← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومَنزِلَتَه مِنْ الأخبارِ، في عددٍ مِنْ المواضِعِ، وجُملةُ الأوصافِ التي ذكرها هي: ١ - الاستفاضةُ، والتَّواتُرُ، ونقلُ العامَّةِ. (١) ٢ - مجيئُه مِنْ وجهٍ يمتنعُ مِنه التشاغُبُ والتخالُفُ. (٢) ٣ - وبِلا تواطُؤٍ في نَقْلِه. (٣) ٤ - ويستحيلُ فيه الكذِبُ، والخَطَأُ، والسَّهوُ. (٤) ٥ - ويوجِبُ التَّسليمَ بما فيه، ويقطعُ العُذرَ، وتقومُ به الحُجَّةُ قطعاً. (٥) وما عدا ذلك مِنْ الأخبارِ فهو (الآحادِ)، وذكرَ له مِنْ الأوصافِ ما يأتي: ١ - ينقُلُه الآحادُ؛ وهُم من دونَ حَدِّ التَّواتُرِ والاستفاضَةِ العامَّةِ. (٦) ٢ - أنَّ صِحَّةَ سندِه، وصِدقَ خبرِه، وعدالةَ راويهِ = توجِبُ العِلْمَ. (٧)

стр. 247

ومِن عِبارَةِ ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) في بيانِ (التَّواترِ والآحادِ) قولُه: «ولا خبرَ بذلك عن رسولِ الله ﷺ تثبُتُ حُجَّتُه مِنْ جِهةِ النَّقلِ المُستَفيضِ، ولا مِنْ جِهةِ نقلِ الواحِدِ العدْلِ» (١)، وقولُه: «والخَبَرُ عمّا قد مضى وما قد سَلَفَ لا يُدرَكُ عِلمُ صِحَّتِه إلا بمجيئِه مَجيئاً يَمتَنِعُ مِنه التَّشاغُبُ والتَّواطؤُ، ويستحيلُ فيه الكذِبُ والخطأُ والسَّهوُ» (٢). وقد نصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على قبولِ خبرِ الواحِدِ وحُجِّيَّتِه إذا اجتمعتْ فيه شروطُ الخبرِ المَقبولِ الثَّلاثةُ السابِقُ ذِكرُها، كما بيَّنَ بطلانَ رأيِ من لا يقبلُ مِنْ الأخبارِ إلا المتواتِرَ، ومِن عِبارَتِه في ذلك قولُه: «وقد زَعَمَ بعضُ من لا يُصدِّقُ بالآثارِ، ولا يقبلُ مِنْ الأخبارِ إلا ما استفاضَ به النَّقلُ مِنْ العَوامِّ .. ، وهذا قولٌ خلافُ ما تظاهرَتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٣)، وقد أوجَزَ رأيَه ذلك في كتابِه (التبصيرُ في معالِمِ الدّين) بقولِه: «فإن كانَ الخبرُ الوارِدُ بذلك خبراً تقومُ به الحُجَّةُ مقامَ المُشاهدَةِ والسَّماعِ = وَجَبَت الدَّيْنونَةُ على سامِعِه بحَقيقَتِه في الشَّهادةِ عليه بأنَّ ذلك جاءَ به الخبرُ، نحوَ شهادتِه على حقيقةِ ما عايَنَ وسَمِعَ. وإنْ كانَ الخبرُ الوارِدُ خبراً لا يقطعُ مَجيئُه العُذرَ، ولا يُزيلُ الشَّكَّ غيرَ أنَّ ناقِلَه مِنْ أهلِ الصِّدقِ والعدالَةِ = وَجَبَ على سامِعِه تصديقُه في خَبَرِه في الشَّهادَةِ عليه بأنَّ ما أخبَرَه به كما أخبَرَه، كقَولِنا في أخبارِ الآحادِ العُدولِ» (٤).

стр. 248

خامساً: إذا ثبتَ الحديثُ، وكانَ نَصّاً، وسَلِمَ مِنْ المُعارِضِ الرَّاجحِ = لا يُصارُ إلى غيره، وقد أكَّدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ مِنْ تفسيرِه، كما في قولِه عن حديثِ النَّبي ﷺ : «وليسَ لأحدٍ مع قولِه الذي يصِحُّ عنه قَولٌ» (١)، وقولِه عندَ قولِه تعالى ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]: «وقَدْ رُويَ عن رسولِ الله ﷺ بتصحيحِ قولِ مَنْ قالَ: هي الحَنْظلَةُ. خبرٌ، فإنْ صَحَّ فلا قَوْلَ يجوزُ أنْ يُقالَ غيرُه» (٢)، وقولِه أيضاً: «غيرَ أنَّه قد رُويَ عن النَّبي ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبرانِ؛ لو ثَبَتا أو أحدُهُما كانَ القَولُ به في تأويلِ ذلك هو الصَّوابُ» (٣)، وقالَ بعدَ أن أَورَدَ بعضاً مِنْ أحاديثِ وجوبِ العُمرةِ: «هذه أخبارٌ لا يثبُتُ بمِثلِها في الدّينِ حُجَّةٌ؛ لِوَهْي أسانيدِها، وأنَّها مع وَهْي أسانيدِها لها مِنْ الأخبارِ أشكالٌ تُنبئُ عن أنَّ العُمرَةَ تطوّعٌ، لا فرضٌ واجِبٌ» (٤). ويُلاحظُ في تلك النُّصوصِ اشتراطُ صِحَّةِ النَّقلِ، وصراحَةِ الدَّلالَةِ لوجوبِ الأخذِ بدليلِ السُّنَّةِ، وتحريمِ مُخالَفَتِه، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عباراتٌ أُخَرُ في وجوبِ الأخذِ بمُطلَقِ الحديثِ الوارِدِ في معنى الآيةِ، وهي محمولَةٌ على ما جمعَ هذين الوَصفَيْن، كما هو واضِحٌ مِنْ منهجِه في ذلك، ومِنه قولُه: «ولو لم يكُنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ الله ﷺ لكانَ الواجِبُ مِنْ القَولِ فيه ما قُلْنا» (٥)، وقولُه:

стр. 249

«وهذا مَذهبٌ مِمّا يحتَمِلُه ظاهِرُ التَّنزيلِ لولا الخبرُ الذي ذكَرْتُه عن النَّبي ﷺ .. ؛ فإنَّ اتِّباعَ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أَوْلى بِنا مِنْ غيرِه» (١). وقد نصَّ العلماءُ كذلك على وجوبِ الأخذِ بدليلِ السُّنَّةِ (الصَّحيحِ الصَّريحِ) في الدَّلالَةِ على المعنى؛ قالَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): «وبعدَ تفسيرِ النَّبي ﷺ فلا تفسيرَ، وليسَ للمُتعرِّضِ إلى غيرِه إلا النَّكيرُ» (٢)، وقالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «إذا وَرَدَ عن النَّبي ﷺ وثَبَتَ عنه نَصٌّ في شيءٍ لا يحتمِلُ التَّأويلَ = كانَ الوقوفُ عندَه» (٣)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «ومِمَّا ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ القرآنَ والحديثَ إذا عُرِفَ تفسيرُه مِنْ جِهَةِ النَّبي ﷺ لم يُحتَجْ في ذلك إلى الاستدلالِ بأقوالِ أهلِ اللغةِ ولا غيرِهم» (٤). سادساً: دليلُ السُّنَّةِ بتلك الصِّفةِ مُقدَّمٌ مُطلقاً؛ ولو قَوِيَ القولُ الآخرُ، أو تقارَبَت الأقوالُ في الصِّحَّةِ، ومِن شواهِدِ ذلك قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عندَ قولِه تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصَّوابِ ما رُوِيَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ أنَّهم أهلُ اليمنِ؛ قومُ أبي موسى الأشعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِيَ في ذلك عن رسولِ الله ﷺ بالخبرِ الذي رُوِيَ عنه، ما كانَ القَولُ عِندي في ذلك إلا قولَ من قالَ: هُمْ أبو بكرٍ

стр. 250

وأصحابُه؛ وذلك أنَّه لم يُقاتِلْ قوماً كانوا أظهروا الإسلامَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثُمَّ ارتَدّوا على أعْقابِهم كُفّاراً = غيرُ أبي بكرٍ ومَن كانَ معَه ممَّن قاتَلَ أهلَ الرِّدَّةِ معَه بعدَ رسولِ الله ﷺ ، ولكنّا ترَكْنا القَولَ في ذلك للخبرِ الذي رُوِيَ فيه عن رسولِ الله ﷺ ؛ أنْ كانَ ﷺ مَعدِنَ البَيانِ عن تأويلِ ما أنزلَ الله مِنْ وَحيِه وآيِ كِتابِه» (١)، وقولُه: «وهذا القَولُ الذي ذكَرْناه عن عَلْقمةَ والشَّعبيِّ ومَن ذكَرْنا ذلك عنه = قَولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ مِنْ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ بِخِلافِه؛ ورسولُ الله ﷺ أَعلَمُ بمعاني وَحيِ الله وتَنزيلِه» (٢)، وقولُه عن قَولٍ لابنِ عباسٍ ﵁: «وهذا قَولٌ غيرُ بعيدٍ مِنْ الحَقِّ، غيرَ أنَّ الصَّحيحَ مِنْ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ .. ، والتَّسليمُ لخبَرِ رسولِ الله ﷺ أَوْلى مِنْ التَّسليمِ لغَيرِه» (٣). سابعاً: الإجماعُ الثابتُ، ونصُّ الكتابِ، مقدَّمانِ على دليلِ السُّنَّةِ، ولا يتقدَّمُ السُّنَّةَ الثَّابتةَ غيرُهما؛ وذلك أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، وهو أصلُ الأدلَّةِ كما سبَقَ بيانُه في دليلِ القرآنِ (٤)، والإجماعُ الثَّابتُ أقطعُ الأدلَّةِ في إفادةِ المعنى، ولذلك يُقدِّمُه العُلماءُ في الذِّكرِ عند الاستدلالِ (٥).

стр. 251

وقد جرى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في جميعِ ما اجتمعَتْ فيه تلك الأدلَّةُ على ذلك التَّرتيبِ، ومِن ذلك قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وذلك إنْ قالوه خرجَ من قالَه مِنْ قيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالَفَ نَصَّ كتابِ الله تعالى ذِكرُه، وقولَ رسولِ الله ﷺ ) (١)، وقولُه: «وعلى كلِّ ما قُلنا مِنْ ذلك الأُمَّةُ مُجمعةٌ، وقد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ بذلك خبرٌ» (٢)، وقولُه عن حُكمِ القراءَةِ خلفَ الإمامِ عندَ قولِه تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «فالإنصاتُ خلفَه لقراءتِه واجبٌ على مَنْ كانَ به مُؤتمّاً سامِعاً قراءَتَه؛ بعُمومِ ظاهِرِ القرآنِ، والخبرِ عن رسولِ الله ﷺ ) (٣). وتُقدَّمُ السُّنَّةُ الثّابتةُ فيما عدا ذلك كما مرَّ في المسائِلِ السابقةِ، وكما في قولِه عندَ قولِه تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]: «وأَوْلى التَّأويلَيْن بالصَّوابِ في ذلك قولُ من قالَ في ذلك: هُنَّ الصَّلواتُ الخَمسُ؛ لصِحَّةِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ ، وتواتُرِها عنه .. ، وأنَّ ذلك في سياقِ أمرِ الله بإقامةِ الصَّلواتِ» (٤)، فقدَّمَ دليلَ السُّنَّةِ الثّابتِ على عمومِ اللَّفظِ. ثامِناً: ما كانَ مِنْ أدلَّةِ السُّنَّةِ (غيرَ صَريحٍ) في الدَّلالَةِ على المعنى

стр. 252

فيُفيدُ في الاستشهادِ على المعاني، ولا يلزمُ المَصيرَ إليه، وقد يتقدَّمُه غيرُه مِنْ الأدلَّةِ، وهذا واضِحٌ مِنْ صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، حيثُ يذكرُ الحديثَ مِنْ ضِمنِ أدلَّةِ الأقوالِ، ولا يصيرُ إليه دونَ غيرِه، ويؤخِّرُ دليلَ السُّنَّةِ أحياناً؛ لعدمِ صراحتِه في كُلِّ ذلك، ومِنه قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]: «فالصَّوابُ مِنْ القولِ فيه أن يُقالَ كما قالَ جلَّ ثناؤُه: أنزلَ عليهم رِجزاً مِنْ السَّماءِ بفِسْقِهم. غيرَ أنَّه يغلِبُ على نَفسي صِحَّةُ ما قالَه ابنُ زيدٍ؛ للخبرِ الذي ذكَرتُ عن رسولِ الله ﷺ في إخبارِه عن الطَّاعونِ أنَّه رِجزٌ، وأنَّه عُذِّبَ به قومٌ قبلنا، وإن كُنْتُ لا أقولُ إنَّ ذلك كانَ يقيناً؛ لأنَّ الخبرَ عن رسولِ الله ﷺ لا بَيانَ فيه أيُّ أُمَّةٍ عُذِّبَتْ بذلك، وقد يجوزُ أن يكونَ الذين عُذِّبوا به كانوا غيرَ الذين وصَفَ اللهُ صِفتَهُم في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]» (١)، وفي بيانِ قولِه تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] ذكرَ ثمانيةَ أقوالٍ، واستشهدَ لبعضِها بقولِه: «وتظاهرَتْ الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قالَ: «الكَمْأَةُ مِنْ المَنِّ، وماؤها شفاءٌ للعَينِ» (٢) (٣)، وذكرَه في أواخِرِ الأقوالِ في معنى الآيةِ، ولم يُقدِّمه على غيرِه في الاختيارِ، أو يَرُدّ ما خالَفَه. تاسعاً: لا يجوزُ أن يُنسَبَ إلى النَّبي ﷺ على سبيلِ الجَزمِ إلا ما

стр. 253

ثَبَت، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وغيرُ جائِزٍ أن يُضافَ إلى النَّبي ﷺ قِيلُ ذلك؛ لأنَّ الأخبارَ التي جاءَتْ بذلك عن رسولِ الله ﷺ واهيَةُ الأسانيدِ؛ لا يجوزُ الاحتجاجُ بها في الدِّينِ» (١)، وقالَ عندَ قولِه تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]: «غيرُ جائِزٍ لأحَدٍ أن يقولَ: عَنى الله بالكلماتِ اللواتي ابتلى بهنَّ إبراهيمَ شيئاً مِنْ ذلك بعَيْنِه دونَ شيءٍ، ولا عَنى به كُلَّ ذلك = إلا بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها؛ مِنْ خبَرٍ عن الرسولِ ﷺ ، أو إجماعٍ مِنْ الحُجَّةِ، ولم يَصِحَّ بشيءٍ مِنْ ذلك خبرٌ عن الرَّسولِ بنقلِ الواحِدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التي يجبُ التَّسليمُ لِما نَقلَتْه» (٢). عاشراً: أخبارُ النَّبي ﷺ الثابتةُ عنه لا تتعارَضُ، والتأليفُ بين ما ظاهِرُه التعارُضُ مِنها لازِمٌ، وعلى ذلك جرى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، ومِن ذلك قَولُه: «فإذْ كانَ كِلا الخَبَرَيْن صحيحاً مَخرَجُهُما، فواجِبٌ التَّصديقُ بهما، وتوجيهُ كلِّ واحِدٍ مِنهما إلى الصَّحيحِ مِنْ وَجهٍ» (٣)، وقولُه: «غيرُ جائِزٍ في أخبارِ رسولِ الله ﷺ أن يكونَ بعضُها دافعاً بعضاً إذا ثبتَ صِحَّتُها» (٤)، وقالَ في قولِه تعالى ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]: «غيرُ جائِزٍ أن يكونَ في أخبارِ الله أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يدفعُ بعضُه بعضاً، فإذْ كانَ صحيحاً وعدُ الله مَنْ جاءَ

стр. 254

مِنْ عِبادِه المؤمنين بالحَسَنةِ مِنْ الجَزاءِ عشرَ أمثالِها، ومَن جاءَ بالحَسَنةِ مِنهم أنْ يُضاعِفَها له، وكانَ الخَبَرانِ اللذان ذَكَرْناهُما عنه ﷺ صحيحَيْن = كانَ غيرَ جائِزٍ إلا أنْ يكونَ أحدُهما مُجْمَلاً، والآخَرُ مُفَسَّراً؛ إذْ كانَت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً» (١). كما بيَّنَ أنَّ اعتقادَ تعارُضِ ما ثبتَتْ به السُّنَّةُ هو من ظَنِّ أهلِ الجَهلِ، وذلك في قولِه: «فقد تبيَّنَ إذن بما قُلنا صحَّةُ معنى الخَبَرَيْن .. ، وأنْ ليسَ أحدُهُما دافعاً صحَّةَ معنى الآخرِ كما ظنَّه بعضُ الجُهَّالِ» (٢). حاديَ عشر: ما خالفَ الخبرَ الصَّحيحَ مَردودٌ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «مع أنَّ في اتِّفاقِ الحُجَّةِ على تخطِئَةِ قائِلِ هذا القَولِ في قَولِه هذا كفايَةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيفَ وهو معَ ذلك خلافٌ لما جاءَتْ به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهِدٌ» (٣)، وقالَ أيضاً: «والخَبرُ عن رسولِ الله ﷺ بِخِلافِ هذا القَولِ، وقَولُ رسولِ الله ﷺ هو الحَقُّ دونَ غيرِه» (٤). ثانيَ عشر: يصِحُّ الاستدلالُ بالحديثِ الضَّعيفِ على المعاني ما لم يكُنْ منكرَ المتنِ، أو مُناقضاً لظاهرِ الكتابِ، أو ما ثبتَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ ، أو مكذوباً، أو في تقريرِ شيءٍ مِنْ الأحكامِ الاعتقاديَّةِ أو العمليّةِ. وعلى هذا درجَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه؛ لأنَّ الغرضَ

стр. 255

مِنْ إيرادِه له إثباتُ مُطلَقِ المعنى، وذلك لا يتأثَّرُ بعدمِ الجَزمِ بقائِلِه، فإنَّه إنْ لم يصحَّ عن النَّبي ﷺ فعن الصَّحابي، أو التَّابعي، أو من نَقَلَه عنهم مِنْ السَّلفِ والأئِمَّةِ؛ ولذلك يُدرِجُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ضمنَ أقوالِ السَّلفِ بلا تمييزٍ، كما في قولِه: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ هذه الآيةِ عندي، أعْني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أن يكونَ معنيّاً به: وفِّقنا للثباتِ على ما ارتضَيْتَه ووَفَّقْتَ له من أنْعمتَ عليه مِنْ عِبادِك؛ مِنْ قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراطُ المُستقيمُ .. ، وقد اختلَفَ تراجِمَةُ القرآنِ في المَعنيِّ بالصِّراطِ المُستقيمِ، يشملُ معانيَ جميعِهم في ذلك ما أخبَرْنا مِنْ التَّأويلِ فيه. ومِمَّا قالَتْه في ذلك ما رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قالَ، وذَكَرَ القرآنَ، فقالَ: «هو الصِّراطُ المُستقيمُ» (١) (٢)، وربما قدَّمها في الذكرِ عليه، كما في قولِه تعالى ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، حيثُ ذكرَ خمسةً مِنْ أقوالِ السَّلفِ ثمَّ ختمَها بحديثٍ سُئِلَ فيه رسولُ الله ﷺ عن العَدلِ، فقالَ: «العَدلُ الفِديةُ» (٣)، وفي قولِه تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ذَكرَ في أواخِرِ أقوالِ أهلِ التَّأويلِ قولَ رسولِ الله ﷺ : «كلُّ حرفٍ يُذكَرُ فيه

стр. 256

القُنوتُ مِنْ القرآنِ فهو طاعةٌ لله» (١)، وكذلك فَعلَ في قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، حيثُ أدرَجَ ضِمنَ أقوالِ السَّلفِ قولَه ﷺ : «إنَّ اللهَ لَمّا ذَرأَ لجَهنَّمَ ما ذَرأَ، كانَ ولدُ الزِّنا ممَّن ذَرأَ لجَهنَّمَ» (٢). كما أنَّ ضمَّ هذا النَّوعِ مِنْ الأحاديثِ إلى أقوالِ السَّلفِ يرفعُها إلى مقامِ الاحتجاجِ في التَّفسيرِ، كما سيأتي بيانُه. ومِن ثَمَّ نرى ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يستدلُّ بالحديثِ الضَّعيفِ مع نصِّه في ذاتِ الموضِعِ على ضعفِه، ولزومِ صِحَّةِ السَّندِ إلى الرسولِ ﷺ عند الاحتجاجِ، كما في قولِه عندَ قولِه تعالى ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]: «فإذْ كانَ ذلك كذلك .. ، كانَ بيِّناً أنَّ ما قالَه أبو مجلَزٍ مِنْ أنَّهم: ملائِكةٌ. قولٌ لا معنى له، هذا مع من قالَ بِخِلافِه مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، ومع ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك مِنْ الأخبارِ، وإنْ كانَ في أسانيدِها ما فيها» (٣)، ثُمَّ أورَدَ الخبرَ في ذلك،

стр. 257

ومثلُه قولُه: «وقد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ بتَصحيحِ ما قُلنا في ذلك خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ، وذلك ما حدَّثنا .. » (١)، وكذا قولُه: «وقد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ بنحوِ الذي قُلنا خبرٌ، وإنْ كانَ بعضُ نَقَلَتِه يَقِفُ به على ناقِلِه عنه مِنْ الصَّحابةِ»، ثُمَّ أَوْرَدَه، وقالَ: «وقد وَقَفَ هذا الحديثَ بعضُهُم على أبي هريرة»، ثُمَّ أَوْرَدَه مَوْقوفاً (٢). وهذا يدلُّ على أنَّ مُرادَه بما لا يُحتجُّ به نوعٌ مِنْ الضَّعيفِ؛ ليس مِنْ جنسِ ما استدلَّ به هاهنا، وهو: ما ظهرتْ نكارتُه، أو بان كذِبُ راويه، أو ناقضَ ظاهرَ الكتابِ، أو ما ثبتَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ . وهذا ما رأيتُه مُطَّرِداً في عامَّةِ ما استدلَّ به مِنْ هذا النَّوعِ مِنْ الحديثِ. ومِن أمثلَةِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، حيثُ ذكرَ قولَ علقمةَ (ت: ٦٢) والشَّعبي (ت: ١٠٣): أنَّ ذلك قبل السّاعةِ، ثُمَّ قالَ: «وقد رُوِيَ عن النَّبي ﷺ بنحوِ ما قالَ هؤلاءِ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ» (٣)، ثُمَّ ذكرَه وقالَ: «وهذا القَولُ الذي ذكَرْناه عن عَلْقمةَ والشَّعبيِّ ومَن ذكَرْنا ذلك عنه = قَولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ مِنْ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ بِخِلافِه؛ ورسولُ الله ﷺ أَعلَمُ بمعاني وَحيِ الله وتَنزيلِه، والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك ما صَحَّ به الخَبرُ عنه» (٤)، ومثلُ ذلك اختيارُه في قولِه تعالى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] أنَّ المُرادَ: جماعةٌ مِنْ الذين مضَوا قبلَ أُمَّةِ

стр. 258

محمدٍ ﷺ ، وجماعةٌ مِنْ أُمَّةِ محمدٍ ﷺ . ثُمَّ قالَ: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وجاءَتْ به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ ) (١)، ثُمَّ ذكرَها، وقالَ: «وقد رُوِيَ عن النَّبي ﷺ خبرٌ مِنْ وجهٍ غيرِ صحيحٍ، أنَّه قالَ: «الثُّلَّتان جميعاً مِنْ أُمَّتي» (٢) (٣). و ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا موافِقٌ لِما عليه الأئِمَّةُ مِنْ أهلِ الحديثِ والرِّوايةِ، فقد نصّوا على اختِصاصِ علمِ التَّفسيرِ بنوعٍ مِنْ الرِّوايةِ في الأعَمِّ الأغلَبِ، كما في قولِ أحمدَ بن حنبل (ت: ٢٤١): «ثلاثةُ كتبٍ ليسَ لها أصولٌ؛ المغازي، والملاحِمُ، والتَّفسيرُ» (٤)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) مُبيِّناً تلك العِبارةَ: «ويُروى: ليسَ لها أصلٌ. أي: إسنادٌ؛ لأنَّ الغالبَ عليها المراسيلُ .. ، والمراسيلُ إذا تعدَّدت طُرُقها، وخَلَت عن المواطأةِ قصداً، أو الاتفاقِ بغيرِ قصدٍ = كانَت صحيحةً قطعاً» (٥)، وقالَ أيضاً: «ومعنى ذلك أنَّ الغالِبَ عليها أنَّها مُرسلَةٌ ومُنقطِعةٌ، فإذا كانَ الشيءُ مشهوراً عند أهلِ الفَنِّ قد تعدَّدت طُرُقه، فهذا مِمّا يَرجِعُ إليه أهلُ العِلمِ، بخِلافِ غيرِه» (٦). وقد كانَ ذلك مِنْ أسبابِ إعراضِ بعضِ الأئمَّةِ عن الاستكثارِ مِنْ

стр. 259

مرويّاتِ التَّفسيرِ؛ لغلَبَةِ المَقطوعِ فيها، فقد نقلَ الذَّهبيُّ (ت: ٧٤٨) قولَ مالكِ بن أنس (ت: ١٧٩): «نِعمَ الرَّجلُ معمرَ كانَ، لولا روايتُه التَّفسيرَ عن قتادةَ» (١)، ثُمَّ علَّقَ بقولِه: «قلتُ: يظهرُ على مالكٍ الإمامِ إعراضٌ عن التَّفسيرِ؛ لانقطاعِ أسانيدِ ذلك، فقلَّما روى مِنه، وقد وقعَ لنا جُزءٌ لطيفٌ مِنْ التَّفسيرِ مَنقولٌ عن مالك» (٢). وهذه الخاصّيَّةُ في النَّقلِ استَلزَمَت خُصوصيَّةً في التَّعامُلِ والاستدلالِ، كما أشارَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨)، وكما في قولِه: «وهذا التَّفسيرُ هو تفسيرُ الوالبيِّ (٣)، وأمَّا ثُبوتُ ألفاظِه عن ابنِ عباسٍ ففيها نظَرٌ؛ لأنَّ الوالبيَّ لم يسْمَعه مِنْ ابنِ عباسٍ ولم يُدرِكْه، بل هو مُنقطِعٌ، وإنَّما أَخَذَ عن أصحابِه، كما أنَّ السُّدّي أيضاً يذكرُ تفسيرَه عن ابنِ مسعودٍ، وعن ابنِ عباسٍ، وغيرِهما مِنْ أصحابِ النَّبي ﷺ ، وليسَتْ تلك ألْفاظُهُم بِعَيْنِها، بَلْ نقلُ هؤلاءِ شبيهٌ بنَقلِ أهلِ المغازي والسِّيَرِ، وهو ممّا يُستَشْهدُ به، ويُعتبَرُ به، ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ فيصيرُ حُجَّةً» (٤)، وقد كانَ هذا جليّاً في كلامِ الأئِمَّةِ قبلَه، كما في قولِ يحيى بن سعيد

стр. 260

القطّان (١) (ت: ١٩٨): «تساهلوا في أخذِ التَّفسيرِ عن قومٍ لا يوثِّقونَهم في الحديثِ، -ثُمَّ ذكرَ ليثَ بن أبي سليمٍ (٢)، وجوَيبرَ بن سعيدٍ (٣)، والضَّحاكَ (٤)، ومحمدَ بن السّائِبِ (٥) - وقالَ: هؤلاءِ لا يُحمَلُ حديثُهم، ويُكتَبُ التَّفسيرُ عنهم» (٦)، وقالَ البيهقيُّ (ت: ٤٥٨): «وأمّا النَّوعُ الثّاني مِنْ الأخبارِ، فهي أحاديثُ اتَّفقَ أهلُ العلمِ بالحديثِ على ضَعفِ مَخرجِها، وهذا النوعُ على ضِربَين: ضِربٌ رواه من كانَ معروفاً بوَضعِ الحديثِ والكذبِ فيه، فهذا الضِّربُ لا يكونُ مُستعملاً في شيءٍ مِنْ أمورِ الدّينِ إلا على وجهِ التّليينِ .. ، وضِربٌ لا يكونُ راويه مُتَّهماً بالوَضعِ، غيرَ أنَّه عُرفَ بسوءِ الحفظِ، وكثرةِ الغَلَطِ في رواياته، أو يكونُ مجهولاً؛ لم يثبُت مِنْ عدالَتِه وشرائِطِ قبولِ خبرِه ما يُوجِبُ

стр. 261

القَبولَ، فهذا الضِّربُ مِنْ الأحاديثِ لا يكونُ مُستعملاً في الأحكامِ، كما لا تكونُ شهادةُ من هذه صِفتُه مَقبولَةً عند الحكّام، وقد يُستعملُ في الدّعواتِ، والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ، والتَّفسيرِ، والمغازي؛ فيما لا يتعلَّقُ به حُكمٌ» (١)، وقالَ الخطيبُ البغدادي (ت: ٤٦٣): «العُلماءُ قد احتجّوا في التَّفسيرِ بقَومٍ لم يحتجّوا بهم في مُسنَدِ الأحاديثِ المُتعلِّقةِ بالأحكامِ؛ وذلك لسوءِ حِفظِهم الحديثَ، وشُغلِهم بالتَّفسيرِ، فهُم بمثابَةِ عاصمِ بن أبي النَّجودِ، حيثُ احتُجَّ به في القراءاتِ دونَ الأحاديثِ المُسنداتِ؛ لِغَلَبةِ عِلمِ القُرآنِ عليه، فصرَفَ عنايتَه إليه» (٢). كما أنَّ الغالِبَ على تلك الموقوفاتِ والمقطوعاتِ في التَّفسيرِ أنَّها نُسخٌ ووِجاداتٌ، والأصلُ فيما هذا شأنُه -إذا صَحَّ الكِتابُ- ألّا يُنظَرَ إلى ناقِلِه، وإنّما العِبرَةُ بمعناه. (٣) ثالثَ عشر: يتشدَّدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الاستدلالِ بالحديثِ الضَّعيفِ في تقريرِ الأحكامِ؛ اعتقاديَّةً كانَت أو عمليَّةً، ولا يُورِدُ مِنه -إن أَورَدَ- سوى ما عضَدَه غيرُه مِنْ الأدلَّةِ؛ كما في قولِه بعد ذِكرِ بعضِ أحاديثِ الأحكامِ: «فهذا الخبَرُ وإن كانَ في إسنادِه ما فيه، فالقَولُ به؛

стр. 262

لإجماعِ الجميعِ على صِحَّةِ القَولِ به = أَوْلى» (١)، وقولِه بعدما أسْنَدَ حديثَ سلمانَ، عن النَّبي ﷺ قالَ: «إذا أرسلَ الرجلُ كلبَه على الصَّيدِ فأدرَكَه وقد أكلَ مِنه، فليأكُلْ ما بَقي» (٢): «هذا خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ؛ فإنَّ سعيداً غيرُ معلومٍ له سماعٌ مِنْ سَلْمانَ، والثِّقاتُ مِنْ أهلِ الآثارِ يَقِفونَ هذا الكلامَ على سلْمانَ، ويَرْوونَه عنه مِنْ قِيلِه غيرَ مرفوعٍ إلى النَّبي ﷺ ) (٣)، فردَّ القَولَ لضَعفِ دليلِه، ولأنَّه مُقابلٌ بما هو صحيحٌ ثابتٌ. وذلك هو منهجُ سائِرِ الأئِمَّةِ في هذا البابِ، ومِن ذلك قولُ عبدِ الرحمن بن مهدي (ت: ١٩٨) (٤)، وأحمدَ بن حنبل (ت: ٢٤١): «إذا روَيْنا عن رسولِ الله ﷺ في الحلالِ والحرامِ والسُّننِ والأحكامِ تشدَّدنا في الأسانيدِ، وإذا روَينا عن النَّبي ﷺ في فضائِلِ الأعمالِ، وما لا يضعُ حُكماً ولا يَرفعُه تساهلنا في الأسانيدِ» (٥)، وقولُ ابن خزيمة (ت: ٣١١) في كتابه (التوحيد): «لسنا نحتجُّ في هذا الجِنسِ مِنْ العلمِ بالمراسيلِ المُنقطِعات» (٦)، وقولُ الحاكِمِ (ت: ٤٠٥): «وأنا بمشيئَةِ الله أُجري

стр. 263

الأخبارَ التي سقطَتْ على الشَّيخَينِ في كتابِ الدَّعواتِ، على مذهبِ أبي سعيدٍ عبدِ الرَّحمن بن مهديّ في قبولِها» (١)، وقولُ ابنِ عبد البرِّ (ت: ٤٦٣): «وما لَم يكُن فيه حُكمٌ، فقد تسامحَ النّاسُ في روايتِه عن الضُّعفاءِ» (٢). رابعَ عشر: يضُمُّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى الحديثِ الضَّعيفِ دليلَ ظاهِرِ الكتابِ، والإجماعِ، وأقوالِ السَّلفِ، وشواهِدِ اللغةِ، وغيرِها مِنْ أنواعِ الأدلَّةِ، وذلك ظاهِرٌ في عامَّةِ ما استدلَّ به مِمَّا حكمَ بضَعفِه مِنْ السُّنَّةِ، وقد نصَّ على ذلك المنهجِ في مُقدِّمتِه؛ حيثُ قالَ: «فأحقُّ المُفَسِّرين بإصابَةِ الحَقِّ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ = أوضَحُهُم حُجَّةً فيما تأوَّلَ وفسَّرَ، مِمَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ الله ﷺ دون سائِرِ أُمَّتِه، مِنْ أخبارِ رسول الله ﷺ الثَّابتَةِ عنه؛ إمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقلِ المُستَفيضِ .. ، وإمَّا مِنْ جِهةِ نقلِ العُدُولِ الأثباتِ .. ، أو مِنْ جهةِ الدَّلالةِ المنصوبةِ على صِحَّتِه» (٣)، فبعدَ أن ذكرَ الأخبارَ الثَّابتةَ، وفصَّلَ طريقَيْ ثبوتِها، ذكرَ قسيمَها وهو ما لم يثبُتْ مِنْ الأخبارِ، وأرشدَ إلى منهجِ قبولِها في الاحتجاجِ، وذلك إذا دلَّتْ الدَّلالاتُ على صِحَّةِ معنى الخبرِ النَّبويِّ مِنْ غيرِ جِهةِ الإسنادِ. ومِن شواهدِ ذلك قولُه: «وقد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ بنَحوِ الذي قُلنا مِنْ ذلك أخبارٌ، وإن كانَ في أسانيدِها نَظَرٌ، مع دليلِ الكِتابِ على

стр. 264

صِحَّتِه، على النَّحوِ الذي بيَّنتُ» (١)، وقولُه عن بعضِ ترجيحاتِه: «مع أنَّ ذلك أيضاً إجماعٌ مِنْ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خلافُها فيما جاءَت به مُتَّفِقةً عليه، وقد رُوِيَ بذلك أيضاً عن النَّبي ﷺ خبرٌ، غيرَ أنَّ في إسنادِه نَظراً» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]: «فإذْ كانَ ذلك كذلك .. ، كانَ بيِّناً أنَّ ما قالَه أبو مجلَزٍ مِنْ أنَّهم: ملائِكةٌ. قولٌ لا معنى له، هذا مع من قالَ بِخِلافِه مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، ومع ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك مِنْ الأخبارِ، وإنْ كانَ في أسانيدِها ما فيها» (٣). وكُلُّ ذلك لغرضِ تَقويةِ المعنى العامِّ الذي تأتَلِفُ عليه جُملَةُ هذه الأدلَّةُ، وقد أشارَ البيهقيُّ (ت: ٤٥٨) إلى ذلك الغَرضِ بقولِه عمَّن ضعَّفَهم الأئِمَّةُ في روايةِ الحديثِ ورَضوهُم في التَّفسيرِ: «وإنَّما تساهلوا في أخذِ التَّفسيرِ عنهم لأنَّ ما فسَّروا به مِنْ ألفاظِه تشهدُ لهم به لُغاتُ العربِ، وإنَّما عملُهم في ذلك الجمعُ والتقريبُ فقط» (٤)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) عن نقلِ أولئك الرّواةِ: «نقلُ هؤلاءِ شبيهٌ بنَقلِ أهلِ المغازي والسِّيَرِ، وهو ممّا يُستَشْهدُ به، ويُعتبَرُ به، ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ فيصير حُجَّةً» (٥).

стр. 265

خامسَ عشر: مِنْ منهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الاستدلالِ بالحديثِ الضَّعيفِ على المعاني: الاستشهادُ بما اشتدَّ ضَعفُه في غيرِ تأسيسِ المعنى. ومِن ذلك قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤]: «وذُكرَ أنَّ الأحدَ العَشرَ الكوكبَ التي رآها في منامِه ساجِدَةً مع الشَّمسِ والقَمرِ، ما حدَّثني .. » (١)، ثُمَّ ساقَ حديثاً فيه أسماءُ هذه الكواكبِ، وإسنادُه ضعيفٌ جِدّاً (٢)، لكنّه لم يَعتمِده في تأسيسِ معنىً، أو نَفْيِه، بل ذكرَه بعدَ بيانِ ظاهِرِ المعنى، وأنَّ الرُّؤْيا كانَت في المنامِ، وأنَّ رُؤْيا الأنبياءِ وحيٌ، ثُمَّ ختمَ الكلامَ عن الآيةِ بهذا المعنى، وله في التَّفسيرِ محلٌّ يأتي بيانُه بإذن الله. ومثلُ ذلك صنيعُه في بيانِ معنى إفسادِ بني إسرائيلَ المذكورِ في قولِه تعالى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، حيثُ ذكرَ قولَ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ ﵃ مِنْ طريقِ السُّدّي (ت: ١٢٨) -، وابنِ زيد (ت: ١٨٢)، في معنى الإفسادِ الأوَّلِ، وهو: قَتلُهم زكريّا نبيَّ الله، مع ما سلفَ مِنهم قبلَ ذلك وبعدَه. ثُمَّ ذكرَ القولَ الآخرَ في معنى ذلك الإفسادِ، عن محمدِ بن إسحاق (ت: ١٥٢)، وهو: قتلَهُم شِعيا بن أمصيا (٣) نبيَّ الله. واستدلَّ

стр. 266

للقولِ الأوَّلِ بحديثٍ طويلٍ في صِفةِ إفسادِ بني إسرائيلَ، وما بُعِثَ عليهم مِنْ الهلاك (١). وقد نصَّ الأئِمَّةُ على بُطلانِ هذا الحديثِ (٢)، لكنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) لم يذكُرْه أصلاً يقومُ عليه المعنى، بل تابِعاً لما قبلَه مِنْ الأدلَّةِ، التي تتقوّى بضَمِّ بعضِها إلى بعضٍ، وتشهدُ للمعنى العامِّ بجُملَتِها. (٣) سادسَ عشر: يقصِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ إيرادِ عددٍ مِنْ الأحاديثِ الضَّعيفةِ إلى الاستشهادِ بجُزءٍ مِنها، دونَ ما فيه نكارةٌ في تفاصيلِها، ومِن ذلك استدلالُه على أنَّ سورَةَ النَّصرِ نعيٌ للنَّبي ﷺ ، بجُملَةٍ مِنْ الأحاديثِ، وأقوالِ السَّلفِ (٤)، وذكرَ ضِمنَها حديثَ ابنِ عباسٍ ﵁ مرفوعاً: «نُعِيَتْ إليَّ نفسي، كأنّي مقبوضٌ في تلك السَّنةِ» (٥)، فالشَّطرُ الأوَّلُ مِنه ثابتُ المعنى في غيرِه مِنْ الأحاديثِ (٦)، وهو ما وقعَ الاستشهادُ به هنا، أمّا الشَّطرُ الثّاني فقالَ عنه ابنُ

стр. 267

كثيرٍ (ت: ٧٧٤): «في لفْظِه نَكارَةٌ شديدةٌ، وهو قَولُه بأنَّه مَقبوضٌ في تلك السَّنةِ. وهذا باطِلٌ؛ فإنَّ الفَتحَ كانَ في سنةِ ثمانٍ، في رَمَضَانَ مِنها، كما تقَدَّمَ بيانُه، وهذا ما لا خِلافَ فيه، وقد تُوفِّيَ رَسولُ الله ﷺ في رَبيعٍ الأوَّلِ مِنْ سَنةِ إحْدى عشرَةَ، بِلا خِلافٍ أيضاً» (١)، ومثلُ ذلك صنيعُه عندَ قولِه تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] (٢)، حيثُ ذكرَ -ضِمنَ أدلَّةِ الاستعانةِ بالصَّلاةِ- حديثاً مُعلَّقاً بلا إسنادٍ، بصيغةِ التَّضعيفِ، فقالَ: «وكذلك رُوِيَ عنه ﷺ أنَّه رأى أبا هريرةَ مُنبَطِحاً على بَطنِه، فقالَ له: «اشكَنْب دَرْد» (٣)، قالَ: نعم. قالَ: «قُمْ فَصَلِّ؛ فإنَّ في الصَّلاةِ شِفاءً» (٤)، وهو حديثٌ ظاهِرُ النَّكارةِ، إلا أنَّ في آخرِه شاهِدٌ على المعنى الذي استدلَّ له ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بسواهُ مِنْ الأدلَّةِ الثّابتةِ. (٥) وقد وجدتُ في معنى ذلك كلاماً للمُحقِّقِ محمود شاكر (ت: ١٤١٨)، أبانَ فيه منهجَ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) في نحوِ تلك الرِّواياتِ، فقالَ: «تبيَّنَ لي ممّا راجعتُه مِنْ كلامِ الطَّبري أنَّ استدلالَ الطَّبري بهذه الآثارِ التي

стр. 268

يرويها بأسانيدِها، لا يُرادُ به إلا تحقيقُ معنى لفظٍ، أو بيانُ سياقِ عِبارةٍ، وكيف اختلف المفسرون مِنْ الأوَّلين في معنىً؟ .. ، وجَعلَ استدلالَه بهذه الآثارِ كاستدلالِ المُستدلِّ بالشِّعرِ على معنى لفظٍ في كتابِ الله .. ، وهذا مذهبٌ لا بأسَ به في الاستدلالِ. ومثلُه أيضاً ما يسوقُه مِنْ الأخبارِ والآثارِ التي لا يُشَكُّ في ضعفِها، فهو لم يَسُقْها لتكونَ مُهَيْمِنةً على تفسيرِ آي التَّنزيلِ الكريمِ، بل يَسوقُ الطَّويلَ الطَّويلَ لبيانِ معنى لفظٍ، أو سياقِ حادثةٍ، وإن كانَ الأثرُ نفسُه ممّا لا تقومُ به الحُجَّةُ في الدِّينِ، ولا في التَّفسيرِ التّامِّ لآي كتابِ الله. فاستدلالُ الطَّبري بما يُنكِرُه المُنكِرون لم يكن إلا استظهاراً للمعاني التي تدُلُّ عليها ألفاظُ هذا الكتابِ الكريمِ، كما يُستَظهَرُ بالشِّعرِ على معانيها، فهو إذن استدلالٌ يكادُ يكونُ لُغَويّاً، ولمّا لم يكُن مُستَنكَراً أن يُستدَلَّ بالشِّعرِ الذي كَذَبَ قائِلُه -ما صحَّتْ لُغَتُه- فليسَ بمُستَنكَرٍ أن تُساقَ الآثارُ التي لا يرتضيها أهلُ الحديثِ، والتي لا تَقومُ بها الحُجَّةُ في الدِّينِ، للدَّلالَةِ على المعنى المفهومِ مِنْ صَريحِ لفظِ القُرآنِ، وكيفَ فَهِمَهُ الأوائلُ، سواءٌ كانوا مِنْ الصَّحابةِ أو مَنْ دونَهُم .. ، وأرجو أن تكونَ هذه تَذكرةً تنفعُ قارئَ كتابِ الطَّبري إذا ما انتهى إلى شيءٍ ممّا عدَّه أهلُ عِلمِ الحديثِ مِنْ الغريبِ والمُنكرِ، وفي هذا مَقنَعٌ لمن أرادَ أن يعرفَ عِلمَ الأقْدَمين على وَجهِهِ، والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً» (١).

стр. 269

سابعَ عشر: يُشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ضعفِ كثيرٍ مِنْ الأحاديثِ؛ بعدمِ الجَزمِ بنِسْبتِها إلى النَّبي ﷺ ، وذلك بقولِه: (فيما بلغَنا، ورُوِيَ، وفيما ذُكِرَ) ونحوِها، ومِن ذلك قولُه عندَ قولِه تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]: «وإنَّما قيلَ له ذلك -فيما بلَغَنا- لأنَّه كانَ قبلَ تحويلِ قِبلَتِه مِنْ بيتِ المَقدِسِ إلى الكعبَةِ يرفعُ بصرَه إلى السَّماءِ .. » (١)، ثُمَّ أسنَدَ معناه عن قتادةَ (ت: ١١٧) مرفوعاً، وانقِطاعُه ظاهِرٌ؛ فقتادةُ (ت: ١١٧) مِنْ التّابعين. ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]: «وذلك ما كانَ ﷺ همَّ به مِنْ أن يَفعَلَ بعضَ الذي كانوا سَألوه فِعلَه، فقالَ رسولُ الله ﷺ فيما ذُكِرَ- .. » (٢)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن قتادةَ (ت: ١١٧) أيضاً. وكذلك قولُه: «وقد رُوِيَ بذلك أيضاً عن النَّبي ﷺ خبرٌ، غيرَ أنَّ في إسنادِه نَظَراً» (٣). ثامنَ عشر: رُبَّما قدَّمَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الحديثَ الضَّعيفَ في الذِّكرِ، وإن أخذَ بغيرِه ممّا قَوِيَت دلالتُه، كما في قولِه تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حيثُ ذكرَ الأقوالَ الثَّلاثَةَ في معنى الكرسيِّ؛ وهي: أنَّه عِلمُ الله. أو: موضِعُ قدَمَيْه. أو: العرشُ نفسُه. ثُمَّ قالَ: «لكُلِّ قولٍ مِنْ هذه الأقوالِ وَجهٌ ومَذهَبٌ، غيرَ أنَّ الذي هو أَوْلى بتأويلِ الآيةِ ما جاءَ به الأثرُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٤)، ثُمَّ أسنَدَ عن

стр. 270

رسولِ الله ﷺ قولَه: «إنَّ كُرسيَّه وَسِعَ السماواتِ والأرضَ، وإنَّه ليَقعُدُ عليه فما يَفضُلُ مِنه مِقدارُ أربعِ أصابِعَ .. » (١) الحديثَ، ثُمَّ قالَ: «وأمَّا الذي يدلُّ على صِحَّتِه ظاهِرُ القرآنِ فقولُ ابنِ عباسٍ .. : هو عِلْمُه» (٢)، واستدلَّ له بدليلِ القرآنِ، والسِّياقِ، وأصلِ الّلفظِ في لُغةِ العربِ وأشعارِها. فابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بصَنيعِه هذا يومئُ إلى ضعفِ الحديثِ المَذكورِ؛ لِعدمِ مَصيرِه إليه، كما هو مَنهجُه فيما نصَّ عليه في مواضِعَ مِنْ تفسيرِه، وفي أمثالِه مِنْ الأحاديثِ. كما أفادَ بترتيبِه ذلك صورةً لتعظيمِ نُصوصِ الشَّرعِ، وتنبيهاً على منهجِ الأخذِ بدليلِ السُّنَّةِ، وبياناً لما يصِحُّ أن يتقدَّمَه مِنْ الأدلَّةِ حالَ ضَعفِه. تاسعَ عشر: تكثيرُ الطُّرقِ عند الاعتمادِ على الخبرِ، ومِن ذلك إيرادُه لحديثِ: «ألا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ» (٣) مِنْ سِتَّةِ طُرُقٍ، عندَ استدلالِه به على

стр. 271

معنى قولِه تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١)، وكذا تكرارُه لحديثِ: «إنَّ الله قد أثنى عليكم -أي أهلَ قُباءٍ- بالطُّهورِ خيراً .. » (٢)، مِنْ ثلاثة عشر طَريقٍ، عندَ استدلالِه به في قولِه تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] (٣). ولا تخفى فائِدةُ هذا التِّكرارِ لطُرُقِ الحديثِ في تقويَةِ إسنادِه، وإيضاحِ معانيه، وبيانِ سِياقِه، مع مُراعاةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) لمنهجِ الكتابِ في الاختصارِ، والاقتصارِ على بعضِ ما يُغني، كما في قولِه مُستَدِلاً لبعضِ اختيارِه: «مع ما قد رُوِيَ في ذلك عن رسولِ الله ﷺ مِنْ الأخبارِ التي قد ذَكرْنا بعضَها وترَكنا ذِكرَ كثيرٍ مِنها؛ استغناءً بما ذَكرْنا مِنها عمّا لم نذكُر، وكراهةً مِنّا إطالةَ الكتابِ باستقصاءِ جَميعِه» (٤). عشرون: إذا احتاج لتكرار الخبر ذكرَ ما لم يذكره مِنْ قبل، كما نَصَّ عليه في قولِه عن بعضِ الأقوالِ: «وبذلك جاءَت الأخبارُ عن

стр. 272

رسولِ الله ﷺ ، وقالَتْه العُلماءُ، وقد ذكرنا كثيراً مِنْ ذلك فيما مضى قبلُ، ونذكُرُ بعضَ ما لَمْ نذكُرْه قبلُ إن شاءَ الله» (١). إحدى وعشرون: يعتَمِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الإسنادَ في النَّقلِ في عامَّةِ ما يأثِرُه مِنْ الأخبارِ، وربَّما استغنى باستفاضةِ الخبَرِ وشُهرَتِه عن إسناده، وذلك قليلٌ، ومِنه قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]: «وهذه الآيةُ وإن كانَ مَخرَجُها عامّاً في التِّلاوةِ، فإنَّ المُرادَ بها خاصٌّ في التَّأويلِ؛ لتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قالَ: «شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِنْ أُمَّتي» (٢) (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]: «فكُلُّ شَحمٍ سوى ما استثناهُ الله في كتابِه مِنْ البقرِ والغَنمِ فإنَّه كانَ مُحرَّماً عليهم، وبنَحوِ ذلك مِنْ القَولِ تظاهرَت الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ، وذلك قولُه: «قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ حُرِّمَت عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها، ثُمَّ باعوها وأكلوا أثمانَها» (٤) (٥). وكذلك يصنعُ فيما تقدَّمَ وتكرَّرَ ذِكرُه، كما في قولِه عندَ قولِه تعالى

стр. 273

﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]: «يقول: ربَّنا وتقبَّلْ عملي الذي أعمَلُه لك، وعِبادَتي إيّاك. وهذا نظيرُ الخبرِ الذي رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ الدُّعاءَ هو العِبادةُ»، ثُمَّ قرأَ: «﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]» (١) (٢)، وقد سبقَ أن ذَكرَ هذا الحديثَ مُسنَداً قبلَ ذلك (٣). ورُبَّما أشارَ إلى وجودِ الخبرِ بذلك عن رسولِ الله ﷺ ، ثُمَّ لا يذكرُه؛ لاشتهارِه، أو لَمْ يَقصِدْ إلى ذِكرَه ابتداءً، وإنَّما أرادَ الإشارةَ إليه. كما في قولِه عندَ قولِه تعالى ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]: «يقولُ: والليلِ وما جمَعَ .. ، ومِنه الوَسْقُ؛ وهو الطَّعامُ المُجتمِعُ الكثيرُ مِمّا يُكالُ أو يوزَنُ، يُقالُ: هو ستّونَ صاعاً. وبه جاءَ الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ ) (٤)، ثُمَّ لم يذكُره، وهو يُشيرُ بذلك إلى حديثِ أبي سعيدٍ الخُدري ﵁، مرفوعاً: «الوَسْقُ ستّونَ صاعاً» (٥).

стр. 274

اثنان وعشرون: الدِّقَّةُ في ضَبطِ الأسانيدِ والمتونِ، وذلك شأنُ المُتقِنين مِنْ أهلِ الحَديثِ والرِّوايةِ، وذلك ظاهِرٌ مِنْ صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في كثيرٍ مِنْ المواضِعِ، حيثُ يُصَحِّحُ أسماءَ الرُّواةِ، ويُنبِّه على السَّاقِطِ مِنها في الذِّكرِ، كما في قولِه: «حدَّثنا أبو كُرَيبٍ .. ، عن يزيدَ بن زيادٍ -قالَ أبو جعفر: والصَّوابُ يزيدُ بن أبي زيادٍ (١) -، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظي (٢) (٣)، كما يُبيِّنُ موضِعَ الشَّكِّ في بعضِ الرِّواياتِ، ومَصدَرَه، حيثُ نسبَ الشَّكَّ إلى نفسِه في بعضِ الرِّواياتِ بقولِه: «الطَّبريُّ يشُكُّ» (٤)، ونسَبَه إلى بعضِ الرُّواةِ في روايةٍ أُخرى بقولِه: «عن أبي هريرةَ أو غيرِه -شَكَّ أبو جعفرٍ الرَّازي (٥) (٦). ثلاث وعشرون: العنايةُ بتوجيهِ معاني الأحاديثِ عندَ الاستدلالِ بها، وذلك مِنْ تمامِ منهجِ الاستدلالِ بالسُّنَّةِ على المعاني القُرآنيَّةِ؛ لتتبيَّنَ أوجهُ مُطابقةِ الخبرِ للمعنى المُستدلِّ به عليه، ومِن أمثلةِ ذلك قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن بعضِ اختيارِه: «وقد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ

стр. 275

بنحوِ الذي قُلنا في ذلك خبرٌ» (١)، ثُمَّ أسندَ حديثَ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «ليس المسكينُ بالذي تردُّه اللقمةُ واللقمتان، والتَّمرةُ والتَّمرتان، إنَّما المسكينُ المُتعفِّفُ، اقرءوا إن شِئتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» (٢)، ووجَّه معناه بعد ذلك بقولِه: «ومعنى قولِه ﷺ : «إنَّما المسكينُ المُتعفِّف»؛ على نحوِ ما قد جرى به استعمالُ النَّاسِ مِنْ تَسميَتِهِم أهلَ الفقرِ: مساكينَ. لا على تفصيلِ المِسكينِ مِنْ الفقير. وممّا يُنبئُ أنَّ ذلك كذلك، انتِزاعُه ﷺ بقولِ الله: «اقرءوا إن شِئتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]»، وذلك في صِفةِ مَنْ ابتدأَ الله ذِكرَه ووَصَفَه بالفقرِ؛ فقالَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» (٣)، وكذلك قولُه: «وأمّا الخبرُ الذي رُوِيَ عن النَّبي ﷺ (٤)، -فإنَّه إن كانَ صحيحاً- فإنَّما معناه أنَّه وُضِعَ عن الحامِلِ والمُرضِعِ الصومُ ما دامتا عاجزَتَيْن عنه حتى تُطيقا فتقضيا، كما وُضِعَ عن المسافرِ في سفرِه حتى يُقيمَ فيَقضيَه، لا أنَّهما أُمرَتا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ وجوبِ قضاءٍ» (٥).

стр. 276

وبهذا تتبيَّنُ عنايةُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بمرويّاتِه مِنْ السُّنَّةِ في استدلالِه بها، وتحريرِها إسناداً ومتناً، وتجويدِ ما يختارُه مِنها؛ ببيانِ عللِ أسانيدِها، والمُنكرِ مِنْ معانيها، وقبولِ ما يصحُّ قبولُه مِنها، وتقديمِ ما يجِبُ تقديمُه وتحرُمُ مُخالفَتُه مِنْ ثابِتِها وصريحِها، وتنبيهِ حملَةِ التَّفسيرِ على أصولِ الاستدلالِ تلك؛ بنصٍّ مِنْ كلامِه، واطِّرادٍ مِنْ تطبيقِه في عامَّةِ تفسيرِه.

стр. 277

المبحثُ الرّابعُ: منهجُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني. وفيه أربعةُ مطالب: المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني. يقومُ معنى الإجماعِ لُغةً على تضامِّ الشيءِ (١)، ويُطلَقُ على معنيَيْن (٢): الأوَّلُ: العزمُ على الشيءِ، يُقالُ: أجمعَ فلانٌ على كذا. إذا عزمَ عليه وصَمَّمَ. ومِنه قولُه تعالى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقولُ الشّاعرِ (٣): يا ليت شِعري والمُنى لا تنفعُ … هل أغدوَنْ يوماً وأمري مُجمَعُ الثّاني: الاتِّفاقُ، يُقالُ: أجمعَ القومُ على كذا. إذا اتَّفقوا عليه.

стр. 278

وهذا المعنى الثَّاني هو أصلُ المعنى الاصطلاحيِّ للإجماعِ، وهو: اتِّفاقُ مُجتهدي أمَّةِ محمّدٍ ﷺ بعد وفاتِه في عصرٍ مِنْ العصورِ على أمرٍ دينيٍّ (١). ويُرادُ به في خصوصِ علمِ التَّفسيرِ: اتِّفاقُ مُجتهدي أمَّةِ محمدٍ ﷺ مِنْ المُفسِّرين بعد وفاتِه في عصرٍ مِنْ العصورِ على معنىً لآياتِ القرآنِ الكريمِ. والمُرادُ بالاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني هو: إقامَةُ الإجماعِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها. أو: الإبانَةُ بدليلِ الإجماعِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها. وللإجماعِ عدَّةُ تقسيماتٍ باعتباراتٍ مُختلفةٍ (٢)؛ يتقدَّمُها في بابِ الاستدلالِ على المعاني تقسيمُه باعتبارِ ذاتِه إلى قسمينِ، وهما: الأوَّلُ: الإجماعُ القوليّ، وهو الصَّريحُ، وذلك أن يتَّفقَ جميعُ المُجتهدين على الحُكمِ قولاً أو فِعلاً. «وهو حُجَّةٌ وإجماعٌ قولاً واحداً» (٣)، ودلالتُه قطعيّةٌ؛ إذ «يُعلَمُ يقيناً أنَّه ليس فيه مُنازِعٌ، فهذا يجبُ القطعُ بأنَّه حقٌّ» (٤).

стр. 279

الثَّاني: الإجماعُ السُّكوتيّ أو الإقراريّ، وذلك بأن ينتشرَ القولُ أو الفعلُ عن بعضِ المُجتهدين، ويسكتَ الباقون عن مخالفتِه وإنكارِه. ومثلُه الإجماعُ الاستقرائيّ، وهو أن تُستَقرأَ أقوالُ العلماءِ في مسألةٍ فلا يُعلَمُ فيها مُخالِفٌ. وقد كثُرَت أقوالُ العلماءِ في بيانِ حُكمِ هذا النوعِ (١)؛ لاحتمالِ السُّكوتِ الرِّضا وعدمَه، «والصَّحيحُ أنَّه إجماعٌ، وأنَّه حُجَّةٌ» (٢)، وعليه جُمهورُ العلماءِ (٣)، وأضافَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) أنَّه: «حُجَّةٌ ظنيَّةٌ .. ، يحتجُّ به، ويُقدَّمُ على ما هو دونَه بالظَّنِّ، ويُقدَّمُ عليه الظَّنُّ -أي النَّصُّ المعلومُ- الذي هو أقوى مِنه» (٤)، وذلك لأنَّ عِلمَه بعدمِ المُخالفِ ظنيٌّ وليس قطعيّاً؛ فكانَت دلالةُ هذا الإجماعِ ظنيّةٌ. قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وإذْ كانَ ذلك كذلك، وكانَ لا اختلافَ بينهم ظاهرٌ، وكانَ ما كانَ مُستفيضاً فيهم ظاهرَ الحُجَّةِ = فالواجبُ -وإن احتملَ ذلك معنىً غيرَ الذي قالوا- التَّسليمُ لما استفاضَ بصِحَّتِه نقلُهم» (٥). وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالإجماعِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:

стр. 280

النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بالإجماعِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه: «فإن قالَ قائِلٌ: وما بُرهانُك على أن معنى قولِه ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إذا رجعتُم إلى أهلِكم وأمصارِكم. دونَ أن يكونَ معناه: إذا رجعتُم مِنْ مِنىً إلى مكَّةَ؟ قيلَ: إجماعُ جميعِ أهلِ العلمِ على أنَّ معناه ما قُلنا دونَ غيرِه» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية: «وقد أجمعَت الحُجَّةُ على أنَّ الله لم يوجِب على نبيِّه ﷺ ، ولا على عِبادِه فرضَ الوضوءِ لِكُلِّ صلاةٍ ثُمَّ نُسِخَ ذلك. ففي إجماعِها على ذلك الدَّلالةُ الواضِحةُ على صِحَّةِ ما قُلنا» (٢)، وقولُه مُعلِّلاً لبعضِ اختيارِه، بعدما ذكرَ قولاً للحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ: «وهو التَّأويلُ الصَّحيحُ عندنا؛ لِما ذكَرنا مِنْ إجماعِها عليه» (٣). النَّوعُ الثَّاني: استدلالُه بالإجماعِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومِن أمثلَتِه قولُه: «وقد زعمَ بعضُهم أنَّ معنى قولِه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: أسلِكْنا طريقَ الجنَّةِ في المعادِ. أي: قدِّمنا له، وامضِ بنا إليه .. ، وفي قولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ما يُنبئُ عن خطأِ هذا التَّأويلِ، مع شهادةِ الحُجَّةِ مِنْ المُفسِّرين على تخطِئتِه؛ وذلك أنَّ جميعَ المفسِّرين مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين مُجمعون على أنَّ معنى الصِّراطَ في هذا الموضِعِ غيرُ المعنى

стр. 281

الذي تأوَّلَه قائِلُ هذا القولِ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: «وإنَّما وصفَه الله جلَّ ثناؤُه بالاستقامةِ؛ لأنَّه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعمَ بعضُ أهلِ الغباءِ أنَّه سمَّاه اللهُ مُستقيماً؛ لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنَّةِ، وذلك تأويلٌ لتأويلِ جميعِ أهلِ التَّفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم دليلاً على خطئِه» (٢)، وقولُه أيضاً: «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيَّةِ أنَّ معنى قولِه ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أنَّه متشابهٌ في الفضلِ .. ، وليس هذا قولاً نستجيزُ التَّشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخروجِه عن قولِ جميعِ علماءِ التَّأويلِ، وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دلالَةٌ على خطئِه» (٣). وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالإجماعِ على المعاني (٣٧٨) موضِعاً؛ مِنها (٢٨٠) موضِعاً بلا مُخالفٍ، والباقي (٩٨) موضِعاً مع ذكرِ المُخالفِ؛ وهي على قِسمَيْن: (٣٥) موضِعاً مِنها مع وجودِ المُخالفِ المُعتبرِ، والباقي إجماعاتٌ صحيحةٌ لا يُعتبَرُ فيها المُخالفُ، وعددُها (٦٣) إجماعاً. ومِن ثَمَّ تكونُ الإجماعاتُ الثَّابتةُ بلا مُخالفٍ (٣٤٣) إجماعاً، وذلك نسبتُه مِنْ مجموعِ أدلَّةِ الإجماعِ (٩٠. ٧%)، والباقي هي إجماعاتٌ

стр. 282

مع وجودِ المُخالفِ المُعتبرِ، وعددُها (٣٥) إجماعاً، وذلك نسبتُه مِنْ مجموعِ أدلَّةِ الإجماعِ (٩. ٣%). ونسبةُ الاستدلالِ بدليلِ الإجماعِ عامَّةً مِنْ مجموع الأدلَّة (٣. ٥%). ودليلُ الإجماعِ تابِعٌ لدليلِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فبهما ثبتت حُجِّيَّتُه، ووجبَ اتِّباعُه، ولذلك يذكرُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بعدَهما في عددٍ مِنْ المواضِعِ، كما في قولِه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا تأويلٌ يدُلُّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِه، مع إجماعِ أهلِ التَّأويلِ على تخطئتِه» (١)، وقولِه أيضاً: «وذلك قولٌ إن قالَه قائِلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ الله، ولِما أجمعَ عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ» (٢). والأكثرُ في كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تقديمُ الإجماعِ على غيرِه مِنْ الأدلَّةِ؛ لقطعيَّةِ دلالَتِه على المعنى وثُبوتِه، وذلك مذهبُ عامَّةِ الأصوليِّين، قالَ ابنُ القطّان (٣) (ت: ٦٢٨): «والذي يقتضيه إجماعُ المُحقِّقين تقديمَ الإجماعِ في الرُّتبةِ على الكتابِ والسُّنَّةِ، وإن كانَت أصولَ الإجماعِ؛ فإنَّما يُقطَعُ بهما إذا كانا نصوصاً لا تقبلُ التَّأويلَ، ولا تحتملُه أصلاً، فأمّا إذا كانَت ظواهِرُهما في مقاصِدِهما لا تبلغُ مبلغَ

стр. 283

النُّصوصِ، فالإجماعُ أحقُّ بالتَّقديمِ في ترتيبِ الحِجاجِ؛ فإنَّ الإجماعَ لا مجالَ لطرقِ التَّأويلِ فيه» (١)، وقالَ الطُّوفي (٢) (ت: ٧١٦): «الإجماعُ مُقَدَّمٌ على باقي أدلَّةِ الشَّرعِ؛ لقطعيَّتِه، وعِصمتِه، وأَمْنِه مِنْ نسخٍ أو تأويلٍ» (٣)، ومِن أمثلةِ ذلك عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وذلك إن قالوه خرجَ مَنْ قالَه مِنْ قيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالفَ نصَّ كتابِ الله تعالى ذِكرُه، وقولَ رسولِ الله ﷺ ) (٤)، وقولُه: «مع أنَّ في اتِّفاقِ الحُجَّةِ على تخطئةِ قائلِ هذا القولِ في قولِه هذا كفايةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيف وهو مع ذلك خلافٌ لما جاءَت به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهِدٌ» (٥)، وقولُه: «وعلى كُلِّ ما قُلنا مِنْ ذلك الأمَّةُ مُجمِعةٌ، وقد رُويَ عن رسولِ الله بذلك خبرٌ» (٦). وحين لا يكونُ الإجماعُ قطعيّاً فإنَّه ربَّما قدَّمَ عليه سواه مِنْ الأدلَّة، كما في قولِه: «وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ

стр. 284

الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية. قولُ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك أهلُ الكتابِ .. ؛ لأنَّ قولَه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية. في سياقِ الخبرِ عنهم، وهو شبيهٌ بقصَّتِهم، مع اتِّفاقِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّهم المعنيّون بذلك» (١)، وقولِه: «وأَوْلى الأقوالِ بالصِّحَّةِ في تأويلِ قولِه ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، قولُ مَنْ قالَ: السبيلُ التي جعلها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَيْن المُحصَنَيْن الرَّجمُ بالحجارةِ، وللبِكرَيْن جلدُ مائةٍ ونفيُ سنةٍ؛ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه رجمَ ولم يجلِدْ، وإجماعِ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ عليها فيما نقلَته مُجمِعةً عليه = الخطأُ والسَّهوُ والكذبُ» (٢). المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني. اتَّفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ، يجبُ الأخذُ به، وتحرُمُ مُخالفتُه، قالَ الخطيبُ البغداديّ (ت: ٤٦٢): «إجماعُ أهلِ الاجتهادِ في كُلِّ عصرٍ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرعِ، ودليلٌ مِنْ أدلَّةِ الأحكامِ، مقطوعٌ على مَغِيبِه، ولا يجوزُ أن تجتمعَ الأمَّةُ على الخطأِ» (٣). والأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ على حُجِّيَّةِ الإجماعِ كثيرةٌ متظاهرةٌ، وقد ذكرَ أكثرُ العلماءِ وعامَّةُ الأصوليِّين أنَّه لا مدخلَ للعقلِ في إثباتِ الإجماعِ دليلاً؛ لأنَّ

стр. 285

العقلَ لا يمنعُ مِنْ إجماعِ طائِفةٍ كثيرةٍ مِنْ النَّاسِ على الكذبِ أو الخطأِ؛ كأصحابِ المِلَلِ الضَّالَّةِ، والأديانِ المُحرَّفةِ (١)، لكنَّ الله تعالى عصمَ هذه الأمَّةَ في إجماعِها؛ فلا تجتمعُ على باطلٍ أبداً، وإذا أجمعَتْ على أمرٍ فهو الحَقُّ. ومِن الأدلَّةِ على ذلك ما يأتي: أوَّلاً: قولُه تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، ووجه الدَّلالةِ أنَّ الله تعالى جمعَ بين مشاقَّةِ الرسولِ ﷺ واتِّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنين في الوعيدِ، -وسبيلُ المَرءِ: ما يختارُه مِنْ قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ-، فدلَّ على أنَّ كُلّاً مِنهما مُحرَّمٌ، ومِن ثَمَّ فاتِّباعُ سبيلِ المؤمنين واجِبٌ، وذلك معنى كونِ الإجماعِ حُجَّةً (٢)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «والآيةُ دلَّت على أنَّ مُتَّبعَ غيرِ سبيلِ المؤمنين مُستحقٌّ للوعيدِ، كما أنَّ مُشاقَّ الرسولِ مِنْ بعدِ ما تبيَّنَ له الهُدى مُستحقٌّ للوعيدِ، ومعلومٌ أنَّ هذا الوصفَ يوجِبُ الوعيدَ بمُجرَّدِه، فلو لم يكُن الوصفُ الآخرُ يدخلُ في ذلك لكانَ لا فائِدةَ في ذِكرِه» (٣). ثانياً: قولُه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
следующие страницы →