أوَّلاً: الظّاهرُ والباطنُ:
الظاهرُ هو: المُتبادَرُ مِنْ معنى اللفظِ الذي ثَبَتَ بطريقٍ مِنْ طُرُقِ التَّفسيرِ المُعتَبَرَة، ولم يَصرِفهُ عنه صارِفٌ. ورُبَّما عَبَّرَ عنه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالنَّصِّ، وحقيقةِ اللفظِ (١).
والباطنُ هو: المعنى غيرُ المُتبادَرِ مِنْ اللفظِ، والذي صرفَهُ عن المعنى الظاهِرِ مِنه صارِفٌ (٢). ومِن ثَمَّ يُسَمِّي ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) العامَّ، والمُطلَقَ، والأغلبَ مِنْ استعمالِ النَّاسِ، والمعروفَ مِنْ كلامِ العَرَبِ، وسياقَ الكلامِ = ظاهِراً؛ لأنَّها المُتبادَرُ مِنْ معنى اللفظِ، فإذا صَرَفَها عنه صارِفٌ صارَتْ مِنْ الباطنِ؛ كالخاصِّ والمُقَيَّدِ، ونحوهِما (٣)، ومِن خلالِ سياقِ هذه اللفظةِ للاستدلالِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) يتبيَّنُ أنَّ (الظّاهرَ) حالةٌ تنطبقُ على كافَّةِ الأدلَّةِ، وهو مُستوىً مِنْ الدَّلالةِ إذا وصلَ إليه الدَّليلُ سمّاه: ظاهراً. فمرَّةً يكونُ السّياقَ، ومرَّةً السُّنَّةَ، وأخرى النَّظائرَ .. ، وهكذا.
وأصلُ هذا البابِ عند ابن جريرٍ (ت: ٣١٠): أنْ يُحمَلَ الكلامُ على ظاهِرِه، ولا يُصرَفْ عنه إلى باطنِهِ إلا بدليلٍ (٤). وقد وقفتُ له في معنى
стр. 142
هذه العِبارَةِ وتطبيقاتِها على قرابَةِ (٢٥٨) موضِعاً؛ مِنها قولُه: «غيرُ جائِزٍ إحالَةُ الظّاهرِ إلى الباطنِ مِنْ التَّأويلِ بغيرِ برهانٍ» (١)، وقولُه: «وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظّاهرِ بالخِطابِ دونَ الخَفيِّ الباطنِ مِنه، حتى تأتيَ دلالَةٌ مِنْ الوَجهِ الذي يجبُ التَّسليمُ له بمعنىً خلافِ دليلِهِ الظَّاهرِ المُتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَلَ القرآنُ = أولى» (٢)، وقولُه: «غيرُ جائِزٍ نقلُ حُكمِ ظاهرِ آيَةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحُجَّةٍ ثابتةٍ» (٣)، ونَصَّ على أنَّ الإيمانَ بظاهرِ التَّنزيلِ فرضٌ، فقالَ في قولِه تعالى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]: «وليسَ في العِلمِ بمَبلَغِ وزنِ ذلك فائِدةٌ تقعُ في دينٍ، ولا في الجَهلِ به دخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهرِ التَّنزيلِ فرضٌ، وما عداهُ فموضوعٌ عنَّا تَكَلُّفُ عِلْمِه» (٤).
والدَّليلُ الذي يُخرَجُ به عن ظاهرِ اللفظ يشملُ دليلَ النَّقلِ والعَقلِ، كما في قولِه: «ليس لأحدٍ أن يجعلَ خبراً جاءَ الكِتابُ بعمومِه في خاصٍّ مما عَمَّهُ الظَّاهِرُ بغيرِ برهانٍ مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ أو عَقلٍ، ولا نعلَمُ خبراً جاءَ يوجِبُ نقلَ ظاهرِ قولِه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٢] إلى باطِنٍ خاصٍّ، ولا مِنْ العَقلِ عليه دليلٌ، فيجبَ إحالَةُ ظاهرِه إلى باطِنِه» (٥)، وقولِه: «لا حُجَّةَ يجبُ التَّسليمُ لها
стр. 143
بأنَّ الآيةَ مُرادٌ بها بعضُ الفديَةِ دون بعضٍ مِنْ أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعمومِها» (١).
وقد بَيَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الحاجَةَ التي قد يضطرُّ معها المُفسِّرُ إلى الأخذِ بغيرِ الظَّاهرِ، فقالَ عند قولِه تعالى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]: «وأمَّا الصَّوابُ مِنْ القَولِ في تأويلِه فأن يُقالَ: إنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه أخبَرَ أنَّ الملائِكَةَ نادتهُ، والظَّاهِرُ مِنْ ذلك أنَّها جماعَةٌ مِنْ الملائِكَةِ دونَ الواحِد، وجبريلُ واحِدٌ، فلن يجوزَ أن يُحمَلَ تأويلُ القرآنِ إلا على الأظهرِ الأكثرِ مِنْ الكلامِ المُستَعمَلِ في ألسُنِ العرَبِ دون الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ، ولم تَضطَرَّنا حاجَةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنَّه بمعنى واحِدٍ، فيُحتاجَ له إلى طَلَبِ المَخرَجِ بالخَفيِّ مِنْ الكلامِ والمعاني» (٢)، وقالَ عن بعضِ المعاني: «ولا ضرورَةَ بالكلامِ إلى ذلك؛ فيُوَجَّهَ إلى ما ليسَ بموجودٍ في ظاهِرِه» (٣)، ومِن خلالِ ذلك يُمكن تحديدُ الحاجَةِ -التي يُطلَبُ لها الخَفيُّ مِنْ الكلامِ وبالحُجَّةِ الدَّالَّةِ- بأنَّها:
ما لا يُمكِنُ معه إقامَةُ الكلامِ على الصِّحَّةِ شرعاً أو عقلاً. وتقديرُ تلك الحاجَةِ ليس متروكاً إلى هوى النَّفسِ، أو الرَّأيِ المُجَرَّدِ، وإنما هو مشروطٌ بدلالَةِ: الحُجَّةِ (الثَّابتَةِ)، والتي: (يجِبُ التَّسليمُ لها)، كما عبَّرَ
стр. 144
عنها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) (١)؛ وهي التي اقتضاها النَّصُّ الصَّحيحُ، والعقلُ السَّليمُ.
ثانياً: الأمرُ والنَّهيُ (٢):
الأمرُ هو: طلبُ الفعلِ بالقولِ على جهةِ الاستعلاءِ. ومثلُه النَّهيُ، لكنَّه: طلبُ التَّرك (٣). قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «كُلُّ أمرٍ بمعنىً فنهيٌ عن خِلافِه وضِدِّه، وكذلك النَّهيُ عن الشَّيءِ أمرٌ بضِدِّه وخِلافِه» (٤)، وللأمرِ والنَّهيِ معانٍ، أشارَ إليها بقولِه: «ممَّا أنزلَ اللهُ مِنْ القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يوصَلُ إلى عِلمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ؛ وذلك تأويلُ جميعِ ما فيهِ مِنْ وجوهِ أمرِه؛ واجِبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نَهْيِه» (٥).
وأصلُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ: أنَّ الأمرَ المُطلَقَ للوجوبِ، والنَّهيَ المُطلَقَ للتحريمِ، إلا بدليلٍ يصرفُهُما عن ذلك (٦). قالَ مُبَيِّناً ذلك: «وأمرُ الله فرضٌ لازِمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنَّه إرشادٌ
стр. 145
ونَدبٌ» (١)، وقالَ: «كُلُّ أمرٍ لله ففَرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِنْ الوَجهِ الذي يجِبُ التَّسليمُ له بأنَّه ندبٌ أو إرشادٌ» (٢)، وقالَ: «الأمرُ مِنْ الله تعالى ذِكرُه إنَّما يكونُ فيما يكونُ للعبادِ السَّبيلُ إلى طاعتِه بفِعلِه، والمَعصيَةِ بتَركِه، فأمَّا ما لَم يكن لهم إلى فِعلِه ولا إلى تركِه سبيلٌ = فذلك ممَّا لا يجوزُ الأمرُ به، ولا النَّهيُ عنه، ولا التَّعَبُّدُ به» (٣).
ثالثاً: العامُّ والخاصُّ:
العامُّ هو: اللفظُ الشَّامِلُ لمَدلُولِه بلا حَصْرٍ. والتَّخصيصُ: قصرُ العامِّ على بعضِ معناه. ورُبَّما سَمَّى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) العامَّ مُجمَلاً، والخاصَّ مُفَسَّراً؛ لأنَّ التَّخصيصَ نوعٌ مِنْ التَّفسيرِ والبيانِ لبعضِ أفرادِ العامِّ (٤).
والقاعِدَةُ العامَّةُ عند ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا الباب: وجوبُ حَملِ العامِّ على عمومِه، ولا تَخصيصَ إلا بدليلٍ (٥). وقد فَصَّلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك بقولِه: «الحُكمُ عندنا في كُلِّ ما أنزلَهُ اللهُ في كتابِه
стр. 146
على ما احتمَلَهُ ظاهِرُ التَّنزيلِ، ما لم يُبّيِّنِ اللهُ تعالى ذِكرُه لعبادِه أنَّ مُرادَهُ مِنه الخُصوصُ؛ إمَّا بتنزيلٍ في كتابِه، أو على لسانِ رسولِه ﷺ ، فإذا خَصَّ مِنه البعضَ، كانَ الذي خَصَّ مِنْ ذلك غيرَ داخلٍ في الجُملَةِ التي أوجَبَ الحُكمَ بها، وكانَ سائِرُها على عُمومِها، كما قد بيَّنَّا في كتابِنا (كتابِ لطيفِ القولِ مِنْ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ) (١)، وغيرِه مِنْ كُتُبِنا» (٢).
وقد وقفتُ له في معنى هذه العِبارَةِ وتطبيقاتِها على قرابَةِ (٣٠٥) مواضِع؛ مِنها قولُه: «وغيرُ جائِزٍ ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٍّ ظاهِرُها إلا بِحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها» (٣)، وقولُه: «فالواجِبُ فيه مِنْ القولِ ما قُلنا؛ مِنْ أنَّه: لا يجوزُ أن يُخَصَّ مِنْ معاني ذلك شيءٌ، وأن يُحكَمَ له بعُمومِه على ما عَمَّهُ اللهُ» (٤)، وذَكَرَ أنَّ العُمومَ مُرادٌ لله تعالى حيثُ لا تخصيصَ، فقالَ: «وإذْ كانَ ذلك كذلك، ولم يكن اللهُ تعالى ذِكرُه دَلَّ على أنَّ مُرادَه مِنْ ذلك معنىً دون معنىً في عقلٍ ولا خَبَرٍ = كانَ معلوماً أنَّ معنى مُرادِه مِنْ ذلك العُمومُ» (٥)، ونقلَ الإجماعَ على مذهبِه في ذلك، فقالَ: «وهذه الأقوالُ التي ذكرناها عمَّن ذكرناها عنه مِنْ الصَّحابَةِ، والتّابعين، والخالِفينَ بعدهم؛ مِنْ قولِهم: إنَّ بني إسرائيلَ لو
стр. 147
كانوا أخذوا أدنى بقرَةٍ فذبحوها أجزَأَتْ عنهم، ولكنَّهم شَدَّدوا فشَدَّدَ اللهُ عليهم = مِنْ أوضَحِ الدَّلالَةِ على أنَّ القومَ كانوا يرون أنَّ حُكمَ الله فيما أمرَ ونهى في كتابِه، وعلى لِسانِ رسولِه ﷺ على العُمومِ الظاهرِ دون الخصوصِ الباطنِ، إلا أن يَخُصَّ بعضَ ما عَمَّهُ التَّنزيلِ كتابٌ مِنْ الله، أو رسولُ الله» (١)، ثُمَّ قالَ: «ففي إجماعِ جميعِهم على ما روينا عنهم مِنْ ذلك -مع الروايةِ التي رويناها عن رسولِ الله ﷺ بالموافَقَةِ لقولِهم- دليلٌ واضِحٌ على صِحَّةِ قولِنا في العُمومِ والخُصوصِ، وأنَّ أحكامَ اللهِ جلَّ ثناؤه في آيِ كتابِه -فيما أمرَ ونهى- على العُمومِ، ما لم يَخُصَّ ذلك ما يجبُ التَّسليمُ له، وأنَّه إذا خُصَّ مِنه شيءٌ فالمخصوصُ مِنه خارِجٌ حُكمُه مِنْ حُكمِ الآيَةِ العامِّ الظّاهرِ، وسائِرُ حُكمِ الآيةِ على ظاهرِها العامِّ، ومُؤَيِّدٌ حقيقَةَ ما قُلنا في ذلك، وشاهِدُ عدلٍ على فسادِ قولِ من خالَفَ قَولَنا فيه» (٢).
وقد بَيَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّ الدَّليلَ الذي يُخَصُ به عمومُ اللفظِ هو ظاهرُ التَّنزيلِ، والخبرُ عن رسولِ الله ﷺ ، والإجماعُ، ودلالَةُ العقلِ؛ ومِنها القياسُ. فيشملُ ذلك دليلَ النَّقلِ والعَقلِ كما في الظّاهِرِ، ومِن ذلك قولُه: «وإذْ كانَ ذلك كذلك، ولم يكن في الآيةِ دلالَةٌ على أنَّها عُنِيَ بها خصوصٌ دونَ عمومٍ، ولا في خَبَرٍ عن الرسولِ، ولا في فِطرَةِ عقلٍ = فالعُمومُ بها أولى؛ لِما قد بَيَّنَّا في غيرِ مَوضِعٍ مِنْ كُتُبِنا» (٣)، وقالَ في الإجماعِ: «فغيرُ جائِزٍ إخراجُ شيءٍ مِنْ عُمومِ هذا
стр. 148
الخَبَرِ، إلا ما أجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّه خارِجٌ مِنه» (١)، وقالَ في القياسِ: «لا حُجَّةَ يجبُ التَّسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مُرادٌ بها بعضُ الفِديَةِ دونَ بعضٍ مِنْ أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهرِها وعُمومِها» (٢).
رابعاً: المُطلَقُ والمُقيَّدُ:
المُطلَقُ: ما تناوَلَ واحِداً مُبهَماً لا بعَينِه. والتَّقيِيدُ: تحديدُ ما أُطلِقَ بالتَّعيين، أو بوَصفٍ زائِدٍ على الحقيقةِ (٣). ورُبَّما عَبَّرَ عنهما ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالمُبهَمِ والمُفَسَّرِ؛ لِما فيهِما مِنْ ذلك المعنى (٤).
وأصلُ هذا البابِ عند ابن جريرٍ (ت: ٣١٠): أن يُحمَلَ المُطلَقُ على إطلاقِه، والمُقَيَّدُ على تقيِيده، إلا إن اتَّصلا في اللفظِ، أو دَلَّ الدَّليلُ على اتِّصالِهِما في المعنى = فيُحمَلُ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ (٥). وقد أجمَلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك في قولِه: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك أنَّ الله جلَّ وعزَّ أوجَبَ على حالِقِ رأسِه مِنْ أذىً مِنْ المُحرِمين فديةٌ؛ مِنْ صيامٍ أو صدقَةٍ أو نُسُكٍ، ولم يشتَرِط أنَّ عليه ذلك بمكانٍ دونَ مكانٍ، بل أبهَمَ ذلك وأطلَقَه، ففي أيِّ مكانٍ نَسَكَ أو أطعَمَ أو صامَ فيُجزِئُ عن المُفتَدي .. ، كذلك كُلُّ مُبهَمَةٍ في القُرآنِ، غيرُ جائِزٍ رَدُّ حُكمِها على المُفَسَّرَةِ قياساً، ولكنَّ الواجِبَ أن يُحكَمَ لكُلِّ واحِدَةٍ مِنهما بما احتَمَلَه
стр. 149
ظاهرُ التَّنزيلِ، إلا أن يأتيَ في بعضِ ذلك خبرٌ عن الرسولِ ﷺ بإحالَةِ حُكمِ ظاهرِه إلى باطِنِه، فيجبَ التَّسليمُ حينئذٍ لحُكمِ الرسولِ ﷺ ؛ إذْ كانَ هو المُبيِّنَ عن مُرادِ الله تعالى ذِكرُه» (١). ومِن أمثلَته قولُه: «وأَوْلى القولَيْن في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ مَنْ قالَ: عنى بذلك المقتولَ مِنْ أهلِ العهدِ؛ لأنَّ الله أبهَمَ ذلك، فقالَ ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يقُل: وهو مؤمنٌ. كما قالَ في القَتيلِ مِنْ المؤمنين وأهلِ الحربِ، إذْ عَنى المؤمنين: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢]. فكانَ في تركِه وصفَه بالإيمانِ الذي وَصَفَ به القَتيلَيْن الماضي ذكرُهُما قبلُ = الدَّليلُ الواضِحُ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك» (٢)، وقولُه مُعَلِّلاً لبعضِ اختيارِه: «لأنَّ ذلك ليس بالمعروفِ مِنْ معانيه إذا أُطلِقَ بغيرِ وَصْلٍ» (٣).
خامساً: النَّاسِخُ والمنسوخُ:
النَّسخُ هو: رفعُ الحُكمِ الشِّرعيِّ بخطابٍ متراخٍ عنه (٤). قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «أصلُ النَّسخِ مِنْ نَسخِ أصلِ الكتابِ، وهو: نقلُه مِنْ نُسخَةٍ إلى أُخرى غيرِها. فكذلك معنى نَسخِ الحُكمِ إلى غيرِه، إنَّما هو: تحويلُه ونقلُ عبادِهِ عنه إلى غيرِه» (٥)، وقالَ: «النَّاسِخُ والمنسوخُ هما
стр. 150
المَعنيانِ اللذانِ لا يجوزُ اجتِماعُ حُكمِهِما على صِحَّةٍ في حالٍ واحِدَةٍ؛ لنَفيِ أحدِهِما صاحِبَه» (١)، وقالَ: «والأخبارُ لا يكونُ فيها نسخٌ، وإنَّما النَّسخُ في الأمرِ والنَّهي» (٢). ويُقابلُ النَّسخَ: الإحكامُ. (٣)
والقاعِدَةُ في هذا البابِ: أنَّ الأصلَ في النُّصوصِ الإحكامُ، ولا يُصارُ إلى النَّسخِ إلا بدليلٍ ثابِتٍ مِنْ الكِتابِ أو السُّنَّةِ (٤). قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «النَّاسِخُ الذي لا شكَّ فيه مِنْ الأمرِ هو: ما كانَ نافياً كُلَّ معاني خِلافِه الذي كانَ قبلَه، فأمَّا ما كانَ غيرَ نافٍ جَميعَه فلا سبيلَ إلى العِلمِ بأنَّه ناسِخٌ إلا بخبرٍ مِنْ الله جلَّ وعزَّ، أو مِنْ رسولِه ﷺ ) (٥)، وقالَ مُعلِّلاً للمنعِ مِنْ النَّسخِ في بعضِ الأقوالِ: «إذْ كانَ لا دَلالَةَ على أنَّه منسوخٌ بها مِنْ كتابٍ، أو سُنَّةٍ ثابتَةٍ» (٦).
ويلاحَظُ في النُّقولِ السَّابقةِ أنَّ النَّاسِخَ لا يكونُ إلا نَصَّاً شرعيَّاً؛ مِنْ القرآنِ أو السُّنَّةِ، ومَن ذَكرَ الإجماعَ فالناسِخُ فيه: مُستَنَدُهُ مِنْ النُّصوصِ؛ لأنَّ النَّسخَ تشريعٌ، وذلك لا يكونُ إلا بوَحي، كما قالَ تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ
стр. 151
رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، ومِن ثَمَّ لا يقَعُ النَّسخُ بالقياسِ وغيرِه مِنْ الدَّلائِلِ العقليَّةِ؛ ولذلك لم يذكُره ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تعدادِ النَّواسِخِ في مثلِ قولِه: «غيرُ جائِزٍ أن يُقضى على حُكمٍ مِنْ أحكامِ الله تعالى ذِكرُه أنَّه منسوخٌ إلا بخبرٍ يَقطَعُ العُذرَ؛ إمَّا مِنْ عِنْدِ الله، أو مِنْ عِنْدِ رسولِه ﷺ ، أو بورودِ النَّقلِ المُستَفيضِ بذلك، فأمَّا ولا خَبَرَ بذلك، ولا يَدفَعُ صِحَّتَهُ عقلٌ، فغيرُ جائِزٍ أن يُقضى عليه بأنَّه منسوخٌ» (١).
القاعدةُ الثانيَةَ عشرَةَ: الآراءُ الفاسِدةُ والتمويهاتُ الباطِلةُ أصلُ أدلَّةِ المُبتَدِعَة.
أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مواضِعَ كثيرَةٍ مِنْ تفسيرِه أصولاً مِنْ منهجِ المبتدعةِ في الاستدلالِ على المعاني، وأشارَ إلى أنَّ انحِرافَهُم في الاستدلالِ هو أصلُ ضلالِهِم في الأقوالِ، وله في ذلك نصوصٌ ظاهرَةٌ تكشِفُ عن شيءٍ مِنْ تلك المناهِجِ الخاطِئَةِ، والتي يُمكِنُ إجمالُ أسبابِ انحرافِها في: مخالَفَةِ المنهجِ الحَقِّ في الاستدلالِ؛ وهو منهَجُ رسولِ الله ﷺ ، وصحابَتِه الكِرامِ، وسلفِ الأمَّةِ، ومن بَعدَهُم مِنْ الأئِمَّةِ؛ القائِمِ على الأصولِ العلميَّةِ الثَّابِتَةِ، والقواعِدِ الشَّرعيَّةِ الضَّابِطَةِ، التي تأتَلِفُ بها المعاني وأَدِلَّتُها، وتصيرُ بها معاني القرآنِ كالمعنى الواحِدِ؛ فلا تعارُضَ ولا تخالُفَ، بل يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً، ويشهَدُ بعضُها بصوابِ بعضٍ.
стр. 152
وفيما بعدَ ذلك الأصلَ الكُلِّيَّ في الانحرافِ، يذكُرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) وجوهاً مِنْ معالِمَ تلك المناهِجِ المُبتَدَعَة، وهي:
١ - حملُ القرآنِ على الآراءِ، وهو مِنْ أهمِّ أسبابِ الانحرافِ في تأويلِه، وقد سَبَقَ تفصيلُ ذلك (١)، ويُضافُ هُنا قولُ ابن جريرٍ (ت: ٣١٠): «غيرُ جائِزٍ لأحدٍ مِنْ أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرَّأيِ على ما نَقَلَهُ المسلمون وِراثَةً عن نبيِّهِم ﷺ نقلاً ظاهِراً، قاطِعاً للعُذرِ؛ لأنَّ ما جاءَت به الحُجَّةُ مِنْ الدِّينِ هو الحَقُّ الذي لا شَكَّ فيه أنَّه مِنْ عِنْدِ الله، ولا يُعتَرَضُ على ما قد ثَبَتَ وقامَتْ به حُجَّةٌ أنَّه مِنْ عِنْدِ الله بالآراءِ، والظُّنونِ، والأقوالِ الشَّاذَّةِ» (٢)، وقالَ أيضاً: «وقد زَعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بلُغاتِ العَربِ مِنْ أهلِ البَصرَةِ (٣)، أنَّ معنى قولِه ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: بكتابٍ مِنْ اللهِ. مِنْ قولِ العَربِ: أنشَدَني فُلانٌ كَلِمَةَ كذا. يُرادُ به: قصيدَةَ كذا. جَهلاً مِنه بتأويلِ الكلِمةِ، واجتراءً على ترجَمَةِ القُرآنِ برأيِه» (٤).
ومِنْ هذا البابِ: التأويلُ بالرَّأيِ على غيرِ أصلٍ معتَمَدٍ، كما في تعليلِه لفسادِ بعضِ الأقوالِ: «ولكنَّ القولَ إذا كانَ على غيرِ أصلٍ مُعتَمَدٍ كانَ واضحاً عَوَارُه» (٥).
стр. 153
٢ - الإعراضُ عن أقوالِ السَّلفِ، وهذا نتيجةٌ لِمَا قَبلَه، وصِفَةٌ لازِمَةٌ لِكُلِّ انحِرافٍ في الاستدلالِ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وكانَ بعضُ مَنْ لا عِلمَ له بأقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، ممَّن يُفَسِّرُ القرآن برأيِهِ على مَذهَبِ كلامِ العربِ، يوَجِّهُ معنى قولِه ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] إلى: وفيه يَنجُونَ مِنْ الجَدبِ والقَحطِ بالغَيثِ. ويزعُمُ أنَّه مِنْ العَصَرِ .. ، وذلك تأويلٌ يكفي مِنْ الشَّهادَةِ على خَطَئِه خلافُه قولَ جميعِ أهلِ العِلمِ مِنْ الصَّحابَةِ والتَّابعين» (١)، وقالَ بعدَ ذكرِ أقوالِ السَّلفِ في معنى هَمِّ يوسُفَ ﵇ في قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]: «وأمَّا آخرون ممَّن خالَفَ أقوالَ السَّلَفِ، وتأوَّلوا القرآنَ بآرائِهِم، فإنَّهُم قالوا في ذلك أقوالاً مُختلِفةً» (٢)، ثُمَّ أورَدها وحَكمَ بفسادِها بالأدلَّةِ. (٣)
٣ - أصلُ استدلالاتِهِم تمويهاتٌ وتلبيساتٌ لا يُخيلُ على ذي عقلٍ بُطلانُها، وذلك مِنْ شأنِهِم الذي أخبرَ اللهُ تعالى عنه بقولِه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فهُم مِنْ أبعدِ النَّاسِ عن المُحكَمِ مِنْ الدِّلالاتِ، وأكثرِهُم شُغلاً بالمُتشابِهِ مِنْ التَّأويلاتِ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «ولأهلِ هذه المَقالَةِ مسائِلُ فيها تلبيسٌ، كرِهنا ذِكرَها وإطالَةَ الكِتابِ بها وبالجوابِ عنها؛ إذْ لم يكُن قصدُنا في كتابِنا هذا قصدَ الكَشفِ عن تمويهاتِهم، بل قصدُنا فيه البيانُ
стр. 154
عن تأويلِ آيِ الفُرقانِ، ولكنَّا ذَكَرنا القَدرَ الذي ذكرنا؛ ليَعلَمَ النَّاظِرُ في كتابِنا هذا أنَّهم لا يرجِعون مِنْ قَولِهم إلا إلى ما لَبَسَ عليهم الشيطانُ، مِمَّا يَسهُلُ على أهلِ الحَقِّ البيانُ عن فسادِه، وأنَّهم لا يَرجِعون في قَولِهم إلى آيَةٍ مُحكَمَةٍ، ولا روايَةٍ عن رسولِ الله ﷺ صحيحَةٍ ولا سَقيمَةٍ، فهُم في الظُّلُماتِ يَخْبِطون، وفي العَمْياءِ يترَدَّدون، نعوذُ باللهِ مِنْ الحَيْرَةِ والضَّلالَةِ» (١)، وقالَ بعدما أبانَ عن تناقُضِ قولٍ لأهلِ القَدَرِ: «وذلك مِنْ قائِلِه -إن قالَه- إحالَةٌ في كلامِه، ودعوى باطِلٍ لا يُخيلُ (٢) بُطولُه» (٣).
٤ - اعتراضُ النُّصوصِ الثَّابِتَةِ بشُبَهٍ مِنْ العُقُولِ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وتأوَّلَ بعضُهم في الأخبارِ التي رُوِيَت عن رسولِ الله ﷺ بتصحيحِ القَولِ برؤيَةِ أهلِ الجَنَّةِ ربَّهم يومَ القيامَةِ تأويلاتٍ، وأنكَرَ بعضُهُم مَجيئَها، ودافَعوا أن يكونَ ذلك مِنْ قولِ رسولِ الله ﷺ ، ورَدُّوا القولَ فيه إلى عُقولِهِم؛ فزَعَموا أنَّ عُقولَهم تُحيلُ جوازَ الرُّؤيَةِ على الله بالأبصارِ، وأتوا في ذلك بضُروبٍ مِنْ التَّمويهاتِ، وأكثروا القولَ فيه مِنْ جِهَةِ الاستخراجاتِ .. ، والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا ما تظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٤)، وقالَ أيضاً: «وقد زَعَمَ بعضُ مَنْ لا يُصَدِّقُ بالآثارِ، ولا يقبلُ مِنْ
стр. 155
الأخبارِ إلا ما استفاضَ به النَّقلُ مِنْ العوامِّ، أنَّ معنى قولِه ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] إنَّما هو: بل فَعَلَه كبيرُهُم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم. أي: إن كانَت الآلِهَةُ المَكسورَةُ تَنطِقُ؛ فإنَّ كبيرَهُم هو الذي كَسَرَهُم. وهذا قولٌ خِلافُ ما تظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (١).
٥ - العَجَلَةُ وعدمُ التَّدَبُّرِ، وهذا مِنْ أثرِ الاعتدادِ بالرَّأيِ دون تَحقُّقٍ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في قَولِه تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]: «وكأنَّ مَعْنيَّ صاحِبِ هذه المَقالَةِ في قولِه هذا: ولو ترى إذ وُقِفوا على النَّارِ فقالوا: قد وُقِفنا عليها مُكَذِّبينَ بآياتِ رَبِّنا كُفَّاراً، فيا ليتنا نُرَدُّ إليها فنوقَفَ عليها غيرَ مُكَذِّبينَ بآياتِ رَبِّنا ولا كُفّاراً. وهذا تأويلٌ يدفَعُه ظاهِرُ التَّنزيلِ؛ وذلك قولُه تعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فأخبَرَ اللهُ تعالى ذِكرُه أنَّهم في قِيلِهم ذلك كَذّبَةٌ، والتَّكذيبُ لا يقعُ في التَّمنِّي، ولكنَّ صاحِبَ هذه المَقالَةِ أظُنُّ به أنَّه لم يتدبَّرِ التَّأويلِ، ولَزِمَ سَنَنَ العَرَبيَّةِ» (٢)، وقالَ: «وهذا قولٌ إذا تدبَّرَه مُتَدبِّرٌ عَلِمَ أنَّ بعضَه مُفسِدٌ بعضاً» (٣)، وقالَ: «وقد ظَنَّ بعضُ مَنْ لم يُنعِمِ النَّظرَ أنَّ إعادَةَ ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥] مع ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بعدَ تقدُّمِها في قولِه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] بمعنى قَولِ عَدِيِّ بن زَيدٍ العِبادِيِّ (٤):
стр. 156
وجاعِلِ الشَّمسِ مِصراً لا خفاءَ به … بينَ النَّهارِ وبينَ الليلِ قد فَصَلا» (١)،
ثُمَّ قالَ: «وذلك مِنْ قائِلِه جَهلٌ» (٢)، ثُمَّ أبانَ وجهَ ذلك.
стр. 157
المبحثُ الثّاني: مسائِلُ في منهجِ الاستدلالِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ.
تَميَّزَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه بطريقتِه الخاصَّةِ في إيرادِ الأدلَّةِ، وترتيبِها، والتَّعبيرِ عنها، وحَشدِها في موضِعٍ، والاكتِفاءِ ببَعضِها في موضِعٍ، والإحالَةِ على بعضِها في موضِعٍ آخرَ، ونحوِ ذلك مِنْ المَسائِلِ المُتَعلِّقةِ بأساليبِ إيرادِ الأدلَّةِ، والتَّعبيرِ عنها. ومعرفةُ تلك الأساليبِ الخاصَّةِ عندَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) وإبرازِها، يفيدُ كثيراً في معرفةِ أنواعِ الأدلَّةِ وتمييزِها، ثُمَّ استِبانةِ منهجِه في الاستدلالِ بها بعدَ ذلك.
وفيما يأتي بيانٌ لتلك الأساليبِ في جُملَةِ عناصِرَ، وهي:
أوَّلاً: يعبِّرُ عن الاستدلالِ بالاستشهادِ، وعن الأدلَّةِ بالشواهدِ والحجَجِ والعِللِ والأصولِ. ومعانيها مُتقارِبَةٌ؛ فالاستِشهادُ: طلبُ الشهادَةِ على صِحَّةِ المعنى أو بُطلانِه. وكذلك الاستدلالُ في طلبِ الدَّلالَةِ المُرشِدَةِ إلى صوابِ المعنى أو خَطَئِه. ومِثلُهُما: الدَّليلُ والشَّاهِد. أمَّا التعبيرُ عن الدَّليلِ بالحُجَّةِ؛ فلأنَّه الغايةُ مِنْ إيرادِه. وكذا
стр. 158
التعبيرُ بالعِلَّةِ؛ لأنَّ الدَّليلَ عِلَّةُ الحُكمِ، وسبَبُ الاختيارِ. وفي التَّعبيرِ بالأصلِ عن الدَّليلِ الإشارَةُ إلى أنَّه مَبنى الحُكمِ وأساسُه.
وكُلُّ ذلك مِنْ عادَةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في التنويعِ في العِبارَاتِ والأساليبِ، ومِن أمثِلَةِ ذلك في كلامِه قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]: «وقد تأوَّلَ بعضُهُم ذلك: أنَّ اللهَ ذَمَّهُم بقطعِهِم رسولَه، والمؤمنين به، وأرحامِهِم. واستَشهَدَ على ذلك بعُمومِ ظاهِرِ الآيَةِ، وألَّا دلالَةَ على أنَّه معنيٌّ بها بعضُ ما أمَرَ اللهُ بوَصلِه دونَ بعضٍ» (١)، وقولُه: «وقد ذُكِرَ عن ابن عباس أنَّه احتجَّ في ذلك بمثلِ الذي ذكرنا مِنْ الحُجَّةِ» (٢)، وقولُه: «وعِلَّةُ مَنْ قالَ هذه المَقَالَةِ» (٣) ثُمَّ أورَدَ حديثاً عن رسولِ الله ﷺ ، وكذا قولُه: «ويُسأَلُ الفرقَ بينَه وبينَه؛ مِنْ أصْلٍ، أو مِمَّا يَدُلُّ عليه أصْلٌ» (٤).
ثانياً: يَحصِرُ المعاني تمهيداً للاستدلالِ لها. فلا يدعُ قولاً يعلَمُه عن أهلِ التَّأويلِ إلَّا ذكَرَه، كما أشارَ في مُقَدِّمتِه بقولِه: «ونحنُ في شرحِ تأويلِه وبيانِ ما فيه مِنْ معانيه مُنشِئون إن شاءَ اللهُ ذلك كتاباً مُستَوعِباً .. ، جامعاً، ومِن سائِرِ الكُتُب غيرِه في ذلك كافياً، ومُخبِرونَ في كُلِّ ذلك بما انتهى إلينا مِنْ اتِّفاقِ الحُجَّةِ فيما اتَّفقَت عليه مِنه، واختِلافِها فيما اختلَفَت فيه مِنه» (٥)، وقالَ أيضاً: «ومِمَّا يُبَيِّنُ عن أنَّ ذلك كذلك: أنَّ
стр. 159
جميعَ أهلِ التأويلِ الذين رُوِيَ لنا عنهم في ذلك قولٌ، لمْ يُحكَ لنا عن أحدٍ مِنهم تفصيلٌ بين فَتحِ ذلك وضَمِّه، ولو كانا مُختَلِفَي المعنى لنُقِلَ الفَصلُ مع التأويلِ إن شاءَ الله» (١).
كما يتفَنَّنُ في سَردِ الأقوالِ وتقسيمِها؛ فيُمَيِّزُ أقوالَ أهلِ التأويلِ -وهُم الحُجَّةُ فيه مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين وأتباعِهم (٢) - عن غيرِهم، ويُرَتِّبُ الأدلَّةَ بحَسبِ الأقوالِ، كما في قولِه: «اختلَفَت تراجِمَةُ القرآنِ في تأويلِ قولِ الله تعالى ذِكرُه ﴿الم﴾ [البقرة: ١]» (٣)، ثُمَّ ذكرَ عَشرَةَ أقوالٍ، ومَنْ قالَ بها مِنْ أهلِ التأويلِ، ثُمَّ قالَ: «وأمَّا أهلُ العربيةِ فإنَّهم اختَلَفوا في معنى ذلك» (٤)، وذكَرَ لهُم ثلاثَةَ أقوالٍ، ثُمَّ شَرَعَ في التوجيهِ والاستدلالِ لجميعِ تلك الأقوالِ مُرَتَّبةً بعد إجمالِ بعضِها مع بعضٍ، وأبطلَ مِنها ما خالفَ الدَّليلَ (٥)، ومِن ذلك أيضاً قولُه: «فإنْ قالَ لنا قائِلٌ: أوَ ما كانَ الحرمُ آمناً إلا بعدما سألَ إبراهيمُ ربَّه له الأمان؟ قيلَ: قد اختُلِفَ في ذلك»، ثُمَّ ذكر القولَ الأوَّلَ ودليلَه وتوجيهَه، ثُمَّ القولَ الثاني ودليلَه وتوجيهَه، ثُمَّ عَقَّبَ باختيارِه بدليلِه (٦).
وبعدَ حصرِه لأقوالِ أهلِ التأويلِ يحصُرُ المعاني في تلك الأقوالِ؛ تمهيداً للاستدلالِ لها، فيقولُ: «فأمّا مِنْ جِهَةِ النَّظرِ فإن جميعَ من
стр. 160
ينتحِلُ الإسلامَ إنَّما اختلفوا في معنى ذلك على أوجُهٍ ثلاثَةٍ» (١)، ويقولُ: «وليس يخلو هذا القولُ مِنْ أحدِ أمرَيْن» (٢).
ومِن آثارِ حَصْرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) للأقوالِ وتمييزِها: النَّصُّ على انحصارِ معنى الآيةِ في تلك الأقوالِ، كما في قولِه: «والدَّليلُ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك: قيامُ الحُجَّةِ بأنْ لا قولَ في معنى هذه الآيةِ إلَّا أحَدُ الأقوالِ الثلاثَةِ التي ذكرناها» (٣)، وقولِه: «فلمَّا كانَ السِّرُّ إنَّما يوَجَّهُ في كلامِها إلى أحدِ هذه الأوجُهِ الثلاثَةِ، وكانَ معلوماً أنَّ أحدَهُنَّ غيرُ معنيٍّ به قولُه ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وهو السِّرُّ الذي هو معنى: الخِيارِ والشَّرَفِ. فلم يبقَ إلا الوَجهانِ الآخرانِ؛ وهو السِّرُّ الذي بمعنى: ما أخفَتْهُ نفسُ المُواعِدِين. والسِّرُّ الذي بمعنى: الغِشيانِ والجِماعِ. فلمَّا لم يبقَ غيرُهُما؛ وكانَت الدلالَةُ واضِحةً على أنَّ أحدَهما غيرُ معنيٍّ به، صَحَّ أنَّ الآخرَ هو المعنيُّ به» (٤).
ولذلك أثرُهُ الظَّاهِرُ في الاكتفاءِ بإبطالِ أحدِ القولَينِ عن الاستدلالِ على صِحَّةِ الآخرِ؛ لأنَّه لا معنى للآيةِ غيرُهما، كما في قولِه: «وفي فَسادِ هذا القولِ بالذي ذكرنا، أبيَنُ الدَّلالَةِ على صِحَّةِ القولِ الآخرِ؛ إذْ لا قولَ في ذلك لأهلِ التأويلِ غيرُهما» (٥)، وقولِه: «فإذْ كانَ لا قولَ في تأويلِ ذلك إلَّا أحدُ القولَيْن اللذَيْن وصفتُ، ثُمَّ كانَ أحدُهما غيرَ
стр. 161
موجودَةٍ على صِحَّتِه الدَّلالَةُ مِنْ الوَجهِ الذي يَجِبُ التَّسليمُ له = صَحَّ الوَجهُ الآخرُ» (١)، وقولِه: «وإذا فَسَدَ ذلك صَحَّ أنَّ تأويلَ الآيَةِ ما قُلنا» (٢).
كما يستفيدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ ذلك الحَصْر في تخطئَةِ كُلِّ قولٍ خرجَ عن أقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ التأويلِ، على ما سيأتي تفصيلُه في بابه بإذن الله. (٣)
ثالثاً: يجتهدُ في استيعابِ أدلَّةِ الأقوالِ وإن لم يَختَرْها. وذلك مِنْ منهجِه العامِّ في استقصاءِ الأقوالِ في تفسيرِه، ومِن تَمامِ العدلِ والإنصافِ (٤)، ومِن ذلك استدلالُه لبعضِ المعاني في قولِه تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] بالنَّظائِرِ، وكلامِ العرَبِ، وجُملَةٍ مِنْ أشعارِها، ثُمَّ قالَ: «وهذا وإن كانَ وجهاً مِنْ التَّأويلِ فلستُ له بمُختارٍ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قالَ ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ فدَلَّ
стр. 162
بذلك على أنَّ معنى قولِه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] معنى الشِّراءِ الذي يتعارَفُه النَّاسُ؛ مِنْ استِبدالِ شيءٍ مكانَ شيءٍ، وأخذِ عِوَضٍ على عِوَضٍ» (١)، وكذلك استدلالُه عندَ قولِه تعالى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] لقولٍ لأبي العاليةِ (ت: ٩٣) بنَظيرِه مِنْ القرآنِ، وببعضِ وجوهِ القراءاتِ، وبكلامِ العربِ؛ ثُمَّ قالَ: «وقولُ أبي العاليَةِ في ذلك-وإن كانَ وجهاً مِنْ التَّأويلِ تحتَمِلُه الآيةُ- فأقرَبُ إلى الصَّوابِ مِنهُ عندي، وأشبَهُ بظاهِرِ التِّلاوَةِ أن يكونَ تأويلُها .. » (٢)، ثُمَّ ذكرَ اختيارَه، واستدلالَه له.
رابعاً: يُورِدُ أدِلَّةً للأقوالِ لم يذكُرْها أصحابُها، وهذا فرعٌ عن منهجِهِ في الاستيعابِ، ومِن ذلك قولُه: «وكانَ بعضُ أهلِ المعرِفةِ بكلامِ العرَبِ مِنْ أهل البَصرَةِ (٣) يقولُ: معنى ﴿فَجَاسُوا﴾ [الإسراء: ٥]: قَتَلوا. ويُسْتَشْهَدُ لقَوْلِه ذلك ببيتِ حسَّان (٤):
ومِنَّا الذي لاقى بسَيفِ مُحَمَّدٍ … فجاسَ به الأعداءَ عُرضَ العَساكِرِ» (٥).
وقولُه: «وكأنَّ يحيى وابنَ عباسٍ وَجَّها تأويلَ الكلامِ إلى أنَّ
стр. 163
الشَّيطانَ قالَ لهما: ما نهاكُما ربُّكما عن هذه الشَّجرَةِ إلا أن تكونا مَلِكَيْنِ مِنْ المُلوكِ. أُراهُما تأوَّلا في ذلك قولَ الله في موضِعٍ آخَرَ ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]» (١)، وقالَ أيضاً: «فكأنَّ متأَوِّلَ هذا التأويلِ قَصَدَ بتأويلِه هذا إلى معنى قولِ الله تعالى ذِكرُه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» (٢).
خامساً: لم يَقتَصِر مِنْ الأدلَّةِ على نوعٍ دون آخَرَ، كما لم يُكثِر مِنْ الاستدلالِ بدليلٍ مؤثِراً له دون باقي الأدِلَّةِ؛ كما هي عادةُ من توسَّعَ في فَنٍّ مِنْ العلومِ مِنْ أهلِ التَّفسيرِ (٣)، وقد سبقَت الإشارةُ إلى تمَكُّنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في كثيرٍ مِنْ العلومِ اللازمةِ للمُفَسِّرِ، وتحقُّقِه فيها (٤)، فظَهَرَ أثرُ ذلك على منهجِه في الاستدلالِ؛ بالتَّنويعِ بين الأدلَّةِ، واختيارِ الدَّليلِ المُناسِبِ في مقامِ الاختيارِ والتَّرجيحِ، والإبطالِ والتَّصحيحِ؛ فيتوسَّعُ في دليلِ اللغةِ مع اللغويّين، وفي دليلِ العقلِ مع المُتكَلِّمين، وفي
стр. 164
أصولِ الأحكامِ مع أهلِ الفقهِ والنَّظرِ، وبأقوالِ السَّلفِ والسياقِ والنَّظائِرِ وأحوالِ النُّزولِ مع تراجِمَةِ القرآنِ مِنْ المفسِّرين، وهكذا في أنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ، ووجوهٍ مِنْ الاستدلالاتِ، بحسبِ المواضِعِ والحاجاتِ. (١)
سادساً: يبدأُ بدليلِ اللغةِ، ثُمَّ دليلِ الشَّرعِ؛ مِنْ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ وأقوالِ السَّلف، ثُمَّ دليلِ العقلِ؛ مِنْ السِّياقِ والنَّظائِرِ وغيرِها. وهذا منهجُه الأكثرُ في إيرادِ أدلَّةِ المعاني عندَ اجتِماعِها، وسيأتي بيانُ مناسَبةِ هذا الترتيبِ في التَّفسيرِ في مباحثِ ترتيبِ الأدلَّةِ بإذنِ الله. ومِن شواهدِ ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]: «والعربُ تقولُ: فلانٌ لا يرجو فلاناً. إذا كانَ لا يخافُه، ومِنه قولُ الله جَلَّ ثناؤُه ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، ومِنه قولُ أبي ذُؤيبٍ (٢):
إذا لَسَعَته النَّحلُ لم يَرجُ لَسْعَها … وخالَفَها في بيتِ نوبٍ عَوامِلِ
وبنحو ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التأويلِ» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]: «والبَخعُ هو: القتلُ والإهلاكُ في كلامِ العربِ، ومِنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٤):
ألا أيُّهذا الباخِعُ الوَجدُ نفسَه … لشيءٍ نَحَتْهُ عن يَديكَ المقادِرُ
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التأويلِ» (٥).
стр. 165
وقد يُخالفُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك التَّرتيبَ لغرَضٍ؛ كتأخيرِه المعنى اللغويَّ بعدَ ذكرِ الأقوالِ في الآيةِ؛ ليكونَ أصلاً لِرَدِّ ما خرَجَ عنه مِنْ الأقوالِ، وسبيلاً للتأليفِ والجمعِ بينها، لكنَّه يُتبِعُ ذلك بأدلَّةِ الشَّرعِ والنَّظرِ؛ سواءً لإبطالِ بعضِ الأقوالِ، أو لترجيحِ المعنى المُختارِ، كما في تفسيرِه (الهَجرَ) مِنْ قولِه تعالى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، حيثُ بدأ بذكرِ اختلافِ أهلِ التَّأويلِ، ثُمَّ قالَ: «ولا معنى للهجرِ في كلامِ العربِ إلا على أحدِ ثلاثةِ أَوْجُهٍ» (١)، ثُمَّ ذكرَها بشواهِدِها، وأبطَلَ مِنها اثنان، واختارَ الثّالثَ، واستدَلَّ له بقولِ النَّبي ﷺ ، وأقوالِ السَّلفِ (٢).
سابعاً: يكتفي أحياناً بذكرِ بعضِ الأدلَّةِ، ويُحيلُ في مواضِعَ على ما سبقَ بيانُه مِنها، أو ما سيأتي؛ قَصْداً للاختصارِ، ومنعاً للإطالَةِ والتكرارِ، وهذا مِنْ منهجِه الذي نَصَّ عليه في أوَّلِ تفسيرِه بقولِه: «بأوجَزِ ما أمكَنَ مِنْ الإيجازِ في ذلك، وأخصَرِ ما أمكنَ مِنْ الاختصارِ فيه» (٣)، ومِنه قولُه بعد ذِكرِ عددٍ مِنْ الأدلَّةِ: «مع عِلَلٍ كثيرَةٍ يطولُ بذِكرِها الكتابُ، وفيما ذكرنا كِفايَةٌ لمَن وُفِّقَ لِفَهمِه» (٤)، ومِثلُهُ قولُه: «في نظائِرَ لذلك كثيرَةٍ كَرِهنا إطالَةَ الكِتابِ بذِكرِها» (٥)، وقالَ: «وقد
стр. 166
دَلَّلنا في غيرِ هذا المَوضِعِ مِمَّا مضى مِنْ كِتابِنا أنَّ أصلَ كلِّ ظُلمٍ: وضعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه. فأغنى ذلك عن إعادَتِه في هذا المَوضِعِ» (١)، وقالَ فيما سيأتي ذِكرُه مِنْ الأدلَّةِ: «فأمَّا وجهُ تسميَةِ ما ثَنَّى المِئينَ مِنْ سورِ القرآنِ بالمثاني فقد بيَّنَّا صِحَّتَه، وسنَدُلُّ على صِحَّةِ وجهِ تسميةِ جميعِ القرآنِ به عند انتهائِنا إليه في سورةِ (الزُّمَر) إن شاءَ اللهُ تعالى» (٢).
وربَّما أجملَ ذكرَ الأدلَّةِ لاشتهارِها، وكثرَةِ تكرارِها فيما سبقَ مِنْ كلامِه، كما في قولِه: «وبذلك جاء التَّنزيلُ، وتتابَعَ شِعرُ الشُّعراء» (٣)، ثُمَّ لم يذكر شيئاً مِنْ ذلك.
وإذا أحالَ على تفسيرِه السابقِ فإنَّه يذكرُ أدلَّةَ القَولِ الذي اختارَه مِمَّا لم يذكُره فيما تَقَدَّم، كما في قولِه: «وقد ذَكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك بالرِّواياتِ، وبَيَّنَّا الأَوْلى بالصَّوابِ مِنها في سورَةِ البَقَرَةِ، فأغنى ذلك عن إعادَتِه في هذا المَوضِعِ، غيرَ أنِّي أذكُرُ بعضَ ذلك أيضاً في هذا المَوْضِعِ» (٤). وليس ذلك لقصدِ الاختصارِ فحَسب؛ وإنَّما لبيانِ اتِّفاقِ المعنيَيْن في المَوْضِعَيْن، وتوكيداً للمعنى المُختارِ بمزيدٍ مِنْ الأدلَّةِ، كما في قولِه: «وقد ذكرنا اختلافَ المُختلِفِين والصَّوابَ مِنْ القولِ عندنا، فيما مضى قبلُ في معنى القانِت، بما أغنى عن إعادَتِه في هذا المَوْضِعِ، غيرَ أنَّا نَذكُرُ بعضَ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك في هذا
стр. 167
المَوْضِعِ؛ ليَعلَمَ النَّاظرُ في الكتابِ اتِّفاقَ معنى ذلك في هذا المَوْضِعِ وغيرِه» (١)، ومِثلُهُ قولُه: «وقد بَيَّنَّا الصوابَ مِنْ القَولِ فيه في سورَةِ الصَّافَّاتِ، فأغنى عن إعادَتِه في هذا المَوْضِعِ، غيرَ أنَّا سنذكرُ قولَ بعضِهِم في هذا المَوْضِعِ؛ لِئَلَّا يَظُنُّ ظانٌّ أنَّ معناه في هذا المَوْضِعِ مُخالِفٌ معناه هناك» (٢)، وقولُه في بيانِ قَصدِ التَّوْكيدِ: «قد ذَكرْنا ذلك في الخَبَرِ الذي رَوَيْناهُ عن ابنِ إسحاقَ (٣)، ونزيدُ ذلك توكيداً بما نضُمُّ إليه مِنْ أخبارِ بعضِ السَّلفِ المُتَقَدِّمين، وأقوالِهِم» (٤).
ثامِناً: يدعُ المعاني الواضِحَةَ الظَّاهرَةَ بلا استدلالٍ، كما في قولِه عن بعضِ المعاني: «وقد استُغنيَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنِه» (٥)، وقولِه عندَ قولِه تعالى ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]: «يقولُ اللهُ لهُم جَلَّ ثناؤُه: افعلوا ما آمُرُكم به تُدرِكوا حاجاتِكم وطَلِباتِكم عندي، واذبحوا البقرةَ التي أمرتُكُم بذَبحِها، تَصِلوا بانتهائِكم إلى طاعتي بذبحِها إلى العِلمِ بقاتِلِ قَتيلِكم» (٦)، ثُمَّ لم يزِدْ على ذلك، ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤]: «يعني بقولِه جَلَّ ثناؤُه: وإنَّ مِنْ الحِجارَةِ لَحِجارَةٌ تشَّقَّقُ؛ وتَشَقُّقُها: تصَدُّعُها. وإنَّما هي: لَمَا يتشَقَّقُ.
стр. 168
ولكنَّ التاءَ أُدغِمَت في الشّينِ، فصارَت شيناً مُشَدَّدةً. وقولُه ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤]، يقولُ: فيخرُجُ مِنه الماءُ فيكونُ عيناً نابِعَةً، وأنهاراً جاريَةً» (١)، ولم يستَشْهِد على شيءٍ مِنْ ذلك لوضوحِه وبيانِه.
تاسعاً: يذكرُ دليلَ المعنى مُباشرةً ويستغني به عن بيانِ المعنى؛ وذلك لوضوحِ المعنى في الدَّليلِ، ولا معنى للآيةِ غيرُه، فيستَغني بذِكرِ الدَّليلِ عن تفصيلِ المعنى، وذلك قليلٌ، ومِنه قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]: «ذُكِرَ أنَّ معنى الفاحِشَةِ في هذا المَوضِعِ ما حَدَّثَني به .. » (٢)، ثُمَّ أسنَدَ عن مجاهدٍ (ت: ١٠٤)، وسعيدِ بن جبيرٍ (ت: ٩٥)، والشَّعبيّ (ت: ١٠٣)، والسُّديّ (ت: ١٢٨)، وابنِ عباس ﵁ = قولَهُم: هو طوافُهُم بالبَيتِ عُراةً في الجاهليَّةِ (٣). ولم يَزِد على ذلك.
عاشراً: عند الاستدلالِ للقولِ المُختارِ يعمَدُ إلى أوضَحِ الأدلَّةِ، وأكثرِها موافقةً للمقصودِ، وذلك مِنْ منهجِه الذي أشارَ إليه في مُقَدِّمَةِ تفسيرِه، فقالَ: «لا شَكَّ أنَّ أعلى منازلِ البيانِ درَجَةً، وأَسْنى مراتِبِه مرتبَةً، أبلَغُه في حاجَةِ المُبينِ عن نفسِه، وأبيَنُه عن مُرادِ قائِلِه، وأقرَبُه مِنْ فَهمِ سامِعيه» (٤)، وقالَ أيضاً: «أولى العِباراتِ أن يُعَبَّرَ بها عن
стр. 169
معاني القرآنِ أقرَبُها إلى فَهمِ سامِعيه» (١)، وقد نصَّ على قَصْدِ الأوضَحِ مِنْ الأدلَّةِ بقولِه: «وإنَّما استَشهدنا لقولِنا الذي قُلنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنَّه أوضَحُ بَياناً عن خَبَرِ السَّماواتِ -أنَّهُنَّ كُنَّ سبعاً مِنْ دُخانٍ قبلَ استواءِ رَبِّنا إليها لتَسويَتِها- مِنْ غيرِه، وأحسَنُ شَرحاً لِما أردْنا الاستدلالَ به» (٢).
стр. 170
الفصلُ الثّاني: منهجُ ابن جريرٍ في الاستدلالِ بالأدلَّةِ النَّقليَّة على المعَاني في تفسِيره.
وفيه ثمانيةُ مباحث:
المبحث الأوَّل: منهجُ ابن جريرٍ في الاستدلال بالقرآنِ الكريمِ على المعاني.
المبحث الثّاني: منهجُ ابن جريرٍ في الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني.
المبحث الثّالث: منهجُ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني.
المبحث الرّابع: منهجُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني.
المبحث الخامس: منهجُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
المبحث السّادس: منهجُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني.
المبحث السّابع: منهجُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني.
المبحث الثّامن: منهجُ الاستدلالِ بالرواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني.
стр. 171
المبحثُ الأوَّلُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ بالقرآنِ الكريمِ على المعاني.
وفيه أربعةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بالقرآنِ الكريمِ على المعاني.
تعرَّضَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالبيانِ النَّظريِّ لكثيرٍ مِنْ أدلَّةِ المعاني، وأتَمَّ ذلك البيانَ بالتَّطبيقِ العَمليِّ في عامَّةِ تفسيرِه، غيرَ أنَّ بعضَ الأدلَّةِ لم يحظ بذلك التَّنظيرِ البَيِّنِ الظَّاهِر، وإن كانَ تطبيقُه في الغايَةِ مِنْ البيانِ، ومِن ذلك دليلُ القرآنِ؛ ولعلَّ ذلك راجعٌ إلى تفاوتِ قوَّةِ دليلِ القرآنِ في الدَّلالَةِ على المعنى، وتبايُنِ ظهورِه وخفاءِه، واتِّصالِه بالكلامِ وانفِصالِه، فجَعَلَ لِكُلِّ موضِعٍ حُكمَه ومرتَبَتَه. وهذا مِنْ بَصَرِه ﵀ بمواقِعِ الأدلَّةِ، وفقهِه بمراتِبِ الدّلالاتِ.
ويحسُنُ البدءُ بتعريفِ (القرآنِ)، قبلَ بيانِ مفهومِ الاستدلالِ به على المعاني:
فالقرآنُ لغةً: مصدرُ قَرأَ يقرأُ قِراءَةً وقُرآناً، بمعنى الجَمعِ والضَّمِّ،
стр. 172
وسُمِّيَ (القرآن) بذلك لجَمعِه السورَ والآياتِ، وضَمِّه القصصَ والأحكامَ (١)، ومِنه قولُ الشاعر (٢):
هِجانَ اللونِ لم تقرأ جنيناً
أي: لم تَضُمَّ رحِماً على ولدٍ.
وقيلَ: قرأ: بمعنى أظهرَ وألقى، وسُمِّيَ (القرآن) بذلك لأنَّ تاليهِ يُظهِرُه ويُلقيه (٣)، وهو بهذا المعنى في التَّنزيلِ؛ قالَ تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، وقالَ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (٤)، ومِنه قولُ الشاعر (٥):
يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحاً وقرآناً
أي: تسبيحاً وقراءَةً.
واصطلاحاً: كلامُ الله المُنزَّلُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، للبيانِ والتَّحدِّي والإعجاز. (٦)
والمُرادُ بالاستدلالِ بالقرآنِ على المعاني هو:
إقامَةُ القرآنِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.
стр. 173
أو: الإبانَةُ بالآياتِ القرآنيةِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها. وذلك بأن يجعلَ معنى الآيةِ الظّاهرَ الرَّاجحَ دليلاً على صِحَّةِ معنى آيةٍ أخرى أو بُطلانِه.
ويقرُبُ مِنْ دليلِ القرآنِ بهذا المعنى: دليلُ القراءاتِ، والسِّياقِ القرآني، والنَّظائِرِ القرآنيَّةِ؛ إذْ فيها بيانٌ بالقرآنِ عن صوابِ المعاني وخطئِها، ومِن ثَمَّ يُدرِجُها كثيرٌ مِنْ المُفسِّرين ضمنَ (تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ) (١)، وذلك صحيحٌ مِنْ جِهةِ بيانِ المعنى، أمَّا جِهةُ الاستدلالِ بالقرآنِ على تلك المعاني فتستلزِمُ اعتباراتٍ أُخَرَ، تستوجِبُ التَّفريقَ بين هذه الأنواع عند الاستدلالِ بها، فلكُلِّ دليلٍ مِنها منهجُه في التّلقِّي والثُّبوتِ، وضوابطُه في الاستدلالِ، ومنزِلَتُه مِنْ الأدلَّةِ، وترتيبُه مِنها، فمِن ثَمَّ لَزِمَ تمييزُ كلِّ دليلٍ مِنها عن الآخرِ. ففي دليلِ القراءاتِ مثلاً، يصِحُّ الاستدلالُ بالقراءةِ الشَّاذة، ولا مدخلَ لذلك في دليلِ القرآنِ، ودليلُ السِّياقِ مخصوصٌ بما قبلَ الآيةِ وبعدَها، ودليلُ القرآنِ أشملُ مِنْ ذلك، وفي النّظائِرِ تتفاوتُ دلالَةُ النَّظير على النَّظيرِ تفاوتاً كبيراً، مَرَدُّه إلى رأيِ المُفَسِّرِ واجتهادِه، وليس الشأنُ كذلك في دليلِ القرآن على ما سيتبيَّن بإذنِ الله.
وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالقرآنِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:
النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بالقرآنِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]:
стр. 174
«وأولى الأقوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ ذلك قولُ من قالَ: معناه: ولآمُرَنَّهم فَلَيُغيِّرُنَّ دينَ الله؛ وذلك لدلالةِ الآيةِ الأُخرى على أنَّ ذلك معناه، وهي قولُه ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]» (١)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣]: «وإنَّما اخترنا هذا القولَ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ لدلالَةِ قولِ الله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] على صِحَّتِه؛ إذْ أمرَه اللهُ تعالى ذِكرُه أن يُسَبِّحَ بحمدِ رَبِّه إذا جاءَه نصرُ اللهِ وفتحُ مكَّةَ، وأن يستغْفِرَه، وأعلَمَه أنَّه توَّابٌ على من فعلَ ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضِحٌ أنَّ قولَه تعالى ذِكرُه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] إنَّما هو خبرٌ مِنْ اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﵊ عن جزاءِه له على شُكرِه له على النِّعمةِ التي أنعَمَ بها عليه، مِنْ إظهارِه له ما فتَحَ؛ لأنَّ جزاءَ الله تعالى عبادَه على أعمالِهم دونَ غيرِها» (٢)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك قولُ من قالَ: عُنِيَ بها ليلةُ القَدرِ. لأنَّ اللهَ أخبرَ تعالى ذِكرُه أنَّ ذلك كذلك بقولِه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدْر: ١]» (٣).
النَّوعُ الثَّاني: استدلالُه بالقرآنِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومِن أمثلَتِه
стр. 175
قولُه عند قولِه تعالى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]: «وقد زَعَمَ بعضُ أهلِ العربيَّةِ (١) أنَّ معناه أنَّهم جَهِلوا كُنهَ ما فيه مِنْ العِقابِ، فلم يعلَموه كعِلمِ العالِمِ، وإنْ علِموه ذَنباً؛ فلذلك قيلَ ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]. ولو كانَ الأمرُ على ما قالَ صاحِبُ هذا القَولِ لوَجَبَ ألَّا تكونَ توبَةٌ لِمن عَلِمَ كُنْهَ ما فيه؛ وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه قالَ ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] دونَ غيرِهِم .. ، وذلك خلافُ قولِ الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]» (٢)، وقولُه: «وفي قولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وإضافَتِه الجَرْيَ إلى الفُلكِ، وإن كانَ جَريُها بإجراءِ غيرِها إياها = ما يدُلُّ على خطأِ التَّأويلِ الذي تأوَّلَه مَنْ وَصَفنا قولَه في قولِه ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وادِّعائِه أنَّ في نِسبَةِ الله جلَّ ثناؤه الضَّلالَةَ إلى مَنْ نَسَبَها إليه مِنْ النَّصارى = تصحيحاً لِما ادَّعى المُنكرون: أنَّ لله في أفعالِ خلقِه سبَباً مِنْ أجلِه وُجِدَت أفعالُهُم، مع إبانَةِ الله جلَّ ثناؤه نَصّاً في آيٍ كثيرَةٍ مِنْ تنزيلِه أنَّه المُضِلُّ الهادي» (٣)، وقولُه: «وقد قيلَ إنَّ معنى قولِه ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩]: وإن تعودوا للاستفتاحِ نَعُدْ لِفَتحِ محمدٍ ﷺ . وهذا القولُ لا معنى له؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد كانَ ضَمن لنبيِّه ﵊ حينَ أذِنَ له في حربِ أعداءِه = إظهارَ دينِه، وإعلاءَ كلِمَتِه مِنْ قبلِ أن يستَفتِحَ أبو جهلٍ وحِزبُه، فلا وجهَ لأن
стр. 176
يُقالَ -والأمرُ كذلك-: إن تنتهوا عن الاستفتاحِ فهو خيرٌ لكُم، وإن تعودوا نَعُدْ؛ لأنَّ اللهَ قد كانَ وعدَ نبيَّه الفتحَ بقَولِه ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، استَفتَحَ المُشركون أو لم يستفتِحوا» (١).
وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالقرآن على المعاني (١٢٤) موضِعاً، ونسبةُ ذلك مِنْ مجموع الأدلَّةِ (١. ١%).
ولا يجري في ذكرِ دليلِ القرآنِ -عند إيرادِه مع الأدلَّةِ- على ترتيبٍ مُعيَّنٍ؛ ولكنَّه في محلِّ التَّقديمِ إجمالاً، حيث لم يذكره ثانياً بعد غيره مِنْ الأدلَّة إلا في (٩) مواضع، وذلك نسبته (٧. ٣%) مِنْ المواضع التي وقعَ فيها الاستدلالُ بالقرآن؛ وعِلَّةُ ذلك أمران:
أوَّلُهما: شَرَفُ هذا الدَّليلِ وجلالَتُه، ومكانَتُه مِنْ الأدلَّةِ؛ فهو أصلُ الأدلَّةِ، والمُبَيِّنُ لحُجِّيَّتها، كما أنَّ الشَّرطَ في صِحَّةِ الاستدلالِ بأنواعِ الأدلَّةِ: عدمُ مخالَفَةِ دليلِ الوحي مِنْ الكتابِ أو السُّنة، والسُّنةُ بيانٌ للقرآن، وإنَّما علِمنا أنَّها وحيٌ بدلالَتِه. (٢)
ثانيهما: قوّةُ دلالته في بعضِ المواضِعِ، فلا يصِحُّ إلا أن يكونَ مُقَدَّماً، وإذا وُجِدَ مِنْ الأدلَّةِ ما هو أظهرُ مِنه في الدَّلالَةِ قدَّمه عليه. (٣)
стр. 177
المطلبُ الثاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالقرآن الكريمِ على المعاني.
ثَبَتَ بالمُعجِزاتِ القاطِعةِ، والبراهين الباهِرةِ، أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، وحُجَّتُه على خلقِه، وهو الآيةُ الكبرى التي جاءَ بها محمدٌ ﷺ ، وتحدَّى اللهُ بها العربَ، فعجزوا عن الإتيانِ بمثله؛ لا خلافَ بين العُقلاءِ في ذلك (١). وقد خَصَّهُ اللهُ تعالى بحفظِه مِنْ النَّقصِ والزِّيادةِ، والتَّغييرِ والتَّبديلِ؛ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، فنُقِلَ إلينا متواتراً، مقروءاً ومكتوباً، كما أنزلَه اللهُ على رسولِه ﷺ .
وقد دَلَّت الأدلَّةُ النَّقليَّةُ والعقليَّةُ على حُجِّيَّةِ الاستدلالِ بالقرآنِ على المعاني، وهذا بيانُها:
١ - الأدلَّةُ الدالَّةُ على وجوب اتِّباعِه، والرَّدِّ إليه عند التَّنازعِ، كقولِه تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وقولِه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا يشملُ الأمرَ باتِّباعِ ما دَلَّ عليه مِنْ المعاني، والرَّدِّ إليه عند التنازُعِ فيها.
٢ - ثبوتُه عن النَّبي ﷺ ، ومِن ذلك قول ابن مسعود ﵁: «لَمَّا نزلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه! فقالَ النَّبي ﷺ : «ليس بذلك؛ ألم تسمعوا ما قالَ العبدُ الصَّالحُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؟ إنَّما هو الشِّركُ»» (٢)، وقولُه ﷺ : «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هي السَّبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي
стр. 178
أُوتيتُه» (١)، قالَ ابنُ حجر (ت: ٨٥٢): «وفي هذا تصريحٌ بأنَّ المُرادَ بقولِه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحِجر: ٨٧] هي الفاتحةُ» (٢).
٣ - إجماعُ العلماءِ على صِحَّةِ الاستدلالِ بالقرآنِ، ووجوبِ الأخذِ بما دلَّ عليه، قالَ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦): «ولا خلافَ بينَ أحدٍ مِنْ الفرقِ المُنتميَةِ إلى المسلمين؛ مِنْ أهلِ السُّنة، والمُعتزلةِ، والخوارجِ، والمُرجِئةِ، والزَّيديَّةِ، في وجوبِ الأخذِ بما في القرآنِ، وأنَّه هو المَتلوُّ عندَنا نفسُه، وإنَّما خالفَ في ذلك قومٌ مِنْ غُلاةِ الرَّوافضِ، هُمْ كُفَّارٌ بذلك مُشركون عندَ جميعِ أهلِ الإسلامِ» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «أمَّا طُرُقُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ التي نتكلَّمُ عليها في أصولِ الفقه، فهي بإجماعِ المسلمين: الكِتابُ. لم يَختَلف أحدٌ مِنْ الأئِمَّةِ في ذلك .. » (٤).
٤ - إجماعُ العُلماءِ على أنَّه أعلى درجاتِ البيانِ لمعاني القرآنِ، قالَ الفراهيُّ (٥) (ت: ١٣٤٩): «أجمعَ أهلُ التَّأويلِ مِنْ السَّلفِ إلى الخلَفِ أنَّ القرآنَ يُفَسِّرُ بعضُه بعضاً، وأنَّه هو أوثَقُ تعويلاً، وأحسنُ تأويلاً» (٦)، وقالَ الشنقيطي (ت: ١٣٩٣) في مقدمةِ تفسيرِه: «واعلَم أنَّ مِنْ أهمِّ
стр. 179
المقصودِ بتأليفِه أمران: أحدُهما: بيانُ القرآنِ بالقرآنِ، لإجماعِ العُلماءِ على أنَّ أشرَفَ أنواعِ التَّفسير وأجَلَّها: تفسيرُ كتابِ الله بكتابِ الله» (١).
والواقِعُ العمليُّ في كتبِ التَّفسير يطابقُ ذلك الإجماعَ؛ فقد تتابعَ المُفسِّرون على اعتبارِ دليلِ القرآنِ في بيانِ المعاني، وتقديمِه، والاحتجاجِ به، وقد جعلَه ابنُ جُزي (ت: ٧٤١) أوَّلَ موجباتِ الترجيحِ ووجوهِه، فقالَ: «إذا دلَّ موضِعٌ مِنْ القرآنِ على المُرادِ بموضِعٍ آخرَ حملناه عليه، ورجَّحْنا القولَ بذلك على غيرِه مِنْ الأقوالِ» (٢).
٥ - أنَّ الله وصفَ كتابَه بما يقتضي صِحَّةَ الاستدلالِ به على معانيه؛ فقالَ تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]، أي: يشبهُ بعضُه بعضاً في المعاني والأحكامِ والأخبارِ، وتُثَنَّى فيه وتُكَرَّر. ووصَفَه بأنَّه تبيانٌ لكُلِّ شيءٍ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ومعاني آياتِ القرآنِ أولى ما فيه بالبيانِ. كما دَلَّ قولُه تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، على اشتِمالِه بيانَ كلّ ما بالنَّاسِ الحاجَةُ إليه مِنْ أحكامِه ومعانيه، قالَ الشَّافعي (ت: ٢٠٤): «فكُلُّ ما أَنزلَ في كتابِه جَلَّ ثناؤُه رحمَةٌ وحُجَّةٌ، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، لا يعلَمُ مَنْ جَهِلَه، ولا يَجهَلُ مَنْ عَلِمَه .. ، ولَيسَت تنزِلُ بأحدٍ مِنْ أهلِ دينِ الله نازِلَةٌ إلا وفي كتابِ الله الدَّليلُ على سبيلِ الهُدى فيها» (٣).
стр. 180
٦ - أنَّ خيرَ من يفسِّر القرآنَ من تكلَّم به؛ وهو الله سبحانَه؛ إذْ لا أحدَ أعلَمُ مِنْ الله جلَّ وعلا بمعاني كلامِه،، قالَ الزَّمخشري (ت: ٥٣٨): «وأسَدُّ المعاني ما دَلَّ عليه القرآنُ» (١)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فإن قالَ قائِلٌ: فما أحسَنُ طُرُقِ التَّفسير؟ فالجوابُ: إنَّ أصَحَّ الطُّرقِ في ذلك أن يُفَسَّرَ القرآنُ بالقُرآنِ؛ فما أجمِلَ في مكان فإنَّه قد فُسِّرَ في موضِعٍ آخرَ، وما اختُصِرَ في مكانٍ فقد بُسِطَ في موضِعٍ آخرَ» (٢)، وقالَ ابنُ القيِّم (ت: ٧٥١): «وتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ مِنْ أبلَغِ التَّفاسير» (٣).
٧ - أنَّ القرآنَ يُصَدِّقُ بعضُه بعضاً، ومعاني آياتِه كالمعنى الواحِدِ؛ في صِدقِها وائتِلافِها وتوافُقِها، فلا تعارُضَ ولا تخالُفَ، وذلك مِنْ معنى التَّشابُه العامِّ الذي وصفَ الله به كتابَه فقالَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣] (٤)، قالَ ابنُ هشام (٥) (ت: ٧٦١) في تعليلِ بعضِ المعاني: «وإنَّما صَحَّ ذلك لأنَّ القرآنَ كُلَّه كالسُّورَةِ الواحِدةِ؛ ولهذا يَذكرُ الشيءَ في سورَةٍ، وجوابَه في سورةٍ أُخرى، نحو ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجر: ٦]، وجوابُه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]» (٦)، وأورَدَ الشَّاطبي (ت: ٧٩٠): «هل للقرآنِ مأخذٌ