لا يجوزُ ظنُّ مثلِ هذا بالصَّحابةِ ﵃؛ فإنَّ هذا افتراءٌ على الله وكذبٌ عظيمٌ؛ إذْ جعلَ رأيَه ومذهبَه الذي ليس هو عن الله تعالى ولا عن رسولِه = قرآناً، والصَّحابةُ ﵃ لا يجوزُ نسبةُ الكذبِ إليهم في حديثِ النَّبي ﷺ ولا في غيرِه، فكيف يكذبون في جعلِ مذاهبِهم قرآناً! هذا باطلٌ يقيناً» (١).
والمذهبُ الثَّاني هو الصَّوابُ، وعليه أكثرُ العلماءِ، وعامَّةُ المُفسّرين، ولا يُكادُ يُرى أثرُ هذا الخلافِ في كتبِ التَّفسيرِ، بل الأصلُ فيها نقلُ هذه القراءاتِ، والاحتجاجُ بها ضمنَ قواعِدِ الاستدلالِ المُعتبرَةِ، قالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام (ت: ٢٢٤): «فأمَّا ما جاءَ مِنْ هذه الحروفُ التي لم يؤخذ علمُها إلا بالإسنادِ والرواياتِ التي تعرفُها الخاصَّةُ مِنْ العلُماءِ دونَ عوامِّ النَّاسِ = فإنَّما أردَ أهلُ العلمِ مِنها أن يستشهدوا بها على تأويلِ ما بين اللوحَيْن، ويكون دلائِلَ على معرفةِ معانيه، وعلمِ وجوهِه، وذلك كقراءَةِ حفصةَ وعائِشةَ: (حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ) [البقرة: ٢٣٨] (٢)، وكقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (والسَّارقون والسَّارقاتُ فاقطعوا أيمانَهم) [المائدة: ٣٨] (٣) .. ، فهذه الحروفُ وأشباهٌ لها كثيرةٌ قد صارَت مفسِّرةً للقرآنِ، وقد كانَ يُروى مثلُ هذا عن بعضِ التّابعين في التَّفسيرِ فيُستَحسَنُ ذلك، فكيف إذا رُويَ عن لُبابِ أصحابِ محمد ﷺ ، ثُمَّ صارَ في نفسِ القراءَةِ! فهو الآن
стр. 212
أكثرُ مِنْ التَّفسيرِ وأقوى، وأدنى ما يُستَنبَطُ مِنْ علمِ هذه الحروفِ: معرفةُ صحَّةِ التأويلِ. على أنَّها مِنْ العلمِ الذي لا يعرفُ العامَّةُ فضلَه، إنَّما يعرفُ ذلك العُلماءُ» (١)، وقالَ ابنُ جِنِّي (ت: ٣٩٢): «لكنَّ غرضَنا أن نُرِيَ وجهَ قوَّةِ ما يُسمّى الآنَ شاذّاً، وأنَّه ضاربٌ في صحَّةِ الروايةِ بِجِرانِه، آخذٌ مِنْ سمتِ العربيَّةِ مُهلةَ ميدانِه؛ لئلا يَرَى مَرِيٌ (٢) أنَّ العدولَ عنه إنَّما هو غضٌّ مِنه، أو تهمةٌ له. ومعاذ الله! وكيف يكونُ هذا والروايةُ تُنميهِ إلى رسولِ الله ﷺ ، والله تعالى يقولُ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وهذا حكمٌ عامٌّ في المعاني والألفاظِ، وأخذُه هو الأخذُ به. فكيف يسوغُ مع ذلك أن ترفضَه وتجتنبَه! فإن قَصُر شيءٌ مِنه عن بلوغِه إلى رسولِ الله ﷺ ، فلن يقصُرَ عن وجهٍ مِنْ الإعرابِ داعٍ إلى الفسحةِ والإسهابِ، إلا أنَّنا وإن لم نقرأ في التِّلاوةِ به مخافَةَ الانتشارِ فيه، ونُتابعُ مَنْ يَتبَعُ في القراءةِ كلَّ جائزٍ روايةً ودرايةً، فإنَّا نعتقدُ قوةَ هذا المسمّى شاذّاً، وأنَّه مما أمرَ الله تعالى بتقبُّلِه، وأرادَ منَّا العملَ بموجبِه، وأنه حبيبٌ إليه، ومرضيٌّ مِنْ القولِ لديه. نعَمْ، وأكثرُ ما فيه أن يكونَ غيرُه مِنْ المجتمعِ عندهم عليه أقوى مِنه إعراباً، وأنهضُ قياساً؛ إذ هما جميعًا مرويَّانِ مسندانِ إلى السَّلفِ ﵃) (٣).
بل نقلَ ابنُ عبد البرِّ (ت: ٤٦٣) إجماعَ العُلماءِ العمليِّ على الاحتجاجِ بالقراءاتِ الشّاذّةِ في التَّفسيرِ، فقالَ: «وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما ذهبَ إليه العُلماءُ مِنْ الاحتجاجِ بما ليس في مُصحفِ
стр. 213
عُثمانَ على جِهةِ التَّفسيرِ، فكُلُّهم يفعلُ ذلك، ويُفسِّرُ به مُجملاً مِنْ القرآنِ، ومعنىً مُستَغلقاً مِنْ مُصحفِ عُثمان، وإن لم يُقطَعْ عليه بأنَّه مِنْ كتابِ الله، كما يُفعَلُ بالسُّننِ الواردةِ بنقلِ الآحادِ العُدولِ، وإن لم يُقطَعْ على معناها» (١).
ومَن قصدَ مِنْ المُفسِّرين إلى عدمِ إيرادِ الشَّواذِّ مِنْ القراءاتِ استغناءً بالمُتواتِرِ مِنها، فقد فاتَه الكثيرُ مِنْ الشَّواهِدِ والدَّلائِلِ المُبيِّنةِ لمعاني الآياتِ، والمُرجِّحةِ للأقوالِ فيها، مع بُعد هذا المَسلكِ عن طريقةِ السَّلفِ. (٢)
المطلبُ الثالثُ: أوجه الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني.
يتفرَّعُ الحديثُ عن أوجهِ الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني إلى فرعينِ، هما:
١ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ القراءاتِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
٢ - أوجهُ الاستدلالِ بنَوْعَيْ القراءاتِ -صحيحِها وشاذِّها- على المعاني.
وفيما يأتي بيانُهما:
الأوَّلُ: صِيَغُ إيرادِ دليلِ القراءاتِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
стр. 214
يورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ القراءاتِ مبيّناً به المعنى في ثلاثِ صوَرٍ:
الأولى: التصريحُ بالاستدلالِ بالقراءَةِ، ومِن ذلك قولُه: «ومِن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قُلنا: أنَّ ذلك كذلك في قراءَةِ ابنِ مسعودٍ» (١)، وقولُه: «وفي صحَّةِ التَّنزيلِ بقولِه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أوضَحُ الدَّلالةِ على صِحَّةِ ما قُلنا، وفسادِ قولِ مَنْ ذكَرنا قولَه في ذلك» (٢).
الثّانيةُ: ذِكرُ القراءَةِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه: «وبنحو الذي قُلنا في معنى قولِه ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١] قالَ أهلُ التأويلِ»، ثُمَّ أسنَدَ عن ابن مسعودٍ أنَّه كانَ يقرأُ: (وإن يَكادُ الذين كفروا ليُزْهِقُونَك) [القلم: ٥١] (٣)(٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢]: «يعني أخاً أو أختاً مِنْ أُمِّه. كما حدَّثنا .. »، ثُمَّ أسنَدَ عن سعدِ بن أبي وقَّاص ﵁ أنَّه كانَ يقرأُ: (وإن كانَ رجلٌ يورَثُ كلالَةً وله أخٌ أو أختٌ مِنْ أُمِّه) [النساء: ١٢] (٥)(٦).
стр. 215
الثالثة: إيرادُ القراءَةِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «وإنْ كانَ الذي اخترنا مِنْ التَّأويلِ فيه أشبَهَ بالصَّوابِ؛ لإجماعِ القرَأةِ على قراءَةِ قولِه ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسراء: ٤] بالتَّاءِ دون الياءِ» (١)، وقولُه في معنى قولِه تعالى ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ القولُ الذي ذكَرْنا عن قتادة، مِنْ أنَّ معناه: ألمْ ترَ، ألمْ تعلمْ. للشَّاهدِ الذي ذكَرْنا فيه مِنْ قولِ الشَّاعرِ، والرِّوايةِ عن العربِ، وأنَّ ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢] في خطِّ المُصحفِ حرفٌ واحِدٌ. ومتى وُجِّهَ ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذي ذكَرْنا عن قتادة فإنَّه يصيرُ حرفَين .. ، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحِفِ .. ، فإذْ كانَ ذلك حرفاً واحداً فالصَّوابُ مِنْ التأويلِ ما قالَه قتادة» (٢).
الثَّاني: أوجهُ الاستدلالِ بنَوْعَيْ القراءاتِ -صحيحِها وشاذِّها- على المعاني.
لم يُفرِّق ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بين القراءةِ الصَّحيحةِ والشَّاذَّةِ في احتجاجِه بالقراءاتِ على المعاني، بل بلغَ ما استدلَّ به مِنْ القراءاتِ الشَّاذَّةِ على المعاني (١٥١) موضِعاً، وذلك نسبتُه (٩١. ٥%) مِنْ مجموعِ أدلَّةِ القراءاتِ في تفسيرِه. أمَّا القراءاتُ الصَّحيحةُ فقد بلغَ ما استدلَّ به مِنها على المعاني (١٤) موضِعاً، وذلك نسبتُه (٨. ٥%) مِنْ مجموعِ أدلَّةِ القراءاتِ في تفسيرِه.
стр. 216
وواضِحٌ مِنْ هذه النِّسبةِ أنَّ ما تُفيدُه القراءَةُ الشَّاذَّةُ مِنْ المعاني أكثرُ؛ لأنَّها تشملُ وجوهاً مِنْ الأحرُفِ السَّبعةِ أكثرَ ممَّا اشتملَ عليه مصحفُ عثمان ﵁ وما نُسِخَ عنه، ومِن ثَمَّ وقعَ الاستدلالُ بها أكثرُ، وهذا يشيرُ إلى أهميَّةِ جمعِ القراءاتِ الشَّاذَّةِ وتدوينِها؛ لا للقراءَةِ بها، وإنَّما للاستفادةِ مِنها في تبيينِ المعاني واللُّغاتِ والأحكامِ، كغيرِها مِنْ الشَّواهِدِ والدَّلائِل.
المطلبُ الرابع: ضوابطُ الاستدلالِ بالقراءاتِ على المعاني ومسائِلُه.
أوَّلاً: ضابطُ القراءَةِ التي يصح الاستدلالُ بها على المعاني هي: كُلُّ قراءَةٍ مأثورةٍ عن النَّبي ﷺ ، وصحابتِه الكرامِ ﵃. وما كانَ كذلك فإمَّا أن يكونَ قراءةً صحيحةً؛ وهي حُجَّةٌ إجماعاً، وإمَّا أن يكونَ قراءةً شاذَّةً؛ والصَّحيحُ مِنْ قَوْلَيْ العُلماءِ أنَّها حُجَّةٌ لا في القراءةِ بها.
ثانياً: لا فرقَ في الاحتجاجِ للمعنى بين نَوعَيْ القراءاتِ، ولا تتقدَّمُ إحداهُما على الأُخرى بهذا الاعتبارِ؛ ومِن أدلَّةِ ذلك في تطبيقِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّه لم يعتبِرْ شذوذَ القراءَةِ سبباً يمنعُ مِنْ الاستدلالِ بها، أو يؤخِّرُها عن غيرِها في جميعِ المواطِنِ التي خالفَتْ فيها قراءَةً صحيحةً. ووجهُ ذلك بيِّنٌ؛ وهو أنَّ المُقابلَةَ هنا بين معنىً ومعنىً، لا بين قراءةٍ وقراءةٍ، ومعلومٌ أنَّه لا تلازُمَ بين قطعيَّةِ ثبوتِ القراءةِ الصَّحيحةِ، وقطعيَّةِ معناها، ومِن ثَمَّ تتعادلُ معاني القراءاتِ الصَّحيحةِ والشَّاذَّةِ، وتتأخَّرُ القراءةُ الشَّاذَّةُ إن تعلَّقَ الأمرُ بالثُّبوتِ.
стр. 217
ومِن أمثلةِ ذلك ما بيَّنَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عند قولِه تعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]، حيثُ ذكرَ القولَ الأوَّل: أنَّ المُرادَ مصراً مِنْ الأمصارِ، لا مصراً بعينِه. وذكرَ مِنْ حُجَّتِهم قراءةَ عامَّةِ القُّرَّاءِ: بتنوينِ مصرَ. ثمَّ ذكرَ القولَ الثاني: أنَّ المُرادَ مصرَ التي كانَ بها فرعون. وذكرَ مِنْ حُجَّتِهم أنَّها في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ، وابنِ مسعودٍ: (مصرَ) [البقرة: ٦١] (١) بغيرِ ألفٍ. ثُمَّ قالَ: «والذي نقولُ به في ذلك: أنَّه لا دلالَةَ في كتابِ الله جلَّ ثناؤُه على الصَّوابِ مِنْ هذين التأويلَين، ولا خبَرَ عن الرسولِ ﷺ يقطعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التَّأويلِ مُتنازِعون في تأويلِه .. ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك القرارُ مصرَ، وجائِزٌ أن يكونَ الشَّامَ. فأمَّا القراءةُ فإنَّها بالألفِ والتَّنوينِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]، وهي القراءةُ التي لا يجوزُ عندي غيرُها؛ لإجماعِ خطوطِ مصاحِفِ المسلمين، واتِّفاقِ قراءَةِ القَرَأةِ على ذلك، ولم يقرأ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ مِنه إلا مَنْ لا يجوزُ الاعتراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِنْ القراءَةِ مُستفيضاً فيها» (٢)، فالقراءةُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالصَّحيحةِ فقط، وأمَّا المعنى فقد يكونُ في الصَّحيحَةِ أو الشَّاذَّةِ، ولا تتقدَّمُ إحداهُما الأُخرى بهذا الاعتبارِ، بل بغيرِه مِنْ وجوهِ الاستدلالِ.
ومثلُه ردُّه على مَنْ استدلَّ بقراءَةِ: (فما استمتعتُمْ به مِنهُنَّ إلى أجلٍ مُسمَّى) [النساء: ٢٤] (٣)، على أنَّ المُرادَ بالمُتعةِ في قولِه تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]: نكاحَ المُتعةِ المؤقَّت. حيثُ قالَ: «وأمَّا
стр. 218
ما رويَ عن أبيِّ بن كعبٍ وابنِ عباسٍ مِنْ قراءَتِهِما: (فما استمتعتُمْ به مِنهُنَّ إلى أجلٍ مُسمَّى) [النساء: ٢٤] = فقراءَةٌ بخلافِ ما جاءَتْ به مصاحِفُ المسلمين» (١)، وبيَّن حُجَّتَه في رَدِّ ذلك الاستدلالِ بقولِه: «وأَوْلى التأويلَيْن في ذلك بالصَّوابِ تأويلُ مَنْ تأوَّلَه: فما نكحتموه مِنهُنَّ فجامعتموه، فآتوهُنَّ أجورَهُنَّ. لقيامِ الحُجَّةِ بتحريمِ اللهِ مُتعةَ النِّساءِ على غيرِ وجهِ النِّكاحِ الصَّحيحِ أو المُلكِ الصَّحيحِ، على لسانِ رسولِه ﷺ ). (٢)
ويؤكِّدُ ذلك أنَّه ربَّما قدَّمَ معنى الشَّاذَّةِ على الصَّحيحةِ كما في قولِه عند قولِه تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢]: «يعني أخاً أو أختاً مِنْ أُمِّه» (٣)، وقد أَخذَ هذا التَّخصيصَ مِنْ قراءَةِ سعدِ بن أبي وقَّاص ﵁ التي استدلَّ بها لهذا المعنى، وهي: (ولَه أخٌ أو أختٌ مِنْ أُمِّه) [النساء: ١٢] (٤)، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ تُخالِفُ رسمَ المُصحف، وتُخصِّصُ عمومَ قراءةِ الجمهورِ، وتُقدَّمُ عليها في المعنى. ومثلُه تقديمُه لمعنى قراءةِ ابنِ مسعودٍ ﵁: (سلامٌ على إِدْراسينَ) [الصافات: ١٣٠]، وأنَّ المُرادَ بقراءةِ الجمهورِ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]: إلْياسَ نفسُه -وهو إدريسُ عندَ ابنِ مسعودٍ ﵁، وليسَ آلُه كما في قراءةِ عامَّةِ أهلِ المدينةِ (٥)، حيثُ قالَ: «فلا وجهَ على
стр. 219
ما ذكرنا مِنْ قراءَةِ عبدِ الله لقراءَةِ مَنْ قرأَ ذلك: (سلامٌ على آلِ ياسينَ) [الصافات: ١٣٠] (١)(٢).
لكن إن تعلَّقَ الاستدلالُ بثبوتِ القراءَةِ، وتضادَّت المعاني بين القراءَتين = فالصَّحيحةُ في محلِّ التقديمِ؛ لأنَّها قطعيَّةُ الثُّبوتِ، أمَّا الشَّاذَّةُ فمِنها الصَّحيحُ، ومِنها دون ذلك، ومِن هذا البابِ كانَ تقديمُه لمعنى القراءَةِ الصَّحيحةِ على الشَّاذَّةِ في بعضِ المواطِن، كما في قولِه عن قراءةِ مَنْ قرأَ: (ومِنْ عِندِهِ عِلمُ الكتابِ) [الرعد: ٤٣] (٣): «وقد رُويَ عن رسولِ الله ﷺ خبرٌ بتصحيحِ هذه القراءةِ وهذا التأويلِ، غيرَ أنَّ في إسنادِه نظراً» (٤)، ثُمَّ ذكرَه، وقالَ: «وهذا خبرٌ ليس له أصلٌ عند الثِّقاتِ مِنْ أصحابِ الزُّهري؛ فإذا كانَ ذلك كذلك، وكانَت قرَأةُ الأمصارِ مِنْ أهلِ الحِجازِ والشَّامِ والعراقِ على القراءةِ الأخرى، وهي: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، كانَ التأويلُ الذي على المعنى الذي عليه قرَأةُ الأمصارِ أَوْلى بالصَّوابِ مِمَّا خالَفَه» (٥)، وكذا قولُه عن قراءةِ ابنِ مسعودٍ ﵁: (فما يسْتَطيعونَ لك صرفاً) [الفرقان: ١٩] (٦): «فإنْ تكُنْ هذه الروايةُ عنه صحيحةٌ، صحَّ التأويلُ الذي تأوَّلَه ابنُ زيدٍ في قولِه ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾، ويصيرُ قولُه ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خبراً عن المشركين
стр. 220
أنَّهم كذَّبوا المؤمنين» (١)، وذلك في مُقابِلِ قولِ مجاهدٍ (ت: ١٠٤) أنَّ ذلك خبرٌ عن أولياءِ الله في تكذيبِهم الكافرين في زعمِهم أنَّهم دعَوْهم إلى الضَّلالةِ وأمروهم بها. وهو ما اختارَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) قبلَ ذلك، واستدلَّ له بالسِّياقِ. (٢)
ويُطابقُ منهجَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ تعليقُ ابنِ عطيَّة (ت: ٥٤٦) على قراءةِ ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] بفتحِ القافِ وضَمِّها، وكلاهما سبعيّتان (٣)، حيثُ قال: «قال أبو عليّ (٤) (ت: ٣٧٧): هُما لغتان .. ، والفَتحُ أَوْلى؛ لأنَّها لُغةُ أهلِ الحجازِ، والأخذُ بها أَوجبُ؛ لأنَّ القرآنَ عليها نزلَ (٥). قالَ القاضي أبو محمد ﵁: هذه القراءاتُ لا يُظنُّ إلا أنَّها مرويَّةٌ عن النَّبي ﷺ ، وبجميعِها عارضَ جبريلُ ﵇ مع طولِ السِّنين تَوسِعةً على هذه الأُمَّةِ، وتكملةً للسَّبعةِ الأحرفِ حسْبَ ما بيَّنّاهُ في صَدرِ هذا التَّعليقِ، وعلى هذا لا يُقالُ: هذه أَوْلى مِنْ جِهةِ نزولِ القرآنِ بها. وإن رجَحَت قِراءَةٌ فبِوَجهٍ غيرِ وَجهِ النُّزولِ» (٦).
стр. 221
ثالثاً: يتعيَّنُ التفريقُ بين شذوذِ القراءةِ، وشذوذِ المعنى، فإنَّ ردَّ الاستدلالَ بالقراءةِ الشَّاذَّةِ في كثيرٍ مِنْ المواضِعِ لا لشذوذِها قراءةً؛ وإنَّما لشذوذِها معنىً، ومقابلتِها بأرجحَ مِنها في الدَّليلِ، ومثالُ ذلك ردُّه على مَنْ استدلَّ بقراءَةِ: (فما استمتعتُمْ به مِنهُنَّ إلى أجلٍ مُسمَّى) [النساء: ٢٤] (١)، على أنَّ المُرادَ بالمُتعةِ في قولِه تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]: نكاحَ المُتعةِ المؤقَّت. حيثُ قالَ: «وأمَّا ما رويَ عن أبيِّ بن كعبٍ وابنِ عباسٍ مِنْ قراءَتِهِما: (فما استمتعتُمْ به مِنهُنَّ إلى أجلٍ مُسمَّى) [النساء: ٢٤] = فقراءَةٌ بخلافِ ما جاءَتْ به مصاحِفُ المسلمين» (٢)، وبيَّن حُجَّتَه في رَدِّ ذلك الاستدلالِ بقولِه: «وأَوْلى التأويلَيْن في ذلك بالصَّوابِ تأويلُ مَنْ تأوَّلَه: فما نكحتموه مِنهُنَّ فجامعتموه، فآتوهُنَّ أجورَهُنَّ. لقيامِ الحُجَّةِ بتحريمِ اللهِ مُتعةَ النِّساءِ على غيرِ وجهِ النِّكاحِ الصَّحيحِ أو المُلكِ الصَّحيحِ، على لسانِ رسولِه ﷺ ). (٣)
وبهذا يتبيَّنُ أنَّه لا تلازمَ بين القراءةِ بالشَّاذِّ والاستدلالِ به، فالأوَّلُ لا يصحُّ، بخلافِ الثَّاني (٤)، ويوضِّحُ ذلك مِنْ الأمثلةِ أيضاً قولُه عن قراءةِ ابنِ مسعودٍ ﵁ (يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكونوا مِنْ الصَّادقين) [التوبة: ١١٩] (٥): «وتأويلُ عبدِ الله -رحمةُ الله عليه- في ذلك
стр. 222
على قراءَتِه = تأويلٌ صحيحٌ، غيرَ أنَّ القراءَةَ بخلافِها» (١)، وقولُه عن قراءةِ ابنِ عباسٍ ﵁ (بلى أدَّارَكَ علمُهم بالآخرة) [النمل: ٦٦]؟ (٢) على وجهِ الاستفهامِ: «وكأنَّ ابنَ عباسٍ وجَّه ذلك إلى أنَّ مخرَجَه مخرَجَ الاستهزاءِ بالمُكذِّبين بالبَعثِ» (٣)، ثمَّ قالَ: «فأمَّا القراءةُ التي ذكرتُ عن ابنِ عباسٍ، فإنَّها وإن كانَت صحيحةَ المعنى والإعرابِ = فخلافٌ لما عليه مصاحفُ المسلمين؛ وذلك أنَّ في (بلى) زيادةُ ياءٍ في قراءَتِه ليستْ في المصاحفِ، وهي مع ذلك قراءةٌ لا نعلمُها قرأَ بها أحدٌ مِنْ قرَأةِ الأمصارِ» (٤)، وقالَ عن قراءةِ (أمَا أنا خيرٌ مِنْ هذا الذي هو مَهينٌ) [الزخرف: ٥٢] (٥)؟ على الاستفهامِ: «ولو كانَت هذه القراءَةُ قراءةً مستفيضةً في قرَأةِ الأمصارِ = لكانَتْ صحيحةً، وكانَ معناها حسناً، غيرَ أنَّها خلافُ ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ فلا أستجيزُ القراءةَ بها، وعلى هذه القراءةِ -لو صحَّت- لا كُلفةَ له في معناها ولا مُؤْنةَ» (٦).
رابعاً: القراءةُ الشَّاذَّةُ تُعامَلُ في الاستدلالِ معاملةَ الأثرِ؛ فإن كانَت عن النَّبي ﷺ فيُتبَعُ فيها منهجَ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ، وإن كانَت عن السَّلفِ فيُتبَعُ فيها منهجَ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ، على ما سيأتي بيانُه في كلٍّ
стр. 223
-بإذن الله-؛ ولذلك يفردُها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن أقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ التأويلِ مرّةً، ويدرجُها ضمنَها أخرى (١).
خامساً: لا يُشترطُ في الاستدلالِ بالشَّاذِّ ثُبوتُه عن قارئِه على صفةِ ما يُشترطُ لصحَّةِ الحديثِ عن النَّبي ﷺ ؛ لأنَّه بمنزلةِ الاستدلالِ بقول المفسِّر؛ ولذلك يوردُهُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أحياناً ضمنَ أقوالِ أهلِ التأويلِ كما مَرَّ، ولا يجزمُ -في أكثرِ المواضِعِ- عندَ حكايتِه بنسبتِه لأصحابِه، بل يقولُ عند ذكر الشواذِّ مِنْ القراءات: «وذُكِرَ، ورُويَ، وقيلَ»، مع استدلالِه بها (٢)، بل ربَّما ذكرها أوَّل الأدلَّة (٣)، أو أفردَها في الاستدلال واكتفى بها عن غيرِها (٤)، وربَّما ذكرَ القراءةَ مبهمةً غيرَ معزوَّةٍ إلى قارئٍ، وإنَّما يقولُ: «في بعضِ الحروفِ- وفي بعضِ القراءَةِ» (٥). وكلُّ ذلك راجعٌ إلى منهجِه في الاستدلالِ بالسُّنَّةِ (٦)، وأقوالِ السَّلفِ (٧) على المعاني، كما سيتبيَّنُ في موضِعِه بإذنِ الله.
سادساً: القراءةُ الشَّاذَّةُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) حُجَّةٌ في العربيَّةِ
стр. 224
مُطلقاً، ورُبَّما قدَّمها على مذاهبِ بعضِ أهلِ اللغةِ مِنْ البصريِّين والكوفيِّين، بلْ هي أقوى في عربيَّتِها مِنْ مُجرَّدِ أقوالِ السَّلفِ في زمنِ الاحتجاجِ، فضلاً عن نَقَلَةِ اللغةِ مِنْ أهلِ العربيَّةِ؛ لأنَّ مِنها ما قرأَ به النبيُّ ﷺ زمناً، وما قرأَ به أصحابُه الكرامُ ﵃ حتى أجمعوا على مُصحفِ عثمانَ ﵁، قراءةً ورسماً.
فعربيَّتُها ثابِتةٌ قطعاً، مُقدَّمةٌ إجمالاً، وهي جهةٌ مُنفكَّةٌ عن القراءةِ بها، كما هو الحالُ في الاحتجاجِ بها على المعاني. قالَ الفرَّاءُ (١) (ت: ٢٠٧): «والكتابُ أعرَبُ وأقوى في الحُجَّةِ مِنْ الشِّعرِ» (٢)، وقالَ السيوطيّ (ت: ٩١١): «أمَّا القرآنُ فكلُّ ما وردَ أنَّه قُرِئَ به جازَ الاحتجاجُ به في العربيَّةِ؛ سواءٌ كانَ متواتراً، أم آحاداً، أم شاذّاً. وقد أطبقَ النَّاسُ على الاحتجاجِ بالقراءاتِ الشَّاذَّةِ في العربيَّةِ، إذا لم تُخالِف قياساً معروفاً، بل ولو خالَفَتْه يُحتجُّ بها في مثلِ ذلك الحرفِ بعينِه وإنْ لم يجُز القياسُ عليه .. ، وما ذكرتُه مِنْ الاحتجاجِ بالقراءةِ الشَّاذَّةِ لا أعلمُ فيه خلافاً بين النُّحاة» (٣)، وقالَ البغداديُّ (٤) (ت: ١٠٩٣): «فكلامُه عزَّ اسمُه أفصحُ كلامٍ وأبلَغُه، ويجوزُ
стр. 225
الاستشهادُ بمُتواتِرِه وشاذِّهِ» (١)، وقد سبقَ نقلُ كلامِ ابنِ جِنِّي (ت: ٣٩٢) في تأكيدِ هذا المعنى (٢).
ومِن تطبيقِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك قولُه: «وبعدُ، فأنَّ في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ .. (وقدْ تركوكَ أنْ يعبُدوك وآلِهَتَك) [الأعراف: ١٢٧] (٣) دلالَةً واضِحةً على أنَّ نصبَ ذلك على الصَّرفِ (٤)(٥)، وقولُه: «و ﴿أَنْ﴾ في قولِه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحُجُرات: ١٧] في موضِعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿يَمُنُّونَ﴾ عليها، وذُكرَ أنَّ ذلك في قراءَةِ عبدِ الله: (يمُنُّونَ عليكَ إسلامَهُمْ) [الحُجُرات: ١٧] (٦)، وذلك دليلٌ على صِحَّةِ ما قُلنا» (٧)، وقالَ عن قَولَيْن لبعضِ نُحاةِ البصرةِ: «وهذان القولانِ اللذانِ ذكرتُهُما عن البصريِّ في ذلك تدفعُهُما ما رُويَ عن ابنِ مسعودٍ وأُبيٍّ مِنْ القراءةِ» (٨).
стр. 226
المبحثُ الثّالثُ: منهجُ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني.
وفيه أربعةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني.
السُّنَّةُ لغةً: السّيرةُ والطَّريقةُ، حميدةً كانَت أو ذميمةً، ومِنه قولُه تعالى ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] (١)، وقولُ الشَّاعرِ (٢):
فلا تجزَعنْ مِنْ سيرةٍ أنتَ سِرتَها … فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يسيرُها
واصطلاحاً: ما أُثِرَ عن النَّبي ﷺ مِنْ قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، مِمَّا لم ينطِقْ به الكتابُ العزيزُ (٣). هكذا عرَّفها الأصوليّون، ويزيدُ المُحدِّثون: أو صِفةٍ خَلقيَّةٍ أو خُلُقيَّةٍ.
وذلك أنَّ الأصوليّين اعتبروا الحُجِّيَّةَ؛ فاقتصروا على ما تُستفادُ مِنه،
стр. 227
وهي الأقوالُ والأفعالُ. ويتبعُ الفعلَ: التقريرُ، والتركُ، والهَمُّ، ونحوها. كما اعتبرَ المُحدِّثونَ الرِّوايةَ والخبَرَ؛ فعمَّ تعريفُهم كُلَّ ما يتَّصلُ بحالِ رسولِ الله ﷺ . (١)
والمُرادُ بالاستدلالِ بالسُّنَّةِ على المعاني هو:
إقامَةُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.
أو: الإبانَةُ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها.
ويقرُبُ مِنْ دليلِ السنَّةِ بهذا المعنى: دليلُ سببِ النزولِ؛ لِما فيه مِنْ المُسنَدِ عن رسولِ الله ﷺ ، وكذا دليلُ النَّظائِرِ مِنْ السُّنَّةِ، وقد نصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على التفريق بينَه وبين دليلِ السُّنَّةِ عند قولِه تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقالَ: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك ما تظاهَرَتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ التي ذَكرْناها قبلُ في تأويلِه؛ وهو أنَّها: العصرُ. والذي حثَّ اللهُ تعالى ذِكرُه عليه مِنْ ذلك نظيرُ الذي رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في الحَثِّ عليه، كما حدَّثني .. » (٢)، ثُمَّ أسندَ الأحاديثَ الواردَةَ في فضلِ صلاةِ العَصرِ
стр. 228
خاصَّةً، وقالَ: «فحثَّ ﷺ على المُحافظةِ عليها حثّاً لم يحُثَّ مثلَه على غيرِها مِنْ الصلواتِ، وإن كانَتْ المُحافظةُ على جميعِها واجبةً؛ فكانَ بيِّناً بذلك أنَّ التي خصَّ اللهُ بالحثِّ على المُحافظةِ عليها بعدما عمَّ الأمرَ بها جميعَ المكتوباتِ = هي التي اتَّبَعَهُ فيها نبيُّهُ ﷺ ، فخصَّها مِنْ الحَضِّ عليها بما لم يخصُصْ به غيرَها مِنْ الصَّلواتِ» (١)، فتبيَّنَ بما سبقَ تفريقُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بين الدَّليلَيْن، وابتداءُه بدليلِ السُّنَّةِ الصَّريحِ، ثُمَّ إتباعُه بدليلِ نظيرِ معنى الآيةِ ممَّا جاءَتْ به السُّنَّةُ.
فهذه الأدلَّةُ وإن تشابهَتْ في ظاهِرِها، وتداخلَتْ في بعضِ فروعِها إلَّا أنَّ لكلِّ دليلٍ مِنها منهجُه في التّلقِّي والثُّبوتِ، وضوابطُه في الاستدلالِ، ومنزِلَتُه مِنْ الأدلَّةِ، وترتيبُه مِنها، فمِن ثَمَّ لَزِمَ تمييزُ كلِّ دليلٍ مِنها عن الآخرِ بحثاً ودراسةً.
وللسُّنَّةِ النَّبويَّةِ عدَّةُ تقسيماتٍ باعتباراتٍ مُختلفةٍ (٢)؛ يتقدَّمُها في بابِ الاستدلالِ اعتبارانِ، هُما:
الأوَّلُ: تقسيمُها باعتبارِ الثُّبوتِ إلى: مقبولٍ ومردودٍ، والمقبولُ: الصَّحيحُ والحسنُ. والمردودُ: الضَّعيفُ بمراتِبه.
الثَّاني: تقسيمُها باعتبارِ النَّقلِ إلى: مُتواترٍ وآحادٍ.
وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى هذين الاعتبارين في كثيرٍ مِنْ المواطِنِ، كما في قولِه: «فأحقُّ المُفَسِّرين بإصابَةِ الحَقِّ في تأويلِ
стр. 229
القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السَّبيلُ = أوضَحُهُم حُجَّةً فيما تأوَّلَ وفسَّرَ، مِمَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ الله ﷺ دون سائِرِ أُمَّتِه، مِنْ أخبارِ رسول الله ﷺ الثَّابتَةِ عنه؛ إمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقلِ المُستَفيضِ .. ، وإمَّا مِنْ جِهةِ نقلِ العُدُولِ الأثباتِ .. ، أو مِنْ جهةِ الدَّلالةِ المنصوبةِ على صِحَّتِه» (١)، فأشارَ إلى الثُّبوتِ، وفصَّلَ نَوْعَيْ النَّقلِ إلى: مُستفيضٍ، ونقلِ الآحادِ مِنْ العُدولِ الأثباتِ، ثُمَّ أشارَ إلى طريقِ قبولِ ما لَمْ يكُن ثابتاً مِنْ الأخبارِ. ومثلُه قولُه: «ولم يصِحَّ بشيءٍ مِنْ ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحِدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التي يجبُ التَّسليمُ لِما نَقَلَتْه» (٢).
وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالسَّنَّةِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:
النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بالسُّنَّةِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه: «وإنَّما قُلنا ذلك أَوْلى القَوْلَيْن بالصَّوابِ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ ) (٣)، وقولُه: «وبعدُ، ففي صِحَّةِ الخبرِ عنه ﷺ .. الدَّلالَةُ الواضِحةُ على أنَّ الذي قُلنا مِنْ ذلك هو الصَّحيحُ مِنْ القَوْلِ» (٤)، وقولُه: «وقد رُويَ عن رسولِ الله ﷺ بذلك خبرانِ يؤَيِّدانِ صِحَّةَ ما قُلنا في ذلك» (٥).
стр. 230
النَّوعُ الثَّاني: استدلالُه بالسَّنَّةِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومِن أمثلَتِه قولُه: «وهذا الخبرُ الذي ذَكَرْنا عن رسولِ الله ﷺ يُبَيِّنُ أنَّ القولَ الذي قالَه الحَسَنُ .. خطأٌ» (١)، وقولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وذلك دفعٌ لظاهِرِ التَّنزيلِ، وما تتابعتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٢)، وعلَّلَ ردَّ بعضَ الأقوالِ بقولِه: «وهذا خلافُ ما تظاهرَتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٣).
وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالسَّنَّةِ على المعاني (٥٢٧) موضِعاً، ونسبةُ ذلك مِنْ مجموع الأدلَّةِ (٤. ٨%).
ولا يجري في ذكرِ دليلِ السُّنَّةِ -عند إيرادِه مع الأدلَّةِ- على ترتيبٍ مُعيَّنٍ، لكنَّه في محلِّ التَّقديمِ إجمالاً، وعلى الأخصِّ ما كانَ نصّاً ثابتاً، ولا يؤَخِّرُه عن غيرِه مِنْ الأدلَّةِ إلا لعلَّةٍ على ما سيتبيَّنُ بإذنِ الله.
المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني.
تكاثرَتْ الأدلَّةُ في تقريرِ صِحَّةِ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ على المعاني القرآنيَّةِ، ولُزومِ الأخذِ بما دلَّتْ عليه فيها، وفيما يأتي بيانُها:
١ - الأدلَّةُ الدَّالَّةُ على أنَّ السُّنَّةَ وحيٌ مُنزَلٌ مِنْ عِنْدِ الله تعالى، كما في قولِه تعالى عن نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
اتِّباعِها، قالَ الشَّافعيُّ (ت: ٢٠٤): «لم أَسمعْ أحداً -نسَبَه الناسُ أو نسبَ نفسَه إلى علمٍ- يُخالفُ في أنَّ فَرْضَ اللهِ اتِّباعُ أمرِ رسولِ الله ﷺ ، والتَّسليمُ لحُكمِه» (١)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «السُّنَّةُ إذا ثبتَتْ فإنَّ المُسلمين كلُّهُم متَّفقونَ على وجوبِ اتِّباعِها» (٢)، وقالَ الشَّوكاني (ت: ١٢٥٠): «إنَّ ثُبوتَ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ المُطهَّرةِ، واستِقلالَها بتشريعِ الأحكامِ ضرورةٌ دينيَّةٌ، ولا يُخالِفُ في ذلك إلا من لا حظَّ له في الإسلامِ» (٣).
٤ - الإجماعُ على أنَّ السُّنَّةَ مُبيِّنةٌ للقُرآنِ وتفسيرٌ له، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «اتَّفقَ الصَّحابةُ والتّابعون لهم بإحسانٍ وسائِرُ أئِمَّةِ الدّينِ = أنَّ السُّنَّةَ تُفسِّرُ القرآنَ وتُبيِّنُه، وتُعبِّرُ عن مُجمَلِه» (٤)، وقالَ ابنُ الوزير (ت: ٨٤٠): «النوعُ الثالثُ: التَّفسيرُ النَّبويُّ؛ وهو مقبولٌ بالنَّصِّ والإجماعِ» (٥).
وقد نصَّ العُلماءُ على تقديمِ دليلِ السُّنَّةِ في البيانِ عن معاني القرآنِ على غيرِه مِنْ أنواعِ الأدلَّةِ عدا نَصِّ القرآنِ، كما قالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام (ت: ٢٢٤): «السُّنَّةُ هي المُفسِّرةُ للتَّنزيلِ، والموضِّحةُ لحُدودِه وشرائِعِه» (٦)، وقالَ أحمدُ بن حنبل (ت: ٢٤١): «السُّنَّةُ عندنا
стр. 233
آثارُ رسولِ الله ﷺ ، والسُّنَّةُ تُفسِّرُ القرآنَ، وهي دلائِلُ القرآن» (١)، وقالَ أبو عمروِ بن العلاءِ (ت: ١٥٤) وعبدُ الرَّحمنِ بن مهدي (ت: ١٩٨): «الحديثُ يُفسِّرُ القرآنَ» (٢)، وقالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «ورسولُ الله أعلَمُ بمعاني وحيِ الله وتنزيلِه» (٣)، وقالَ أيضاً: «ولا أحدَ أعلمُ بما عنى اللهُ ﵎ بتنزيلِه مِنه ﵇) (٤)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فإن أعياكَ ذلك -أي تفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ- فعليك بالسُّنَّةِ؛ فإنَّها شارِحةٌ للقرآنِ، وموضِّحةٌ له، بل قد قالَ الإمامُ أبو عبد الله محمدُ بن إدريسَ الشَّافعي: كلُّ ما حكمَ به رسولُ الله ﷺ فهو ممَّا فَهِمَه مِنْ القرآنِ؛ قالَ تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقالَ تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقالَ تعالى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]» (٥)، وقالَ الزَّركشي (ت: ٧٩٤): «لطالِبِ التَّفسيرِ مآخِذُ كثيرةٌ، أُمَّهاتُها أربعةٌ، الأوَّل: النَّقلُ عن رسولِ الله ﷺ ، وهذا هو الطِّرازُ الأوَّلُ» (٦).
والواقِعُ العمليُّ في كتبِ التَّفسيرِ يطابقُ ذلك الإجماعَ؛ فقد تتابعَ
стр. 234
المُفسِّرون على اعتبارِ دليلِ السُّنَّةِ في بيانِ المعاني، وتقديمِه، والاحتجاجِ به، وقد عدَّه ابنُ جُزي (ت: ٧٤١) ثانيَ موجباتِ الترجيحِ ووجوهِه بعدَ القرآنِ، فقالَ: «إذا وردَ عنه ﵇ تفسيرَ شيءٍ مِنْ القرآنِ عوَّلْنا عليه، لا سيَّما إن وردَ في الحديثِ الصَّحيحِ» (١).
٥ - أنَّ اللهَ أوجَبَ على رسولِه ﷺ تبيينَ القرآنِ للنَّاسِ قولاً وفِعلاً، فلا يحتاجونَ بعدَ بيانِه عنه إلى بيانٍ، قالَ ابنُ أبي حاتم (ت: ٣٢٧): «إنَّ الله ابتعثَ محمداً رسولَه ﷺ إلى النَّاسِ كافَّةً، وأنزلَ عليه الكتابَ تبياناً لكلِّ شيءٍ، وجَعَلَه موضِعَ الإبانةِ عنه، فقالَ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقالَ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، فكانَ رسولُ الله ﷺ هو المُبيِّنُ عن الله أمرَه، وعن كتابِه معاني ما خوطِبَ به النَّاسُ، وما أرادَ الله به، وعُنيَ فيه» (٢)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «يجبُ أن يُعلَمَ أنَّ النَّبي ﷺ بيَّنَ لأصحابِه معاني القرآنِ كما بيَّنَ لهم ألفاظَه، فقولُه تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناوَلُ هذا وهذا» (٣)، ومِن ثَمَّ لزِمَ اعتمادُ السُّنَّةِ حُجَّةً في بيانِ معاني القرآن.
٦ - أنَّ مِنْ القرآنِ ما لا يُعلَمُ معناه إلا مِنْ جِهةِ النَّبي ﷺ ، كما قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وإذَ كانَ ذلك كذلك، وكانَ الله جلَّ ذِكرُه قد أخبَرَ عبادَه أنَّه قد جعلَ القرآنَ عربيّاً، وأنَّه أُنْزِلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، ثُمَّ
стр. 235
كانَ ظاهِرُه مُحتمِلاً خُصوصاً وعُموماً، لم يكُنْ لنا السَّبيلُ إلى العلمِ بما عنى الله تعالى ذِكرُه مِنْ خُصوصِه وعُمومِه، إلا ببيانِ من جُعِلَ إليه بيانُ القرآنِ؛ وهو رسولُ الله ﷺ ) (١)، وقالَ في مبحثِ: (القولُ في الوجوهِ التي مِنْ قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرِفةِ تأويلِ القرآنِ): «فقد تبيَّنَ ببيانِ الله جلَّ ذكرُه أنَّ ممَّا أنزلَ اللهُ مِنْ القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يوصَلُ إلى عِلمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ؛ وذلك تأويلُ جميعِ ما فيهِ مِنْ وجوهِ أمرِه؛ واجِبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نَهْيِه، ووظائِفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالِغِ فرائِضِه، ومقاديرِ اللازِمِ بعضَ خلقِه لبعضٍ، وما أشبَه ذلك مِنْ أحكامِ آيِه التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ لأمَّتِه، وهذا وجهٌ لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تأويلَه» (٢).
ومِن هذا البابِ قولُ غيرِ واحدٍ مِنْ السَّلفِ: «القرآنُ أحوجُ إلى السُّنَّةِ مِنْ السُّنَّةِ إلى القرآنِ» (٣)، وقَولُ بعضِهم: «السُّنَّةُ قاضيةٌ على الكتابِ» (٤)، ورَأَى الإمامُ أحمدُ (ت: ٢٤١) تحسينَ تلك العبارةِ، فقالَ -وقد سُئِلَ عنها-: «ما أَجسرُ على هذا أن أقولَه، ولكنّي أقولُ: إنَّ السُّنَّةَ تُفسِّرُ القرآنَ وتُبيِّنُه» (٥).
٧ - أنَّ الوحيَ يُصَدِّقُ بعضُه بعضاً، والسُّنَّةُ وحيٌ كالقرآنِ، قالَ
стр. 236
تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقالَ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد قرَّرَ الشَّافعيُّ (ت: ٢٠٤) أنَّ السُّنَّةَ: «لا تُخالِفُ كتابَ الله أبداً» (١)، وقالَ: «وأَوْلى أنْ لا يشُكَّ عالمٌ في لُزومِها، وأن يَعلَمَ أنَّ أحكامَ الله ثُمَّ أحكامَ رسولِه لا تخْتَلِفُ، وأنَّها تجري على مِثالٍ واحِدٍ» (٢)، وقالَ: «كُلُّ ما سَنَّ رسولُ الله مع كتابِ الله مِنْ سُنَّةٍ فهي مُوافِقةٌ كتابَ الله؛ في النَّصِّ بمثلِه، وفي الجُملَةِ بالتَّبيينِ عن الله، والتَّبيينُ يكونُ أكثرَ تفسيراً مِنْ الجُملَةِ» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «والسُّنَّةُ أيضاً تنزِلُ عليه بالوَحيِ كما ينزِلُ القرآنُ؛ لا أنَّها تُتْلى كما يُتلى» (٤)، ومِن ثَمَّ فالسُّنَّةُ أَوْلى ما يُستشهَدُ به على معاني القرآنِ.
٨ - ورودُه في تفاسيرِ السَّلفِ، واعتمادِهم له، وأمثلتُه كثيرةٌ؛ مِنها: ما أسندَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن قتادة (ت: ١١٧)، عن أنسٍ ﵁، عن النَّبي ﷺ : «لا تسألوني عن شيءٍ إلا بيَّنتُه لكم .. » (٥)، وفي آخرِه: «وكانَ قتادةُ يذكرُ هذا الحديثَ عندَ هذه الآيةِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]» (٦)، وقولُ الرَّبيعِ بن أنس (ت: ١٣٩): «﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]: يقولُ: حتى لا يُعبَدَ إلا الله، وذلك لا إله إلا
стр. 237
اللهُ، عليه قاتلَ النَّبي ﷺ ، وإليه دعا، فقالَ النَّبي ﷺ : «إنّي أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزَّكاةَ .. » (١)(٢).
المطلبُ الثّالثُ: أوجُه الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني.
تتبيَّنُ أوجُه الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني عندَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ خِلالِ أمرَيْنِ، هُما:
١ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ السُّنَّةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
٢ - مراتِبُ دلالَةِ دليلِ السُّنَّةِ على المعاني.
وفيما يأتي بيانُهما:
الأوَّلُ: صِيَغُ إيرادِ دليلِ السُّنَّةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
يُورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ السُّنَّةِ في صيَغٍ متعدِّدَةٍ، على النَّحوِ الآتي:
أوَّلاً: التَّصريحُ بالاستدلالِ بالسُّنَّةِ، كما في قولِه: «وكذلك قولُه ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وإنْ لم يكُن مقروناً به ذِكرُ الجماعِ والمُباشرةِ والإفضاءِ؛ فقد دلَّ على أنَّ ذلك كذلك بِوَحيِه إلى رسولِ الله ﷺ ، وبيانِه ذلك على لِسانِه لعِبادِه» (٣)، وقولِه في
стр. 238
قولِه تعالى ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤]: «وهذا الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ يدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في تأويلِ ذلك، وأنَّ معناه: صالِحاتٌ في أديانِهِنَّ، مُطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، حافِظاتٌ لهُم في أنفُسِهِنَّ وأموالِهِنَّ» (١).
ثانياً: ذِكرُ الحديثِ مباشرةً على سبيلِ التدليلِ، كما في قولِه: «فإنْ قالَ: وما الدَّليلُ على أنَّهم أولاءِ الذين وصَفَهم الله، وذكرَ نبأَهم في تنزيلِه على ما وصَفتَ؟ قيلَ: حدَّثَني .. ، عن عديِّ بن حاتمٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «المغضوبُ عليهِم اليَهودُ» (٢)(٣)، وكذا استدلالُه لمعنى قولِه تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] بحديثِ عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قالَ: «سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ على المِنبَرِ: «قالَ الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: ألا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ» ثلاثاً (٤)(٥).
ثالثاً: إيرادُ الحديثِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن عبارَتِه في ذلك قولُه: «وبالذي قُلنا في ذلك قالَ جماعةٌ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، وبه الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ ؛ فلذلك اخترتُ القَولَ به على
стр. 239
غيرِه» (١)، وقولُه في قَولِه تعالى ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ من قالَ: معناه: وتحذِفونَ في مجالِسِكم المارَّةَ بكم، وتسخرونَ مِنهم؛ لِما ذكرنا مِنْ الرِّوايةِ بذلك عن رسولِ الله ﷺ ) (٢).
الثّاني: مراتِبُ دلالَةِ دليلِ السُّنَّةِ على المعاني.
أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مُقدِّمةِ تفسيرِه إلى صُوَرِ دلالَةِ السُّنَّةِ على المعاني القرآنيّةِ، وذلك بقولِه: «إنَّ ممّا أنزلَ الله مِنْ القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يُوصَلُ إلى عِلمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ .. ، وهذا وجهٌ لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تأويلَه؛ بِنَصٍّ مِنه عليه، أو بدَلالَةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه» (٣)، وهاتان الصُّورتانِ (النَّصُّ والدّلالَةُ) تشملانِ: قولَ النَّبي ﷺ ؛ وهو النَّصُّ. كما تشملُ فِعلَه وتقريرَه؛ وهُما الدّلالَةُ الدّالَّةُ لأُمَّتِه على المعنى في الآيةِ. فكُلُّ ما أُثِرَ عن النَّبي ﷺ يفيدُ في بيانِ القرآنِ الكريمِ، لكنَّ مراتبَ تلك الدّلالَةِ تنقسِمُ -بحسبِ قوَّةِ دلالتِها على المعاني- إلى قِسمين، هُما:
القسمُ الأوّل: الدَّلالةُ الصَّريحةُ على المعنى؛ وهي الدَّلالةُ النَّصِّيَّةُ التي يُطابِقُ فيها بيانُ النَّبي ﷺ لفظَ الآيةِ، سواءً ذُكِرَتْ الآيةُ في الحديثِ أو لا. وأمثِلَتُه في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيرةٌ، مِنها قولُه: «وأَوْلى القَوْلَينِ بالصَّوابِ في ذلك ما رُويَ عن ابنِ مسعودٍ .. ، إنْ لمْ يكُنْ خبرُ
стр. 240
حُذيفةَ الذي ذَكرْناه عنه عن رسولِ الله ﷺ صحيحاً، وإنْ كانَ صحيحاً فرسولُ الله ﷺ أعلَمُ بما أنزَلَ الله عليه، وليسَ لأحدٍ مع قولِه الذي يصِحُّ عنه قَولٌ» (١)، وقولُه عندَ قولِه تعالى ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]: «وقَدْ رُويَ عن رسولِ الله ﷺ بتصحيحِ قولِ من قالَ: هي الحَنْظلَةُ. خبرٌ، فإنْ صَحَّ فلا قَوْلَ يجوزُ أنْ يُقالَ غيرُه» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: «فأعلَمَ النَّبي ﷺ أمَّتَه أنَّ تلك الآيةَ التي أخبرَ الله جلَّ ثناؤُه عبادَه أنَّها إذا جاءَتْ لم ينفَعْ نفساً إيمانُها لم تكُنْ آمنَتْ مِنْ قبلِ ذلك = هي طلوعُ الشَّمسِ مِنْ مَغربِها. فإنَّ الذي كانَت بالعِبادِ إليه الحاجَةُ مِنْ عِلمِ ذلك هو العِلمُ مِنهم بوَقتِ نفعِ التَّوبةِ بصِفتِه، بغيرِ تحديدِه بعدِّ السنينِ والشُّهورِ والأيَّامِ، فقد بيَّن اللهُ ذلك لهم بدلالةِ الكِتابِ، وأَوْضَحَه لهم على لِسانِ رسولِه ﷺ مُفَسَّراً» (٣).
القسمُ الثاني: الدَّلالةُ غيرُ الصَّريحةِ على المعنى، وهي الدَّلالةُ غيرُ النَّصِّيَّةِ، والتي لا يُطابِقُ فيها الحديثُ ألفاظَ الآيةِ، لكنَّه يُفيدُ في بيانِ المعنى وترجيحِه على وجهِ العمومِ والإجمالِ، وأمثِلَتُه كثيرةٌ، مِنها قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عندَ قولِه تعالى ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]: «أخبرَ جلَّ ثناؤُه أنَّه أنزلَ على الذين وصَفْنا أمرَهُم الرِّجزَ مِنْ السَّماءِ، وجائِزٌ أن يكونَ ذلك كانَ طاعوناً، وجائِزٌ أن يكونَ
стр. 241
ذلك كانَ غيرَه، ولا دلالَةَ في ظاهرِ القرآنِ، ولا في أثرٍ عن الرسولِ ﷺ ثابتٍ أيَّ أصنافِ العذابِ كانَ ذلك. فالصَّوابُ مِنْ القولِ فيه أن يُقالَ كما قالَ جلَّ ثناؤُه: أنزلَ عليهم رِجزاً مِنْ السَّماءِ بفِسْقِهم. غيرَ أنَّه يغلِبُ على نَفسي صِحَّةُ ما قالَه ابنُ زيدٍ؛ للخبرِ الذي ذكَرتُ عن رسولِ الله ﷺ في إخبارِه عن الطَّاعونِ أنَّه رِجزٌ، وأنَّه عُذِّبَ به قومٌ قبلنا، وإن كُنْتُ لا أقولُ إنَّ ذلك كانَ يقيناً؛ لأنَّ الخبرَ عن رسولِ الله ﷺ لا بَيانَ فيه أيُّ أُمَّةٍ عُذِّبَتْ بذلك، وقد يجوزُ أن يكونَ الذين عُذِّبوا به كانوا غيرَ الذين وصَفَ اللهُ صِفتَهُم في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: ألْهاكُم أيُّها النَّاسُ المُباهاةُ بكَثْرَةِ المالِ والعَدَدِ عن طاعةِ ربَّكم، وعمَّا يُنجيكم مِنْ سَخطِه عليكم. وبنَحوِ الذي قُلْنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ .. ، ورُوِيَ عن النَّبي ﷺ كلامٌ يدُلُّ على أنَّ معناه التَّكاثُرُ بالمالِ» (٢)، ثُمَّ أسنَدَ حديثَيْن في معنى ذلك، ولم يذهَبْ إلى ما فيهِما مِنْ التَّخصيصِ. ومثلُ ذلك قولُه: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ هذه الآيةِ عندي، أعْني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أن يكونَ معنيّاً به: وفِّقنا للثباتِ على ما ارتضَيْتَه ووَفَّقْتَ له من أنْعمتَ عليه مِنْ عِبادِك؛ مِنْ قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراطُ المُستقيمُ .. ، وقد اختلَفَ تراجِمَةُ القرآنِ في المَعنيِّ بالصِّراطِ المُستقيمِ، يشملُ معانيَ جميعِهم في ذلك ما أخبَرْنا مِنْ التَّأويلِ فيه. ومِمَّا قالَتْه في ذلك ما رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁،
стр. 242
عن النَّبي ﷺ أنَّه قالَ، وذَكَرَ القرآنَ، فقالَ: «هو الصِّراطُ المُستقيمُ» (١)(٢).
المطلبُ الرّابع: ضوابطُ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ على المعاني ومسائِلُه.
أوَّلاً: حدَّدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) نوعَ ما بيَّنَه رسولُ الله ﷺ لأمَّتِه مِنْ القرآنِ الكريمِ، فقالَ: «مِنْ تأويلِ القرآنِ ما لا يُدرَكُ عِلمُه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ؛ وذلك تفصيلُ جُمَلِ ما في آيِه، مِنْ أمرِ الله ونَهيِه، وحلالِه وحرامِه، وحدودِه وفرائِضِه، وسائِرِ معاني شرائِعِ دينِه، الذي هو مُجمَلٌ في ظاهِرِ التَّنزيلِ، وبالعِبادِ إلى تفسيرِه الحاجةُ» (٣)، وبيَّنَ وجوبَ الأخذِ به، وتحريمَ رَدِّه بقولِه: «وهذا وجهٌ لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تأويلَه؛ بِنَصٍّ مِنه عليه، أو بدَلالَةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه» (٤)، فما نَصَّ عليه يجبُ الأخذُ به، وما دلَّ على المُرادِ مِنه بدلالةٍ غيرِ نصِّيَّةٍ؛ مِنْ فعلِه أو تقريرِه فلا يجوزُ رَدُّه، على ما سيأتي إيضاحُه مِنْ مسائِلَ بإذنِ الله.
стр. 243
ثانياً: مقدارُ ما بيَّنَته سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ مِنْ القرآنِ كثيرٌ جِدّاً، وقد نصَّ على ذلك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بقولِه: «ولو كانَ تأويلُ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه كانَ لا يُفسِّرُ مِنْ القرآنِ شيئاً إلا آياً بعدَدٍ- هو ما يسبِقُ إليه أَوهامُ أهلِ الغباءِ مِنْ أنَّه: لم يكُن يُفسِّرُ مِنْ القرآنِ إلا القليلَ مِنْ آيِه، واليَسيرَ مِنْ حُروفِه = كانَ إنَّما أُنْزِلَ إليه الذِّكرُ ليَترُكَ للنّاسِ بيانَ ما نُزِّلَ إليهِم، لا ليُبَيِّنَ لهم ما أُنْزِلَ إليهِم» (١)، ثُمَّ استدلَّ لذلك بقولِه: «وفي أمرِ الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ ببلاغِ ما أَنزلَ إليه، وإعلامِه إيّاه أنَّه إنَّما نزَّلَ إليه ما أنزلَ ليُبيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهِم، وقيامِ الحُجَّةِ على أنَّ النَّبي ﷺ قد بلَّغَ وأدّى ما أُمرَه اللهُ ببلاغِه وأدائِه على ما أمرَه به، وصِحَّةِ الخبرِ عن عبد الله بن مسعودٍ بقيلِه: كانَ الرَّجلُ مِنّا إذا تعلَّمَ عشرَ آياتٍ لم يُجاوِزْهنَّ حتى يعلَمَ معانيَهنَّ والعملَ بِهنَّ = ما يُنبئُ عن جهلِ من ظنَّ أو توهَّمَ أنَّ معنى الخبرِ الذي ذَكَرنا عن عائِشَةَ، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّه لم يكُنْ يُفسِّرُ مِنْ القرآنِ شيئاً إلا آياً بعدَدٍ. هو: أنَّه لم يكُنْ يُبيِّنُ لأمَّتِه مِنْ تأويلِه إلا اليَسيرَ القليلَ مِنه. هذا مَعَ ما في الخبرِ الذي رُويَ عن عائِشةَ مِنْ العلَّةِ التي في إسنادِه التي لا يجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ مِمَّنْ علِمَ صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسدَها في الدِّينِ» (٢).
ثالثاً: يجِدُ المُطالِعُ لمجموعِ كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن الأحاديثِ النَّبويَّةِ بياناً دقيقاً عن ضوابِطِ قبولِ الأخبارِ ورَدِّها، كما أكَّدَتْ تطبيقاتُه تلك الضوابطَ بوضوحٍ؛ فقد بلغَتْ الأحاديثُ التي
стр. 244
صحَّحها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه (١٣٨) حديثاً، كما بلغَتْ الأحاديثُ التي ضَعَّفها (٤٦) حديثاً، وفي نقدِ الأسانيدِ والمتونِ وبيانِ العِلَلِ تعرَّضَ ل (٢٠) حديثاً، ومِن خلالِ ذلك يُمكنُ تحديدُ ضوابطَ قَبولِ الأخبارِ ورَدِّها، وهي:
١ - الخبرُ المقبولُ هو الصَّحيحُ الثَّابتُ عن رسولِ الله ﷺ ؛ وذلك ما اجتمعتْ فيه ثلاثةُ شُروطٍ:
الأوَّل: أن يكونَ راويه ثقةً؛ معروفاً بعدالتِه، مُعتَمَداً عندَ أهلِ الآثارِ في روايتِه ونَقلِه، وحفظِه وإتقانِه، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن بعضِ الأقوالِ: «كرِهْنا ذِكرَ الذي حُكيَ ذلك عنه؛ إذْ كانَ الذي رواه مِمَّنْ لا يُعتَمَدُ على روايتِه ونَقْلِه» (١)، وقولِه: «هذا مَعَ ما في الخبرِ الذي رُويَ عن عائِشةَ مِنْ العلَّةِ التي في إسنادِه التي لا يجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ مِمَّنْ علِمَ صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسدَها في الدِّين؛ لأنَّ راويَه مِمَّنْ لا يُعرَفُ في أهلِ الآثارِ». (٢)
الثَّاني: أن يسمعَه راويه عن مِثلِه، ويتَّصِلَ بهم السَّندُ مِنْ أوَّلِه إلى مُنتهاه، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «هذا خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ؛ فإنَّ سعيداً غيرُ معلومٍ له سماعٌ مِنْ سَلْمانَ» (٣)، وقولِه: «رُويَ جميعُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وليسَتْ الروايةُ به عنه مِنْ رِوايَةِ من يجوزُ
стр. 245
الاحتجاجُ بنَقْلِه؛ وذلك .. ، أنَّ الذي رَوى عنه أنَّ اللسانَيْن الآخَرَيْن: لسانُ قريشٍ وخُزاعةَ = قتادةُ، وقتادةُ لم يَلْقَه، ولم يَسمَعْ مِنه». (١)
الثَّالثُ: أنْ يُؤَدِّيَه كما سَمِعَه مِنْ غيرِ شُذوذٍ، ولا عِلَّةٍ قادِحةٍ، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «هذا خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ .. ، والثِّقاتُ مِنْ أهلِ الآثارِ يَقِفونَ هذا الكلامَ على سلْمانَ، ويَرْوونَه عنه مِنْ قِيلِه غيرَ مرفوعٍ إلى النَّبي ﷺ ، والحُفَّاظُ الثِّقاتُ إذا تتابعوا على نقلِ شيءٍ بِصِفَةٍ، فخالَفَهُم واحِدٌ مُنفَرِدٌ وليسَ له حِفظُهُم = كانَتْ الجَماعةُ الأَثْباتُ أحَقُّ بِصِحَّةِ ما نَقَلوا مِنْ الفَرْدِ الذي ليسَ له حِفظُهُم» (٢)، وقولِه: «وأَوْلى القَوْلين في ذلك بالصَّوابِ ما رُويَ عن رسولِ الله ﷺ إنْ كانَ صحيحاً، ولا أعْلَمُه صحيحاً؛ لأنَّ الثِّقاتَ الذين يُعتَمَدُ على حِفظِهِم وإتقانِهِم حدَّثوا بهذا الحديثِ عن الثَّوري فوَقَفوه على عبدِ الله بن عمرٍو ولَم يَرفعوه». (٣)
٢ - ومتى اختلَّ شرطٌ مِنْ الشروطِ الثَّلاثةِ السَّابِقةِ كانَ الخبرُ مردوداً؛ وذلك هو الحديثُ الضَّعيفُ بمراتِبِه: كالذي اشتدَّ ضعفُه، والمكذوبُ. وبأَوْصافِه: كالشَّاذِّ، والمُنكرِ، والمُرسلِ، والمنقطعِ، ونحوِها.
رابعاً: أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) صِفةَ الخبرِ (المُتواتِرِ)، وحُكمَه،
стр. 246
ومَنزِلَتَه مِنْ الأخبارِ، في عددٍ مِنْ المواضِعِ، وجُملةُ الأوصافِ التي ذكرها هي:
١ - الاستفاضةُ، والتَّواتُرُ، ونقلُ العامَّةِ. (١)
٢ - مجيئُه مِنْ وجهٍ يمتنعُ مِنه التشاغُبُ والتخالُفُ. (٢)
٣ - وبِلا تواطُؤٍ في نَقْلِه. (٣)
٤ - ويستحيلُ فيه الكذِبُ، والخَطَأُ، والسَّهوُ. (٤)
٥ - ويوجِبُ التَّسليمَ بما فيه، ويقطعُ العُذرَ، وتقومُ به الحُجَّةُ قطعاً. (٥)
وما عدا ذلك مِنْ الأخبارِ فهو (الآحادِ)، وذكرَ له مِنْ الأوصافِ ما يأتي:
١ - ينقُلُه الآحادُ؛ وهُم من دونَ حَدِّ التَّواتُرِ والاستفاضَةِ العامَّةِ. (٦)
٢ - أنَّ صِحَّةَ سندِه، وصِدقَ خبرِه، وعدالةَ راويهِ = توجِبُ العِلْمَ. (٧)
стр. 247
ومِن عِبارَةِ ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) في بيانِ (التَّواترِ والآحادِ) قولُه: «ولا خبرَ بذلك عن رسولِ الله ﷺ تثبُتُ حُجَّتُه مِنْ جِهةِ النَّقلِ المُستَفيضِ، ولا مِنْ جِهةِ نقلِ الواحِدِ العدْلِ» (١)، وقولُه: «والخَبَرُ عمّا قد مضى وما قد سَلَفَ لا يُدرَكُ عِلمُ صِحَّتِه إلا بمجيئِه مَجيئاً يَمتَنِعُ مِنه التَّشاغُبُ والتَّواطؤُ، ويستحيلُ فيه الكذِبُ والخطأُ والسَّهوُ» (٢).
وقد نصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على قبولِ خبرِ الواحِدِ وحُجِّيَّتِه إذا اجتمعتْ فيه شروطُ الخبرِ المَقبولِ الثَّلاثةُ السابِقُ ذِكرُها، كما بيَّنَ بطلانَ رأيِ من لا يقبلُ مِنْ الأخبارِ إلا المتواتِرَ، ومِن عِبارَتِه في ذلك قولُه: «وقد زَعَمَ بعضُ من لا يُصدِّقُ بالآثارِ، ولا يقبلُ مِنْ الأخبارِ إلا ما استفاضَ به النَّقلُ مِنْ العَوامِّ .. ، وهذا قولٌ خلافُ ما تظاهرَتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٣)، وقد أوجَزَ رأيَه ذلك في كتابِه (التبصيرُ في معالِمِ الدّين) بقولِه: «فإن كانَ الخبرُ الوارِدُ بذلك خبراً تقومُ به الحُجَّةُ مقامَ المُشاهدَةِ والسَّماعِ = وَجَبَت الدَّيْنونَةُ على سامِعِه بحَقيقَتِه في الشَّهادةِ عليه بأنَّ ذلك جاءَ به الخبرُ، نحوَ شهادتِه على حقيقةِ ما عايَنَ وسَمِعَ. وإنْ كانَ الخبرُ الوارِدُ خبراً لا يقطعُ مَجيئُه العُذرَ، ولا يُزيلُ الشَّكَّ غيرَ أنَّ ناقِلَه مِنْ أهلِ الصِّدقِ والعدالَةِ = وَجَبَ على سامِعِه تصديقُه في خَبَرِه في الشَّهادَةِ عليه بأنَّ ما أخبَرَه به كما أخبَرَه، كقَولِنا في أخبارِ الآحادِ العُدولِ» (٤).
стр. 248
خامساً: إذا ثبتَ الحديثُ، وكانَ نَصّاً، وسَلِمَ مِنْ المُعارِضِ الرَّاجحِ = لا يُصارُ إلى غيره، وقد أكَّدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه، كما في قولِه عن حديثِ النَّبي ﷺ : «وليسَ لأحدٍ مع قولِه الذي يصِحُّ عنه قَولٌ» (١)، وقولِه عندَ قولِه تعالى ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]: «وقَدْ رُويَ عن رسولِ الله ﷺ بتصحيحِ قولِ مَنْ قالَ: هي الحَنْظلَةُ. خبرٌ، فإنْ صَحَّ فلا قَوْلَ يجوزُ أنْ يُقالَ غيرُه» (٢)، وقولِه أيضاً: «غيرَ أنَّه قد رُويَ عن النَّبي ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبرانِ؛ لو ثَبَتا أو أحدُهُما كانَ القَولُ به في تأويلِ ذلك هو الصَّوابُ» (٣)، وقالَ بعدَ أن أَورَدَ بعضاً مِنْ أحاديثِ وجوبِ العُمرةِ: «هذه أخبارٌ لا يثبُتُ بمِثلِها في الدّينِ حُجَّةٌ؛ لِوَهْي أسانيدِها، وأنَّها مع وَهْي أسانيدِها لها مِنْ الأخبارِ أشكالٌ تُنبئُ عن أنَّ العُمرَةَ تطوّعٌ، لا فرضٌ واجِبٌ» (٤).
ويُلاحظُ في تلك النُّصوصِ اشتراطُ صِحَّةِ النَّقلِ، وصراحَةِ الدَّلالَةِ لوجوبِ الأخذِ بدليلِ السُّنَّةِ، وتحريمِ مُخالَفَتِه، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عباراتٌ أُخَرُ في وجوبِ الأخذِ بمُطلَقِ الحديثِ الوارِدِ في معنى الآيةِ، وهي محمولَةٌ على ما جمعَ هذين الوَصفَيْن، كما هو واضِحٌ مِنْ منهجِه في ذلك، ومِنه قولُه: «ولو لم يكُنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ الله ﷺ لكانَ الواجِبُ مِنْ القَولِ فيه ما قُلْنا» (٥)، وقولُه:
стр. 249
«وهذا مَذهبٌ مِمّا يحتَمِلُه ظاهِرُ التَّنزيلِ لولا الخبرُ الذي ذكَرْتُه عن النَّبي ﷺ .. ؛ فإنَّ اتِّباعَ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أَوْلى بِنا مِنْ غيرِه» (١).
وقد نصَّ العلماءُ كذلك على وجوبِ الأخذِ بدليلِ السُّنَّةِ (الصَّحيحِ الصَّريحِ) في الدَّلالَةِ على المعنى؛ قالَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): «وبعدَ تفسيرِ النَّبي ﷺ فلا تفسيرَ، وليسَ للمُتعرِّضِ إلى غيرِه إلا النَّكيرُ» (٢)، وقالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «إذا وَرَدَ عن النَّبي ﷺ وثَبَتَ عنه نَصٌّ في شيءٍ لا يحتمِلُ التَّأويلَ = كانَ الوقوفُ عندَه» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «ومِمَّا ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ القرآنَ والحديثَ إذا عُرِفَ تفسيرُه مِنْ جِهَةِ النَّبي ﷺ لم يُحتَجْ في ذلك إلى الاستدلالِ بأقوالِ أهلِ اللغةِ ولا غيرِهم» (٤).
سادساً: دليلُ السُّنَّةِ بتلك الصِّفةِ مُقدَّمٌ مُطلقاً؛ ولو قَوِيَ القولُ الآخرُ، أو تقارَبَت الأقوالُ في الصِّحَّةِ، ومِن شواهِدِ ذلك قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عندَ قولِه تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصَّوابِ ما رُوِيَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ أنَّهم أهلُ اليمنِ؛ قومُ أبي موسى الأشعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِيَ في ذلك عن رسولِ الله ﷺ بالخبرِ الذي رُوِيَ عنه، ما كانَ القَولُ عِندي في ذلك إلا قولَ من قالَ: هُمْ أبو بكرٍ
стр. 250
وأصحابُه؛ وذلك أنَّه لم يُقاتِلْ قوماً كانوا أظهروا الإسلامَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثُمَّ ارتَدّوا على أعْقابِهم كُفّاراً = غيرُ أبي بكرٍ ومَن كانَ معَه ممَّن قاتَلَ أهلَ الرِّدَّةِ معَه بعدَ رسولِ الله ﷺ ، ولكنّا ترَكْنا القَولَ في ذلك للخبرِ الذي رُوِيَ فيه عن رسولِ الله ﷺ ؛ أنْ كانَ ﷺ مَعدِنَ البَيانِ عن تأويلِ ما أنزلَ الله مِنْ وَحيِه وآيِ كِتابِه» (١)، وقولُه: «وهذا القَولُ الذي ذكَرْناه عن عَلْقمةَ والشَّعبيِّ ومَن ذكَرْنا ذلك عنه = قَولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ مِنْ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ بِخِلافِه؛ ورسولُ الله ﷺ أَعلَمُ بمعاني وَحيِ الله وتَنزيلِه» (٢)، وقولُه عن قَولٍ لابنِ عباسٍ ﵁: «وهذا قَولٌ غيرُ بعيدٍ مِنْ الحَقِّ، غيرَ أنَّ الصَّحيحَ مِنْ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ .. ، والتَّسليمُ لخبَرِ رسولِ الله ﷺ أَوْلى مِنْ التَّسليمِ لغَيرِه» (٣).
سابعاً: الإجماعُ الثابتُ، ونصُّ الكتابِ، مقدَّمانِ على دليلِ السُّنَّةِ، ولا يتقدَّمُ السُّنَّةَ الثَّابتةَ غيرُهما؛ وذلك أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، وهو أصلُ الأدلَّةِ كما سبَقَ بيانُه في دليلِ القرآنِ (٤)، والإجماعُ الثَّابتُ أقطعُ الأدلَّةِ في إفادةِ المعنى، ولذلك يُقدِّمُه العُلماءُ في الذِّكرِ عند الاستدلالِ (٥).