← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

لقد حدث الخلاف أيضًا بين علماء النصارى حول اللغة التي كتب بها إنجيل متى: فقد اتفق الجمهور على أنه كتب بالعبرية أو السريانية، وربما كان مستندهم في ذلك قول بابياس: "إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية". ولكن وقع الخلاف أيضًا بينهم في اسم متى. وإذا كانوا قد اتفقوا على أنه كتب بالعبرانية، فإنهم قد اتفقوا أيضًا على أن أقدم نسخة عرفت شائعة رائجة كانت باليونانية"، ومعنى هذا: أنه على اعتبار أنه كتب بالعبرية فإن تلك النسخة الإنجيلية مفقودة ولا يستطيع أحد أن يتكهن أين هي؟ . ومع أن الجمهور على القول بأن الإنجيل كتب بالعبرية إلا أن الدكتور "بوست" في "قاموس المتاب المقدس" يقول: "إن هناك من يقول إنه كتب باليونانية، ثم يرجح أنه ألف باليونانية، مخالفًا بذلك إجماع مؤرخيهم". (١) أين كتب هذا الإنجيل ؟ " هناك شواهد قوية تشير إلى أنطاكية باعتبارها موطنه الأصلي، ولما كان من الصعب ربط الإنجيل بمدينة محددة مثل "أنطاكية" فمن المناسب إذن أن نقول بأنه يأتي من مكان في المنطقة المحيطة بها، أو أي مكان ما يقع في شمال فلسطين". (٢) يقول جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه عن الفرنسية: "إن متى كتب بشارته في أورشليم على ما ذهب إليه القديس إيرنموس" (٣) متى كتب إنجيل متى ؟ ونجد أيضًا الخلاف في هذا الأمر واسعًا بين علماء الكتاب المقدس، ولم يستطع واحد منهم تحديد الوقت الذي كتب فيه هذا الإنجيل بالضبط. فالخلاف يمتد من سنة ٣٩ وحتى سنة ٦٥ م، ولا نعرف في أي السنوات من هذه إلى تلك كتب إنجيل متى. (٤)

стр. 912

ونستطيع بعد كل ما سبق من الحديث عن إنجيل متى أن نخرج بهذه النتائج: هناك اختلاف حول اللغة التي كتب بها الإنجيل، هل هي العبرية أو اليونانية؟ ، وعلى اعتبار أن الولى هي الأصل وأن الثانية ترجمة لها، فهناك اتفاق عل أن هذا الأصل قد فقد تمامًا، ولم يصلنا سوى الترجمة. لا يعرف من هو المترجم. امتدت ساحة الخلاف إلى المكان الذي ألف فيه. لا يعرف في أي السنوات كتب. فهل يمكن بعد ذلك أن يقال: إنه كتاب وحي أو أن بإلهام الروح القدس؟ ! ولقد وددنا أن نعرف ذلك الأصل، لنعرف أكانت الترجمة طبق الأصل، أم فيها انحراف، ولنعرف أفهم المترجم مرامي العبارات ومعانيها، سواء أكانت هذه المعاني تفهم بظاهر القول أم بإشارته أم بلحن القول وتلويحاته أم بروح المؤلف وغرضه ومرماه الكلي من الكلام؟ . (١) ثانيًا: إنجيل مرقس . ثاني الأناجيل التي تطالعنا في العهد الجديد، وينسب إلى مرقس. فمن هو مرقس؟ وماذا عن كاتب هذا الإنجيل؟ وهل تصح نسبته إلى مؤلفه؟ . التعريف بالإنجيل: يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحًا، تحكي قصة المسيح من لدن تعميده على يد يوحنا المعمداني إلى قيامة المسيح بعد قتله على الصليب. وهو أقصر الأناجيل - ويعتبره النقاد - كما يقول ولس - أصح إنجيل يتحدث عن حياة المسيح، ويكاد يجمع النقاد على أنه أول الأناجيل تأليفًا، وأن إنجيل متى ولوقا قد نقلا عنه. يقول العالم الألماني رويس: إنه كان الأصل الذي اقتبس منه إنجيلا متى ولوقا، وهذا الإنجيل هو الوحيد بين الأناجيل المسمى بإنجيل المسيح، إذ أول فقرة فيه "١ بَدْءُ إِنْجِيلِ

стр. 913

يسُوعَ المسِيحِ ابْنِ الله" (مرقس ١/ ١). (١) ٢ - من هو مرقس ؟ وتناقل المحققون ما ردته المصادر النصرانية في ترجمة مرقس، والتي يجمعها ما جاء في قاموس الكتاب المقدس عنه، فهو الملقب بمرقس، واسمه يوحنا، وقد رافق مرقس برنابا وبولس في رحلتيهما، ثم فارقهما، ثم عاد لمرافقة بولس. (٢) ويتفق المترجمون له على أنه كان مترجمًا لبطرس الذي له علاقة بهذا الإنجيل. ولم يكن من الحواريين الإثنى عشر الذين تتلمذوا للمسيح، واختصهم بالزلفى إليه، وأصله من اليهود، وكانت أسرته بأورشليم في وقت ظهور السيد المسيح. (٣) ويذكر المؤرخ يوسيبوس أنه - أي مرقس - أول من نادى برسالة الإنجيل في الإسكندرية، وأنه قتل فيها. قال بطرس قرماج في كتابه "مروج الأخبار في تراجم الأبوار" عن مرقس: "كان ينكر ألوهية المسيح". (٤) وأما لغة هذا الإنجيل: فتكاد المصادر تتفق على أنها اليونانية، وذكر بعضهم أنها الرومانية أو اللاتينية. وأقدم ذكر لهذا الإنجيل ورد على لسان المؤرخ بابياس (١٤٥ م) حين قال: "إن مرقس ألَّف إنجيله من ذكريات نقلها إليه بطرس". (٥) متى كتب هذا الإنجيل ؟

стр. 914

نجد أن المؤرخين المسيحيين قد اختلفوا أيضًا في زمان تأليفه، وقد قال في ذلك هورن: "ألف الإنجيل الثاني سنة ٥٦ وما بعدها إلى سنة ٦٥، والأغلب أنه أُلف سنة ٦٠ أو سنة ٦٣ (١) ويرى الناقد اليهودي سبينوزا أن هذا الإنجيل كتب مرتين إحداهما قبل عام ١٨٠ م والثانية بعده. أين كتب هذا الإنجيل ؟ وتزعم المصادر النصرانية أن مرقس كتب إنجيله في روما، ولعله في الإسكندرية. (٢) ملاحظات على إنجيل مرقس وقد توقف المحققون مليًّا مع هذا الإنجيل وكاتبه، وكانت لهم ملاحظات: ١ - أن مرقس ليس من تلاميذ المسيح، بل هو من تلاميذ بولس وبطرس. يقول المفسر دنيس نينهام مفسر مرقس: "لم يوجد أحد بهذا الاسم عرف أنه كان على صلة وثيقة، وعلاقة خاصة بيسوع، أو كانت له شهرة خاصة في الكنيسة الأولى". وثمة دليل قوي آخر هو شهادة المؤرخ بابياس (٤٥ ام) حين قال: "اعتاد الشيخ يوحنا أن يقول: إذ أصبح مرقس ترجمانًا لبطرس دون بكل تدقيق كل ما تذكره، ولم يكن مع هذا بنفس الترتيب المضبوط ما رواه من أقوال وأفعال يسوع المسيح، وذلك لأنه لم يسمع من السيد المسيح فضلًا عن أنه لم يرافقه، ولكن بالتبعية كما قلت، التحق ببطرس الذي أخذ يصوغ تعاليم يسوع المسيح لتوائم حاجة المستمعين، وليس بعمل رواية وثيقة الصلة بيسوع وعن يسوع لأحاديثه". وأهم مسألة شغلت الباحثين بخصوص هذا الإنجيل خاتمته، فإن خاتمة هذا الإنجيل (١٦/ ٩ - ٢٠) غير موجودة في المخطوطات القديمة المهمة كمخطوطة الفاتيكان والمخطوطة السينائية. ويقول وليم باركلي: إن النهاية المشهورة - علاوة على عدم وجودها في النسخ الأصلية القديمة - فإن أسلوبها اللغوي يختلف عن بقية الإنجيل.

стр. 915

ونقل رحمة الله الهندي عن القديس (جيروم) في القرن الخامس أنه ذكر بأن الآباء الأوائل كانوا يشكون في هذه الخاتمة. وقد اعتبرتها النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة (R S V) فقرات غير موثوق فيها، فحذفتها من طبعتها الصادرة عام ١٩٠٢ م. أما مقدمة الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية فتقول: "من المسلم به على العموم أن الخاتمة كما هي الآن (١٦/ ٩ - ٢٠) قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية الكتاب من توقف فجائي في الآية ٨". وعن الخاتمة الموجودة يقول الأب كسينجر: "لابد أنه قد حدث حذف للآيات الأخيرة عند الاستقبال الرسمي (النشر للعامة) لكتاب مرقس في الجماعة التي ضمنته. وبعد أن جرت بين الأيدي الكتابات المتشابهة لمتى ولوقا ويوحنا، تم توليف خاتمة محترمة لمرقس بالعناصر من هنا ومن هناك لدى المبشرين الآخرين .. وذلك يسمح بتكوين فكرة عن الحرية التي كانوا يعالجون بها الأناجيل". ويعلق موريس بوكاي قائلًا: "ياله من اعتراف صريح بوجود التغييرات التي قام بها البشر على النصوص المقدسة". (١) ثالثًا: إنجيل لوقا التعريف بالإنجيل: هو ثالث الأناجيل وأطولها، ويتكون من أربعة وعشرين إصحاحًا يتحدث الإصحاحان الأولان عن النبي يحيى وولادة المسيح، ثم تكمل بقية الإصحاحات سيرة المسيح إلى القيامة بعد الصلب. متى كتب ؟ وأما كتابة هذا الإنجيل فتختلف المصادر في تحديد زمنها بين ٥٣ - ٨٠ م، وقال هورن: أُلف الإنجيل الثالث سنة ٥٣ أو سنة ٦٣ أو سنة ٦٤، وقد اعتمد الكاتب في مصادره على مرقس، فنقل عنه ثلاثمائة وخمسين من فقراته التي بلغت ستمائة وإحدى

стр. 916

وستين فقرة، كما نقل عن متى أو عن مصدر آخر مشترك بينه وبين متى. (١) من هو لوقا ؟ وتنسب الكنيسة هذا الإنجيل إلى القديس لوقا، ولا تذكر المصادر النصرانية الكثير عن ترجمته، لكنها تتفق على أنه لم يكن من تلاميذ المسيح كما يتضح من مقدمته إذ يقول: "إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ." (لوقا ١/ ١ - ٢). وتتفق المصادر أيضًا في أنه لم يكن يهوديًّا، وأنه رفيق بولس المذكور في "كولوسي ٤/ ١٤) وغيرها، وأنه كتب إنجيله من أجل صديقه ثاوفيلس "أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ" (لوقا ١/ ٣ - ٤). وتختلف المصادر في تحديد شخصية ثاوفيلس، فقال بعضهم: كان من كبار الموظفين الرومان. وقال آخرون: من اليونان. وقال آخرون: بل كان مصريًا من أهل الإسكندرية، وتكاد المصادر تتفق على أنه كتب له باليونانية. (٢) وأما لوقا، فقيل بأنه كان رومانيًا. وقيل إنطاكيًا، وقيل غير ذلك. وعن مهنته، قيل بأنه كان طبيبًا، وقيل: كان مصورًا، لكنه على أي حال مثقف وهو كاتب قصص ماهر. (٣) ملاحظات على إنجيل لوقا: ويلحظ المحققون على إنجيل لوقا ملاحظات، أهمها: ١ - أن مقدمته تتحدث عن رسالة طابعها شخصي، وأنها تعتمد على اجتهاده لا على إلهام

стр. 917

وحي، وهي دليل صريح على انقطاع سند الإنجيل بعيسى ﵇ وبالروح القدس، وكان قد لاحظ ذلك أيضًا عدد من محققي النصرانية، فأنكروا إلهامية هذا الإنجيل، منهم مستر كدل في كتابه "رسالة الإلهام" ومثله واتسن، ونسب هذا القول إلى القدماء من العلماء، وقال القديس أغسطينوس: "إني لم أكن أؤمن بالإنجيل لو لم تسلمني إياه الكنيسة المقدسة". (١) ٢ - شك كثير من الباحثين في الإصحاحين الأولين من هذا الإنجيل، بل إن هذا الشك كما ذكر جيروم يمتد إلى الآباء الأوائل للكنيسة، وكذلك فرقة مارسيوني فليس في نسختها هذان الإصحاحان. ويؤكد المحققون بأن لوقا لم يكتب هذين الإصحاحين؛ لأنه يقول في أعمال الرسل "١ الْكَلَامُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ" (أعمال ١/ ١) أي معجزاته، بدليل تكملة النص" مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ، ٢ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ" (أعمال ١/ ٢)، والإصحاحان الأولان إنما يتكلمان عن ولادة المسيح، لا عن أعماله. ونقل وارد كاثلك عن جيروم قوله: بأن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون أيضًا في الباب الثاني والعشرين من هذا الإنجيل. (٢) وهكذا نرى للإنجيل أربعة من الكتاب تناوبوا في كتابة فقراته وإصحاحاته. ٣ - إن الغموض يلف شخصيته، فهو غير معروف البلد ولا المهنة ولا الجهة التي كتب لها إنجيله تحديدًا، ولا تاريخ الكتابة، والمعروف فقط أنه من تلاميذ بولس، وأنه لم يلق المسيح، فكيف يصح الاحتجاج بمن هذا حاله وكيف يجعل كلامه مقدسًا؟ . (٣) رابعًا: إنجيل يوحنا التعريف بالإنجيل:

стр. 918

رابع الأناجيل إنجيل يوحنا، ولهذا الإنجيل خطر وشأن أكثر من غيره؛ لأنه الإنجيل الذي تضمنت فقراته ذكرًا صريحًا الألوهية المسيح، فهذه الأوهية يعتبر هو نص إثباتها وركن الاستدلال فيها. (١) ويتكون هذا الإنجيل من واحد وعشرين إصحاحًا تتحدث عن المسيح بنمط مختلف عن الأناجيل الثلاثة. ٢ - متى كتب ؟ ويرى المحققون أن كتابته جرت بين ٦٨ - ٩٨ م، وقيل بعد ذلك. إذن فليس هناك تاريخ محرر لتدوين هذا الإنجيل. (٢) ٣ - ما اللغة التي كتب بها ؟ يقول الأستاذ شنودة: "سنة ٩٦ رجع يوحنا إلى أفسس وهناك كتب إنجيله ورسائله باللغة اليونانية". (٣) أين كتب ؟ واختُلف في مكان كتابته، والأغلب أنه في تركيا - وتحديدًا في أفسس أو أنطاكيا -، وقيل الإسكندرية. (٤) ٥ - من هو يوحنا الصياد ؟ يوحنا بن زبدي الصياد، وهو صياد سمك جليلي، تبع وأخوه يعقوب المسيح، كما أن والدته سالومة كانت من القريبات إلى المسيح، ويرجح محررو القاموس بأنها أخت مريم والدة المسيح، وقد عاش حتى أواخر القرن الميلادي الأول، ويذهب المؤرخ ايرنيموس إلى أنه عاش إلى سنة ٩٨ م، وتذكر الكنيسة أنه كتب إنجيله في أفسس قبيل وفاته. (٥)

стр. 919

٦ - أدلة النصارى على نسبة الإنجيل إلى يوحنا: وتستدل الكنيسة لتصحيح نسبة هذا الإنجيل بأدلة ذكرها محرروا قاموس الكتاب المقدس وهي: ١ - كان كاتب الإنجيل يهوديًّا فلسطينيًا، ويظهر هذا من معرفته الدقيقة التفصيلية لجغرافية فلسطين، والأماكن المتعددة في أورشليم وتاريخ وعادات اليهود ... ويظهر من الأسلوب اليوناني للإنجيل بعض التأثيرات السامية. ٢ - كان الكاتب واحدًا من تلاميذ المسيح، ويظهر هذا من استخدامه المتكلم الجمع .. وفي ذكر كثير من التفاصيل الخاصة بعمل المسيح ومشاعر تلاميذه ... ويتضح من يوحنا (٢١/ ٢٤) أن كاتب هذا الإنجيل كان واحدًا من تلاميذ المسيح. ٣ - كان كاتب الإنجيل هو التلميذ الذي كان المسيح يحبه .. وكان هذا التلميذ هو يوحنا نفسه". (١) ويتحدث مؤلف الإنجيل عن سبب تأليفه له فيقول: "٣ وَأَمَّا هذه فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المُسِيحُ ابْنُ الله، وَلكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنتمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يوحنا ٢٠/ ٣١) ". ويوضح محررو قاموس الكتاب المقدس فيقولون: "كان الداعي الآخر إلى كتابة الإنجيل الرابع تثبيت الكنيسة الأولى في الإيمان بحقيقة لاهوت المسيح وناسوته، ودحض البدع المضلة التي كان فسادها آنذاك قد تسرب إلى الكنيسة، كبدع الدوكينيين والغنوصيين والكيرنثيين والأبيونيين ... ولهذا كانت غايته إثبات لاهوت المسيح". وقد لقي هذا الإنجيل معارضة شديدة للإقرار بقانونيته، فاندفع د. بوست في قاموس الكتاب المقدس يدافع عنه ويقول: "وقد أنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل لكراهتهم تعليمه الروحي، ولا سيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح، غير أن الشهادة بصحته كافية. فإن بطرس يشير إلى آية منه (بطرس (٢) ١/ ١٤، يوحنا ٢١/ ١٨) وأغناطيوس

стр. 920

وبوليكرس يقتطفان من روحه وفحواه، وكذلك الرسالة إلى ديوكينتس وباسيلوس وجوستينوس الشهيد وتايناس، وهذه الشواهد يرجع بنا زمانها إلى منتصف القرن الثاني. وبناءً على هذه الشهادات، وعلى نفس كتابه الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم بأنه من قلمه، وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم، وهذا الأمر يعسر تصديقه، لأن الذي يقصد أن يغش العالم لا يكون روحيًا". (١) إنكار صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا وتوجهت جهود المحققين لدراسة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، ومعرفة الكاتب الحقيقي له، فقد أنكر المحققون نسبة الإنجيل إلى يوحنا الحواري، واستندوا في ذلك إلى أمور منها: ١ - أن ثمة إنكار قديمًا لصحة نسبته إلى يوحنا، وقد جاء هذا الإنكار على لسان عدد من الفرق النصرانية القديمة، منها فرقة ألوجين في القرن الثاني، يقول صاحب كتاب (رب المجد): "وجد منكرو لاهوت المسيح أن بشارة يوحنا هي عقبة كؤود، وحجر عشرة في سبيلهم، ففي الأجيال الأولى رفض الهراطقة يوحنا". ولقد قال استادلن في العصور المتأخرة: "إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية." وتقول دائرة المعارف البريطانية: "هناك شهادة إيجابية في حق أولئك الذين ينتقدون إنجيل يوحنا، وهي أنه كانت هناك في آسيا الصغرى طائفة من المسيحيين ترفض الاعتراف بكونه تأليف يوحنا، وذلك في نحو ١٦٥ م، وكانت تعزوه إلى سرنتهن (الملحد)، ولا شك أن عزوها هذا كان خاطئًا. لكن السؤال عن هذه الطبقة المسيحية البالغة في كثرة عددها إلى أن رآه سانت

стр. 921

اييفانيوس جديرة بالحديث الطويل عنها في (٣٧٤ - ٣٧٧ م) "أسماها القس "ألوغي" (أي معارضة الإنجيل ذي الكلمة). لئن كانت أصلية إنجيل يوحنا فوق كل شبهة، فهل كانت مثل هذه الطبقة لتتخذ نحوه أمثال هذه النظريات في مثل هذا العصر، ومثل هذا البلد؟ لا وكلا". وأقوى برهان على خطأ نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا أن جاستن مارتر في منتصف القرن الثاني تحدث عن يوحنا، ولم يذكر أن له إنجيلًا، واقتبس فيلمو - ١٦٥ م - من إنجيل يوحنا، ولم ينسبه إليه. وقد أُنكر نسبة الإنجيل إلى يوحنا أمام أرينيوس تلميذ بوليكارب الذي كان تلميذًا ليوحنا، فلم ينكر أرينيوس على المنكرين، ويبعد كل البعد أن يكون قد سمع من بوليكارب بوجود إنجيل ليوحنا، ثم لا يدافع عنه. (١) وقد استمر إنكار المحققين نسبة هذا الإنجيل عصورًا متلاحقة، فجاءت الشهادات تلو الشهادات تنكر نسبته إلى يوحنا. منها ما جاء في دائرة المعارف الفرنسية: "ينسب إلى يوحنا هذا الإنجيل وثلاثة أسفار أخرى من العهد الجديد، ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تُسلم بصحة هذه النسبة". ويقول القس الهندي بركة الله في كتابه "لواء الصليب وتزوير الحقائق": "الحق أن العلماء باتوا لا يعترفون دونما بحث وتمحيص بالنظرية القائلة بأن مؤلف الإنجيل الرابع كان القديس يوحنا بن زبدي الرسول، ونرى النقاد بصورة عامة على خلاف هذه النظرية". وتقول دائرة المعارف البريطانية: "أما إنجيل يوحنا، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة حواريين لبعضهما، وهما القديسان متى ويوحنا .... وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم، وليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل

стр. 922

الفلسفي الذي ألّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى، لخبطهم على غير هدى". (١) وعند تفحص الإنجيل أيضًا تجد ما يمتنع معه نسبته الإنجيل إلى الحواري يوحنا، فالإنجيل يظهر بأسلوب غنوصي يتحدث عن نظرية الفيض المعروفة عند فيلون الإسكندراني. ولا يمكن لصائد السمك يوحنا أن يكتبه، خاصة أن يوحنا عامي كما وصفه سفر أعمال الرسل "فَلَمّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا." (أعمال ٤/ ١٣). وأما ما جاء في خاتمة الإنجيل مما استدل به القائلون بأن يوحنا هو كاتب الإنجيل وهو قوله: "٢٤ هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ" (يوحنا ٢١/ ٢٤). فهذه الفقرة كما يقول المحققون دليل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، إذ هي تتحدث عن يوحنا بصيغة الغائب. ويرى ويست أن هذه الفقرة كانت في الحاشية، وأضيفت فيما بعد للمتن، وربما تكون من كلمات شيوخ أفسس. ويؤيده بشب غور بدليل عدم وجودها في المخطوطة السينائية. وأما مقدمة الرهبانية اليسوعية فتقول عنها وعن الفقرة التي بعدها: "تشكان إضافة يعترف بها جميع المفسرين". ويرى العلامة برنت هلمين استرتير في كتابه "الأناجيل الأربعة" أن الزيادات في متن يوحنا وآخره كان الغرض منها "حث الناس على الاعتراف في شأن المؤلف بتلك النظرية التي كان ينكرها بعض الناس في ذلك العصر". (٢)

стр. 923

ثم إن بعض المؤرخين ومنهم تشارلز الفريد، وروبرت إيزلز وغيرهما قالوا بأن يوحنا مات مشنوقًا سنة ٤٤ م على يد غريباس الأول، وعليه فليس هو مؤلف هذا الإنجيل، إذ أن هذا الإنجيل قد كتب في نهاية القرن الميلادي الأول أو أوائل الثاني. (١) من كتب إنجيل يوحنا ؟ وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل، فمن هو الكاتب الحقيقي؟ يجيب القس فهيم عزيز في مدخله إلى الإنجيل: "هذا السؤال صعب، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالبًا ما تنتهي بالعبارة: لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل". وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت: "كان نصرانيًّا، وبجانب ذلك كان هيلينيًا، ومن المحتمل أن لا يكون يهوديًّا، ولكنه شرقي أو إغريقي، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود". وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد "يترك اسم المؤلف، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا". وقال مفسر إنجيل يوحنا جون مارش: "ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافًا لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدي .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع". وقال المحقق رطشنبدر: "إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس". ويوافقه استادلن، ويرى أن الكاتب "طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية".

стр. 924

وقال يوسف الخوري في "تحفة الجيل" بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس. وقال بعض المحققين ومنهم جامس ماك كينون، واستيريتر في كتابه "الأناجيل الأربعة" بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح، وهو (يوحنا الأرشد)، وأن أرينوس الذي نسب إنجيل يوحنا إلى ابن زبدي قد اختلط عليه أمر التلميذين. وذكر جورج إيلتون في كتابه "شهادة إنجيل يوحنا" أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة: تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ (وليس الرسول) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية. لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدسًا؛ لأنه "مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جليًا بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعًا بروحه". كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل، منهم كولمان حين قال: "إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حاليًا ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف، وأنهم قد أضافوا إليه"، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا. (١) ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري، ولا يعرف كاتبه الحقيقي، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون. وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها: اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ وسيرة المسيح ﵇. إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريبًا بينها.

стр. 925

فمثلًا: هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح، بل هو كتب لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري: "إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها، والسبب: أنَّه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح"، وأن كثيرين من فرق الشر كانت تقرر تلك الحقيقة، فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلا يتضمن بيان هذه الألوهية، فكتب هذا الإنجيل. (١) ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف، أنشأ يوحنا إنجيله، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيذكر عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا "والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون". يقول الأب روغيه في كتابه "المدخل إلى الإنجيل": "إنه عالم آخر، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ، بل والرؤيا اللاهوتية". وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تمامًا عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض: "المتشابهة" أو "الإزائية". لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: "من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة، بمعنى أن لو قدرنا أنَّها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذبًا". يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور" معبرًا عن هذا الاختلاف: " إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دورًا بعيدًا". (٢) ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضًا أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل،

стр. 926

فأضافت فيه رواية المرأة الزانية (انظر يوحنا ٨/ ١ - ١١) والتي يقول عنها مدخل الرهبانية اليسوعية إلى هذا الإنجيل: "هناك إجماع على أنَّها من مرجع مجهول فأدخلت في زمن لاحق". وقد حذفت هذه القصة من النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة (R.S.V) لاعتبارها عبارة دخيلة على الإنجيل. (١) كما أن كثيرًا من المحققين يعتقدون بأن الإصحاح الأخير ليس من تأليف مؤلف الإنجيل، يقول كرونيس: "إن هذا الإنجيل كان عشرين بابًا فألحقت كنيسة أفسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا". (٢) وهذا ما يعترف به كاتبو مقدمة الرهبانية اليسوعية، إذ اعتبرت الإصحاح العشرين خاتمة للإنجيل، واعتبرت الإصحاح الأخير ملحقًا بالإنجيل، وعنه تقول: "يظهر هذا الفصل الأخير، الوارد بعد خاتمة ٢٠/ ٣٠ - ٣١ بمظهر الملحق، ولا تزال مسألة مصدره موضوع نقاش .. وقد يكون هذا الفصل تكملة أضافها بعض تلاميذ يوحنا". خامسًا: رسائل العهد الجديد . يلحق بالأناجيل الأربعة عدد من الرسائل "وتسمى هذه الرسائل - ما عدا رسالة أعمال الرسل - الأسفار التعليمية، وتتكون من اثنتين وعشرين رسالة: الأولى، وتسمى أعمال الرسل، وتنسب إلى لوقا صاحب الإنجيل، وأربع عشرة كتبها بولس، وهي رسالة أهل روميا وكورنثوس الأولى والثانية، وغلاطية، وأفسس، وفيلبي، وكولوسي، وتسالونيكي الأولى والثانية، وتيموثاوس الأولى وتيماثوس الثانية، وتيطس، وفيلمون والعبرانيين، ورسالة كتبها يعقوب، ورسالتان كتبهما بطرس، وثلاث رسائل كتبها يوحنا، ورسالة كتبها يهوذا. وهناك غير الاثنتين والعشرين رسالة أخرى يسمونها السفر النبوي، وهي رؤيا يوحنا". (٣)

стр. 927

أولًا: أعمال الرسل ويتكون هذا السفر من ثمان وعشرين إصحاحًا، تتحدث عن الأعمال التي قام بها الحواريون والرسل الذي نزل عليهم روح القدس يوم الخمسين (٢/ ١ - ٤)، من دعوة ومعجزات، كما يتحدث في سهاب عن شاول ودعوته ورحلاته وقصة تنصره وبعض معجزاته. وينسب هذا السفر إلى لوقا مؤلف الإنجيل الثالث حيث جاء في افتتاحيته: "١ الْكَلَامُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ" (أعمال ١/ ١). ولكن هذه الدعوى يشكل ويمنع من التسليم بها تناقض إنجيل لوقا مع سفر الأعمال في مسألة الصعود إلى السماء إذ يفهم من إنجيل لوقا أن صعود المسيح للسماء كان في يوم القيامة (لوقا ٢٤/ ١٣ - ٥١) وفي أعمال الرسل يتحدث عن ظهور المسيح بعد القيامة "أَرْبَعِينَ يَوْمًا" (أعمال ١/ ٣). وهذا الاختلاف يكذب الرأي القائل بأن كاتب الإنجيل والسفر واحد. ثانيًا: رسائل بولس وتنسب هذه الرسائل إلى القديس بولس، وتمتلئ بعبارات تدل على أنه كاتبها، وهذه الرسائل أربع عشرة رسالة. وتصطبغ الرسائل أيضًا بالصبغة الشخصية لبولس، فهي ليست لاهوتية الطابع، بل رسائل شخصية لها ديباجة وخاتمة. وليس ثمة إجماع على صحة نسبة هذه الرسائل إلى بولس، بل إن بعض المحققين يميل إلى أن أربع رسائل منسوبة إليه كتبت بيد بعض تلاميذه بعد وفاته بعشرين سنة كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية. ويشكك أرجن في شرحه لإنجيل يوحنا بجميع رسائل بولس المرسلة إلى الكنائس فيقول: "إن بولس ما كتب شيئًا إلى جميع الكنائس، والذي كتبه هو سطران أو أربعة سطور". أما الرسالة إلى العبرانيين خصوصًا فكان النزاع حولها أشد، فحين تنسبها الكنيسة الشرقية إلى بولس فإن لوثر يقول بأنها من وضع أبلوس، بينما يقول تارتوليان المؤرخ في القرن الميلادي الثاني: "إنها من وضع برنابا"، ويقول راجوس (من علماء البروتستانت):

стр. 928

"إن فريقًا من علماء البروتستانت يعتقدون كذب الرسالة العبرانية ... ". (١) أما مدخل الرهبانية اليسوعية فيقول: "لا شك أن الأدلة التي تنقض صحة نسبة الرسالة إلى بولس هي كثيرة .. فللمرء أن يعتقد أن الرسالة من إنشاء واحد من أصحاب بولس، أما الاهتداء إلى اسم الكاتب على نحو أفضل فلا سبيل إلى طلبه .. فلابد آخر الأمر من التسليم بأننا نجهل اسم الكاتب". ثالثا: الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا اللاهوتي وهذه الرسائل سبع رسائل ثلاث منها ليوحنا، وثنتان لبطرس، وواحدة لكل من يهوذا ويعقوب، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي. وعرف المحققون بأصحاب هذه الرسائل وهم من التلاميذ الاثني عشر. فبطرس هو صياد سمك في كفر ناحوم، ويعرف بسمعان، ويرجح محررو قاموس الكتاب المقدس أنه كان من تلاميذ يوحنا المعمدان قبل أن يصحب المسيح، ويتقدم على سائر تلاميذه، وقد دعا في أنطاكية وغيرها، ثم قتل في روما في منتصف القرن الميلادي الأول. ويذكر بطرس قرماج في "مروج الأخبار" أن بطرس ومرقس ينكران ألوهية المسيح. وأما يعقوب فهو ابن زبدي الصياد - أخو يوحنا الإنجيلي - من المقربين للمسيح، وقد تولى رئاسة مجمع أورشليم سنة ٣٤ م، وقد كانت وفاته قتلًا على يد أغريباس الأول عام ٤٤ م على الأرجح، وقال آخرون: قتله اليهود حين طرحوه من جناح الهيكل ورموه بالحجارة سنة ٦٢ م. وأما يهوذا فلا تقدم المصادر عنه تعريفًا سوى أن تذكر أنه اختلف فيه هل هو يهوذا أخو يعقوب الصغير أي أنه ابن زبدي، أم أنه الحواري الذي يدعى لباوس الملقب تداوس؟ . (٢) وهذه الرسائل تعليمية في محتوياتها، شخصية في طريقة تدبيجها، تحوي في مقدمتها

стр. 929

اسم مؤلفها غالبًا. ورغم ذلك فإن نسبة هذه الرسائل كانت محل جدل طويل في قرون النصرانية الأولى، وينطبق على أكثرها ما ذكرناه في رسالة العبرانيين، حيث تأخر الاعتراف إلى أواسط القرن الرابع الميلادي برسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالتي يعقوب ويهوذا، ورؤيا يوحنا اللاهوتي الذي كان موضع جدل كبير قبل إقراره. إذ يحوي هذا السفر رؤيا منامية غريبة هدفها تقرير ألوهية المسيح، وإثبات سلطانه في السماء، وخضوع الملائكة له، إضافة إلى بعض التنبؤات المستقبلية التي صيغت بشكل رمزي وغامض. وهذه الرؤيا رآها يوحنا في منامه وهي مسطرة في سبعة وعشرين صفحة! ! ومثل هذا يستغرب في المنامات ولا يعهد. وقد شكك آباء الكنيسة الأوائل كثيرًا في هذا السفر. يقول (كيس برسبتر الروم) ٢١٢ م: "إن سفر المشاهدات (الرؤيا) من تصنيف سرنتهن الملحد"، ومثله قاله ديونسيش من القدماء. يقول لوثر: "إن هذا السفر لا يعلّم عن المسيح، ولا يشير إليه بوضوح، ولا يتضح فيه أنه من وحي الروح القدس". وأما خلفه المصلح زونجلي فقد قال: "ليس لنا شأن بسفر الرؤيا؛ لأنه ليس سفرًا كتابيًا، فليس فيه طعم كتابات يوحنا .. وفي وسعي أن أرفضه". ويعقب المفسر باركلي فيكتب: "وقد اشترك مع لوثر وزونجلي كثيرون". كما نقل عن بعض المفسرين قولهم: "إن عدد الألغاز الموجودة في سفر الرؤيا يساوي عدد كلماته، وقال آخر: إن دراسة الرؤيا تصيب الإنسان بالخبل، أو إن الذي يحاول القيام بها مخبول". (١) ويقول مدخل الرهبانية اليسوعية لهذا السفر: "لا يأتينا سفر يوحنا بشيء من الإيضاح عن كاتبه، لقد أطلق على نفسه اسم يوحنا، ولقب نبي، ولم يذكر قط أنه أحد

стр. 930

الاثني عشر. هناك تقليد على شيء من الثبوت، وقد عثر على بعض آثاره منذ القرن الثاني، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنا .. بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على ذلك، وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا عرضة للشك ... إن آراء المفسرين في عصرنا متشعبة، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي تجعل نسبة الرؤيا والإنجيل الرابع إلى كاتب واحد أمرًا عسيرًا. ويخالفهم مفسرون آخرون في الرأي، ويرون أن سفر الرؤيا والإنجيل يرتبطان بتعليم الرسول عن يد كتبة ينتمون إلى بيئات يوحنا في أفسس"، ويقول المفسر وليم باركلي في مقدمة تفسيره للسفر: "وليس من المحتمل أن يكون الكاتب رسولًا، فلو أنه كان رسولًا لوضع تبريره على هذه الحقيقة أكثر من تبريره على أنه نبي، ثم إنه يتكلم عن الرسل كأغراب عليه .. فإن هذا أسلوب شخص يؤرخ لفترة خدمة الرسل، بل إن عنوان السفر يوحي بهذه الفكرة، فهو "رؤيا يوحنا اللاهوتي" ولعل لقب "اللاهوتي" أي عالم اللاهوت قد أضيف إلى اسم يوحنا الكاتب ليميزه عن يوحنا الرسول. ويقول ديوفيسيوس رئيس مدرسة الإسكندرية عام ٢٥٠ م: إن يوحنا كاتب الرؤيا لا يمكن أن يكون هو نفسه يوحنا كاتب البشارة، لأن الأسلوب اليوناني مختلف جدًّا بين الإثنين". (١) وهكذا فالسفر لا دليل يثبت كتابة يوحنا له، وغاية ما يمكن قوله أنه كتب على يد كتبة مجهولين تربوا على يد يوحنا في أفسس. ومما نقله المحققون في تكذيب نسبة الرسائل الكاثوليكية أو بعضها على الأقل تكذيب هورن لها، واحتج بعدم وجودها في الترجمة السريانية القديمة. ويقول أوسابيوس: "قبل الجميع دون جدال أسفارنا المعروفة الآن ما خلا الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، فقد قبلها الجمهور، ولكن البعض شكّ فيها .. وأما رسالتا يوحنا

стр. 931

فهما خطابان شخصيان يصعب برهنة صدق قانونيتهما". (١) ونقل راجوس تكذيب علماء البروتستانت صحة نسبتها إلى الحواريين، ويقول جيمس ميك: إن الدلائل تثبت أن كاتب هذه الرسالة (رسالة يعقوب) ليس يعقوب. وقال المؤرخ يوسي بيس في تاريخه: "ظُن أن هذه الرسالة جعلية، لكن كثيرًا من القدماء ذكروها، وكذا ظُن في حق رسالة يهوذا، لكنها تستعمل في كثير من الكنائس". وعن رسالة يهوذا يقول المحقق كروتيس في كتابه "تاريخ البيبل": "هذه الرسالة رسالة يهوذا الأسقف الذي كان خامس عشر من أساقفة أورشليم في عهد سلطنة أيد دين"، فجعل هذا المحقق رسالة يهوذا من عمل أسقف عاش في القرن الثاني الميلادي. كما لا تسلم الكنيسة السريانية حتى الآن بصحة الرسالة الثانية لبطوس، والثانية والثالثة ليوحنا، ويقول اسكالجر: من كتب الرسالة الثانية لبطرس فقد ضيع وقته. (٢) وعن كاتب رسالة بطرس الثانية تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "لا يزال الرأي القائل أن كاتب الرسالة هو سمعان بطرس موضوعًا للنقاش، يثير كثيرًا من المتاعب، فلا يحسن من جهة أن يُجعل شأن كبير للإشارات التي أخبر فيها الكاتب عن حياته، والتي قال فيها أنه الرسول بطرس (أي كان المؤلف المجهول يكذب وهو يزعم أنه بطرس الرسول)، فإنها تعود إلى الفن الأدبي المعروف بالوصايا ... لا يبدو أن الكاتب ينتمي إلى الجيل المسيحي الأول ... ولما كان لا يسوغ الإفراط في تأخير تاريخ رسالة مشبعة على هذا النحو بالتقاليد اليهودية المسيحية يسوغ اقتراح نحو السنة ١٢٥ م تاريخًا لإنشاء الرسالة، وهو تاريخ ينفي عنها نسبتها المباشرة إلى بطرس". ويقول التفسير التطبيقي عنها: "لسنا على يقين من تاريخ كتابة هذه الرسالة أو لمن كتبت، كما أن كاتبها محل جدل كثير، وبسبب ذلك كانت (رسالة) بطرس الثانية آخر سفر

стр. 932

يضم إلى الأسفار القانونية للعهد الجديد". وعن قانونيتها تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "إن كلًّا من هذه الرسالة وسفر الرؤيا كان في العهد الجديد، السفر الذي لقي أكثر المصاعب ليُعترف به، فقد دخلت دخولًا بطيئًا إلى مجمل الكنائس .. ولم يعترف بها في معظم الكنائس إلا في القرن الخامس، واعترف بها في سورية في القرن السادس". ونختم بقول المفسر الدكتور وليم باركلي أستاذ العهد الجديد بجامعة كلاسكو: "أما مارتن لوثر فقد رفض أن يعطي هذا السفر (الرؤيا) مكانًا في العهد الجديد، وأضافه إلى أسفار أخرى هي رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية والعبرانيين، واقترح أن يضيف هذه في نهاية العهد الجديد". (١) اعترافات حول العهد الجديد يقول: "جون فنتون" - عميد كلية الاهوت بليتشفيلد بانجلترا -: "إن العقائد التي تتبناها مختلف الكنائس ومدارس الفكر الاهوتي فيما يتعلق بالسلطة الروحية للعهد الجديد، تختلف كثيرًا من واحدة لأخرى: فالكنيسة الكاثوليكية تمسك بشدة بعقيدة الإلهام التي تأكد القول بها في مجمع الفاتيكان الذي عقد بروما عام ١٨٦٩ - ١٨٧٠ م والذي تقرر فيه: أنَّ الكتب القانونية لكل من العهدين: القديم والجديد كتبت بإلهام الروح القدس، كذلك فإن طائفة المحافظين من البروتستانت يقبلون عقيدة الإلهام" (٢) بينما يعتقد الليبراليون منهم، أن كتب العهد الجديد إنما هي وثائق بداية العقيدة المسيحية، وهي مثل أي من الوثائق التاريخية القديمة معرضة للبحث العلمي والنقد اللغوي. (٣) متى كتبت الأناجيل ؟ لقد كتبت الأناجيل الأربعة القانونية على مدى فترة زمنية تقدر بأكثر من ٦٠ عامًا، ولم

стр. 933

يكتب أقدمها في حياة المسيح، ولا عقب رفعه مباشرة، أو حتى بعد ذلك ببضع سنين، لكنه كتب بعد ٣٥ عامًا مضت منذ رفع المسيح. (١) أسباب تأخر كتابة الأناجيل: أن المسيحيين الأوائل لم يكونوا - أو حتى الغالبية العظمى منهم - طائفة مثقفة أو متعلمة ... لكن وضعهم نجده حسب قول بولس: "لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الجسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، ٢٧ بَلِ اخْتَارَ الله جُهَّال الْعَالمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ." (كورنثوس "١" ١/ ٢٦ - ٢٧). أن الفترة الأولى من عملية التبشير بالإنجيل كانت الحاجة هي نقل التعاليم الدينية شفاها. ثمن التكاليف والمواد الازمة للكتابة، حيث كان معظم المسيحيين الأوائل من المُعْدَمين. تفشي فكرة المجيء الثاني للمسيح إلى الأرض في مجده. فإذا كانت نهاية كل شيء وشيكة، وإذا كان أي يوم هو الأخير، فمن الواضح أن أولئك الذين اشتركوا في مثل هذه الأفكار، لابد وأن يفتقدوا المزاج النفسي لكتابة سجلات الماضي. الصعوبة في جمع البيانات والمعلومات اللازمة للكتابة. إذ يحق لنا أن مسألة: كيف يجد المسيحي العادي في الفترة المبكرة من حياة الكنيسة (التي اتسمت بالاضطهاد والاضطراب) من الوقت ما يمكنه من جمع المعلومات عن حياة المسيح؟ . (٢) وكانت النتيجة كما وردت على لسان الدكتور فريدريك جرانت: "لم يبق من التعاليم والعقائد إلا فكرة باهتة لوجهة النظر العامة بالإضافة إلى الأقوال المبعثرة التي غالبًا ما تكون غير المتن الأصلي". وبهذا تأخرت الكتابة، وبهذا تبدلت الكتابة وتحرفت، وضاع النص الأصلي، وانقطع السند. (٣) اللغة الأصلية التي كتب بها العهد الجديد:

стр. 934

جاء في الموسوعة الأمريكية: "إن العهد الجديد من أوله إلى آخره هو كتاب إغريقي، فعلى الرغم من أن التعاليم الأولى الشفوية التي تختص بأعمال يسوع وأقواله، لا شك أنَّها كانت متداولة بالآرامية، وهي اللغة التي كانت سارية في فلسطين وبعض أجزاء الشرق الأدنى، وبالتأكيد بين اليهود، وهي اللغة التي تكلم بها المسيح وتلاميذه، فإنه لم يمض وقت طويل قبل أن تترجم هذه التعاليم الشفوية إلى الإغريقية الدارجة التي كانت لغة الحديث في عالم البحر الأبيض المتحضر". (١) الفصل الثاني: إبطال دعوي الإلهام لكتبة العهد الجديد . تمهيد: " إن الأناجيل الأربعة التي يتخذها النصارى مصادر لدينهم لم تتوفر لها موجبات القدسية والقبول بما فيها من القضايا الإيمانية التي تستوجب أن تبنى على اليقينيات من النصوص، وإن ذلك في غاية البعد عن الأناجيل الأربعة. والنصارى أنفسهم لا يدعون أن المسيح ﵇ ترك في تلاميذه كتابًا منزلًا عليه، وأن كل ما وصل إليهم من أمور دعوته وسيرته وما اقترن بحياته من أحداث هو الذي روته الأناجيل الأربعة، إما من كُتَّاب شاهدوا تلك الأحداث وعاصروا صاحبها وتتلمذوا عليه مثل متى ويوحنا، وإما من كُتَّاب تلقوا ذلك من أفواه تلاميذه الذين سمعوا أو شاهدوا، ونقلوا ذلك إلى من قام بتدوين ما نقل إليه مثل مرقس ولوقا. وإن هذه الأناجيل لا تثبتها القواعد العلمية، ولا تثبت أو تصمد أمام البحث العلمي، والكتاب الذي يفقد دليل ثبوته لا يقوى على إثبات عقيدة لا دليل من كتب الأنبياء كافة على صحتها." (٢) "ولأجل أن يكون الكتاب الديني حجة - يجب الأخذ به على أنه شريعة الله ودينه،

стр. 935

ومجموع أوامره ونواهيه، ومصدر الاعتقاد، وأساس الملة - يجب أن يتوافر فيه عدة شروط. المبحث الأول: شروط حجية الكتاب الديني: الأول: أنْ يكون الرسول الذي نسب إليه قد علم صدقه بلا ريب ولاشك، وأن يكون قد دعم ذلك الصدق بمعجزة، أي بأمر خارق للعادة قد تحدى به المنكرين المكذبين، وأن يشتهر أمر ذلك التحدي وهذا الإعجاز، ويتوارثه الناس خلفا عن سلف، ويتواتر بينهم تواترا لا يكون للإنسان مجال لتكذيبه. الثاني: ألا يكون ذلك الكتاب متناقضًا مضطربًا يهدم بعضه بعضًا، فلا تتعارض تعليماته، ولا تتناقض أخباره، بل يكون كل جزء منه متممًا للآخر ومكملًا له. الثالث: أن يدعي ذلك الرسول أنه أوحي إليه به، ويدعم ذلك الادعاء بالبينات الثابتة، وهي المعجزات التي بعث بها الرسول، ودعا إلى كتابه على أساسها، ويثبت ذلك الادعاء بالخبر المتواتر، أو يثبت بالكتاب نفسه. الرابع: أن تكون نسبة الكتاب إلى الرسول الذي نسب إليه ثابتة بالطريق القطعي بأن يثبت نسبة الكتاب إلى الرسول، بحيث يتلقاه الأخلاف عن الأسلاف، جيلًا بعد جيل من غير أي مظنة للانتحال." (١) "ويتحقق هذا بأن يكون الناقل معروفًا بالعدالة والضبط عمن يماثله من الرواة العدول الضابطين، وأيضًا اتصال السند بأن يكون كل راوٍ متلقيًا عن راوٍ قبله حتى يبلغ به المصدر بلا انقطاع." (٢) الخامس: صحة الكتابة بأن تكون الكتابة مطابقة لما تم نقله لفظًا ومعنى في حالة النقل باللغة الموحى بها. السادس: صحة الترجمة في حالة ترجمة الكتاب من الأصل المودعى به إلى لغة أخرى وذلك يتطلب ما يلي:

стр. 936

أولًا: شروط قبول الترجمة المجهولة: وجود الأصل الموحى به حتى يتم عرض الترجمة عليه. صحة الترجمة ويعرف ذلك بعد عرضها ومقابلتها بالأصل. ثانيًا: شروط في المترجم: عدالة المترجم. معرفته التامة باللغتين الأصلية والتي ترجم إليها. أن يكون ملمًا بمقاصد الدين ومصطلحاته حتى يترجم حسب المقاصد الدينية التي قد يكون ظاهر اللغة غير صريح فيها مثل الخيط الأبيض والأسود في التعبير بهما عن سواد الليل وبياض اللهار." (١) ومن خلال تطبيق هذه الشروط ندرك أن هذه الأناجيل لا جذور لها تمتد بها إلى المصدر المعصوم، حيث لم يدَّعِ أحد أن عيسى هو كاتبها، أو هو ممليها، أو أنَّها كتبت في عهده. ثم إنهم لم يختلفوا في أن من نسبت إليهم على أنهم كاتبوها اثنان من تلاميذ المسيح وهما متى ويوحنا، وآخران ليسا كذلك وهما: مرقس ولوقا ... وعليه فإن كاتبيها مجهولون، ومجهول العين لا شك في الجهالة بحاله ومجهول الحال لا تقبل روايته. ثم إن هذه الأناجيل ما عرفت إلا بعد أن ترجمت ولم توجد النسخ الأصلية حتى تعرض عليها الترجمات المختلفة باللغات المختلفة. والمترجمون لها أيضًا مجهولون، وتواريخ كتابتها أيضًا غير معلومة. أى إنها ظلمات بعضها فوق بعض" (٢). "إن أحدًا من كتاب العهد الجديد - سوى بولس - لم يدع لنفسه الإلهام، بل سجلت كتاباتهم اعترافات أن هذا العمل جهد بشري خالص لم يقصد كاتبوه أن يسجلوا من خلاله كتبًا مقدسة. فها هو لوقا في مقدمة إنجيله يقول: "١ إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي

стр. 937

الأُمُورِ المُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، ٢ كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، ٣ رَأَيْتُ أَنَا أيضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، ٤ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ." (لوقا ١/ ١ - ٤). فيفهم من هذه المقدمة أمور، منها: أن إنجيله خطاب شخصي، وأنه دوّنه بدافع شخصي، وأن له مراجع نقل عنها بتدقيق، وأن كثيرين كتبوا غيره، ولم يذكر لوقا في مقدمته شيئًا عن إلهام إلهي الهمه الكتابة أو وحي من روح القدس نزل عليه. وإذا كان الحواريون والتلاميذ غير عارفين بإلهامية ذواتهم وبعضهم، فكيف عرف النصارى ما جهله أصحاب الشأن؟ لا دليل في الأناجيل على إلهامية أحد منهم، إلا ما ادعاه بولس لنفسه." (١) ومما يثبت أيضًا أنَّها لم تكتب بالإلهام ما يلي: - ١ - وجود رسائل شخصية لا علاقة للإلهام والوحي بها . والمتأمل في رسائل بولس خصوصًا والحواريين عمومًا يجد عشرات المواضع التي تشهد لهذه الرسائل بأنها شخصية لا علاقة للوحي بها، ومن ذلك: "١٣ يُسَلِّمُ عَلَيْكِ أَوْلَادُ أُخْتِكِ المُخْتَارَةِ." (يوحنا (٢) ١٣). ويرسل يوحنا المزيد من السلامات لأحبابه "١ الشَّيْخُ، إِلَى غَايُسَ الْحَبِيبِ الَّذِي أَنَا أُحِبُّهُ بِالْحَقِّ ٢ أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا ١٥ سَلَامٌ لَكَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكَ الأَحِبَّاءُ. سَلِّمْ عَلَى الأَحِبَّاءِ بِأَسْمَائِهِمْ." (يوحنا (٣) ١ - ١٤). وفي رسائل بولس مثل ذلك، ومنه: "١٩ تُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ كَنَائِسُ آسِيَّا. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ كَثِيرًا أَكِيلَا وَبِرِيسْكِلَّا مَعَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا. ٢٠ يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ أَجْمَعُونَ. سَلِّمُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ" (كورنثوس (١) ١٦/ ١٩ - ٢٠). ويواصل بولس تسجيل رغباته الشخصية وأخبار أصدقائه في كورنثوس، فيقول:

стр. 938

"١٣ الرِّدَاءَ الَّذِي تركْتُهُ فِي تَرُواسَ عِنْدَ كَارْبُسَ، أَحْضِرْهُ مَتَى جِئْتَ، وَالْكُتُبَ أيضًا وَلَا سِيَّمَا الرُّقُوقَ .... ١٩ سَلِّمْ عَلَى فِرِسْكَا وَأَكِيلَا وَبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ. ٢٠ أَرَاسْتُسُ بَقِيَ فِي كُورِنْثُوسَ. وَأَمَّا تروفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا. ٢١ بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ قَبْلَ الشِّتَاءِ. يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَفْبُولُسُ وَبُودِيسُ وَلينُسُ وَكَلَافِدِيَّةُ وَالإِخْوَةُ جَمِيعًا. ٢٢ الرَّبُّ يَسُوعُ المُسِيحُ مَعَ رُوحِكَ. النِّعْمَةُ مَعَكُمْ. آمِينَ .. " (تيموثاوس (٢) ٤/ ١٣ - ٢١). وهكذا تستمر رسائل بولس وسلاماته إلى أصدقائه وأقربائه، وتطول كما في رسالة رومية (رومية ١٦/ ١ - ٢١). وأرسل بولس إلى تيطس قائلًا: "١٢ حِينَمَا أُرْسِلُ إِلَيْكَ أَرْتيمَاسَ أَوْ تِيخِيكُسَ، بَادِرْ أَنْ تَأْتِيَ إِلَيَّ إِلَى نِيكُوبُولِيسَ، لأَنِّي عَزَمْتُ أَنْ أُشَتِّيَ هُنَاكَ. ١٣ جَهِّزْ زِينَاسَ النَّامُوسِيَّ وَأَبُلُّوسَ بِاجْتِهَادٍ لِلسَّفَرِ حَتَّى لَا يُعْوِزَهُمَا شَيْءٌ." (تيطس ٣/ ١٢ - ١٣)، ولعل القارئ لاحظ أن بولس - الملهم لكتابة هذا النص كما يدعي المؤمنون بقدسية رسائله - لا يدري من سيرسل من أصدقائه لاستدعاء تيطس إلى نيكوبوليس، حيث يقضي بولس فصل الشتاء. وتتكرر المشاهد الشخصية في "رسالة فيلبي ٢/ ٢٦ - ٢٨، ٤/ ٢١ - ٢٢، كورنثوس (١) ١٦/ ٢٠)، فيلمون ١/ ٢١ - ٢٤)) فهل هذه العبارات من إلهام الله ووحيه؟ ! ٢ - عبارات لا يمكن أن تكون وحيًا: لو تتبعنا الأناجيل لما وجدنا ما يشعر بأن أصلا منها صادر من مُلهَم يكتب وحيًا، فمثلًا يقول لوقا: "٢٣ وَلمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ .. " (لوقا ٣/ ٢٣)، فلفظة "نحو" و "يظن" لا تصدران عن ملهم جازم بما يقول، وقد أزعجت هاتان العبارتان علماء الكنيسة، فحذفوهما من طبعة الكتاب المقدس المنقحة الإنجليزية. ومثله لم يستطع يوحنا تقدير المسافة التي قطعها التلاميذ في البحر قبل أن يروا المسيح فقال: "١٩ فَلَمّا كَانُوا قَدْ جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ غَلْوَةً، نَظَرُوا يَسُوعَ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ مُقْتَرِبًا مِنَ السَّفِينَةِ، فَخَافُوا" (يوحنا ٦/ ١٩)، ولو كان يلهم ما يكتب من الوحي لما وقع في مثل هذا.

стр. 939

ومثله في خاتمة يوحنا يقول: "٣١ وَأَمَّا هذ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المُسِيحُ ابْنُ الله" (يوحنا ٢٠/ ٣٠ - ٣١)، وقد كتبه بطلب من أساقفة آسيا لا الروح القدس، وهو لا يقول بأن الله ألهمه ذلك. ويقول: "٢٤ هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ. "فلم يذكر شيئًا عن إلهام هذا الإنجيل، ثم قال بعدها ما أثبت صفة البشرية لكلامه: "٢٥ وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً واحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ المُكْتُوبَةَ. آمِينَ (يوحنا ٢١/ ٢٤ - ٢٥)، فمثل هذه المبالغة لا يغيب أنَّها صنعة بشرية لعادة البشر في ذلك. (١) وعلاوة على هذا كله فإن في الرسائل فقرات تنفي هي عن نفسها دعوى الإلهام وتكذبه، وتشهد لصاحبها بأنه يتحدث ببشرية تامة، وأن الوحي لا علاقة له بما يكتب. ومن ذلك قول بولس عن المتزوج بغير المؤمنة: "١٢ وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لهمْ أَنَا، لَا الرَّبُّ: ... " (كورنثوس (١) ٧/ ١٢)، فكلامه في هذه المسألة لا علاقة له بالوحي، لكنهم مع ذلك يعتبرونه جزءًا من كلمة الله. ويقول عن أمر آخر: "٢٥ وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا ... " (كورنثوس (١) ٧/ ٢٥)، فهل نصدق بولس، وهو يصف كلامه هنا بأنه رأي شخصي أم نصدق النصارى الذين يقولون عن هذه العبارات أنَّها أيضًا ملهمة من قبل الله ووحيه؟ . ويؤكد بولس ثانية أن بعض ما يصدر عنه هو محض رأي بشري واجتهاد شخصي منه، فيقول: "٨ لَسْتُ أَقُولُ عَلَى سَبِيلِ الأَمْرِ، بَلْ بِاجْتِهَادِ آخَرِينَ، ... ١٠ أُعْطِي رَأْيًا فِي هذَا أيضًا. .. " (كورنثوس (٢) ٨/ ٨ - ١٠). ويقول بولس أيضًا وهو ينفي عن كلامه صفة القداسة: "١٧ الَّذِي أَتَكَلَّمُ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ بِحَسَبِ الرَّبِّ، بَلْ كَأَنَّهُ فِي غَبَاوَةٍ، فِي جَسَارَةِ الافْتِخَارِ هذه." (كورنثوس (٢) ١١/ ١٦ - ١٧).

стр. 940

وقد وردت هذه الكلمات ضمن سياق مهم يصرخ بأن هذا الكلام رسالة شخصية لا علاقة لله به، إذ يقول: "١٦ أَقُولُ أيضًا: لَا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنِّي غَبِيٌّ. وَإِلَّا فَاقْبَلُوني وَلَوْ كَغَبِيٍّ، لأَفْتَخِرَ أَنَا أيضًا قَلِيلًا. ١٧ الَّذِي أَتَكَلَّمُ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ بِحَسَبِ الرَّبِّ، بَلْ كَأَنَّهُ فِي غَبَاوَةٍ، فِي جَسَارَةِ الافْتِخَارِ هذِهِ. ١٨ بِمَا أَنَّ كَثِيرِينَ يَفْتَخِرُونَ حَسَبَ الجسَدِ، أَفْتَخِرُ أَنَا أيضًا. ١٩ فَإِنَّكُمْ بِسُرُورٍ تَحتَمِلُونَ الأَغْبِيَاءَ، إِذْ أَنْتُمْ عُقَلَاءُ! ٢٠ لأَنَّكُمْ تَحْتَمِلُونَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْتَعْبِدُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْكُلُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْخُذُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَرْتَفِعُ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَضْرِبُكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ! ٢١ عَلَى سَبِيلِ الهَوَانِ أَقُولُ: كَيْفَ أَنَّنَا كُنَّا ضُعَفَاءَ! وَلكِنَّ الَّذِي يَجْتَرِئُ فِيهِ أَحَدٌ، أَقُولُ فِي غَبَاوَةٍ: أَنَا أيضًا أَجْتَرِئُ فِيهِ. ٢٢ أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أيضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أيضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أيضًا. ٢٣ أَهُمْ خُدَّامُ المُسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ" (كورنثوس (٢) ١١/ ١٥ - ٢٤)، فهل أوحي إليه أن يصف نفسه حال بلاغه للوحي أنه مختل العقل وأنه غبي. ويقول متحدثًا إلى مستمعيه متلطفًا لهم: "١ لَيْتكُمْ تَحْتَمِلُونَ غَبَاوَتِي قَلِيلًا! " (كورنثوس (٢) ١١/ ١)، فهل أوحى الله له أن يصف نفسه بالغباء، وهل يعتذر الله ويخشى أن يكون ملهَمه قد أثقل على أولئك الذين يقرؤون رسالته. ٣ - أحداث مهمة لا يصح أن يذهل عنها الملهَم: ومما يردّ دعوى الإلهام ذهول بعض الإنجيليين عن ذكر أحداث هامة رغم اجتماعهم على ذكر أحداث لا قيمة لها. ومن ذلك أن الإنجيليين أجمعوا على ذكر حادثة ركوب المسيح على الجحش وهو يدخل أورشليم (١)، لكن الإنجيليين ذهلوا عن تسجيل أحداث مهمة، فلم يسجل أول معجزات المسيح - وهو معجزة تحويل الماء إلى خمر - على أهميتها إلا واحد منهم (انظر يوحنا ٢/ ١ - ١١)، فهل كان ركوب المسيح الجحش أهم من هذه المعجزة الباهرة؟ !

стр. 941

وهل هو أيضًا أهم من معجزة إحياء لعاذر أمام الجموع الكثيرة التي آمنت به بعد ذلك؟ ، فقد ذهل عن تسجيله الإنجيليون فيما عدا يوحنا (يوحنا ١١/ ١ - ٤٦) ولن يكون ركوب المسيح الجحش وهو يدخل أورشليم - بحال من الأحوال - أهم من وصيته التي تضمنت دعوة الأمم إلى اتباع الشريعة وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس، وهو عمدة النصارى في إثبات عقيدة التثليث، فقد انفرد بذكره متى العشار (انظر متى ٢٨/ ١٩)، دون بقية الإنجيليين الذين لم يسجلوا هذا النص الفريد والمهم. وصعود المسيح إلى السماء حدث بالغ الأهمية، ومع أهميته لم يذكره التلميذان متى ويوحنا اللذان يفترض أنهما شاهدا المسيح وهو يصعد للسماء، بينما ألهم لوقا ومرقس - الغائبان يومذاك - ذكر هذا الخبر! ! والحقيقة أن أحدًا من الإنجيليين لم يلهم كتابة خبر الصعود، لأن خبر الصعود قد أضيف فيما بعد، كما اعترفت بذلك لجنة تنقيح الكتاب المقدس التي أصدرت النسخة (R.S.V) وكذلك ذهل الكتاب الملهمون عن ذكر قدرة التلاميذ على مغفرة الذنوب، فيما عدا يوحنا (انظر يوحنا ٢٣/ ٢٠)، يوحنا الذي يستغرب منه أنه لم يذكر شيئًا عن العشاء الأخير على أهميته وشهوده له إبان حياة المسيح. وكذلك لم يسجلوا زيارة المجوس للمسيح وسجودهم له، بينما سجلها متى (متى ٢/ ١ - ١٢)، وكان الوحيدَ الذي كتب عن سفر المسيح وأمه لمصر. (انظر متى ٢/ ١٤)، وكل هذا مما ينقض دعوى الإلهام، إذ لا يليق بالملهِم أن يغفل عن إلهام التلاميذ هذه الأمور المهمة. (١) ٤ - إنكار المحققين لإلهامية كتبة العهد الجديد وهذه المواضع التي ذكرناها وغيرها دفعت بعض فرق النصارى وبعض مقدميهم وغيرهم من المحققين لإنكار إلهامية الأناجيل والرسائل. ويقول مؤلفو الترجمة السكونية: "جمع المبشرون وحرروا، كل حسب وجهة نظره

стр. 942

الخاصة ما أعطاهم إياه التراث الشفهي" فليس ثمة إلهام إذن. ويقول لوثر مؤسس مذهب البرتستانت عن رسالة يعقوب: "إنها كلّاء .. هذه الرسالة وإن كانت ليعقوب .. إن الحواري ليس له أن يعين حكمًا شرعيًا من جانب نفسه، لأن هذا المنصب كان لعيسى ﵇ فقط"، فقول لوثر هذا يُفهم منه عدم اعتباره ليعقوب الحواري ملهمًا. ويقول ريس في دائرة معارفه في المجلد التاسع عشر من هذا الكتاب: "إن الناس قد تكلموا في كون الكتب المقدسة إلهامية، وقالوا: إنه يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط واختلافات ........ " (١) وقال أيضًا: "والكتب التي كتبها تلاميذ الحواريين - مثل إنجيل مرقس ولوقا وكتاب الأعمال - توقف ميكايلس في كونها إلهامية". (٢) ويقول حبيب سعيد في كتابه "سيرة رسول الجهاد" منبهًا إلى حقيقة هامة وصحيحة عن بولس: "لم يدر بخلده عند كتابتها - أو على الأصح عند إملائها - أنه يسطر ألفاظًا ستبقى ذخرًا ثمينًا تعتز به الأجيال القادمة"، ويا للعجب، بولس لا يعلم بقدسية كلماته، بينما النصارى عنه يناضلون، وينسبون إليه ما لم ينسبه هو إلى نفسه. وفي الفاتيكان شكل البابا جون لجنة لدراسة الإنجيل برئاسة العلامة هانز كومب، وبعد دراسة متأنية، قررت اللجنة: "أن الإنجيل كلام بشر، وأنه لا يوجد دليل على أن الإنجيل ينحدر مباشرة عن الله". المبحث الثاني: إبطال دعوى النبوة لكتبة العهد الجديد تمهيد: " ويزعم النصارى أيضًا أن الذين كتبوها - أي الأناجيل - رسل من بعد المسيح،

стр. 943

مبعوثون بها، يبشرون الناس بما فيها، ونحن نبحث وننظر هل هؤلاء رسل حقًّا قد ثبتت رسالتهم بدليل لا مجال للريب فيه؟ ". بداية لا يسلم المسلمون بأن أحدًا من الحواريين كان رسولًا، كما لم يصرح الإنجيليون فيما سوى بولس بذلك. "إننا نبحث في مراجعهم فلا نجد مرجعًا صحيحًا قرر أن هؤلاء قد ادعوا مثل هذه الرسالة، ودعوا الناس إلى الإيمان بها، ومعهم البرهان عليها، والدليل القائم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". (١) "والمسلمون لا يؤمنون بالشهادات التي جعلت النصارى يقولون بنبوتهم، كما لا يؤمنون بغشيان روح القدس لهم بعد خمسين يومًا من صعود المسيح، ذاك الحدث الغريب الذي سجله لوقا، حين قال: "٤ وَامْتَلأَ الجمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا." (أعمال ٢/ ٤). كما لا يؤمن المسلمون بالمعجزات التي تنسبها إليهم تلك الأسفار، فكل هذه الأخبار لم ترد في دليل له اعتبار عندنا." (٢) "وأما المنسوب إلى بطرس في رسالته الثانية "٢١ لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نبوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ الله الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (بطرس (٢) ١/ ٢١)، وهو النص الذي يعتبره النصارى أصرح أدلتهم على إلهامية الكتبة ونبوتهم، فلا يصلح في الدلالة على إلهام الإنجيليين لأمور: أهمها أن هذه الرسالة لا تثبت نسبتها إلى بطرس ولا إلى أحد من أبناء الجيل المسيحي الأول. وأيضًا لو سلمنا بصدق نسبة الرسالة إلى التلميذ بطرس، فإن بطرس قد مات قبل أن يدون مرقس (أول الإنجيليين تدوينًا) ثم بقية الإنجيليين كتاباتهم، فليس هؤلاء مَن تحدث عنه بطرس، إذ لا يعقل أن يوثق بطرس كتابات لم تكن قد كتبت بعد.

стр. 944

كما أن بطرس لم ينص على أسماء الإنجيليين، ولا يُدرى مقصوده، فلعله كان يقصد بعض الكثيرين الذين كتبوا حينذاك، ثم اعتبرت الكنيسة كتاباتهم مزيفة." (١) هل يليق هذا بالأنبياء ؟ وتمتلئ الأناجيل والأسفار بالدلائل التي تكذب القول بإلهامية هؤلاء الذين ينبغي أن تعرض نبوتهم على الميزان الذي اقتبسه تلاميذ المسيح من معلمهم، فقد جاء في رسالة يوحنا الأولى: "١ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لَا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ الله؟ لأَنَّ أنبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالمِ." (يوحنا (١) ٤/ ١). وبتطبيق هذا النص يتضح الآتي: ١ - يهوذا الخائن: هل يليق أن يكون يهوذا - الذي عُد من الاثني عشر تلميذًا الذين أرسلهم المسيح خائنا ويبيع المسيح بثلاثين من الفضة؟ فمثل هذه الخيانة لا تصدر عن الرسل، وهي دليل يمنع دعوى نبوة ورسالة التلاميذ. ٢ - بطرس اللئيم: كما لا يصدر عن الأنبياء والرسل ما فعله بطرس عندما تخلى عن المسيح وأنكره في ليلة من أصعب الليالي ثلاث مرات (انظر لوقا ٢٢/ ٣٤)، ولوقا يقول على لسان المسيح: "٩ وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ الله." (لوقا ١٢/ ٩)، إن هذا الإنكار دعا القس إبراهيم سعيد إلى وصف بطرس بأنه "الغارق في بحر الكفر" (٢)، ولم يشفع له طول صحبته للمسيح. ٣ - بطرس الشيطان: كيف يكون الرسول الملهم الممتلئ من الروح القدس شيطانًا؟ " ٢٣ فَالْتَفَتَ وَقَال لِبُطْرُسَ: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لَا تَهْتَمُّ بِمَا لله لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ". " (متى ١٦/ ٢٣).

стр. 945

٤ - بطرس قليل الإيمان: ويقول المسيح عن بطرس أيضًا: "وَقَال لَهُ: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟ "" (متى ١٤/ ٣١)، لذا اندفع القديس أكستاين للقول عن بطرس: "إنه كان غير ثابت؛ لأنه كان يؤمن أحيانًا ويشك أحيانًا". ٥ - بقية التلاميذ: وإذا قيل هذا في بطرس فماذا عساه يقال عن بقية التلاميذ والحواريين؟ وهل كانوا أفضل حظًّا وأحسن شأنًا؟ نجد أن العهد الجديد يخبرنا بأنهم هم أيضًا كانوا قليلي الإيمان، فقد وصفهم المسيح بذلك مرارًا، يقول متى: "٢٥ فَتَقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: "يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ! " ٢٦ فَقَال لَهُمْ: "مَا بَالكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ "" (متى ٨/ ٢٥ - ٢٦). ولما أمرهم بالتحرز من خمير اليهود خاطب التلاميذ ": "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزًا؟ أَحَتَّى الآنَ لَا تَفْهَمُونَ؟ " (متى ١٦/ ٨). وفي موطن آخر قال لهم: "٢٨ فَإِنْ كَانَ الْعُشْبُ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الحَقْلِ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ الله هكَذَا، فَكَمْ بِالحَرِيِّ يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلي الإِيمَان؟ " (لوقا ١٢/ ٢٨)، (وانظر مرقس ٤/ ٤٠، ومتى ٦/ ٣٠)، فهل مثل هؤلاء يعتد بروايتهم وتأليفاتهم فضلًا عن اعتبارها من وحي الله؟ لكن الداهية الدهياء في شهادة المسيح عليهم لما عجزوا عن شفاء المصروع، وجاءوا للمسيح ﵇ شاكين مستفسرين: "١٩ ثُمَّ تَقَدَّمَ التَّلَامِيذُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى انْفِرَادٍ وَقَالوا: "لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟ " ٢٠ فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ." (متى ١٧/ ١٩ - ٢٠)، فهل هؤلاء الذين لا يملكون من الإيمان حبة خردل أنبياء وأمناء على تسجيل وحي الله؟ معجزات التلاميذ لا تصلح دليلًا على النبوة:

стр. 946

وإذا كان اعتبار النصارى لهؤلاء التلاميذ أنبياء لمجرد أن قاموا ببعض المعجزات التي لم تقترن بدعوى النبوة منهم، فهذا لا يكفي في تقرير نبوتهم وعصمتهم، "ودعوى العصمة في كل واحد من الحواريين وأنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى ﵉ دعوى ممنوعة وهي باطلة وإنما هم رسل المسيح ﵇ بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد ﷺ ، وأكثر النصارى أو كثير منهم أو كلهم يقولون هم رسل الله وليسوا بأنبياء وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم وإن كانت له خوارق عادات كأولياء الله من المسلمين وغيرهم فإنه وإن كانت لهم كرامات من الخوارق فليسوا معصومين من الخطأ، والخوارق التي تجري على يدي غير الأنبياء لا تدل على أن أصحابها أولياء الله عند أكثر العلماء فضلا عن كونهم معصومين ... ". (١) "وأيضًا تذكر الأسفار المقدسة أن المعجزات والآيات قد تعطى للكاذبين الذين يدعون النبوة، فالمسيح قال: " ٢٤ لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ المُخْتَارِينَ أيضًا. ٢٥ هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ. " (متى ٢٤/ ٢٤ - ٢٥)، كما أن لوقا لم يثبت أن له معجزة، وكذلك مرقس. كما أن الأعاجيب لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب، إذ كل مؤمن - حسب الإنجيل - يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، فقد نقل متى عن المسيح قوله: "٢٠ فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُول لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَان مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ." (متى ١٧/ ٢٥). تقول الرهبانية اليسوعية في تعليقها على هذه الفقرة: "بإمكان المؤمن على مثال الله نفسه أن ينقل جبلًا من الجبال". وقال: "١٢ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أيَضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي." (يوحنا ١٤/ ١٢)، فكل مؤمن من

стр. 947

النصارى يقدر على صنع معجزات المسيح، بما فيها إحياء الموتى وشفاء المرضى، لا بل يقدر على أعظم منها! ! أما التفسير التطبيقي فقد أُحرج مفسروه من هذا النص الذي أخجل تواضعهم، إذ لا يليق بالتلاميذ وبالمؤمنين صنع معجزات أكبر وأعظم من معجزات المسيح، فقالوا: "لم يقل الرب يسوع: إن تلاميذه سيصنعون معجزات أعظم روعة، فإقامة الموتى هي أقصى ما نستطيع" إن غاية ما يقدرون عليه هي إحياء الموتى. ويقول المسيح ﵇ محذرًا من الأنبياء الكذبة: "فأجاب يسوعُ وَقَال لَهُمْ: "انْظُرُوا! لَا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. ٥ فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ المُسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرينَ" ... لأنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ المُخْتَارِينَ أيضًا." (متى ٢٤/ ٤ - ٢٥). وقد حذر المسيح ﵇ من خداع هؤلاء الكذبة للعوام بما يزعمونه من معجزات وإيمان بالمسيح وادعاء أنهم على دينه، وبيَّن المسيح كيفية معرفة هؤلاء الكذبة حين قال: "لَيْسَ كُلّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ٢٢ كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَليْسَ بِاسْمِكَ تَتَبَّأَنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ ٢٣ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلي الإِثْمِ! ١١ (متى ٧/ ٢١ - ٢٤). وأخيرًا، فإن إنسان الخطيئة يصنع الكثير من المعجزات والعجائب، من غير أن يعني ذلك صدقه أو نبوته، يقول عنه بولس: "٩ الَّذِي مجَيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآياتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ" (تسالونيكي (٢) ٢/ ٩)." (١) النبوة حسب الكتاب المقدس لا تقتضي العصمة من الكذب في البلاغ: " ثم إن كون التلاميذ من الأنبياء لا يعني بالضرورة - حسب المعتقدات النصرانية -

стр. 948

عصمتهم عن الخطأ في البلاغ أو حتى الكذب، ودليل ذلك ما نسبه سفر الملوك إلى أحد الأنبياء من الكذب بالبلاغ " ١١ وَكَانَ نَبِيٌّ شَيْخٌ سَاكِنًا فِي بَيْتِ إِيلَ، فَأَتَى بَنُوهُ وَقَصُّوا عَلَيْهِ كُلَّ الْعَمَلِ ائَذِي عَمِلَهُ رَجُلُ الله ذلِكَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِ إِيلَ، وَقَصُّوا عَلَى أَبِيهِمِ الْكَلَامَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ. ١٢ فَقَال لَهُمْ أَبُوهُمْ: "مِنْ أَيِّ طَرِيق ذَهَبَ؟ " وَكَانَ بَنُوهُ قَدْ رَأَوْا الطَّرِيقَ الَّذِي سَارَ فِيهِ رَجُلُ الله الذَّي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا. ١٣ فَقَال لِبَنِيهِ: "شدُّوا لِي عَلَى الِحمَارِ". فَشَدُّوا لَهُ عَلَى الحمَارِ فَرَكِبَ عَلَيْهِ ١٤ وَسَارَ وَرَاءَ رَجُلِ الله، فَوَجَدَهُ جَالِسًا تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ، فَقَال لَهُ: "أَأَنْتَ رَجُلُ الله الَّذِي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا؟ " فَقَال: "أَنَا هُوَ". ١٥ فَقَال لَهُ: "سِرْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ وَكُلْ خُبْزًا". ١٦ فَقَال: "لَا أَقْدِرُ أَنْ أَرْجعَ مَعَكَ وَلَا أَدْخُلُ مَعَكَ وَلَا أَكُلُ خُبْزًا وَلَا أَشْرَبُ مَعَكَ مَاءً فِي هذَا الْمَوْضِعِ، ١٧ لأَنَّهُ قِيلَ لِي بِكَلَامِ الرَّبِّ: لَا تَأْكُلْ خُبْزًا وَلَا تَشْرَبْ هُنَاكَ مَاءً. وَلَا تَرْجعْ سَائِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ". ١٨ فَقَال لَهُ: "أَنَا أيضًا نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي مَلَاكٌ بِكَلَامِ الرَّبِّ قَائِلًا: ارْجعْ بِهِ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ فَيَأْكُلَ خُبْزًا وَيَشْرَبَ مَاءً". كَذَبَ عَلَيْهِ. ١٩ فَرَجَعَ مَعَهُ وَأَكَلَ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ وَشَرِبَ مَاءً. " (ثم تحدث السفر عن عقوبة النبي المسكين الذي أطاع النبي الكذاب ظانًا إياه يحدثه بوحي الله وأمره) (الملوك (١) ١٣/ ١١ - ٢٩). ومثله نسب سفر الملوك الكذب في البلاغ عن الله إلى النبي أليشع، حين أرسل ملك أرام الملك بنهدد قائده حزائيل إلى أليشع، يسأله عن مرضه الذي هو فيه، فكذب النبي - وحاشا لنبي أن يكذب - في جوابه للملك، وقال لحزائيل: "١٠ فَقَال لَهُ أَلِيشَعُ: "اذْهَبْ وَقُلْ لَهُ: شِفَاءً تُشْفَى. وَقَدْ أَرَانِي الرَّبُّ أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتًا"." (الملوك (٢) ٨/ ١٠)، فقد أمره بإبلاغ سيده بغير الحقيقة التي أعلمه الله إياها، وكذب عليه! المبحث الثالث: بولس، حقيقته وأثره في الملة النصرانية . تمهيد: "وإن لبولس هذا لشأنًا في المسيحية، فهي تنسب إليه أكثر مما تنسب لأحد سواه فرسائله هي التي شرحتها" وقد كان - بنشاطه الجم، وتطوافه في الأقاليم مشرقًا ومغربًا،

стр. 949

لا يستقر في مكان على نية الإقامة فيه، بل على قصد في الرحيل إلى غيره - أشد دعاتها، وقد تأثر المسيحيون خطاه، وتعرفوا أخباره وأقواله، ما دونه منه في رسائله، وما ألقاه في الجموع وتناقلوه، وإن لم يدونه هو، وتأثروا أعماله فاحتذوا حذوه، وسلكوا مسلكه، واعتبروه القدوة الأولى" (١) وسنتكلم عنه من خلال عدة عناصر: أولًا: التعريف ببولس: ١ - " لقد ولد من عائلة يهودية أقامت بمدينة طَرَسُوس في سيليقيا ووجدت له بها رزقًا، وكانت طرسوس مدينة نشطة غاية في النشاط، تقع على نهاية حدود إقليم سيليقيا وتعتبر مفتتح سبل النفوذ إليه، كانت حلقة الاتصال بين هضبة آسيا الصغرى وبين الشام ومفرق الطرق التجارية الهامة التي تجلب إليها في آن واحد، من اليونان وإيطاليا وفريجيا وكابا دوسيا والشام وقبرص وفينيقيا ومصر، سيلًا لا ينقطع من الأفكار والعقائد والتأثيرات المختلفة." (٢) ولقد جاء التعريف به ضمن أعمال الرسل ومن خلالها نستطيع أن ننسق تعريفًا به: ٢ - تربى في أورشليم، واسمه الأصلي شاول، "، ومعناه: "مطلوب"، ثم سمى نفسه بعد تنصره "بولس"، ومعناه "الصغير" وهذا ما ورد عنه في ٢٢/ ٣: "فَقَال: ٣ "أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالائِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. " ٣ - ولقد جاء أيضًا أنه من الفريسيين الذين يقولون إن هناك قيامة يشاركون فيها ملك المسيح في الدنيا، فقد جاء في ٢٣: "٦ وَلمَّا عَلِمَ بُولُسُ أَنَّ قِسْمًا مِنْهُمْ صَدُّوقِيُّونَ وَالآخَرَ فَرِّيسِيُّونَ، صَرَخَ فِي الْمُجْمَعِ: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى

стр. 950

رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ". " ونجد كُتَّاب النصارى متفقين على أنه من اليهود، ولكن جاء في سفر أعمال الرسل أيضًا ما يدل على أنه روماني ففي (٢٢/ ٢٥ - ٢٦): " ٢٥ فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِّيَاطِ، قَال بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الْوَاقِفِ: "أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟ " ٢٦ فَإِذْ سَمِعَ قَائِدُ المئَةِ ذَهَبَ إِلَى الأَمِيرِ، وَأَخْبَرَهُ قَائِلًا: "انْظُرْ مَاذَا أَنْتَ مُزْمِعٌ أَنْ تَفْعَلَ! لأَنَّ هذَا الرَّجُلَ رُومَانِيٌّ". " فأنت تلاحظ بلا ريب التعارض الظاهر في أصل بولس، ولن نقف مع هذا طويلًا، فمهما يكن من أمر جنسه، فقد كان بولس هذا في صدر حياته من أشد أعداء المسيحية، وأبلغهم كيدًا لها، وأكثرهم إمعانًا في أذى معتنقيها ومن النصوص التي تثبت ذلك، ما جاء في أعمال الرسل (٨/ ١ - ٣): "وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الجْمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ. ٢ وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ اسْتِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً. ٣ وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالًا وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ. " وفي (٩/ ١ - ٢): "١ أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تهَدُّدًا وَقَتْلًا عَلَى تَلَامِيذِ الرَّبِّ، فتقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ ٢ وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (١) ولا تذكر المصادر النصرانية لقيا بولس المسيح، وأول ذكر لبولس فيما يتصل بالنصرانية شهوده محاكمة وقتل استفانوس أحد تلاميذ المسيح، ويذكر بولس أنه كان راضيًا عن قتله. (انظر أعمال ٨/ ١) فقد كان يهوديًّا معاديًا للمسيحيين الأوائل. (٢) ٤ - تحول بولس العجيب إلى النصرانية: ويقول سفر الأعمال إن ذلك الرجل الذي كاد للمسيحية هذا الكيد وآذى أهلها ذلك
следующие страницы →