← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وإذا كان اعتبار النصارى لهؤلاء التلاميذ أنبياء لمجرد أن قاموا ببعض المعجزات التي لم تقترن بدعوى النبوة منهم، فهذا لا يكفي في تقرير نبوتهم وعصمتهم، "ودعوى العصمة في كل واحد من الحواريين وأنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى ﵉ دعوى ممنوعة وهي باطلة وإنما هم رسل المسيح ﵇ بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد ﷺ ، وأكثر النصارى أو كثير منهم أو كلهم يقولون هم رسل الله وليسوا بأنبياء وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم وإن كانت له خوارق عادات كأولياء الله من المسلمين وغيرهم فإنه وإن كانت لهم كرامات من الخوارق فليسوا معصومين من الخطأ، والخوارق التي تجري على يدي غير الأنبياء لا تدل على أن أصحابها أولياء الله عند أكثر العلماء فضلا عن كونهم معصومين ... ". (١) "وأيضًا تذكر الأسفار المقدسة أن المعجزات والآيات قد تعطى للكاذبين الذين يدعون النبوة، فالمسيح قال: " ٢٤ لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ المُخْتَارِينَ أيضًا. ٢٥ هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ. " (متى ٢٤/ ٢٤ - ٢٥)، كما أن لوقا لم يثبت أن له معجزة، وكذلك مرقس. كما أن الأعاجيب لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب، إذ كل مؤمن - حسب الإنجيل - يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، فقد نقل متى عن المسيح قوله: "٢٠ فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُول لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَان مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ." (متى ١٧/ ٢٥). تقول الرهبانية اليسوعية في تعليقها على هذه الفقرة: "بإمكان المؤمن على مثال الله نفسه أن ينقل جبلًا من الجبال". وقال: "١٢ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أيَضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي." (يوحنا ١٤/ ١٢)، فكل مؤمن من

стр. 947

النصارى يقدر على صنع معجزات المسيح، بما فيها إحياء الموتى وشفاء المرضى، لا بل يقدر على أعظم منها! ! أما التفسير التطبيقي فقد أُحرج مفسروه من هذا النص الذي أخجل تواضعهم، إذ لا يليق بالتلاميذ وبالمؤمنين صنع معجزات أكبر وأعظم من معجزات المسيح، فقالوا: "لم يقل الرب يسوع: إن تلاميذه سيصنعون معجزات أعظم روعة، فإقامة الموتى هي أقصى ما نستطيع" إن غاية ما يقدرون عليه هي إحياء الموتى. ويقول المسيح ﵇ محذرًا من الأنبياء الكذبة: "فأجاب يسوعُ وَقَال لَهُمْ: "انْظُرُوا! لَا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. ٥ فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ المُسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرينَ" ... لأنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ المُخْتَارِينَ أيضًا." (متى ٢٤/ ٤ - ٢٥). وقد حذر المسيح ﵇ من خداع هؤلاء الكذبة للعوام بما يزعمونه من معجزات وإيمان بالمسيح وادعاء أنهم على دينه، وبيَّن المسيح كيفية معرفة هؤلاء الكذبة حين قال: "لَيْسَ كُلّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ٢٢ كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَليْسَ بِاسْمِكَ تَتَبَّأَنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ ٢٣ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلي الإِثْمِ! ١١ (متى ٧/ ٢١ - ٢٤). وأخيرًا، فإن إنسان الخطيئة يصنع الكثير من المعجزات والعجائب، من غير أن يعني ذلك صدقه أو نبوته، يقول عنه بولس: "٩ الَّذِي مجَيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآياتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ" (تسالونيكي (٢) ٢/ ٩)." (١) النبوة حسب الكتاب المقدس لا تقتضي العصمة من الكذب في البلاغ: " ثم إن كون التلاميذ من الأنبياء لا يعني بالضرورة - حسب المعتقدات النصرانية -

стр. 948

عصمتهم عن الخطأ في البلاغ أو حتى الكذب، ودليل ذلك ما نسبه سفر الملوك إلى أحد الأنبياء من الكذب بالبلاغ " ١١ وَكَانَ نَبِيٌّ شَيْخٌ سَاكِنًا فِي بَيْتِ إِيلَ، فَأَتَى بَنُوهُ وَقَصُّوا عَلَيْهِ كُلَّ الْعَمَلِ ائَذِي عَمِلَهُ رَجُلُ الله ذلِكَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِ إِيلَ، وَقَصُّوا عَلَى أَبِيهِمِ الْكَلَامَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ. ١٢ فَقَال لَهُمْ أَبُوهُمْ: "مِنْ أَيِّ طَرِيق ذَهَبَ؟ " وَكَانَ بَنُوهُ قَدْ رَأَوْا الطَّرِيقَ الَّذِي سَارَ فِيهِ رَجُلُ الله الذَّي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا. ١٣ فَقَال لِبَنِيهِ: "شدُّوا لِي عَلَى الِحمَارِ". فَشَدُّوا لَهُ عَلَى الحمَارِ فَرَكِبَ عَلَيْهِ ١٤ وَسَارَ وَرَاءَ رَجُلِ الله، فَوَجَدَهُ جَالِسًا تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ، فَقَال لَهُ: "أَأَنْتَ رَجُلُ الله الَّذِي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا؟ " فَقَال: "أَنَا هُوَ". ١٥ فَقَال لَهُ: "سِرْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ وَكُلْ خُبْزًا". ١٦ فَقَال: "لَا أَقْدِرُ أَنْ أَرْجعَ مَعَكَ وَلَا أَدْخُلُ مَعَكَ وَلَا أَكُلُ خُبْزًا وَلَا أَشْرَبُ مَعَكَ مَاءً فِي هذَا الْمَوْضِعِ، ١٧ لأَنَّهُ قِيلَ لِي بِكَلَامِ الرَّبِّ: لَا تَأْكُلْ خُبْزًا وَلَا تَشْرَبْ هُنَاكَ مَاءً. وَلَا تَرْجعْ سَائِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ". ١٨ فَقَال لَهُ: "أَنَا أيضًا نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي مَلَاكٌ بِكَلَامِ الرَّبِّ قَائِلًا: ارْجعْ بِهِ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ فَيَأْكُلَ خُبْزًا وَيَشْرَبَ مَاءً". كَذَبَ عَلَيْهِ. ١٩ فَرَجَعَ مَعَهُ وَأَكَلَ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ وَشَرِبَ مَاءً. " (ثم تحدث السفر عن عقوبة النبي المسكين الذي أطاع النبي الكذاب ظانًا إياه يحدثه بوحي الله وأمره) (الملوك (١) ١٣/ ١١ - ٢٩). ومثله نسب سفر الملوك الكذب في البلاغ عن الله إلى النبي أليشع، حين أرسل ملك أرام الملك بنهدد قائده حزائيل إلى أليشع، يسأله عن مرضه الذي هو فيه، فكذب النبي - وحاشا لنبي أن يكذب - في جوابه للملك، وقال لحزائيل: "١٠ فَقَال لَهُ أَلِيشَعُ: "اذْهَبْ وَقُلْ لَهُ: شِفَاءً تُشْفَى. وَقَدْ أَرَانِي الرَّبُّ أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتًا"." (الملوك (٢) ٨/ ١٠)، فقد أمره بإبلاغ سيده بغير الحقيقة التي أعلمه الله إياها، وكذب عليه! المبحث الثالث: بولس، حقيقته وأثره في الملة النصرانية . تمهيد: "وإن لبولس هذا لشأنًا في المسيحية، فهي تنسب إليه أكثر مما تنسب لأحد سواه فرسائله هي التي شرحتها" وقد كان - بنشاطه الجم، وتطوافه في الأقاليم مشرقًا ومغربًا،

стр. 949

لا يستقر في مكان على نية الإقامة فيه، بل على قصد في الرحيل إلى غيره - أشد دعاتها، وقد تأثر المسيحيون خطاه، وتعرفوا أخباره وأقواله، ما دونه منه في رسائله، وما ألقاه في الجموع وتناقلوه، وإن لم يدونه هو، وتأثروا أعماله فاحتذوا حذوه، وسلكوا مسلكه، واعتبروه القدوة الأولى" (١) وسنتكلم عنه من خلال عدة عناصر: أولًا: التعريف ببولس: ١ - " لقد ولد من عائلة يهودية أقامت بمدينة طَرَسُوس في سيليقيا ووجدت له بها رزقًا، وكانت طرسوس مدينة نشطة غاية في النشاط، تقع على نهاية حدود إقليم سيليقيا وتعتبر مفتتح سبل النفوذ إليه، كانت حلقة الاتصال بين هضبة آسيا الصغرى وبين الشام ومفرق الطرق التجارية الهامة التي تجلب إليها في آن واحد، من اليونان وإيطاليا وفريجيا وكابا دوسيا والشام وقبرص وفينيقيا ومصر، سيلًا لا ينقطع من الأفكار والعقائد والتأثيرات المختلفة." (٢) ولقد جاء التعريف به ضمن أعمال الرسل ومن خلالها نستطيع أن ننسق تعريفًا به: ٢ - تربى في أورشليم، واسمه الأصلي شاول، "، ومعناه: "مطلوب"، ثم سمى نفسه بعد تنصره "بولس"، ومعناه "الصغير" وهذا ما ورد عنه في ٢٢/ ٣: "فَقَال: ٣ "أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالائِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. " ٣ - ولقد جاء أيضًا أنه من الفريسيين الذين يقولون إن هناك قيامة يشاركون فيها ملك المسيح في الدنيا، فقد جاء في ٢٣: "٦ وَلمَّا عَلِمَ بُولُسُ أَنَّ قِسْمًا مِنْهُمْ صَدُّوقِيُّونَ وَالآخَرَ فَرِّيسِيُّونَ، صَرَخَ فِي الْمُجْمَعِ: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى

стр. 950

رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ". " ونجد كُتَّاب النصارى متفقين على أنه من اليهود، ولكن جاء في سفر أعمال الرسل أيضًا ما يدل على أنه روماني ففي (٢٢/ ٢٥ - ٢٦): " ٢٥ فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِّيَاطِ، قَال بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الْوَاقِفِ: "أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟ " ٢٦ فَإِذْ سَمِعَ قَائِدُ المئَةِ ذَهَبَ إِلَى الأَمِيرِ، وَأَخْبَرَهُ قَائِلًا: "انْظُرْ مَاذَا أَنْتَ مُزْمِعٌ أَنْ تَفْعَلَ! لأَنَّ هذَا الرَّجُلَ رُومَانِيٌّ". " فأنت تلاحظ بلا ريب التعارض الظاهر في أصل بولس، ولن نقف مع هذا طويلًا، فمهما يكن من أمر جنسه، فقد كان بولس هذا في صدر حياته من أشد أعداء المسيحية، وأبلغهم كيدًا لها، وأكثرهم إمعانًا في أذى معتنقيها ومن النصوص التي تثبت ذلك، ما جاء في أعمال الرسل (٨/ ١ - ٣): "وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الجْمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ. ٢ وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ اسْتِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً. ٣ وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالًا وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ. " وفي (٩/ ١ - ٢): "١ أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تهَدُّدًا وَقَتْلًا عَلَى تَلَامِيذِ الرَّبِّ، فتقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ ٢ وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (١) ولا تذكر المصادر النصرانية لقيا بولس المسيح، وأول ذكر لبولس فيما يتصل بالنصرانية شهوده محاكمة وقتل استفانوس أحد تلاميذ المسيح، ويذكر بولس أنه كان راضيًا عن قتله. (انظر أعمال ٨/ ١) فقد كان يهوديًّا معاديًا للمسيحيين الأوائل. (٢) ٤ - تحول بولس العجيب إلى النصرانية: ويقول سفر الأعمال إن ذلك الرجل الذي كاد للمسيحية هذا الكيد وآذى أهلها ذلك

стр. 951

الإيذاء، قد انتقل من الجبت والطاغوت إلى المسيحية فجأة من غير مقدمات تقدمت ذلك الانتقال، ولا تمهيدات مهدت له. (١) فيقول في (٩/ ٣ - ٦): "وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلًا لَهُ: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ " فَقَال: "مَنْ أَنْت يَا سَيِّدُ؟ " فَقَال الرَّبُّ: "أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ". ٦ فَقَالَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: "يَارَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟ " فَقَال لَهُ الرَّبُّ: "قُمْ وَادْخُلِ المدِينَةَ فَيُقَال لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ"." وكان مما قاله المسيح كما زعم: "لأَنِّي لهِذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى الله، حَتَّى يَنَالوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ المُقَدَّسِينَ. "أعمال الرسل ١٦/ ١٦ - ١٨). "ومكث بولس ثلاثة أيام في دمشق، ثم غادرها إلى العربية. (٢) ثم عاد إليها "ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا." (غلاطية ١/ ١٨). ثم بدأ دعوته في دمشق، فحاول اليهود قتله، فهرب إلى أورشليم، فرحب به برنابا، وقدمه للتلاميذ الذين يصفه أعمال الرسل بأنهم "يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ." (أعمال ٩/ ٢٦). ثم ذهب للدعوة في قيصرية (جنوب حيفا)، ثم سافر مع برنابا إلى آسيا الصغرى، ثم حضر مجمع أورشليم مع التلاميذ، ثم رجع إلى أنطاكيا، واختلف فيها مع برنابا بسبب (زعمته الأناجيل) وهو إصراره على اصطحاب مرقس معهما في رحلتهما التبشيرية، وعندها افترقا.

стр. 952

واستمر بولس يدعو إلى المسيحية في أماكن عدة من أوربا سجن خلالها مرتين، إحداهما في روما سنة ٦٤ م، ثم ثانيةً عام ٦٧، وقتل عام ٦٨ م. وتذكر بعض المصادر أنه أسر مرة واحدة عام ٦٤ م وفيها مات." (١) ثانيًا: أهمية بولس في الفكر النصراني " تقوم النصرانية المحرفة وعمادها الرئيس رسائل بولس، فقد كانت رسائله أول ما خط من سطور العهد الجديد، الذي جاء متناسقًا إلى حد ما مع هذه الرسائل، لا سيما إنجيل يوحنا، فيما رفضت الكنيسة النصرانية رسائل التلاميذ التي تتعارض مع نصرانية بولس التي طغت على النصرانية الأصلية التي نادى بها المسيح وتلاميذه من بعده. وهذا الأثر الذي تركه بولس في النصرانية لا يغفل ولا ينكر، مما حدا بالكاتب مايكل هارت في كتابه "الخالدون المائة" أن يجعل بولس أحد أهم رجال التاريخ أثرًا، إذ وضعه في المرتبة السادسة فيما وضع المسيح في المرتبة الثالثة. وقد برر هارت وجود النبي محمد ﷺ في المرتبة الأولى، وتقدمه على المسيح ﵇ الذي يعد المنتسبون لدينه الأكثر على وجه الأرض، فقال: "فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان. فالمسيح قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظراتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني. وأما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس"، ويقول هارت: "المسيح لم يبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس الذي يعتبر المسئول الأول عن تأليه المسيح". وقد خلت قائمة مايكل هارت من تلاميذ المسيح الذين غلبتهم دعوة بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، بينما كان الإمبراطور قسطنطين صاحب مجمع نيقية الذي تبنى رسميًا

стр. 953

القول بألوهية المسيح (٣٢٥ م) في المرتبة الثامنة والعشرين. (١) ثالثا: بعض الملامح في شخصية بولس كما وردت في رسائله: ولا بد من سبر هذه الشخصية الهامة في تاريخ المسيحية بقراءة الرسائل المنسوبة إليه أو ما جاء عنه في سفر أعمال الرسل، وعند قيامنا بهذا السبر سنجد عدة ملاحظات هامة: ١ - تناقضات قصة الرؤية والنبوة المزعومة: زعم بولس أنه لقي المسيح بعد ثلاث سنوات من رفعه، حين كان متجهًا إلى دمشق، لكن عند التحقيق في قصة رؤية بولس للمسيح يتبين أنها إحدى كذبات بولس وأوهامه، ودليل لذلك يتضح بالمقارنة بين روايات القصة في العهد الجديد، حيث وردت القصة ثلاث مرات: أولاها في أعمال الرسل (٩/ ٣ - ٢٢)، من رواية لوقا أو كاتب سفر الأعمال، والثانية من كلام بولس في خطبته أمام الشعب (انظر أعمال ٢٢/ ٦ - ١١)، والثالثة أيضًا من رواية بولس أمام الملك أغريباس (انظر أعمال ٢٦/ ١٢ - ١٨)، كما أشار بولس للقصة في مواضع متعددة في رسائله، ولدى دراسة القصة في مواضعها الثلاث يتبين تناقضها في مواضع: (٢) ١ - جاء في الرواية الأولى (أعمال ٩) "٧ وَأَمَّا الرِّجَال المُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَنْظُرُونَ أَحَدًا." (أعمال ٩/ ٧)، بينما جاء في الرواية الثانية (أعمال ٢٢): "٩ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا النُّورَ وَارْتَعَبُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي. " (أعمال ٢٢/ ٩)، فهل سمع المسافرون الصوت؟ أم لم يسمعوه؟ . ٢ - جاء في الرواية الأولى والثانية أن المسيح طلب من بولس أن يذهب إلى دمشق حيث سيخبَر هناك بالتعليمات: "فَقَال لَهُ الرَّبُّ: "قُمْ وَادْخُلِ المُدِينَةَ فَيُقَال لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي

стр. 954

أَنْ تَفْعَلَ"." (أعمال ٩/ ٦)، وفي الثانية: "١٠ فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَارَبُّ؟ فَقَال لِي الرَّبُّ: قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُنَاكَ يُقَال لَكَ عَنْ جَمِيعِ مَا تَرَتَّبَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ." (أعمال ٢٢/ ١٠). بينما يذكر بولس في الرواية الثالثة (أعمال ٢٦) أن المسيح أخبره بتعليماته بنفسه، فقد قال له: "لأَنِّي لهِذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بَما رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، ... " (أعمال ٢٦/ ١٦ - ١٨). ٣ - جاء في الرواية الثانية أن المسافرين مع بولس "نَظروا النُّورَ وَارْتَعَبُوا" (أعمال ٢٢/ ٩)، لكنه في الرواية الأولى يقول: "يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَنْظُرُونَ أَحَدًا." (أعمال ٩/ ٧). ٤ - جاء في الرواية الأولى والثانية أن بولس "فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ" (أعمال ٩/ ٤)، بينما المسافرون وقفوا، وفي الرواية الثالثة أن الجميع سقطوا، فقد جاء فيها "فَلَمَّا سَقَطْنَا جَمِيعُنَا عَلَى الأَرْضِ" (أعمال ٢٦/ ١٤). ٥ - جاء في الرواية الأولى "أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، " (أعمال ٩/ ٣)، ومثله في الرواية الثانية (انظر أعمال ٢٢/ ٦)، غير أن الرواية الثالثة تقول: "قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي." (أعمال ٢٦/ ١٣). فحدث بهذه الأهمية في تاريخ بولس ثم النصرانية لا يجوز أن تقع فيه مثل هذه الاختلافات، "وإن تقديم شهادتين مثل هاتين (الرواية الأولى والثالثة) أمام محكمة ابتدائية في أي قضية، ولتكن حادثة بسيطة من حوادث السير على الطرق لكفيل برفضهما معًا، فما بالنا إذا كانت القضية تتعلق بعقيدة يتوقف عليها المصير الأبدي للملايين من البشر" (١)، إذ بعد هذه الحادثة أصبح شاول الرسول بولس مؤسس المسيحية الحقيقي. لكن إذا أردنا تحليل الهدف الذي جعل بولس يختلق هذه القصة فإنا نقول: يبدو أن بولس اندفع للنصرانية بسبب يأسه من هزيمة أتباع المسيح، فقد رآهم يثبتون على الحق

стр. 955

رغم فنون العذاب الذي صبه عليهم، وهذا الشعور واضح في قول بولس أن المسيح قال له: "صعب عليك أن ترفس مناخس" (أعمال ٢٦/ ١٤). ويُستغرب هنا كيف ينقل شخص من الكفر والعداوة إلى القديسية والرسالة من غير أن يمر حتى بمرحلة الإيمان؟ .، فمن الممكن تصديق التحول من فرط العداوة إلى الإيمان، أما إلى النبوة والرسالة من غير إعداد وتهيئة فلا، ومن المعلوم أن أحدًا من الأنبياء لم ينشأ على الكفر، فهم معصومون من ذلك. ولنا أن نتساءل كيف لبولس أن يجزم بأن من رآه في السماء وكلمه كان المسيح وليس غيره، إذ هو لم يلق المسيح طوال حياته. (١) ٢ - نفاقه وكذبه وتلونه كالحرباء: ومن الأمور التي وقف عليها المحققون في شخصية بولس تلونه ونفاقه واحترافه للكذب في سبيل الوصول لغايته. فهو يهودي فريسي ابن فريسي (انظر أعمال ٢٣/ ٦)، لكنه عندما خاف من الجلد قال: "قَال بُولُسُ لِقَائِدِ المِئَةِ الْوَاقِفِ: "أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟ " (أعمال ٢٢/ ٢٥). وبولس يستبيح الكذب والتلون للوصول إلى غايته فيقول: "٢٠ فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَللَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. ٢١ وَللَّذِينَ بِلَا نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلَا نَامُوسٍ - مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلَا نَامُوسٍ لله، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ - لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلَا نَامُوسٍ. ٢٢ صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا." (كورنثوس (١) ٩/ ٢٠ - ٢٢). ويستبح بولس الكذب فيقول: "٧ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ الله قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أنا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟ " (رومية ٣/ ٧).

стр. 956

ومن نفاقه وتلونه تزلفه لحكام روما الوثنيين واعتبارهم وسائر الحكام سلاطين موضوعين من قبل الله، ويمضي فيجعل الضرائب والجزية التي يفرضونها حقًّا مشروعًا لهم، فيقول: "١ لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلَاطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنَ الله، وَالسَّلَاطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ الله، ٢ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ الله، وَالمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً .... ٦ فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هذَا تُوفُونَ الجزْيَةَ أيضًا، إِذْ هُمْ خُدَّامُ الله مُواظِبُونَ عَلَى ذلِكَ بِعَيْنِهِ. فَأَعْطُوا الجْمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الجزْيَةَ لمِنْ لَهُ الجِزْيَةُ. الجِبَايَةَ لَمِنْ لَهُ الجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لمِنْ لَهُ الإِكْرَامُ." (رومية ١٣/ ١ - ٧). ٣ - غروره: وتمتلئ رسائل بولس بثنائه على نفسه ومن ذلك قوله: "بُولُسُ، رَسُولٌ لَا مِنَ النَّاسِ وَلَا بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ المسِيحِ وَالله الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غلاطية ١/ ١)، وفي رسالة أخرى يقول: "بُولُسُ، عَبْدُ الله، وَرَسُولُ يَسُوعَ المسِيحِ .... وَإِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ، بِالْكِرَازَةِ الَّتِي اؤْتُمِنتُ أَنَا عَلَيْهَا، بِحَسَبِ أَمْرِ مُخَلِّصِنَا الله" (تيطس ١/ ١ - ٣). ويظن بولس أن عنده روح الله فيقول: "وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أيضًا عِنْدِي رُوحُ الله." (كورنثوس (١) ٧/ ٤٠). ويرتفع بنفسه إلى درجة القديسين الذين - كما يرى - سيدينون العالم بما فيهم الملائكة فيقول: "أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالمَ؟ .... أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلَائِكَةً" (كورنثوس (١) ٦/ ٢ - ٣) فهو سيدين الملائكة الذين كان قد ذكر بأن المسيح دونهم بقليل (انظر عبرانيين ٢/ ٩)، ويقول أيضًا مفاخرًا بنفسه: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلَا لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي المحَبَّةِ" (أفسس ١/ ٤). (١) ٤ - عدم تلقيه الدين والهدي من تلاميذ المسيح: ورغم أن بولس لم يلق المسيح فإنه يعتبر نفسه في مرتبة التلاميذ، لا بل يفوقهم "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ

стр. 957

مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلَا عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلَانِ يَسُوعَ المُسِيحِ .... أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لحْمًا وَدَمًا وَلَا صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أيضًا إِلَى دِمَشْقَ. ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ." (غلاطية ١/ ١١ - ١٩). ويؤكد بولس على تميزه عن سائر التلاميذ وانفراده عنهم، ويصفهم بقوله: "وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ المُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلَاسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي المُسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبدُونَا، الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلَا سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيلِ. وَأَمَّا المُعتَبَرُونَ أَنَّهُمْ شَيْءٌ - مَهْمَا كَانُوا، لَا فَرْقَ عِنْدِي، الله لَا يَأْخُذُ بِوَجْهِ إِنْسَانٍ - فَإِنَّ هؤُلَاءِ المُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ. بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الخِتَانِ." (غلاطية ٢/ ٤ - ٧). وهكذا يؤكد بولس بأن ما يحمله في تبشيره لم يتلقه عن تلاميذ المسيح، بل هو من الله مباشرة. رابعًا: اعترافات نصرانية بابتداع بولس لما قدمه " يقول الفيلسوف الروسي تولستوي: "إن بولس لم يفهم تعاليم السيد المسيح ولم يره قط في حياته، ومن ثم فلم يكن من حوارييه، وبالتالي لم يتلق تعاليمه منه مباشرة، الأمر الذي جعله يطمس هذه التعاليم بتفسيراته التعسفية، إن الأقوال الواردة في كتب العهد القديم، لا تدل على أن يسوع هو الله ولا ابن الله." وفي دراسة لسيببينوذا في العهد الجديد، ينتهي بعد تركيز شديد على موضوع واحد جوهري، وهو الفرق بين النبي عيسى والحواري بولس، أي بين الإنجيل وأعمال الرسل والرسائل. فمن ناحية الأسلوب، يختلف أسلوب النبي في الإنجيل عن أسلوب الحواري في الرسائل، يؤكد النبي في الإنجيل أنه يتحدث بناء على تفويض من الله، أما الحواري فإنه يتحدث باسمه، ويعبر عن آرائه الشخصية، والنبي لا يخطيء أما الحواري فيخطيء ويصيب. والنبوة من عند الله، أما رسالة الحواري فمن عنده.

стр. 958

النبوة يقينية ودعوة الحواري ظنية يمكن الشك فيها باعتراف الحواري نفسه. ومن حيث الطريقة في التعبير فإن النبي لا يستدل بل يتحدث معتمدًا على السلطة الإلهية، أما الحواري فيستدل ويناقش ويجادل ويحاجج. (١) "ويقول فريدرك جرانت: "من الواضح أن كلًّا من بولس الهلليني، ومتى المبشر اليهودي، له وجهة نظر تخالف الآخر فيما يتعلق بأعمال يسوع وتعاليمه". "ويقول تشارلز دود: "إن الرسائل البولسية كثيرا ما تعارض الأناجيل". ويقول هنتر: "إن رسالة يعقوب تظهر معارضة لتعاليم بولس في نوال البر بالإيمان". (٢) ويتساءل المحققون لماذا لم يذهب بولس بعد تنصره مباشرة إلى التلاميذ ليتلقى عنهم دين المسيح؟ بل ذهب إلى العربية ومكث بعيدًا عن التلاميذ ثلاث سنين، ثم لقي اثنين منهم فقط لمدة خمسة عشر يومًا. (انظر غلاطية ١/ ١٨ - ١٩). تقول دائرة المعارف البريطانية في الإجابة عن هذا السؤال: "إن ارتحاله إليها كان لحاجته إلى جو هادئ صامت يتمكن فيه من التفكير في موقفه الجديد، وإن القضية الأساس عنده هي تفسير الشريعة حسب تجاربه الحديثة". ويقول المؤرخ جامس كينون في كتابه "من المسيح إلى قسطنطين": "إنه ارتحل بعد تحوله الفكري إلى العربية، وكان الغرض المنشود من وراء ذلك -كما يبدو من التبشير- أن يدرس مضمونات عقيدته الجديدة، ثم ذهب بعد ذلك بثلاثة أعوام إلى أورشليم حتى يجتمع ببطرس ويعقوب". ويبرر جامس كينون موقف بولس فيقول: "كان بولس يؤمن أن الله قد وهبه ميدانًا محددًا للعمل، ولا يجوز لرجل أن يتدخل في شئونه ما دام روح الله بدورها هادية له". (٣)

стр. 959

ويعترف الفاتيكان إلى حد كبير بموقف بولس من المسيحية وعدم حرصه عليها، فقد جاء في كتاب نشره الفاتيكان سنة ١٩٦٨ بعنوان "المسيحية عقيدة وعمل" ما يلي: كان القديس بولس منذ بدء المسيحية ينصح لحديثي الإيمان أن يحتفظوا بما كانوا عليه من أحوال قبل إيمانهم بيسوع". وذلك أمر يستدعي الدهشة فليس لإنسان أن يسمح لمؤمن أن يظل على ما كان عليه قبل الإيمان، ولكن بولس لم يكن يهتم بالمسيحية، وكان تشويهها وتدميرها هدفا من أهدافه. (١) خامسًا: أخلاق بولس الرسول كما يرفض المحققون وسم النصارى لبولس بالرسول، إذ ليس له شاهد على دعواه النبوة إلا شهادته لنفسه بأنه رأى المسيح فجعله رسولًا، ومثل هذه الشهادة لا يعتد بها (انظر يوحنا ٥/ ٣١) كما قد رفض المحققون - كما أسلفنا - قصة تجلي المسيح له التي رواها عنه تلميذه لوقا في سفر أعمال الرسل لما فيها من تناقضات تبطل قدسيتها ووقوعها. كما وجد المحققون في أقوال بولس ما يستحيل أن يصدر من نبي ورسول. فمن ذلك: ١ - إساءته الأدب مع الله في قوله: "لأَنَّ جَهَالةَ الله أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ الله أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! " (كورنثوس (١) ١/ ٢٥)، فلا يقبل أن يقال بأن لله ضعفًا أو جهالةً من أحد، سواء كان رسولًا أو غير رسول، وصدور مثله عن الرسل محال، إذ هم أعرف الناس بربهم العليم القوي المتعال. ٢ - ومثله يقول بولس: "لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ الله." (كورنثوس (١) ٢/ ١٠). ويقول مستحلًا المحرمات: "١٢ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي"" (كورنثوس (١) ٦/ ١٢). يقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدس تعليقًا على هذه الفقرة: "استغلت الكنيسة هذا

стр. 960

القول أسوأ استغلال في أوقات كثيرة، فكان بعض المسيحيين يبررون الكثير من خطاياهم بالقول إن المسيح قد رفع كل خطية، فأصبح لهم الحرية أن يعيشوا كما يشاؤون". ٣ - إلغاء بولس للناموس، ومثل هذا الموقف لا يكون من الأنبياء والرسل الذين تأتي دعوتهم لتؤكد على طاعة الله وتدعو إلى السير وفق شريعته، يقول (١): "فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَال الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ (التوراة وشرائعها المختصة بالكهنوت اللاوي) مِنْ أَجْلِ ضَعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلكِنْ يَصِيرُ إِدْخَال رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى الله." (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩). ويقول مبررًا إلغاء نظام الكهنوت التوراتي: "فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذلِكَ الأَوَّلُ بِلَا عَيْبٍ لمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ." (عرانيين ٨/ ٧). ٤ - وصفه للناموس بالشيخوخة: "وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلَالِ." (عبرانيين ٨/ ١٣). ٥ - ضعفه أمام الشهوات بما لا يليق بأحوال الأنبياء، فيقول: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ ... لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ .. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي." (رومية ٧/ ١٥ - ٢٣). ٦ - اعتقاده أن شيطانًا قد وكل إليه أن يضربه، فيؤدبه لكي يتجنب الغرور: "رسول الشيطان وكل إليه بأن يلطمني لئلا أتكبر" (كورنثوس (٢) ١٢: ٧". (٢) وعجبًا أن تكون هذه الصفات في إنسان ثم يصبح رسولًا ومؤسس ديانة (٣). وأما المعجزات المذكورة له في الرسائل (أعمال ١٤/ ٣) (انظر قصة شفائه للمقعد في

стр. 961

أعمال ١٤/ ٨ - ١١)، وقصة إحيائه أفتيخوس في أعمال ٢٠/ ٩ - ١٢) فلا تصلح دليلًا على نبوته لأن المسيح أخبر بمقدم الكذبة المضلين الذين يصنعون العجائب، فقال محذرًا من الاغترار بمعجزاتهم: ": "انْظُرُوا! لَا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ المسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ .... وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ .... لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آياتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ المُخْتَارِينَ أيضًا." (متى ٢٤/ ٤ - ٢٥)، فقد يكون بولس أحد هؤلاء الكذابين الذين يعطون الآيات والعجائب، التي تضل حتى المختارين من التلاميذ. (١) كما أن الأعاجيب -وكما سبق- لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب، إذ كل مؤمن -حسب الإنجيل - يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، فقد نقل متى عن المسيح قوله: "فَالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الجْبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ." (متى ١٧/ ٢٠). وقال: "الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَال الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أيضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي." (يوحنا ١٤/ ١٢). ويقول يوحنا محذرًا من الأنبياء الكذبة: "، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا .... مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلَّا الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ المسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ" (يوحنا (١) ٢/ ٢٢). وقد حذر بطرس أيضًا فقال: "وَلكِنْ، كَانَ أيضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أيضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلَاكٍ .... " (بطرس (٢) ٢/ ١ - ٣). وهكذا كما قال المسيح عن هؤلاء المبطلين: "فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ." (متى ٧/ ٥ - ٢٣)، فقد كانت ثمار بولس بدع الهلاك التي أدخلها في المسيحية: ألوهية المسيح،

стр. 962

الصلب والفداء، عالمية النصرانية، إلغاء الشريعة. (١) سادسًا: موقف التلاميذ من بولس: وإذا كان بولس قد أنشأ البدع في النصرانية، وبدل دين المسيح كيفما شاء، فما هو موقف التلاميذ منه، وهل شاركوه التغيير والتبديل؟ بداية نذكر بأن بولس لم يتلق شيئًا من النصرانية من المسيح أو تلاميذه، فهو لم يصحبهم بل لم يُرَ منهم سوى بطرس ويعقوب ولمدة خمسة عشر يومًا، وذلك بعد ثلاث سنين من تنصره، ثم عاد مرة أخرى إلى أورشليم، وعرض عليهم ما كان يدعو به بعيدًا عنهم يقول بولس: "ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أيضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذًا مَعِي تِيطُسَ أيضًا. وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلَانٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ" (غلاطية ٢/ ١ - ٢) فماذا كان رد فعل التلاميذ؟ ". (٢) وفي دراسة للكاردينال دانيلو عما يسمى بالمسيحية اليهودية أو المسيحية الأولى، نجده يقول: "كونت مجموعة الحواريين الصغيرة بعد المسيح طائفة يهودية تمارس ديانة المعبد وتحفظ تعاليمها. إنهم يعتبرون بولس كخائن، وتصفه وثائق مسيحية يهودية بالعدو، وتتهمه بتواطؤ تكتيكي، ولكن المسيحية اليهودية كانت تمثل حتى عام ٧٠ م غالبية الكنيسة، وكان بولس منعزلًا في ذلك الوقت ... وإذا كان بولس أكثر وجوه المسيحية موضعًا للنقاش، وإذا كان قد اُعتبر خائنًا لفكر المسيح، كما وصفته بذلك أسرة المسيح والحواريون الذين بقوا في القدس حول يعقوب، فذلك لأنه كون المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح حوله لنشر تعاليمه. ولما لم يكن قد عرف المسيح في حياته، فقد برر لشرعية رسالته بأن أكد على أن المسيح بعد قيامته قد ظهر له على طريق دمشق" (٣)

стр. 963

"ويمكن تلخيص موقف الحواريين وأتباع عيسى الحقيقيين من أفكار بولس أن نقول: إن ثمت صراعًا ضخمًا قام بين بولس وأنصاره من جانب وبين المسيحيين من جانب آخر، وقد طال مدى هذا الصراع، وامتد قرونا بعد وفاة بولس، ونتائج هذا الصراع كانت مطابقة للمنطق والعقل، ففي جانب بولس كانت قلة محدودة جدًّا من المثقفين المسيحيين، وكثرة ساحقة من الجماهير وكان جانب المسيحيين الحقيقيين بالعكس أي كان معهم جماهير المثقفين وقلة من العامة، أما الطبقة الحاكمة فقد كانت ميولها في جانب بولس وأتباعه، وابتداء من مطلع القرن الرابع برزت هذه الميول وأصبحت تهديدًا صريحًا لاتجاهات بولس، وإلزاما للناس باتباعها. والذي يطالع رسائل بولس إلى الفليبيين والكولوسيين والغلاطيين ورسالته إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس يجد من ذلك الشيء الكثير، ويجد شيئًا آخر مهمًا هو سلوك بولس مع مخالفيه في الرأي وتحقيره لهم وإغراؤه بهم، وها هي صورة سريعة لهذا الصراع من هذه الأقوال." (١) يقول بولس وهو ينقل لنا ردود أفعال التلاميذ: "فَإِنَّ هؤُلَاءِ المُعْتَبرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ. بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الخِتَانِ .. أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ. غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ. وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ." (غلاطية ٢/ ٧ - ١٠). إذا كان ما يقوله بولس صحيحًا فإن التلاميذ أبعدوا بولس بعيدًا عن اليهود الذين بعث إليهم المسيح وأوصى تلاميذه مرة بعد مرة أن يقوموا بدعوتهم، وأما إرسال برنابا معه فيبدو أنه كان بقصد التوجيه والإصلاح لبولس، وهو يقوم بدعوة الوثنيين الغلف في الغرب. ثم يسجل بولس في رسائله آراء تلاميذ المسيح والمسيحيين في مبادئه الجديدة ودعوته فيقول: ١ - "أَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ فِي أَسِيَّا ارْتَدُّوا عَنِّي" (تيموثاوس (٢) ١/ ١٥)، وقد انفض عنه الجميع،

стр. 964

لذا يستنجد بتيموثاوس فيقول: "بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا، لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالمَ الحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالونِيكِي، وَكِرِيسْكِيسَ إِلَى غَلَاطِيَّةَ، وَتِيطُسَ إِلَى دَلمُاطِيَّةَ. لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي إِسْكَنْدَرُ النَّحَّاسُ أَظْهَرَ لِي شُرُورًا كَثِيرَةً. لِيُجَازِهِ الرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. فَاحْتَفِظْ مِنْهُ أَنْتَ أيضًا، لأَنَّهُ قَاوَمَ أَقْوَالنَا جِدًّا. فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الجَمِيعُ تَرَكُونِي. لَا يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ." (تيموثاوس (٢) ٤/ ٩ - ١٦)، "لمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ الْعَطَاءِ وَالأَخْذِ إِلَّا أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ." (فيلبي ٤/ ١٥). هجوم بولس على معارضيه: " والجواب على ذلك عجيب للغاية، فقد كان بولس قاسيًا عليهم حادًا، محقرًا شأنهم مغريًا بهم، ونحن نقتبس من رسائله نماذج تصور لنا موقف بولس من المسيحيين الآخرين: ١ - يحذر بولس أنصاره من التلاميذ فيقول: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أيضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ المُسِيحِ، الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلَاكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ"، (فيلبي ٣/ ١٧ - ١٩) لقد رفض كثيرون دعواه صلب المسيح، فكان عاقبتهم اتهامات بولس لهم بالغواية وسلوك طريق الهلاك. ٢ - وفي أنحاء متفرقة من رسائله يتحدث عن أولئك الرافضين لدعوته من غير أن يسميهم، فيقول في بعض ما تمتلئ به رسائله موصيًا تيموثاوس: "كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ، إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِبًا إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لَا يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلَا يُصْغُوا إِلَى خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لَا حَدَّ لَهَا، تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ الله الَّذِي فِي الإِيمَانِ. وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ المَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلَا رِيَاءٍ. " (تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٥). ٣ - ويقول معتبرًا نفسه صاحب التعاليم الصحيحة للمسيح الذي لم يلقه: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلَا يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ

стр. 965

الْكَلَامِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الحْسَدُ وَالخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ وَعَادِمِي الحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ. تَجَنَّبْ مِثْلَ هؤُلَاءِ." (تيموثاوس (١) ٦/ ٣ - ٥)، ويقول منددًا بمخالفيه: "اُنْظُرُوا الْكِلَابَ. انْظُرُوا فَعَلَةَ الشَّرِّ. انْظُرُوا الْقَطْعَ." (فيلبي ٣/ ٢). "وتعليقنا على هذه الألفاظ التي ذكرها بولس في رسائله ضد الحواريين هو الدهشة أن تصدر مثل هذه الألفاظ من داعية ديني". وعلى هذا المنوال تمتلئ رسائله بالهجوم على معارضيه من النصارى، فيتهمهم بسائر أنواع التهم من كفر ونفاق ... (انظر كولوسي ٤/ ١٠ - ١١، فيلبي ٢/ ١٩ - ٣١، تيطس ١/ ٩ - ١٣، تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٧، ٢/ ٢٣، ٦/ ٢٠ - ٣٤) وغيرها. ٤ - ويقول عن تلاميذ المسيح: "وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ المُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلَاسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي المُسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا، الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلَا سَاعَةً .... " (غلاطية ٢/ ٤ - ٥)، ومما يؤكد أن قصده التلاميذ لا غيرهم قوله: "الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلَا سَاعَةً". ٥ - وينال بولس من بعض تلاميذ المسيح الذين يقول عنهم المسيح: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ" (يوحنا ١٥/ ١٦)، لكن بولس ومدرسته لم تبق لهم ثمرًا، ولم تخلد لهم فكرًا ولا كتبًا، فيما سوى بعض الصفحات القليلة. ٦ - ويتهم بولس بطرس كبير الحواريين بالرياء فيقول: "وَلكِنْ لمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا ... وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أيضًا، حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أيضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ! لكِنْ لمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الجمِيعِ: "إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لَا يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟ " (غلاطية ٢/ ١١ - ١٤). ٧ - ويقول منددًا ومحذرًا من أولئك الذين تركوا دعوته: "وَأَمَّا الأَقْوَال الْبَاطِلَةُ

стр. 966

الدَّنِسَةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَكْثَرِ فُجُورٍ، وَكَلِمَتُهُمْ تَرْعَى كَآكِلَةٍ. الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَفِيلِيتُسُ، اللَّذَانِ زَاغَا عَنِ الحَقِّ، قَائِلَيْنِ: "إِنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ صَارَتْ" فَيَقْلِبَانِ إِيمَانَ قَوْمٍ." (تيموثاوس (٢) ٢/ ١٨). (١) سابعًا: موقف برنابا من بولس وأما موقف برنابا من بولس فهو في غاية الأهمية، إذ لبرنابا علاقة متميزة ببولس، إذ هو الذي قدمه للتلاميذ المتشككين في توبة شاول الذي اضطهد الكنيسة ثم ادعى النصرانية. (انظر أعمال ٩/ ٢٦)، ثم صحبه ست سنوات في رحلته التبشيرية في قبرص وأنطاكية، ثم اختلفا بعد ذلك، وانفصل كل منهما عن الآخر فما سبب الاختلاف؟ يقول سفر أعمال الرسل: "قَال بُولُسُ لِبَرْنَابَا: "لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ". فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أيضًا يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ، وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ، لَا يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا. فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ." (أعمال ١٥/ ٣٦ - ٣٩). ولكن هل يعقل أن يكون هذا هو السبب في مشاجرة برنابا وبولس؟ يرفض المحققون هذا التبرير، ويرون أن الأمر أكبر من ذلك، فهو كما يقول برنابا يعود إلى ضلالات بولس التي ينشرها في تبشيره، فقد جاء في مقدمة إنجيله: "كانوا عديمي التقوى والإيمان الذين ضلوا بدعوى التبشير بتعاليم المسيح ببث تعاليم أخرى شديدة الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم بولس" (برنابا، المقدمة/ ٢ - ٧). ويرفض المحققون ما جاء في أعمال الرسل في تحرير سبب الخصام بين برنابا وبولس، ويرونه محاولة لإخفاء السبب الحقيقي، وهو الذي ذكره برنابا في إنجيله.

стр. 967

ويستدلون لرأيهم بأنه لا يعقل أن ينفصل الصديقان ويتشاجران بسبب اختلافهما فيمن يرافقهما، خاصة أن بولس رضي فيما بعد برفقة مرقس، فقد أرسل إلى تيموثاوس يقول له: "خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ." (تيموثاوس (٢) ٣/ ١٠). وهو يوصي أخيرًا فيقول: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ المأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الَّذِي أَخَذْتُمْ لأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ." (كولوسي ٣/ ١٠). ورغم تراجع بولس عن عدم اصطحاب مرقس إلا أننا لم نسمع بتاتًا عن تحسن العلاقة بين بولس وبرنابا. وقد اعترف القس بتر سمث بأن الخلاف بين الرجلين كان خلافًا فكريًا. (١) إذن نستطيع القول بأن تلاميذ المسيح قد عارضوا دعوة بولس ووقفوا في وجهها، ودليل ذلك اختفاء ذكرهم عن عالم المسيحية بعد ظهور بولس، فقد اختفت كتاباتهم وحوربت، ولم ينج منها إلا إنجيل برنابا وإنجيل بطرس وإنجيل توما، إضافة إلى رسالة يعقوب المضمنة في رسائل العهد الجديد، والتي تمتلئ بمخالفة بولس وخاصة في مسألة الفداء. كما اختفى ذكر الحواريين والتلاميذ من أعمال الرسل إلا قليلًا، فلا نكاد نعرف شيئًا عن هؤلاء الذين أرسلهم المسيح وعن دعوتهم سوى ما نقل إلينا لوقا عن مقاومة أهل أنطاكية لتبشير بطرس المخالف لبولس، وعن رحلة برنابا مع بولس، ثم اختفاء ذكرهما من رسائل العهد الجديد بعد مشاجرتهما مع بولس. وهكذا فالعهد الجديد وضعه بولس وتلاميذه، وأبعدوا عنه كل ما يعترض نهجه وأفكاره، وطال هذا الإبعاد تلاميذ المسيح ورسله وحملة دينه إلى أمته. ومما سبق نستطيع القول: إن دعوة بولس لم تلق ترحيبًا من التلاميذ وأتباعهم الذين واجهوا فكره المنحرف بصرامة لم تمنعه من نشر أفكاره في آسيا بعيدًا عن تلاميذ المسيح

стр. 968

وأصفيائه الذين كانوا بحق حملة دينه والمبشرين بتعاليمه. (١) ثامنًّا: بدع بولس في النصرانية " لقد أدخل بولس على ديانته بعض تعاليم اليهود ليجذب له العامة من اليهود كما أدخل صورًا من فلسفة الإغريق ليجذب أتباعا له من اليونان، فبدأ يذيع أن عيسى منقذ ومخلص وسيد، استطاع الجنس البشري بواسطته أن ينال النجاة ... "لقد أحدث بولس في المسيحية أحداثًا خطيرةً، ... ، وفي كلمة واحدة خلق دينًا جديدًا وسلب له كلمة المسيحية فوضعها عليه، وطمس بذلك الديانة المسيحية الحقيقية." (٢) ونبرز هنا بإيجاز نقاطا كبيرة الأهمية كانت عماد ديانة بولس وهي تنقسم إلى قسمين: أولًا: بدع في العقيدة. ثانيًا: بدع في الشريعة. أولًا: بدع العقيدة: ١ - أن المسيحية ليست دينًا لبني إسرائيل فقط، بل هي دين عالمي. يقول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أيضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذًا مَعِي تِيطُسَ أيضًا. وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلَانٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ" (٢/ ١ - ٢). والشاهد في هذا النص هو اعتراف بولس الصريح بأنه يكرز أي (يبشر) ويذيع أقواله بين الأمم وليس فقط بين بني إسرائيل. وفي نفس الوقت نجد نصوصًا تعارض أقواله تلك بعمومية الدعوة المسيحية، من ذلك ما نسب إلى المسيح ﵇ أنه قال: ": "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ". (متى ١٥/ ٢٤). ويقول أيضًا: "هؤلَاءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: "إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لَا

стр. 969

تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لَا تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى ١٠/ ٥ - ٦). ٢ - التثليث ويتبع ذلك ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس. فمن البدع التي ابتكرها بولس في النصرانية أنه نقلها من التوحيد إلى تأليه المسيح ﵇، ثم تطورت بعد ذلك إلى ما هي عليه الآن من القول بالتثليث (الآب والابن والروح القدس) آلهة ثلاثة في واحد! ! ، وقد اكتمل القول بهذه العقيدة في "المجمع القسطنطيني الأول" عام ٣٨١ م، والذي تقرر فيه ألوهية الروح القدس". وبعد أن اختلق بولس القصة التي أراد أن يوهم بها المسيحييين بدأ يكرز في المجامع بأن المسيح ابن الله". (١) ٣ - كون عيسى ابن الله ونزوله ليضحي بنفسه تكفيرًا عن خطيئة البشر. وهذه أيضًا من الأمور التي ابتدعها بولس في عقائد المسيحية، والذي قد زعم بأن عيسى هو ابن الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وذلك ليصلب ويفدي البشر تكفيرًا عن الخطيئة التي انتقلت إليهم وراثيًا من أبيهم آدم لأكله من الشجرة المنهي عنها! ! يقول في رسالته لأهل غلاطية: "أَيُّهَا الْغَلَاطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لَا تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ المُسِيحُ بَيْنَكمْ مَصْلُوبًا" (٣/ ١) ويقول أيضًا: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يسُوعَ المسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالمِ." (رسالة بولس إلى أهل غلاطية (٦/ ١٤). ويقول في رسالته إلى أهل كولوسي: "شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ محَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا." (١/ ١٢ - ١٤). "والمسيحيون يحاولون التعليل لذلك: "بأن الله من صفاته العدل والرحمة، فبمقتضى عدله لا بد من أن يعاقب آدم وذريته لتلك الخطيئة، وبمقتضى الرحمة لابد أن يعفوا عنهم،

стр. 970

لذلك فإنه لا يمكن تخليص البشر من ذنبهم المتوارث إلا بنزول ابنه الوحيد وتجسده ليصلب ويتألم ويفدي البشر! ! ! ". (١) "وفي الحقيقة أن هذه العقيدة لا تستحق المناقشة، ففسادها بيِّن، والعقل السليم يرفضها، فإذا كان اللهُ محبةً لم ترك بني آدم هذه الفترة الطويلة من غير أن يغفر لهم ويكفر خطيئتهم؟ وإذا كان الآب عادلًا فكيف يعاقب الذرية من آدم إلى المسيح ﵇ بالبعد عن رحمته؟ وما ذنب الأبناء في إثم ارتكبه أبوهم؟ قال تعالى: "أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (النجم/ ٣٨)، وقال تعالى " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة ٨: ٧) " (٢) ٤ - قيامة عيسى من الأموات وصعوده ليجلس على يمين أبيه كما كان من قبل ليحكم ويدين البشر. ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول: "فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أيضًا: أَنَّ المُسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ" (١٥/ ٣ - ٤) وبولس هنا يحاول أن يؤكد ما يدعيه بأن ينسبه إلى الكتب، ولكن أي كتب؟ وأين هي هذه الكتب؟ فالإنجيل الأصلي للمسيح ﵇ مفقود، وليس هناك شاهد أوثق منه ... (٣) ثانيًا: بدع الشريعة: والمقصود بالشريعة: الفروع العملية كالعبادات والمعاملات وما إلى ذلك. وقد تناول تحريف بولس الشريعة المسيحية أيضًا، وتحريفه للشريعة تابع لتحريفه للعقيدة. ومن تحريفاته للشريعة: ١ - نسبة بعض أقواله للمسيح على أنها وحي منه وهو الإله وابن الإله كما يزعم -

стр. 971

تعالى الله عمل يقولون علوًا كبيرًا - وأحيانًا ينسب التشريع لنفسه بالعبارات الصريحة، فمثلًا يقول: "وَأَمَّا المُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لَا أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لَا تُفَارِقَ المُرْأَةُ رَجُلَهَا، وَإِنْ فَارَقَتْهُ، فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلَا يَتْرُكِ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لَا الرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلَا يَتْرُكْهَا. وَالمُرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلَا تَتْرُكْهُ. لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ المُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي المُرْأَةِ، وَالمُرْأَةُ غَيْرُ المُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ. وَإِلَّا فَأَوْلَادُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ." (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٧/ ١٠ - ١٥) ففي النص السابق تصريح واضح في أن بولس هذا ينسب التشريع لنفسه خاصة عندما يقول: "فَأَقُولُ لهمْ أَنَا، لَا الرَّبُّ". ٢ - ومن مظاهر تحريفه للشريعة أيضًا ما يلاحظ اليوم من وجود المزامير والأغاني والتراتيل في الكنائس، وهذا - بلا شك - لم يُؤْثر عن المسيح ﵇ ولم يأمر به ولا عن حوارييه وتابعيه، وإنما هو من ابتداع بولس المحرف. يقول في رسالته إلى أهل أفسس: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ، لله وَالآبِ." (٥/ ١٩ - ٢٠). ٣ - اختلاقه للشعيرة والتي تعرف لديهم الآن (بالعشاء الرباني). يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أيضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَال: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي المُكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي". كَذلِكَ الْكَأْسَ أيضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: "هذ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الجْدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي". فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ." (١١/ ٢٣ - ٢٦) ويعتقد بعض المسيحيين أن تناولهم لكسر الخبز الجاف وشربهم

стр. 972

لكأس الخمر أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح، والخمر يتحول إلى دمه! ! ففي إنجيل يوحنا نص على لسان المسيح: "أْنَا هُوَ الْخُبْزُ الحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالمِ". (٦/ ٥١) ويقول أيضًا: ": "الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ." (٦/ ٥٣). ولا يخفى ما في هذا الاعتقاد من تحريف وتخريف، وبعد عن الحقيقة لا سيما بعد تقدم العلوم في عصرنا الحاضر. ٤ - ومن تحريفاته في الشريعة أيضًا إلغاؤه فرضية الختان، واستبداله بأمر آخر وهو المعمودية. ومعناها كما يعرفها المسيحيون: "طقس الغسل بالماء رمزًا للنقاوة والانخراط في سلك طائفة ما" (١) ويقول قاموس الكتاب المقدس "والمعمودية في العهد الجديد تشبه الختان في العهد القديم، وكلاهما علامة على العهد ... ". (٢)

стр. 973

الفصل الثالث: المصادر الوثنية القديمة للعهد الجديد تمهيد: بعدما ثبت للمحققين عدم إلهامية الأناجيل والرسائل، وكذب الدعوى التي يروجها النصارى أن هذه الأناجيل إنما هي وحي الله الذي صاغه بعض البشر بعباراتهم وأساليبهم بعد أن ألهمهم روح القدس ما كانوا يكتبونه، تساءل المحققون عن مصدر هذه الأناجيل وعن علاقة مواد بعضها ببعض، وقدمت عدة نظريات للكشف عن هذا الأمر غاية ما يهمنا هنا الآن هو أن نثبت أن الوثنيات القديمة كانت مرجعًا مهمًا للإنجيليين وهم يصوغون قصتهم عن المسيح، خاصة تلك الأجزاء التي لم يشهدوها، كتلك المتعلقة بولادة المسيح أو صلبه المزعوم ومحاكمته. فقد نقل المحققون عن علماء تاريخ الديانات أوجه شبه كثيرة التقت فيها روايات الأناجيل مع أقوال الوثنيات البدائية - التي سبقت وجود المسيحية بقرون طويلة - عن آلهتهم المتجسدة. (١) أولًا: التثليث . ١ - عند الوثنيين: قال موريس: (٢) كان عند أكثر الأمم البائدة الوثنية تعاليم دينية جاء فيها القول باللاهوت الثالوثي؛ أي أن الإله ذو ثلاثة أقانيم. وقال (دوان): (٣) إذا أرجعنا البصر نحو الهند نرى أن أعظم وأشهر عباداتهم الاهوتية هو التثليث أي القول بأن الإله ذو ثلاثة أقانيم. ويدعون هذا التثليث بلغتهم (ترى مورتي)، وهي جملة مركبة من كلمتين سنسكريَّتين: أما (ترى) فمعناها: (ثلاثة)، و (مورتي) معناها: (هيئات) أو أقانيم، وهي (برهما وفشنو وسيفا) ثلاثة أقانيم غير منفكة عن الوحدة، وهي: الرب

стр. 974

والمخلص وسيفا، ومجموع هذه الأقانيم الثلاثة: إله واحد.". وقال موريس: (١) لقد وجدنا بأنقاض هيكل قديم، دكَّته مرور القرون، صنمًا له ثلاثة رؤوس على جسد واحد، والمقصود منه التعبير عن الثالوث." ويوجد في كتابات (زورستر) سانن الشرائع الفارسية، هذه الجملة: الثالوث الاهوتي مضيء في العالم، ورأس هذا الثالوث موناد." (٢) وورد مثل ذلك عن الأشوريين والفينيقيين والإسكندنافيين والدردين والتتر الوثنيين والمكسيكيين والهندوس ... وغيرهم الكثير". (٣) وأما التثليث عند النصاري: فقد ورد في رسالة يوحنا الأولى (٥/ ٧): "فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ." وورد في إنجيل يوحنا (١/ ١): "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله." ثانيًا: التشابه بين الوثنيات وأسفار العهد الجديد فيما يخص ولادة الآلهة (١) ولادة الإله (التجسد): قال (دوان) (٤): "ومن عقائد الوثنيين القدماء قولهم بتجسد أحد الآلهة ونزوله وسكنه معهم. قال توما موريس: "والهنديون يعظمون بلادهم لأنه ولد فيها الإله فشنو بالناسوت"

стр. 975

قال (دوان): "والإله بوذا المولود من العذراء مايا الذي يعبده بوذيو الهند وغيرهم يقولون عنه أنه ترك الفردوس، ونزل على الأرض، وظهر بالناسوت رحمة بالناس ... " والصينيون يعتقدون بآلهة تجسدت، منها: "فوهي وستين نونك"، وهوانكتي. "ويقول المصريون إن حورس المخلص ولد من العذراء "إيزيس" وأنه المنبثق الثاني من عامون، ويقولون الابن المولود، ويصورونه إما على يدي أمه أو على حضنها ... ". وكذلك اليونانيون كانوا يدعون أبطالهم في القرون الماضية آلهة وأولاد الآلهة، وأنهم ظهروا بالناسوت، ومن بعد موتهم انضموا مع الآلهة .... " قال دوان: "وكان الرومانيون يؤلهون ملوكهم ويعبدونهم ويقيمون لهم التماثيل". وقد اعتقد سكان رومية بألوهية سمعان السامري الملقب "ماغوس" أو "الساحر" وكان معاصرا للمسيح ﵇، وقالوا إنه عمل آيات وعجائب مدهشة". وكانت الأمم الساكنة بشمالى أوروبا كالاسوجبين والنروجيين والهولنديين وغيرهم يصفون أبطالهم بالألوهية وأنهم أولاد الإله "أودين"، وقد وصفوا الشعراء بالألوهية أيضًا. ويقولون إن تورهو أول مولود ولد من الإله أودين، ويقولون عن "بلددر" إنه: " الصالح" و"المخلص" و"ابن الإله أودين وأمه الإلهة فريجا". وكذا سكان المكسيك، ... ، يعبدون إلها مخلصا اسمه "كوتز لكوتل" ولد من عذراء بتول طاهرة ... "وأيضًا سكان "نيكازكو"، وسكان "البيرو"، وسكان اديو سيو كلفرينا" وغيرهم كثير كلهم يعتقدون بوجود الإله الذي حل في الناسوت. وأما عند النصاري: فكما هو مشهور عنهم أن مريم هي والدة الإله، كما ورد عند الوثنيين، وهم يتضرعون لها وينشدون لها الأناشيد تعظيما لها، ويتضرعون إليها في أيام مخصوصة يسمونها "الأيام المريمية"، ويلقبونها: "ملكة السماء، ووالدة الإله الممتلئة نعمة، وصاحبة المجد على الأرض وفي السماء وما شاكل ذلك من أوصاف التعظيم والتأليه، وجاء في إنجيل لوقا (١/ ٢٨): "وَقَال: "سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا المُنْعَمُ عَلَيْهَا! الرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ".

стр. 976

وقد صار القول بأنها والدة الإله في مجمع أفيسوس سنة ٤٣١ بعد المسيح. قال "دوان" ما ملخصه: "كما نجد عند الوثنيين والدات للإلهة يعظمونهن ويلقبونهن بألقاب التمجيد والتفخيم، كذلك نجد عند النصارى والدة للإله يعظمونها ويلقبونها بالألقاب التي يلقب الوثنيون بها والدات آلهتهم ... ". (١) (٢) ظهور النجوم عند ولادة الآلهة يقول بنصون في كتابه "الملاك المسيح" (٢): "لقد جاء في كتب البوذيين المقدسة عندهم أنه قد بشرت السماوات بولادة بوذا بنجم ظهر مشرقًا في الأفق، ويدعونه في هذه الكتب المذكورة "نجم المسيح" ومثل هذا نقله المؤرخ بيال. وأما المؤرخ ثورنتن في كتابه "تاريخ الصينيين" (٣)، فينقل أنه عند ولادة "يو" المولود من عذراء ظهر نجم في السماء دل عليه، ومثله حصل عند ولادة الحكيم الصيني لاوتز. يقول القس جيكس في كتابه "حياة المسيح": "وعم الاعتقاد في الحوادث الخارقة للعادة، وخصوصًا حين ولادة أو موت أحد الرجال العظام، وكان يشار إلى ذلك بظهور نجم أو مذنب أو اتصالات بين الأجرام السماوية". ولقد تحدث متى عن ولادة المسيح فقال: "وَلمَّا وُلدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ المُلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ المُشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "أَيْنَ هُوَ المُوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي المُشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ". فَلَمّا سَمِعُوا مِنَ الملِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي المشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا." (متى ٢/ ١ - ١١). وكما استدل الوثنيون بالنجوم على محل ولادة آلهتهم، كذلك فعل المجوس حينما ولد

стр. 977

يسوع المسيح، غير أننا لا نعلم إن كان ذلك النجم ذات النجم الذي دل الحكماء على محل ولادة أبناء الآلهة الذين مر ذكرهم، أم غيرها، كما أننا لا نعلم أنه هل كان من هذه النجوم المنتشرة في الفضاء البعيدة عنا ملايين الأميال والتي هي أعظم من الأرض بملايين المرات، أو صار إيجاده حديثا لأجل هذه الغاية خاصة، أي للدلالة على محل ولادته، وكم كانت مسافة اقترابه من الأرض، وكيف لم يحصل بإيجاده خلل في ناموس الجاذبية؟ ! . (١) (٣) الجنود السماوية التي أظهرت تسبيح الله وتقدسه عند ولادة أحد الآلهة ١ - عند الوثنيين: جاء في كتاب "فشنو بورانا" ما نصه: "عندما كانت العذراء ديفاكي حبلى بحامي العالم، مجَّدها الآلهة، ويوم ولادتها عمت المسرات، وأضاء الكون بالأنوار وترنمت آلهة السماء ورتلت الأرواح، ولما ولد "عون الجميع" شرعت الغيوم ترتل بألحان مضطربة وأمطرت أزهارًا". ومثل هذا يقال عن ولادة بوذا، وأنه سمع سكان الأرض أنغام موسيقى مطربة، وأمطرت السماء أزهارًا وعطرًا، وهبَّ نسيم لطيف، وأضاء نور عجيب." قال السرجون فرنسيس دافس: "والصينيون يقولون: ظهرت علامات سماوية قبل ولادة كونفشيوس الفيلسوف الصيني، وفي المساء الذي ولد فيه سمعت أمه بأذنها نغم موسيقى سماوية". قال العلامة بونويك (٢): "ويقول المصريون القدماء أنه عند ولادة "أوزيريس" سُمع منادٍ يقول: ولد رب لنا اسمه أوزيريس وبعضهم يقول إنه بينما كانت امرأة ذاهبة لتملأ ماء لهيكل عمون بمدينة تيبس سمعت هذا النداء، وأُمرت كي تنادي به بأعلى صوتها وهو سيولد الإله أوزيريس "وكذلك قيل عند ولادة "أبولو"، "أبو لونيوس" وغيرهم. ٢ - وأما عند النصارى: فقد قالوا مثل قول هؤلاء الوثنيين عن ولادة يسوع المسيح غير أننا لا نعلم إن كانت

стр. 978

تلك الجنود السماوية أكثر عددًا حين ولادة أبناء آلهة الوثنيين، أم كانت أكثر عددًا حين ولادة إله النصارى، أم كانت متساوية العدد في كافة الأوقات، لأن جميع المولودين بحسب زعمهم أبناء آلهة أتوا ليفدوهم بدمهم، ولم يتعرض لذلك أحد بحسب علمنا، فلعل الزمان المستقبل يوسع هذه الدائرة، وهاك ما في العهد الجديد. ورد في إنجيل لوقا (٢/ ١٣ - ١٤): "وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الملَاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ الله وَقَائِلِينَ: "المجْدُ لله فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ المُسَرَّةُ"." (١) (٤) هدايا للآلهة المولودة ١ - عند الوثنيين: من الأقاصيص الكرشنية: أن هذا الطفل الإلهي وضع بمهد بين الرعاة وهم أول من عرف عظيم جلاله الدال على ألوهيته، وعرفوه أنه المخلص الموعود به، وقد أعطى الرعاة لكرشنا هدايا من خشب الصندل والطيب. "ومسرا" مخلص العجم والوسيط بين الله والناس، لما وُلد زاره الحكماء المدعوون مجوسا، وأعطوه هدايا من الذهب والطيب والحنظل. وبحسب رواية أفلاطون "أنه لما ولد سقراط (قبل المسيح ب ٤٦٩ سنة) أتى إلى محل ولادته ثلاثة رجال مجوس من الشرق وأهدوه ذهبًا وطيبًا ومأكولًا مرًا". والمخلص (اسكولابيوس) المولود من عذراء، حمته المعز من السوء لأنها عرفته عند رؤيتها إياه - أنه إله - وشاع خبر ولادته العجيب، وأتى الناس من كل مكان ليشاهدوه ويسجدوا له. ٢ - عند النصارى: وكما حدث لهؤلاء، حدث ليسوع المسيح، فقد جاء في إنجيل متى (٢/ ١ - ١١): "وَلمَّا وُلدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ المُلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ المُشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "أَيْنَ هُوَ المُوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي المُشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ". فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ المُلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي المُشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ

стр. 979

حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. " ومثله في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني غير أنه يقول: إن الذين رأوا نجمه رعاة وليسوا مجوسًا. (١) (٥) مكان ولادة الآلهة ١ - عند الوثنيين: يقولون "ولد كرشنا في غار، وبعد ولادته وضع في حظيرة غنم وربَّاه أحد الرعاة الأمناء"، "وهوتسي" ابن السماء - عند الصينيين - تركته أمه وهو صغير وأحاطت به البقر والغنم وحمته من كل سوء باعتناء تام". "وباخوص" ابن الإله المولود من العذراء سميل، ولدته أمه في غار، ويقال عنها ولدته في مكان آخر، ومن بعد ولادته أتت به إلى الغار. "وسكولابيوس" ابن الإله المولود من العذراء "كودنيس" تركته أمه حينما وضعته بالجبل ووجده راعي ماعز فرباه واعتنى به. "وروبولس" ابن الإله المولود من العذراء (ريا سلفيا) تركته أمه وهو طفل على ضفة نهر (التيبر) ووجده الرعاة فربوه واعتنوا به. وهكذا قيل أيضًا عن كلٍ من: "أدوني"، "متراس"، "أتيس"، "باخوص"، " أبولو" وغيرهم. ٢ - عند النصارى: في إنجيل لوقا (٢/ ١٥ - ١٧): "وَلمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الملَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَال الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ". فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي المذْوَدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلَامِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. "فكما ولدت آلهة الرومانيين واليونانيين

стр. 980

والوذيين والبرهميين وغيرهم ولد إله المبشرين أي يسوع، ولنعم القول والمقابلة، وصدق الله تعالى: "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج/ ٤٦). (١) ثالثا: تشابه قصة الصلب (تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة) . ١ - عند الوثنيين: كان الوثنيون القدماء يقدمون البشر ذبيحة أيضًا، والغالب عندهم تقديم الأرقَّاء والأسارى ذبيحة فداء عن الخطيئة، وليس هذا فقط، بل ونفس أولادهم. قال (دوان): ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، على رأيهم قد تحرك شفقةً وحنوًا - كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه. وقد صور الراهب جورجيوس الإله (أندرا) الذي يعبده أهالي النيبال مصلوبًا (٢). "ويدعون بوذا الطبيب العظيم، ومخلص العالم والممسوح، والمسيح المولود الوحيد وغير ذلك، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر آثام البشر .. " "ويعد المصريون القدماء أوزيريس أحد مخلصي الناس وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا، وبمقاومته للخطايا يُقهر ويُقتل". قال (دوان): "وكان الوثنيون يدعون (بوخص) ابن المشتري من العذراء: المخلص، الابن الوحيد، الذبيح حامل الخطايا، الفادي ... " وكان الفرس يدعون مترا: "الوسيط بين الله والناس، والمخلص الذي بتألمه خلَّص الناس ففداهم "ويدعونه الكلمة، والفادي ... " وعبد المكسيكيون إلهًا مصلوبًا دعوه المخلص والفادي ويدعون ابن الله بلغتهم "باكوب" و"أبوكو". ولعل أوضح هذه القصص شبهًا بقصة المسيح أسطورة إله بابل "بعل".

стр. 981

ونرى الآن صور التشابه بين قصة صلب بعل البابلي وصلب المسيح. نقل المؤرخ "فندلاي" وغيره مقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية، وما قيل عن المسيح في المسيحية. ويوضح ذلك الجدول التالي: محاكمة عيسى ﵇ ... محاكمة بعل ١ - أخذ عيسى أسيرًا. ... ١ - أخذ بعل أسيرًا. ٢ - وكذلك حوكم عيسى. ... ٢ - حوكم بعل علنًا. ٣ - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة. ... ٣ - جرح بعل بعد المحاكمة. ٤ - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل. ... ٤ - اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل. ٥ - وكان مع عيسى قاتل اسمه: ... ٥ - كان مع بعل مذنب حكم عليه "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ... شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" ... إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر. وإعدام عيسى. ... ٦ - بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس. ٦ - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء. ... ٧ - حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه. ٧ - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه. ... ٨ - الأمهات جلست حول مقبرة بعل ٨ - مريم المجدلية، ومريم أخرى يبكينه. جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه. ... ٩ - قام بعل من الموت وعاد للحياة مع ٩ - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، ... مطلع الربيع وصعد إلى السماء. وفي مطلع الربيع أيضًا، وصعد إلى السماء. وقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية فيما يبدو عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا

стр. 982

من بابل. (١) ومما يؤكد وصول هذه القصة إلى الفكر اليهودي ثم المسيحي أن التوراة ذكرت ما يدل على شهرة مثل هذه القصة ففي سفر حزقيال "فَجَاءَ بِي إِلَى مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَإِذَا هُنَاكَ نِسْوَةٌ جَالِسَاتٌ يَبْكِينَ عَلَى تَمُّوزَ." (حزقيال ٨/ ١٤)، وتموز هو الإله البابلي الذي قتل لأجل خلاص البشر، ثم قام من بين الموتى. (٢) ٢ - الصلب عند النصارى: وهذه المسألة والاعتقاد بالفداء - عند النصارى - رأس الإيمان. وقد جاء ذكر الصلب في إنجيل متى: الإصحاح ٢٧، وإنجيل مرقس الإصحاح ٥، وإنجيل لوقا الإصحاح ٢٣، وإنجيل يوحنا الإصحاح ١٩، فلا حاجة للنقل منها لشهرتها، ولكن نذكر آية واحدة مثالًا لما في الأناجيل عن الصلب. ففي غلاطية (٣/ ١٣): "المسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ"." (٣) (١) غرائب ترافق موت الآلهة . وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة. فقد ذكر متى أحداثًا غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: "وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ ... وَإِذَا حِجَابُ الهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا المدِينَةَ المُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ." (متى ٢٧/ ٤٥ - ٥٣). وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة:

стр. 983

من ذلك: أن الهنود يقولون: "لما مات "كرشنا" نحلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء نارًا ورمادًا، واندلعت ألسنة اللهب وصارت الشياطين تفسد في الأرض، وشوهد عند غروب الشمس وشروقها ألوف من الأشباح تتحارب في الهواء في كل جانب ومكان". وقال هيجن (١): "إن عباد بروسيوس يقولون إنه لما صلب على جبل قوقاسوس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض واشتد دوي الرعد ولمعان البرق ومزقت الرياح الشديدة ما في الفضاء كل ممزق .. ". والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان. كما ينقل المؤرخ "كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح"، والمؤرخ جيبون في تاريخه أن عددًا من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول: "لما قتل المخلص اسكولابيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها ... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا". وكذلك قيل عند موت كونز لكوتل إله المكسيكيين القدماء، وغيره من الألهة المعبودة باطلًا. وعليه فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات. (٢) (٢) طلب الملوك والجبابرة قتل الآلهة المتجسدة وكيف خلاصها منها ١ - عند الوثنيين: قال جوكوت اشوندر جنجولي (٣) (وهو أحد الوثنيين المتنصرين في الهند): "يعتقد الهنود أنه لما ولد كرشنا سمعوا صوت منادٍ من السماء يقول لحاضنه قم وخذ الولد واهرب به واقطع نهر الجومتا، ففعل كما أمر؛ لأن الملك قانصا كان قاصدًا إهلاك الطفل المخلص،

стр. 984

وقد أرسل الملك المذكور رسلًا من مملكته كي يقتلوا كل مولود ذكر". قال هيجين: "ويعتقد الهنود الوثنيون أنه لما ولد كرشنا أخذوه بالليل وهربوا به إلى بلاد بعيدة عن محل ولادته خوفا من الملك الجبار ... ". وكذلك قيل عن "سلفاهانا" (وكان يعبده سكان أهالي كامورين بالهند)، وقيل أيضًا عن "بوذا"، و"هأوكي" (معبود الصينيين) و"حورس" (معبود المصريين)، و"تيروس "ملك الفرس" و"زورستر" (مؤسس ديانة المجوس) وغيرهم كثير. ٢ - عند النصارى: ويعتقد النصارى أن هيرودس أراد قتل المسيح ولكن الله نجاه منه، ففي إنجيل متى (٢/ ١٣): "وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ"." (١) (٣) دماء الآلهة المسفوحة وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضًا عن دم المسيح المسفوح فقال: "الَّذِي قَدَّمَهُ الله كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ" (رومية ٣/ ٢٥)، ويقول: "وَنَحْنُ مُتبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ" (رومية ٥/ ٩)، "أَليْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ المُسِيحِ؟ " (كورنثوس (١) ١٠/ ١٦). ويقول: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أفسس ١/ ٧). وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح: "لأَنَّ فِصْحَنَا أيضًا المُسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا."، (كورنثوس (١) ٥/ ٧)، ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس وغيرها من الرسائل. لكن النصارى يتغافلون عن مسألة هامة هي أن المسيح لم يذبح، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلبًا لا ذبحًا، الموت صلبًا لا يريق الدماء، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا

стр. 985

إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ." (يوحنا ١٩/ ٢٣ - ٢٤). وهو ليس ذبحًا بكل حال. يقول ولز: "إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلبًا لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بُعدًا عن الدقة". ولكن هذه النظرة إلى الله، بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل الدم نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم، ففي التوراة تجد ذلك واضحًا في مثل قولها: "وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى المُذْبَحِ، فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: "لَا أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أيضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ" (تكوين ٨/ ٢٠ - ٢١). ومثله في محبة المحرقة وذبائحها والتنسم برائحتها قول العهد القديم: "وَبَنَى دَاوُدُ هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ، وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ سَلَامَةٍ، وَدَعَا الرَّبَّ فَأَجَابَهُ بِنَارٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَذْبَحِ المحْرَقَةِ." (الأيام (١) ٢١/ ٢٦). وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم يقول أرثر ويجال: "نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة". ويرى المحققون أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل ويأخذون دمه، فيتلطخ به الآثم، ليولد من جديد بعد أن سال عليه دم العجل الفدية. (١) رابعًا: التشابه في قيامة الآلهة بعد الموت . (١) قيام الآلهة من بين الأموات . ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات،
следующие страницы →