← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يُعتبَرُ شرعاً إلا إذا استَنَدَ إلى النَّقلِ» (١)، وذلك كدليلِ اللغةِ في المنقولاتِ؛ فإنَّ نَقلَ المعنى عن العَرَبِ كافٍ في الدَّلالَةِ على ثبوتِه وصِحَّتِه حين لا يكون له معنىً آخرَ في كلامِهم، لكنَّ اختيارَ أحدِ المعاني المحتملَةِ المنقولَةِ عن العرَبِ، وإثباتِه معنىً للآيةِ = مَرَدُّه إلى النَّظَرِ والاجتهادِ. ومثلُهُ دليلُ النَّظائِرِ في المعقولاتِ؛ فإنَّ الرَّبطَ بين المعنى ونظيرِه قائِمٌ على اجتهادِ المُفَسِّر ونَظَرِه، مع أنَّ النَّظيرَ المَقيسَ عليه ثابتٌ مِنْ جِهةِ النَّقلِ والسَّماعِ. غيرَ أنَّ ذلك الاشتراك بين النَّقلِ والعَقلِ في بعضِ الأدلَّة لا أثرَ له في صِحَّةِ الاستدلالِ بالدَّليلِ مِنْ عدمِه، أو تَقديمِه وتأخيرِه، أو قوَّتِه وضَعفِه؛ وإنَّما قُصِدَ به بيانُ أصلِ الدَّليلِ ومَورِدِه؛ لتحقيقِ قواعِده، ومنهجِ التعامُلِ معه في مواضِعِه مِنْ الاستدلالِ، على ما سيأتي بيانُه بإذنِ الله. (٢) المطلبُ الأوَّلُ: أنواعُ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ: أوَّلاً: القرآنُ الكريمُ. وقد وقعَ الاستدلالُ به على المعاني (١٢٤) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ به بين الأدِلَّةِ (١. ١%).

стр. 107

ثانياً: القراءاتُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (١٦٥) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (١. ٥%). ثالِثاً: السُّنَّةُ النَّبويَّةُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٥٢٧) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٤. ٨%). رابِعاً: الإجماعُ. وقد وقعَ الاستدلالُ به على المعاني (٣٧٨) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ به بين الأدِلَّةِ (٣. ٥%). خامِساً: أقوالُ السَّلفِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٥٢٣٦) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٤٨. ١%). سادِساً: لغةُ العربِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٢١٨٣) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٢٠. ١%). سابِعاً: أحوالُ النُّزولِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٣٦٠) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٣. ٣%). ثامِناً: الرواياتُ الإسرائيليَّةُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٣٢٢) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٣%). وقد وقعَ الاستدلالُ بجُملةِ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ على المعاني (٩٢٩٥) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين قِسمَيْ الأدِلَّةِ (٨٥. ٤%). المطلبُ الثَّاني: أنواعُ الأدلَّةِ العقليَّةِ: وحيثُ إنَّها خارجُ مجالِ الدِّراسةِ هنا، فسأورِدُها إجمالاً، وأُرجئُ تفصيلَها في القسمِ الثّاني مِنْ الكتابِ بإذنِ الله (١). أوَّلاً: النَّظائرُ.

стр. 108

ثانياً: السّياقُ. ثالِثاً: الدِّلالاتُ العقليَّةُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بجُملةِ الأدلَّةِ العقليَّةِ على المعاني (١٥٨٦) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (١٤. ٦%). * وفي الجدولِ الآتي تفصيلُ أدلّةِ المعاني في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): م الدَّليلُ مقدارُ الاستدلالِ به نسبةُ استعمالِه بين الأدلَّةِ ١ القرآن ١٢٤ ١. ١% ٢ القراءات ١٦٥ ١. ٥% ٣ السُّنَّة ٥٢٧ ٤. ٨% ٤ الإجماع ٣٧٨ ٣. ٥% ٥ أقوالُ السَّلف ٥٢٣٦ ٤٨. ١% ٦ لغةُ العرب ٢١٨٣ ٢٠. ١% ٧ أحوالُ النزول ٣٦٠ ٣. ٣% ٨ الإسرائيليّات ٣٢٢ ٣% ٩ ١٠ ١١ النَّظائر السّياق الدِّلالات العقليَّة ١٥٨٦ ١٤. ٦% مجموعُ الأدلَّة: ١٠٨٨١ ١٠٠%

стр. 109

• البابُ الثّاني: بيانُ منهجِ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه. ويشتملُ على فصلين: الفصلُ الأوّل: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه إجمالاً. الفصلُ الثّاني: منهجُ ابن جريرٍ في الاستدلالِ بالأدلَّةِ النَّقليَّة على المعَاني في تفسِيره.

стр. 110

الفصلُ الأوّل: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه إجمالاً. وفيه مبحثان: المبحثُ الأوَّلُ: قواعِدُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ. المبحثُ الثّاني: مسائِلُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ.

стр. 111

انتهجَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه طريقةً علميَّةً واضِحةً في الاستدلالِ على المعاني؛ شَمِلَت ضوابطَ عامَّةً في منهجِ الاستدلالِ، تتعلَّقُ بأنواعِ الأدلَّةِ على الإجمالِ، كما تتعلَّقُ بكلِّ دليلٍ بخصوصِه. وقد رأيتُ تقديمَ القواعِد العامَّةِ الضابطَةِ للاستدلالِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قبل تفصيلِ الحديثِ عن معالمَ كلِّ دليلٍ على حِدَةٍ. وإنَّ الوقوفَ على المنهجِ العامِّ للتعامُلِ مع أدلَّةِ المعاني لَيَستَلزمُ قراءةً دقيقَةً؛ تجمَعُ بين استيعابِ النصوصِ المُبَيِّنَةِ لذلك المنهج مِنْ كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) نفسِه، ثُمَّ استخراجِ معالمَ ذلك المنهجِ مِنْ طريقتِه العامَّةِ في التعامُلِ مع الأدِلَّةِ. وقد اجتهدتُ في الجمعِ بينهُما في مبحثينِ؛ جعلتُ الأوَّلَ مِنهُما في أصولِ منهجِ الاستدلال عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ورَتَّبتُه على صورةِ قواعِدَ عامَّةٍ؛ وذلك لاطِّرادها في أبوابِ الاستدلالِ، وشمولِها لأنواعٍ مِنْ الأدِلَّةِ بلا انحصارٍ، معتمِداً نَصَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك ما استطعتُ. ثمَّ أَوْرَدتُ في المبحثِ الثّاني مِنْ مسائِل الاستدلالِ ما لا يندَرجُ

стр. 112

تحتَ تلك القواعِدِ؛ مِنْ أساليبِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) التي سلكَها في تفسيرِه في هذا البابِ.

стр. 113

المبحثُ الأوَّلُ: قواعِدُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ. القاعدةُ الأولى: غيرُ جائزٍ الكلامُ في كتابِ الله بغيرِ دَليلٍ. عقدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀ في مقدِّمَةِ كتابِه باباً بعنوان: «ذِكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَت بالنَّهي عن القولِ في تأويلِ القرآنِ بالرَّأي» (١)، وأسنَدَ فيه عدداً مِنْ الأحاديثِ التي تمنعُ مِنْ الكلامِ في كتابِ الله بلا دليلٍ؛ لِمَا فيه مِنْ الافتراءِ على الله، والقولِ عليه بلا عِلمٍ (٢)، ثُمَّ قالَ: «وهذه الأخبارُ شاهدةٌ لنا على صِحَّةِ ما قُلنا؛ مِنْ أنَّ ما كانَ مِنْ تأويلِ آي القرآنِ الذي لا يُدرَك عِلمُه إلا بنَصِّ رسولِ الله ﷺ ، أو بنَصْبِه الدَّلالةَ عليه = فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القِيلُ فيه برأيه، بل القائلُ في ذلك برأيه وإن أصابَ الحقَّ فيه فمخطئٌ فيما كانَ مِنْ فِعلِه بقِيلِه فيه برأيه» (٣). وقد أكَّدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا المعنى في

стр. 114

مواضِعَ كثيرَةٍ مِنْ تفسيرِه، كما سارَ عليه عملِيّاً في عامَّةِ تفسيرِه، ومِن ذلك قولُهُ عن بعضِ اختيارِه: «وإنَّما قُلنا: هذا التَّأويلُ أولى بالصوابِ مما عداهُ مِنْ سائِرِ التَّأويلات التي ذكرناها؛ لأنَّه غيرُ جائِزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ الله تعالى ذكرُه قولٌ إلا بحُجَّةٍ واضِحَةٍ على ما قد بيَّنَّا في أوَّلِ كِتابِنا هذا» (١)، وقالَ أيضاً: «وغيرُ جائِزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ الله بما لا دَلالَةَ عليه مِنْ بعضِ الوجوهِ التي تقومُ بها الحُجَّةُ» (٢)، وقالَ: «فمن ادَّعى في التنزيلِ ما ليسَ في ظاهِره، كُلِّفَ البُرهانَ على دعواه مِنْ الوجهِ الذي يجبُ التَّسليمُ له» (٣). القاعدةُ الثّانيةُ: كلُّ قولٍ لا بُرهانَ على صِحَّتِهِ واضِحٌ خَطَأُه. وذلك أنَّه لا سبيلَ إلى معرِفةِ الصَّوابِ إلا بالدَّليلِ، فإذا عُدِمَ الدَّليلُ عُدِمَ اليقينُ بالصَّوابِ، وإن أصابَ مُصادَفةً «فإنَّما هي إصابَةُ خارِصٍ وظانٍّ، والقائِلُ في دينِ الله بالظَنِّ قائِلٌ على الله ما لا يعلَم، وقد حَرَّمَ اللهُ جَلَّ ثناؤُه ذلك في كتابِه على عِبادِه فقالَ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]» (٤)، وهذه القاعِدَةُ فرعٌ عن القاعِدَةِ السّابقَةِ، وقد أكَّدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا المعنى في تفسيرِه في مواضِعَ كثيرةٍ؛ مِنها قولُه: «وهذا الذي قالَهُ ابنُ زيدٍ: أنَّه كانَ أُمِرَ بالعفوِ بهذه

стр. 115

الآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذلك. قولٌ لا وجهَ له؛ لأنَّه لا دَلالَةَ على صِحَّةِ ما قالَ مِنْ بعضِ الأَوجُهِ التي تَصِحُّ مِنها الدعاوَى» (١)، وقولُه: «وهذا قولٌ لا دَلالَةَ على صِحَّتِه مِنْ ظاهِرِ التَّنزيلِ، ولا مِنْ خَبَرٍ يَجِبُ التَّسليمُ له، وإذا خلا القولُ مِنْ دَلالةٍ على صِحَّتِه مِنْ بعضِ الوجوهِ التي يَجِبُ التَّسليمُ لها كانَ بَيِّناً فَسَادُه» (٢)، وقولُه أيضاً: «وأمَّا الأقوالُ الأُخَرُ فدعاوى معانٍ باطِلَةٍ؛ لا دلالَةَ عليها مِنْ خبرٍ، ولا عقلٍ، ولا هي موجودَةٌ في التَّنزيلِ» (٣). وقد رَدَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيراً مِنْ الأقوالِ بهذه القاعِدةِ؛ كما في قولِه: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في أصحابِ الأعْرافِ أن يُقَال كما قالَ اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: هُمْ رجالٌ يعرفون كُلاً مِنْ أهلِ الجنَّة وأَهلِ النَّار بسيماهُم. ولا خَبَرَ عن رسولِ الله ﷺ يصحُّ سَنَدُه، ولا آيةَ متَّفَقٌ على تأويلِها، ولا إجماعَ مِنْ الأُمَّةِ على أنَّهم ملائِكةٌ. فإذ كانَ ذلك كذلك، وكانَ ذلك لا يُدرَكُ قِياساً .. ، كانَ بَيِّناً أنَّ ما قالَه أبو مِجْلَز مِنْ أنَّهم: ملائكةٌ. قولٌ لا معنى له» (٤)، وقولِه: «ويُقالُ لمن زَعَمَ أنَّ ذلك منسوخٌ: ما الدَّلالَةُ على نسخِه؟ .. ، وما الدَّليلُ على أنَّ إخراجَ العَفْوِ كانَ فرضاً فأسقَطَهُ فرضُ الزَّكاة؟ ولا دِلالَةَ في الآيةِ على أنَّ ذلك كانَ فرضاً .. ، ولا سبيلَ لِمُدَّعي ذلك إلى دَلالَةٍ توجِبُ صِحَّةَ ما ادَّعَى» (٥).

стр. 116

بل جعلَ ﵀ عَدَمَ الدَّليلِ دليلاً على البُطلانِ؛ حيثُ قالَ: «فإذ كانَ لا قولَ في تأويلِ ذلك إلا أحدَ القولَيْن اللذَيْن وَصَفْتُ، ثُمَّ كانَ أحدُهُما غيرَ موجودَةٍ على صِحَّتِه الدَّلالَةُ مِنْ الوجْهِ الذي يَجِبُ التَّسليمُ له = صَحَّ الوجْهُ الآخرُ. والذي حُكِيَ عن الحسنِ وقتادةِ ومَن قالَ بقولِهِما في تأويلِ ذلك غيرُ موجودَةٍ الدَّلالَةُ على صِحَّتِه مِنْ الكتابِ، ولا مِنْ خَبَرٍ تَجِبُ به حُجَّةٌ. والذي قالَه ابنُ عباسٍ يَدلُّ على صِحَّتِه خَبَرُ الله جلَّ ثناؤه عن إبليسَ وعصيانِه إيَّاهُ إذْ دعاه إلى السُّجودِ لآدمَ، فأبى واستكبرَ، وإظهارُه لسائرِ الملائِكةِ مِنْ معصيَتِه وكِبرِه ما كانَ له كاتِماً قبل ذلك» (١). وقد تركَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عدداً مِنْ الأقوالِ لافتقارِها إلى الدَّليلِ، مع احتمالِ بعضِها للصَّوابِ، ومِن ذلك قولُه: «وإنَّما تركنا القولَ بالذي رواهُ الضَّحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ، ووافقَه عليه الرَّبيعُ، وبالذي قالَه ابنُ زيدٍ في تأويلِ ذلك؛ لأنَّه لا خَبَرَ عندنا بالذي قالوه مِنْ وجهٍ يقطَعُ مَجِيئُه العُذْرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحُجَّةُ» (٢)، وقولُه: «وليسَ ما قالَه مَنْ خَالفَ قولَنا هذا -مِنْ الأقوالِ التي حكيناها- بمدفوعٍ قولُه، ولكنَّه قولٌ لا شَاهدَ عليه مِنْ حُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها فيجوزُ لنا إضافتُه إلى آدمَ؛ وأنَّه ممّا تلقّاهُ مِنْ رَبِّه عند إنابتِه إليه مِنْ ذنبِه» (٣).

стр. 117

القاعدةُ الثّالثةُ: كُلُّ قولٍ لا دليلَ عليه فدعوى لا تتعذَّرُ على أحدٍ. الدَّعوى هي: كُلُّ قولٍ ينتَحِلُه الإنسانُ مُجرَّداً عن الدَّليلِ (١). كما في قولِه تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فيلزَمُ كُلُّ قائِلٍ قولاً أن يُقِيمَ الدَّليلَ على صِحَّتِه، وإلا أُوقِفَ قولُه عليه، ولم يؤخَذْ به؛ لأنَّ الدعاوى ميسورَةٌ لكُلِّ أحدٍ، وليسَ أحَدُها بأولى مِنْ الآخرِ، قالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «والدَّعوى المُجرَّدةُ غيرُ مقبولةٍ باتِّفاقِ العُلماءِ» (٢). وهذه القاعِدَةُ قريبَةُ المعنى مِنْ القاعدَةِ السابقَةِ، إلا أنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) كَرَّرَها في عِدَّةِ مواضِعَ لتقريرِ: أنَّ القولَ وإنْ حَسُنَ في ظاهِرِه، أو كَثُرَ قائِلُه، أو عَظُمَتْ مكانَةُ قائِلِه = فإنَّه دعوى موقوفَةٌ على قائِلِها؛ ما لم يشهَدْ لها الدَّليلُ المُعتَبَر. ومِن ذلك قولُه: «فأمَّا الزَّاعِمُ أنَّ اللهَ عنى بقولِه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]: العربَ (٣). فإنَّه قائِلٌ قولاً لا خَبَرَ بصِحَّتِه، ولا بُرهانَ على حقيقَتِه في ظاهِرِ الكتابِ. والقولُ إذا صارَ إلى ذلك، كانَ واضِحاً خطؤُه؛ لأنَّه ادَّعى ما لا بُرهانَ على صِحَّتِه، وادِّعاءُ مثلِ ذلك لن يتعَذَّرَ على أحدٍ» (٤)، وقالَ أيضاً: «وأمَّا الذي ذكرنا عن السُّدِّي مِنْ: أنَّ هذه الآيةَ نزلَت قبلَ نزولِ كفَّاراتِ

стр. 118

الأَيْمانِ. فقولٌ لا دَلالَةَ عليهِ مِنْ كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، والخَبَرُ عمَّا كانَ لا تُدْرَكُ صِحَّتُه إلا بخَبَرٍ صادِقٍ؛ وإلا كانَ دعوى لا يتعذَّرُ مثلُها وخِلافُها على أحدٍ» (١). وقد أشارَ ﵀ إلى قاعِدَةٍ تَقرُبُ مِنْ هذه القاعِدَةِ، وهي: القولُ بلا بُرهانٍ تَحَكُّمٌ. والتَّحَكُّم هو: الاستبدادُ بالرَّأي على أيِّ وجهٍ كانَ (٢). وذلك حالُ طائِفةٍ ممَّن يذهبُ إلى رأيِهِ بدونِ بَيِّنَةٍ تَشهَدُ لصوابِه، وأكثَرُ ما يقعُ ذلك مِنْ أهلِ الأهواءِ، والمُتَعَصِّبَةِ للرَّأيِ دونَ الحَقِّ. ومِن مقالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك قولُه: «فإنْ جازَت إحدى الزِّيادتَيْن اللّتَيْن ليسَتا في المصاحِفِ، كانَت الأُخرى نظيرَتَها، وإلا كانَ مُجيزُ إحداهُما إذا مَنَعَ الأُخرى مُتَحَكِّماً، والتَّحَكُّمُ فلا يعجِزُ عنه أحدٌ» (٣)، وقولُه مُعَلِّلاً لاختيارِه: «إنَّ دعوى المُدَّعي نسخَ آيَةٍ مُحتَمَلٍ أن تكونَ غيرَ منسوخَةٍ؛ بغيرِ دَلالَةٍ على صِحَّةِ دعْواهُ = تَحَكُّمٌ، والتَّحَكُّمُ لا يعجِزُ عنه أحدٌ» (٤). القاعدةُ الرّابعةُ: التَّوقُّفُ فيما لم يَدلَّ على صِحَّتِه دليلٌ فلا يُقَالُ به. إنَّ القولَ إذا خلا عن دليلٍ كانَ دعوىً مِنْ صاحِبِه، وما كانَ كذلك فموقوفٌ على صاحِبِه حتى يَكشِفَه الدَّليلُ، أو مردودٌ عليه إن أبطَلَه الدَّليلُ. وفي كِلا الحالَيْن لا يؤخَذُ إلا بما دَلَّ الدَّليلُ على صِدقِه، وما

стр. 119

عداهُ فموقوفٌ أو مردودٌ (١)، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «والصَّوابُ التَّسليمُ لِمَا دَلَّ عليه ظاهِرُ التَّنزيلِ، والتَّوقُّفُ فيما لم يكنْ على صِحَّتِه دليلٌ» (٢). وأكثَرُ ما يكونُ التَّوقُّفُ في الأقوالِ التي لم يَشهَد لها دليلُ القَبولِ، مع احتمالِها مِنْ جِهَةِ النَّظَر؛ كتحديدِ كيفيَّة بعضِ المُغَيَّبَاتِ، وتعيينِ المُبهماتِ، وبيانِ حِكَمِ بعضِ المعاني، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهُمَزة: ٩]: «وأَوْلَى الأقوالِ بالصَّوابِ في ذلك قولُ مَنْ قالَ: معناه: أنَّهُم يُعَذَّبون بعُمُدٍ في النَّارِ، واللهُ أعلمُ كيف تعذيبُه إيَّاهُم بها، ولم يأتِنا خَبَرٌ تقومُ به الحُجَّةُ بصفةِ تعذيبِهم بها، ولا وُضِعَ لنا عليها دليلٌ، فنُدرِكَ به صفةَ ذلك، فلا قولَ فيه غيرَ الذي قُلنا يَصِحُّ عندنا» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك أن يُقَال: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أَخبرَ أنَّهُم باعوه بدراهِمَ مَعدودَةٍ غيرَ مَوْزونَةٍ. ولم يَحُدَّ مَبلغَ ذلك بِوَزنٍ ولا عَدَدٍ، ولا وضعَ عليه دلالةً في كتابٍ، ولا خبرٍ مِنْ الرسولِ ﷺ . وقد يَحتملُ أن يكونَ كانَ عشرين، ويَحتملُ أن يكونَ كانَ اثنَيْن وعشرين، وأن يكونَ كانَ أربعين، وأقلَّ مِنْ ذلك وأكثرَ، وأيُّ

стр. 120

ذلك كانَ فإنَّها كانَت معدودةً غيرَ مَوْزونَةٍ. وليس في العلمِ بمبلغِ وزنِ ذلك فائدةٌ تَقَعُ في دينٍ، ولا في الجهلِ به دخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهرِ التَّنزيلِ فَرضٌ، وما عَدَاهُ فمَوضوعٌ عَنَّا تَكَلُّفُ عِلمِه» (١)، وقولُه أيضاً: «وأَوْلى ذلك بالصَّوابِ أن يُقالَ في ذلك: إنَّ الله تعالى ذكره فَرَضَ للأُمِّ مع الإخوةِ السُّدسَ؛ لِما هو أعلَمُ به مِنْ مصلَحَةِ خلقِه، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك كانَ لِما أُلْزِمَ الآباءُ لأولادِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك لغيرِ ذلك. وليسَ ذلك مِمَّا كُلِّفنا عِلمَه، وإنَّما أُمِرنا بالعَمَلِ بما عَلِمنا» (٢). القاعدةُ الخامسةُ: عدَمُ الاشتِغالِ بالاستِدلالِ على ما لا فائِدَةَ فيه مِنْ المعاني. مِنْ منهَجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) المُطَّردِ في تفسيرِه: الإعراضُ عن كُلِّ معنىً لا فائِدَةَ فيه تُطلَبُ، «وليسَ في العلمِ به أداءُ فَرضٍ، ولا في الجهلِ به تَضييعُ واجِبٍ» (٣)؛ وذلك أنَّ مِنْ عادَةِ النُّفوسِ التَّشَوُّفَ لتفاصيلِ المغَيَّباتِ، ودقائِقَ الحِكَمِ والتَّعليلاتِ، مع استطرادِ عددٍ مِنْ أصحابِ الفنونِ في دقائِقَ مِنْ علومِهم خارِجَةٍ عن حَدِّ التَّفسيرِ، وما يُحتاجُ إليه في بيانِه. وقد نَصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مواضِعَ مِنْ تفسيرِه (٤) على تركِ كُلِّ ما لا علاقَةَ له بعلمِ التَّفسيرِ؛ كما في قولِه: «إذْ

стр. 121

كانَ قَصْدُنا في هذا الكتابِ البيانُ عن تأويلِ القرآنِ دونَ غيرِه» (١). ومِن المعلومِ أنَّه لا فائِدَةَ في الاشتغالِ بما لا فائِدَةَ فيه شَرعِيَّةً؛ تقريراً أو استدلالاً. وضابِطُ ما لا فائِدَةَ فيه مِنْ المعاني: ما لا يتعَلَّقُ به عملٌ مِنْ أعمالِ القلوبِ أو الجوارِحِ (٢). وذلك مُطَابِقٌ لوصفِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) له في جُملَةِ مواضِعَ بأنَّهُ: ١ - ليسَ في العِلمِ به أداءُ فرضٍ، وليسَ مِمَّا كُلِّفنا عِلمَه. ٢ - ليسَ في الجَهلِ به تضييعُ واجِبٍ. ٣ - غيرُ نافِعٍ العِلمُ به في دينٍ ولا دُنيا. ٤ - غيرُ ضائِرٍ الجَهلُ به. ٥ - لا حاجَةَ تدعو إلى العِلمِ به. ٦ - لا عَمَلَ تحتَه. (٣) ومِن أمثِلَةِ ذلك قولُه: «والصوابُ مِنْ القولِ أن يُقَالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه أَخبَرَ أنَّ خَلقَه لا يملكون مِنه خطاباً يومَ يقومُ الرُّوحُ. والرُّوحُ: خَلقٌ مِنْ خَلْقِه. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ هذه الأشياءِ التي ذَكَرْتُ، واللهُ أعلمُ أيَّ ذلك هو، ولا خَبَرَ بشيءٍ مِنْ ذلك أنَّه المَعنيُّ به دونَ غيرِه

стр. 122

يجبُ التَّسليمُ له، ولا حُجَّةَ تدلُّ عليه، وغيرُ ضائِرٍ الجهلُ به» (١)، وقولُه عند قولِه تعالى ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]: «وأمَّا الصَّوابُ مِنْ القَولِ فيما كانَ على المائدَةِ، فأن يُقالَ: كانَ عليها مأكُولٌ. وجائِزٌ أن يكونَ كانَ سمكاً وخُبزاً، وجائِزٌ أن يكونَ كانَ ثَمراً مِنْ ثَمَرِ الجنَّةِ، وغَيرُ نافعٍ العِلمُ به، ولا ضَارٌّ الجهلُ به؛ إذا أقَرَّ تالي الآيةِ بظاهِرِ ما احْتَملَهُ التَّنزيلُ» (٢)، وكذا قولُه في قولِه تعالى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]: «وجائِزٌ أن يكونَ ذلك أذىً باللسانِ أو اليَدِ، وجائِزٌ أن يكونَ كانَ أذىً بهما، وليسَ في العِلمِ بأيِّ ذلك كانَ مِنْ أيٍّ نفعٌ في دينٍ ولا دُنيا، ولا في الجَهلِ به مَضَرَّةٌ؛ إذْ كانَ الله جلَّ ثناؤُه قد نَسَخَ ذلك مِنْ مُحْكَمِه بما أوجَبَ مِنْ الحُكمِ على عِبادِه فيهِما» (٣). القاعدةُ السّادسةُ: ليسَ في القُرآنِ ما لا معنى له فلا يُستَدَلَّ عليه، ولا زيادَةَ فيه بلا معنى. هذه القاعِدَةُ تَتَّصِلُ بمنهَجِ الاستدلالِ مِنْ جِهَةِ أنَّ كُلَّ ما في القُرآنِ مَحلٌّ للاستدلالِ؛ إذْ ليسَ في القرآنِ حرفٌ لا معنى له، كما ليسَ فيه زيادَةٌ لا معنى لها (٤). وقد نَصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على ذلك في مقدِّمةِ

стр. 123

تفسيرِه، فبعد أن بَيَّنَ أنَّ مِنْ القرآنِ ما لا يعلَمُ تأويلَه إلا الله؛ وهو «ما فيهِ مِنْ الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتيةٍ؛ كوقتِ قيامِ السّاعةِ، والنَّفخِ في الصور، ونزولِ عيسى بن مريمَ، وما أشبَهَ ذلك» (١)، قالَ: «وفي حَثِّ الله عبادَه على الاعتبارِ بما في آيِ القرآنِ مِنْ المواعظِ والبيِّناتِ .. ما يدُلُّ على أنَّ عليهم معرفَةَ تأويلِ ما لم يُحجَبْ عنهم تأويلُه مِنْ آيِه؛ لأنَّه مُحالٌ أن يُقالَ لمن لا يَفهَمُ ما يُقالُ لهُ، ولا يعقِلُ تأويلَه: اعْتَبِر بما لا فَهمَ لك به ولا معرفةَ؛ مِنْ القِيلِ والبيانِ والكلامِ، إلا على معنى الأمرِ بأن يفهَمَه ويفقَهَه، ثُمَّ يَتَدَبَّرَه ويعتَبِرَ به، فأمَّا قبلَ ذلك فمُستَحيلٌ أمرُه بتدبُّره؛ وهو بمعناهُ جاهِلٌ» (٢)، وقالَ أيضاً: «إنَّ جميعَ ما أنزلَ الله مِنْ آيِ القرآنِ على رسولِه ﷺ فإنَّما أنزلَه عليه بياناً له ولأمَّتِه، وهُدىً للعالمين، وغيرُ جائِزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجَةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ فيه ما بِهم إليه الحاجَةُ ثُمَّ لا يكونَ لهم إلى عِلمِ تأويلِه سبيلٌ» (٣). كما سارَ على ذلك الأصلِ عمليّاً أثناءَ تفسيره، ومِن ذلك رَدُّه على بعضِ النَّحويّين في زَعمِه: أنَّ الحروفَ المُقطَّعةَ في أوائلِ السُّوَرِ لا معنى لها، وإنَّما هي زيادَةٌ في الكلامِ. بقولِه: «إنَّه أخطأَ مِنْ وجوهٍ شتَّى .. ، والوجهُ الثَّاني مِنْ خطئِه في ذلك: إضافَتُه إلى الله جلَّ ثناؤُه أنَّه

стр. 124

خاطَب عبادَه بما لا فائِدَةَ لهم فيه، ولا معنى له مِنْ الكلامِ؛ الذي سواءٌ الخِطابُ به وتركُ الخِطابِ به؛ وذلك إضافَةُ العَبَثِ -الذي هو منفيٌّ في قولِ جميعِ الموَحِّدين عن الله- إلى الله تعالى ذكرُه» (١)، وقالَ أيضاً مُبطِلاً ذلك في موضِعٍ آخر: «وغيرُ جائِزِ إبطالُ حرفٍ كانَ دليلاً على معنىً في الكلامِ» (٢)، وقالَ: «غيرُ جائِزٍ أن يكونَ في كتابِ الله شيءٌ لا معنى له، وأنَّ لِكُلِّ كلمَةٍ معنىً صحيحاً» (٣)، وقالَ أيضاً: «إنَّ كتابَ الله أبيَنُ البيانِ، وأصَحُّ الكلامِ، ومُحالٌ أن يوجَدَ فيه شيءٌ غيرُ مفهومِ المعنى» (٤). القاعدةُ السّابعةُ: غيرُ جائزٍ تصويبُ قولٍ وتضعيفُ آخرَ إلا بدليلٍ. هذه القاعِدَةُ أصلٌ في موازَنَةِ الأقوالِ، والحُكمِ عليها، وهي مِنْ تمامِ العَدلِ الذي أمرَ اللهُ تعالى به: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقد اتَّخَذَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك منهجاً في تفسيرِه، كما نَصَّ عليه عندَ قولِه تعالى ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، فقالَ: «وجائِزٌ أن تكونَ تلكَ البقيَّةُ: العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتَّوراةَ أو بعضَها، والنَّعلَيْن، والثِّيابَ، والجهادَ في سبيلِ الله، وجائِزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك. وذلك أمرٌ لا يُدرَكُ عِلمُه مِنْ

стр. 125

جِهَةِ الاستخراجِ، ولا اللغةِ، ولا يُدرَكُ علمُ ذلك إلا بخَبَرٍ يوجِبُ عنهُ العِلمَ، ولا خَبَرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفَةِ التي وصَفنا. وإذ كانَ ذلك كذلك؛ فغيرُ جائِزٍ فيه تصويبُ قولٍ، وتضعيفُ آخرَ غيرِه، إذ كانَ جائِزاً فيه ما قُلنا مِنْ القَول» (١)، وقالَ بعد ذِكرِ بعضِ اختيارِه: «ونظائِرُ ذلك في القرآنِ، وأشعارِ العربِ، وكلامِها أكثَرُ مِنْ أن يُحصى؛ فلِما ذكرنا مِنْ ذلك اختَرْنا ما اخترْنا مِنْ القولِ» (٢). وجميعُ أبوابِ أدلَّةِ المعاني التَّفصيليَّةِ فيما يأتي -بإذن الله- تصلُحُ شواهِدَ على ذلك. القاعدةُ الثّامنةُ: الأحقُّ بإصابةِ الصَّوابِ في التَّفسير الأصَحُّ برهاناً، والأوضَحُ حُجَّة. بعد أن أوضَحَت القواعِدُ السَّابِقَةُ وجوبَ الاستدلالِ على كلِّ معنىً يُذكَرُ في القرآنِ الكريمِ = تأتي هذه القاعِدَةُ لبيانِ أولى هذه الأدلَّةِ بالصَّوابِ دون غيرِه مِنْ الأقوالِ التي يشهَدُ لكُلٍّ مِنها دليلٌ مُعتَبَرٌ، فهي أصلٌ في تعليلِ الاختيارِ، والاستدلالِ له، وفيها بيانُ أنَّ وضوحَ الدَّليلِ، وصِحَّةَ البرهانِ مِنْ أهَمِّ وجوهِ ترجيحِ القولِ واختيارِه، وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى هذه القاعِدَةَ عندَ قوله تعالى ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فقالَ: «قد قالَت العُلماءُ مِنْ أهلِ التَّأويلِ في ذلك أقوالاً، ونحنُ ذاكرو أقوالِهم في ذلك، ثُمَّ مُخبرونَ بأصَحِّها بُرهاناً، وأَوضَحِها حُجَّةً» (٣)، ثمَّ أورَدَ الأقوالَ بأدِلَّتِها، ورَدَّ ما

стр. 126

لا دليلَ له، وجعلَ بعضَها في حَيِّزِ الاحتمالِ، واختارَ أصَحَّها دليلاً، وأوضَحَها وجهاً (١). وبعدَ أن ذكرَ الخلافَ في المُرادِ بالصَّلاةِ في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قالَ: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ، ما ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ في الخبرِ الذي رواه أبو جعفرَ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ذلك أصَحَّ الأسانيدِ التي رُويَ عن صحابيٍّ فيه قولٌ مَخرَجاً، وأشبَهُ الأقوالِ بما دَلَّ عليه ظاهرُ التَّنزيلِ؛ وذلك أنَّ قوله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، عقيبَ قولِه ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وعقيبَ تقريعِ الكفارِ بكفرِهم بالقرآنِ، وذلك بُعدُهم مِنه ومِن الإيمانِ» (٢). ويكادُ يكونُ قولُه: «وأولى الأقوالِ بالصَّوابِ»، أو: «بالصِّحَّةِ» = عنواناً على ترجيحاتِه واختياراتِه، بعد ذكرِه للخِلافِ في معنى الآيَةِ، كما هو ظاهِرٌ جِدَّاً في تفسيرِه (٣). القاعدةُ التّاسعةُ: الدَّليلُ الذي يتعيَّنُ الأخذُ به هو ما صَحَّتْ دلالتُه في نفسِه، وسَلِمَ مِنْ المُعارِضِ الراجِحِ. تَقَرَّرَ في القواعِدِ السَّابِقَةِ وجوبُ اعتمادِ الدَّليلِ في اختيارِ المعنى، والتَّرجيحِ بين المعاني، لكنَّ النَّاظِرَ في كُتُبِ التَّفسيرِ يرى أنواعاً مِنْ الأدلَّةِ على المعاني؛ فهل كُلُّ ما استُدِلَّ به على المعاني يصلُحُ دليلاً لها؟ وما صِفَةُ الدَّليلِ الذي يصِحُّ الاستدلالُ به، ويجبُ قبولُه؟

стр. 127

والإجابةُ عن هذا السُّؤالِ مِنْ أهَمِّ مقاصِدِ هذا البحثِ، وجميعُ أبوابِ الأدلَّةِ التَّفصيليَّةِ -فيما يأتي- تَكشِفُ عن شيءٍ مِنْ هذا الجوابِ؛ لكنَّ الحديثَ هنا عمَّا اشتركَتْ فيه تلك الأدلَّةُ مِنْ الأوصافِ التي يقعُ بها اعتبارُ الدَّليلِ، والاحتجاجُ به. وبالتَّأمُّلِ في مواضِعِ الأدلَّةِ مِنْ هذا التَّفسيرِ نجِدُ أنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀ أقامَ تفسيرَه على اعتِمادِ كُلِّ دليلٍ نقليٍّ أو عقليٍّ اجتمَعَت فيه ثلاثةُ أوصافٍ: الأوَّلُ: صِحَّةُ الدَّليلِ في نَفسِه؛ وذلك باجتماعِ شرطين: أوَّلُهُما: صِحَّةُ كونِه دليلاً، وذلك بدلالَةُ الشَّرعِ على حُجِّيَّتِه. وثانيهما: الاستدلالُ به على الوجهِ العِلميِّ الصَّحيحِ الذي يُقبَلُ به الاستدلالُ. فمتى اجتَمَعَ هذان الشرطانِ في دليلٍ صَحَّ الاستدلالُ به على معاني كلام الله تعالى (١). وقد اجتمعا على التَّمامِ في كُلِّ ما ذَكرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه دليلاً على معنى، ونَصَّ على المُطالَبَةِ بهما في مثلِ قولِه: «فمن ادَّعى في التَّنزيلِ ما ليس في ظاهِرِه، كُلِّفَ البُرهانَ على دعواهُ مِنْ الوَجهِ الذي يَجِبُ التَّسليمُ له» (٢)، وقالَ: «فإذْ كانَ لا قولَ في تأويلِ

стр. 128

ذلك إلا أحدَ القَولَين اللذَيْن وَصَفتُ، ثُمَّ كانَ أحدُهما غيرَ موجودَةٍ على صِحَّتِه الدَّلالَةُ مِنْ الوَجهِ الذي يَجبُ التَّسليمُ لَه = صَحَّ الوجهُ الآخرُ» (١)؛ فما كُلُّ بُرهانٍ مَقبولٌ، حتى يكونَ مَجيئُهُ على الوَجهِ الذي يَجِبُ قبولُه به؛ وذلك بما ذُكرَ مِنْ الشُّروطِ. كما أعرَضَ في تفسيرِه عن كُلِّ قولٍ قامَ على غيرِ دليلٍ مُعتبَرٍ، أو صَحَّ دليلُه لكنْ وَقَعَ الاستدلالُ به على غيرِ الوجهِ المقبولِ، ومِن ذلك ما رَدَّه وأبطَلَه مِنْ أقوالِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ؛ التي يُسارِعُ أصحابُها في الاستدلالِ لها ولو بالباطِلِ مِنْ الأدلَّةِ، وشُبَهٍ مِنْ الدِّلالاتِ (٢). ومِن أمثِلَةِ ذلك قولُ بعضِ (أهلِ البَحثِ) (٣): إنَّ قولَه تعالى ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] «خرجَ مخرَجَ المسألَةِ، ومعناهُ الخبَرُ، قالوا: وإنَّما تأويلُ الكلامِ: ربَّنا إنَّنا سمعنا مُنادياً ينادي للإيمانِ أن آمنوا برَبِّكُم فآمنَّا، ربَّنا فاغفِرْ لنا ذنوبَنا، وكَفِّر عنَّا سيِّئاتِنا، وتوَفَّنا مع الأبرار؛ لتؤتِيَنا ما وَعَدتَّنا على رُسُلِك، ولا تُخزِنا يومَ القيامة» (٤)، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بعد ذِكرِ ترجيحِه في الآيةِ: «وليسَ ذلك ممَّا ذَهَبَ إليه الذين حكيتُ قولَهم في شيءٍ؛ وذلك أنَّه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يُقَال: افعلْ بِنَا يا رَبِّ كذا وكذا.

стр. 129

بمعنى: لتَفعَلَ بِنَا كذا وكذا. ولو جازَ ذلك لجازَ أن يقولَ القائلُ لآخرَ: أقبلْ إليَّ وكلِّمني. بمعنى: أقبلْ إليَّ لتُكلِّمَني. وذلك غيرُ مَوجودٍ في الكلامِ، ولا معروفٍ جوازُه» (١)، فالوَجهُ اللُّغَويُّ الذي ذهبوا إليه باطِلٌ غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ. ومثلُه أيضاً قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: «والعَجَبُ ممَّن أَنْكَرَ المعنى المفهومَ مِنْ كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ الله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ الذي هو بمعنى: العلوِّ والارتفاعِ. هرباً عندَ نَفسِه مِنْ أن يَلزَمَه بِزَعمِه إذا تأوَّلَه بمعناه المَفهومِ كذلك = أن يكونَ إنَّما علا وارتفَعَ بعدَ أن كانَ تَحْتَها. إلى أن تأوَّلَه بالمجهولِ مِنْ تأويلِه المُسْتَنكَر، ثمَّ لم ينجُ ممّا هرَبَ مِنه، فيُقَالُ له: أزَعَمتَ أنَّ تأويلَ قولِه ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: ٢٩]: أَقْبَلَ. أَفَكَانَ مُدبِراً عن السماءِ فأقْبَلَ إليها؟ فإن زَعَمَ أنَّ ذلك ليسَ بإقبالِ فِعْلٍ، ولكنَّه إقبالُ تدبيرٍ. قيل له: فكذلك فقُلْ: علا عليها عُلُوَّ مُلْكٍ وسُلطانٍ، لا عُلُوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثمَّ لن يقولَ في شيءٍ مِنْ ذلك قولاً إلا أُلْزِمَ في الآخَرِ مِثلَه» (٢)، فَمَنْ ذَهَبَ إلى ذلك المعنى اعتَمَدَ أصلاً عقليّاً ثابتاً عندَه، وجَعَلَهُ دليلاً على بُطلانِ ما سواهُ مِنْ الأقوالِ. مع بُطلانِ ذلك الأصلِ شرعاً وعقلاً. ويتبعُ هذا الوَصفَ (صِحَّةُ الدَّليلِ في نَفسِه) وصفانِ مُطَّرِدان في عامَّةِ الأدلَّةِ، هما: ١ - أن يجيءَ مِنْ وجهٍ ثابتٍ، وذلك فيما طريقُه النَّقلُ مِنْ الأدلَّةِ؛

стр. 130

كالقرآنِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، ولُغةِ العربِ. وثُبوتُ كُلِّ دليلٍ بحَسَبِه؛ على ما سيأتي بيانُه في مواضِعِه مِنْ الأدلَّة. ومِن ذلك ما نَصَّ عليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ اشتراطِ ثبوتِ النَّقلِ فيما يُروى عن رسولِ الله ﷺ ، حيث قالَ: «فأحقُّ المُفَسِّرين بإصابَةِ الحَقِّ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ = أوضَحُهُم حُجَّةً فيما تأوَّلَ وفسَّرَ، مِمَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ الله ﷺ دون سائِرِ أُمَّتِه، مِنْ أخبارِ رسولِ الله ﷺ الثَّابتَةِ عنه؛ إمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقلِ المُستَفيضِ .. ، وإمَّا مِنْ جِهةِ نقلِ العُدُولِ الأثباتِ» (١)، ورَدَّ كثيراً مِنْ الأقوالِ لعَدَمِ ثبوتِ دليلِها النَّقليِّ، كما في قولِه: «هذا مَعَ ما في الخبرِ الذي رُويَ عن عائِشَةَ مِنْ العِلَّةِ التي في إسنادِه؛ التي لا يجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممَّن عَلِمَ صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسِدَها في الدِّينِ؛ لأنَّ راويَه ممَّن لا يُعرَفُ في أهلِ الآثارِ» (٢). وقولِه: «فإن يكُنِ الذي حَكى من حَكى عن العربِ مِنْ السَّماعِ مِنهم الجوابَ بالواوِ و (ثُمَّ)، كهيْئَةِ الجوابِ بالفاءِ صحيحاً؛ فلا شَكَّ في صِحَّةِ قراءَةِ من قرَأَ ذلك .. ، وإلا فإنَّ القِرَاءَةَ بذلك بعيدةُ المعنى مِنْ تأويلِ التَّنزيلِ، ولستُ أعلَمُ سماعَ ذلك مِنْ العَرَبِ صحيحاً» (٣). ٢ - أن يكونَ ممَّا تُثبِتُه العقولُ السَّليمَةُ ولا تَنفِيه، وذلك فيما طريقُه العقلُ مِنْ الأدلَّةِ؛ كالنَّظائِرِ، والسِّياقِ، وغيرِهما مِنْ الدِّلالاتِ العقليَّة.

стр. 131

أمَّا الأدلَّةُ النَّقليَّةُ الثَّابِتَةُ فلا تُعارِضُ المعقولَ أصلاً؛ كما سبق بيانُه (١)، وحيثُما وُجِدَ ما يُظَنُّ فيه التعارُضُ وجَبَ التَّحقُّقُ فيه مِنْ أمرين: أوَّلهما: ثبوتُ الدَّليلِ النَّقليِّ. فمتى ثَبَتَ دَليلُ الوَحيِ فهو الحَقُّ. وثانِيهِما: صِحَّةُ الدَّلالَةِ العَقليَّة. إذ الأصلُ اتِّفاقُهما، وإنَّما يوجَدُ التَّعارُضُ بتَخَلُّفِ أحدِهِما. (٢) ومِن أَمثِلَةِ اشتراطِ سلامَةِ الدَّليلِ عقلاً قولُه: «وفي تَرْكِه ﷺ إبانَةَ ذلك أنَّه مُرادٌ به مِنْ وجوهِ تأويلِه البَعضُ دونَ البَعضِ = أَوضَحُ الدَّليلِ على أنَّه مُرادٌ به جميعُ وُجُوهِه التي هو لها مُحتَمِلٌ؛ إذْ لم يَكُنْ مُستَحيلاً في العَقلِ وَجْهٌ مِنها أن يكونَ مِنْ تأويلِه ومَعناه» (٣)، وقولُه في نقدِ بعضِ الأقوالِ: «قيلَ له: أفَتقولُ مِنْ الوَجْهِ الذي قُلْتَ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]؛ يَلعَبُ اللهُ بهم ويعبَثُ. ولا لَعِبَ مِنْ اللهِ ولا عَبَثَ؟ فإن قَالَ: نعم. وَصَفَ اللهَ بما قد أجمَعَ المسلمون على نفيهِ عنه، وعلى تَخْطِئَةِ واصِفِه به، وأضَافَ إليهِ ما قد قَامَتِ الحُجَّةُ مِنْ العقولِ على ضلالِ مُضِيفِه إليه» (٤). الثاني مِنْ أوصافِ الدَّليلِ المُعتَبَر: صِحَّةُ تعلُّقِه بالمعنى المُستَدَلِّ له، ومُطابقتُه لموضِع الاستدلالِ؛ فإنَّ صِحَّةَ الدَّليلِ في نَفسِه لا تكفي

стр. 132

لقبولِه دليلاً على المعنى، ما لَمْ يكُن مُطابِقاً لموضِعِ الاستدلالِ (١)، وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ذلك في مواضِعَ كثيرَةٍ مِنْ تفسيرِه؛ مِنها قولُه: «مع أنَّ المُتدَبِّر إذا تدبَّرَ قولَ هذا القائِلِ في تأويلِه .. ، وما أشبهَ ذلك مِنْ حُجَجِه = عَلِمَ أنَّ حُجَجَه مُفسِدَةٌ في ذلك مقالَتَه، وأنَّ مقالَتَه فيه مُضادَّةٌ حُجَجَه» (٢)، وقولُه: «وأمَّا ما قالَه ابنُ زيدٍ، فإنَّه قولٌ لو كانَ في الكلامِ دَليلٌ على أنَّه استفهامٌ = حسنٌ؛ ولكنَّه لا دلالَةَ فيه على أنَّ ذلك كذلك. والعربُ لا تحذِفُ مِنْ الكلامِ شيئاً إليه حاجَةٌ إلا وقد أبقَتْ دليلاً على أنَّه مُرَادٌ في الكلامِ، فإذا لم يكُن في قوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] دلالَةٌ على أنَّ المرادَ به الاستفهامُ -كما قالَ ابنُ زيدٍ-، كانَ معلوماً أنَّه ليسَ به» (٣)، وقولُه عند قولِه تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، مُبَيِّناً سببَ تكريرِ إظهارِ اسمِ الله تعالى في آخر الآيةِ عند بعضِ أهلِ اللغةِ: «وقد كانَ بعضُ أهلِ العربيَّةِ يوَجِّهُ ذلك إلى نَحوِ قولِ الشَّاعر (٤): ليت الغُرابَ غداةَ يَنعَبُ دائِباً … كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأَوْداجِ وأنَّه إظهارُ الاسمِ الذي حَظُّهُ الكنايَةُ عنه. والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قالَ؛ وذلك أنَّ الغرابَ الثانيَ لو كانَ مَكْنيّاً عنه لما التَبَسَ على أحَدٍ

стр. 133

يَعقِلُ كلامَ العربِ أنَّه كِنايَةُ اسمِ الغُرابِ الأوَّلِ، إذ كانَ لا شيءَ قبلَه يحتَمِلُ الكلامُ أن يُوَجَّهَ إليه غَيرُ كِنايَةِ اسمِ الغُرابِ الأوَّلِ، وأنَّ قبلَ قولِه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] أسماءً، لو جاءَ اسمُ الله تعالى ذِكرُه مَكْنيّاً عنه، لم يُعلَمْ مَنْ المَقصودُ إليه بكِنايَةِ الاسمِ إلا بتوقيفٍ مِنْ حُجَّةٍ، فلذلك اختلفَ أمراهُما» (١). ومِن دَقَّتِه في هذا البابِ أنَّه يُحَدِّدُ معنى اللفظِ الذي له أكثَر مِنْ وجهٍ في الموضِعِ الواحِدِ، ويستدلُّ له في ذلك المعنى تحديداً، فيقولُ: «والدِّينُ في هذا الموضِعِ بتأويلِ الحِسابِ والمُجازاةِ بالأعمال» (٢)، ثُمَّ ذَكَرَ دليلَ ذلك مِنْ أشعارِ العَرَبِ، ونظائِرِه في كتابِ الله، ثُمَّ قالَ: «وللدِّينِ معانٍ في كلامِ العَرَبِ غيرُ معنى الحِسابِ والجَزَاءِ، سنذْكُرُها في أماكِنِها إن شاءَ اللهُ» (٣)، وقالَ أيضاً: «ومعنى قولِه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] في هذا المَوضِعِ عِندَنا: وَفِّقْنا للثَباتِ عليه. كما رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ» (٤)، ثُمَّ استوفى الاستدلالَ لذلك المعنى بنظائِرِ القرآنِ، والمشهورِ مِنْ كلامِ العربِ، وأشعارِها، وأجابَ عن المعاني الأخرى التي لا يحتَمِلُها هذا الموضِعُ مِنْ الكلامِ؛ وإن صَحَّتْ في غيره. ومِن دَقَّتِه أيضاً تمييزُ ما دلَّت عليه الآيةُ مِنْ المعاني، عمَّا دَلَّ عليه

стр. 134

خارِجُها مِنْ الأدلَّةِ؛ حتى يقَعَ الاستدلالُ على معناه المُطابِقِ في الآيةِ، كما في قولِه عندَ قولِ تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]: «ولم يقُل الله جلَّ ثناؤه في كتابِه: فإن كانَ له ولدٌ فلا شيءَ لأختِه معه. فيكونَ لِمَا رُويَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ الزُّبيرِ في ذلك وجهٌ يُوَجَّهُ إليه، وإنَّما بَيَّن جلَّ ثناؤُه مبلَغَ حَقِّها إذا ورثَ الميِّتُ كلالةً، وتركَ بيانَ ما لها مِنْ حَقٍّ إذا لم يُورَثْ كلالةً في كتابِه، وبَيِّنَهُ بوَحيهِ على لسانِ رسولِه ﷺ ، فجعلَها عَصَبَةً مع إناثِ ولدِ المَيِّتِ، وذلك معنىً غيرُ معنى وراثَتِها المَيِّتَ إذا كانَ موروثاً كلالةً» (١)، وقالَ في بيانِ حَدِّ التيَمُّمِ في قولِه تعالى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]: «والصوابُ مِنْ القولِ في ذلك أنَّ الحدَّ الذي لا يُجزئُ المُتيمِّمَ أن يُقصِّرَ عنه في مَسحِه بالتُّرابِ مِنْ يديه: الكفَّانُ إلى الزَّندين؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ التَّقصيرَ عن ذلك غيرُ جائزٍ، ثم هو فيما جاوزَ ذلك مُخيَّرٌ، إن شاءَ بلغَ بمَسحِه المرفقَيْن، وإن شاءَ الآباطَ. والعلَّةُ التي مِنْ أجلِها جعلناهُ مُخيَّراً فيما جاوزَ الكفَّيْن: أنَّ اللهَ لم يَحدَّ في مسحِ ذلك بالتُّرابِ في التَّيمُّمِ حدّاً لا يجوزُ التَّقصيرُ عنه، فما مَسَحَ المُتَيمِّمُ مِنْ يديه أجزَأَهُ، إلا ما أُجمِعَ عليه، أو قامتْ الحُجَّةُ بأنَّه لا يُجزِئُه التَّقصيرُ عنه، وقد أجمعَ الجميعُ على أنَّ التَّقصيرَ عن الكفَّيْن غيرُ مُجزئٍ، فخرجَ ذلك بالسُّنَّةِ، وما عدا ذلك فمُختَلَفٌ فيه، وإذْ كانَ مُختَلَفاً فيه، وكانَ الماسِحُ بكفَّيهِ داخلاً في عمومِ الآيةِ كانَ خارجاً مما لَزِمَهُ مِنْ فَرضِ ذلك» (٢).

стр. 135

الثّالثُ: سلامتُه مِنْ المُعارِضِ الرَّاجِحِ؛ سواءٌ كانَ نقليّاً أو عقليّاً. فإذا تعارَضَ دليلانِ ثابتانِ في المعنى الواحِدِ على وجهٍ لا يُمكِنُ به الجمعُ بينهُما = تَعيَّنَ التَّرجيحُ، وصارَ الرَّاجِحُ مِنهُما محلَّ الاعتِبارِ والاعتِمادِ (١). وذلك أنَّ الأدلَّةَ الثَّابتَةَ لا تتعارَضُ حقيقةً ولا تتناقضُ، بل كُلُّها يدُلُّ على الحَقِّ، ويشهَدُ بالصَّوابِ، ومِن ثَمَّ كانَ الجَمعُ بين الأدِلَّةِ المُتعارِضَةِ أوَّلَ المسالِكِ وأَوْلاها، فإذا تَعَذَّرَ الجَمعُ دَلَّ على وُجودِ وصفٍ -مِنْ جِهَةِ الثُّبوتِ أو الدِّلالَةِ- يمنعُ مِنْ الاستدلالِ بأحدِهما، ويوجِبُ ترجيحَ أحَدِهما على الآخَرِ واعتِبارِه. (٢) وقد قَرَّرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) تلكَ المسائِلَ في تفسيرِه نَصَّاً ومنهجاً، وبَيَّنَ «أنَّه غيرُ جائِزٍ أن يكونَ في أخبارِ اللهِ أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يدفَعُ بعضُهُ بعضاً» (٣)، وقالَ: «وخَبَرُ الله أصدَقُ مِنْ أن يَقَعَ فيه تناقُضٌ» (٤). وأجرى تفسيرَه على اعتِمادِ ما صَحَّ مِنْ الأدلَّةِ، وسَلِمَ مِنْ المُعارِضِ؛ كما في قولِه: «فقد تَبيَّن إذن بما قُلنا صِحَّةُ معنى الخبرَيْن .. ، وأنْ ليسَ أحدُهما دافعاً صِحَّةَ معنى الآخرِ كما ظَنَّهُ بعضُ الجُهَّالِ. وغيرُ جائِزٍ في أخبارِ رسولِ الله ﷺ أن يكونَ بعضُها دافعاً بعضاً

стр. 136

إذا ثَبَتَ صِحَّتُها» (١)، وقالَ عند قولِه تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] رادّاً على مَنْ استَدَلَّ على وجوبِ العُمرَةِ ببعضِ الأخبارِ: «فإنَّ هذه أخبارٌ لا يَثبُتُ بمثلِها في الدِّينِ حُجَّةٌ؛ لِوَهْيِ أسانيدِها، وأنَّها مع وهْيِ أسانيدِها لها مِنْ الأخبارِ أشكالٌ تُنبِئُ عن أنَّ العُمرَةَ تَطوُّعٌ، لا فرضٌ واجِبٌ» (٢). وقَرَّرَ عند وجودِ التَّعارُضِ لزومَ جَمعِ الدَّليلَين على معنىً صحيحٍ، وحَمْلِ أحدِهِما على الآخرِ، كما في قولِه: «فإذا كانَ الخبران اللذان ذكرناهُما عنه ﷺ صحيحَيْن، كانَ غيرَ جائزٍ إلا أن يكونَ أحدُهُما مُجمَلاً، والآخَرُ مُفسَّراً؛ إذ كانَت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً» (٣)، وقولِه: «فإذْ كانَ كِلا الخبرَيْن صحيحاً مَخرَجُهما، فواجِبٌ التَّصديقُ بهما، وتوجيهُ كُلِّ واحِدٍ مِنهما إلى الصَّحيحِ مِنْ وَجهٍ» (٤). ورَدَّ أخباراً لأنَّها مُقابَلَةٌ بأصَحَّ مِنها كما في قولِه: «وإنَّما قُلنا ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ؛ لتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ ) (٥)، ثَمَّ أَوْرَدَ اعتراضَاً بأحدِ الأخبارِ، وقالَ: «هذا خبرٌ في إسنادِه نظرٌ .. ، والثِّقاتُ مِنْ أهلِ الآثارِ يَقِفونَ هذا الكلامَ على سلمانَ، ويَرْوونَه عنه مِنْ قيلِه غيرَ مرفوعٍ إلى النَّبي ﷺ ، والحُفَّاظُ الثِّقاتُ إذا تتابَعوا على نقلِ شيءٍ بصِفَةٍ، فخالَفَهم واحِدٌ مُنفَرِدٌ، وليس

стр. 137

له حِفظُهُم = كانَت الجَماعَةُ الأثباتُ أحَقَّ بصِحَّةِ ما نقلوا مِنْ الفَردِ الذي ليس له حِفظُهُم» (١)، ومثلُه أيضاً قولُه: «وكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكرناها عمَّن ذكرنا = توجيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غير وجهِه المعروفِ، وغيرُ جائِزٍ توجيهُ معاني كلامِ الله جلَّ وعزَّ إلى غيرِ الأغلَبِ عليه مِنْ وجوهِه عند المُخاطَبين به، ففي ذلك مع خلافِهم تأويلَ أهلِ العِلمِ فيه = شاهِدا عَدلٍ على خطأِ ما ذهبوا إليه فيه» (٢). كما اعتَبَرَ المُعارِضَ الرَّاجِحَ؛ مِنْ أيِّ قِسْمٍ كانَ مِنْ أُصولِ الأدِلَّةِ؛ نقليّاً كانَ أو عَقليّاً، ومِنه قولُه عند قولِه تعالى ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]: «وكأنَّ معنيَّ صاحِبِ هذه المقالَةِ في قولِه هذا: ولو ترى إذ وُقِفوا على النَّارِ فقالوا: قد وُقِفْنا عليها مُكَذِّبين بآياتِ رَبِّنا كُفَّاراً، فيا ليتنا نُرَدُّ إليها فنُوقَفَ عليها غيرَ مُكَذِّبين بآياتِ رَبِّنا، ولا كُفَّاراً. وهذا تأويلٌ يدفعُه ظاهِرُ التَّنزيلِ؛ وذلك قولُه تعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فأخبَرَ اللهُ تعالى ذِكرُه أنَّهم في قِيلِهم ذلك كَذَبَةٌ، والتَّكذيبُ لا يقعُ في التَّمَنِّي، ولكنَّ صاحِبَ هذه المَقالَةِ أظُنُّ به أنَّه لم يتدبَّرِ التأويلَ، ولَزِمَ سَنَنَ العربيَّةِ» (٣)، وكذا قولُه عند قوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: «فأمَّا قولُنا: إنَّه دلالَةٌ على الغايةِ التي يُنتَهى إليها في الرّضاعِ عند اختلافِ الوالِدَيْن فيه؛ فلأنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لمَّا حَدَّ في ذلك حدَّاً كانَ غيرَ جائِزٍ أن يكونَ ما وراءَ حَدِّه موافِقاً في الحُكمِ ما دونَه؛ لأنَّ ذلك لو

стр. 138

كانَ كذلك لم يكُن للحَدِّ معنىً معقولٌ. وإذْ كانَ ذلك كذلك، فلاشَكَّ أنَّ الذي هو دونَ الحَوْلَين مِنْ الأجَلِ لَمّا كانَ وقتَ رَضاعٍ كانَ ما وراءَه غيرَ وقتٍ له؛ وأنَّه وقتٌ لتركِ الرَّضاعِ، وأنَّ تمامَ الرَّضاعِ لَمَّا كانَ تمامَ الحَوْلَيْن؛ وكانَ التَّمامُ مِنْ الأشياءِ لا معنى للزيادَةِ فيه = كانَ لا معنى للزيادَةِ في الرّضاعِ على الحَوْلَيْن» (١). القاعدةُ العاشرةُ: الدَّليلُ الواحِدُ كافٍ في الدَّلالَةِ، وبَعضُ الأدِلَّةِ يُغني عن بَعضٍ. إذا وَرَدَ الدَّليلُ -على الوجهِ السَّابِقِ بيانُه- كانَ كافياً في الاستدلالِ به بمُفرَدِه، فإذا انضافَ إليه غيرُه مِنْ أنواعِ الأدلَّةِ قوِيَت دلالَتُه، وتقَدَّمَ على غيرِه. وعلى هذا المَنهَجِ سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه؛ فبَيَّنَ أنَّ بعضَ الأدلَّةِ يُغنى عن بعضٍ؛ كما في قولِه: «وهذا قولٌ لا نعلمُ قائِلاً قالَه مِنْ أهلِ التَّأويلِ، وكفى خطأً بقولِه خروجُه عن أقوالِ أهلِ العِلمِ، لو لم يكن على خطئِهِ دلالَةٌ سواهُ، فكيف وظاهِرُ التَّنزيلِ يُنبِئُ عن فسادِه!» (٢)، وقولِه: «وهذا خبرٌ وإن كانَ في إسنادِه ما فيه، فإنَّ في إجماعِ الحُجَّةِ على صِحَّةِ القَوْلِ به مُستَغْنىً عن الاستِشهادِ على صِحَّتِه بغيرِه» (٣)، وقولِه: «ثُمَّ في دلالَةِ الآيَةِ كفايَةٌ مُغنيَةٌ عن استِشْهادِ شاهِدٍ على صِحَّةِ ذلك بغيرها» (٤)، وقَرَّرَ: «أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه إذا دَلَّ على

стр. 139

وجوبِ شيءٍ في بعضِ تنزيلِه، ففي دلالَتِهِ على وجوبِه في المَوْضِع الذي دَلَّ عليه الكِفايَةُ عن تكريرِه .. ، فلا حاجةَ بالعبادِ إلى تكريرِ ذلك في كُلِّ آيَةٍ وسورَةٍ» (١)، فكذلك هي الأدلَّةُ. كما سارَ في تفسيرِه على تركِ استيعابِ الأدِلَّةِ لبعضِ المعاني؛ لظُهورِ صَوابِ القَولِ، أو لاشْتِهارِ فَسَادِه، فيستَغني بما ذُكِرَ مِنْ الأدلَّةِ عن غيرِه لحُصولِ المقصودِ به، ومِن ذلك قولُه: «وذلك هو الكلامُ الذي لا حاجَةَ بالمُتَكَلِّمِ به إلى الاستِشهادِ على صِحَّتِه؛ لفُشُوِّ ذلك على ألسُنِ العَرَب» (٢)، وكذا قولُه: «فأمَّا إذا وَجَّهنا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] إلى أنَّها مِنْ نَعتِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فلا حاجَةَ إلى الاستدلالِ؛ إذ كانَ الصَّريحُ مِنْ معناه قد أغنى عن الدَّليلِ» (٣)، وقولُه: «وليسَ هذا قولاً نستجيزُ التَّشاغُلَ بالدَّلالَةِ على فسادِه؛ لخروجِه عن قولِ جميعِ عُلماءِ التَّأويلِ» (٤). القاعدةُ الحاديَةَ عشرَةَ: ما ثَبَتَ بدليلٍ لا يُخرَجُ عنه إلا بدليلٍ. هذه القاعِدَةُ أصلٌ جليلٌ عامٌّ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀، يتحقَّقُ به وجوبُ الاستمساكِ بما دَلَّ عليه الدَّليلُ مِنْ المعاني، ولا يُخرَجُ عنها إلا بدليلٍ يوجِبُ المَصيرَ إلى غيرِها. وقد قَرَّرَ فيه أنَّ: كُلَّ

стр. 140

دليلٍ ثبتَت حُجِّيَّتُه وَجَبَ اتِّباعُه. وتكرَّرَتْ مِنه هذه العبارَةُ: «إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها» في تفسيرِه أكثرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ (١). كما بَيَّنَ أنَّ: كُلَّ معنىً عارَضَ الأدلَّةَ الثَّابتَةَ أو شيئاً مِنْ معناها بلا حُجَّةٍ فهو باطِلٌ. ومِن ذلك رَدُّهُ لبعضِ الأقوالِ بقولِه: «وذلك إن قالوه خَرَجَ من قالَه مِنْ قِيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالَفَ نَصَّ كتابِ اللهِ تعالى ذِكرُه، وقولَ رسولِ اللهِ ﷺ ) (٢)، وقالَ أيضاً: «والخَبَرُ عن رسولِ الله ﷺ بخِلافِ هذا القَولِ، وقولُ رسولِ الله ﷺ هو الحَقُّ دونَ غيرِه» (٣). ويتبعُ هذه القاعِدةَ قَولُنا: إذا ثَبَتَ الأصلُ فلا يُصارُ إلى غيرِه إلا بدليلٍ؛ وذلك أنَّ ثُبوتَ الأصلِ إنَّما يكونُ بجُملَةٍ مِنْ الأدلَّةِ، يصيرُ بها ثابتاً مُطَّرِداً؛ يُحكَمُ به، ويُبنى عليه (٤). والنُّصوصُ عن ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وتطبيقاتُه لهذه القاعِدَةِ مِمَّا يَشقُّ حصرُه؛ لتعلُّقِها بأبوابِ الظَّاهرِ والباطنِ، والأمرِ والنَّهيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُطلَقِ والمُقَيَّدِ، والنَّاسِخِ والمنسوخِ، وأشباهِها مِنْ الأبوابِ التي تتكرَّرُ تطبيقاتُها في الآياتِ. وممّا أورَدَهُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ منهجِه في تلك الأبوابِ ما يأتي:

стр. 141

أوَّلاً: الظّاهرُ والباطنُ: الظاهرُ هو: المُتبادَرُ مِنْ معنى اللفظِ الذي ثَبَتَ بطريقٍ مِنْ طُرُقِ التَّفسيرِ المُعتَبَرَة، ولم يَصرِفهُ عنه صارِفٌ. ورُبَّما عَبَّرَ عنه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالنَّصِّ، وحقيقةِ اللفظِ (١). والباطنُ هو: المعنى غيرُ المُتبادَرِ مِنْ اللفظِ، والذي صرفَهُ عن المعنى الظاهِرِ مِنه صارِفٌ (٢). ومِن ثَمَّ يُسَمِّي ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) العامَّ، والمُطلَقَ، والأغلبَ مِنْ استعمالِ النَّاسِ، والمعروفَ مِنْ كلامِ العَرَبِ، وسياقَ الكلامِ = ظاهِراً؛ لأنَّها المُتبادَرُ مِنْ معنى اللفظِ، فإذا صَرَفَها عنه صارِفٌ صارَتْ مِنْ الباطنِ؛ كالخاصِّ والمُقَيَّدِ، ونحوهِما (٣)، ومِن خلالِ سياقِ هذه اللفظةِ للاستدلالِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) يتبيَّنُ أنَّ (الظّاهرَ) حالةٌ تنطبقُ على كافَّةِ الأدلَّةِ، وهو مُستوىً مِنْ الدَّلالةِ إذا وصلَ إليه الدَّليلُ سمّاه: ظاهراً. فمرَّةً يكونُ السّياقَ، ومرَّةً السُّنَّةَ، وأخرى النَّظائرَ .. ، وهكذا. وأصلُ هذا البابِ عند ابن جريرٍ (ت: ٣١٠): أنْ يُحمَلَ الكلامُ على ظاهِرِه، ولا يُصرَفْ عنه إلى باطنِهِ إلا بدليلٍ (٤). وقد وقفتُ له في معنى

стр. 142

هذه العِبارَةِ وتطبيقاتِها على قرابَةِ (٢٥٨) موضِعاً؛ مِنها قولُه: «غيرُ جائِزٍ إحالَةُ الظّاهرِ إلى الباطنِ مِنْ التَّأويلِ بغيرِ برهانٍ» (١)، وقولُه: «وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظّاهرِ بالخِطابِ دونَ الخَفيِّ الباطنِ مِنه، حتى تأتيَ دلالَةٌ مِنْ الوَجهِ الذي يجبُ التَّسليمُ له بمعنىً خلافِ دليلِهِ الظَّاهرِ المُتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَلَ القرآنُ = أولى» (٢)، وقولُه: «غيرُ جائِزٍ نقلُ حُكمِ ظاهرِ آيَةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحُجَّةٍ ثابتةٍ» (٣)، ونَصَّ على أنَّ الإيمانَ بظاهرِ التَّنزيلِ فرضٌ، فقالَ في قولِه تعالى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]: «وليسَ في العِلمِ بمَبلَغِ وزنِ ذلك فائِدةٌ تقعُ في دينٍ، ولا في الجَهلِ به دخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهرِ التَّنزيلِ فرضٌ، وما عداهُ فموضوعٌ عنَّا تَكَلُّفُ عِلْمِه» (٤). والدَّليلُ الذي يُخرَجُ به عن ظاهرِ اللفظ يشملُ دليلَ النَّقلِ والعَقلِ، كما في قولِه: «ليس لأحدٍ أن يجعلَ خبراً جاءَ الكِتابُ بعمومِه في خاصٍّ مما عَمَّهُ الظَّاهِرُ بغيرِ برهانٍ مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ أو عَقلٍ، ولا نعلَمُ خبراً جاءَ يوجِبُ نقلَ ظاهرِ قولِه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٢] إلى باطِنٍ خاصٍّ، ولا مِنْ العَقلِ عليه دليلٌ، فيجبَ إحالَةُ ظاهرِه إلى باطِنِه» (٥)، وقولِه: «لا حُجَّةَ يجبُ التَّسليمُ لها

стр. 143

بأنَّ الآيةَ مُرادٌ بها بعضُ الفديَةِ دون بعضٍ مِنْ أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعمومِها» (١). وقد بَيَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الحاجَةَ التي قد يضطرُّ معها المُفسِّرُ إلى الأخذِ بغيرِ الظَّاهرِ، فقالَ عند قولِه تعالى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]: «وأمَّا الصَّوابُ مِنْ القَولِ في تأويلِه فأن يُقالَ: إنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه أخبَرَ أنَّ الملائِكَةَ نادتهُ، والظَّاهِرُ مِنْ ذلك أنَّها جماعَةٌ مِنْ الملائِكَةِ دونَ الواحِد، وجبريلُ واحِدٌ، فلن يجوزَ أن يُحمَلَ تأويلُ القرآنِ إلا على الأظهرِ الأكثرِ مِنْ الكلامِ المُستَعمَلِ في ألسُنِ العرَبِ دون الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ، ولم تَضطَرَّنا حاجَةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنَّه بمعنى واحِدٍ، فيُحتاجَ له إلى طَلَبِ المَخرَجِ بالخَفيِّ مِنْ الكلامِ والمعاني» (٢)، وقالَ عن بعضِ المعاني: «ولا ضرورَةَ بالكلامِ إلى ذلك؛ فيُوَجَّهَ إلى ما ليسَ بموجودٍ في ظاهِرِه» (٣)، ومِن خلالِ ذلك يُمكن تحديدُ الحاجَةِ -التي يُطلَبُ لها الخَفيُّ مِنْ الكلامِ وبالحُجَّةِ الدَّالَّةِ- بأنَّها: ما لا يُمكِنُ معه إقامَةُ الكلامِ على الصِّحَّةِ شرعاً أو عقلاً. وتقديرُ تلك الحاجَةِ ليس متروكاً إلى هوى النَّفسِ، أو الرَّأيِ المُجَرَّدِ، وإنما هو مشروطٌ بدلالَةِ: الحُجَّةِ (الثَّابتَةِ)، والتي: (يجِبُ التَّسليمُ لها)، كما عبَّرَ

стр. 144

عنها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) (١)؛ وهي التي اقتضاها النَّصُّ الصَّحيحُ، والعقلُ السَّليمُ. ثانياً: الأمرُ والنَّهيُ (٢): الأمرُ هو: طلبُ الفعلِ بالقولِ على جهةِ الاستعلاءِ. ومثلُه النَّهيُ، لكنَّه: طلبُ التَّرك (٣). قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «كُلُّ أمرٍ بمعنىً فنهيٌ عن خِلافِه وضِدِّه، وكذلك النَّهيُ عن الشَّيءِ أمرٌ بضِدِّه وخِلافِه» (٤)، وللأمرِ والنَّهيِ معانٍ، أشارَ إليها بقولِه: «ممَّا أنزلَ اللهُ مِنْ القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يوصَلُ إلى عِلمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ؛ وذلك تأويلُ جميعِ ما فيهِ مِنْ وجوهِ أمرِه؛ واجِبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نَهْيِه» (٥). وأصلُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ: أنَّ الأمرَ المُطلَقَ للوجوبِ، والنَّهيَ المُطلَقَ للتحريمِ، إلا بدليلٍ يصرفُهُما عن ذلك (٦). قالَ مُبَيِّناً ذلك: «وأمرُ الله فرضٌ لازِمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنَّه إرشادٌ

стр. 145

ونَدبٌ» (١)، وقالَ: «كُلُّ أمرٍ لله ففَرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِنْ الوَجهِ الذي يجِبُ التَّسليمُ له بأنَّه ندبٌ أو إرشادٌ» (٢)، وقالَ: «الأمرُ مِنْ الله تعالى ذِكرُه إنَّما يكونُ فيما يكونُ للعبادِ السَّبيلُ إلى طاعتِه بفِعلِه، والمَعصيَةِ بتَركِه، فأمَّا ما لَم يكن لهم إلى فِعلِه ولا إلى تركِه سبيلٌ = فذلك ممَّا لا يجوزُ الأمرُ به، ولا النَّهيُ عنه، ولا التَّعَبُّدُ به» (٣). ثالثاً: العامُّ والخاصُّ: العامُّ هو: اللفظُ الشَّامِلُ لمَدلُولِه بلا حَصْرٍ. والتَّخصيصُ: قصرُ العامِّ على بعضِ معناه. ورُبَّما سَمَّى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) العامَّ مُجمَلاً، والخاصَّ مُفَسَّراً؛ لأنَّ التَّخصيصَ نوعٌ مِنْ التَّفسيرِ والبيانِ لبعضِ أفرادِ العامِّ (٤). والقاعِدَةُ العامَّةُ عند ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا الباب: وجوبُ حَملِ العامِّ على عمومِه، ولا تَخصيصَ إلا بدليلٍ (٥). وقد فَصَّلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك بقولِه: «الحُكمُ عندنا في كُلِّ ما أنزلَهُ اللهُ في كتابِه
следующие страницы →