← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الذي تأوَّلَه قائِلُ هذا القولِ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: «وإنَّما وصفَه الله جلَّ ثناؤُه بالاستقامةِ؛ لأنَّه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعمَ بعضُ أهلِ الغباءِ أنَّه سمَّاه اللهُ مُستقيماً؛ لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنَّةِ، وذلك تأويلٌ لتأويلِ جميعِ أهلِ التَّفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم دليلاً على خطئِه» (٢)، وقولُه أيضاً: «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيَّةِ أنَّ معنى قولِه ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أنَّه متشابهٌ في الفضلِ .. ، وليس هذا قولاً نستجيزُ التَّشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخروجِه عن قولِ جميعِ علماءِ التَّأويلِ، وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دلالَةٌ على خطئِه» (٣). وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالإجماعِ على المعاني (٣٧٨) موضِعاً؛ مِنها (٢٨٠) موضِعاً بلا مُخالفٍ، والباقي (٩٨) موضِعاً مع ذكرِ المُخالفِ؛ وهي على قِسمَيْن: (٣٥) موضِعاً مِنها مع وجودِ المُخالفِ المُعتبرِ، والباقي إجماعاتٌ صحيحةٌ لا يُعتبَرُ فيها المُخالفُ، وعددُها (٦٣) إجماعاً. ومِن ثَمَّ تكونُ الإجماعاتُ الثَّابتةُ بلا مُخالفٍ (٣٤٣) إجماعاً، وذلك نسبتُه مِنْ مجموعِ أدلَّةِ الإجماعِ (٩٠. ٧%)، والباقي هي إجماعاتٌ

стр. 282

مع وجودِ المُخالفِ المُعتبرِ، وعددُها (٣٥) إجماعاً، وذلك نسبتُه مِنْ مجموعِ أدلَّةِ الإجماعِ (٩. ٣%). ونسبةُ الاستدلالِ بدليلِ الإجماعِ عامَّةً مِنْ مجموع الأدلَّة (٣. ٥%). ودليلُ الإجماعِ تابِعٌ لدليلِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فبهما ثبتت حُجِّيَّتُه، ووجبَ اتِّباعُه، ولذلك يذكرُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بعدَهما في عددٍ مِنْ المواضِعِ، كما في قولِه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا تأويلٌ يدُلُّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِه، مع إجماعِ أهلِ التَّأويلِ على تخطئتِه» (١)، وقولِه أيضاً: «وذلك قولٌ إن قالَه قائِلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ الله، ولِما أجمعَ عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ» (٢). والأكثرُ في كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تقديمُ الإجماعِ على غيرِه مِنْ الأدلَّةِ؛ لقطعيَّةِ دلالَتِه على المعنى وثُبوتِه، وذلك مذهبُ عامَّةِ الأصوليِّين، قالَ ابنُ القطّان (٣) (ت: ٦٢٨): «والذي يقتضيه إجماعُ المُحقِّقين تقديمَ الإجماعِ في الرُّتبةِ على الكتابِ والسُّنَّةِ، وإن كانَت أصولَ الإجماعِ؛ فإنَّما يُقطَعُ بهما إذا كانا نصوصاً لا تقبلُ التَّأويلَ، ولا تحتملُه أصلاً، فأمّا إذا كانَت ظواهِرُهما في مقاصِدِهما لا تبلغُ مبلغَ

стр. 283

النُّصوصِ، فالإجماعُ أحقُّ بالتَّقديمِ في ترتيبِ الحِجاجِ؛ فإنَّ الإجماعَ لا مجالَ لطرقِ التَّأويلِ فيه» (١)، وقالَ الطُّوفي (٢) (ت: ٧١٦): «الإجماعُ مُقَدَّمٌ على باقي أدلَّةِ الشَّرعِ؛ لقطعيَّتِه، وعِصمتِه، وأَمْنِه مِنْ نسخٍ أو تأويلٍ» (٣)، ومِن أمثلةِ ذلك عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وذلك إن قالوه خرجَ مَنْ قالَه مِنْ قيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالفَ نصَّ كتابِ الله تعالى ذِكرُه، وقولَ رسولِ الله ﷺ ) (٤)، وقولُه: «مع أنَّ في اتِّفاقِ الحُجَّةِ على تخطئةِ قائلِ هذا القولِ في قولِه هذا كفايةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيف وهو مع ذلك خلافٌ لما جاءَت به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهِدٌ» (٥)، وقولُه: «وعلى كُلِّ ما قُلنا مِنْ ذلك الأمَّةُ مُجمِعةٌ، وقد رُويَ عن رسولِ الله بذلك خبرٌ» (٦). وحين لا يكونُ الإجماعُ قطعيّاً فإنَّه ربَّما قدَّمَ عليه سواه مِنْ الأدلَّة، كما في قولِه: «وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ

стр. 284

الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية. قولُ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك أهلُ الكتابِ .. ؛ لأنَّ قولَه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية. في سياقِ الخبرِ عنهم، وهو شبيهٌ بقصَّتِهم، مع اتِّفاقِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّهم المعنيّون بذلك» (١)، وقولِه: «وأَوْلى الأقوالِ بالصِّحَّةِ في تأويلِ قولِه ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، قولُ مَنْ قالَ: السبيلُ التي جعلها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَيْن المُحصَنَيْن الرَّجمُ بالحجارةِ، وللبِكرَيْن جلدُ مائةٍ ونفيُ سنةٍ؛ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه رجمَ ولم يجلِدْ، وإجماعِ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ عليها فيما نقلَته مُجمِعةً عليه = الخطأُ والسَّهوُ والكذبُ» (٢). المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني. اتَّفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ، يجبُ الأخذُ به، وتحرُمُ مُخالفتُه، قالَ الخطيبُ البغداديّ (ت: ٤٦٢): «إجماعُ أهلِ الاجتهادِ في كُلِّ عصرٍ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرعِ، ودليلٌ مِنْ أدلَّةِ الأحكامِ، مقطوعٌ على مَغِيبِه، ولا يجوزُ أن تجتمعَ الأمَّةُ على الخطأِ» (٣). والأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ على حُجِّيَّةِ الإجماعِ كثيرةٌ متظاهرةٌ، وقد ذكرَ أكثرُ العلماءِ وعامَّةُ الأصوليِّين أنَّه لا مدخلَ للعقلِ في إثباتِ الإجماعِ دليلاً؛ لأنَّ

стр. 285

العقلَ لا يمنعُ مِنْ إجماعِ طائِفةٍ كثيرةٍ مِنْ النَّاسِ على الكذبِ أو الخطأِ؛ كأصحابِ المِلَلِ الضَّالَّةِ، والأديانِ المُحرَّفةِ (١)، لكنَّ الله تعالى عصمَ هذه الأمَّةَ في إجماعِها؛ فلا تجتمعُ على باطلٍ أبداً، وإذا أجمعَتْ على أمرٍ فهو الحَقُّ. ومِن الأدلَّةِ على ذلك ما يأتي: أوَّلاً: قولُه تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، ووجه الدَّلالةِ أنَّ الله تعالى جمعَ بين مشاقَّةِ الرسولِ ﷺ واتِّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنين في الوعيدِ، -وسبيلُ المَرءِ: ما يختارُه مِنْ قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ-، فدلَّ على أنَّ كُلّاً مِنهما مُحرَّمٌ، ومِن ثَمَّ فاتِّباعُ سبيلِ المؤمنين واجِبٌ، وذلك معنى كونِ الإجماعِ حُجَّةً (٢)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «والآيةُ دلَّت على أنَّ مُتَّبعَ غيرِ سبيلِ المؤمنين مُستحقٌّ للوعيدِ، كما أنَّ مُشاقَّ الرسولِ مِنْ بعدِ ما تبيَّنَ له الهُدى مُستحقٌّ للوعيدِ، ومعلومٌ أنَّ هذا الوصفَ يوجِبُ الوعيدَ بمُجرَّدِه، فلو لم يكُن الوصفُ الآخرُ يدخلُ في ذلك لكانَ لا فائِدةَ في ذِكرِه» (٣). ثانياً: قولُه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى

стр. 286

النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوَسَطُ: العَدلُ الخِيارُ (١). ودلالَةُ الآيةِ مِنْ ثلاثةِ وجوهٍ (٢): ١ - أنَّ هذه الأمَّةَ عدلٌ خيارٌ؛ لا تُبلِّغُ عن الله إلا الحقَّ، فاتَّفاقُها على تبليغِ الشَّرعِ حقٌّ. ٢ - أنَّ الله جعلَهم شُهداءَ على النَّاسِ، وأقامَ شهادتَهم مقامَ شهادةِ الرسولِ ﷺ ، ومَن كانَ كذلك فقولُه حُجَّةٌ قطعاً؛ لأنَّهم لا يشهدون بالباطلِ، وإنَّما يشهدون بالحقِّ. ٣ - أنَّهم لو كانوا يشهدون بباطلٍ أو خطأٍ لم يكونوا شُهداءَ الله في الأرضِ، فدلَّ ذلك على أنَّ الأُمَّةَ لا تشهدُ على الله إلا بحقٍّ، فكانَ إجماعُهم حُجَّةً. ثالثاً: قولُه تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ووجه الدَّلالةِ أنَّ الله وصفَ الأمَّةَ بأنَّهم يأمرون بكلِّ معروفٍ، وينهون عن كلِّ مُنكرٍ، فلو قالَت الأمَّةُ في الدّينِ بما هو ضلالٌ لم تكُن كذلك، فكانَ إجماعُها حُجَّةً. (٣) رابعاً: قولُه تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ووجه الدَّلالةِ أنَّه إذا لم يوجَد تنازعٌ فالاتِّفاقُ على الحُكمِ كافٍ عن الرَّدِّ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا هو حقيقةُ الإجماعِ، «ولو كانوا قد يجتمعون

стр. 287

على ضلالةٍ لكانوا حينئِذٍ أَوْلى بوجوبِ الرَّدِّ إلى الله والرَّسولِ مِنهم إذا تنازعوا» (١). خامساً: الآياتُ الكثيرةُ الدَّالَّةُ على وجوبِ الاجتماعِ، والنَّهي عن الافتراقِ، كقولِه تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقولِه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ونحوِها مِنْ الآياتِ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «وهذا أحدُ الأدلَّةِ على أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ قاطعةٌ؛ فإنَّهم إذا اجتمعوا كانوا مُطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعةُ الله ورحمتُه بفعلٍ لم يأمر الله به؛ مِنْ اعتقادٍ، أو قولٍ، أو عملٍ، فلو كانَ القولُ أو العملُ الذي اجتمعوا عليه لم يأمُر الله به، لم يكن ذلك طاعةً لله ولا سبباً لرحمتِه» (٢). سادساً: دلالةُ السُّنَّةِ النبويَّةِ، «وهي أقربُ الطُّرقِ في إثباتِ كونِ الإجماعِ حُجَّةً قاطعةً» (٣)، فقد تظاهرَت الأحاديثُ عن جمهرَةٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵃، في تقريرِ وجوبِ لزومِ الجماعةِ، وتركِ الفُرقةِ، وعِصمةِ هذه الأمَّةِ عن الخطأِ والضَّلالِ، ومِنها (٤): ١ - قولُه ﷺ : «مَنْ أرادَ بحبوحةَ (٥) الجنَّةِ فليلزمْ الجماعةَ» (٦)،

стр. 288

واستدلَّ به الشَّافعيُّ (ت: ٢٠٤) مِنْ جِهةِ أنَّه لا يقدرُ أحدٌ على لُزومِ أبدانِ جماعةٍ مُتفرِّقين في البُلدانِ، ولو حصلَ اجتماعُ أبدانٍ فلا معنى للُزومِه، فكانَ المُرادُ قطعاً: لزومُ جماعتِهم في التَّحليلِ والتَّحريمِ والطَّاعةِ. (١) ٢ - وقولُه ﷺ : «لا تزالُ طائِفةٌ مِنْ أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، حتى يأتي أمرُ الله» (٢)، ووجه دلالتِه أنَّ وجودَ الطائِفةَ القائمةَ بالحقِّ إلى يومِ القيامةِ يضمنُ عدمَ اتِّفاقِ الأمَّةِ على ضلالةٍ، وهذا معنى حُجِّيَّةِ الإجماعَ. ٣ - وقولُه ﷺ : «المؤمنون شهداءُ الله في الأرضِ» (٣)، ووجه دلالتِه أنَّ الله جعلَهم شُهداءَه على أحكامِه، وشُهداءُ الله عُدولٌ، فشهادَتُهم على شيءٍ مِنْ أحكامِه واجِبةُ القبولِ، وهذا معنى حُجِّيَّةِ الإجماعَ. ٤ - وقولُه ﷺ : «مَنْ فارقَ الجماعةَ ماتَ ميتةً جاهليَّةً» (٤)، ووجه دلالَتِه مِنْ جِنسِ ما استدلَّ به الشَّافعيُّ (ت: ٢٠٤) في الحديثِ الأوَّلِ، وقد تُوُعِّدَ هنا مَنْ فارقَ الجماعةَ، فدلَّ على وجوبِ لزومِها؛ وذلك بلزومِ أقوالِها في الدِّينِ، وهذا هو معنى حُجِّيَّةِ الإجماع. والاحتجاجُ بمجموعِ هذه الأحاديثِ وأمثالِها يقعُ مِنْ وجهَيْن:

стр. 289

أوَّلُهما: ما نصَّ عليه الأئمَّةُ مِنْ أنَّ مجموعَ هذه النُّصوصِ يُفيدُ تواتراً معنويّاً يُقطَعُ به على حُجِّيَّةِ الإجماعِ، قالَ الخطيبُ البغداديّ (ت: ٤٦٢) عن هذه الأحاديثِ: «إنَّها أحاديثُ تواتُرٍ مِنْ طريقِ المعنى؛ لأنَّ الألفاظَ الكثيرَةَ إذا وردت مِنْ طُرُقٍ مُختلفةٍ ورُواةٍ شَتّى ومعناها واحِدٌ = لم يجُزْ أن يكونَ جميعُها كذِباً، ولم يكُن بُدٌّ مِنْ أن يكونَ بعضُها صحيحاً» (١)، وقالَ الشَّاطبي (ت: ٧٩٠): «للاجتماعِ مِنْ القوَّةِ ما ليس للافتراقِ، ولأجلِه أفادَ التَّواترُ القطعَ، وهذا نوعٌ مِنه، فإذا حصلَ مِنْ استقراءِ أدلَّةِ المسألةِ مجموعٌ يُفيدُ العلمَ فهو الدَّليلُ المطلوبُ .. ، وإذا تأمَّلتَ أدلَّةَ كونِ الإجماعِ حُجَّةً، أو خبرَ الواحدِ، أو القياسِ حُجَّةً، فهو راجِعٌ إلى هذا المساقِ؛ لأنَّ أدلَّتها مأخوذةٌ مِنْ مواضِعَ تكادُ تفوتُ الحصرَ، وهي مع ذلك مُختلِفةُ المساقِ لا ترجعُ إلى بابٍ واحدٍ، إلا أنَّها تنتظِمُ المعنى الواحدَ الذي هو المقصودُ بالاستدلالِ عليه» (٢). وثانيهما: «أنَّ هذه الأحاديثَ لم تزلْ ظاهرةً مشهورةً بين الصَّحابةِ ومَن بعدهم، مُتمسَّكاً بها فيما بينهم في إثباتِ الإجماعِ، مِنْ غيرِ خلافٍ فيها ولا نكيرٍ، إلى زمانِ وجودِ المُخالفين، والعادةُ جاريةٌ بإحالةِ اجتماعِ الخلقِ الكثيرِ، والجَمِّ الغفيرِ -مع تكرُّرِ الأزمانِ، واختلافِ هِمَمِهم ودواعيهم ومذاهبِهم- على الاحتجاجِ بما لا أصلَ له في إثباتِ أصلٍ مِنْ أصولِ الشَّريعةِ؛ وهو الإجماعُ المحكومُ به على الكتابِ

стр. 290

والسُّنَّةِ، مِنْ غيرِ أن يُنبِّه أحدٌ على فسادِه وإبطالِه، وإظهارِ النَّكيرِ فيه» (١)، وهذا ليس إثباتاً للإجماعِ بالإجماعِ، وإنَّما استدلالٌ بالعادةِ الجاريةِ في مثلِ ذلك. سابعاً: أنَّه قد ثبتَ في كُلِّ عصرٍ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين فمَن بعدَهم القطعُ بتخطئَةِ المُخالفِ للإجماعِ، وشدَّدوا النَّكيرَ عليه، وعدّوا ذلك مُروقاً مِنْ الدِّينِ، وما حملَهم على ذلك إلا وجودُ مُستندٍ قاطعٍ دلَّ على تخطئَةِ المُخالفِ، ووجوبِ اتِّباعِ الإجماعِ (٢)، وهذا أيضاً ممّا جرَتْ به العادةُ في مثلِه. ثامِناً: أنَّ الله تعالى جعلَ الرسولَ ﷺ خاتمَ النَّبيِّين، وحكمَ ببقاءِ شريعتِه إلى يومِ القيامةِ، فلا بُدَّ مِنْ ظهورِ شريعتِه في النَّاسِ إلى يومِ القيامةِ، وقد انقطعَ الوحيُ بموتِه، فعرَفنا ضرورةً أنَّ طريقَ بقاءِ شريعته يتمثَّلُ في عِصمةِ الله أُمَّتَه مِنْ أن يُجمعوا على ضلالةٍ، فإنَّ الإجماعَ على الضَّلالةِ رفعٌ للشَّريعةِ. (٣) هذه جُملةُ الأدلَّةِ القاطعةِ بحُجِّيَّةِ الإجماعِ، وقد أفادَتْ مِنْ ضمنِ ما أفادَتْ أمرَيْن: الأوَّل: لا يُشترَطُ لصِحَّةِ الإجماعِ أن يبلغَ المُجمعون عددَ التَّواترِ؛

стр. 291

لأنَّ الدَّليلَ الشَّرعيَّ لم يشترطْ ذلك، بل علَّقَ العصمةَ على الاتِّفاقِ فقط، دون اشتراطِ عددٍ مُعيَّنٍ، فمتى ثبتَ الاتِّفاقُ قامتْ به الحُجَّةُ. (١) الثّاني: الإجماعُ حُجَّةٌ ماضيةٌ في جميعِ العصورِ، سواءٌ في ذلك عصرَ الصَّحابةِ فمَن بعدَهم؛ لأنَّ أدلَّةَ الإجماعِ عامَّةٌ مُطلَقةٌ، فلا يصحُّ حصرُها بغيرِ دليلٍ شرعيٍّ. (٢) المطلبُ الثالثُ: أوجه الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني. تتبيَّنُ أوجهُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني عندَ ابنِ جرير (ت: ٣١٠) ببيانِ جانبَيْن، هما: ٣ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ الإجماعِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠). ٤ - أوجهُ الاستدلالِ بدليلِ الإجماعِ على المعاني. وفيما يأتي بيانُهما: أوَّلاً: صِيَغُ إيرادِ دليلِ الإجماعِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠). تعدَّدتْ الصِّيغُ التي عبَّرَ بها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن الإجماعِ في تفسيرِه، والذي يدخلُ مِنها في بابِ الإجماعِ اتِّفاقاً هو: ما نصَّ فيه على لفظِ الإجماعِ وما في معناه مِنْ تصاريفِه، أو الاتِّفاقِ، أو نفي الخلافِ. وهو ما اعتبرناه في جميعِ المواضِعِ التي اُحصِيَتْ مِنْ إجماعاتِه، ومِن عباراتِه في ذلك: (أجمعَ أهلُ التَّأويلِ، جميعُ

стр. 292

المُفسرين مُجمعون، اتَّفقَ أهلُ التَّأويلِ، لا خلافَ بين أهلِ التَّأويلِ، لم يُخالف في ذلك أحدٌ) (١). وتلك العباراتُ تتفاوتُ في الدَّلالةِ على معنى الإجماعِ وقطعيَّتِه: ١ - فأعلاها ما تأكَّدَ فيه الإجماعُ بذكرِ وصفَيْن فأكثرَ، مِنْ مثلِ قولِه: (أجمعَ أهلُ التَّأويلِ جميعاً لا خلافَ بينهم، لا خلافَ بين أهلِ التَّأويلِ جميعاً) (٢). ٢ - ثُمَّ يليه ما ذُكرَ فيه لفظُ الإجماعِ صراحةً، ويلحقُ به ما تصرَّفَ مِنه ممّا في معناه، وذلك كقولِه: (جميعُ الأُمَّةِ، جميعُ أهلِ التَّأويلِ، الجميعُ مُجمعون) (٣)، وقريبٌ مِنه التعبيرُ باتِّفاقِ العلماءِ، كما في قولِه: (اتِّفاقُ جميعِ السَّلف، اتِّفاقُ أهلِ التَّأويلِ) (٤). ٣ - ثُمَّ يليها نفيُ الخلافِ، ومِن ذلك قولُه: (لا خلافَ بين جميعِ الأُمَّةِ، لا خلافَ بين أهلِ التَّأويلِ) (٥).

стр. 293

وله عباراتٌ أُخرى قريبةُ المعنى مِنْ الإجماعِ، وشديدةُ الشَّبهِ بألفاظِه، إلا أنَّها ليست نصّاً في إرادةِ الإجماعِ؛ ولذلك لم تُعتبَرْ مِنْ النَّوعِ السَّابقِ، إلا إن وُجِدَ في سياقِ كلامِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) ما يدلُّ على إرادتِه الإجماعَ بها، فإنَّا نعتبرُها كذلك، ومِن ألفاظِه في ذلك: (عامَّةُ المفسرين، تفسيرُ المفسرين، جماعةُ أهلِ التَّأويلِ، تأويلُ أهلِ التَّأويلِ، تأويلُ أهلِ العلمِ، أقوالُ أهلِ العلمِ، عامَّةُ علماءِ المسلمين، قالَ أهلُ التَّأويلِ) (١). وبالتّأمُّلِ في أساليبِ إيرادِ تلك الصِّيغِ دليلاً على المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، نجدُه يسوقُها في ثلاثِ صورٍ: الأولى: التَّصريحُ بالاستدلالِ بالإجماعِ، كما في قولِه: «فإن قالَ قائِلٌ: فإنَّ ذِكرَ الجِماعِ غيرُ موجودٍ في كتابِ الله تعالى ذِكرُه، فما الدَّلالةُ على أنَّ معناه ما قُلتَ؟ قيلَ الدَّلالةُ على ذلك إجماعُ الأُمَّةِ جميعاً على أنَّ ذلك معناه» (٢)، وقولِه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا أيضاً تأويلٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مُخالفٌ، وكفى بذلك شاهداً على خطئِه» (٣). الثانيةُ: ذِكرُ الإجماعِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، كما في قولِه: «وأجمعَ أهلُ التَّأويلِ جميعاً على أنَّ الله تعالى ذِكرُه قد جعلَ لأهلِ

стр. 294

الفاحشةِ مِنْ الزُّناةِ والزَّواني سبيلاً بالحدودِ التي حكمَ بها فيهم» (١)، وقولِه في قولِه تعالى ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]: «وهُم: أوثانُهم. بإجماعٍ مِنْ أهلِ التَّأويلِ عليه» (٢). الثالثةُ: إيرادُ الإجماعِ على سبيلِ التعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك أنَّ الحدَّ الذي لا يُجزئ المُتيمِّمَ أن يُقصِّرَ عنه في مَسحِه بالتُّرابِ مِنْ يديه: الكفَّانُ إلى الزَّندَيْن؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ التَّقصيرَ عن ذلك غيرُ جائِزٍ» (٣)، وقولُه مُعلِّلاً فسادَ بعضِ الأقوالِ: «لإجماعِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ على تخطئةِ ما ادَّعى مِنْ التَّأويلِ في ذلك، وكفى شاهداً على خطأِ مقالةٍ إجماعُهم على تخطِئتِها» (٤). ثانياً: أوجهُ الاستدلالِ بدليلِ الإجماعِ على المعاني. تتعدَّدُ أوجه استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالإجماعِ على المعاني إلى نوعَيْن: أوَّلُهما: أوجه الاستدلالِ بالإجماعِ بحسبِ مصدَرِه، وينقسمُ بهذا الاعتبارِ إلى قسمَيْن (٥):

стр. 295

١ - إجماعُ العامَّةِ؛ وهو اتِّفاقُ جميعِ المسلمين على أمرٍ شرعيٍّ. وهذا عامٌّ يشملُ العلماءَ وغيرَهم؛ وذلك فيما لا يجوزُ الجَهلُ به مِنْ الدّينِ، وما عُلِمَ ضرورةً، كإجماعِهم على القِبلةِ أنَّها الكَعبةُ، وعلى وجوبِ الصَّلاةِ، وتحريمِ الزِّنا، ونحوِها. وممّا نقلَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ ذلك قولُه: «وفي إجماعِ أهلِ الإسلامِ جميعاً على تصويبِ قولِ القائلِ: اللهم إنّا نستعينُك. وتخطِئَتِهم قولَ القائلِ: اللهم لا تجُرْ علينا = دليلٌ واضِحٌ على خطأِ ما قالَ الذين وصفتُ قولَهم» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية: «فكلُّ هؤلاءِ اللواتي سمّاهنَّ الله ﵎ وبيَّنَ تحريمَهنَّ في هذه الآيةِ، مُحرَّماتٌ غيرُ جائزٍ نكاحُهنَّ لمَن حرَّمَ الله ذلك عليه مِنْ الرِّجالِ، بإجماعِ جميعِ الأُمَّةِ، لا اختلافَ بينهم في ذلك» (٢). ٢ - إجماعُ الخاصَّةِ؛ وهو اتِّفاقُ جميعِ المجتهدين على أمرٍ شرعيٍّ. وهو خاصٌّ بأهلِ العلمِ دون غيرِهم؛ كإجماعِهم على أنَّ الوَطءَ مُفسِدٌ للصَّومِ، وأنَّ البيِّنةَ على المُدَّعي واليَمينَ على المُدَّعى عليه، ونحوِها. وممّا نقلَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عنهم قولُه في قولِه تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، «والمُكفِّرُ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينِه التي حنثَ فيها، بإحدى هذه الحالاتِ الثَّلاثِ التي

стр. 296

سمّاها الله في كتابِه .. ، بإجماعٍ مِنْ الجَميعِ، لا خلافَ بينهم في ذلك» (١)، وقولُه عن بعضِ اختيارِه: «وإنَّما قُلنا ذلك هو الصَّوابُ؛ لإجماعِ أهلِ التَّأويلِ عليه» (٢)، وقولُه مُعلِّلاً فسادَ بعضِ الأقوالِ: «لخروجِه عن أقوالِ جميعِ الصَّحابةِ والتّابعين فمَن بعدَهم مِنْ الخالِفين؛ مِنْ أهلِ التَّفسيرِ والتَّأويلِ» (٣). ثانيهما: أوجه الاستدلالِ بالإجماعِ بحسبِ مُتعلَّقِه، وينقسمُ بهذا الاعتبارِ إلى قسمَيْن: ١ - الإجماعُ على المعنى المباشرِ، وهذا الإجماعُ هو دليلُ المعنى الذي يؤسِّسُه، ويشهدُ له نصّاً بالصَّوابِ أو الخطأِ، وهو حُجَّةٌ قطعاً، يجبُ الأخذُ به، وتحرمُ مُخالفتُه، ومثالُه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وأمّا قولُه ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فلا خلافَ بينَهم في أنَّ معناه: ولن يجعلَ الله للكافرين يومئذٍ على المؤمنين سبيلاً» (٤)، وقولُه: «وإنَّما قُلنا ما قُلنا مِنْ ذلك لإجماعِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ إسماعيلَ معنيٌّ بالخبرِ الذي أخبرَ الله عنه وعن أبيه أنَّهما كانا يقولانِه؛ وذلك قولُهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]» (٥).

стр. 297

٢ - الإجماعُ المُمَهِّدُ لدليلِ المعنى، فهو هنا: دليلُ الدَّليلِ؛ وصورتُه: أن يَذكرَ الإجماعَ على إحدى مُقدِّماتِ الدَّليلِ الذي يريدُ الاستدلالَ به على المعنى، فالإجماعُ هنا ليسَ هو الدَّليلُ لصِحَّةِ المعنى أو بُطلانِه، وإنَّما خادمٌ للدَّليلِ المُباشِرِ على المعنى، ومُمَهِّدٌ له، ويُقدِّمُه مِنْ هذا الوجهِ. ووجودُ هذا النَّوعِ مِنْ الإجماعِ في سياقِ الاحتجاجِ به على المعنى لا يوجِبُ الأخذَ به، أو تحريمَ مُخالفتِه، وإنَّما النَّظرُ في دليلِه الذي مُهِّدَ له به، ومثالُه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في قولِه تعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] بعدَ أن اختارَ أنَّه الحَدُّ: «وإنَّما قُلنا الواجبُ عليها إذا هي امتنعَت مِنْ الالْتعانِ بعدَ الْتِعانِ الزَّوجِ: الحَدُّ الذي وصَفْنا؛ قياساً على إجماعِ الجميعِ على أنَّ الحَدَّ إذا زالَ عن الزَّوجِ بالشَّهاداتِ الأربعِ، على تصديقِه فيما رماها به = أنَّ الحَدَّ عليها واجِبٌ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢]: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ الآيةِ عندنا ما قالَه مُجاهدٌ، ومَن قالَ: هُمْ الملائِكةُ؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤُه ابتدأَ القَسَمَ بنوعٍ مِنْ الملائِكةِ؛ وهُم الصَّافّون. بإجماعٍ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، فلَأن يكونَ الذي بعدَه قَسَماً بسائِرِ أصنافِهم أشْبَه» (٢)، فدليلُ الإجماعِ في هذين المثالَيْن جاءَ مُمَهِّداً للاستدلالِ بنظيرِ المعنى، وبالسّياقِ.

стр. 298

المطلبُ الرابع: ضوابطُ الاستدلالِ بالإجماعِ على المعاني ومسائِلُه. أوَّلاً: أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) صِفةَ الإجماعِ في جُملةٍ مِنْ المواضِعِ، يتبيَّنُ بها مفهومُه، وتتحدَّدُ معالِمُه، وهي: ١ - اتِّفاقُ أهلِه عليه. (١) ٢ - لا يجوزُ عليهم فيه الخطأُ، والكذبُ، والسَّهوُ، والتواطؤُ والتَّشاعُرُ، وذلك لمحلِّ العِصمةِ فيه. (٢) ٣ - النَّقلُ المُستفيضُ وراثةً عمَّن لا يجوزُ خلافُه مِنْ الحُجَّةِ، وذلك في عامَّةِ الإجماعاتِ التي يحكيها، وليس ذلك وصفاً لازماً عندَه لكلِّ إجماعٍ. (٣) ٤ - يقطعُ العذرَ مجيئُه، ويدفعُ الشَّكَّ ورودُه، وذلك مِنْ أثرِه، وقوَّةِ دلالَتِه (٤)؛ ولذلك يدعُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ظاهرَ القرآنِ والسُّنَّةِ لدلالةِ الإجماعِ القَطعيَّةِ (٥). ومِن عِبارَتِه في بيانِ ما سبقَ قولُه: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك .. ، بنقلِ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ الخطأُ فيما نقلَته مُجمِعةً عليه، ولا السَّهوُ، ولا

стр. 299

التواطؤُ والتَّشاعرُ» (١)، وقولُه: «وأمّا الذي قُلنا .. ، فما لا خلافَ فيه مِنْ أهلِ العلمِ جميعاً، فصحَّ ما قُلنا في الآيةِ مِنْ التَّأويلِ بالنَّقلِ المُستفيضِ وراثةً عمَّن لا يجوزُ خلافُه» (٢)، وقولُه: «ذلك قالَته الأُمَّةُ عن بيانِ الله جلَّ ثناؤُه على لسانِ رسولِه ﷺ ، فنقلَتْه أُمَّةُ نبيِّه ﵇ نقلاً مُستفيضاً، قطعَ العُذرَ مجيئُه، ودفعَ الشَّكَّ فيه عن قلوبِ الخلقِ ورودُه» (٣). وقد ذكرَ ياقوتُ الحمويّ (٤) (ت: ٦٢٦) شيئاً مِنْ معنى الإجماعِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ بعضِ كُتبِه المفقودةِ، فقالَ: «وقد كانَ محمد بن داود الأصبهاني (٥) لمّا صنَّفَ كتابَه المعروفَ ب (كتابِ الوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ) ذكرَ في بابِ الإجماعِ عن أبي جعفرٍ الطّبريِّ أنَّ الإجماعَ عنده: إجماعُ هؤلاءِ المُقدَّمِ ذِكرُهم الثّمانيةُ نفرٍ دون غيرِهم (٦)؛

стр. 300

تقليداً مِنه لمّا قالَ أبو جعفر: أجمعوا، وأجمعَت الحُجَّةُ على كذا. ثُمَّ قالَ في تصديرِ بابِ الخِلافِ: ثُمَّ اختلفوا فقالَ مالكٌ، وقالَ الأوزاعيُّ كذا، وقالَ فلانٌ كذا = أن الذين حكى عنهم الإجماعَ هم الذين حكى عنهم الاختلافَ، وهذا غلطٌ مِنْ ابنِ داود، ولو رجعَ إلى كتابِه في رسالةِ (اللطيفِ)، وفي رسالةِ (الاختلافِ)، وما أَودعَه كثيراً مِنْ كُتُبِه؛ مِنْ أنَّ الإجماعَ هو: نقلُ المُتواترين لِما أجمعَ عليه أصحابُ رسولِ الله ﷺ مِنْ الآثارِ، دون أن يكونَ ذلك رأْياً ومأْخوذاً مِنْ جِهةِ القياسِ = لعلِمَ أنَّ ما ذهبَ إليه مِنْ ذلك غلطٌ فاحِشٌ، وخطأٌ بيِّنٌ» (١)، وما فهمَه ياقوتُ (ت: ٦٢٦) مِنْ معنى الإجماعِ عندَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) لا يكادُ ينطبقُ على مذهبِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) الذي نصَّ عليه، وسارَ عليه باطِّرادٍ؛ فاشتراطُ التّواترِ، وقصرُ الإجماعِ على طبقةِ الصَّحابةِ ﵃ = كُلُّ ذلك مِمّا يُخالفُ منهجَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فيه، وسيأتي بيانُ ذلك -بإذنِ الله- في شروطِ الإجماعِ، وربَّما كانَ بعضُ ذلك رأْياً لابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في أوَّلِ أمرِه وتأليفِه، فكتابُ (الاختلافِ) «أوَّلَ ما صَنَّفَ مِنْ كُتُبِه» (٢)، ثُمَّ تحرَّرَ له سواه بعد ذلك. وقد أفادَ هذا النَّصُّ فيما أفادَ: أنَّ الخطأَ في فهمِ معنى الإجماعِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قديمٌ؛ ولعلَّ مردَّ ذلك إلى أنَّ تعريفَه للإجماعِ لم يكُنْ ظاهراً مُتداولاً في عامَّةِ كُتُبِه، وربَّما أبانَ عنه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في بعضِ كتبِه في الأصولِ غيرَ أنَّها لم تشتهِرْ عنه، أو فُقِدَتْ مُبكِّراً فيما

стр. 301

فَقِدَ مِنْ كُتُبِه، فصارَ مَنْ رأى كلاماً لابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في الإجماعِ في بعضِ كُتُبِه عدَّه مذهبَه في الإجماعِ، بلا جمعٍ أو استقصاءٍ؛ فظهرَ الخللُ في كثيرٍ مِنْ تلك المعاني عند عرضِها على مجموعِ كلامِه، والله أعلمُ. ثانياً: أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) حُكمَ الإجماعِ نصّاً في كثيرٍ مِنْ المواضِعِ، وممّا قرَّرَه في ذلك ما يأتي: ١ - لا يجوزُ خلافُ الحُجَّةِ فيما جاءَت به مُتَّفقةً عليه. (١) ٢ - الواجبُ التسليمُ لما أجمعوا، وإن احتملَتْ الآيةُ معنىً غيرَ الذي ذكروا. (٢) ٣ - لم يخالفْ الإجماعَ أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأُمَّةِ. (٣) ٤ - لولا ما ذكرتُ مِنْ الإجماعِ لقلتُ به. (٤) ٥ - حسبُ قولٍ خطأً أن يكونَ خلافَ الإجماعِ. (٥) ومِن عِبارَتِه في بيانِ ما سبقَ قولُه: «غيرُ جائزٍ عندنا أن يُتعدَّى ما أجمعَتْ عليه الحُجَّةُ» (٦)، وقولُه: «ولهذا الذي قالَه مذهبٌ ووَجهٌ، لولا أنَّ أهلَ التَّأويلِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين على خِلافِه، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ

стр. 302

خلافُهم فيما كانوا عليه مُجمعين» (١)، وقولُه: «وذلك قولٌ خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين، وحسبُ قَولٍ خطأً أن يكونَ خلافاً لِقَولِ مَنْ ذَكرْنا» (٢). ثالثاً: شروطُ الإجماعِ جاءَتْ ظاهرةً في كثيرٍ مِنْ مواضِعِ الإجماعاتِ التي ذكرَها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وهذا بيانُها: ١ - أن يكونَ مستَندُه نصّاً شرعيّاً، وقد نصَّ على ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ؛ مِنها قولُه: «قالَ جماعةُ أهلِ التَّأويلِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين ومَن بعدَهم مِنْ الخالِفين .. ؛ واعتلَّ قائِلو هذه المقالَةِ بأنَّ للجُنبِ التيمُّمَ إذا لم يجدِ الماءَ في سفرِه بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك نقلاً عن نبيِّها ﷺ ؛ الذي يقطعُ العذرَ، ويُزيلُ الشَّكَّ» (٣)، وقولُه: «بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك نقلاً عن نبيِّها ﷺ ) (٤)، وقولُه: «وفي إجماعِ الجميعِ على أنَّ حكمَ الله في أهلِ الحربِ مِنْ المُشركين قتلُهم؛ أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المقدسَ، في أشهُرِ الحُرُمِ وغيرِها = ما يُعلمُ أنَّ المنعَ مِنْ قَتلِهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ» (٥)، ولا نسخَ إلا بنصٍّ، كما قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «نسخُ الأحكامِ مِنْ قِبلِ الله جلَّ وعزَّ، لا مِنْ قِبلِ العِبادِ». (٦)

стр. 303

وعلى هذا الشَّرطِ جُمهورُ العلماءِ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «لا يوجدُ مسألةٌ يتَّفقُ الإجماعُ عليها إلا وفيها نصٌّ» (١). ٢ - أن يكونَ مِنْ المُجتهدين في هذا العلم، وقد وصفَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أهلَ الإجماعِ ب (الحُجَّةِ)، ولا يكونُ كذلك إلا مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ فيه، ومثلُه وصفُهم ب (أهلِ التَّأويلِ)، و (علماءِ الأُمَّةِ)، ولا يتأهَّلُ لذلك إلا المُجتهِدُ، وممّا قالَه في ذلك: «أجمعَت الحُجَّةُ مِنْ أهلِ التَّأويلِ جميعاً على أنَّ الصِّراطَ المُستقيمَ هو الطريقُ الواضِحُ الذي لا اعوجاجَ فيه» (٢)، وقالَ: «وهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرتضى معرفتُهم بتأويلِ القرآن» (٣). وابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) يعتبرُ إجماعَ كُلِّ أهلِ فنٍّ في فنِّهم؛ فينقُلُ عن أهلِ التَّأويلِ في فنِّهم، وكذا عن القرَّاءِ، وأهلِ العلمِ بالسِّيَرِ، وأخبارِ الأوَّلين، وأهلِ اللغةِ، وغيرِهم، كُلٌّ في فَنِّه الذي هو مِنْ أهلِ الاجتهادِ فيه، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]: «وأَوْلى هذَيْن القولَيْن بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك يومَ أُحدٍ؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤُه قالَ في الآيةِ التي بعدها ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ولا خلافَ بين أهلِ التَّأويلِ أنَّه عُنيَ بالطّائفتَيْن بنو سَلِمةَ وبنو حارِثةَ، ولا خلافَ بين أهلِ

стр. 304

السِّيَرِ والمعرفةِ بمغازي رسولِ الله ﷺ أنَّ الذي ذكرَ الله ﵎ مِنْ أمرِهِما إنَّما كانَ يومَ أُحدٍ دون يومِ الأحزابِ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]: «وفي إجماعِ جميعِ قَرأَةِ أهلِ الإسلامِ على كسرِ الألفِ مِنْ ﴿إِنْ﴾ دليلٌ واضِحٌ على خطأِ تأويلِ مَنْ تأوَّلَ ﴿إِنْ﴾ بمعنى (إذْ) في هذا المَوضِعِ» (٢). وقد نصَّ العلماءُ على اعتبارِ مَنْ له أثرٌ في العلمِ مِنْ المُجتهدين في كُلِّ إجماعٍ، قالَ ابنُ قدامةَ (ت: ٦٢٠): «مَنْ يَعرِفُ مِنْ العلمِ ما لا أثرَ له في معرفةِ الحُكمِ؛ كأهلِ الكلامِ واللغةِ والنّحوِ، ودقائقِ الحسابِ = فهو كالعامّيِّ لا يُعتدُّ بخلافِه؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ عاميٌّ بالنِّسبةِ إلى ما لم يُحَصِّل علمَه، وإن حصَّلَ علماً سواه» (٣)، وقالَ ابنُ القيّم (ت: ٧٥١): «الاعتبارُ في الإجماعِ على كُلِّ أمرٍ مِنْ الأمورِ الدّينيَّةِ بأهلِ العلمِ به دون غيرِهم» (٤). ٣ - أن يكونَ مِنْ الجميعِ بلا مُخالفٍ مُعتبرٍ، وتلك حقيقةُ الإجماعِ: الاتِّفاقُ العامُّ. فلو خالفَ واحدٌ مِنْ أهلِ الاجتهادِ لما كانَ إجماعاً، وذلك ما نراه في كثيرٍ مِنْ تعبيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن الإجماعِ، مِنْ نحوِ ذِكرِه: (الجميعَ، والأُمَّةَ، وجميعاً، وأهلَ المِلَّةِ) ونحوَها مِنْ الألفاظِ العامَّةِ، كما في قولِه: «وذلك إن قالَه قائلٌ خروجٌ مِنْ قولِ أهلِ

стр. 305

المِلَّةِ» (١)، وقولِه: «وفي إجماعِ أهلِ الإسلامِ جميعاً .. ، دليلٌ واضِحٌ على خطأِ ما قالَ» (٢). وقد قرَّرَ أهلُ العلمِ أنَّ خلافَ الواحدِ مِنْ المجتهدين إنَّما يمنعُ انعقادَ الإجماعِ في أحَدِ ثلاثةِ أحوالٍ: الأولى: أن يكونَ خلافاً مُعتبراً، فيما يسوغُ فيه الاجتهادُ، أمّا خلافُه بغيرِ دليلٍ مُعتبرٍ، أو في مقابلِ النَّصِّ = فشُذوذٌ لا يؤثِّرُ في صِحَّةِ الإجماعِ وانعقادِه. الثّانية: أن لا يُنكِرَ عليه أهلُ الإجماعِ قولَه، فإن أنكروا قولَه فلا يُعتدُّ بخلافِه، وذلك مِنه أيضاً في معنى الشُّذوذِ. الثّالثة: أن لا يقولَ بقولِ أهلِ الإجماعِ، ثُمَّ ينفردَ عنهم برأيه؛ فتلك حقيقةُ الشُّذوذِ؛ لتحقُّقِ العِصمةِ لرأيهم حالَ الإجماعِ، فالخروجُ عنه بعدَ ذلك شذوذٌ عن الصَّوابِ، قالَ الغزاليُّ (ت: ٥٠٥): «الشَّاذُّ عبارةٌ عن الخارجِ عن الجماعةِ بعدَ الدُّخولِ فيها، ومِن دخلَ في الإجماعِ لا يُقبلُ خلافُه بعدَه؛ وهو الشُّذوذُ، أمّا الذي لم يدخُلْ أصلاً فلا يُسمّى شاذّاً» (٣). أمّا إن كانَ المُخالِفُ مِنْ أهلِ الاجتهادِ، وكانَ خِلافُه فيما يسوغُ فيه ذلك، ولم يُنكِر عليه أهلُ العلمِ غيرُه، ولم يكُن على رأيهم ثُمَّ خالفَهم = فلا إجماعَ، ولا شُذوذَ، ولكُلٍّ رأيُه، والرَّدُّ في ذلك إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «وإذا قيلَ: المُعتبرُ مِنْ أمَّةِ محمدٍ

стр. 306

بعُلمائِها. قيلَ: إذا اتَّفقت علماؤُها على شيءٍ فالباقون يُسلِّمون لهم ما اتَّفقوا عليه، لا يُنازعونَهم فيه؛ فصارَ هذا إجماعاً مِنْ المؤمنين، ومَن نازعَهم بعلمٍ فهذا لا يثبُتُ الإجماعُ دونَه كائناً مَنْ كانَ، أمّا مَنْ ليس مِنْ أهلِ العلمِ فيما تكلَّموا فيه، فذاك وجودُه كعدمِه .. ، وبالجُملةِ: العِصمةُ إنّما هي للمؤمنين لأمَّةِ محمدٍ لا لبعضِهم، لكن إذا اتَّفقَ علماؤُهم على شيءٍ، فسائِرُهم موافقون للعلماءِ، وإذا تنازعوا ولو كانَ المُنازعُ واحداً، وجبَ ردُّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرَّسولِ. وما أحدٌ شذَّ بقولٍ فاسدٍ عن الجمهورِ إلا وفي الكتابِ والسُّنَّةِ ما يُبيِّن فسادَ قولِه، وإن كانَ القائلُ كثيراً .. ، وأمّا القولُ الذي يدلُّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ فلا يكونُ شاذّاً، وإن كانَ القائلُ به أقلَّ مِنْ القائلِ بذاك القولِ» (١). ومذهبُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ أنَّه: لا يعتدُّ بخلافِ الواحدِ والاثنين ونحوِهما مِنْ الأقلِّ، في مقابلِ الجمهورِ الأعظمِ مِنْ الُمجتهدين، كما في قولِه: «لم يأتِ بأنَّ بعضَ ذلك غيرُ داخلٍ في الآيةِ خبرٌ عن الله، ولا عن رسولِه، وكانَت الأمَّةُ أكثرُها مُجمِعٌ على أنَّه فيه داخلٌ» (٢)، وقالَ: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك عندي .. ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك» (٣)، وقد ذكرَ قبلَه خلافَ ابنِ عباسٍ ﵁. (٤)

стр. 307

ويرى القولَ المُخالفَ هنا شذوذاً، كما في قولِه: «لإجماعِ الحُجَّةِ على أنَّ ذلك تأويلُ الآيةِ، ولا يُعارضُ بالقولِ الشَّاذِّ ما استفاضَ به القولُ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (١)، وقالَ عن قولٍ لابنِ سيرين (ت: ١١٠): «قولٌ بعيدٌ مِنْ الصَّوابِ؛ لشذوذِه، وخروجِه عمّا عليه الحُجَّةُ مُجمِعةٌ» (٢)، ولا يَعدُّ خلافَ المُخالِفِ في هذا مُعتبَراً، كما في قولِه: «لإجماعِ جميعِ الحُجَّةِ .. ، لم يُخالفْ ذلك مَنْ يجوزُ أن يُعتَدَّ خلافاً» (٣)، وقالَ: «لا خلافَ بين الجميعِ إلا مَنْ لا يُعدُّ خلافاً» (٤). إلا إن كانَ المُخالِفَيْن أو أكثرَ مِنْ الصَّحابةِ؛ فإنّه يعتدُّ بخلافِهم، كما في ظاهرِ قولِه عند قولِه تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]: «والمُكفِّرُ مخيَّرٌ في تكفيرِ يمينِه التي حنثَ فيها، بإحدى هذه الحالاتِ الثَّلاثِ التي سمّاها اللهُ في كتابِه .. ، بإجماعٍ مِنْ الجميعِ، لا خلافَ بينهم في ذلك. فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ ما قُلنا مِنْ أنَّ ذلك إجماعٌ مِنْ الجميعِ ليس كما قُلنا؛ لِما حدَّثنا .. »، ثُمَّ أسندَ أثرَيْن عن ابنِ مسعودٍ ﵁ أمرَ فيها المُكفِّرَ بالعِتقِ بلا تخيير؛ لأنَّه موسِرٌ، ثُمَّ قالَ: «ونحو هذا مِنْ الأخبارِ التي رُويَت عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما، فإنَّ ذلك مِنهم كانَ على وجهِ الاستحبابِ لمَن أمَروه بالتَّكفيرِ بما أمَروه به بالتَّكفيرِ مِنْ الرِّقابِ، لا على أنَّه كانَ لا يُجزئُ عندَهم التَّكفيرُ

стр. 308

للموسِرِ إلا بالرَّقبةِ؛ لأنَّه لم يَنقُلْ أحدٌ عن أحدٍ مِنهم أنَّه قالَ: لا يُجزئُ الموسِرَ التَّكفيرُ إلا بالرَّقبةِ. والجميعُ مِنْ علماءِ الأمصارِ قديمِهم وحديثِهم مُجمِعون على أنَّ التَّكفيرَ بغيرِ الرِّقابِ جائزٌ للموسِرِ» (١)، فيُفهَمُ مِنْ ذلك أن لو ثبتَت المُخالفةُ عنهما لكانَ لذلك أثرٌ على القَولِ بالإجماعِ، مع ما لأقوالِ الصَّحابةِ مِنْ المكانةِ على الخصوصِ. وسيأتي بيانُ أثرِ مذهبِه في هذا الشَّرطِ في تفسيرِه بإذنِ الله. ٤ - أن يكونَ مِنْ الأحياءِ الموجودين في ذلك العصرِ، لا في كُلِّ العصورِ؛ لأنَّه مُمتنِعٌ، ومآلُه إلى إبطالِ الاستدلالِ بالإجماعِ، لأنَّ وجودَ أهلِ الإجماعِ مُتَّصلٌ في كُلِّ زمانٍ إلى قُبيلِ قيامِ السّاعةِ (٢). والقاعدةُ في هذا: أنَّ الماضي لا يُعتبَر، والمُستَقبلُ لا يُنتَظر. وقد سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه مُعتبراً هذا الشَّرطَ؛ حيثُ ينسِبُ الإجماعَ إلى الصَّحابةِ، والتّابعين، والسَّلفِ، ونحوِهم مِنْ أهلِ كُلِّ عصرٍ. (٣) ٥ - أن يكونَ المُجمعون عدولاً، ويتضمَّنُ ذلك الإسلامَ، والاستقامةَ اعتقاداً وعملاً. وعليه جمهورُ العلماءِ (٤)، والظَّاهرُ مِنْ صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) اشتراطُ ذلك؛ فإنَّه يُعرِّفُ أهلَ الإجماعِ في أكثرِ المواضِعِ ب (الحُجَّةِ)، وذلك يتضمَّنُ معنيَيْن هُما: أهليَّتَهم للاجتهادِ،

стр. 309

وعدالَتَهم. ولم أجدْ له نقلاً للإجماعِ عن غيرِ أهلِ العدالةِ؛ كأهلِ الأهواءِ والبدعِ. (١) رابعاً: توجيه ما حكاهُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ الإجماعِ مع وجودِ المُخالفِ. ذهبَ جماعةٌ مِنْ العلماءِ إلى ما ذهبَ إليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ انعقادِ الإجماعِ مع مُخالفةِ الواحدِ أو الاثنَيْن مُطلقاً (٢)، ورأوا أنَّ ذلك الانفرادَ مِنْ المُخالفِ موجِبٌ لردِّ قولِه. وخالَفَهم جماهيرُ العلماءِ، وبيَّنوا أنَّ الانفرادَ مُعتبرٌ ممَّن كانَ مِنْ أهلِ الاجتهادِ، وفي خلافٍ سائغٍ، ولم تُنكِر الجماعةُ قولَه. فلا يكونُ اتِّفاقُ البقيَّةِ حُجَّةً مع هذا الخلافِ. وهذا هو الصَّوابُ، والمُوافِقُ لعُمومِ أدلَّةِ حُجِّيَّةِ الإجماعِ السَّابقِ ذكرها. (٣) وقد بلغت الإجماعاتُ التي حكاها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه مع وجودِ المُخالفِ (٩٨) إجماعاً، الثَّابتُ مِنها في ذكرِ الإجماعِ مع

стр. 310

وجودِ المُخالفِ المُعتبرِ (٣٥) إجماعاً (١)، والباقي إجماعاتٌ صحيحةٌ لا يُعتبَرُ فيها المُخالفُ، وعددُها (٦٣) إجماعاً، وفيما يأتي توجيهُ عدمِ اعتبارِ المُخالفِ فيها: ١ - أنَّ المُخالفَ فيها غيرُ معتبرٍ في أهلِ الإجماعِ؛ إمّا لعدمِ الأهليَّةِ؛ كخلافِ المعتزلةِ والقدريَّةِ، وإمّا لكونِه ليس مِنْ أهلِ الفَنِّ؛ فحكمُه فيه كالعامّيِّ؛ كخلافِ بعضِ أهلِ اللغةِ لأهلِ التَّفسيرِ كافَّةً، أو خلافِ بعضِ أهلِ التَّأويلِ لأهلِ العلمِ بالمغازي والسِّيَرِ فيما هو مِنْ عِلمِهم. ومثالُ ذلك قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في رَدِّه على القائلين بالتَّفويضِ مِنْ أهلِ القدرِ: «وفي إجماعِ أهلِ الإسلامِ جميعاً على تصويبِ قولِ القائلِ: اللهم إنّا نستعينُك. وتخطِئَتِهم قولَ القائلِ: اللهم لا تجُرْ علينا = دليلٌ واضِحٌ على خطأِ ما قالَ الذين وصفتُ قولَهم، إذْ كانَ تأويلُ قولِ القائلِ عندَهم: اللهم إنّا نستعينُك: اللهم لا تترُك معونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ مِنك» (٢)، وقولُه: «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العلمِ بالغريبِ مِنْ أهلِ البصرةِ (٣)، أنَّ مجازَ قولِه ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]: ويُفرغَ عليهم الصَّبرَ ويُنزِّلَه عليهم، فيَثبُتون لعدوِّهِم. وذلك قولٌ خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مِنْ الصَّحابةِ

стр. 311

والتّابعين، وحسبُ قولٍ خطأً أن يكونَ خِلافاً لقولِ مَنْ ذَكَرنا» (١)، وذكرَ قولَ ابنِ زيدٍ (ت: ١٨٢): «قالَ له اللهُ حين رجعَ مِنْ غَزوِه ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، أرادوا أن يُغيِّروا كلامَ الله الذي قالَ لنبيِّه ﷺ ويَخرجوا معه، وأبى اللهُ ذلك عليهِم ونبيُّه ﷺ ) (٢)، ثُمَّ قالَ: «وهذا الذي قالَه ابنُ زيدٍ لا وجهَ له؛ لأنَّ قولَه الله ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، إنَّما أُنْزِلَ على رسولِ الله ﷺ مُنصَرَفَه مِنْ تبوكَ، وعُنيَ به الذين تخلَّفوا عنه حين توجَّه إلى تبوكَ لغزوِ الرّومِ، ولا اختلافَ بين أهلِ العلمِ بمغازي رسولِ الله ﷺ أنَّ تبوكَ كانَتْ بعد فتحِ خيبرَ، وبعد فتحِ مكةَ أيضاً» (٣). وقد بلغت الإجماعاتُ مِنْ هذا النَّوعِ (٣٥) إجماعاً. ٢ - أنَّ قولَ المُخالفِ ليس ثابتاً عنه؛ فلا ينتقضُ به الإجماعُ، ومثالُه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وأما القولُ الذي رُويَ عن شَهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن عُمرَ ﵁؛ مِنْ تفريقِه بين طلحةَ وحُذَيْفةَ وامرأتَيْهِما اللتَيْن كانَتا كتابيَّتَيْن = فقولٌ لا معنى له؛ لخِلافِه ما الأُمَّةُ مُجتمعَةٌ على تحليلِه بكتابِ الله تعالى ذِكرُه، وخبرِ رسولِه ﷺ . وقد رُويَ عن عمرَ بن الخطّابِ ﵁ مِنْ القولِ خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصَحُّ مِنه،

стр. 312

وهو ما حدَّثني .. » (١)، ثُمَّ ذكرَ أثرَيْن عن عمرَ ﵁ في معنى ذلك. ومثلُه قولُه بعدما ذَكرَ أوجهَ القراءةِ في ﴿السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣]: «وممّا يُبينُ عن أن ذلك كذلك أنَّ جميعَ أهلِ التَّأويلِ الذين رُويَ لنا عنهم في ذلك قولٌ لم يُحكَ لنا عن أحدٍ مِنهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضَمِّه، ولو كانا مُختَلفَيْ المعنى لنُقِلَ الفصلُ مع التَّأويلِ إن شاءَ اللهُ، ولكن معنى ذلك كانَ عندَهم غيرَ مُفتَرِقٍ، ففَسَّروا الحرفَ بغيرِ تفصلٍ مِنهم بين ذلك. وأمّا ما رُويَ عن عكرمةَ في ذلك، فإنَّ الذي نقلَ ذلك عن أيّوبَ: هارونُ (٢). وفي نَقلِه نظرٌ، ولا نعرِفُ ذلك عن أيّوبَ مِنْ روايةِ ثِقاتِ أصحابِه» (٣)، وقد بلغت الإجماعاتُ مِنْ هذا النَّوعِ (٤) إجماعاتٍ. ٣ - أنَّ بعضَه يُظنُّ فيه مخالفٌ وليس الأمرُ كذلك؛ لأنَّ معنى أقوالِهم واحدٌ مُجمعٌ عليه، فيحكي فيه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الإجماعَ، ويظنُّه بعضُهم ممّا فيه خلافٌ، ومثالُه قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في قولِه تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]: «فالذين وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى الزِّنا قالوا: الزِّنا ضررٌ في الدِّينِ، وهو مِنْ العَنَتِ. والذين وجَّهوه إلى الإثمِ قالوا: الآثامُ كُلُّها ضررٌ في الدِّينِ، وهي مِنْ العَنَتِ. والذين وجَّهوه إلى العقوبةِ التي تُعنِتُه في بدنِه مِنْ الحَدِّ فإنَّهم قالوا:

стр. 313

الحَدُّ مضرَّةٌ على بدنِ المحدودِ في دُنياه، وهو مِنْ العَنَتِ. وقد عمَّ اللهُ بقولِه ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] جميعَ معاني العَنَتِ، ويجمعُ جميعَ ذلك الزِّنا؛ لأنَّه يوجِبُ العقوبةَ على صاحبِه في الدنيا بما يُعنِتُ بدنَه، ويكتسبُ به إثماً ومضرَّةً في دينِه ودنياه. وقد اتَّفقَ أهلُ التَّأويلِ الذين هُمْ أهلُه على أنَّ ذلك معناه» (١)، وقد بلغت الإجماعاتُ مِنْ هذا النَّوعِ اثنين. وتحسُنُ الإشارةُ هنا إلى أنَّ التعاملَ مع خلافِ المُفسِّرين بهذا المنهجِ الجريريِّ يُبرزُ حقيقةً امتازَ بها علمُ التَّفسيرِ؛ وهي: أنَّ مادَّةَ الإجماعِ فيه أكثرُ مِنْ مادَّةِ الخلافِ، وتحقيقُ ذلك مِنْ وجوهٍ؛ منها: أنَّ أكثرَ اختلافِ المُفسِّرين من قبيلِ اختلافِ التنوُّعِ لا اختلافَ التضادِّ كما هو معلومٌ، وكثيرٌ مِنْ اختلافِ التنوُّعِ مردُّهُ إلى قَولٍ واحدٍ تنوَّعَت أساليبُ المُفسِّرين في التَّعبيرِ عنه؛ ما بين تفسيرٍ بالمثالِ، وباللازمِ، وبجُزءِ المعنى، وبما يؤولُ إليه المعنى .. ونحوِ ذلك، لكنَّه في حقيقتِه معنىً واحد، وهو ما وقعَ إجماعُهم عليه، وإن تفاوتَتْ أساليبُهم في البيانِ عنه. والوصولُ إلى تلك الغايةِ الجليلةِ يتحقَّقُ باكتسابِ أمرَيْن لازِمَيْن: الأوَّلُ: تمامُ استيعابِ أقوالِ المُفسِّرين في الآيةِ؛ باختلافِ أسانيدِها وألفاظِها. الثّاني: حُسنُ توجيهِ أقوالِهم، وصِحَّةُ فهمِ مقاصدِهم، ودِقَّةُ البيانِ عنهم.

стр. 314

وقد اجتمعا في ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) على التَّمامِ (١)، وما أحسنَ أن يتصدّى أهلُ التّأويلِ بعدَه لحَصرِ مواضِعِ الخلافِ بين المُفسِّرين في تفسيرِه، ثُمَّ التمييزُ بين نَوعَيْ الاختلافِ بينهم، ثُمَّ التّأليفُ بين أقوالِهم بذكرِ المعنى الجامعِ لما اختلفَتْ فيه عباراتُهم. وأجلُّ الثِّمارِ مِنْ ذلك: بيانُ قلَّةِ الخلافِ على الحقيقةِ في التَّفسيرِ، وتحديدُ مقدارِ ما يصحُّ فيه الإجماعُ مِنْ المعاني. ٤ - أنَّ قولَ المُخالفِ يحتملُ معنىً لا ينتقضُ به الإجماعُ، كقولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وأَوْلى التَّأويلَيْن بالآيةِ تأويلُ مَنْ قالَ: إنَّ قولَ الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] نزلَت في المنافقين الذين كانوا على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وإن كانَ معنيّاً بها كُلُّ مَنْ كانَ بمثلِ صِفَتِهم مِنْ المنافقين بعدَهم إلى يومِ القيامة. وقد يحتمِلُ قولُ سلمانَ عندَ تلاوةِ هذه الآيةِ: ما جاءَ هؤلاءِ بعدُ. أن يكونَ قالَه بعدَ فناءِ الذين كانوا بهذه الصِّفةِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، خبراً مِنه عمَّن هو جاءٍ مِنهم بعدَهم ولمّا يَجئْ بعدُ، لا أنَّه عنى أنَّه لم يمضِ ممَّن ذلك صِفتُه أحدٌ. وإنَّما قُلنا: أَوْلى التَّأويلَيْن بالآيةِ ما ذَكرنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ ذلك صفةُ مَنْ كانَ بين ظَهرانَيْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، مِنْ المنافقين، وأنَّ هذه الآياتِ فيهم نزلَتْ، والتَّأويلُ المُجمَعُ عليه أَوْلى بتأويلِ القرآنِ مِنْ قَولٍ لا دلالةَ على صِحَّتِه مِنْ أصلٍ ولا نظيرٍ» (٢)، وقد بلغت الإجماعاتُ مِنْ هذا النَّوعِ (٤) إجماعاتٍ.

стр. 315

٥ - أنَّ خلافَ المُخالِفِ وقعَ بعدَ انعقادِ الإجماعِ، فلا يُعتبَرُ؛ وهذا التَّوجيهُ يصدُقُ على خلافِ بعضِ أتباعِ التّابعين ومَن بعدَهم، بعد استقرارِ اتِّفاقِ الصَّحابةِ والتّابعين على معنىً بلا خلافٍ، ويُمثَّلُ لذلك بانفرادِ عبدِ الرحمن بن زيدِ (١) (ت: ١٨٢)، وابنِ عُيَيْنة (٢) (ت: ١٩٨)، ونحوِهم. وقد بلغَتْ الإجماعاتُ التي حكاها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مع وجودِ المُخالفِ مِنْ هذا النَّوعِ: (٩) إجماعاتٍ. ومِن أمثلتِها قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وأَوْلى القَولَيْن في تأويلِ قولِه تعالى ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣] بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: عنَى بالألوفِ كثرةَ العددِ. دون قولِ مَنْ قالَ: عنَى به الائتلافَ. بمعنى ائتلافِ قلوبِهم .. ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على أنَّ ذلك تأويلُ الآيةِ، ولا يُعارَضُ بالقولِ الشَّاذِّ ما استفاضَ به القَولُ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (٣)، والقائِلُ بالقولِ الثَّاني ابنُ زيدٍ (ت: ١٨٢). وكذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحِجر: ١٩]: «مِنْ كُلِّ شيءٍ بقَدرٍ مُقَدَّرٍ، وبحدٍّ معلومٍ» (٤)، ثُمَّ ذكرَ قولَ ابنَ زيدٍ (ت: ١٨٢) بأنَّ المُرادَ: الأشياءَ التي تُوزَنُ؛ مِنْ

стр. 316

الذَّهبِ، والفضَّةِ، والنُّحاسِ، ونحوِها. وقالَ: «وأَوْلى القَولَيْن عندنا بالصَّوابِ القولُ الأوَّلُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ عليه» (١). ٦ - أنَّ الخلافَ فيه غيرُ مُعتبرٍ، ولا يسوغُ فيه الاجتهادُ؛ وذلك إمَّا لمُخالفةِ الدَّليلِ النَّصِّيّ، أو لاعتِمادِه على دليلٍ باطلٍ، وذلك في مَوضعٍ واحدٍ، عند قولِه تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: عنَى به رُؤيا رسولِ الله ﷺ ما رأى مِنْ الآياتِ والعِبرِ في طريقِه إلى بيتِ المَقدسِ، وبيتَ المَقدسِ ليلَةَ أُسرِيَ به .. ، وإنَّما قُلنا ذلك أَوْلى بالصَّوابِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزلَت في ذلك، وإيّاه عنَى الله بها» (٢)، ولم يعتبِر القولَ المُخالفَ أنَّها: رُؤيا مَنامٍ؛ وذلك حينَ رأى رسولُ الله ﷺ في مَنامِه قوماً يعلون مِنبَرَه. وذلك لأنَّ عُمدتَهم حديثٌ ضعيفٌ جدّاً في إسنادِه، ومُنكرٌ في مَتنِه، ومُخالفٌ لنصوصٍ قطعيَّةٍ ثابتةٍ. (٣) ٧ - نسبَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الخلافَ في (٨) مواضعَ إلى مُبهمٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ومع تردُّدِ سببِ ذلك بين أن يكونَ بعضَ الأوجهِ المُعتبرَةِ السَّابقةِ، أو أنَّه على أصلِه في هذا البابِ؛ فإنَّ الأرجحَ فيها عدمُ اعتبارِ المُخالفِ؛ وذلك بالنَّظرِ إلى موضوعِها؛ كاللغةِ، وما يصفُ به قائِلَها مِنْ أوصافٍ لا يصفُ بها أحداً مِنْ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ العلمِ، كقولِه: «فإن

стр. 317

ظنَّ ذو غباءٍ» (١). ومِن أمثلةِ ذلك قولُه: «وقد زعمَ بعضُ الزَّاعمين أنَّ قولَه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به الشياطينُ، وأنَّ قولَه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به النَّاسُ. وذلك قولٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مُخالِفٌ؛ وذلك أنَّهم مُجمعون على أنَّ قولَه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ» (٢)، وقولُه: «وإذْ كانَ ذلك معنى الآيةِ بإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، فبيِّنٌ خطأُ قولِ مَنْ زعمَ أنَّ معنى قولِه ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]: ولا الذين ظلموا مِنهم. وأنَّ معنى ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الواو (٣) (٤). ٨ - أنَّ تعبيرَه فيها يختلفُ عن الإجماعِ العامِّ بلا مُخالِفٍ غالباً، حيث يذكرُ في صيغتِه (الحجَّةَ)، والتي يُفهَم مِنها أنَّ قولَ الواحِدِ والاثنين مقابَلٌ بقولِ عامّةِ العلماءِ، وهُم الحُجَّةُ دونَ مَنْ شَذَّ. ومِن أوضحِ الأمثلةِ على ذلك قولُه: «وفي إجماعِ الجميعِ مِنْ الحُجَّةِ على أنَّه غيرُ جائزٍ لزوجِها غِشيانُها بانقطاعِ دمِ حيضِها، إذا لم يكُن هنالك نجاسةٌ دونَ التَّطهُّرِ بالماءِ إذا كانَت واجِدتَه = أدَلُّ الدَّليلِ على أنَّ معناه: فإذا تطهَّرنَ الطُّهرَ الذي يَجزيهِنَّ به الصَّلاةُ. وفي إجماعِ الجميعِ مِنْ الأُمَّةِ على أنَّ الصَّلاةَ لا تحِلُّ لها إلا بالاغتسالِ أوضَحُ الدَّلالةِ على

стр. 318

صحَّةِ ما قُلنا» (١)، فالإجماعُ الأوَّلُ ذكرَ فيه قبلَ ذلك خلافَ بعضِ أهلِ التَّأويلِ، أمَّا الثّاني فلا مُخالِفَ له. وجمعَ بينهما في موضعٍ آخرَ فقالَ فيما فيه مُخالفٌ: «أكذَبَه جميعُ أهلِ العلمِ» (٢)، وقالَ فيما لا مخالفَ فيه: «خالفَ في ذلك الأُمَّةَ» (٣)، وقالَ في موضِعٍ آخرَ: «وإنَّما قُلنا ذلك أَوْلى الأقوالِ بالصَّوابِ؛ لأنَّه لا خلافَ بين الحُجَّةِ أنَّ مَنْ نصبَ حرباً للمسلمين على الظُّلمِ مِنه لهم، أنَّه لهم مُحاربٌ. ولا خلافَ فيه» (٤)، فأكَّدَ مُرادَه في آخرِ كلامِه بنفي الخِلافِ مُطلقاً، وأنَّه ليسَ ممّا يُخالِفُ فيه بعضُهم الحُجَّةَ مِنْ أهلِ العلمِ. ٩ - إذا حكى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا النَّوعَ مِنْ الإجماعِ ضَمَّ إليه غيرَه مِنْ الأدلَّةِ، كما في قولِه: «وأمّا مَنْ قالَ عُنيَ بذلك ما ذبحَه المُسلمُ فنسيَ ذكرَ اسمِ الله. فقولٌ بعيدٌ مِنْ الصَّوابِ؛ لشُذوذِه وخروجِه عمّا عليه الحُجَّةُ مُجمِعةٌ مِنْ تحليلِه، وكفى بذلك شاهِداً على فسادِه، وقد بيَّنّا فسادَه مِنْ جهةِ القياسِ في كتابِنا المُسمّى (لطيفُ القولِ في أحكامِ شرائعِ الدِّينِ)» (٥)، وقولِه: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ ذلك: القولُ الذي ذَكرناه عن هؤلاءِ؛ وهو أنَّ ذلك خبرٌ مِنْ الله جلَّ وعزَّ عن السّامريِّ أنَّه وصفَ موسى بأنَّه نسِيَ ربَّه، وأنَّ ربَّه الذي ذهبَ يريدُه هو

стр. 319

العِجلُ الذي أخرجَه السّامريُّ. لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ عليه، وأنَّه عقيبَ ذكرِ موسى، فهو بأن يكونَ خبراً مِنْ السّامريِّ عنه بذلك أشْبَه مِنْ غيرِه» (١). وبعدُ؛ فبهذا التفصيلِ تتبيَّنُ قيمةُ ما حكاه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ الإجماعاتِ في التَّفسيرِ؛ التي رُبَّما قلَّلَ بعضُ نقلَةِ التَّفسيرِ قيمةَ نقلِها واعتمادِها عنه، فلزمَ الأمرُ مزيداً مِنْ البيانِ والتَّحريرِ. وقد تحصَّلَ مِنْ ذلك أنَّ الإجماعاتِ التي ثبتَ وجودُ المُخالفِ المُعتبَرِ فيها -بعد الفحصِ والدراسةِ- قليلةُ العددِ، حيثُ بلغَت (٣٥) إجماعاً، ونسبتُها مِنْ مجموع ما استُدِلَّ به مِنْ الإجماعات (٩. ٣%). ثُمَّ هذا العددُ الذي لم يثبُتْ إجماعاً، يُميِّزُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في التَّعبيرِ، ويضَمُّ إليه غيرَه في التَّدليلِ، ولا تنزلُ مرتبتُه عن أن يكونَ في أعلى درجاتِ قولِ جمهورِ العلماءِ والمفسِّرين، وله مَنزلتُه مِنْ الاحتجاجِ التي سيأتي بيانُها بإذنِ الله، وحسبُه قوَّةً أن يكونَ أقربَ ما يكونُ مرتبةً مِنْ الإجماعِ الثّابتِ. خامساً: دليلُ الإجماعِ كافٍ عن غيرِه، والنُّصوصُ عن ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تأكيدِ ذلك كثيرةٌ ظاهرةٌ؛ مِنها قولُه: «وليس هذا قولاً نستجيزُ التَّشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخروجِه عن قولِ جميعِ

стр. 320

علماءِ أهلِ التَّأويلِ، وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دلالةٌ على خطئِه» (١)، وقولُه: «وفي إجماعِ أهلِ التَّأويلِ على خلافِ هذا القولِ الكفايةُ المُغنيَةُ عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه» (٢). كما أنَّه أوضَحُ في الدَّلالةِ عن غيرِه، حيثُ يصِفُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في كثيرٍ مِنْ المواطنِ بأنَّه: (أدلُّ الدَّليل، وأوضَحُ الدَّلالةِ) (٣). سادساً: الدِّقَّةُ في تحديدِ موضعِ الإجماعِ مِنْ المعنى، والجوابُ عمّا يورَدُ عليه، وذلك مِنْ تمامِ إقامةِ الدَّليلِ وتحريرِه، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك عنايةٌ ظاهرةٌ؛ وممّا ذكرَه مِنْ ذلك قوله: «وقد اختلفَ أهلُ التَّأويلِ في المَعنيِّ بقولِه ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، مع إجماعِهم على أنَّ آدمَ وزوجتَه ممَّن عُنِيَ به» (٤)، وقوله: «ثُمَّ اختلفَ أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنَّ تأويلَ سائرِ الآيةِ على ما قد قُلنا في ذلك مِنْ التَّأويلِ» (٥)، وفي حديثِه عن كفَّارَةِ اليمينِ قرَّرَ أنَّ المُكفِّرَ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينِه التي حنثَ فيها بإحدى الثَّلاثِ التي سمَّى الله تعالى في كتابِه؛ وهي: إطعامُ عشرَةِ مساكينَ، أو كِسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ؛ وذلك:
следующие страницы →