← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يُقالَ -والأمرُ كذلك-: إن تنتهوا عن الاستفتاحِ فهو خيرٌ لكُم، وإن تعودوا نَعُدْ؛ لأنَّ اللهَ قد كانَ وعدَ نبيَّه الفتحَ بقَولِه ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، استَفتَحَ المُشركون أو لم يستفتِحوا» (١). وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالقرآن على المعاني (١٢٤) موضِعاً، ونسبةُ ذلك مِنْ مجموع الأدلَّةِ (١. ١%). ولا يجري في ذكرِ دليلِ القرآنِ -عند إيرادِه مع الأدلَّةِ- على ترتيبٍ مُعيَّنٍ؛ ولكنَّه في محلِّ التَّقديمِ إجمالاً، حيث لم يذكره ثانياً بعد غيره مِنْ الأدلَّة إلا في (٩) مواضع، وذلك نسبته (٧. ٣%) مِنْ المواضع التي وقعَ فيها الاستدلالُ بالقرآن؛ وعِلَّةُ ذلك أمران: أوَّلُهما: شَرَفُ هذا الدَّليلِ وجلالَتُه، ومكانَتُه مِنْ الأدلَّةِ؛ فهو أصلُ الأدلَّةِ، والمُبَيِّنُ لحُجِّيَّتها، كما أنَّ الشَّرطَ في صِحَّةِ الاستدلالِ بأنواعِ الأدلَّةِ: عدمُ مخالَفَةِ دليلِ الوحي مِنْ الكتابِ أو السُّنة، والسُّنةُ بيانٌ للقرآن، وإنَّما علِمنا أنَّها وحيٌ بدلالَتِه. (٢) ثانيهما: قوّةُ دلالته في بعضِ المواضِعِ، فلا يصِحُّ إلا أن يكونَ مُقَدَّماً، وإذا وُجِدَ مِنْ الأدلَّةِ ما هو أظهرُ مِنه في الدَّلالَةِ قدَّمه عليه. (٣)

стр. 177

المطلبُ الثاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالقرآن الكريمِ على المعاني. ثَبَتَ بالمُعجِزاتِ القاطِعةِ، والبراهين الباهِرةِ، أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، وحُجَّتُه على خلقِه، وهو الآيةُ الكبرى التي جاءَ بها محمدٌ ﷺ ، وتحدَّى اللهُ بها العربَ، فعجزوا عن الإتيانِ بمثله؛ لا خلافَ بين العُقلاءِ في ذلك (١). وقد خَصَّهُ اللهُ تعالى بحفظِه مِنْ النَّقصِ والزِّيادةِ، والتَّغييرِ والتَّبديلِ؛ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، فنُقِلَ إلينا متواتراً، مقروءاً ومكتوباً، كما أنزلَه اللهُ على رسولِه ﷺ . وقد دَلَّت الأدلَّةُ النَّقليَّةُ والعقليَّةُ على حُجِّيَّةِ الاستدلالِ بالقرآنِ على المعاني، وهذا بيانُها: ١ - الأدلَّةُ الدالَّةُ على وجوب اتِّباعِه، والرَّدِّ إليه عند التَّنازعِ، كقولِه تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وقولِه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا يشملُ الأمرَ باتِّباعِ ما دَلَّ عليه مِنْ المعاني، والرَّدِّ إليه عند التنازُعِ فيها. ٢ - ثبوتُه عن النَّبي ﷺ ، ومِن ذلك قول ابن مسعود ﵁: «لَمَّا نزلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه! فقالَ النَّبي ﷺ : «ليس بذلك؛ ألم تسمعوا ما قالَ العبدُ الصَّالحُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؟ إنَّما هو الشِّركُ»» (٢)، وقولُه ﷺ : «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هي السَّبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي

стр. 178

أُوتيتُه» (١)، قالَ ابنُ حجر (ت: ٨٥٢): «وفي هذا تصريحٌ بأنَّ المُرادَ بقولِه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحِجر: ٨٧] هي الفاتحةُ» (٢). ٣ - إجماعُ العلماءِ على صِحَّةِ الاستدلالِ بالقرآنِ، ووجوبِ الأخذِ بما دلَّ عليه، قالَ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦): «ولا خلافَ بينَ أحدٍ مِنْ الفرقِ المُنتميَةِ إلى المسلمين؛ مِنْ أهلِ السُّنة، والمُعتزلةِ، والخوارجِ، والمُرجِئةِ، والزَّيديَّةِ، في وجوبِ الأخذِ بما في القرآنِ، وأنَّه هو المَتلوُّ عندَنا نفسُه، وإنَّما خالفَ في ذلك قومٌ مِنْ غُلاةِ الرَّوافضِ، هُمْ كُفَّارٌ بذلك مُشركون عندَ جميعِ أهلِ الإسلامِ» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «أمَّا طُرُقُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ التي نتكلَّمُ عليها في أصولِ الفقه، فهي بإجماعِ المسلمين: الكِتابُ. لم يَختَلف أحدٌ مِنْ الأئِمَّةِ في ذلك .. » (٤). ٤ - إجماعُ العُلماءِ على أنَّه أعلى درجاتِ البيانِ لمعاني القرآنِ، قالَ الفراهيُّ (٥) (ت: ١٣٤٩): «أجمعَ أهلُ التَّأويلِ مِنْ السَّلفِ إلى الخلَفِ أنَّ القرآنَ يُفَسِّرُ بعضُه بعضاً، وأنَّه هو أوثَقُ تعويلاً، وأحسنُ تأويلاً» (٦)، وقالَ الشنقيطي (ت: ١٣٩٣) في مقدمةِ تفسيرِه: «واعلَم أنَّ مِنْ أهمِّ

стр. 179

المقصودِ بتأليفِه أمران: أحدُهما: بيانُ القرآنِ بالقرآنِ، لإجماعِ العُلماءِ على أنَّ أشرَفَ أنواعِ التَّفسير وأجَلَّها: تفسيرُ كتابِ الله بكتابِ الله» (١). والواقِعُ العمليُّ في كتبِ التَّفسير يطابقُ ذلك الإجماعَ؛ فقد تتابعَ المُفسِّرون على اعتبارِ دليلِ القرآنِ في بيانِ المعاني، وتقديمِه، والاحتجاجِ به، وقد جعلَه ابنُ جُزي (ت: ٧٤١) أوَّلَ موجباتِ الترجيحِ ووجوهِه، فقالَ: «إذا دلَّ موضِعٌ مِنْ القرآنِ على المُرادِ بموضِعٍ آخرَ حملناه عليه، ورجَّحْنا القولَ بذلك على غيرِه مِنْ الأقوالِ» (٢). ٥ - أنَّ الله وصفَ كتابَه بما يقتضي صِحَّةَ الاستدلالِ به على معانيه؛ فقالَ تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]، أي: يشبهُ بعضُه بعضاً في المعاني والأحكامِ والأخبارِ، وتُثَنَّى فيه وتُكَرَّر. ووصَفَه بأنَّه تبيانٌ لكُلِّ شيءٍ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ومعاني آياتِ القرآنِ أولى ما فيه بالبيانِ. كما دَلَّ قولُه تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، على اشتِمالِه بيانَ كلّ ما بالنَّاسِ الحاجَةُ إليه مِنْ أحكامِه ومعانيه، قالَ الشَّافعي (ت: ٢٠٤): «فكُلُّ ما أَنزلَ في كتابِه جَلَّ ثناؤُه رحمَةٌ وحُجَّةٌ، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، لا يعلَمُ مَنْ جَهِلَه، ولا يَجهَلُ مَنْ عَلِمَه .. ، ولَيسَت تنزِلُ بأحدٍ مِنْ أهلِ دينِ الله نازِلَةٌ إلا وفي كتابِ الله الدَّليلُ على سبيلِ الهُدى فيها» (٣).

стр. 180

٦ - أنَّ خيرَ من يفسِّر القرآنَ من تكلَّم به؛ وهو الله سبحانَه؛ إذْ لا أحدَ أعلَمُ مِنْ الله جلَّ وعلا بمعاني كلامِه،، قالَ الزَّمخشري (ت: ٥٣٨): «وأسَدُّ المعاني ما دَلَّ عليه القرآنُ» (١)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فإن قالَ قائِلٌ: فما أحسَنُ طُرُقِ التَّفسير؟ فالجوابُ: إنَّ أصَحَّ الطُّرقِ في ذلك أن يُفَسَّرَ القرآنُ بالقُرآنِ؛ فما أجمِلَ في مكان فإنَّه قد فُسِّرَ في موضِعٍ آخرَ، وما اختُصِرَ في مكانٍ فقد بُسِطَ في موضِعٍ آخرَ» (٢)، وقالَ ابنُ القيِّم (ت: ٧٥١): «وتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ مِنْ أبلَغِ التَّفاسير» (٣). ٧ - أنَّ القرآنَ يُصَدِّقُ بعضُه بعضاً، ومعاني آياتِه كالمعنى الواحِدِ؛ في صِدقِها وائتِلافِها وتوافُقِها، فلا تعارُضَ ولا تخالُفَ، وذلك مِنْ معنى التَّشابُه العامِّ الذي وصفَ الله به كتابَه فقالَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣] (٤)، قالَ ابنُ هشام (٥) (ت: ٧٦١) في تعليلِ بعضِ المعاني: «وإنَّما صَحَّ ذلك لأنَّ القرآنَ كُلَّه كالسُّورَةِ الواحِدةِ؛ ولهذا يَذكرُ الشيءَ في سورَةٍ، وجوابَه في سورةٍ أُخرى، نحو ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجر: ٦]، وجوابُه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]» (٦)، وأورَدَ الشَّاطبي (ت: ٧٩٠): «هل للقرآنِ مأخذٌ

стр. 181

في النَّظرِ على أنَّ جميعَ سوَرِه كلامٌ واحِدٌ؟»، ثُمَّ أجاب: «يصِحُّ في الاعتبارِ أن يكونَ واحداً بالمعنى المُتقدِّم، أي: يتوقَّفُ فهمُ بعضِه على بعضٍ بوجهٍ ما؛ وذلك أنَّه يبيِّنُ بعضُه بعضاً، حتى إنَّ كثيراً مِنه لا يُفهَم معناه حقَّ الفهمِ إلا بتفسيرِ موضِعٍ آخرَ، أو سورةٍ أخرى .. ، فلا محالَةَ أنَّ ما هو كذلك فكلامٌ واحِدٌ، فالقرآنُ كُلُّه كلامٌ واحِدٌ بهذا الاعتبار» (١). ٨ - ورودُه في تفاسير السَّلفِ، وأمثلتُه كثيرةٌ؛ مِنها: قولُ مجاهد (ت: ١٠٤) في قولِه تعالى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: «يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه؛ ألَمْ تَرَ إلى قولِه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]؟ يعني الشَّمسَ إذا اتَّبَعَها القمرُ» (٢)، وقالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وكانَ ابنُ جُريْجٍ يقولُ في انتهاءِ الخبَرِ عن الخَتمِ إلى قولِه ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وابتداءِ الخبَرِ بعدَه = بمثلِ الذي قُلنا فيه، ويتأوَّلُ فيه مِنْ كتابِ الله ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]» (٣)، ثُمَّ أسنَدَ عنه قولَه: «الختمُ على القلبِ والسَّمعِ، والغِشاوَةُ على البصرِ؛ قالَ الله تعالى ذِكرُه ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقالَ ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]» (٤).

стр. 182

المطلبُ الثالثُ: أَوجُه الاستدلالِ بالقرآنِ الكريمِ على المعاني. تتنوَّعُ أَوجهُ الاستدلالِ بالقرآنِ على المعاني بحسبِ اعتباراتٍ مُتعَدِّدةٍ، يتقدَّمُها في الأهميَّةِ اعتبارانِ هما: ١ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ القرآنِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠). ٢ - مراتِبُ دلالَةِ دليلِ القرآنِ على المعاني. وفيما يأتي بيانُهما: الأوَّلُ: صِيَغُ إيرادِ دليلِ القرآنِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠). يُورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ القرآنِ في صيَغٍ متعدِّدَةٍ، تَتَّفقُ كلُّها في قَصدِ الاستدلالِ للمعاني، والاستشهادِ لما يراهُ فيها مِنْ صوابٍ أو خطأٍ، وهذا بيانُها: أوَّلاً: التصريحُ بالاستدلالِ بالآيةِ، كأن يقول: (والدَّليلُ عليه قولُه تعالى)، (ويدلُّ عليه قوله تعالى)، (ومِن الدلالَةِ عليه قولُه تعالى)، (وفي قولِه تعالى .. أوضحُ الدلالَةِ)، ونحو ذلك مِنْ الألفاظ الصريحة في الاستدلالِ (١)، وهذه أجلى صِيَغِ الاستدلالِ بالقرآنِ على المعاني. وممَّا قالَه مِنْ ذلك ما أورَدهُ عند قولِه تعالى ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]: «ومِمَّا يدُلُّ على أنَّه قد يكونُ مَصعوقاً وهو حيٌّ غيرُ مَيتٍ، قولُ الله ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني: مَغشيّاً عليه .. ، فقد عُلِمَ أنَّ موسى لم يكُن حين غُشِيَ عليه وصَعِقَ، مَيِّتاً؛ لأنَّ

стр. 183

الله جلَّ ثناؤُه قد أخبرَ عنه أنَّه لمَّا أفاقَ قالَ ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]» (١)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]: «فإن غَبيَ عن عِلمِ صِحَّةِ ذلك بما قَدَّمنا ذو غباءٍ، فإنَّ في قولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] دلالَةً واضِحةً على أنَّ عالَمَ كلِّ زمانٍ غيرُ عالَمِ الزَّمانِ الذي كانَ قبلَه، وعالَمِ الزَّمانِ الذي بَعدَه» (٢). ثانياً: ذِكرُ الآيةِ مباشرةً على سبيلِ التدليلِ، بلا ذِكرٍ لألفاظِ الاستدلالِ السَّابقةِ، كأن يَصِل الآيَةَ بالكلامِ مباشرةً، أو يقول: (وقد بيَّن قولُه تعالى)، (وفي قولِه تعالى .. ما يُنبئُ)، (والمعنى .. ؛ قالَ تعالى)، (أَوَ ما تسمعُ قولَه تعالى) (٣)، ونحو ذلك مِنْ الألفاظِ التي تُورَدُ في مقامِ الاستدلالِ على المعاني. ومِن ذلك قولُه في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥]: «يقولُ: وهم يومَ القيامَةِ هُمْ الأوضَعون تجارةً، والأَوْكسُونَها؛ باشترائِهم الضَّلالَةَ بالهُدى؛ ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]» (٤)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك عندنا ما قالَه المُفسِّرون؛ وهو: أنَّها مِنْ طينٍ. وبذلك وَصَفَها

стр. 184

اللهُ في كتابِه في موضِعٍ آخرَ، وذلك قولُه ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]» (١). ثالثاً: إيرادُ الآيةِ على سبيلِ التعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن عبارَتِه في ذلك: (وعِلَّةُ هذا القول)، (لأنَّ الله تعالى يقولُ)، (لقولِه تعالى)، (ولذلك يقولُ تعالى)، (وذلك أنَّ الله يقولُ) (٢). ومثالُ ذلك قولُه في قولِ الله تعالى ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]: «وإنَّما اخترتُ القولَ الذي قُلتُ في ذلك؛ لأنَّ الله ﵎ ذَكَرَ خَبَرَه وخبرَ قومِه في مَوضِعٍ آخرَ، فأخبَرَ أنَّه لَمَّا نجَّاه مِمَّا حاوَلَ قومُه مِنْ إحراقِه قالَ ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، فَفَسَّرَ أهلُ التَّأويلِ ذلك أنَّ معناه: إنّي مُهاجِرٌ إلى أرضِ الشَّامِ. فكذلك قولُه ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]» (٣)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]: «وهذا القولُ أولى بتأويلِ ذلك؛ وذلك أنَّ الله أخبرَ عنهم أنَّهم قالوا ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَت: ٢٦]، وذلك هجرُهُم إيَّاه» (٤). ورُبَّما لم يَذكُر نَصَّ الآيةِ عند التعليلِ بها، لكن يُحيلُ عليها بما تُعرَفُ به، كما في قولِه: «وأولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ قولُ من قالَ: معنى الآيةِ: يا أيُّها الذين آمنوا فُرِضَ عليكم الصيامُ كما فُرِضَ على

стр. 185

الذين مِنْ قبلِكم مِنْ أهلِ الكتابِ، أيَّاماً معدوداتٍ؛ وهي شهرُ رمضانَ كلُّه. لأنَّ مَنْ بعدَ إبراهيمَ صلواتُ الله عليه كانَ مأموراً باتِّباعِ إبراهيمَ، وذلك أنَّ الله جلَّ ثناؤُه كانَ جَعَلَه للنَّاسِ إماماً، وقد أخبرَنا الله أنَّ دينَه كانَ الحنيفيَّةَ المُسلِمَةَ، وأُمِرَ نبيُّنا محمدٌ ﷺ مِنْ اتِّباعِه بمثلِ الذي أُمِرَ به مَنْ قَبلَه مِنْ الأنبياءِ» (١)، يُشيرُ بذلك إلى مثلِ قولِه تعالى ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقولِه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. الثّاني: مراتِبُ دلالَةِ دليلِ القرآنِ على المعاني. تتفاوتُ دلالَةُ الأدلَّةِ على المعاني في القوّةِ والوضوحِ، وهذا التفاوتُ ظاهرٌ في منهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الاستدلالِ، فمِن الأدلَّةِ ما يصِفُه ب: (أبينِ الدَّلالةِ-أوضَحِ الدَّلالةِ- أوضَحِ الدَّليلِ- أدَلِّ الدَّليلِ- الدَّلالةِ الواضِحةِ)، ومِنها دونَ ذلك. (٢) وبالتَّأمُّلِ في المواضِع التي وقع فيها الاستدلالُ بالقرآن على المعاني نجِدُ أنَّ دلالَةَ الآيةِ فيها على المعنى تنقسِمُ إلى قسمين: القسمُ الأوَّلُ: دلالةُ لفظِ الآيةِ المباشرِ على المعنى؛ وذلك الظّاهرُ المُتبادَرُ مِنها، وهذا أوضَحُ دلالَةً، وأقوى اتِّصالاً؛ لاستغناءِ لفظِ الآيةِ في الدَّليلِ عن الاستدلالِ على معناه، فلا يُحتاجُ فيه إلا إلى الجمعِ بين الدَّليلِ والمعنى محلِّ الاستدلالِ. وعامَّةُ هذا النَّوعِ ممَّا تَتَّحِدُ فيه قِصَّةُ

стр. 186

الآيةِ، أو يشتملُ على تبيينِ مُجمَلٍ، أو تفسيرِ مُبهَمٍ، أو تخصيصِ عامٍّ، أو تقييدِ مُطلَقٍ، ونحوِ ذلك ممَّا يتَّضِحُ فيه اتِّصالُ معاني الكلام. ومِن أمثلَتِه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عند قولِه تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك قولُ من قالَ: عُنِيَ بها ليلةُ القَدرِ. لأنَّ اللهَ أخبرَ تعالى ذِكرُه أنَّ ذلك كذلك بقولِه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدْر: ١]» (١)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك عندنا ما قالَه المُفسِّرون؛ وهو: أنَّها مِنْ طينٍ. وبذلك وَصَفَها اللهُ في كتابِه في موضِعٍ آخرَ، وذلك قولُه ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]» (٢)، وقولُه أيضاً عند قولِه تعالى ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]: «يقولُ: ولا يُكلِّمهُم بما يُحبُّون ويشتهون، فأمَّا بما يسوءُهم ويَكرَهون فإنَّه سيُكَلِّمهُم؛ لأنَّه قد أخبرَ جلَّ ثناؤه أنَّه يقولُ لهم -إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ -: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨]» (٣). القسمُ الثاني: دلالةُ معنى الآيةِ الثابتِ بوجهٍ صحيحٍ، وهذا دون الأوَّلِ في القوَّةِ والاتِّصالِ؛ وذلك أنَّ المُفَسِّرَ يحتاجُ فيه أوَّلاً إلى إثباتِ معنى الآيةِ الذي يتضمَّنُه الدَّليلُ -وذلك بالاستدلالِ له بوجوهٍ مِنْ الدّلالاتِ-، ثُمَّ يتلوه الرَّبطُ بين المعنيين، فيُثبِتُ في هذا القسمِ معنى

стр. 187

الدَّليلِ أوَّلاً، ثُمَّ يُقيمُه دليلاً على المعنى ثانياً. فلا يكتَفي في هذا القِسمِ بإيرادِ دليلِ القرآنِ، بل يَشفَعُه بالبيانِ عن وجهِ دلالَتِه على المعنى المُرادِ؛ ليَتِمَّ به الاستدلالُ. ومِن أمثلَتِه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عند قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحِجر: ٢٦]: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ الآيةِ أن يكونَ الصَّلصالُ في هذا المَوضِعِ: الذي له صوتٌ مِنْ الصَّلصَلةِ. وذلك أنَّ الله تعالى وصَفَه في موضِعٍ آخرَ فقالَ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، فشبَّهَه تعالى ذِكرُه بأنَّه كانَ كالفخَّارِ في يُبسِه، ولو كانَ معناه في ذلك: المُنتِنَ. لم يُشَبِّهه بالفخَّارِ؛ لأنَّ الفخَّارَ ليس بمُنتنٍ فيُشَبَّه به في النَّتن غيرُه» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]: «والسُّفهاءُ جمعُ سفيهٍ .. ، والسَّفيهُ: الجاهلُ الضَّعيفُ الرَّأي، القليلُ المعرفَةِ بمواضِعِ المنافِعِ والمضارِّ. ولذلك سمَّى اللهُ جلَّ وعزَّ النِّساءَ والصِّبيانَ: سُفهاءَ. فقالَ تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، فقالَ عامَّةُ أهلِ التأويلِ: هم النِّساءُ والصِّبيانُ. لضَعفِ آرائِهم، وقِلَّةِ معرفتِهم بمواضِعِ المصالِحِ والمضارِّ التي تُصرَفُ إليها الأموالُ» (٢)، وفي قولِه تعالى ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] يقولُ: «وإنَّما اخترتُ القولَ الذي قلتُ في ذلك؛ لأنَّ الله ﵎ ذكرَ خبرَه وخبرَ قومِه في موضِعٍ آخرَ، فأخبرَ أنَّه لمَّا نجَّاه ممَّا حاوَلَ قومُه مِنْ إحراقِه، قالَ ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ففسَّر أهلُ التأويلِ ذلك أنَّ معناه:

стр. 188

إنّي مهاجرٌ إلى أرضِ الشَّام. فكذلك قولُه ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]؛ لأنَّه كقولِه ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]» (١). المطلبُ الرابع: ضوابطُ الاستدلالِ بالقرآن الكريمِ على المعاني ومسائِلُه. أوَّلاً: القرآنُ قَطعيُّ الثُّبوتِ، لا يُبحَثُ فيه عن جِهةِ ورودِه؛ لتواتُرِ نقلِه، وذلك تصديقُ حفظِه الذي تكفَّلَ الله تعالى به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، فنُقِلَ إلينا متواتراً، مقروءاً ومكتوباً، كما أنزلَه اللهُ على رسولِه ﷺ ، وفي قولِه تعالى ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] دلالَةٌ على حفظِه مُشافهةً؛ حيثُ دلَّت الآيةُ على أنَّ القرآنَ سيبلُغُ قوماً غيرَ الذين أسمعَهُم النَّبيُّ ﷺ ، وله مِنْ الحُجَّةِ عليهم مثلَ ما لَه على مَنْ سمعَه مِنْ النَّبي ﷺ مباشرةً، وذلك طريقُه القطعُ لا الظَّنُّ، وإنَّما يكونُ ذلك حُجَّةً على مَنْ بلغَ مِنْ كافَّةِ الأمَّةِ بنقلِه المتواتِر. كما أشارَ قولُه تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]-ولم يكُن صارَ حينذاكَ مكتوباً مجموعاً- إلى حفظِه الكِتابيِّ، وذلك ما كانَ مِنْ جمعِه مكتوباً في زمنِ النَّبي ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعثمانَ ﵃، وانتشارِ نُسَخِه في الآفاقِ (٢). فطابَقَ المكتوبُ المحفوظَ، ولم يختلفا في شيءٍ. قالَ أبو شامة (ت: ٦٦٥): «وحفِظَه في حياتِه ﷺ جماعةٌ مِنْ أصحابِه، وكُلُّ قِطعةٍ

стр. 189

مِنه كان يحفظُها جماعةٌ كثيرةٌ أقلُّهُم بالِغون حَدَّ التواتُر» (١)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فالمسلمون عندهم نقلٌ متواترٌ عن نبيِّهم بألفاظِ القرآنِ .. ، ويحفظون القرآنَ في صدورِهم حفظاً يستغنون به عن المصاحِفِ» (٢)، وقالَ الزَّركشي (ت: ٧٩٤): «لا خلافَ أنَّ كُلَّ ما هو مِنْ القرآنِ يجبُ أن يكونَ متواتراً» (٣). ثانياً: جميعُ ما في القرآنِ عربيٌّ، قالَ الشافعيُّ (ت: ٢٠٤): «ومِن جِماعِ علمِ كتابِ الله: العلمُ بأنَّ جميعَ كتابِ الله إنَّما نزَلَ بلسانِ العربِ» (٤)، وقد دَلَّ على ذلك جُملَةُ أدلَّةٍ: ١ - أنَّ الله تعالى أبانَ عن ذلك نصَّاً في كتابِه بقولِه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقولِه ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وقولِه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، قالَ الشافعيُّ (ت: ٢٠٤): «والقرآنُ يدلُّ على أن ليس مِنْ كتابِ الله شيءٌ إلا بلسانِ العربِ» (٥). ٢ - أنَّ الله أرسلَ محمداً ﷺ بلسانِ قومِه ليبَيِّن لهم، كما قالَ تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، ولسانُه مِنْ العربيّةِ في أعلاها، «وغيرُ جائزٍ أن يكونَ به مُهتدياً مَنْ كانَ بما يَهدي إليه

стр. 190

جاهِلاً» (١) كما قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠). «وأَوْلى النَّاسِ بالفضلِ من لسانُه لسانُ النَّبي، ولا يجوزُ أن يكونَ أهلُ لسانِه أتباعاً لأهلِ لسانٍ غيرِ لسانِه في حرفٍ واحدٍ، بل كلُّ لسانٍ تبعٌ للسانِه، وكلُّ أهلِ دينٍ قبلَه فعليهم اتِّباعُ دينِه» (٢) كما قالَ الشافعيُّ (ت: ٢٠٤). ٣ - أنَّ الله نفى عن القرآنِ كلَّ لسانٍ غيرَ لسانِ العربِ، فقالَ تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقالَ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فُصِّلَت: ٤٤]. ٤ - أنَّه لو كانَ فيه ما ليس بعربيٍّ لكانَ حُجَّةً لإعراضِ المشركين، كما قالَ تعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩]. وبذلك أبطلَ العلماءُ دعوى وجودَ ألفاظٍ أعجميَّةٍ في القرآنِ؛ مِنْ الحبشيَّةِ أو الفارسيَّةِ أو النبطيَّةِ أو غيرِها، وأبانوا أن معنى ما نُقِلَ مِنْ ذلك عن بعضِ السَّلفِ: الإشارةُ إلى توافُقِ اللغاتِ في تلك الألفاظِ، وأنَّ ذلك مِنْ تمثيلِ السَّلفِ لتلك المعاني، ولم يُرِدْ أحدٌ مِنهم أنَّها ليست بعربيَّةٍ. (٣) وتقريرُ عربيَّةِ القرآنِ مِنْ المُهِمَّاتِ في بيانِ دليلِ القرآنِ؛ فلا يُخرَجُ بألفاظِه ومعانيه -تقريراً أو استدلالاً- عن استعمالاتِ العربِ، وقد أبانَ

стр. 191

الشافعيُّ (ت: ٢٠٤) وجهاً مِنْ ذلك بقولِه: «وإنَّما بدأتُ بما وصفتُ مِنْ أنَّ القرآنَ نزَلَ بلسانِ العربِ دون غيرِه؛ لأنَّه لا يَعلَمُ مِنْ إيضاحِ جُمَلِ الكتابِ أحدٌ جَهِلَ سَعَةَ لسانِ العربِ، وكثرَةَ وجوهِه، وجِماعَ معانيه وتفرُّقَها، ومَن عَلِمَه انتفتْ عنه الشُّبهُ التي دخلَتْ على من جهِلَ لسانَها. فكانَ تنبيهُ العامَّةِ على أنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ خاصَّةً = نصيحةً للمسلمين، والنَّصيحةُ لهم فرضٌ لا ينبغي تركُه» (١)، وقالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وإذْ كانَت واضِحةً صِحَّةُ ما قُلنا -بما عليه استشهدنا مِنْ الشَّواهِد، ودلَّلْنا عليه مِنْ الدلائِل- فالواجِبُ أن تكونَ معاني كتابِ الله المُنزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ لمعاني كلامِ العربِ موافِقَةً، وظاهِرُه لظاهِرِ كلامِها مُلائِماً، وإنْ بايَنَهُ كتابُ الله بالفضيلَةِ التي فَضَلَ بها سائِرَ الكلامِ والبَيانِ، بما تقدَّمَ وصفُناه» (٢). ثالثاً: دلالَةُ القرآنِ على المعاني مُتفاوتةٌ، فمِن ألفاظِه وتراكيبِه ما يُقطَعُ بإفادتِها للمعنى، ومِنها ما تحتمِلُ إفادتُها، وتعدُّدُ معانيها، وذلك بعضُ معاني الإحكامِ والتَّشابُه الذي وصفَ الله تعالى به كتابَه فقالَ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن المُحكَمِ: «هُنَّ اللواتي أُحكِمنَ بالبيانِ والتَّفصيلِ» (٣)، وقالَ عن المُتشابِه: «ما تشابَهَت ألفاظُه، وتصرَّفَت معانيه بوجوهِ التَّأويلاتِ» (٤)، وقالَ مُبيِّناً عنهُما: «فإذا كانَ

стр. 192

المُتشابِه هو ما وصَفْنا، فكُلُّ ما عداه فمُحكَمٌ؛ لأنَّه لن يخلوَ مِنْ أن يكونَ مُحكَماً: بأنَّه بمعنىً واحِدٍ؛ لا تأويلَ له غيرُ تأويلٍ واحِدٍ، وقد استُغنيَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنِه. أو يكونَ مُحكَماً -وإن كانَ ذا وجوهٍ وتأويلاتٍ وتصرُّفٍ في معانٍ كثيرَةٍ-: بالدَّلالَةِ على المعنى المُرادِ مِنه؛ إمَّا مِنْ بيانِ الله تعالى ذِكرُه عنه، أو بيانِ رسولِه ﷺ لأُمَّتِه، ولن يذهبَ علمُ ذلك عن علماءِ الأمَّةِ؛ لِما قد بيَّنَّا» (١). وقد أبانَ اللهُ موقِفَ أهلِ الحقِّ مِنْ مُحكَمِ القرآنِ ومُتشابِهِه بقولِه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، فهُم يأخذونَ بمُحكَمِه، ويُؤمنون بمتشابِهِه، ويرُدُّونه إلى المُحكَمِ الذي هو ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَرَدُّ بَيَانِه، «وموضِعُ مَفزَعِ أهلِه عندَ الحاجَةِ» (٢)، فيتبيَّنونَ ما تشابَهَ بما أُحكِمَ، فتجتمِعُ بذلك معاني القرآنِ ولا تتخالَفُ؛ إذْ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، وإنَّما الاختلافُ والتناقَضُ فيما كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. كما أبانَ اللهُ تعالى موقِفَ أهلِ الزَّيغِ والضَّلالِ مِنْ مُتشابِه القرآنِ ومُحكَمِه، فقالَ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فيُعرضونَ عن المُحكَمِ، ويتتبَّعون المُتشابِه، ويأخُذون مِنْ المُتشابِه ما يُوافِقُ أهوائَهُم، ويجعلونَه أصلاً مُحكَماً؛ «ليُحَقِّقوا -بادِّعائِهُم الأباطيلَ مِنْ التأويلاتِ في ذلك- ما هُمْ عليه مِنْ

стр. 193

الضَّلالَةِ والزَّيغِ عن مَحَجَّةِ الحَقِّ، تلبيساً مِنهم بذلك على من ضَعُفَتْ مَعرِفتُه بوجوهِ تأويلِ ذلك، وتصاريفِ معانيه» (١)، وإنَّما يفعلُ ذلك من ضَعُفَ حَظُّهُ مِنْ العلمِ والرُّسوخِ فيه، والتبَسَت به الأهواءُ، كما أشارَ اللهُ إلى ذلك بوصْفِه الفريقَ الآخرَ بقولِه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فلو رَسخوا في العلمِ لمَا التبسَ عليهِم معناه، ولا أخطئوا منهجَ كشفِه. (٢) رابعاً: كَونُ (دليلِ القرآنِ) مِنْ أجلِّ الأدلَّةِ وأَوْلاها لا يكفي في لُزومِ قبولِه، بل الاستدلالُ به اجتهادٌ مِنْ المفسِّرِ؛ يُنظَرُ فيه إلى قوَّةِ دلالَةِ الدَّليلِ وصراحتِه، ويُشفَعُ بغيرِه مِنْ الأدلَّةِ، كما فعلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مواضِعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه؛ حيثُ يَقْرنُ دليلَ القرآنِ بغيرِه مِنْ الأدلَّةِ، كما في قولِه: «وذلك إن قالوه خرَجَ من قالَه مِنْ قيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالَفَ نَصَّ كتابِ الله، وقولَ رسولِ الله ﷺ ؛ وذلك أنَّ الله يقولُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» (٣)، فأورَدَه بين دَليلَيْ الإجماعِ والسَّنَّةِ، وكما في قولِه: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ الآيةِ ما روَيْنا عن السُّدِّي؛ وهو أنَّ قولَه ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أمرٌ مِنْ الله تعالى ذِكرُه عبادَه بتقديمِ الخيرِ والصَّالِحِ مِنْ الأعمالِ، ليومِ معادِهِم إلى رَبِّهم؛ عُدَّةً مِنهم ذلك لأنفسِهم عندَ لقائِه في موقفِ الحِسابِ؛ فإنَّه قالَ تعالى ذِكرُه ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. وإنَّما

стр. 194

قُلنا: ذلك أَوْلى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الله تعالى ذِكرُه عقَّبَ قولَه ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، بالأمرِ باتِّقائِه في ركوبِ معاصيه، فكانَ الذي هو أَوْلى بأن يكونَ قبلَ التَّهدُّدِ على المعصيةِ عامَّاً = الأمرُ بالطاعةِ عامَّاً» (١)، فأضافَ إليه دليلَ السِّياقِ، وكما في قَولِه: «يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]: وبينَ الجنَّةِ وبين النَّارِ ﴿حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يقولُ: حاجِزٌ. وهو السُّورُ الذي ذكره الله تعالى فقالَ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، وهو الأعرافُ التي يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه فيها ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. كذلك حدَّثنا .. » (٢)، ثُمَّ أسندَ معنى ذلك عن مجاهدٍ (ت: ١٠٤)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨). فجَمَعَ إلى دليلِ القرآنِ: السِّياقَ، وأقوالَ السَّلفِ. ولو كانَ الأخذُ بدليلِ القرآنِ لازماً حيثُما ذُكِر، لاكتفى به دون غيرِه مِنْ الأدلَّةِ، ولمَا تقدَّمَه في الذِّكرِ دليلٌ، وليس الأمرُ كذلك عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) كما سبقَ ذِكرُه. خامساً: يشتمِلُ دليلُ القرآنِ على جميعِ أنواعِ بيانِ القرآنِ للقُرآنِ، ولا يختَصُّ بصُورَةٍ مِنه دونَ غيرِها؛ فيشمَلُ تبيينَ المُجمَلِ، وإيضاحَ المُهمَلِ، وتعيينَ المُبهَمِ، وتخصيصَ العامِّ وعكسَه، وتقييدَ المُطلَقِ، ونحوَها مِنْ أنواعِ البيانِ دونَ تمييزِ نوعٍ مِنها عن الآخرِ. وهذا يُطابِقُ ما ذكرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في بيانِ النَّبي ﷺ للقرآنِ، حيثُ ضَمَّنَه: جميعَ

стр. 195

وجوهِ أمرِه ونهيِه، ووظائِفِ حقوقِه وحُدودِه، ومبالِغِ فرائِضِه، ومقاديرِ اللازمِ بعضَ خَلقِه لبعضٍ، وما أشبَهَ ذلك مِنْ أحكامِ آيِه (١). فكذلك كانَ منهجُه في بيانِ القرآنِ للقُرآنِ. سادساً: أبطلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنواعاً مِنْ الاستدلالاتِ بالقرآنِ على المعاني؛ وذلك لِمَا فيها مِنْ مُخالَفَةِ أصولِ الاستدلالِ المُعتبَرةِ على ما سيأتي بيانُه، ومِمَّا أبطلَ مِنْ ذلك: ١ - الاستدلالُ بالقرآنِ لإثباتِ معنىً جاء القرآنُ بخلافِه؛ إذْ الواجِبُ جمعُ النُّصوصِ والتَّأليفُ بينَها، فكتابُ الله تعالى يُصدِّقُ بعضُه بعضاً، ولا يتناقَضُ، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «فإن قالَ لنا قائِلٌ: وما أنكرتُم أن يكونَ معنى قولِه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]: لا تراهُ الأبصارُ؟ قُلنا له: أنكَرنا ذلك لأنَّ الله جلَّ ثناؤُه أخبرَ في كتابِه أنَّ وجوهاً -في القيامةِ- إليه ناظِرَةٌ (٢)، وأنَّ رسولَ الله ﷺ أخبرَ أُمَّتَه أنَّهُم سيرَوْن ربَّهم يومَ القيامةِ كما يُرى القمرُ ليلَةَ البَدرِ، وكما تَرَوْن الشَّمسَ ليسَ دونها سحابٌ (٣). قالوا: فإذْ كانَ اللهُ قد أخبَرَ في كتابِه بما أخبَرَ، وحَقَّقَتْ أخبارُ رسولِ الله ﷺ بما ذكرنا عنه مِنْ قيلِه ﷺ ، أنَّ تأويلَ قولِه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]: أنَّه نظرُ أبصارِ العيونِ لله ﷻ ، وكانَ كتابُ الله يُصدِّقُ بعضُه بعضاً، وكانَ مع ذلك غيرُ جائِزٍ أن يكونَ أحدُ هذين الخبرَيْن ناسِخاً للآخرِ؛ إذْ كانَ غيرَ جائِزٍ في

стр. 196

الأخبارِ لِمَا قد بيَّنَّا في كتابِنا: (كتابِ لطيفِ البيانِ عن أُصولِ الأحكامِ)، وغيرِه = عُلِمَ أنَّ معنى قولِه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] غيرُ معنى قولِه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فإنَّ أهلَ الجنَّةِ ينظرون بأبصارِهم يومَ القيامةِ إلى الله، ولا يُدرِكونَه بها؛ تصديقاً لله في كلا الخبرَيْن، وتسليماً لِمَا جاءَ به تنزيلُه، على ما جاءَ به في السّورتَيْن» (١). ٢ - عدمُ المُطابَقَةِ بين الدَّليلِ ومَوْضِعِ الاستدلالِ، وسببُ ذلك الاستعجالُ في الاستدلالِ، مع عدمِ التَّنبُّهِ لأنواعِ الدَّلالاتِ الأُخرى، وممَّا قالَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك: «وقد قيلَ (٢): معنى قولِه ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]: الذَّبحُ للموتِ» (٣)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠)، وقالَ: «وأحسَبُ أنَّ قائِلَ هذا النَّوعِ نزَعَ لقولِه ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]، فإنَّه رُويَ عن النَّبي ﷺ في ذلك قِصَّةٌ تدُلُّ على معنى ما قالَه هذا القائِلُ في قضاءِ الأمرِ (٤). وليس قولُه مِنْ ذلك في شيءٍ، وإنَّما هذا أمرٌ مِنْ الله تعالى ذِكرُه نبيَّه محمداً ﷺ أن يقولَ لمَن استعجَلَه فصْلَ القضاءِ بينَه وبَيْنهم مِنْ

стр. 197

قولِه بآيةٍ يأتيهِم بها: لو أنَّ العذابَ والآياتِ بيَدي وعِندي لعاجَلْتُكُم بالذي تسألوني مِنْ ذلك، ولكنَّه بيَدِ من هو أعلَمُ بما يُصلِحُ خلقَه مِنّي ومِنْ جميعِ خلقِه» (١).

стр. 198

المبحثُ الثّاني: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني. وفيه أربعةُ مطالب: المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني. القراءاتُ لغةً: جمعٌ واحِدُهُ قراءَةٌ، وهي مصدرٌ مِنْ قَرَأَ؛ بمعنى جَمَعَ، أو أَلْقى، كما سبقَ بيانُه في معنى القرآنِ في لغةِ العربِ (١). واصطلاحاً: وجوهُ أداءِ ألفاظِ القرآنِ المُنزَلَةُ تخفيفًا على هذه الأُمَّة، والأصلُ فيها قوله ﷺ : «إنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه» (٢). والمُرادُ بالاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني هو: إقامَةُ القراءاتِ القُرآنيَّةِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.

стр. 199

أو: الإبانَةُ بالقراءاتِ القرآنيَّةِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها. وذلك بأن يجعلَ معاني القراءاتِ المُختَلفَةِ في الآيةِ دليلاً على صِحَّةِ معنى آيةٍ أو بُطلانِه. والقراءاتُ القرآنيَّةُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تنقسِمُ إلى قسمَيْن: القسمُ الأوَّلُ: القراءةُ الصَّحيحةُ، وهي ما اجتمعَ فيها ثلاثةُ شروطٍ: ١ - شُهرَةُ القراءَةِ بها، واستفاضتُها بين القُّرَّاءِ. وربما ذكرَ: إجماعَ القُرَّاءِ على صِحَّةِ القراءةِ بها، وشُذوذِ مَنْ خالفَها. وذلك فرعٌ عن اشتهارِها واستفاضَتِها. ويعبِّرُ عن ذلك بمثلِ قولِه: (جاءَتْ بها الأُمَّةُ، وقرأتْ بها القَرَأةُ، ومضى على القراءَةِ بها السَّلفُ مُستفيضٌ ذلك بينَهم، وعليها الحُجَّةُ مُجمِعةٌ) (١)، ووجهُ اشتراطِ ذلك ما نصَّ عليه في مواضِعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه: بأنَّ اتِّفاقَهم حُجَّةٌ، «ولا يُعترَضُ على الحُجَّةِ بقولِ مَنْ يجوزُ عليه فيما نقلَ السَّهوُ، والغفلَةُ، والخطأُ» (٢)، ومِمَّا قالَه في ذلك: «وذلك هو القراءةُ الصَّحيحةُ عندَنا لمعنيَيْن: أحدُهُما: اتِّفاقُ الحُجَّةِ مِنْ القَرَأةِ والعلماءِ على الشَّهادةِ بتصحيحِها، وانفِرادُ المُخالِفِ لهم في ذلك، وشذوذُه عمَّا هُمْ عليه مُجمِعون، وكفى بإجماعِ الحُجَّةِ على تخطِئَةِ قراءةٍ شاهِداً على خطئِها» (٣)، وقالَ عن بعضِ القراءاتِ: «وغيرُ جائِزةٍ قراءةُ ذلك بالياءِ؛ لشذوذِها عن قراءَةِ القَرَأةِ» (٤)، وقالَ في موضعٍ

стр. 200

آخرَ: «والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها ما جاءَت به قَرَأَةُ الأمصارِ مُجمِعةً عليه به، نقلاً عن رسولِ الله ﷺ ) (١). ولا تكفي صِحَّةُ القراءةِ سنداً؛ بل لا بدَّ مِنْ اشتِهارِها واستفاضتِها، كما قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن قراءَةٍ صحيحةِ الإسنادِ عن الزُّهري (ت: ١٢٥) في قولِه تعالى: (وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى) [طه: ١٤] (٢): «ولو كانَت القراءَةُ التي ذكرناها عن الزُّهريِّ قراءةً مُستفيضةً في قرَأةِ الأمصارِ = كانَ صحيحاً تأويلُ مَنْ تأوَّلَه بمعنى: أقمِ الصَّلاةَ حينَ تذكرُها» (٣). ٢ - أنْ توافقَ وجهاً صحيحاً في لُغةِ العربِ؛ وذلك لأمورٍ: أوَّلُها: أنَّ القراءَةَ إذا خرجَتْ عن أوجُهِ لُغاتِ العربِ = خَرجَتْ عن كونِها قرآناً؛ لأنَّ القرآنَ إنَّما أُنزلَ بلسانِ العربِ؛ الشَّاملِ جميعَ أوجُهِ لُغاتِها. وثانيها: أنَّ ذلك سبيلُ صِحَّةِ القراءَةِ في المعنى؛ فإنَّ الألفاظَ إذا خرجَتْ عن الوضعِ العربيِّ لها = خرجتْ المعاني عن دلالاتِ الألفاظِ المعهودةِ. وثالثُها: أنَّ الغرضَ الأكبرَ مِنْ تنزيلِ القراءاتِ: التّيسيرُ على العربِ في تلقِّي القرآنِ زمنَ التَّنزيلِ، مع اختلافِ لُغاتِها، وتعدُّدِ لهجاتِها، فإذا

стр. 201

خرجت القراءةُ عن شيءٍ مِنْ أوجُهِ لُغاتِها = خرجَتْ عن ذلك المقصَدِ الأعظمِ مِنها. ومِن بيانِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك قولُه عن بعضِ القراءاتِ: «وكفى شاهِداً على خطأِ القراءَةِ بها كذلك خروجُها مِنْ قراءَةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكُن على خطئِها شاهِدٌ غيرُه، فكيف وهي مع ذلك خارجةٌ مِنْ المعروفِ مِنْ كلامِ العربِ» (١)، وقولُه عن قراءةٍ أُخرى: «وذلك لحنٌ لا تجوزُ القراءةُ به» (٢). ٣ - موافقتُها لرسمِ مصاحفِ المُسلمين التي بعثها عثمانُ بن عفَّان ﵁ إلى أمصارِ الإسلامِ الكُبرى؛ وذلك أنَّ ما عداها منسوخٌ بالعَرضَةِ الأخيرةِ، التي جُمعَ النَّاسُ عليها، ونُسِخَتْ عنها المصاحِف (٣). ومِن مقالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في اشتراطِ ذلك قولُه عن بعضِ القراءاتِ: «وهي القراءةُ التي لا يجوزُ عندي غيرُها؛ لإجماعِ خطوطِ مصاحِفِ المسلمين، واتِّفاقِ قراءَةِ القَرَأةِ على ذلك» (٤)، وقولُه: «وقد رُويَ عن ابن عباسٍ في ذلك قراءةٌ جاءَتْ مصاحِفُ المسلمين بخلافِها، وأجمعَتْ قَرَأةُ القرآنِ على تركِها» (٥)، وقولُه: «وغيرُ جائِزٍ لنا أن نشهدَ بشيءٍ ليس في مصاحِفِنا مِنْ الكلامِ أنَّه مِنْ كتابِ الله» (٦).

стр. 202

وقد اجتمعتْ هذه الشُّروطُ الثَّلاثةُ في كُلِّ قراءَةٍ حكمَ عليها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالصِّحَّةِ والقبولِ، وقد نصَّ عليها جميعاً في هذا النَّقلِ النَّفيسِ عنه مِنْ كتابِه في القراءاتِ: (الجامعُ)، حيثُ قالَ: «ثُمَّ كلُّ مَنْ اختارَ حَرفاً مِنْ المَقبولين مِنْ الأئِمَّةِ المَشهورين بالسُّنَّةِ، والاقتداءِ بمَن مضى مِنْ عُلماءِ الشَّريعةِ = راعى في اختيارِه: الرِّوايةَ أوَّلاً، ثُمَّ موافقةَ المُصحفِ الإمامِ ثانياً، ثُمَّ العربيَّةَ ثالثاً. فمَن لم يُراعِ الأشياءَ الثَّلاثةَ في اختيارِه لم يُقبَل اختيارُه، ولم يتداوَلْه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ» (١). القسمُ الثَّاني: القراءةُ الشَّاذَّةُ، وهي كُلُّ قراءَةٍ تخلَّفَ عنها شرطٌ مِنْ شروطِ القراءةِ الصَّحيحةِ السَّابِقة، وحُكمُها: عدمُ جوازِ القراءَةِ بها. قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وهذه قراءةٌ لقَرَأةِ المسلمين مُخالِفةٌ، فغيرُ جائِزٍ لأحدٍ القراءةُ بها؛ لشذوذِها وخروجِها مِنْ قراءَةِ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وخِلافِها ما جاءَتْ به الحُجَّةُ مِنْ المسلمين» (٢)، وقالَ عن بعضِ القراءاتِ: «وإنْ كُنْتُ للقراءَةِ بها كارِهاً؛ لشذوذِها عن قراءَةِ القرَّاءِ، وأنَّ ما شَذَّ مِنْ القراءاتِ عمَّا جاءَتْ به الأُمَّةُ نقلاً ظاهِراً مُستفيضاً = فرأيٌ للحقِّ مُخالفٌ، وعن سبيلِ الله وسبيلِ رسولِه وسبيلِ المؤمنين مُتجانِفٌ، وإن كانَ له -لو كانَ جائِزَ القراءَةِ به- في الصَّوابِ مخرجٌ» (٣). وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالقراءاتِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:

стр. 203

النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بالقراءاتِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه: «ومِن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قُلنا: أنَّ ذلك كذلك في قراءَةِ ابنِ مسعودٍ: (والذي جاءوا بالصِّدقِ وصدَّقوا به) [الزُّمر: ٣٣] (١)، فقد بُيِّنَ ذلك مِنْ قراءتِه؛ أنَّ ﴿الذي﴾ مِنْ قولِه ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزُّمَر: ٣٣] لم يُعنَ بها واحِدٌ بعينِه، وأنَّه مُرادٌ بها جِماعٌ ذلك صِفَتُهم، ولكنَّها أُخرجَتْ بلفظِ الواحِدِ؛ إذْ لم تكُن موقَّتةً (٢) (٣)، وقالَ: «وقد ذُكِرَ أنَّها في قراءَةِ ابنِ مسعودٍ: (ذلك جزاءُ أعداءِ الله النَّارُ دارُ الخُلْدِ) [فصلت: ٢٨] (٤)، ففي ذلك تصحيحُ ما قُلنا مِنْ التَّأويلِ في ذلك» (٥)، وقالَ أيضاً: «وإنْ كانَ الذي اخترنا مِنْ التأويلِ فيه أشبهَ بالصَّوابِ؛ لإجماعِ القَرَأةِ على قراءَةِ قولِه ﴿وَقَضَيْنَا﴾ [الإسراء: ٤] بالتَّاءِ دون الياءِ» (٦). النَّوعُ الثَّاني: استدلالُه بالقراءاتِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومِن أمثلَتِه قولُه عن بعضِ المعاني: «وهذا مِنْ التأويلِ غلطٌ؛ لأنَّ أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بخلافِ ذلك، مع إجماعِ الحُجَّةِ مِنْ القَرَأةِ على قراءتِه بالمعنى الذي جاء به تأويلُ أهلِ التأويلِ» (٧)، وقولُه عند قولِه تعالى ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ

стр. 204

بِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]: «وأمَّا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في ذلك أيضاً فقولٌ لا معنى له؛ لأنَّه لو كانَ بمعنى المُبادلَةِ لكانَتْ القراءَةُ والتَّنزيلُ: ولا أن تُبادِلَ بهنَّ مِنْ أزواجٍ. أو: ولا أن تُبَدِّلَ بهنَّ. بضمِّ التَّاءِ، ولكنَّ القراءَةَ المُجمَعَ عليها: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، بفتحِ التَّاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدِلَ بهنَّ» (١)، وقالَ أيضاً: «وفي قراءَةِ عبد الله بن مسعودٍ: ﴿سلامٌ على إدْراسين﴾ [الصافات: ١٣٠] (٢) دلالَةٌ واضِحةٌ على خطأِ قولِ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك: سلامٌ على آلِ محمدٍ. وفسادِ قراءَةِ مَنْ قرأَ: ﴿وإنْ الياسَ﴾ [الصافات: ١٢٣] (٣) بوَصلِ النُّونِ مِنْ (إنْ) بإلياسَ، وتوجيهِ الألِفِ واللامِ فيه إلى أنَّهُما أُدخِلتا تعريفاً للاسْمِ الذي هو (ياسُ)؛ وذلك أنَّ عبدَ الله كانَ يقول: إلْياسُ هو إدريسُ، ويقرأُ: ﴿وإنَّ إدريسَ لَمِن

стр. 205

المُرسَلين﴾ [الصافات: ١٢٣] (١)، ثُمَّ يقرأُ على ذلك: ﴿سلامٌ على إدْراسين﴾ [الصافات: ١٣٠]، كما قرأَ الآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]» (٢). وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالقراءاتِ على المعاني (١٦٥) موضِعاً، ونسبة ذلك مِنْ مجموع الأدلَّة (١. ٥%). ولَم يجرِ في ذِكرِ دليلِ القراءاتِ في تلك المواضِعِ على ترتيبٍ خاصٍّ، بل يذكرُها حيثُما احتاجَ إليها في الإبانةِ عن المعنى؛ ويشملُ ذلك ذكرَها ضمنَ عرضِ وجوهِ القراءاتِ في الآيةِ وتوجيهِها، وفي معرضِ ذكرِ الأقوالِ في الآيةِ، وعندَ التَّرجيحِ بينها. المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني. الاحتجاجُ بالقراءاتِ الصَّحيحةِ -بشُروطِها الثَّلاثةِ السَّابقةِ- مِنْ جنسِ الاحتجاجِ بالقرآنِ الكريمِ؛ لأنَّ كُلَّ قراءةٍ صحيحةٍ بمثابَةِ آيَةٍ مُستَقِلَّةٍ، وذلك أنَّ كيفيَّاتِ أداءِ الكلماتِ القرآنيَّةِ إنَّما ثَبَتَتْ بتنزيلٍ مِنْ الله تعالى ذِكرُه، فعن عمرَ بن الخطَّابِ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «إنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّرَ مِنه» (٣)، وعن أبيِّ بن كعب ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : «أنَّ جبريلَ أخبرَه: إنَّ الله يأمُرُك أن تُقرئَ أُمَّتك على سبعةِ أحرُفٍ، فأيَّما حرفٍ قرؤوا عليه فقد

стр. 206

أصابوا» (١)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «وقد بيَّنَّا أنَّ القراءَتَين كالآيَتَين، فزيادةُ القراءاتِ كزيادَةِ الآياتِ» (٢)، وقالَ الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠): «وقد تقرَّرَ أنَّ القراءَتين بمنزلةِ الآيتين» (٣)، وقالَ الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): «إنَّ القراءتين إذا ظهرَ تعارضُهما (٤) في آيةٍ واحِدةٍ لهُما حُكمُ الآيتين كما هو معروفٌ عند العُلماءِ» (٥). أمَّا الاحتجاجُ بالقراءاتِ الشَّاذَّةِ على المعاني فالعُلماءُ فيه على مذهبَيْن: المذهبُ الأوَّلُ: عدمُ صِحَّةِ الاحتجاجِ بها، وهو روايةٌ عن مالك (ت: ١٧٩)، وإليه ذهبَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣)، والرَّازي (ت: ٦٠٤)، وجماعةٌ مِنْ الأصوليين (٦). واحتجّوا بما يأتي: ١ - أنَّ القراءَةَ الشَّاذَّةَ رُويَتْ على أنها قرآنٌ، فلم تثبُت قرآناً، فلا يثبتُ الاحتجاجُ بها؛ «ووجهُه أنَّه لمَّا لم يذكُره إلا لكونِه قرآناً، فبطلَ كونُه قرآناً = بطلَ عن أصلِه، فلا يُحتجُّ به على شيءٍ» (٧).

стр. 207

٢ - أنَّه يحتملُ أن يكونَ مذهباً للصَّحابي، ومع التردُّدِ بين كونِه كذلك وكونِه قرآناً = لا يُعمَلُ به. والمذهبُ الثَّاني: صِحَّةُ الاحتجاجِ بالقراءاتِ الشَّاذّةِ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ (ت: ١٥٠)، والشافعيّ (ت: ٢٠٤)، وأحمد (ت: ٢٤١)، وعليه أكثرُ العُلماءِ، وذكرَه ابنُ عبد البَرِّ (ت: ٤٦٣) إجماعاً (١)، واستدلّوا له بما يأتي: ١ - أنَّ هذه القراءاتِ التي يُخبرُ الصحابيُّ أنَّه سمعها مِنْ النَّبي ﷺ أو ممَّن سمعها مِنه، ويعملُ بها في دينِه، ويقرأُ بها في صلاتِه = لا تخلوا إمَّا أن تكونَ قرآناً أو خبراً عن النَّبي ﷺ ، فإن كانَتْ قرآناً: فإمَّا أن توافقَ رسمَ المُصحفِ أو لا، فإن وافقت رسمَ المُصحفِ فهي مِنْ أحدِ الأحرفِ السَّبعةِ قطعاً، وإن لم توافق رسمَ المُصحفِ فلا سبيلَ إلى القطعِ بعدمِ كونِها مِنْ بعضِ الأحرفِ السبعةِ، وقد تقرَّرَ أنَّ الأحرفَ السَّبعةَ لا تتناقضُ في المعاني، ولا تتخالفُ في المعنى الواحِد؛ إذْ كُلُّها وحيٌ مِنْ حكيمٍ حميدٍ (٢). فصحَّ الاحتجاجُ بها مِنْ هذا الوجه. فإنْ لم تكُنْ -تلك القراءاتُ- قرآناً فلا تنزلُ عن أن تكونَ خبراً نقلَه الصحابيُّ عن النَّبي ﷺ ، بلفظِه أو بمعناه، وما كانَ كذلك فهو حُجَّةٌ

стр. 208

قطعاً. وبهذا تكونُ القراءةُ الشَّاذَّةُ كلاماً «مسموعاً مِنْ الشَّارعِ، وكلُّ قولِه حُجَّةٌ» (١). فإن لم تكُن خبراً مسموعاً مِنْ النَّبي ﷺ فلا تنزلُ عن أن تكونَ قولاً للصَّحابيِّ في معنى الآيةِ، وقولُه حُجَّةٌ. ويُنبَّه هنا إلى أنَّ هذا الاحتمالَ الأخيرَ لا يَردُ مُطلقاً فيما ينسِبُه الصحابي قراءةً إلى النَّبي ﷺ ، أو فيما يقرأُ به قرآناً -كما سيأتي في الإجابةِ عن المذهب الأوَّل-، وإنَّما يُتصوَّرُ ورودُ ذلك الاحتمال فيما ينقلُه التَّابعيُّ عن الصحابيِّ موقوفاً، ظنّاً مِنه أن ذلك وجهٌ مِنْ القراءةِ له، وإنَّما قالَه الصحابيُّ تفسيراً، ومِن ثمَّ فقولُ القرطبيِّ (ت: ٦٧١): «وما يُؤثَرُ عن الصَّحابةِ والتّابعين أنَّهم قرؤوا بكذا وكذا، إنَّما ذلك على جِهةِ البيانِ والتَّفسيرِ» (٢)، ليس على عمومِه؛ بل مِنه ما هو كذلك، ومِنه ما ينصُّ الصحابيُّ على أنَّه مِنْ قراءةِ النَّبي ﷺ ، أو مِنْ قراءتِه هو، أو يشتهرُ عنه هذا الوجهُ مِنْ القراءةِ، أو يُنقَلُ عنه مِنْ غيرِ طريقٍ، وأقلُّه ما يُخطئُ التابعيُّ في نسبتِه قراءةً إلى الصَّحابةِ ﵃. ٢ - أنَّ السَّلفَ لم يزالوا يحتجّون بهذا النوعِ مِنْ القراءاتِ، ويستفيدون مِنها المعاني واللُّغاتِ والأحكامَ، قالَ مجاهد (ت: ١٠٤) في قولِه تعالى ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]: «كنَّا لا ندري ما الزُّخرف، حتى رأيناه في قراءَةِ ابن مسعودٍ: (أو يكونَ لك بيتٌ مِنْ ذهبٍ) [الإسراء: ٩٣] (٣) (٤)، وقالَ: «لو كنتُ قرأتُ قراءَةَ ابنَ مسعودٍ لم

стр. 209

أحتَجْ أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن كثيرٍ مِنْ القرآنِ مِمَّا سألتُ» (١)، وقالَ قتادةُ (ت: ١١٧) في قولِه تعالى ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]: «هي في مصحف ابن مسعودٍ: (وما يعبدون مِنْ دونِ الله) [الكهف: ١٦] (٢)؛ فهذا تفسيرُها» (٣). ٣ - أنَّ مِنْ المقاصِدِ الظَّاهرةِ لتعدُّدِ القراءاتِ صحيحِها وشاذِّها = تكثيرُ المعاني، قالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «والظَّنُّ أنَّ الوحيَ نزلَ بالوَجهَيْن وأكثرَ = تكثيراً للمعاني، إذا جزمنا بأنَّ جميعَ الوجوهِ في القراءاتِ المشهورةِ هي مأثورَةٌ عن النَّبي ﷺ ) (٤)، وهذا الأثرُ للقراءاتِ الشَّاذَّةِ على المعاني كثيرٌ ظاهرٌ (٥)، وممَّن اعتنى بإبرازِه السيوطي (ت: ٩١١) حيثُ قالَ: «وقد اعتنيتُ في كتابي (أسرارِ التَّنزيلِ) (٦) ببيانِ كلِّ قراءةٍ أفادَتْ معنىً زائِداً على القراءةِ المشهورةِ» (٧). ٤ - أنَّ كثيراً مِنْ الاستدلالِ بشواذِّ القراءاتِ إنَّما يُرادُ به إثباتُ صِحَّةِ المعنى في الاستعمالِ العربيِّ، قالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «ذِكرُ

стр. 210

القراءَةِ كذِكرِ الشّاهدِ مِنْ كلامِ العربِ» (١)، وهذا النوعُ مِنْ الاستدلالِ إنَّما يُحتاجُ فيه إلى سلامةِ عربيَّةِ مَنْ تُعزى إليه القراءةُ، ولا يُلتَفَتُ فيه إلى ثبوتِها عمَّن فوقَه، «كما احتجّوا على أنَّ أصلَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] أنَّه منصوبٌ على المفعولِ المُطلَقِ = بقراءَةِ هارون العَتَكيّ (٢): (الحمدَ لله) [الفاتحة: ٢] بالنَّصبِ -كما في الكشَّافِ- (٣)، وبذلك يظهرُ أنَّ القراءَةَ لا تُعدُّ تفسيراً مِنْ حيثُ هي طريقٌ في أداءِ ألفاظِ القرآنِ، بل مِنْ حيثُ إنَّها شاهِدٌ لُغويٌّ» (٤). وقد أجابوا عن ما احتجَّ به مَنْ منعَ ذلك بما يأتي: ١ - أنَّه لا تلازُمَ بين الحُكمِ بعدمِ قرآنيَّتِها، وعدمِ الاحتجاجِ بها، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «ومثلُه احتجاجُ أكثرِ العلماءِ بالقراءاتِ التي صحَّت عن بعضِ الصَّحابةِ مع كونِها ليست في مصحفِ عثمان ﵁، فإنَّها تضمَّنت عملاً وعلماً، وهي خبرُ واحدٍ صحيحٍ، فاحتجّوا بها في إثباتِ العملِ، ولم يثبتوها قرآناً؛ لأنَّها مِنْ الأمورِ العلميَّةِ التي لا تثبُت إلا بيقينٍ» (٥). ٢ - قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠): «وقولُهم يجوزُ أن يكونَ مذهباً. قلنا:

стр. 211

لا يجوزُ ظنُّ مثلِ هذا بالصَّحابةِ ﵃؛ فإنَّ هذا افتراءٌ على الله وكذبٌ عظيمٌ؛ إذْ جعلَ رأيَه ومذهبَه الذي ليس هو عن الله تعالى ولا عن رسولِه = قرآناً، والصَّحابةُ ﵃ لا يجوزُ نسبةُ الكذبِ إليهم في حديثِ النَّبي ﷺ ولا في غيرِه، فكيف يكذبون في جعلِ مذاهبِهم قرآناً! هذا باطلٌ يقيناً» (١). والمذهبُ الثَّاني هو الصَّوابُ، وعليه أكثرُ العلماءِ، وعامَّةُ المُفسّرين، ولا يُكادُ يُرى أثرُ هذا الخلافِ في كتبِ التَّفسيرِ، بل الأصلُ فيها نقلُ هذه القراءاتِ، والاحتجاجُ بها ضمنَ قواعِدِ الاستدلالِ المُعتبرَةِ، قالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام (ت: ٢٢٤): «فأمَّا ما جاءَ مِنْ هذه الحروفُ التي لم يؤخذ علمُها إلا بالإسنادِ والرواياتِ التي تعرفُها الخاصَّةُ مِنْ العلُماءِ دونَ عوامِّ النَّاسِ = فإنَّما أردَ أهلُ العلمِ مِنها أن يستشهدوا بها على تأويلِ ما بين اللوحَيْن، ويكون دلائِلَ على معرفةِ معانيه، وعلمِ وجوهِه، وذلك كقراءَةِ حفصةَ وعائِشةَ: (حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ) [البقرة: ٢٣٨] (٢)، وكقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (والسَّارقون والسَّارقاتُ فاقطعوا أيمانَهم) [المائدة: ٣٨] (٣) .. ، فهذه الحروفُ وأشباهٌ لها كثيرةٌ قد صارَت مفسِّرةً للقرآنِ، وقد كانَ يُروى مثلُ هذا عن بعضِ التّابعين في التَّفسيرِ فيُستَحسَنُ ذلك، فكيف إذا رُويَ عن لُبابِ أصحابِ محمد ﷺ ، ثُمَّ صارَ في نفسِ القراءَةِ! فهو الآن

стр. 212

أكثرُ مِنْ التَّفسيرِ وأقوى، وأدنى ما يُستَنبَطُ مِنْ علمِ هذه الحروفِ: معرفةُ صحَّةِ التأويلِ. على أنَّها مِنْ العلمِ الذي لا يعرفُ العامَّةُ فضلَه، إنَّما يعرفُ ذلك العُلماءُ» (١)، وقالَ ابنُ جِنِّي (ت: ٣٩٢): «لكنَّ غرضَنا أن نُرِيَ وجهَ قوَّةِ ما يُسمّى الآنَ شاذّاً، وأنَّه ضاربٌ في صحَّةِ الروايةِ بِجِرانِه، آخذٌ مِنْ سمتِ العربيَّةِ مُهلةَ ميدانِه؛ لئلا يَرَى مَرِيٌ (٢) أنَّ العدولَ عنه إنَّما هو غضٌّ مِنه، أو تهمةٌ له. ومعاذ الله! وكيف يكونُ هذا والروايةُ تُنميهِ إلى رسولِ الله ﷺ ، والله تعالى يقولُ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وهذا حكمٌ عامٌّ في المعاني والألفاظِ، وأخذُه هو الأخذُ به. فكيف يسوغُ مع ذلك أن ترفضَه وتجتنبَه! فإن قَصُر شيءٌ مِنه عن بلوغِه إلى رسولِ الله ﷺ ، فلن يقصُرَ عن وجهٍ مِنْ الإعرابِ داعٍ إلى الفسحةِ والإسهابِ، إلا أنَّنا وإن لم نقرأ في التِّلاوةِ به مخافَةَ الانتشارِ فيه، ونُتابعُ مَنْ يَتبَعُ في القراءةِ كلَّ جائزٍ روايةً ودرايةً، فإنَّا نعتقدُ قوةَ هذا المسمّى شاذّاً، وأنَّه مما أمرَ الله تعالى بتقبُّلِه، وأرادَ منَّا العملَ بموجبِه، وأنه حبيبٌ إليه، ومرضيٌّ مِنْ القولِ لديه. نعَمْ، وأكثرُ ما فيه أن يكونَ غيرُه مِنْ المجتمعِ عندهم عليه أقوى مِنه إعراباً، وأنهضُ قياساً؛ إذ هما جميعًا مرويَّانِ مسندانِ إلى السَّلفِ ﵃) (٣). بل نقلَ ابنُ عبد البرِّ (ت: ٤٦٣) إجماعَ العُلماءِ العمليِّ على الاحتجاجِ بالقراءاتِ الشّاذّةِ في التَّفسيرِ، فقالَ: «وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما ذهبَ إليه العُلماءُ مِنْ الاحتجاجِ بما ليس في مُصحفِ

стр. 213

عُثمانَ على جِهةِ التَّفسيرِ، فكُلُّهم يفعلُ ذلك، ويُفسِّرُ به مُجملاً مِنْ القرآنِ، ومعنىً مُستَغلقاً مِنْ مُصحفِ عُثمان، وإن لم يُقطَعْ عليه بأنَّه مِنْ كتابِ الله، كما يُفعَلُ بالسُّننِ الواردةِ بنقلِ الآحادِ العُدولِ، وإن لم يُقطَعْ على معناها» (١). ومَن قصدَ مِنْ المُفسِّرين إلى عدمِ إيرادِ الشَّواذِّ مِنْ القراءاتِ استغناءً بالمُتواتِرِ مِنها، فقد فاتَه الكثيرُ مِنْ الشَّواهِدِ والدَّلائِلِ المُبيِّنةِ لمعاني الآياتِ، والمُرجِّحةِ للأقوالِ فيها، مع بُعد هذا المَسلكِ عن طريقةِ السَّلفِ. (٢) المطلبُ الثالثُ: أوجه الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني. يتفرَّعُ الحديثُ عن أوجهِ الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني إلى فرعينِ، هما: ١ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ القراءاتِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠). ٢ - أوجهُ الاستدلالِ بنَوْعَيْ القراءاتِ -صحيحِها وشاذِّها- على المعاني. وفيما يأتي بيانُهما: الأوَّلُ: صِيَغُ إيرادِ دليلِ القراءاتِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).

стр. 214

يورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ القراءاتِ مبيّناً به المعنى في ثلاثِ صوَرٍ: الأولى: التصريحُ بالاستدلالِ بالقراءَةِ، ومِن ذلك قولُه: «ومِن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قُلنا: أنَّ ذلك كذلك في قراءَةِ ابنِ مسعودٍ» (١)، وقولُه: «وفي صحَّةِ التَّنزيلِ بقولِه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أوضَحُ الدَّلالةِ على صِحَّةِ ما قُلنا، وفسادِ قولِ مَنْ ذكَرنا قولَه في ذلك» (٢). الثّانيةُ: ذِكرُ القراءَةِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه: «وبنحو الذي قُلنا في معنى قولِه ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١] قالَ أهلُ التأويلِ»، ثُمَّ أسنَدَ عن ابن مسعودٍ أنَّه كانَ يقرأُ: (وإن يَكادُ الذين كفروا ليُزْهِقُونَك) [القلم: ٥١] (٣) (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢]: «يعني أخاً أو أختاً مِنْ أُمِّه. كما حدَّثنا .. »، ثُمَّ أسنَدَ عن سعدِ بن أبي وقَّاص ﵁ أنَّه كانَ يقرأُ: (وإن كانَ رجلٌ يورَثُ كلالَةً وله أخٌ أو أختٌ مِنْ أُمِّه) [النساء: ١٢] (٥) (٦).

стр. 215

الثالثة: إيرادُ القراءَةِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «وإنْ كانَ الذي اخترنا مِنْ التَّأويلِ فيه أشبَهَ بالصَّوابِ؛ لإجماعِ القرَأةِ على قراءَةِ قولِه ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسراء: ٤] بالتَّاءِ دون الياءِ» (١)، وقولُه في معنى قولِه تعالى ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ القولُ الذي ذكَرْنا عن قتادة، مِنْ أنَّ معناه: ألمْ ترَ، ألمْ تعلمْ. للشَّاهدِ الذي ذكَرْنا فيه مِنْ قولِ الشَّاعرِ، والرِّوايةِ عن العربِ، وأنَّ ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢] في خطِّ المُصحفِ حرفٌ واحِدٌ. ومتى وُجِّهَ ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذي ذكَرْنا عن قتادة فإنَّه يصيرُ حرفَين .. ، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحِفِ .. ، فإذْ كانَ ذلك حرفاً واحداً فالصَّوابُ مِنْ التأويلِ ما قالَه قتادة» (٢). الثَّاني: أوجهُ الاستدلالِ بنَوْعَيْ القراءاتِ -صحيحِها وشاذِّها- على المعاني. لم يُفرِّق ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بين القراءةِ الصَّحيحةِ والشَّاذَّةِ في احتجاجِه بالقراءاتِ على المعاني، بل بلغَ ما استدلَّ به مِنْ القراءاتِ الشَّاذَّةِ على المعاني (١٥١) موضِعاً، وذلك نسبتُه (٩١. ٥%) مِنْ مجموعِ أدلَّةِ القراءاتِ في تفسيرِه. أمَّا القراءاتُ الصَّحيحةُ فقد بلغَ ما استدلَّ به مِنها على المعاني (١٤) موضِعاً، وذلك نسبتُه (٨. ٥%) مِنْ مجموعِ أدلَّةِ القراءاتِ في تفسيرِه.
следующие страницы →