موَسَّعٍ لأنواعِ الأدلَّةِ، ومراتِبِها، وطرقِ الاستدلالِ بها على المعاني، والمنهجِ الحَقِّ في الاستدلالِ، مع التَّعرُّضِ لأنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ المردودةِ، والمناهجِ المنحرفةِ في الاستدلالِ. ومثلُها في ذلك كتبُ (علومِ القرآنِ)، مع شيءٍ مِنْ الاختصارِ.
النَّوعُ الثّاني: المصادرُ المُسَاندةُ؛ والتي تتناولُ مباحثَ مفرَدةً مِنْ أَدِلَّةِ المعاني، ومناهجِ الاستدلالِ بها، مِنْ جِهَةِ تعلُّقِها بتلك العلومِ؛ كمباحثِ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، ودلالاتِ الألفاظِ، وتعارضِ الأدلَّةِ والتَّرجيحِ، مِنْ كتبِ (أصولِ الفقهِ)، ومباحثِ الاستدلالِ بلغةِ العربِ، وعاداتِها في الخطابِ، مِنْ أشعارِها ومشهورِ كلامِها، مِنْ كتبِ (فقهِ اللغةِ والمعاجمِ)، ومباحثِ السُّنَّةِ ومناهجِ الاستدلالِ بها مِنْ كتبِ (الحديثِ وأصولِه)، ومباحثَ أخرى متفرِّقةً في كتبِ (الاعتقادِ، والسيرةِ، والتواريخِ والأخبارِ).
وقد استوفَت هذه المصادرُ الحديثَ عن كثيرٍ مِنْ مسائلِ أدِلَّةِ المعاني ومناهجِها؛ لأنَّ غالبَ تلك المسائلِ مِمَّا تشتركُ فيه العلومُ، وتَتَّحِدُ فيه مناهجُ العقلاءِ، ولذا كانَ مِنْ شرطِ المُفسِّرِ الإلمامُ بأنواعٍ مِنْ تلك العلومِ على التَّمامِ؛ لمعرفةِ المعنى على الوجهِ الصَّحيحِ، ثُمَّ الاستعانةُ بباقي العلومِ؛ لجودَةِ الفهمِ، وسلامةِ الاستنباطِ، وحُسنِ البيانِ. (١)
* * *
стр. 72
• البابُ الأوَّلُ: أدلَّةُ المعاني عند ابنِ جريرٍ في تفسيرِه.
ويشتملُ على فصلَيْن:
الفصلُ الأوَّلُ: عنايةُ ابنِ جريرٍ بالاستدلالِ على المعَاني في التَّفسيرِ.
الفصلُ الثّاني: تفصيلُ أدلَّةِ المعاني عند ابنِ جريرٍ في تفسيرِه.
стр. 73
الفصلُ الأوَّلُ: عنايةُ ابنِ جريرٍ بالاستدلالِ على المعَاني في التَّفسيرِ.
وفيه ثلاثةُ مباحث:
المبحثُ الأوَّلُ: أقسامُ المعاني القرآنيَّةِ.
المبحثُ الثّاني: أنواعُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
المبحثُ الثّالثُ: أثرُ منهجِ ابنِ جريرٍ النَّقديِّ في إبرازِ أدلَّةِ المعاني ووجوهِ الاستدلالِ بها في تفسيرِه.
стр. 74
المبحثُ الأوَّلُ: أقسامُ المعاني القرآنيَّةِ.
تنقسمُ المعاني القرآنيَّةِ مِنْ حيثُ طرقِ بيانِها إلى قسمين، هما:
١ - معاني المفرداتِ.
٢ - معاني التَّراكيبِ.
ولا يَخرجُ بيانٌ لمعاني القرآنِ عن هذين الوجهين بحالٍ؛ فإنَّ المُفسِّرَ إمَّا أن يُبيِّنَ المعنى الإفراديَّ لِلَّفظَةِ، وإمَّا أن يُبَيِّنَ المعنى التَّركيبيَّ الإجماليَّ للجُملَةِ، وكلاهُما بيانٌ وتفسيرٌ (١)، وكلا الطَّريقَيْن موجودٌ في تفاسيرِ السَّلفِ فمَن بعدهم، وكلاهُما سَلَكَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، وهذا بيانٌ لأحوالِ تلك المعاني:
القسمُ الأوّل: معاني المفردات.
وهو البيان اللفظيُّ لمعنى المُفرَدَة القرآنية، ويُسميه بعضُ العلماء: (التَّفسير على اللفظ) (٢)، وغايته بيانُ معنى اللفظةِ المُطَابقِ، مع
стр. 75
الاستشهادِ عليه -أحياناً- بكلامِ العربِ نثراً أو شعراً، وهو المسلَكُ الذي سارَت عليه معاجمُ اللغة. وأكثرُ ما يكون البحثُ في هذا النوعِ في غريبِ ألفاظِ القرآنِ وغيرِ المشهورِ مِنها؛ ولذلك كَثُرَ اعتناءُ اللغويين به، وصارَ موضوعَ كُتب (غريبِ القرآن). وقد بَيَّن الزركشيُّ (ت: ٧٩٤) وجوهَ النظرِ في المفردات القرآنية، وحصرَها في ثلاثِ جهاتٍ:
الأولى: جهةُ المعاني التي وُضِعَت الألفاظ المُفرَدة بإزائِها. وهذا يتعلقُ بعلمِ اللغةِ والمعاجمِ.
الثّانية: جهةُ الهيئاتِ والصِّيَغ الوارِدةِ على المفرداتِ؛ الدَّالَّةِ على المعاني المختلفةِ. وهذا يتعلَّق بعلمِ التَّصريفِ.
الثّالثة: جهةُ رَدِّ الفروعِ المأخوذةِ مِنْ الأصولِ إليها. وهذا يتعلَّقُ بعلمِ الاشتقاقِ. (١)
ثُمَّ هذا النوعُ مِنْ البيانِ مُتَقدِّمٌ على المعنى التَّركيبيِّ الإجماليِّ، وأصلٌ له؛ فينبغي البداءَةُ به قبل التركيبيّ، قالَ ابنُ الأثير (ت: ٦٠٦): «ثمَّ الألفاظُ تنقَسمُ إلى: مُفردَةٍ ومُركَّبة، ومعرفةُ المفردةِ مقَّدمةٌ على معرفةِ المركَّبةِ؛ لأنَّ التركيبَ فَرْعٌ عن الإفرادِ» (٢)، وقالَ الرّاغبُ الأصفهاني (٣) (ت: بعد ٤٠٠): «أوَّلُ ما يحتاجُ أن يُشتغلَ به من علومِ
стр. 76
القرآنِ: العلومُ اللفظيَّة. ومِن العلومِ اللفظيَّةِ تحقيقُ الألفاظِ المُفردةِ؛ فتحصيلُ معاني مُفرداتِ ألفاظِ القرآنِ في كونِه مِنْ أوائلِ المَعاوِنِ لمن يريدُ أن يُدرك معانيه = كتحصيلِ اللَّبِنِ في كونِه مِنْ أوَّلِ المَعاوِنِ في بناءِ ما يُريدُ أن يبنيه» (١).
وينبغي ألاَّ يُتَسَرَّعُ في حملِ المعاني القرآنيَّةِ على معنى اللفظ مُجَرَّداً؛ فإن هذه المعاني الإفراديَّةَ -وإن كانَت أصلاً للمعنى التَّركيبيّ- لا تكفي في تحديدِ المُرَادِ مِنْ الكلامِ، بل لابُدَّ مِنْ الوقوفِ على سياقِ الكلامِ، وسَبَبِه، ومَعْرِفةِ قولِ من شَهِدَهُ وعاصَرَه، ومِن ثَمَّ أخذَ العلماءُ على بعضِ أهلِ اللغَةِ: اعتمادَ اللغةِ مصدراً مُستَقِلاًّ للتَّفسيرِ، دون الالتفاتِ إلى غيرها مِنْ المصادِر. (٢)
وقد وردَ عن السَّلفِ تفسيرُ كثيرٍ مِنْ مُفرَداتِ القرآنِ على اللفظِ، ومِن ذلك قول ابن عباس ﵁ لَمَّا سُئِلَ عن قوله تعالى ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١] قالَ: «الحِنْطَة؛ أمَا سمعتَ قولَ أُحَيْحَةَ بن الجُلاحِ:
قد كُنْتُ أغنى الناسِ شَخصَاً واحداً … وَرَدَ المَدينَةَ عن زِراعةِ فومِ» (٣).
стр. 77
قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وقد ذُكِرَ أنَّ تسْميةَ الحِنطَةِ والخبزِ جميعاً فوماً مِنْ اللُّغةِ القديمَةِ، حُكيَ سماعاً مِنْ أهلِ هذه اللُّغةِ: فَوِّمُوا لنا. بمعنى: اخْتَبزوا لنا» (١).
كما اعتنى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بتفسيرِ مفرداتِ القرآنِ عنايةً كبيرةً، وسلك في تفسيرِها مسلكاً غايةً في التَّحقيقِ، يبدؤه غالباً ببيانِ أصلِ اللفظةِ، ثمَّ بنائِها الصَّرفيّ واشتقاقِها عند الحاجةِ، ثم يستشهدُ على ذلك بكلامِ العربِ ومشهورِ ألفاظِها مِنْ النَّثرِ أو الشِّعرِ، وبالقرآنِ والسُّنَّةِ وأقوالِ السَّلفِ، وقد يَعرضُ أثناءَ ذلك لأقوالِ المخالفين، مع الردِّ عليها بالحُجَّةِ والدَّليلِ، ولا يلزمُ اجتماعُ ذلك في الموضعِ الواحدِ. ومِن أمثِلَةِ ذلك قولُه: «الأليمُ: الموجِعُ. ومعناه: ولهم عذابٌ مُؤْلمٌ. فصُرفَ مُؤْلمٌ إلى أليمٍ، كما يُقالُ: ضربٌ وَجيعٌ. بمعنى: موجِعٌ. والله بديعُ السمواتِ والأرضِ. بمعنى: مُبدعٌ. ومِنه قولُ عمرِو بن مَعْدِيكرِبَ الزّبيدي (٢):
أَمِنْ رَيْحَانَةَ (٣) الدَّاعِي السَّمِيعُ … يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
بمعنى المُسمِعُ. ومِنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٤):
ونرفعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ (٥) … يَصُدُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ
стр. 78
ويروى يَصكُّ. وإنَّما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنَّه قالَ: ولهم عذابٌ مُؤْلمٌ. وهو مأخوذٌ مِنْ الألمِ، والألمُ: الوَجَعُ» (١)، ثُمَّ أسندَ عن الرَّبيعِ (ت: ١٣٩) والضَّحّاكِ (ت: ١٠٥) قولَهم: «الأليمُ: المُوجِع» (٢).
القسمُ الثاني: معاني التراكيب.
وهو البيانُ الإجماليُّ لمعنى المُفرَدَة القرآنيَّةِ حالَ تركيبِها في الكلامِ، ويُسميه بعضُ العلماءِ: (التَّفسيرَ على المعنى) (٣)، وغايتُه بيانُ المُرادِ مِنْ معنى الآيةِ دون النَّظرِ إلى تحريرِ ألفاظِها لُغةً أو بيانِ المعنى المُطابقِ لألفاظِها. ومِن ثَمَّ فإنَّ المعاني التركيبيَّةَ قد تُطابقُ أو توَسِّعُ أو تُضَيِّقُ المعنى الإفرادي؛ قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «إنَّ وضعَ اللفظِ حالَ الإفرادِ قد يُخالِفُ وضعَه حالَ التَّركيبِ، بل غالبُ الألفاظِ كذلك» (٤).
وأكثرُ تفاسيرِ السَّلفِ كانَت على هذا النوعِ مِنْ البيانِ، قالَ النَّحّاسُ (ت: ٣٣٨) بعد ذِكر بعضِ أقوالِ السَّلفِ في الحروفِ المُقَطَّعةِ أوائلَ السُّوَرِ: «ولم يَشرَحوا ذلك بأكثرَ مِنْ هذا؛ لأنَّه ليس مِنْ مذاهبِ الأوائلِ، وإنَّما يأتي الكلامُ عنهم مُجمَلاً، ثم يتأوَّلُه أهلُ النَّظرِ على ما
стр. 79
يوجِبُه المعنى» (١)، وقالَ الواحدي (ت: ٤٦٨): «وكذلك آياتُ القرآنِ التي فسَّرها الصَّحابةُ والتّابعون، إنَّما فسَّروها بذكرِ معناها المقصودِ؛ كقولِه تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، قالَ قتادةُ: «إذا قيلَ له: مهْلاً مهْلاً. ازدادَ إقداماً على المعصيةِ»، فمِن أينَ لك أن تعرفَ هذا المعنى مِنْ لفظِ الآيةِ إلا بعدَ الجُهد، وطولِ التفَكُّرِ» (٢)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) عن تفسيرٍ للحسن (ت: ١١٠): «فَبَيَّنَ المعنى المُرادَ وإن لم يَتكَلَّم على اللفظِ؛ كعَادةِ السَّلفِ في اختصارِ الكلامِ مع البَلاغَة وفهمِ المعنى» (٣)؛ وقد كانَ ذلك مِنهم لأمورٍ:
أوَّلُها: أنَّ بيانَ المرادَ مِنْ معاني القرآنِ ألزَمُ وأولى مِنْ بيانِ لُغَتِه وحدودِ ألفاظِه، وذلك راجعٌ إلى الغايةِ مِنْ إنزالِ القرآنِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
ثانيها: أنَّ ذلك مِنْ سَنَنِ العربِ في كلامِها، كما قالَ الشَّافعيُّ (ت: ٢٠٤) عن العرَبِ: «وتَكَلَّمُ بالشَّيءِ تُعَرِّفُه بالمعنى دونَ الإيضاحِ باللفظِ، كما تُعَرِّفُ الإشارَةُ، ثُمَّ يكون هذا عندها مِنْ أعلى كلامِها؛ لانفِرادِ أهلِ عِلمِها به، دون أهلِ جَهالَتِها» (٤).
وهو أيضاً مِنْ شأنِها في الاعتناءِ بالمعاني في القَصدِ الأوَّلِ، ثُمَّ الألفاظِ، قالَ ابنُ جِنّي (ت: ٣٩٢): «العربُ -فيما أخذْناه عنها، وعرَفْناه
стр. 80
مِنْ تصرُّفِ مذاهبِها- عنايتُها بمعانيها أقوى مِنْ عنايتِها بألفاظِها» (١)، وقالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «إنَّ العرَبَ إنَّمَا كانَت عِنَايتُها بالمعَاني، وإنَّمَا أصلحَت الألفاظَ مِنْ أجلِها، وهذا الأصلُ معلومٌ عند أهلِ العربيَّةِ، فاللَّفظُ إنَّما هو وسيلةٌ إلى تحصيلِ المعنى الْمُرادِ، والمعنى هو المقصودُ؛ ولَا أيْضاً كُلُّ المعاني، فإنَّ المعنى الإفراديَّ قد لا يُعْبَأُ به إذا كانَ المعنى التَّركيبيُّ مفهُوماً دُونَه، كما لمْ يعبَأْ ذُو الرُّمَّةِ ب (بَائِسٍ) ولا (يَابِسٍ) (٢)؛ اتِّكَالاً مِنه على أنَّ حَاصِلَ المعنى مَفهوم» (٣).
ثالثُها: أنَّ البيانَ التركيبيَّ أوضَحُ، وأبيَنُ عن المُرادِ، «والمعنى المفهومُ مِنْ الحَرفِ حالَ التَّركيبِ أتمُّ مِمَّا يُفهَمُ عند الانفرادِ» (٤)، بل قد يُستَغنى بمعرفةِ المعنى التَّركيبيِّ عن العلمِ بالمعنى الإفراديِّ، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «ويتبيَّنُ ذلك في مسألةِ عُمَرَ؛ وذلك أنَّه لمَّا قرأَ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، توقَّفَ في معنى (الأبِّ) (٥)، وهو معنى إفراديٌّ
стр. 81
لا يقدحُ عدمُ العلمِ به في علمِ المعنى التركيبيِّ في الآيةِ؛ إذ هو مفهومٌ مِنْ حيثُ أخبرَ اللهُ تعالى في شأنِ طعامِ الإنسانِ؛ أنَّه أنزلَ مِنْ السماءِ ماءً، فأخرجَ به أصنافاً كثيرةً ممّا هو مِنْ طعامِ الإنسانِ مُباشرةً؛ كالحبِّ، والعنبِ، والزيتونِ، والنَّخلِ. وممّا هو مِنْ طعامِه بواسطةٍ؛ مما هو مرعىً للأنعامِ على الجُملةِ. فبقيَ التَّفصيلُ في كلِّ فردٍ مِنْ تلك الأفرادِ فضلاً، فلا على الإنسانِ أن لا يعرفَه، فمِن هذا الوجهِ -والله أعلم- عُدَّ البحثُ عن معنى (الأبِّ) مِنْ التكلُّفِ، وإلَّا فلو توقَّفَ عليه فهمُ المعنى التَّركيبيِّ مِنْ جهتِهِ لَمَا كانَ مِنْ التكلُّفِ بل مِنْ المطلوبِ علمُهُ؛ لقولِه ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]» (١).
رابعُها: أنَّهم أهلُ اللسانِ الذي نزل به القرآنُ، والحاجَةُ إلى بيانِ حدودِ معاني ألفاظِه في وقتِهم أقلُّ مِنْ الحاجةِ إلى بيانِ المُرادِ بها، ثُمَّ تنزيلِها على الوقائعِ والأحداثِ، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «ومَا يُذكَر في التَّفسيرِ إنَّما يحملونه -أي السَّلفُ- على ما يشمَلُه الموضِعُ بحَسبِ الحاجةِ الحاضِرةِ، لا بحَسبِ ما يقتضيه اللفظُ لُغَةً، وهكذا ينبغي أن تُفهَمَ أقوالُ المفسِّرين المُتقَدِّمين، وهو الأولى لمناصبِهم في العلمِ، ومراتبِهم في فهمِ الكتابِ والسُّنَّةِ» (٢).
وقد حَصَرَ الزَّركشيُّ (ت: ٧٩٤) وجوهَ النظرِ في التراكيبِ القرآنيَّةِ في أربعِ جهاتٍ:
стр. 82
الأولى: جهةُ تأْدِيَةِ التراكيبِ لأصلِ المعنى بحسَبِ الإعرابِ. أو ما دَلَّ عليه المُرَكَّبُ بحسبِ الوضعِ، وهذا يتعلَّقُ بعلمِ النَّحوِ.
الثّانيةُ: جهةُ إفادَةِ التراكيبِ لمعنى المعنى؛ أي لازمِ أصلِ المعنى الذي يختلفُ باختلافِ مُقتَضى الحالِ، وهذا يتعلَّقُ بعلمِ المعاني.
الثّالثةُ: جهةُ طُرُقِ تأدِيَةِ المعنى المقصودِ بحسَب وضوحِ الدَّلالةِ ومراتبِها، وهذا يتعلَّقُ بعلمِ البيانِ.
الرّابعةُ: جهةُ الفصاحةِ اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ والاستحسانِ، وهذا يتعلَّقُ بعلمِ البديعِ. (١)
ويأتي البيانُ التَّركيبيُّ في كلامِ المُفَسِّرين في عِدَّةِ صورٍ؛ مِنها: التَّفسيرُ بالمثالِ، واللَّازمِ، وجُزءِ المعنى، وبما يؤول إليه الأمرُ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فإنَّ مِنهم- أي: مُفَسِّري السَّلفِ- مَنْ يُعبِّر عن الشيء بلازِمِه، ونظيرِه، ومِنهم مَنْ يَنُصُّ على الشيءِ بعينِه» (٢)، وقالَ ابنُ القيم (ت: ٧٥١): «السَّلفُ كثيراً ما يُنَبِّهون على لازمِ معنى الآيةِ، فيظُنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المُرادُ مِنها» (٣). ومِن أمثِلَةِ ذلك عنهم قولُ قتادة (ت: ١١٧) في قولِه تعالى ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]: «احتساباً مِنْ أنفُسِهم» (٤)، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وهذا القَولُ أيضاً قولٌ بَعِيدُ المعنى مِنْ معنى التَّثْبيتِ؛ لأنَّ التَّثْبيتَ لا يُعرفُ في شيءٍ مِنْ
стр. 83
الكلامِ بمعنى الاحتسابِ، إِلَّا أن يكونَ أرادَ مُفسِّرُه كذلك: أنَّ أنفُسَ المنْفِقينَ كانَت مُحتَسِبَةً في تثبيتِها أصحابَها. فإنْ كانَ ذلك = كانَ عِندَهُ: معنى الكلامِ؛ فليس الاحتسابُ بمعنىً حينئذٍ للتَّثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به» (١).
وقد كانَ التَّفريقُ بين البيانِ الإفراديِّ والتَّركيبيِّ لألفاظِ القرآنِ واضحاً عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ حيثُ قالَ عن بعضِ تفاسيرِ السَّلفِ: «فَحَملَ تأويلَ الكلامِ على معناه، دون البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإنَّ أهلَ التَّأويلِ رُبَّما فعلوا ذلك لعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه» (٢)، ومثلُه قولُه: «قالَ ابنُ زيدٍ في قولِه ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥]: قالَ: اجعَلني أشكُرُ نعمَتَك. وهذا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في قولِه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وإن كانَ يئولُ إليه معنى الكلِمةِ، فليس بمعنى الإيزاعِ على الصِّحَّةِ» (٣)، أي ليس معناه الإفراديُّ المُطابقُ.
وقد جرَت عادةُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه على الجَمعِ بين المعنى التَّركيبيِّ والإفراديِّ، مع العنايةِ الفائقةِ بدِقَّةِ العبارةِ ووضوحِها، وحُسنِ البيان وبلاغتِه. وذلك أكملُ مناهجِ التَّفسيرِ وأوفاها؛ وهو الجمعُ بين نوعَيْ البيانِ: الإفراديَّ ثُمَّ التَّركيبيَّ؛ ليُعرَفَ أصلُ اللفظَةِ في كلامِ العربِ، وما طرأَ عليها مِنْ تغييرٍ في التَّركيبِ القرآنيِّ، ولتُتَبَيَّن علاقةُ
стр. 84
تفاسيرِ السَّلفِ بالمعنى اللغوي، فيسهُلَ التَّأليفُ بينها، وبيانَ اتِّفاقِها على الحقيقةِ (١)، قالَ الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠): «واشدُد يديك في تفسير كتابِ الله على ما جاءَ عن الصَّحابةِ ﵃؛ فإنَّهم مِنْ جُملَة العربِ، ومِن أهلِ اللغةِ، وممَّن جمعَ إلى اللغةِ العربيَّةِ العلمَ بالاصطلاحاتِ الشَّرعيَّةِ، ولكن إذا كانَ معنى اللفظِ أوسَعَ مِمَّا فَسَّروه به في لغةِ العربِ، فعليكَ أن تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَه الصَّحابيُّ ما تقتضيه لُغَةُ العربِ وأسرارُها» (٢).
ومِن أمثِلَةِ بيانِ التراكيبِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تفسيرُه لقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ فبعدَ أن ذكرَ المعنى الإفراديَّ لِلَفظةِ (الصَّلاةِ) و (الزَّكاةِ) و (الرُّكوعِ)، بَيَّنَ المعنى التَّركيبيَّ الإجماليَّ بقولِه: «وهذا أمرٌ مِنْ الله جلَّ ثناؤُهُ لمَن ذُكِرَ مِنْ أحبارِ بني إسرائيلَ ومُنَافِقيها بالإنابةِ والتَّوبةِ إليه، وبإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مع المسلمين في الإسلامِ، والخضوعِ له بالطَّاعةِ. ونهيٌ مِنْهُ لهُم عن كِتْمَانِ ما قد عَلِمُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحمدٍ ﷺ بعدَ تَظَاهُرِ حُجَجِهِ عليهم بما قد وصَفْنَا قَبلُ فيما مضى مِنْ كتَابِنا هذا، وبعد الإعذَار إليهم والإنذارِ، وبعد تَذْكيرِهم نِعَمَهُ إليهم وإلى أسلافِهم؛ تَعَطُّفاً مِنه بذلك عليهم، وإبلاغاً إليهم في المَعْذرَة» (٣).
стр. 85
المبحثُ الثّاني: أنواعُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
تتنوَّعُ مقاصِدُ وأغراضُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ إلى ثلاثةِ أنواعٍ؛ هذا بيانُها:
النوعُ الأوَّلُ: الاستدلالُ لإثباتِ المعاني وتصحيحِها.
وهو أهمُّ أغراضِ الاستدلالِ، ويأتي في مقامِ الاختيارِ والتَّرجيحِ، وغايتُه إثباتُ صِحَّةِ المعنى وقَبُولِه. ومِن أمْثلتِه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في قولِه تعالى ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]: «ومِن الدَّليلِ على أنَّ الأثاثَ هو المتاعُ، قَولُ الشّاعرِ (١):
أهاجَتك الظَّعائِنُ يومَ بانوا … بذي الرِّئْيِ الجَميلِ مِنْ الأثاثِ» (٢).
النوعُ الثّاني: الاستدلالُ للتَّرجيحِ بين المعاني المقبولةِ.
إذا تساوت المعاني في القبولِ، وكانَت دائِرَةً بينَ الرّاجحِ
стр. 86
والمرجوحِ، لا الصَّحيحِ والباطلِ = يَقَعُ هذا النوعُ مِنْ الاستدلالِ؛ لاختيارِ أَوْلَى المعْنَيَيْن وأرجَحِهِما، وهذا النوعُ في حقيقَتِه راجعٌ إلى النوعِ الأوَّلِ؛ لِمَا فيه مِنْ إثباتِ أَصَحِّ المعنَيَيْن. ومِن أمثِلَتِه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في معنى قولِه تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]؛ حيثُ ذكرَ قولَ ابن عباس ﵁: «علَّمَ الله آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يتعارفُ بها النّاسُ؛ إنسانٌ، ودابةٌ، وأرضٌ، وسهلٌ، وبحرٌ، وجبلٌ، وحمارٌ، وأشباه ذلك مِنْ الأُممِ وغيرِها». ثُمَّ اختارَ أنَّ المُرادَ: «أسماءَ ذريتَه، وأسماءَ الملائكةِ، دون أسماءِ سائرِ أجناسِ الخلقِ»، ثُمَّ قالَ: «وذلك أنَّ الله جلَّ ثناؤُه قالَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]؛ يعني بذلك أعيانَ المسمَّيْن بالأسماءِ التي علَّمَها آدمَ، ولا تكادُ العربُ تَكْني بالهاءِ والميمِ إلا عن أسماءِ بني آدمَ والملائكةِ، وأمّا إذا كَنَتْ عن أسماءِ البهائمِ وسائرِ الخلقِ سوى مَنْ وصَفْنا، فإنَّها تَكْني عنها بالهاءِ والألفِ، أو بالهاءِ والنونِ، فقالَت: عرَضَهنَّ، أو عرَضَها. وكذلك تفعلُ إذا كَنَتْ عن أصنافٍ مِنْ الخلقِ؛ كالبهائمِ والطيرِ وسائرِ أصنافِ الأُممِ، وفيها أسماءُ بني آدمَ أو الملائكةِ، فإنَّها تَكْني عنها بما وصَفْنا مِنْ الهاءِ والنونِ، أو الهاءِ والألفِ. وربَّما كَنَتْ عنها إذ كانَ كذلك بالهاءِ والميمِ، كما قالَ جلَّ ثناؤُه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]، فكنى عنها بالهاءِ والميمِ، وهي أصنافٌ مُختلفةٌ، فيها الآدميُّ وغيرُه. وذلك وإن كانَ جائزاً فإنَّ الغالبَ المستفيضَ في كلامِ العربِ ما وصَفْنا مِنْ إخراجِهم كنايةَ أسماءِ أجناسِ
стр. 87
الأُممِ إذا اختلطَت بالهاءِ والألفِ، أو الهاءِ والنونِ. فلذلك قلتُ: أَوْلى بتأويلِ الآيةِ أن تكونَ الأسماءُ التي علَّمَها آدمَ أسماءَ أعيانِ بني آدمَ وأسماءَ الملائكةِ. وإن كانَ ما قالَ ابنُ عباسٍ جائزاً، على مثالِ ما جاءَ في كتابِ الله مِنْ قولِه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى﴾ [النور: ٤٥] الآية. وقد ذُكرَ أنَّها في حرفِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ: (ثمَّ عرَضَهنَّ) [البقرة: ٣١]، وأنَّها في حرفِ أُبيٍّ: (ثمَّ عرَضَها) [البقرة: ٣١]. ولعلَّ ابنَ عباسٍ تأوَّلَ ما تأوَّلَ مِنْ قولِه: علَّمَه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى الفَسوةَ والفُسيَّةَ. على قراءةِ أُبيٍّ؛ فإنَّه فيما بلغَنا كانَ يقرأُ قراءةَ أُبيٍّ. وتأويلُ ابنِ عباسٍ -على ما حُكيَ عن أُبيٍّ مِنْ قراءتِه- غيرُ مُستنكَرٍ، بل هو صحيحٌ مُستفيضٌ في كلامِ العربِ على نحوِ ما تقدَّمَ وصفي ذلك» (١)، فاستدلَّ على اختياره الأَوْلَى هنا بدلالةِ أنَّه الأشهرُ والأكثرُ في لغةِ العربِ، مع صِحَّةِ المعنى الآخرِ لُغَةً وكثرَتِه.
النوعُ الثّالثُ: الاستدلالُ لنفي المعاني وإبطالِها.
ويأتِي عند الحاجَةِ لإبطالِ القولِ وَرَدِّه، ويُغنِي عنه الاستدلالُ لِصِحَّةِ المعنى في النوعِ الأوَّلِ عند تَضَادِّ المعاني. ومِن أمثِلتِه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عند قولِه تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: «وإنَّما وصفَه الله جلَّ ثناؤُه بالاستقامةِ لأنَّه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعمَ بعضُ أهلِ الغباءِ أنَّه سمّاه الله مستقيماً لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنَّةِ. وذلك تأويلٌ
стр. 88
لتأويلِ جميعِ أهلِ التَّفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم دليلاً على خطئِه» (١)، واستدلالُه لإبطالِ القولِ هنا بدليلِ الإجماعِ كما هو بَيِّنٌ.
стр. 89
المبحثُ الثّالثُ: أثرُ منهجِ ابنِ جريرٍ النَّقديِّ في إبرازِ أدلَّةِ المعاني ووجوهِ الاستدلالِ بها في تفسيرِه.
تَميَّزَ تفسيرُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بجُملَةٍ مِنْ المزايا، جعلتْ مِنه كتاباً مِنْ أجلِّ كتبِ التَّفسير وأوفاها؛ بشهادَةِ الأجِلَّةِ مِنْ العلماءِ (١)، وكانَ منهجُه النقديُّ في تفسيرِه أبرزَ ما تميَّزَ واشتهرَ به بين التَّفاسيرِ (٢)؛ حيثُ سبقَ إلى استيعابِ ما قيلَ في الآيةِ مِنْ المعاني عن السَّلفِ وأهلِ اللغةِ، ثُمَّ حَرَّرَ تلك الأقوالَ بتحليلٍ دقيقٍ جمعَ فيه الأقوالَ المتوافقةَ والمتشابهةَ في قولٍ واحدٍ، ثُمَّ بعدَ حَصرِ الأقوالِ وتمييزِها تبدأُ مرحلةُ النَّقدِ في منهجٍ شاملٍ؛ يحتوي جُملَةَ أمورٍ (٣)، وهي:
стр. 90
أوَّلاً: الكلامُ على صِحَّةِ نسبةِ الأقوالِ وثُبوتِها عن أصحابِها عند الحاجةِ.
ثانياً: الاستدلالُ لكلِّ قولٍ بما استَدَلَّ به أصحابُه، وبغيرِه مِنْ الأدلَّةِ التي تصلحُ شواهدَ على صِحَّةِ ذلك المعنى.
ثالثاً: تحليلُ تلك الأدلَّةِ وفحصِها، وتمييزُ صَحيحِها مِنْ سَقيمِها، وما يُقبَلُ الاستدلالُ به مِنها وما يُرَدُّ، وما يُقَدَّمُ مِنها وما يُؤَخَّر. وذلك مِنْ جِهَتَيْ: النَّقلِ والإسنادِ، والنَّظَرِ والاجتهادِ.
ثُمَّ يختِمُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك الاستيعابَ والاستدلالَ = بالتَّرجيحِ والاختيارِ مِنْ تلك المعاني، مؤكداً لاختيارِه بما ذكَرَ مِنْ الأدلَّةِ ضِمنَ الأقوالِ في الآيةِ، وبغيرِها مِنْ الأَدِلَّةِ ووجوهِ الاستدلالِ مِمَّا لم يسبِق ذِكرُه.
ومِن ثَمَّ تتبَيّنُ مساحةَ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، وكيفَ أنَّ لمنهجِه النقدِيِّ أكبَرَ الأثرِ في محاوَلَةِ استيعابِ أَدِلَّةِ المعاني، وإبرازِ منهجِه الاستدلاليِّ عليها.
ويأتي ذلك المنهجُ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فريداً في مقابِلِ عامَّةِ التَّفاسيرِ المؤلَّفَةِ قبلَه وبَعدَه: فإنَّها:
إمّا تفاسيرُ استغرقَتْ في جمعِ الأقوالِ في معاني الآياتِ ومُحاوَلَةِ استيعابِها؛ كما هو الشأنُ في تفاسيرِ: عبدِ الرزاق (ت: ٢١١)، وعبدِ بن حُمَيْد (ت: ٢٤٩)، وابنِ المنذِر (ت: ٣١٨)، وابنِ أبي حاتِم (ت: ٣٢٧)، والدُّرِّ المنثور للسيوطي (ت: ٩١١)، وأمثالِهم مِمَّنْ عُنُوا بجمعِ الأقوالِ دونَ التَعَرُّضِ لها بنقدٍ أو تمحيصٍ.
стр. 91
وإمّا تفاسيرُ توَجَّهتْ إلى بيانِ المُختارِ مِنْ المعاني، مع شيءٍ مِنْ النَّقدِ والتَّدليلِ بحسبِ الحاجَةِ، كما في تفاسيرِ: مُقاتِل بن سليمان (ت: ١٥٠)، والثَّعلَبي (ت: ٤٢٧)، والماوَرديِّ (ت: ٤٥٠)، والواحِديِّ (ت: ٤٦٨)، والسَّمعانِيِّ (ت: ٤٨٩)، وابنِ عطيَّة (ت: ٥٤٦)، وابنِ الجَوزيِّ (ت: ٥٩٧)، والقرطبيِّ (ت: ٦٧١)، وابنِ كَثير (ت: ٧٧٤)، والشّنقيطيِّ (ت: ١٣٩٣)، وأمثالِهم مِمَّنْ اقتصَرَ على العَرضِ والاختيارِ، أو التَّرجيحِ بنوعٍ مِنْ النَّقدِ والاستدلالِ.
أمَّا استيعابُ الأقوالِ مُسنَدةً إلى أصحابِها، وجمعُ الأدِلَّةِ ونَقدِها، في ذلك المنهجِ المتكامِل المُطَّرِد مِنْ الاستدلالِ = فشيءٌ لم يُسبَقْ إليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀ (١)، وما أصعَبَ أن يُلحَقْ فيه، بل كلُّ من جاءَ بعده فإنَّهُ عالَةٌ عليه في التَّفسيرِ مِنْ أحدِ هذين الوجهَيْن:
١ - جمعِ الأقوالِ ونسبتِها إلى أصحابِها.
٢ - تحريرِ الأقوالِ ونَقدِها، والاستدلالِ لها أو عليها.
قالَ ابنُ حجر (ت: ٨٥٢): «فالذين اعتَنَوا بجمعِ التَّفسيرِ مِنْ طبقةِ الأئِمَّة السِّتَّة: أبو جعفر محمد بن جريرٍ الطبريِّ، ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النَّيْسَابوري، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرَّازي، ومِن طبقةِ شيوخِهم: عبدُ بن حُمَيد بن
стр. 92
نَصْر الكَشِّي؛ فهذه التَّفاسيرُ الأربعةُ قلَّ أن يشذَّ عنها شيءٌ مِنْ التَّفسيرِ المرفوعِ، والموقوفِ على الصَّحابةِ، والمقطوعِ عن التّابعين. وقد أضافَ الطَّبريُّ إلى النقلِ المستوعِبِ أشياءَ لم يُشَارِكوه فيها؛ كاستيعابِ القراءاتِ، والإعرابِ، والكلامِ في أكثرِ الآيات على المعاني، والتَّصَدِّي لترجيحِ بعضِ الأقوالِ على بعضٍ. وكلُّ مَنْ صَنَّف بعده لم يجتمع له ما اجتمعَ فيه؛ لأنَّه في هذه الأمورِ في مرتبةٍ مُتَقَاربةٍ، وغيرُه يَغلبُ عليه فَنٌّ مِنْ الفُنونِ فيمتازُ فيه، ويُقَصِّرُ في غيرِه» (١)، وقالَ السّيوطي (ت: ٩١١) عن تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وهو أَجَلُّ التفاسير؛ لم يؤَلَّفْ مثلَه كما ذكرَه العلماءُ قاطبةً؛ مِنهم النوويُّ في (تهذيبِه) (٢)؛ وذلك لأنَّه جمعَ فيه بين الرِّوايةِ والدِّرايةِ، ولم يُشَارِكهُ في ذلك أَحَدٌ لا قبلَه ولا بعدَه» (٣).
стр. 93
الفصلُ الثّاني: تفصيلُ أدلَّةِ المعاني عند ابنِ جريرٍ في تفسيرِه.
وفيه مبحثان:
المبحثُ الأوَّلُ: أصولُ أدلَّةِ المعاني التَّفسيريَّةِ عند ابنِ جريرٍ.
المبحث الثاني: حصرُ الأدِلَّةِ المعتَبَرَةِ للمعاني التَّفسيريَّةِ عند ابن جريرٍ.
стр. 94
المبحثُ الأوّل: أصولُ أدلة المعاني التَّفسيرية عند ابن جريرٍ.
أرجعَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنواعَ أدلَّةِ المعاني في تفسيرِه إلى أجناسٍ مِنْ الأدلَّةِ؛ تتضمَّنُ كافَّةَ الأدلَّةِ التَّفصيليَّةِ على المعاني التَّفسيريَّةِ، وقد صَرَّحَ ﵀ بأصولِ أدلَّةِ المعاني في مواضِعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه، كما تفاوتَتْ عبارتُه في التَّعبيرِ عنها في تلك المواضِع؛ وذلك على عادتِه في التَّصرُّفِ في وجوهِ الكلامِ، والتَّنويعِ في العبارَةِ بحسبِ المقامِ.
وللتَوَصُّلِ إلى رؤوسِ أدلَّةِ المعاني وأصولِها ينبغي حصْرُ هذه العباراتِ مِنْ جميعِ مواضع ورودِها في التَّفسيرِ، وجَمعُ النَّظِيرِ إلى النَّظِير، ثمَّ التأليفُ بينها، وضَمُّها في أصنافٍ كُلِّيَّةٍ جامِعَةٍ، وهذا ما اجتَهَدتُ في بيانِه فيما يأتي:
المطلبُ الأوَّل: العباراتُ التي أورَدها ابنُ جريرٍ في التَّعبيرِ عن أصولِ الأدلَّةِ.
هذا جمعٌ لِمَا وقفتُ عليه مِنْ عباراتِ أصولِ أدلَّةِ المعاني بحسبِ ما أورَدَها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀:
стр. 95
١ - الأصلُ والنَّظِير. وذلك في قولِه: «والتأويلُ المُجمَعُ عليه أولى بتأويلِ القرآن مِنْ قولٍ لا دِلالةَ على صِحَّتِهِ مِنْ أصلٍ ولا نَظِير» (١)، وقولِه: «ومَن خَصَّ مِنْ ذلك شيئاً سُئِلَ البُرهانَ عليه مِنْ أصلٍ أو نَظِير» (٢).
٢ - الأصلُ والدِّلالَة. ومِنه قولُه: «ويُسأَلُ الفرقَ بينَه وبينَه؛ مِنْ أصْلٍ، أو مِمَّا يَدُلُّ عليه أصْلٌ» (٣).
٣ - الأصلُ والقياسُ. كما في قولِه: «وما البُرهانُ على ذلك مِنْ أصْلٍ أو قياسٍ؟» (٤)، وقولِه: «فأَوْلى المعاني بالآيةِ ما دَلَّ عليه ظاهرُهَا، دونَ باطِنِها الذي لا شاهِدَ عليه مِنْ أصلٍ أو قياسٍ» (٥).
٤ - الخبرُ والقياسُ. كما في قولِه: «فغيرُ جائِزٍ أن يُحكَمَ لإحداهما -أي: الآيتين- بأنَّها دافِعةٌ حُكمَ الأُخرى إلا بِحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها مِنْ خَبَرٍ أو قياسٍ، ولا خَبَرَ بذلك ولا قياسَ» (٦).
٥ - النَّصُّ والدِّلالَةُ. ومِنه قولُه: «إنَّ لله في كلِّ نازِلَةٍ وحادِثَةٍ حُكْماً موجوداً بِنَصٍّ أو دِلالَةٍ» (٧)، وقولُه: «ولم يضَع الله لعبادِه المُخَاطَبين
стр. 96
بالقرآنِ دلالَةً على أيِّ أشجارِ الجنَّةِ كانَ نَهْيُه آدمَ ﵇ أن يقرَبَها؛ بنَصٍّ عليها باسمِها، ولا بدَلالَةٍ عليها» (١).
٦ - النَّقلُ والاستدلالُ. كما في قولِه: «وقد دَلَّلْنا على خطأِ القراءَةِ بذلك مِنْ جِهَةِ الاستدلالِ، فأمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فإجماعُ الحُجَّةِ على خطأِ القراءَةِ بها» (٢).
٧ - الخبرُ والاستخراجُ. كما في قولِه: «وغيرُ جائزٍ تَكَلُّفُ القولِ في ذلك لأحدٍ إلا بخَبَرٍ مِنْ الله ﷻ ، أو مِنْ رَسولٍ مُرسَلٍ. فأمَّا القولُ في صِفاتِ الله وأسمائِه = فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِنْ جِهَةِ الاسْتِخْراجِ إلا بِمَا ذَكَرْنا» (٣)، وقولِه: «وذلك أمرٌ لا يُدرَكُ عِلمُه مِنْ جهةِ الاسْتِخراجِ، ولا اللُّغةِ، ولا يُدرَك علمُ ذلك إلا بخبرٍ يوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفَةِ التي وَصَفْنا» (٤).
٨ - الخبرُ والنَّظرُ. كما في قولِه: «وأمَّا ما قالَه قتادةُ .. فقَولٌ ظاهِرُ التَّنزيلِ بخلافِه، ولا بُرهانَ على حقيقتِه مِنْ خَبرٍ ولا نَظرٍ» (٥)، وقالَ مُعَلِّلاً لبَعضِ اختِياره: «إذْ لَمْ يكُن بخلافِ ذلك دليلٌ مِنْ خَبرٍ ولا نَظرٍ» (٦).
стр. 97
٩ - الخبرُ والعَقْلُ. كما في قولِه: «فما الذي أَحَالَ ذلك عندَك مِنْ حُجَّةِ عَقْلٍ أو خَبَرٍ؟ إذْ كانَ لا سَبيلَ إلى حقيقةِ القولِ بإِفسادِ ما لا يدفعُه العقلُ إلا مِنْ أَحَدِ الوجهَيْنِ اللذَيْنِ ذَكَرْتُ، ولا سبيلَ إلى ذلك. وفي عدمِ البُرهانِ على صِحَّةِ دَعْوَاه مِنْ هذَيْن الوجهَيْن وُضُوحُ فَسَادِ قَولِه، وصِحَّةِ ما قالَه أهلُ الحقِّ في ذلك» (١)، وقولِه: «وأمَّا الأقوالُ الأُخَرُ، فدعاوَى معانٍ باطِلَةٍ، لا دلالةَ عليها مِنْ خَبَرٍ ولا عَقْلٍ، ولا هي موجودةٌ في التَّنْزِيلِ» (٢).
المطلبُ الثَّاني: الأصولُ الكُلِّيَّةُ لأدِلَّةِ المعاني عند ابن جريرٍ في تفسيره.
بالتأمُّل في العبارات السابِقَةِ، ومواضِعِها مِنْ الكلامِ = نَجِدُ أنَّها تجتمعُ في أصلَيْن عَظيمَيْن، تَكَرَّرَ التعبيرُ عنهُما بعباراتٍ مختَلِفة، وهُما:
الأَصْلُ الأَوَّلُ: الدَّليلُ النَّقْليّ.
ويَشْمَلُ أنواعَ الأَدِلَّةِ التي مَصْدَرُها النَّقْلُ؛ كالقُرآنِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، واللُّغَة، والتي تَدُلُّ على المُرادِ بظاهِرِها دونَ باطِنِها، ونَصِّها دونَ دَلالَتِها. وقد فَسَّرَ ما أَجْمَلَ مِنْ ذلك في قولِه: «غيرُ جائِزٍ أن يُقضَى على حُكْمٍ مِنْ أَحكامِ الله تعالى ذكرُه أنَّهُ مَنْسوخٌ إلا بخبرٍ
стр. 98
يَقطَعُ العذرَ؛ إمَّا مِنْ عند الله، أو مِنْ عند رسولِه ﷺ ، أو بورودِ النَّقلِ المُستَفيضِ بذلك، فأمَّا ولا خَبَرَ بذلك، ولا يَدفعُ صِحَّتَه عَقلٌ = فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى عليه بأنَّهُ مَنْسوخٌ» (١)، وقولِه: «فليس لأحدٍ مِنْ النَّاسِ أن يَحصُرَ معنى ذلك على وصفِهِم بشيءٍ مِنْ تقوى الله دون شيءٍ إلَّا بحُجَّةٍ يَجبُ التَّسْليمُ لها .. إمَّا في كتَابِه، وإمَّا على لِسانِ رَسُولِه ﷺ ؛ إِذْ لَم يَكُنْ في العَقْلِ دَلِيلٌ على استِحَالَةِ وَصْفِهِم بعمومِ التَّقوى» (٢).
وقد عَبَّرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن هذا القِسمِ ب: الأصْلِ، والخَبَرِ، والنَّصِّ. وكُلُّها في معنى النَّقلِ؛ فأمَّا الأصْلُ فقد جَعَلَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مُقَابلِ النَّظيرِ، والدِّلالَةِ، والقياسِ، فيشمَلُ بذلك أنواعَ الأَدِلَّةِ النَّقْليَّةِ؛ لأنَّها بمثابَةِ الأصلِ لِمَا يُبْنَى عليها، وما يُستَخرَجُ مِنها؛ مِنْ أنواعِ الأَدِلَّةِ النَّظريَّةِ.
وأمَّا الخَبَرُ فقد قابَلَ به ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) النَّظَرَ، والعَقْلَ، والاستخراجَ، والقياسَ. ويشمَلُ مِنْ الأدلَّةِ ما كانَ مُسْتَنَدُه الخَبَرُ المَنْقولُ، دونَ ما اسْتُخرِجَ بِدَلالَةِ المَعْقولِ، كما في قولِه: «مع عَدَمِ الدَّلالَةِ على أنَّ معنى ذلك كذلك في ظاهِرِ التَّنزيلِ، أو في خبرٍ عن الرسولِ ﷺ به منقولٌ، أو بحُجَّةٍ موجودَةٍ في المعقولِ» (٣)، وذَكَرَ ما يُقَابِلُ الخَبَرَ بإجمالٍ في قولِه: «وذلك قَوْلٌ إن قَالَهُ لم تُدْرَكْ صِحَّتُهُ إلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيضٍ، أو بِبَعْضِ المَعَاني الْمُوجِبَةِ صِحَّتَهُ» (٤).
стр. 99
وأمَّا النَّصُّ فمُقَابِلُ الدَّلالَةِ، ويشمَلُ مِنْ الأَدلَّةِ ما كانَ دالاًّ على المَقصودِ بنَفسِه، دونَ ما كانَتْ دِلالَتُه مِنْ غيرِه؛ كالقياسِ. ويُرَادُ به في الأغلبِ دليلُ ظاهِرِ الكتابِ والسُّنَّة (١). وذلك شَأْنُ الأَدِلَّةِ النَّقْليَّةِ في دَلالَتِها على المَقْصُودِ بِنَصِّها دونَ ما يُسْتَخرَجُ مِنها مِنْ أنواعِ الدِّلالات. وقَدْ جاءَ النَّصُّ مُفَسَّراً في بعضِ قولِ ابن جريرٍ (ت: ٣١٠)، ومِنه قولُه: «وغَيرُ جَائِزٍ إحَالَةُ ظَاهرِ التَّنْزيلِ إلى باطِنٍ مِنْ التَّأْوِيلِ لا دِلالَةَ عليهِ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، ولا خَبَرٍ لرسولِ الله ﷺ ، ولا إِجمَاعٍ مِنْ الأُمَّةِ، ولا دِلالَةَ مِنْ بَعْضِ هذه الوُجوه» (٢)، وقولُه: «وهذا وجهٌ لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلَّا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تَأويلَه؛ بِنَصٍّ مِنه عليه، أو بدَلالَةٍ قد نَصَبَها دالَّةٍ أُمَّتَه على تأويلِه» (٣).
الأَصْلُ الثَّاني: الدَّليلُ النَّظريُّ.
ويشمَلُ أنواعَ الأَدِلَّةِ التي مَرَدُّها إلى نَظَرِ المُفَسِّرِ واجتِهادِه في استِخراجِ الدَّلالَةِ مِنْ الدَّليلِ النَّقليِّ؛ كدليلِ السِّياقِ، والنَّظيرِ والقياسِ، ونحوِها. وقد عَبَّرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن هذا القِسمِ ب: العَقلِ، والاستدلالِ والاسْتِخراجِ، والدِّلالَةِ، والنَّظيرِ والقياسِ. وكُلُّها في معنى النَّظر ومِن بابِه؛ فأمَّا العَقْلُ فهو آلَةُ النَّظَرِ ووَسيلَتُه، وقد ذَكَرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مُقَابل الخَبَرِ عن الله، ورَسولِه ﷺ ، وإجماعِ المُسلمين، كما مَرَّ ذِكرُه.
стр. 100
وأمَّا الاسْتِدلالُ والاسْتِخراجُ فَهُما فِعْلُ النَّاظِرِ في الدَّليلِ، وفيهِما معنى الطَّلَبِ، والاجتهادِ، وبُعدِ ما يُسْتَخرَجُ مِنْ الدَّلالاتِ، بخلافِ النَّصِّ في الدَّليلِ النَّقلي؛ فإنَّه ظاهِرٌ قريبُ المَأْخَذ. وقد جَعَلَهُما ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مقابلِ النَّقلِ، والخَبَرِ.
وأمَّا الدِّلالَةُ فهي غايَةُ النَّظرِ العَقْليِّ في الدَّليلِ، ونتيجَتُه، ومَحَلُّ بَحثِه، وقد ذَكَرَها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مُقابلِ الأصْلِ، والنَّصِّ.
وأمَّا النَّظيرُ والقياسُ فهُما أشْهَرُ الأدِلَّةِ النَّظريَّةِ العقليَّةِ، وأَكثَرُها وُرُوداً، وقد ذَكَرَهُما ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مقابلِ الأصْلِ، والخَبَرِ.
وقد أبانَ بعضَ معنى ذلك في قولِه: «ولا خبَرَ بذلك تقومُ به الحُجَّةُ؛ فيَجِبَ التَّسليمُ لها، ولا هو -إذْ لم يَكُنْ به خبَرٌ على ما وصَفنا- مِمَّا يُدرَكُ عِلمُه بالاستدلالِ والمقايِيسِ؛ فيُمَثَّلَ بغيرِه، ويُستَنبَطَ عِلمُه مِنْ جِهَةِ الاجتِهادِ» (١).
المطلبُ الثَّالثُ: المكانَةُ العلميَّةُ لأصولِ أدلَّةِ المعاني التَّفسيريَّةِ.
بالنَّظر إلى هذين الأصلَيْن الجامِعَيْن لأنواعِ أَدِلَّةِ المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، نَجِدُ أنَّهما كذلك أصلُ معرفةِ الحقِّ مِنْ البَاطِلِ، وتمييزِ الصوابِ مِنْ الخَطأِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وفي جميعِ العلومِ؛ وذلك أنَّ الله تعالى أنزلَ كتابَه فرقاناً بين الحَقِّ والباطِل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] (٢)، وأنزَلَه بالحَقِّ والميزانِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ
стр. 101
بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وبَعَثَ بهما جميعَ رُسلِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فالكتابُ هو: القرآن الكريمُ؛ المُشتَملُ على الحَقِّ، والصدقِ، واليقين، بأحسَنِ المسائِل، وأوضَحِ الدلائِل. والميزانُ هو: العدلُ، والاعتبارُ، والأمثالُ المضروبَةُ، والقياسُ الصَّحيحُ، والعقلُ الرَّجيحُ (١)، «وكلُّ الدلائِل العقليَّة؛ مِنْ الآيات الآفاقيَّةِ والنَّفسيَّةِ، والاعتباراتِ الشَّرعيَّةِ، والمناسباتِ والعِللِ، والأحكامِ والحِكَمِ = داخلةٌ في الميزانِ الذي أنزلَه الله تعالى، ووضعَه بين عبادِه» (٢).
قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «كُلُّ معلومٍ للخلقِ مِنْ أمرِ الدِّينِ والدُّنيا لا يَخرجُ مِنْ أحدِ معنيين: مِنْ أن يكون إمَّا معلوماً لهم بإدراكِ حواسِّهم إيَّاه، وإمَّا معلوماً لهم بالاستدلالِ عليه بما أدركَته حواسُّهم» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «العلمُ إمَّا نقلٌ مُصَدَّقٌ، وإمَّا استِدْلالٌ مُحَقَّق» (٤)، وقالَ: «العلمُ إمَّا نقلٌ مُصَدَّقٌ عن معصومٍ، وإمَّا قولٌ عليه دليلٌ معلومٌ، وما سوى هذا فإمَّا مُزَيَّفٌ مردودٌ، وإمَّا موقوفٌ لا يُعلَمُ أنَّه بَهْرَجٌ ولا مَنْقودٌ» (٥)، وقالَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): «الأدلَّةُ على قسمين: عقليَّةٌ، وسمعيَّةٌ» (٦)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ ضِربان؛
стр. 102
أحدُهما: ما يرجعُ إلى النَّقلِ المَحضِ. والثاني: ما يرجعُ إلى الرأيِ المَحضِ. وهذه القِسْمَةُ هي بالنِّسبَةِ إلى أصولِ الأدلَّةِ» (١).
وقد امتازَ هذان الأصلان بجُملَةٍ مِنْ الخصائصِ:
أوَّلُها: أنَّهما ممَّا جاءَت به الرُّسلُ، كما قالَ تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، كما أُنْزِلَ بهما الكتابُ، حيثُ قالَ تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] (٢). قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «إنَّ الرُّسلَ دلَّت الناسَ وأرشدَتهم إلى ما به يعرفون العدلَ، ويعرفون الأقيسَةَ العقليَّةَ الصَّحيحَةَ، التي يُستدَلُّ بها على المطالبِ الدّينيَّةِ، فليست العلومُ النَّبويَّةُ مقصورةً على مجرَّدِ الخبرِ، كما يظنُّ ذلك من يظنُّه مِنْ أهلِ الكلامِ، ويجعلون ما يُعلَمُ بالعقلِ قَسِيماً للعلومِ النبويَّة، بل الرسلُ -صلواتُ الله عليهم- بيَّنَت العلومَ العقليَّةَ التي بها يتمُّ دينُ الناسِ علماً وعملاً .. ، والقرآنُ والحديثُ مملوءٌ مِنْ هذا؛ يبيِّنُ اللهُ الحقائقَ بالمقاييسِ العقليَّةِ، والأمثالِ المضروبةِ، ويبيِّنُ طرقَ التَّسويةِ بين المتماثلَيْن، والفرقَ بين المختلفَيْن، وينكرُ على مَنْ يَخرجُ عن ذلك» (٣).
стр. 103
ثانيها: أنَّهما ممَّا أُمِرَ به الخلقُ لإقامَة الحَقِّ، كما قالَ تعالى ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ثالثُها: وحيثُ جاءَت بهما الرُّسُل، ونزل بهما الكتابُ، وأُمِرَ بهما الخلقُ = فكلاهُما دليلٌ شرعيٌّ؛ النَّقليُّ مِنهما والعقليُّ. ومِن ثَمَّ فالدَّليلُ العقليُّ دليلٌ شرعيٌّ صحيحٌ مأذونٌ فيه، وليسَ بخارجٍ عن الشَّرعِ، ولا يُقابِلُ الدَّليلَ الشَّرعيَّ، وإنّما الذي يُقابلُه الدَّليلُ غيرُ الشرعيِّ، أو الدَّليلُ البدعيِّ. ولذلك لا يَصِحُّ شرعاً ولا عقلاً ولا واقِعاً أن يشهَدَ العقلُ بما يُبطِلُ الشَّرعَ أو يُخالِفُه. قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «اعلم أنَّ أهلَ الحَقِّ لا يطعنون في جِنسِ الأدلَّة العقليَّة، ولا فيما عَلِمَ العقلُ صِحَّتَه، وإنَّما يطعنون فيما يدَّعي المُعارضُ أنَّه يُخالف الكتابَ والسُّنَّة، وليس في ذلك -ولله الحمدُ- دليلٌ صحيحٌ في نفسِ الأمرِ، ولا دليلٌ مقبولٌ عندَ عامَّةِ العُقلاءِ، ولا دليلٌ لم يُقدَح فيه بالعقلِ» (١)، وقالَ أيضاً: «ولا يجوزُ قَطُّ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ النَّقليَّةَ تخالفُ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ العقليةَ» (٢).
رابعُها: أنَّهُما لا يتعارَضانِ، ولا يتناقَضان؛ لأنَّ الحَقَّ يُصَدِّقُ بعضُهُ بعضاً. قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «وإذا تبيَّن أنَّ الكتاب والميزان مُنْزَلَان = فلا يجوزُ أن يتنَاقَضَ الكتابُ والميزانُ؛ فلا تَتناقَضُ دلالةُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ، والأقيسَةِ الصَّحيحةِ، ولا دلالةُ النصِّ الصَّحيحِ، والقياسِ الصَّحيحِ، وإنما يكون التناقضُ بين الحقِّ الصَّحيحِ، والباطلِ الذي
стр. 104
ليس بصحيحٍ، فأمّا الصحيحُ الذي كلُّه حقٌّ فلا يتناقضُ؛ بل يُصدِّقُ بعضُه بعضًا» (١)، وقالَ أيضاً: «لا يوجدُ في كلامِ أحدٍ مِنْ السَّلفِ أنَّه عارَضَ القرآنَ بعقلٍ ورأيٍ وقياسٍ .. ، ولا قالَ قطُّ: قد تعارَضَ في هذا العقلُ والنَّقلُ. فضلاً عن أن يقولَ: فيجِبُ تقديمُ العقلِ» (٢).
خامسُها: أنَّهُما سبيلُ معرفةِ الحَقِّ وإصابَتِه، فهُما مَرَدُّ كُلِّ دليلٍ صحيحٍ مُعتَبَرٍ؛ نقلاً كانَ أو عقلاً، وكُلُّ دليلٍ خارجٍ عن هذَيْن الأصلَيْن أو أحدِهِما = فباطِلٌ مردودٌ، خارجٌ مِنْ أدِلَّةِ الشَّرعِ، قالَ ابنُ سعدي (ت: ١٣٧٦): «ما خرجَ عن هذَيْن الأمرَيْن -الكتابِ والميزانِ- ممَّا قيلَ إنَّه حجَّةٌ أو برهانٌ أو دليلٌ أو نحو ذلك مِنْ العباراتِ = فإنَّه باطلٌ متناقضٌ، قد فسدت أصولُه، وانهدمَت مبانِيهِ وفروعُه، يعرفُ ذلك من خبرَ المسائلَ ومآخذَها، وعرفَ التَّمييزَ بين راجحِ الأدلَّةِ مِنْ مرجوحِها، والفرقَ بين الحُجَجِ والشُّبَه» (٣).
وقد امتَدَّ أثرُ تلك الخصائِصِ إلى منهجِ الاستدلالِ بهذَيْن الأصلَيْن على المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ كما سيتبَيَّنُ في البابِ الثاني بإذنِ الله.
стр. 105
المبحثُ الثَّاني: أنواعُ الأدِلَّةِ المعتَبَرَةِ للمعاني التَّفسيريَّةِ عند ابنِ جريرٍ.
كانَ لتمَكُّنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) وإمامتِه في أصولِ العلومِ الشَّرعيَّةِ واللغويَّةِ وفروعِها = أكبَرُ الأثَرِ في تَفَنُّنِه في الاستدلالِ على المعاني بأنواعِ الأدلَّةِ العقليَّة والنَّقليَّة؛ والتي تُحَدِّدُ المعنى المُرادَ، وتُصحِّحُ الاستشهادَ، وتَرُدُّ الاستشكالَ، وتُبطِلُ ما خالَفَ الصَّوابَ وانحرَف في الاستدلالِ.
و مِنْ خلالِ القراءَةِ المُستَوعِبَةِ لتفسيرِ (جامعِ البيانِ)، اجتهدتُ في حَصْرِ أنواعِ الأدِلَّةِ التي استَدَلَّ بها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على المعاني، مع تحديدِ مقدارِ الاستدلالِ بكُلِّ دليلٍ، ونسبةِ الاستدلالِ به بين الأدلَّةِ.
وقد قَسَمتُ الأدِلَّةَ بحسب أصلِها إلى قسمين: نقليَّةٍ، وعقليَّةٍ. ويُلاحَظُ أنَّ عدداً مِنْ الأدِلَّة يتنازَعُه جانبا النَّقلِ والنَّظرِ، كما قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «كُلُّ واحِدٍ مِنْ الضِّربَين -النَّقلُ والرَّأيُ- مُفتَقِرٌ إلى الآخرِ؛ لأنَّ الاستدلالَ بالمنقولاتِ لا بُدَّ فيه مِنْ النَّظرِ، كما أنَّ الرَّأيَ
стр. 106
لا يُعتبَرُ شرعاً إلا إذا استَنَدَ إلى النَّقلِ» (١)، وذلك كدليلِ اللغةِ في المنقولاتِ؛ فإنَّ نَقلَ المعنى عن العَرَبِ كافٍ في الدَّلالَةِ على ثبوتِه وصِحَّتِه حين لا يكون له معنىً آخرَ في كلامِهم، لكنَّ اختيارَ أحدِ المعاني المحتملَةِ المنقولَةِ عن العرَبِ، وإثباتِه معنىً للآيةِ = مَرَدُّه إلى النَّظَرِ والاجتهادِ.
ومثلُهُ دليلُ النَّظائِرِ في المعقولاتِ؛ فإنَّ الرَّبطَ بين المعنى ونظيرِه قائِمٌ على اجتهادِ المُفَسِّر ونَظَرِه، مع أنَّ النَّظيرَ المَقيسَ عليه ثابتٌ مِنْ جِهةِ النَّقلِ والسَّماعِ.
غيرَ أنَّ ذلك الاشتراك بين النَّقلِ والعَقلِ في بعضِ الأدلَّة لا أثرَ له في صِحَّةِ الاستدلالِ بالدَّليلِ مِنْ عدمِه، أو تَقديمِه وتأخيرِه، أو قوَّتِه وضَعفِه؛ وإنَّما قُصِدَ به بيانُ أصلِ الدَّليلِ ومَورِدِه؛ لتحقيقِ قواعِده، ومنهجِ التعامُلِ معه في مواضِعِه مِنْ الاستدلالِ، على ما سيأتي بيانُه بإذنِ الله. (٢)
المطلبُ الأوَّلُ: أنواعُ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ:
أوَّلاً: القرآنُ الكريمُ. وقد وقعَ الاستدلالُ به على المعاني (١٢٤) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ به بين الأدِلَّةِ (١. ١%).
стр. 107
ثانياً: القراءاتُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (١٦٥) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (١. ٥%).
ثالِثاً: السُّنَّةُ النَّبويَّةُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٥٢٧) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٤. ٨%).
رابِعاً: الإجماعُ. وقد وقعَ الاستدلالُ به على المعاني (٣٧٨) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ به بين الأدِلَّةِ (٣. ٥%).
خامِساً: أقوالُ السَّلفِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٥٢٣٦) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٤٨. ١%).
سادِساً: لغةُ العربِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٢١٨٣) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٢٠. ١%).
سابِعاً: أحوالُ النُّزولِ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٣٦٠) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٣. ٣%).
ثامِناً: الرواياتُ الإسرائيليَّةُ. وقد وقعَ الاستدلالُ بها على المعاني (٣٢٢) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (٣%).
وقد وقعَ الاستدلالُ بجُملةِ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ على المعاني (٩٢٩٥) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين قِسمَيْ الأدِلَّةِ (٨٥. ٤%).
المطلبُ الثَّاني: أنواعُ الأدلَّةِ العقليَّةِ:
وحيثُ إنَّها خارجُ مجالِ الدِّراسةِ هنا، فسأورِدُها إجمالاً، وأُرجئُ تفصيلَها في القسمِ الثّاني مِنْ الكتابِ بإذنِ الله (١).
أوَّلاً: النَّظائرُ.
стр. 108
ثانياً: السّياقُ.
ثالِثاً: الدِّلالاتُ العقليَّةُ.
وقد وقعَ الاستدلالُ بجُملةِ الأدلَّةِ العقليَّةِ على المعاني (١٥٨٦) مَرَّةً، وبلغَتْ نِسبةُ الاستدلالِ بها بين الأدِلَّةِ (١٤. ٦%).
* وفي الجدولِ الآتي تفصيلُ أدلّةِ المعاني في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠):
م الدَّليلُ مقدارُ الاستدلالِ به نسبةُ استعمالِه بين الأدلَّةِ ١ القرآن ١٢٤ ١. ١% ٢ القراءات ١٦٥ ١. ٥% ٣ السُّنَّة ٥٢٧ ٤. ٨% ٤ الإجماع ٣٧٨ ٣. ٥% ٥ أقوالُ السَّلف ٥٢٣٦ ٤٨. ١% ٦ لغةُ العرب ٢١٨٣ ٢٠. ١% ٧ أحوالُ النزول ٣٦٠ ٣. ٣% ٨ الإسرائيليّات ٣٢٢ ٣% ٩
١٠
١١ النَّظائر
السّياق
الدِّلالات العقليَّة ١٥٨٦ ١٤. ٦% مجموعُ الأدلَّة: ١٠٨٨١ ١٠٠%
стр. 109
• البابُ الثّاني: بيانُ منهجِ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه.
ويشتملُ على فصلين:
الفصلُ الأوّل: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه إجمالاً.
الفصلُ الثّاني: منهجُ ابن جريرٍ في الاستدلالِ بالأدلَّةِ النَّقليَّة على المعَاني في تفسِيره.
стр. 110
الفصلُ الأوّل: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في تفسيرِه إجمالاً.
وفيه مبحثان:
المبحثُ الأوَّلُ: قواعِدُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ.
المبحثُ الثّاني: مسائِلُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ.