعب، وسلمه للكاتب شوفان ليقرأه على الملك. فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه. (الملوك الثاني ٢٢/ ١ - ١١) وأخبار الأيام الثاني (٣٤/ ١ - ٢٥).
ثم إن الملك جمع شعب يهوذا بعد الهيكل وقرأ عليهم السفر، فتعجب الناس والملك من فرط ما ارتكبه اليهود في تاريخهم من مخالفات. ثم أخبر عن عزمه على العمل به (الملوك الثاني ٢٣/ ١ - ٢٣)، أخبار الأيام الثاني ٣٤/ ٢٩ - ٣٣، ٣٥/ ١).
هذا، ولا يقبل الباحثون ادعاء حلقيا لأن البيت نهب مرتين قبل عهد الملك آخذ، ثم جعل بيتًا للأصنام وكان سدنة الأصنام يدخلون البيت كل يوم، وفي عهد يوشيا كان الكهنة يدخلون البيت كل يوم مدة سبعة عشر عامًا في أثناء الترميم وبعده، فلا يعقل أن تكون نسخة التوراة في البيت، ولا يراها أحد خلال تلك المدة الطويلة رغم البحث والتفتيش، ويرى الباحثون أن حلقيا وغيره من الكهنة لما رأوا ميل الملك يوشيا إلى الدين والعمل بالتوراة، انتهزوا هذه الفرصة للوقوف في وجه ارتداد اليهود والعودة بهم إلى الدين فجمعوا هذه النسخة من الروايات اللسانية التي وصلت إليهم دون تحر خلا السبعة عشر عامًا من حكمه، وأضافوا إليها ما يوافق رغبات اليهود من تاريخ وعقيدة وغير ذلك ولما انتهوا من الكتابة، سلم حلقيا النسخة للكاتب شوفان ليسلمها للملك مدعيًا أنه عثر على التوراة. (١)
واستمر العمل بتلك التوراة ثلاثة عشر عامًا، وهي ما تبقى من حكم يوشيا، فما إن مات وخلفه في الحكم ابنه يوحاز حتى ارتد وأشاع الكفر. واستمر الكفر والارتداد وقتل الأنبياء ومطاردة المصلحين في عهد إخوته وأولادهم من بعده، وطوال هذه المدة لم يكن للتوراة ذكر ولا رسم ولا أثر، وإنما كانت في التابوت عند الكاهن الأكبر، وتوالت
стр. 882
النكبات على اليهود من قبل الشعوب المحيطة بهم، حتى إن بختنصر ملك بابل اجتاح مملكة يهوذا عدة مرات، بسبب ما يلقاه من غدر ونقض للعهود، إلى أن هاجمها عام ٥٨٨ ق. م فدك أسوار القدس وأحرق المدينة والهيكل بعد أن أخذ منه التابوت، وتتبع الهارونيين وسائر الكهنة، فقتلهم على دم واحد، ثم سبى اليهود جميعا فقادهم مقيدين بالسلاسل ولم يترك فيهم سوى أفقر الفقراء، وفي هذه الحادثة انعدمت التوراة وسائر أسفار العهد القديم التي كانت مصنفة، واليهود والنصارى يقرون بذلك (سفر الملوك الثاني ٢٤، ٢٥، وأخبار الأيام الثاني ٣٦)) (١)
١٠ - التوراة إبان السبي:
سقطت مملكتا اليهود فزالت دولتهم واندثرت أمتهم؛ كان أكثرهم مشتتا بين نهرى دجلة والفرات وما حولهما فذابوا بين تلك الشعوب، وعبدوا آلهتهم وكانت قلة منهم مشردة في مصر ولم يبق في فلسطين إلا شرذمة قليلة من المعدمين.
واستمر هذا النفي إلى عام ٥٣٨ ق. م حيث قام ملك الفرس كورش -كيروس الثاني- بالهجوم على الميديين فأخضعهم واستولى على آشور وبابل، ومن ثم أصبح له السلطان على فلسطين واليهود.
وتودد اليهود للحكم الجديد واستعطفوه -وهم بارعون في ذلك- ثم التمسوا منه أن يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم وبناء هيكلهم واستئناف الحرية في ظله، فوافق، وعاد كثير منهم إلى فلسطين، فأعادوا بناء المدينة والهيكل بعد إعاقات كثيرة بسبب خلافاتهم. -سفر عزرا ١ - ٦، وسفر نحميا ١ - ٧) ثم أقاموا الاحتفالات، ودشنوا البيت بالقرابين، لكن لم يضعوا فيه تابوت عهد الرب، لأن إرمياء النبي كان قد أخذه -كما يقولون- ووضعه في إحدى مغارات جبل (نبو) في (مؤاب) مقابل (أريحا) فلم يستطع أحد أن يهتدي إلى مكانه إلى اليوم. وهكذا استعاد اليهود بعض أوضاعهم، لكنهم فقدوا استقلالهم وتابوتهم هذه
стр. 883
المرة، ووقعوا تحت سيطرة الفرس.
وفي عهد الملك الفارسي (أرتخشستا) كان في بابل كاهن يهودي مقرب من الملك اسمه (عزرا بن سرايا) من سبط هارون، فطلب من الملك أن يسمح بعودة فوج آخر من اليهود إلى القدس فوافق. (سفر عزرا/ ٧) وعاد عزرا عام ٤٥٨ ق. م ومعه عامة الشعب وقوم من الكتبة اللاويين، وأموال كثيرة ورسالة أمن وتوصية من الملك جاء فيها (كما في سفر عزرا ٧/ ٢٥ - ٢٦): "أما أنت ياعزرا، فحسب حكمة إلهك التي بيدك، ضع حكاما وقضاة يقضون لجميع الشعب الذي في عبر النهر من جميع من يعرف شرائع إلهك ... ".
وهكذا وضع عزرا بتأييد من الفرس النظام لليهود، ودأب عزرا ومن معه من الكهنة على تبصير اليهود بالشريعة وتفسيرها لهم.
١١ - كتابة التوراة وجمع أسفارها من جديد:
يسود اعتقاد عند اليهود أن عزرا هو الذي جمع أسفار التوراة ونظمها، لكن الدلائل تشير إلى أنها كتبت في مراحل متباعدة، وقد كتبها وجمعها معه أناس آخرون. (١)
يقول ول ديورانت:
"إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين. وقد كتب بعضه في يهوذا وبعضه في إسرائيل، ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتى اليهود"، ويقرر أيضًا أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مرة في بابل، ثم ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد.
١٢ - وجود نسختين للتوراة بعد العودة:
لقد ظهرت نسختان مختلفتان للتوراة بعد الشروع في بناء الهيكل، نسخة للعبرانيين ونسخة للسامريين، وكل طائفة تضلل الأخرى ولا تعترف بها.
١٣ - التوراة إبان حكم اليونان:
بعد أن استولى الإسكندر الأكبر على بلاد الشام عام ٣٢٣ ق. م تقاسم قواده الإمبراطورية بينهم وخضع اليهود لخلفائه من بعده.
стр. 884
وبدأ تشبه اليهود باليونان في عبادتهم للآلهة، والتقيد بعاداتهم وتقاليدهم، وفي عهد أنطيخوس الرابع، قام كاهن اليهود بانقلاب على المدينة وقتل من فيها من الحراس والمعارضين لليهود، وعاد أنطيخوس من معركته مع بطليموس السادس، فدخل القدس ودمرها، واقتحم الهيكل واستولى على ما فيه، وأحرق جميع نسخ العهد القديم، وقرر توحيد الديانة في البلاد التي تحت سيطرته، وألزم اليهود بالامتناع عن ممارسة العبادات والعادات اليهودية، ومزق الجنود كل ما وجدوه من نسخ التوراة وأسفار الشريعة وأحرقوه، وقتلوا كل من كان يعلن أنه يهودي أصلا. ففي ظل كل هذه الاضطهادات الغالب أنه انعدمت جميع النسخ التي كتبها عزرا وغيره. (١)
١٤ - التوراة إبان حكم المكابيين:
رأى كاهن يهودي اسمه (متاثيا) رجلًا يهوديًّا يقدم ذبيحة لإله اليونان، فوثب عليه وقتله، ثم قتل مندوب الملك، وهرب مع أولاده إلى الجبال، ثم كونوا قوة وكانوا مصدر إزعاج للحكام.
وفي عام ١٦٧ ق. م مات الكاهن فخلفه ابنه يهوذا المسمى (مكابيوس) وتمكن في عام ١٦٤ ق. م من الاستيلاء على القدس، وطهرها مما فيها من الأوثان.
وفي عام ٦٣ ق. م اقتحم الرومان القدس، ودخلوا الهيكل حتى وطئوا قدس الأقداس، وأخذوا الملك وأولاده أسرى إلى روما.
ثم في عام ٣٧ ق. م اقتحموها ثانية بعد تمرد يهودي، فنهبوها وأشاعوا فيها التمرد والدمار، بعد أن قتلوا آخر الملوك المكابيين (أنتنيجوس).
ولا شك أن التوراة المتبقية في هذا العهد إنما هي التوراة المظنونة، أو النقول المتبقية بعد الاضطهادات في عهد اليونان.
١٥ - التوراة إبان حكم الرومان:
تولى أمر اليهود بعد مقتل أنتيجوس رجل يهودي من أصل ادومي، اسمه (هيرودس) كان
стр. 885
شديد الخضوع للرومان ومع ذلك كان يسترضي اليهود؛ فبنى لهم هيكلًا على نسق هيكل سليمان، لكنهم ظلوا على كراهيتهم له؛ لأنه ليس من أصل يهودي صرف، فأذاقهم سوء العذاب.
وفي سنة ٢٦ م عين الإمبر اطور الروماني طيباروس حاكما على اليهودية اسمه (بيلاطوس بونتيوس)، وفي عهده طلب كهنة اليهود صلب المسيح ﵇ لكن هموا بما لم ينالوا.
وفي عام ٧٠ م حاصر الرومان القدس، وأذاقوا اليهود فيها أشد ألوان العذاب، ولما اندلعت الثورة الثانية في عام ١٣٠ - ١٣٥ م وقضى عليها الإمبراطور الروماني (أدريانوس) أزال معالم المدينة والهيكل تماما، فحرث الأرض وزرعها، ولاحق اليهود بشدة للتخلص منهم نهائيًا، ثم أقام مكان الهيكل، هيكلًا وثنيا باسم (جوبيتار) رب الآلهة عند الرومان.
وهكذا أبيد معظم اليهود، ولم يبق منهم إلا عدد قليل، تشردوا في الأرض، وهاموا على وجوههم في كل مكان.
وخلاصة القول: -
أن اليهود تعرضوا للاضطهاد في كل مكان حلوا فيه، وفي ظل حكم أي دولة حكموا بها، فأي توراة تبقى بعد كل هذا الاضطهاد والتشريد والتدمير والحرق.
وحتى ما كتبه عزرا وغيره هل يبقى سليمًا بعد كل هذا أيضًا؟ .
ثم هل قام الدليل على عصمة عزرا ومن ساعده؟ أو أن هذه النصوص المجموعة هي من عين التوراة التي أنزلها الله على موسى؟ ثم إن كان الكاتب هو عزرا فعلًا، فأين السند المتصل الذي يثبت ذلك بدون أدنى شك أو تخمين؟ أو حتى شبهة السند الذي يتميز به المسلمون ولا يعرفه أهل الكتاب لكتبهم؟ . (١)
ثانيًا: إبطال نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى ﵇
يزعم اليهود والنصارى أن موسى ﵇ كتب الأسفار الخمسة، يقول القس سويجارت في مناظرته التلفزيونية للعلامة ديدات: "ونحن نعتقد أن موسى كتب ما يسمى بالأسفار الخمسة، تلك الكتب الخمسة الأولى باستثناء الترانيم القليلة، وسفر التثنية، وربما يكون قد
стр. 886
كتب هذا أيضًا، لأننا نعلم أن للرب من القدرة، بحيث يوحي إلى موسى بالضبط الكيفية التي يموت بها، ويوحي إليه بدقة الهيئة التي تكون عليها جنازته، وهذا ليس بمعضل على الرب".
وليس من دليل يؤيد هذا الزعم سوى ما ذكرته النصوص التوراتية والإنجيلية. (١)
لكن عند الرجوع إلى هذه الأسفار والتمعن فيها يتبين أنها كتبت بعد موسى ﵇ بوقت طويل، وفيما يلي بعض هذه الأدلة:
١ - قصر توراة موسى بالنسبة إلى التوراة الحالية .
• تحدثت أسفار العهد القديم عن توراة موسى، في سفر التثنية "وَكَتَبَ مُوسَى هذه التَّوْرَاةَ وَسَلَّمَهَا لِلْكَهَنَةِ بَنِي لَاوِي حَامِلي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ، وَلجِميعِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ." (التثنية ٣١/ ٩ - ١٠) وكان ينبغي أن تكون نهاية التوراة هنا، ولكن الذي نراه أنه جاء بعدها ثلاث إصحاحات، والمفروض أن التوراة سلمت للكهنة من بني لاوي، مما دل على أن المكتوب من قبل موسى ليس النص الذي يحكي القصة.
• أن توراة موسى قصيرة، فإن أسفاره الخمسة تبلغ ٤٠٠ صفحة، والذي كتبه موسى قصير جدًّا بالنسبة إلى الأسفار الخمسة، فقد أمر موسى بجمع بني إسرائيل نساءً وأطفالًا ورجالًا، بل وحتى الغريب المار بأرضهم، أمر بجمعهم كل سبع سنين في عيد المظال لتقرأ عليهم التوراة (انظر التثنية ٣١/ ٩ - ١٢)، ولو كانت بالطول الذي بين أيدينا اليوم لشق سماع هؤلاء جميعًا وعسُر طول مكثهم لسماعها.
• ومن الدلائل على قصر توراة موسى أنه أمر بكتابتها على جدران المذبح "فَيَوْمَ تَعْبُرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهًا، تُقِيمُ لِنَفْسِكَ حِجَارَةً كَبِيرَةً وَتَشِيدُهَا بِالشِّيدِ، ٣ وَتَكْتُبُ عَلَيْهَا جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ، حِينَ تَعْبُرُ لِكَيْ تَدْخُلَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهًا .... ٨ وَتكْتُبُ عَلَى الحجَارَةِ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ نَقْشًا جَيِّدًا". "
стр. 887
(التثنية ٢٧/ ٢ - ٨)، وقد عمل بالوصية وصي موسى يشوع فكتبها على حجارة الذبح.
وبعد إتمام البناء قرأ يشوع التوراة على الجموع، وهي له تسمع " ٣٢ وَكَتَبَ هُنَاكَ عَلَى الحجَارَةِ نُسْخَةَ تَوْرَاةِ مُوسَى الَّتِي كَتبَهَا أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... ٣٤ وَبَعْدَ ذلِكَ قَرَأَ جَمِيعَ كَلَامِ التَّوْرَاةِ. ٣٥ لَمْ تَكُنْ كَلِمَةٌ مِنْ كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى لَمْ يَقْرَأْهَا يَشُوعُ قُدَّامَ كُلِّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ وَالنِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالْغَرِيبِ السَّائِرِ فِي وَسَطِهِمْ." (يشوع ٨/ ٣٢ - ٣٥). (١)
٢ - تناقض سفر يشوع مع الأسفار الخمسة .
ومما يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى ليست الأسفار الخمسة: مخالفة يشوع وصي موسى لما جاء فيها، ولو كان يعرفها أو يعتقد صدقها لما خالفها، فإما أن يقال بأن سفر يشوع مزور، أو لا تصح نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى.
وبيان هذه المسألة أن موسى قال: "١٧ كَلَّمَنِي الرَّبُّ قَائِلًا: ١٨ أَنْتَ مَارّ الْيَوْمَ بِتُخْمِ مُوآبَ، بِعَارَ. ١٩ فَمَتَى قَرُبْتَ إِلَى تجاهِ بَنِي عَمُّونَ، لَا تُعَادِهِمْ وَلَا تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأنِّي لَا أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ مِيرَاثًا، لأنِّي لِبَنِي لُوطٍ قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِيرَاثًا." (التثنية ٢/ ١٦ - ٢٠) فكان أمر الله لموسى في حق أرض عمون أن لا يأخذ منها شيئًا.
ولكن يشوع في سفره ينسب إلى موسى أنه قسم أرض بني عمون، يقول: " ٢٤ وَأَعْطَى مُوسَى لِسِبْطِ جَادَ، بَنِي جَادَ حَسَبَ عَشَائِرِهِمْ: ٢٥ فَكَانَ تُخُمُهُمْ يَعَزِيرَ وَكُلَّ مُدُنِ جِلْعَادَ وَنِصْفَ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ إِلَى عَرُوعِيرَ الَّتِي هِيَ أَمَامَ رَبَّةَ ... هذَا نَصِيبُ بَنِي جَادَ" (يشوع ١٣/ ٢٤ - ٢٨)، فقد زعم سفر يشوع أن الله أعطى موسى نصف أرض بني عمون، وهو مخالف لما أمر الله به موسى.
فلو كانت هذه الأسفار توراة موسى لما نسب يشوع إلى موسى هذه المخالفة الصريحة لأمر الله بتقسيم أرض عمون.
٣ - أحداث ذكرتها التوراة، وقد حصلت بعد وفاة موسى .
كما أن التوراة ذكرت أحداثًا حصلت بعد وفاة موسى في سيناء، مما دل على أنها كتبت
стр. 888
بعده، ومنها:
١ - تقول التوراة: "وَأَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ المَنَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى جَاءُوا إِلَى أَرْضٍ عَامِرَةٍ. أَكَلُوا المَنَّ حَتَّى جَاءُوا إِلَى طَرَفِ أَرْضِ كَنْعَانَ." (خروج ١٦/ ٣٥)، فكاتب السفر أدرك انقطاع المنّ عن بني إسرائيل، وعرف أن مدة أكلهم للمنّ كانت أربعين سنة، وهو أمر لم يدركه موسى ﵇، فقد انقطع المنّ زمن يشوع وبعد وفاة موسى بزمن ليس بقليل، ففي سفر يشوع "١٠ فَحَلَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الجلْجَال ... فِي عَرَبَاتِ أَرِيحَا. ١١ وَأَكَلُوا مِنْ غَلَّةِ الأَرْضِ .. ١٢ وَانْقَطَعَ المَنُّ فِي الْغَدِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ مِنْ غَلَّةِ الأَرْضِ" (يشوع ٥/ ١٠ - ١٢). فكيف يتحدث موسى عن أمر حدث بعد وفاته، وذلك حين دخلوا الأرض المقدسة مع النبي يشوع، ومن المهم التنبيه إلى أن الخبر عن الماضي، وذلك في النص السابق في قوله "فحلَّ وأكلوا وانقطع المن في الغد عند أكلهم"، وليس إخبارًا بالغيب والمستقبل، لذا لا يمكننا أن نعتبره نبوءة من موسى ﵇. (١)
٢ - ثم إن سفر العدد يصف المنّ لقارئيه، فمن المؤكد أنه يحدثهم عما لم يروه، ومن العجيب أن ينسب هذا الوصف إلى موسى، إذ ما الذي يدعوه لوصف المنّ وطعمه وطريقة طهيه لمن يصنعه ويأكله من معاصريه، يقول السفر: "٧ وَأَمَّا المَنُّ فَكَانَ كَبِزْرِ الْكُزْبَرَةِ، وَمَنْظَره كَمَنْظَرِ المُقْلِ. ٨ كَانَ الشَّعْبُ يَطُوفُونَ لِيَلْتَقِطُوهُ، ثُمَّ يَطْحَنُونَهُ بِالرَّحَى أَوْ يَدُقُّونَهُ فِي الْهَاوَنِ وَيَطْبُخُونَهُ فِي الْقُدُورِ وَيَعْمَلُونَهُ مَلَّاتٍ. وَكَانَ طَعْمُهُ كَطَعْمِ قَطَائِفَ بِزَيْتٍ." (العدد ١١/ ٧ - ٨) وانظر: (الخروج ١٦/ ٣١)، إنه شاهد آخر ببراءة موسى من كتابة هذه الأسفار. (٢)
٣ - ويذكر سفر العدد ما يُشعِر بأن الكاتب قد كتبه بعد جلاء بني إسرائيل من برية سيناء ودخولهم فلسطين فيقول: "٣٢ وَلمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَجَدُوا رَجُلًا يَحْتَطِبُ
стр. 889
حَطَبًا فِي يَوْمِ السَّبْتِ." (العدد ١٥/ ٣٢)، فالكاتب ليس في البرية حتمًا. أي ليس موسى ﵇، فإنه قد مات في البرية قبل دخول الأرض المقدسة.
٤ - ونحوه قول كاتب الأسفار: "وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي الأَرْضِ." (التكوين ١٣/ ٧)، وهذا النص جعلته نسخة الرهبانية اليسوعية بين قوسين للإيهام بأنه ملحق بالسياق، والصحيح أصالته، وأن السفر متأخر التأليف.
٥ - ونحوه في قوله: "٣١ وَهؤُلَاءِ هُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا فِي أَرْضِ أَدُومَ، قَبْلَمَا مَلَكَ مَلِأ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. "
وقد أقر المحقق آدم كلارك بوقوع التحريف في هذا النص، وقال: "غالب ظني أن موسى ما كتب هذه الآية، والآيات التي بعدها إلى التاسعة والثلاثين .. وأظن ظنًا قويًّا قريبًا من اليقين أن هذه الآيات كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة، فظن الناقل أنها جزء من المتن فأدخلها فيه". (١)
ولم يبين دليله الذي دفعه لهذا الظن الذي قارب اليقين، لكن هذا التبرير من كلارك يفضي إلى الشك بجملة الكتاب المقدس، إذ كما جاز للناسخ أن يدخل في المتن هنا ما ليس فيه، فإنه يجوز وقوع ذلك في سائر الكتاب. (٢)
٦ - ورد في سفر اللاويين (٥/ ١٥ - ١٦): "يَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ مِنْ شَوَاقِلِ فِضَّةٍ عَلَى شَاقِلِ الْقُدْسِ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ. ١٦ وَيُعَوَضُ عَمَّا أَخْطَأَ بِهِ مِنَ الْقُدْسِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُكَفِّرُ الْكَاهِنُ عَنْهُ بِكَبْشِ الإِثْمِ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ."
وهذا الكلام في معرض التكفير عن الخطأ في أقداس الرب عندهم.
ومعروف كما سبق أن بني إسرائيل لم يكونوا دخلوا القدس في عهد موسى، ولم
стр. 890
يتخذوا الشاقل أيضًا في عهد موسى. (١)
لكن الطامة الكبرى والداهية العظمى أن يذكر خبر وفاة موسى ﵇ وندب بني إسرائيل له، وذلك في أسفار تنسب إلى موسى، فقد جاء في سفر التثنية "٥ فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. ٦ وَدَفَنَهُ فِي الجوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ، مُقَابِلَ بَيْتِ فَغُورَ. وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَان قَبْرَهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. ٧ وَكَانَ مُوسَى ابْنَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَاتَ، وَلَمْ تَكِلَّ عَيْنُهُ وَلَا ذَهَبَتْ نَضَارَتُهُ. فَبَكَى بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى فِي عَرَبَاتِ مُوآبَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. فَكَمُلَتْ أَيَّامُ بُكَاءِ مَنَاحَةِ مُوسَى." (التثنية ٣٤/ ٥ - ٨)، والملاحظ دومًا أنه حديث عن الماضي البعيد، وليس إخبارًا عن المستقبل. (٢)
٤ - مسميات ظهرت بعد موسى .
وتذكر الأسفار الخمسة أسمًاء كثيرة لمسميات لم يعرفها بنو إسرائيل إلا بعد موسى، ولم تسم بهذه الأسماء إلا بعد قرون من وفاة موسى، فكيف ذكرتها توراة موسى إذًا؟
١ - ومنها "وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ" (التكوين ١٤/ ١٤) وقد سميت بهذا الاسم في عهد القضاة، أي بعد موسى بما يربو على مائة سنة، يقول سفر القضاة: "وَجَاءُوا إِلَى لَايِشَ ... وَدَعَوْا اسْمَ الْمَدِينَةِ "دَانَ" بِاسْمِ دَانٍ أَبِيهِمِ" (القضاة ١٨/ ٢٧ - ٢٩).
٢ - ونحوه ما جاء في التكوين وفيه ١٥"لأَنِّي قَدْ سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ" (التكوين ٤٠/ ١٥)، ولم تسم فلسطين بهذا الاسم في عهد موسى، إذ لم يدخل العبرانيون إليها بعد.
٣ - ومثله "٢٧ وَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ إِلَى مَمرا، قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ" (التكوين ٣٥/ ٢٧)، ولم تسم حبرون (الخليل) بهذا الاسم إلا في عهد يشوع، كما ورد في سفره" وَأَعْطَى حَبْرُونَ لِكَالبَ ... ١٥ وَاسْمُ حَبْرونَ قَبْلًا قَرْيَةُ أَرْبَعَ" (يشوع ١٤/ ١٣ - ١٥)، فالكاتب لسفر التكوين أدرك دخول يشوع لفلسطين، ورأى تغيير اسم المدينة من أربع إلى حبرون. (٣)
стр. 891
٤ - اعترافات مثيرة.
وبعد هذا كله كان لابد من أن يعترف أهل الإنصاف من أهل الكتاب بعدم صحة نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى، وقد كان من أوائل من فعل ذلك منهم، ابن عزرا الحبر اليهودي الغرناطي (ت ١١٦٧ م) حين ألغز اعترافه ببراءة موسى من هذه الأسفار، وذلك لمخافته القتل والاضطهاد فقال في شرحه لسفر التثنية: "فيما وراء نهر الأردن ... لو كنت تعرف سر الإثني عشر .. كتب موسى شريعته أيضًا ... وكان الكنعاني على الأرض ... سيوحي به على جبل الله ... ها هوذا سريره، سرير من حديد، حينئذ تعرف الحقيقة" ولم يجرؤ ابن عزرا على كشف الحقيقة فألغزها.
وقد فسر اليهودي الناقد (اسبينوزا) قول ابن عزرا بأنه أراد بأن موسى لم يكتب التوراة لأن موسى لم يعبر النهر، ثم إن سفر موسى قد نقش على اثني عشر حجرًا بخط واضح، فحجمه ليس بحجم التوراة، ثم لا يصح أن تقول التوراة بأن موسى كتب التوراة، ثم كيف يذكر أن الكنعانيين كانوا حينئذ على الأرض؟ ، فهذا لا يكون إلا بعد طردهم منها، وأما جبل الله فسمي بهذا الاسم بعد قرون من موسى، وسرير عوج الحديدي جاء ذكره في التثنية (٣/ ١١ - ١٢) بما يدل على أنه كتب بعده بزمن طويل.
• ويعترف أيضًا في القرن التاسع عشر القس نورتن بعدم صحة نسبة الأسفار إلى موسى فيقول: "التوراة جعلية يقينًا، ليست من تصنيف موسى". (١)
• وفي مدخل طبعة للكتاب المقدس باللغة الإنجليزية صدرت عام ١٩٧١ م سجل محررو الطبعة تشككًا في إلصاق الأسفار بموسى فقالوا: "مؤلفه موسى على الأغلب".
• وفي مدخل التوراة الكاثوليكية نقرأ: "ما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع النص الذي كتبه عديدون بعده، بل يجب القول بأن هناك ازديادًا تدريجيًا سببته مناسبات العصور التالية
стр. 892
الاجتماعية والدينية"، ومثله في المدخل الفرنسي للكتاب المقدس.
• وتقول دائرة معارف القرن التاسع عشر: "العلم العصري، ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة، والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى ﵇، وإنما هي من عمل أحبار لم يذكروا أسماءهم عليها، وألفوها على التعاقب معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل".
• ويقول نولدكه في كتابه "اللغات السامية": "جمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة، واستغرق تأليفها وجمعها زمنًا متطاولًا تعرضت حياله للزيادة والنقص، وإنه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة مما جاء به موسى. (١)
فهل يقال بعد ذلك: هذه الأسفار الخمسة من كلام موسى أو أنها وحي الله إلى نبيه موسى؟
وصدق جارودي في كتابه "إسرائيل والصهيونية السياسية" حين قال: "ليس هناك عالم من علماء التوراة وتفسيرها لا يقر بأن أقدم نصوص التوراة قد أُلِّف وكتب على الأكثر في عهد سليمان، وهذه النصوص ليست إلا تجميعًا لروايات شفهية، وإذا التزمنا بمعايير الموضوعية التاريخية كان علينا الإقرار بأن هذه الروايات التي تتحدث عن ملاحم مرت عليها قرون ليست أكثر تاريحية -بالمعنى الدقيق للكلمة- من الإلياذة أو الرامايانا".
ثالثا: إبطال نسبة أسفار الأنبياء إليهم .
لا يملك اليهود ولا النصارى أي دليل -ولو كان ضعيفًا- يثبت صحة نسبة الأسفار المقدسة إلى أصحابها، إذ هذه الكتب خالية من الأسانيد التي توثقها.
بل إن الأدلة تثبت عكس ذلك، وهو يتضح فيما نعرض من النصوص والشهادات التي تبطل نسبة أسفار العهد القديم إلى الأنبياء ﵈، ولسوف نكتفي بعرض بعض الشهادات عن بعض الأسفار، ونترك للقارئ الكريم أن يقيس الغائب من الأسفار على
стр. 893
الشاهد منها. (١)
أولًا: سفر يشوع:
تنسب الدراسات التقليدية هذا السفر إلى النبي يشوع بن نون وصي موسى ﵇، لكن القراءة المتأنية لهذا السفر تكشف عن تأخر تاريخ كتابته عن يشوع بسنين طويلة، فقد جاء فيه خبر موت يشوع "أنَّهُ مَاتَ يَشُوعُ بْنُ نُونٍ عَبْدُ الرَّبِّ ابْنَ مِئَةٍ وَعَشْرِ سِيينَ.٣٠ فَدَفَنُوهُ فِي تُخُمِ مُلْكِهِ" (يشوع ٢٤/ ٢٩ - ٣٠).
ويذكر سفر يشوع أحداثًا حصلت بعد موته كتعظيم بني إسرائيل له بعد وفاته، بقاء شيوخهم على العهد في عصر القضاة بعده "وَعَبَدَ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ كُلَّ أَيَّامُ يَشُوعَ، وَكُلَّ أَيَّامُ الشُّيُوخِ الَّذِينَ طَالتْ أَيَّامُهُمْ بَعْدَ يَشُوعَ وَالَّذِينَ عَرَفُوا كُلَّ عَمَلِ الرَّبِّ الَّذِي عَمِلَهُ لإِسْرَائِيلَ." (يشوع ٢٤/ ٣١)، والسفر برمته يتحدث عن يشوع بضمير الغائب. (انظر ٨/ ٣٥، ٦/ ٢٧).
ومن الأدلة التي نسردها سريعًا لنؤكد أن يشوع ليس بكاتب السفر المنسوب إليه:
١ - أن سفر يشوع ذكر مرارًا قرية دبير التي حاربها يشوع، ومن ذلك قوله: "٣٨ ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ إِلَى دَبِيرَ وَحَارَبَهَا" (يشوع ١٠/ ٣٨)، وكذا قوله: "٧ وَصَعِدَ التُّخُمُ إِلَى دَبِيرَ مِنْ وَادِي عَخُورَ" (يشوع ١٥/ ٧)، وغيرها من المواضع.
وهذا الاسم لم يطلق على هذه القرية إلا بعد وفاة يشوع، فقد كان اسمها في عهد يشوع قرية سفر، وتغير في عهد القضاة "وَكَانَ اسْمُ دَبِيرَ قَبْلًا قَرْيَةَ سِفْرٍ" (القضاة ١/ ١١).
٢ - كما نجد في مواضع كثيرة أن كاتب السفر يخبرنا ببقاء بعض المسميات التي سميت في عهد يشوع وأنها لم تتغير بتقادم الأيام وتصرم السنين، ومن المؤكد أن يشوع ليس القائل، إذ هذه المسميات ظهرت في عصره، وليس من المعتاد تغير أسماء المدن في وقت قريب، يقول سفر يشوع: "فَدُعِيَ اسْمُ ذلِكَ المكَانِ "الْجِلْجَال" إِلَى هذَا الْيَوْمِ." (يشوع ٥/ ٩)، أي ما زال اسمه كذلك إلى زمن كتابة السفر.
стр. 894
ومثله قوله: "٢٦ وَأَقَامُوا فَوْقَهُ رُجْمَةَ حِجَارةٍ عَظِيمَةً إِلَى هذَا الْيَوْمِ. فَرَجَعَ الرَّبُّ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ. وَلذلِكَ دُعِيَ اسْمُ ذلِكَ الْمكَانِ "وَادِيَ عَخُورَ" إِلَى هذَا الْيَوْمِ." (يشوع ٧/ ٢٦).
وقد اعترف بمجهولية كاتب هذا السفر الناقد اليهودي اسبينوزا، وبه أقرت مقدمة الكاثوليك للكتاب المقدس، حيث تقول: "لكن المؤلف المقدس الذي نجهل اسمه وعصره كان ... ". (١)
ثانيًا: سفر القضاة:
ويتحدث السفر عن الفترة التي تلت يشوع والتي سبقت الملكية، وهي فترة مبكرة من تاريخ بني إسرائيل، ونسبه التقليد اليهودي إلى النبي صموئيل آخر قضاة بني إسرائيل.
ولكن السفر يحوي ما يدل على أنه كتب في عهد الملوك فقد جاء فيه " ٢٥ فِي تِلْكَ الأيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ." (القضاة ٢١/ ٢٥).
ونحوه يقول السفر: "٦ وَفِي تِلْكَ الأَيَّام لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ." (القضاة ١٧/ ٦) مما يفهم منه أن الكاتب قد أدرك الملكية، وليس قاضيًا يعيش في عصر القضاة.
وتذكر مقدمة السفر أن كاتبه " يحتمل أن يكون صموئيل"، فهو مجرد احتمال يوافق عليه القس وليم مارش، ويضيف إليه احتمالات أخرى، حيث يرى -كما نقل عنه العلامة رحمة الله الهندي- أن كاتب السفر مجهول وأنه ينسب إلى صموئيل أو عزرا، كما يحتمل أن كل قاض كتب في زمان ولايته.
يقول الأب لوفيفر: إن سفر القضاة أعيدت كتابته وعدلت مرات كثيرة قبل أن يصل إلى صيغته النهائية، وإن أحداثه التاريخية تعوزها الدقة. (٢)
ثالثا: سفر راعوث:
стр. 895
وهذا السفر يحكي قصة راعوث المؤابية التي تزوجت إسرائيليًا، ثم مات عنها زوجها ثم تزوجها بوعز فولدت له عوبيد جد داود، ولا يعرف بالتحديد من هو مؤلف هذه القصة.
لذلك يقول القس وليم مارش عن كاتب هذا السفر: "مجهول"، ويضيف جورج بوست: "لا يمكن الجزم بزمان هذه القصة، ولا بمعرفة مؤلفها .. نسب بعضهم كتابتها إلى صموئيل، وآخرون إلى حزقيا وآخرون إلى عزرا ... "، وتقول مقدمة السفر عن الكاتب: "ليس معروفًا بالتحديد".
أما مقدمة السفر في التوراة الكاثوليكية فترى أن كاتبه المجهول قد عاش في زمن متأخر "اللغة ذاتها في النص العبري تشير إلى حداثة عهده الذي يعود إلى ما بعد السبي البابلي". (١)
رابعًا: سفرا صموئيل (الأول والثاني) .
وينسب السفران إلى النبي صموئيل، لكن السفر الأول منهما يذكر وفاة النبي صموئيل ودفنه "١ وَمَاتَ صَمُوئِيلُ، فَاجْتَمَعَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَنَدَبُوهُ وَدَفَنُوهُ فِي بَيْتهِ فِي الرَّامَةِ." (صموئيل (١) ٢٥/ ١) فمن الذي أكمل السفر الأول؟ ومن كتب السفر الثاني؟
يقول منقحو الكتاب القدس الذي راجعه القسيس فانت السكرتير العام لجمعية الكتاب المقدس بنيويورك عن مؤلف السفرين: "مجهول، ويحتمل أن يكون عزرا هو الذي كتبه وراجعه".
ويقول محررو طبعة ١٩٧١ م الإنجليزية في مدخلهم: "مؤلفه: صموئيل على الاحتمال"، وقال آخرون الكاتب إرمياء، لكن مقدمة النسخة الكاثوليكية تعتبره "رأي صبياني، على أنه من المحتمل أن يكون المؤلف أحد تلاميذ إرميا". (٢)
خامسًا: سفرا عزرا ونحميا .
стр. 896
ويتحدث السفران عن حياة بني إسرائيل بعد السبي، ويفترض أن كاتبيهما هما عزرا ونحميا، لكن يرجح الباحثون أن كاتبهما وكاتب سفر الأيام واحد، وأن الكتابة كانت حوالي سنة ٣٠٠ ق. م، وممن يرجح تأخر كتابة السفر عن عزرا ونحميا المحققون توري وهوشر وموننكل.
فنحميا كان معاصرًا للسبي البابلي، لكن كاتب السفر يتحدث فيه عن يشوع اللاوي الراجع في سبي بابل، فيقول: "١ وَهؤُلَاءِ هُمُ الْكَهَنَةُ وَاللَّاوِيُّونَ الَّذِينَ صَعِدُوا مَعَ زَرُبَّابِلَ بْنِ شَأَلتِئِيلَ وَيَشُوعَ" (نحميا ١٢/ ١)، ثم يذكر أن من بين الراجعين من السبي مع زربابل يشوع اللاوي، فيقول: "٨ وَاللَّاوِيُّونَ: يَشُوعُ وَبِنُّويُ وَقَدْمِيئيلُ .. " (نحميا ١٢/ ٨)، لكن كاتب سفر نحميا يحدثنا عن الجيل الخامس ليشوع اللاوي، فيقول: "١٠ وَيَشُوعُ وَلَدَ يُويَاقِيمَ، وَيُويَاقِيمُ وَلَدَ أَلِيَاشِيبَ، وَأَلِيَاشِيبُ وَلَدَ يُويَادَاعَ، ١١ وَيُويَادَاعُ وَلَدَ يُونَاثَانَ، وَيُونَاثَانُ وَلَدَ يَدُّوعَ." (نحميا ١٢/ ١٥ - ١١)، وهذا لا يمكن نسبته إلى نحميا، الذي عاد من السبي، بينما السفر يتحدث عن الجيل الخامس لأبناء العائدين من السبي.
وعليه فكاتب السفر عاش على أقل تقدير في الجيل الخامس من الرجوع البابلي فمن هو هذا الكاتب؟
يجيب المدخل الفرنسي: "جرت العادة بأن تنسب مجموعة الأخبار وعزرا ونحميا إلى كاتب واحد لا يعرف اسمه، يقال له: محرر الأخبار".
ويقول القس وليم مارش: "كاتب السفر حسب تقليد اليهود هو عزرا، وهذا قول أكثر رجال الكنيسة المسيحية أيضًا، غير أن بعض العلماء حديثًا يقولون: إن كاتبًا اسمه مجهول كتب سفر عزرا وكتب أيضًا سفر نحميا". (١)
سادسًا: سفر استير .
وفي هذا السفر يتصور الخيال اليهودي ملكةَ فارس يهودية وذات نفوذ تستخدمه لصالح الشعب اليهودي. ولم يذكر اسم الله في هذا السفر أبدًا، وتبرر ذلك مقدمة السفر في
стр. 897
التوراة الكاثوليكية فتقول عن النص العبراني منه: "لربما كان ذلك خشية أن ترافق اسم الله هتافات وتظاهرات غير لائقة من قبل سامعين في نشوة من الأفراح، وهذا أمر مضر بالاحترام الواجب لاسم الله" ولا أدري لماذا لم يُحترَز عن ذكر اسم الله في سفر نشيد الإنشاد، وهو أيضًا مجموعة من الأغاني الغرامية؟
وعن مؤلفه يقول كتاب "مرشد الطالبين": "مجهول"، ويقول الدكتور بوست: "ينسب البعض تأليف هذا السفر إلى عزرا، وآخرون إلى كاهن يدعى يهوياقيم، والبعض ينسبونه إلى أعضاء المجمع العظيم، على أن الأكثرين ينسبونه إلى مردخاي".
أما مقدمة السفر الكاثوليكي فترى تأخر تأليفه "فقد يرجع إلى الجيل الثاني قبل المسيح".
وقد شكك البعض في قانونية السفر مثل مليتو السارديسي، وجورجي النزيانزي كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس.
ويقول عنه لوثر: "ليت هذا السفر لم يوجد".
وينقل العلامة الهندي قول بطرس عبد الملك وجون طمسن: "لا يوجد تناسق أو انسجام بين السفر في العبرية وبين هذه الزيادات، بل إن هناك تناقضًا بينها، فتذكر هذه الإضافات أن ملك الفرس في ذلك الحين هو ارتزركسيس بدلًا من روكسيس، وتذكر أن هامان كان مقدونيًا بدلًا من كونه فارسيًا". (١)
وفي النسخة اليونانية التي يعتمدها الكاثوليك زيادات غير موجودة في النسخة العبرانية، مثل حلم مردوخاي وصلواته وسوى ذلك، وقصد المترجمون إلى اليونانية بهذه الزيادات إضفاء صفة دينية على السفر العبري الذي ليس فيه ما يشير إلى أنه نص ديني، كما صرحت المقدمة الكاثوليكية للسفر.
سابعًا: سفر أيوب .
من المفترض أن يكون هذا السفر من كتابة النبي أيوب، لكن جاء في وسط السفر ما
стр. 898
يدل على أن كاتبًا آخر غير أيوب قد تدخل فيه، ففي نهاية الإصحاح ٣١ يقول: "تمَّتْ أَقْوَال أَيُّوبَ." (أيوب ٣١/ ٤٠) من غير أن ينتهي السفر حينذاك، بل استمر بعده أحد عشر إصحاحًا تحدثت عن أيوب.
وفي نهاية السفر "١٦ وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال. ١٧ ثُمَّ مَاتَ أَيُّوبُ شَيْخًا وَشَبْعَانَ الأيَّامِ." (أيوب ٤٢/ ١٦ - ١٧)، فهل هذا أيضًا من كتابة أيوب؟ .
ويرى الدكتور صموئيل شولتز أن تاريخ كتابة هذا السفر مجهول، وكذلك زمن الخلفية التاريخية واسم المؤلف.
أما المقدمة الكاثوليكية للسفر فتحاول تحديد زمن التأليف، فترى أن "كاتب هذا السفر يأتي بعد إرميا، وقد استلهمه (أي من إرمياء) وبعد حزقيال، وهو سابق دون شك للعهد الإغريقي، وأغلب الظن أنه من أبناء الجيل الخامس". (١)
ويحسن أن ننبه هنا إلى أن النسخة الكاثوليكية اليونانية لسفر أيوب تنقص ما يقرب من خمس السفر المذكور في النسخة العبرانية.
ثامنًا: سفر المزامير:
يحوي سفر الزامير مائة وخمسين مزمورًا تنسب إلى مؤلفين مختلفين، إذ ينسب إلى النبي داود ثلاثة وسبعون مزمورًا، وإلى موسى مزمور واحد، وإلى أساف اثنا عشر مزمورًا، وينسب إلى بني قورح تسعة مزامير، ومزموران إلى سليمان، وآخر إلى ايثان، وتسمى المزامير الباقية (٥١ مزمورًا) بالمزامير اليتيمة لأنه لا يعرف قائلها! .
فكيف وصفت بالوحي؟ وهل كان بنو قورح أيضًا أنبياء؟ وهل كان أساف كبير المغنيين في بلاط داود نبيًّا؟ وما أدلة نبوة هؤلاء؟ إن أحدًا لا يملك إجابة عن هذه الأسئلة.
والمتأمل في الزامير يدرك بوضوح كبير أن الزامير تعود إلى ما بعد داود وسليمان، وتحديدًا
стр. 899
إلى القرن السادس قبل الميلاد، إلى أيام السبي البابلي، وذلك يظهر من أمثلة متعددة.
منها ما جاء في المزمور التاسع والسبعين والمنسوب لآساف كبير المغنيين في بلاط الملك داود، حيث يقول: "١ اللهمَّ، إِنَّ الأُمَمَ قَدْ دَخَلُوا مِيرَاثَكَ. نَجَّسُوا هَيْكَلَ قُدْسِكَ. جَعَلُوا أُورُشَلِيمَ أَكْوَامًا.٢ دَفَعُوا جُثَثَ عَبِيدِكَ طَعَامًا لِطُيُورِ السَّمَاءِ" (٧٩/ ١ - ٢).
ومثله في قوله: "٢ الرَّبّ يَبْنِي أُورُشَلِيمَ. يَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ.٣ يَشْفِي المُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيَجْبُرُ كَسْرَهُمْ." (١٤٧/ ٤).
ومثله "عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أيضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ. ٢ عَلَى الصَّفْصَافِ فِي وَسَطِهَا عَلَّقْنَا أَعْوَادَنَا. ٣ لأَنَّهُ هُنَاكَ سَأَلنَا الَّذِينَ سَبَوْنَا كَلَامَ تَرْنِيمَةٍ (بعد السبي البابلي)، وَمُعَذِّبُونَا سَأَلُونَا فَرَحًا قَائِلِينَ: "رَنِّمُوا لَنَا مِنْ تَرْنِيمَاتِ صِهْيَوْنَ". (١٣٧/ ١) .... وغيرها.
وهذه الأمثلة تثبت أن كتابة المزامير تأخرت عن داود ما لا يقل عن أربعة قرون، وعليه فلا تصح نسبتها إليه أو إلى معاصريه. (١)
تاسعًا: سفر (الأمثال) و (الجامعة) و (نشيد الإنشاد) .
وتنسب الأسفار الثلاثة حسب التقليد الكنسي واليهودي إلى النبي سليمان ﵇.
لكن التأمل في سفر الأمثال يظهر فقرات لا تصح نسبتها إلى سليمان، فقراءتها تظهر أن لها أكثر من كاتب بدليل تكرار أكثر من مائة مثل باللفظ أو بالمعنى كما في (١٨/ ٨ و ٢٦/ ٢٢ و ١٩/ ٢٤).
وقد نص السفر على أن بعض هذه الأمثال لسليمان، فقد بدأ بقوله: "أَمْثَال سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ" (١/ ١) ثم عاد في الإصحاح العاشر، فأكد عليه.
وكذا في الإصحاح الخامس والعشرين يؤكد أن سليمان هو قائل هذا السفر، ويضيف بأن الذي نقلها عنه هم رجال الملك حزقيا، فيقول: "١ هذه أيضًا أَمْثَال سُلَيْمَانَ الَّتِي نَقَلَهَا
стр. 900
رِجَال حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا" (٢٥/ ١).
ولا نعرف من هم رجال حزقيا، ولا كيف وصلت إليهم كلمات النبي سليمان، وهل هم أيضًا أنبياء، علمًا بأن حزقيا هو الملك الثاني عشر بعد سليمان؟ .
وفي الإصحاح الثلاثين تنسب مجموعة الأمثال إلى غير سليمان، ففيه "١ كَلَامُ أَجُورَ ابْنِ مُتَقِيَةِ مَسَّا." (أمثال ٣٠/ ١) ولا يذكر السفر نبوته ولا إلهاميته، وفي الإصحاح الذي يليه "١ كَلَامُ لمُوئِيلَ مَلِكِ مَسَّا، عَلَّمَتْهُ إِيَّاهُ أُمُّهُ" (٣١/ ١)، ولا يذكر لنا السفر كيف اعتبر هذا الذي علمته أمه من الوحي.
ويقول المدخل للآباء اليسوعيين (التوراة الكاثوليكية): "السفر ليس بكامله من تأليف هذا الملك، وهو يسند إلى مجموعتين مهمتين .. المجموعة المركبة قد اكتملت دون شك بشكلها النهائي بعد السبي .. يستحيل تحديد أصل هذه المجموعات حتى المسندة منها إلى سليمان .. إن عددًا كبيرًا من هذه الأمثال لا صفة دينية لها البتة" (١)
"فلا يمكن أن يدعى أن هذا الكتاب كله تصنيف سليمان ﵇ يمكن أن جامعه هو أيضًا، ولذلك اعترف الجمهور أن أناسًا كثيرين مثل حزقيا وإشعيا ولعل عزرا أيضًا جمعوه". (٢)
وأما سفر الجامعة فقد جاء في أوله: "كَلَامُ الجْامِعَةِ ابْنِ دَاوُدَ المُلِكِ فِي أُورُشَلِيمَ" (١/ ١)
وفي موضع آخر يقول: "أنا الجْامِعَةُ كُنْتُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ" (١/ ١٢).
وليس في ملوك بني إسرائيل من اسمه الجامعة، وقد ذكروا في أيام (١) ٣/ ١ - ٢٢، لذلك ينسبه الكهنوتيون إلى سليمان، ولا يصح هذا لأنه يقول: "وَأيضًا رَأَيْتُ تَحْتَ الشَّمْسِ: مَوْضِعَ الْحقِّ هُنَاكَ الظُّلْمُ، وَمَوْضِعَ الْعَدْلِ هُنَاكَ الجوْرُ! ... " (٣/ ١٦).
ومثل هذه الصورة التشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن النبي سليمان الملك الذي يملك رفع الحق وتثبيته، ومثله "١ ثُمَّ رَجَعْتُ وَرَأَيْتُ كُلَّ المُظَالِمِ الَّتِي تُجْرَى تَحْتَ الشَّمْسِ: فَهُوَذَا
стр. 901
دُمُوعُ المظْلُومِينَ وَلَا مُعَزّ لَهُمْ، وَمنْ يَدِ ظَالمِيهِمْ قَهْرٌ، أَمَّا هُمْ فَلَا مُعَزّ لَهُمْ" (٤/ ١)، ومثله كثير، فالسفر يحمل صورة تشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن نبي ملك.
واليهود بعدما أطلقوا من أسر بابل أخرجوه من الكتب الإلهامية، لكنه ادخل بعد ذلك فيها (١).
وأما سفر نشيد الإنشاد فهو أشد الأسفار إثارة، وقد تعرض لتردد كثير حتى قُبل وأضيف للكتاب المقدس، ويرى المحققون أنه يعود إلى القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد، وإن اشتمل على بعض الأغاني القديمة جدًّا.
يقول عنه المدخل الفرنسي: "إن هذا الكتاب الصغير يمثل مسألة من أشد الأمور المتنازع عليها في نصوص الكتاب المقدس، فما معنى تلك القصيدة أو تلك المجموعة من القصائد الغزلية في العهد القديم .. لا نجد فيه أي مفتاح للسيرة. من الذي ألفه؟ وفي أي تاريخ؟ ولماذا ألف؟ .. من الواضح أن مؤلفه ليس سليمان".
وعن هذا السفر يقول مدخله في التوراة الكاثوليكية: "لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيرًا".
ويقول وشتن: "إنه غناء فسقي فليُخرج من الكتب المقدسة"، وقال العالم وارد الكاثوليكي عنه: "حكم كاستيليو بإخراج هذا الكتاب من كتب العهد العتيق لأنه غناء نجس" (٢).
عاشرًا: سفر إشعيا .
وينسب السفر إلى النبي إشعيا في القرن الثامن قبل الميلاد، فقد عاصر الملك عزيا ثم يوثام ثم أحاز ثم حزقيا، ولكن السفر يتحدث عن الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد مما يؤكد أن ثمة كاتبًا أو كاتبِين قد كتبوا ذلك بعد إشعيا، ومن أمثلة ذلك حديثه عن بابل الدولة العظيمة وتنبؤه بإنهيارها.
стр. 902
وأيضا حديثه عن كورش الفارسي الذي ردّ اليهود من السبي (انظر ٤٤/ ٢٨ - ٤٥/ ١). كما يتحدث عن رجوع المسبيين والشروع في بناء الهيكل في الإصحاحات ٥٦ - ٦٦، لذا يقول العالم الألماني أستاهلن: "لا يمكن أن يكون الباب الأربعون وما بعده حتى الباب السادس والستين من تصنيف إشعيا". (١)
لذا تنقل لنا مقدمة السفر الكاثوليكي أن "عددًا متزايدًا من الشراح الكاثوليك يعتبرون اليوم أن عمل إشعيا قد تابعه أنبياء آخرون، لهم ما له من الأهمية، لكنهم لم يخلِّفوا لنا أسماءهم".
الحادي عشر: سفر إرمياء
أما سفر إرمياء فإن تقاليد الكنيسة تنسبه إلى النبي إرمياء، ولا تصح هذه النسبة، إذ هو من عمل عدة مؤلفين، بدليل تناقضه في ذكر الحادثة الواحدة، ومن ذلك تناقضه في طريقة القبض على إرمياء وسجنه (انظر: إرمياء ٣٧/ ١١ - ١٥ و ٣٨/ ٦ - ١٣).
كما يحمل السفر اعترافًا بزيادة لغير إرمياء ففيه "٣٢ فَأَخَذَ إِرْميَا دَرْجًاآخَرَ وَدَفَعَهُ لِبَارُوخَ بْنِ نِيرِيَّا الْكَاتِبِ، فَكَتَبَ فِيهِ عَنْ فَمِ إِرْميَا كُلَّ كَلَامِ السِّفْرِ الَّذِي أَحْرَقَهُ يَهُويَاقِيمُ مَلِكُ يَهُوذَا بِالنَّارِ، وَزِيدَ عَلَيْهِ أيضًا كَلَامٌ كَثِيرٌ مِثْلُهُ." (٣٦/ ٣٣).
وفي موضع آخر "إِلَى هُنَا كَلَامُ إِرْميَا." (٥١/ ٦٤)، ومع ذلك يستمر السفر، فمن الذي أكمله؟ (٢)
رابعًا: خاتمة جامعة (اعترافات)
ونختم مع اعتراف مهم يسجله مدخل التوراة الكاثوليكية وفيه: "صدرت جميع هذه الكتب عن أناس مقتنعين بأن الله دعاهم لتكوين شعب يحتل مكانًا في التاريخ ... ظل عدد كبير منهم مجهولًا .. معظم عملهم مستوفى من تقاليد الجماعة، وقبل أن تتخذ كتبهم صيغتها النهائية انتشرت زمنًا طويلًا بين الشعب، وهي تحمل آثار ردود فعل القراء في شكل تنقيحات وتعليقات، وحتى في شكل إعادة صياغة بعض النصوص إلى حد هام أو
стр. 903
قليل الأهمية، لا بل أحدث الأسفار ما هي إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة".
إذًا هذه الأسفار مجهولة المؤلف، لا تصح نسبتها إلى الأنبياء، بل هي من عمل الشعب اليهودي طوال عصور التاريخ اليهودي، وقد استلهموا هذه الكتابات من تقاليدهم، لا من الله ووحيه، وكل ذلك شاهد على أن التوراة ليست كلمة الله.
وقد صدق موريس فورن حين قال: "لو سألنا في أي وقت جمع كل كتاب من كتب التوراة، وفي أي حال، وظروف؟ وبأقلام من كتب؟ لا نجد أحدًا يجيبنا عن تلك الأسئلة وما شابهها إلا بأجوبة متباينة متخالفة جدًّا ...
والملخص أن المذاهب العلمية الجديدة ترفض أغلب أقوال علماء النقل التي هي أساس اعتقاد النصارى واليهود، وتقوض بنيان ادعاء السابقين، وتبرئ الأنبياء من تلك الكتابات".
ويواصل فيقول: "ما الحيلة ونحن من مائة سنة حيارى بين أسانيد يمحو بعضها بعضًا، فالحديث يناقض سابقه، والسابق ينافي الأسبق، وقد تتناقض أجزاء الدليل الواحد .. وأيِسنا من الوصول إلى معرفة صاحب الكتاب الحقيقي".
وصدق الله حين قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. (١)
ثانيًا: العهد الجديد .
هل ثبت إسناد متصل لكتب العهد الجديد ؟
تمهيد:
تعود أسفار العهد الجديد السبعة والعشرون إلى ثمانية مؤلفين تفاوتت مقادير كتاباتهم، ففي حين لم تزد رسالة يهوذا عن صفحتين فإن لبولس ما يربو على المائة صفحة.
وأيضا يتفاوت قرب هؤلاء من المسيح، ففي حين أن متى ويوحنا وبطرس ويهوذا ويعقوب من تلاميذه الاثني عشر، فإن لوقا ومرقس لم يلقيا المسيح، بينما لم يتنصر بولس إلا
стр. 904
بعد رفع المسيح، والنصارى يعتبرون هؤلاء المؤلفين الثمانية بشرًا ملهمين، كتبوا ما أملاه عليهم روح القدس وفق أسلوبهم، وقد ثبت لدينا عدم إلهامية كتبة العهد الجديد فيما سبق. (١)
ولكن هل تصح نسبة الكتب إلى هؤلاء الثمانية؟ وبالذات إلى متى ويوحنا وبطرس الذين يفترض أنهم من أخص تلاميذ المسيح؟ أم أن النسبة هي أيضًا محرفة؟ وهل من الممكن أن يصدر هذا الكلام - الذي في العهد الجديد - من حواري المسيح الذين رباهم طوال سني رسالته، وذكرهم القرآن بالثناء الحسن؟
إن تأمل المحققين في كتابات العهد الجديد، جعلهم يرون أن هذه الأسفار لا يمكن أن تصدر عن تلاميذ المسيح المؤمنين، فاهتموا لذلك بدراسة وتوثيق نسبة هذه الأسفار إليهم.
ولن نتوقف طويلًا مع توثيق نسبة بعض الأسفار، لأن كتبتها ليسوا من تلاميذ المسيح، وعليه فلا يهمنا إن كان كاتب إنجيلي مرقس ولوقا هما مرقس ولوقا أو أيًا من النصارى الذين عاشوا في نهاية القرن الميلادي الأول، إذ أي من هؤلاء ليس بمعصوم ولا ملهم ولا يملك ثناء واحدًا من المسيح ﵇، ومثله نصنع في رسائل بولس عدو المسيح الذي ادعى الرسالة والعصمة، وهو لم يلق المسيح البتة. (٢)
أولًا: إنجيل متى
١ - التعريف بالإنجيل:
وهو أول إنجيل يطالعك وأنت تقرأ في الكتاب المقدس، ويتكون هذا الإنجيل من ثمانية وعشرين إصحاحًا تحكي عن حياة المسيح ومواعظه من الميلاد وحتى الصعود إلى السماء.
وتنسبه الكنيسة إلى الحواري متّى أحد التلاميذ الاثني عشر الذين اصطفاهم المسيح، وتزعم أن هذا الكتاب قد ألهمه من الروح القدس. وترجح المصادر أن متى كتب إنجيله لأهل فلسطين، أي لليهود المتنصرين، وتختلف المصادر اختلافًا كبيرًا في تحديد تاريخ
стр. 905
كتابته، لكنها تكاد تطبق على أنه كتب بين ٣٧ - ١٠٠ م.
يقول مدخل الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية: "فالكثير من المؤلفين يجعلون تاريخ الإنجيل الأول بين السنة ٨٠ والسنة ٩٠، وربما قبلها بقليل، ولا يمكن الوصول إلى يقين تام في هذا الأمر".
ويرجح فنتون مفسر الإنجيل أنه "كتب في حوالي الفترة من ٨٥ - ١٠٥ م"، وهو يقارب ما ذهب إليه البرفسور هارنج حين قال: "إن إنجيل متى ألف بين ٨٥ - ١٠٠ م". (١)
٢ - التعريف بمتى:
فمن هو متّى؟ وما صلته بالإنجيل المنسوب إليه؟ وهل يحوي هذا الإنجيل كلمة الله ووحيه؟ .
في الإجابة عن هذه الأسئلة تناقل المحققون ما ذكره علماء النصارى في ترجمة متى، فهو أحد التلاميذ الاثني عشر، وكان يعمل عشارًا في كفر ناحوم، وقد تبع المسيح بعد ذلك.
وتذكر المصادر التاريخية أنه رحل إلى الحبشة، وقتل فيها عام ٧٠ م، ولم يرد له ذكر في العهد الجديد سوى مرتين، أما المرة الأولى فعندما نادى عليه المسيح، وهو في مكان عمله في الجباية (انظر متى ١٠/ ٣). والثانية في سياق تعداد أسماء التلاميذ الاثني عشر. (انظر متى ١٠/ ٣، ولوقا ٦/ ١٥).
ويجدر أن نذكر أن مرقس ولوقا يذكران أن العشار الذي لقيه المسيح في محل الجباية هو لاوي بن حلفي (انظر مرقس ٢/ ١٥، ولوقا ٥/ ٢٧) ولم يذكرا اسم متى. وتزعم الكنيسة - بلا دليل- أن لاوي بن حلفي هو اسم آخر لمتى العشار.
يقول جون فنتون مفسر إنجيل متى وعميد كلية اللاهوت بلينشفيلد بأنه لا يوجد دليل على أن متى هو اسم التنصير للاوي، ويرى أنه من المحتمل" أنه كانت هناك بعض الصلات بين متى التلميذ والكنيسة التي كتب من أجلها هذا الإنجيل، ولهذا فإن مؤلف هذا الإنجيل نسب عمله إلى مؤسس تلك الكنيسة أو معلمها الذي كان اسمه متى،
стр. 906
ويحتمل أن المبشر كاتب الإنجيل قد اغتنم الفرصة التي أعطاه إياها مرقس عند الكلام على دعوة أحد التلاميذ، فربطها بذلك التلميذ الخاص أحد الاثني عشر (متّى) الذي وقره باعتباره رسول الكنيسة التي يتبعها". (١)
وأما لغة كتابة هذا الإنجيل:
فيكاد المحققون يُجمعون على أنها العبرانية، ورأى بعضهم بأنها السريانية أو اليونانية.
ولعل أهم الشهادات التاريخية لهذا الإنجيل شهادة أسقف هرابوليس الأسقف بابياس ١٥٥ م حين قال: "قد كتب متى الأقوال بالعبرانية، ثم ترجمها كل واحد إلى اليونانية حسب استطاعته" كما يقول ايريناوس أسقف ليون ٢٠٠ م في كتابه "الرد على الهراطقة" بأن متى وضع إنجيلًا للعبرانيين كتب بلغتهم.
ولما كانت جميع مخطوطات الإنجيل الموجودة يونانية فقد تساءل المحققون عن مترجم الأصل العبراني إلى اليونانية، وفي ذلك أقوال كثيرة لا دليل عليها البتة، فقيل بأن مترجمه متى نفسه، وقيل: بل يوحنا الإنجيلي، وقيل غيرهما.
والصحيح ما قاله القديس جيروم (٤٢٠ م): "الذي ترجم متى من العبرانية إلى اليونانية غير معروف"، بل لعل مترجمه أكثر من واحد كما قال بابياس.
وقد قال نورتن الملقب "بحامي الإنجيل" عن عمل هذا المترجم المجهول: "إن مترجم متى كان حاطب ليل، ما كان يميز بين الرطب واليابس. فما في المتن من الصحيح والغلط ترجمه". (٢)
٣ - أدلة الكنيسة على صحة نسبة الإنجيل إلى متى:
وتؤكد الكنيسة بأن متى هو كاتب الإنجيل، وتستند لأمور ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس، أهمها: "الشواهد والبينات الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهودي متنصر".
وأيضًا "لا يعقل أن إنجيلًا خطيرًا كهذا - هو في مقدمة الأناجيل - ينسب إلى
стр. 907
شخص مجهول، وبالأحرى أن ينسب إلى أحد تلاميذ المسيح"، وأيضًا "يذكر بابياس" في القرن الثاني الميلادي أن متى قد جمع أقوال المسيح".
وأخيرًا "من المسلم به أن الجابي عادةً يحتفظ بالسجلات، لأن هذا من أهم واجباته لتقديم الحسابات، وكذلك فإن هذا الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة". (١)
ملاحظات على إنجيل متى:
ومن خلال تأمل ما سبق رأى المحققون أنه ليس ثمة دليل حقيقي عند النصارى على صحة نسبة الإنجيل إلى متى، إذ ليس بالضرورة أن يكتب الجابي معلوماته الدينية كما يكتب متعلقات عمله، كما أن كتابة متى لأقوال المسيح لا تفيد صحة نسبة الإنجيل المنسوب إليه اليوم.
بل إن الأدلة قامت على أن الكاتب لهذا الإنجيل ليس من تلاميذ المسيح. إذ في الإنجيل أمور كثيرة تدل على أن كاتبه ليس متى الحواري، ومن هذه الأدلة:
١ - أن متى اعتمد في إنجيله على إنجيل مرقس، فقد نقل من مرقس ٦٠٠ فقرة من فقرات مرقس الستمائة والاثني عشر، كما اعتمد على وثيقة أخرى يسميها المحققون.
يقول ج ب فيلبس أستاذ علم اللاهوت في الكنيسة الإنجليزية في مقدمته لإنجيل متى: "إن القديس متى كان يقتبس من إنجيل القديس مرقس، وكان ينقحه محاولًا الوصول إلى تصور أحسن وأفضل لله".
ويضيف القس فهيم عزيز في "المدخل إلى الإنجيل" أن اعتماد متى على مرقس حقيقة معروفة لدى جميع الدارسين. بل يقول: "يكفي هنا أن نقول: إن متى احتوى على الغالبية العظمى من المادة التي يتكون منها إنجيل مرقس" فإذا كان متى التلميذ هو كاتب الإنجيل فكيف ينقل عن مرقس الذي كان عمره عشر سنوات أيام دعوة المسيح؟ كيف لأحد التلاميذ الاثني عشر أن ينقل عنه؟ هل ينقل الشاهد المعاين للأحداث عن الغائب
стр. 908
الذي لم يشهدها! ؟ . (١)
٢ - ثم إن إنجيل متى يذكر متى العشار مرتين، ولم يُشر من قريب أو بعيد إلى أنه الكاتب، فقد ذكر اسمه وسط قائمة التلاميذ الاثني عشر، ولم يجعله أولًا ولا آخرًا، ثم لما تحدث عن اتباعه للمسيح استخدم صيغة الغائب، فقال: "وَفِيمَا يَسُوعُ مجتازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الجبَايَة، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَال لَهُ: "اتْبَعْنِي". فَقَامَ وَتَبِعَهُ." (متى ٩/ ٩).
ولو كان متى هو الكاتب لقال: "قال لي"، "تبعته"، "رآني"، فدل ذلك على أن متى ليس هو كاتب الإنجيل.
٣ - ثم إن التمعن في الإنجيل يبين مدى الثقافة التوراتية الواسعة التي جعلت منه أكثر الإنجيليين اهتمامًا بالنبوءات التوراتية عن المسيح، وهذا لا يتصور أن يصدر من عامل ضرائب، فهذا الكاتب لن يكون متى العشار.
يقول أ. تريكو في شرحه للعهد الجديد (١٩٦٠ م): إن الاعتقاد بأن متى هو عشار في كفر ناحوم ناداه عيسى ليتعلم منه، لم يعد مقبولًا، خلافًا لما يزعمه آباء الكنيسة. (٢)
منكرو نسبة الإنجيل إلى التلميذ متى .
وقد أنكر كثير من علماء المسيحية في القديم والحديث صحة نسبة الإنجيل إلى متى، يقول فاستس في القرن الرابع: "إن الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه"، وكذا يرى القديس وليمس. والأب ديدون في كتابه "حياة المسيح".
ويقول ج ب فيلبس في مقدمته لإنجيل متى: "نسب التراث القديم هذه البشارة إلى الحواري متى، ولكن معظم علماء اليوم يرفضون هذا الرأي".
ويقول البرفسور هارنج: إن إنجيل متى ليس من تأليف متى الحواري، بل هو لمؤلف مجهول أخفى شخصيته لغرض ما.
стр. 909
وجاء في مقدمة الرهبانية اليسوعية لإنجيل متى: "أما المؤلِّف، فالإنجيل لا يذكر عنه شيئًا وأقدم تقليد كنسي (بابياس أسقف هيرابوليس في النصف الأول من القرن الثاني) ينسبه إلى الرسول متى .. ولكن البحث في الإنجيل لا يثبت ذلك الرأي أو يبطله على وجه حاسم، فلما كنا لا نعرف اسم المؤلف معرفة دقيقة يحسن بنا أن نكتفي ببعض الملامح المرسومة في الإنجيل نفسه ... ".
ويقول القس فهيم عزيز في "المدخل إلى الإنجيل" عن كاتب متى المجهول: "لا نستطيع أن نعطيه اسمًا، وقد يكون متى الرسول، وقد يكون غيره".
ويقول المفسر جون فنتون في تفسيره لإنجيل متى عن كاتب متى: "إن ربط شخصيته كمؤلف بهذا التلميذ إنما هي بالتأكيد محض خيال". (١)
وقد طعنت في صحة نسبة الإنجيل أو بعضه إلى متّى فرق مسيحية قديمة، فقد كانت الفرقة الأبيونية ترى البابين الأولين لإنجيل متى إلحاقيين، ومثلها فرقة يوني تيرين، ويرون أن البداية الحقيقية لهذا الإنجيل قوله: "في تلك الأيام جاء يوحنا المعمداني .. " (متى ٣/ ١)، فتكون بداية الإنجيل قصة يوحنا المعمداني كما هو الحال في مرقس ويوحنا.
ويدل على ذلك أيضًا أن قوله: "في تلك الأيام" لا يمكن عوده على ما في الإصحاحين السابقين، إذ كان الحديث في آخر الإصحاح الثاني عن قتل هيرودس للأطفال بعد ولادة المسيح، وهو زمن طفولة المسيح والمعمدان الذي يكبره بستة أشهر، بينما الإصحاح الثالث يتحدث عن دعوة المعمدان - أي وهو شاب -، وهذا يعني وجود سقط أو حذف قبل الإصحاح الثالث، أو أنه البداية الحقيقية للإنجيل. (٢)
من هو الكاتب الحقيقي لإنجيل متى ؟
стр. 910
وإذا لم يكن متى هو كاتب الإنجيل المنسوب إليه، فمن هو كاتب هذا الإنجيل؟
في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات الغربية التي أكدت أن هذا الإنجيل قد كتبه غير متى التلميذ، ونسبه إليه منذ القرن الثاني، ولربما يكون هذا الكاتب تلميذًا في مدرسة متى.
ويحاول كولمان وشراح الترجمة المسكونية تحديد بعض الملامح لهذا الكاتب، فالكاتب - كما يظهر في إنجيله - مسيحي يهودي يربط بين التوراة وحياة المسيح، وهو كما يصفه كولمان: يقطع الحبال التي تربطه باليهودية مع حرصه على الاستمرار في خط العهد القديم، فهو كاتب يهودي يحترم الناموس، ويعتبر بذلك من البعيدين عن مدرسة بولس الذي لا يحترم الناموس، بينما يقول هذا الكاتب "فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ." (متى ٥/ ١٩). (١)
ومما يؤكد براءة متى من كتابة هذا الإنجيل أن كثيرًا من الشراح والمحققين يرون - كما سبق بيانه - أن الإنجيل كتب بعد سنة ٧٠ م، وهي السنة التي مات فيها متى.
ولو تساءلنا أين الإنجيل الذي كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلادي؟
وفي الإجابة عن السؤال نقول: ذكر بابياس أن متى كتب وجمع أقوال المسيح، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح، وليس جمعًا لأقواله، كما أن عدم صحة نسبة هذا الإنجيل إليه لا تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه، ولعل من المهم أن نذكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلًا يسمى إنجيل متى، فلعل بابياس عناه بقوله.
وهكذا رأى المحققون أن ثمة أمورًا تمنع القول بأن هذا الإنجيل هو كلمة الله ووحيه وهديه، فهو - وكما يقول الشيخ أبو زهرة - إنجيل "مجهول الكاتب، ومختلف في تاريخ كتابته، ولغة الكتابة، ومكانها، وتحديد من كتب له هذا الإنجيل، ثم شخصية المترجم وحاله من صلاح أو غيره وعلم بالدين، واللغتين التي ترجم عنها، والتي ترجم إليها، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي". (٢)
ما هي اللغة التي كتب بها وترجم إليها إنجيل متى ؟
стр. 911
لقد حدث الخلاف أيضًا بين علماء النصارى حول اللغة التي كتب بها إنجيل متى:
فقد اتفق الجمهور على أنه كتب بالعبرية أو السريانية، وربما كان مستندهم في ذلك قول بابياس: "إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية". ولكن وقع الخلاف أيضًا بينهم في اسم متى.
وإذا كانوا قد اتفقوا على أنه كتب بالعبرانية، فإنهم قد اتفقوا أيضًا على أن أقدم نسخة عرفت شائعة رائجة كانت باليونانية"، ومعنى هذا: أنه على اعتبار أنه كتب بالعبرية فإن تلك النسخة الإنجيلية مفقودة ولا يستطيع أحد أن يتكهن أين هي؟ .
ومع أن الجمهور على القول بأن الإنجيل كتب بالعبرية إلا أن الدكتور "بوست" في "قاموس المتاب المقدس" يقول: "إن هناك من يقول إنه كتب باليونانية، ثم يرجح أنه ألف باليونانية، مخالفًا بذلك إجماع مؤرخيهم". (١)
أين كتب هذا الإنجيل ؟
" هناك شواهد قوية تشير إلى أنطاكية باعتبارها موطنه الأصلي، ولما كان من الصعب ربط الإنجيل بمدينة محددة مثل "أنطاكية" فمن المناسب إذن أن نقول بأنه يأتي من مكان في المنطقة المحيطة بها، أو أي مكان ما يقع في شمال فلسطين". (٢)
يقول جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه عن الفرنسية: "إن متى كتب بشارته في أورشليم على ما ذهب إليه القديس إيرنموس" (٣)
متى كتب إنجيل متى ؟
ونجد أيضًا الخلاف في هذا الأمر واسعًا بين علماء الكتاب المقدس، ولم يستطع واحد منهم تحديد الوقت الذي كتب فيه هذا الإنجيل بالضبط. فالخلاف يمتد من سنة ٣٩ وحتى سنة ٦٥ م، ولا نعرف في أي السنوات من هذه إلى تلك كتب إنجيل متى. (٤)
стр. 912
ونستطيع بعد كل ما سبق من الحديث عن إنجيل متى أن نخرج بهذه النتائج:
هناك اختلاف حول اللغة التي كتب بها الإنجيل، هل هي العبرية أو اليونانية؟ ، وعلى اعتبار أن الولى هي الأصل وأن الثانية ترجمة لها، فهناك اتفاق عل أن هذا الأصل قد فقد تمامًا، ولم يصلنا سوى الترجمة.
لا يعرف من هو المترجم.
امتدت ساحة الخلاف إلى المكان الذي ألف فيه.
لا يعرف في أي السنوات كتب.
فهل يمكن بعد ذلك أن يقال: إنه كتاب وحي أو أن بإلهام الروح القدس؟ !
ولقد وددنا أن نعرف ذلك الأصل، لنعرف أكانت الترجمة طبق الأصل، أم فيها انحراف، ولنعرف أفهم المترجم مرامي العبارات ومعانيها، سواء أكانت هذه المعاني تفهم بظاهر القول أم بإشارته أم بلحن القول وتلويحاته أم بروح المؤلف وغرضه ومرماه الكلي من الكلام؟ . (١)
ثانيًا: إنجيل مرقس .
ثاني الأناجيل التي تطالعنا في العهد الجديد، وينسب إلى مرقس. فمن هو مرقس؟ وماذا عن كاتب هذا الإنجيل؟ وهل تصح نسبته إلى مؤلفه؟ .
التعريف بالإنجيل:
يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحًا، تحكي قصة المسيح من لدن تعميده على يد يوحنا المعمداني إلى قيامة المسيح بعد قتله على الصليب.
وهو أقصر الأناجيل - ويعتبره النقاد - كما يقول ولس - أصح إنجيل يتحدث عن حياة المسيح، ويكاد يجمع النقاد على أنه أول الأناجيل تأليفًا، وأن إنجيل متى ولوقا قد نقلا عنه.
يقول العالم الألماني رويس: إنه كان الأصل الذي اقتبس منه إنجيلا متى ولوقا، وهذا الإنجيل هو الوحيد بين الأناجيل المسمى بإنجيل المسيح، إذ أول فقرة فيه "١ بَدْءُ إِنْجِيلِ
стр. 913
يسُوعَ المسِيحِ ابْنِ الله" (مرقس ١/ ١). (١)
٢ - من هو مرقس ؟
وتناقل المحققون ما ردته المصادر النصرانية في ترجمة مرقس، والتي يجمعها ما جاء في قاموس الكتاب المقدس عنه، فهو الملقب بمرقس، واسمه يوحنا، وقد رافق مرقس برنابا وبولس في رحلتيهما، ثم فارقهما، ثم عاد لمرافقة بولس. (٢)
ويتفق المترجمون له على أنه كان مترجمًا لبطرس الذي له علاقة بهذا الإنجيل.
ولم يكن من الحواريين الإثنى عشر الذين تتلمذوا للمسيح، واختصهم بالزلفى إليه، وأصله من اليهود، وكانت أسرته بأورشليم في وقت ظهور السيد المسيح. (٣)
ويذكر المؤرخ يوسيبوس أنه - أي مرقس - أول من نادى برسالة الإنجيل في الإسكندرية، وأنه قتل فيها.
قال بطرس قرماج في كتابه "مروج الأخبار في تراجم الأبوار" عن مرقس: "كان ينكر ألوهية المسيح". (٤)
وأما لغة هذا الإنجيل:
فتكاد المصادر تتفق على أنها اليونانية، وذكر بعضهم أنها الرومانية أو اللاتينية.
وأقدم ذكر لهذا الإنجيل ورد على لسان المؤرخ بابياس (١٤٥ م) حين قال: "إن مرقس ألَّف إنجيله من ذكريات نقلها إليه بطرس". (٥)
متى كتب هذا الإنجيل ؟
стр. 914
نجد أن المؤرخين المسيحيين قد اختلفوا أيضًا في زمان تأليفه، وقد قال في ذلك هورن: "ألف الإنجيل الثاني سنة ٥٦ وما بعدها إلى سنة ٦٥، والأغلب أنه أُلف سنة ٦٠ أو سنة ٦٣ (١)
ويرى الناقد اليهودي سبينوزا أن هذا الإنجيل كتب مرتين إحداهما قبل عام ١٨٠ م والثانية بعده.
أين كتب هذا الإنجيل ؟
وتزعم المصادر النصرانية أن مرقس كتب إنجيله في روما، ولعله في الإسكندرية. (٢)
ملاحظات على إنجيل مرقس
وقد توقف المحققون مليًّا مع هذا الإنجيل وكاتبه، وكانت لهم ملاحظات:
١ - أن مرقس ليس من تلاميذ المسيح، بل هو من تلاميذ بولس وبطرس. يقول المفسر دنيس نينهام مفسر مرقس: "لم يوجد أحد بهذا الاسم عرف أنه كان على صلة وثيقة، وعلاقة خاصة بيسوع، أو كانت له شهرة خاصة في الكنيسة الأولى".
وثمة دليل قوي آخر هو شهادة المؤرخ بابياس (٤٥ ام) حين قال: "اعتاد الشيخ يوحنا أن يقول: إذ أصبح مرقس ترجمانًا لبطرس دون بكل تدقيق كل ما تذكره، ولم يكن مع هذا بنفس الترتيب المضبوط ما رواه من أقوال وأفعال يسوع المسيح، وذلك لأنه لم يسمع من السيد المسيح فضلًا عن أنه لم يرافقه، ولكن بالتبعية كما قلت، التحق ببطرس الذي أخذ يصوغ تعاليم يسوع المسيح لتوائم حاجة المستمعين، وليس بعمل رواية وثيقة الصلة بيسوع وعن يسوع لأحاديثه".
وأهم مسألة شغلت الباحثين بخصوص هذا الإنجيل خاتمته، فإن خاتمة هذا الإنجيل (١٦/ ٩ - ٢٠) غير موجودة في المخطوطات القديمة المهمة كمخطوطة الفاتيكان والمخطوطة السينائية.
ويقول وليم باركلي: إن النهاية المشهورة - علاوة على عدم وجودها في النسخ الأصلية القديمة - فإن أسلوبها اللغوي يختلف عن بقية الإنجيل.
стр. 915
ونقل رحمة الله الهندي عن القديس (جيروم) في القرن الخامس أنه ذكر بأن الآباء الأوائل كانوا يشكون في هذه الخاتمة.
وقد اعتبرتها النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة (R S V) فقرات غير موثوق فيها، فحذفتها من طبعتها الصادرة عام ١٩٠٢ م.
أما مقدمة الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية فتقول: "من المسلم به على العموم أن الخاتمة كما هي الآن (١٦/ ٩ - ٢٠) قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية الكتاب من توقف فجائي في الآية ٨".
وعن الخاتمة الموجودة يقول الأب كسينجر: "لابد أنه قد حدث حذف للآيات الأخيرة عند الاستقبال الرسمي (النشر للعامة) لكتاب مرقس في الجماعة التي ضمنته.
وبعد أن جرت بين الأيدي الكتابات المتشابهة لمتى ولوقا ويوحنا، تم توليف خاتمة محترمة لمرقس بالعناصر من هنا ومن هناك لدى المبشرين الآخرين .. وذلك يسمح بتكوين فكرة عن الحرية التي كانوا يعالجون بها الأناجيل".
ويعلق موريس بوكاي قائلًا: "ياله من اعتراف صريح بوجود التغييرات التي قام بها البشر على النصوص المقدسة". (١)
ثالثًا: إنجيل لوقا
التعريف بالإنجيل: هو ثالث الأناجيل وأطولها، ويتكون من أربعة وعشرين إصحاحًا يتحدث الإصحاحان الأولان عن النبي يحيى وولادة المسيح، ثم تكمل بقية الإصحاحات سيرة المسيح إلى القيامة بعد الصلب.
متى كتب ؟
وأما كتابة هذا الإنجيل فتختلف المصادر في تحديد زمنها بين ٥٣ - ٨٠ م، وقال هورن: أُلف الإنجيل الثالث سنة ٥٣ أو سنة ٦٣ أو سنة ٦٤، وقد اعتمد الكاتب في مصادره على مرقس، فنقل عنه ثلاثمائة وخمسين من فقراته التي بلغت ستمائة وإحدى