الذَّهبِ، والفضَّةِ، والنُّحاسِ، ونحوِها. وقالَ: «وأَوْلى القَولَيْن عندنا بالصَّوابِ القولُ الأوَّلُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ عليه» (١).
٦ - أنَّ الخلافَ فيه غيرُ مُعتبرٍ، ولا يسوغُ فيه الاجتهادُ؛ وذلك إمَّا لمُخالفةِ الدَّليلِ النَّصِّيّ، أو لاعتِمادِه على دليلٍ باطلٍ، وذلك في مَوضعٍ واحدٍ، عند قولِه تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: عنَى به رُؤيا رسولِ الله ﷺ ما رأى مِنْ الآياتِ والعِبرِ في طريقِه إلى بيتِ المَقدسِ، وبيتَ المَقدسِ ليلَةَ أُسرِيَ به .. ، وإنَّما قُلنا ذلك أَوْلى بالصَّوابِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزلَت في ذلك، وإيّاه عنَى الله بها» (٢)، ولم يعتبِر القولَ المُخالفَ أنَّها: رُؤيا مَنامٍ؛ وذلك حينَ رأى رسولُ الله ﷺ في مَنامِه قوماً يعلون مِنبَرَه. وذلك لأنَّ عُمدتَهم حديثٌ ضعيفٌ جدّاً في إسنادِه، ومُنكرٌ في مَتنِه، ومُخالفٌ لنصوصٍ قطعيَّةٍ ثابتةٍ. (٣)
٧ - نسبَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الخلافَ في (٨) مواضعَ إلى مُبهمٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ومع تردُّدِ سببِ ذلك بين أن يكونَ بعضَ الأوجهِ المُعتبرَةِ السَّابقةِ، أو أنَّه على أصلِه في هذا البابِ؛ فإنَّ الأرجحَ فيها عدمُ اعتبارِ المُخالفِ؛ وذلك بالنَّظرِ إلى موضوعِها؛ كاللغةِ، وما يصفُ به قائِلَها مِنْ أوصافٍ لا يصفُ بها أحداً مِنْ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ العلمِ، كقولِه: «فإن
стр. 317
ظنَّ ذو غباءٍ» (١). ومِن أمثلةِ ذلك قولُه: «وقد زعمَ بعضُ الزَّاعمين أنَّ قولَه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به الشياطينُ، وأنَّ قولَه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به النَّاسُ. وذلك قولٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مُخالِفٌ؛ وذلك أنَّهم مُجمعون على أنَّ قولَه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ» (٢)، وقولُه: «وإذْ كانَ ذلك معنى الآيةِ بإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، فبيِّنٌ خطأُ قولِ مَنْ زعمَ أنَّ معنى قولِه ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]: ولا الذين ظلموا مِنهم. وأنَّ معنى ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الواو (٣)(٤).
٨ - أنَّ تعبيرَه فيها يختلفُ عن الإجماعِ العامِّ بلا مُخالِفٍ غالباً، حيث يذكرُ في صيغتِه (الحجَّةَ)، والتي يُفهَم مِنها أنَّ قولَ الواحِدِ والاثنين مقابَلٌ بقولِ عامّةِ العلماءِ، وهُم الحُجَّةُ دونَ مَنْ شَذَّ. ومِن أوضحِ الأمثلةِ على ذلك قولُه: «وفي إجماعِ الجميعِ مِنْ الحُجَّةِ على أنَّه غيرُ جائزٍ لزوجِها غِشيانُها بانقطاعِ دمِ حيضِها، إذا لم يكُن هنالك نجاسةٌ دونَ التَّطهُّرِ بالماءِ إذا كانَت واجِدتَه = أدَلُّ الدَّليلِ على أنَّ معناه: فإذا تطهَّرنَ الطُّهرَ الذي يَجزيهِنَّ به الصَّلاةُ. وفي إجماعِ الجميعِ مِنْ الأُمَّةِ على أنَّ الصَّلاةَ لا تحِلُّ لها إلا بالاغتسالِ أوضَحُ الدَّلالةِ على
стр. 318
صحَّةِ ما قُلنا» (١)، فالإجماعُ الأوَّلُ ذكرَ فيه قبلَ ذلك خلافَ بعضِ أهلِ التَّأويلِ، أمَّا الثّاني فلا مُخالِفَ له. وجمعَ بينهما في موضعٍ آخرَ فقالَ فيما فيه مُخالفٌ: «أكذَبَه جميعُ أهلِ العلمِ» (٢)، وقالَ فيما لا مخالفَ فيه: «خالفَ في ذلك الأُمَّةَ» (٣)، وقالَ في موضِعٍ آخرَ: «وإنَّما قُلنا ذلك أَوْلى الأقوالِ بالصَّوابِ؛ لأنَّه لا خلافَ بين الحُجَّةِ أنَّ مَنْ نصبَ حرباً للمسلمين على الظُّلمِ مِنه لهم، أنَّه لهم مُحاربٌ. ولا خلافَ فيه» (٤)، فأكَّدَ مُرادَه في آخرِ كلامِه بنفي الخِلافِ مُطلقاً، وأنَّه ليسَ ممّا يُخالِفُ فيه بعضُهم الحُجَّةَ مِنْ أهلِ العلمِ.
٩ - إذا حكى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا النَّوعَ مِنْ الإجماعِ ضَمَّ إليه غيرَه مِنْ الأدلَّةِ، كما في قولِه: «وأمّا مَنْ قالَ عُنيَ بذلك ما ذبحَه المُسلمُ فنسيَ ذكرَ اسمِ الله. فقولٌ بعيدٌ مِنْ الصَّوابِ؛ لشُذوذِه وخروجِه عمّا عليه الحُجَّةُ مُجمِعةٌ مِنْ تحليلِه، وكفى بذلك شاهِداً على فسادِه، وقد بيَّنّا فسادَه مِنْ جهةِ القياسِ في كتابِنا المُسمّى (لطيفُ القولِ في أحكامِ شرائعِ الدِّينِ)» (٥)، وقولِه: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ ذلك: القولُ الذي ذَكرناه عن هؤلاءِ؛ وهو أنَّ ذلك خبرٌ مِنْ الله جلَّ وعزَّ عن السّامريِّ أنَّه وصفَ موسى بأنَّه نسِيَ ربَّه، وأنَّ ربَّه الذي ذهبَ يريدُه هو
стр. 319
العِجلُ الذي أخرجَه السّامريُّ. لإجماعِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ عليه، وأنَّه عقيبَ ذكرِ موسى، فهو بأن يكونَ خبراً مِنْ السّامريِّ عنه بذلك أشْبَه مِنْ غيرِه» (١).
وبعدُ؛ فبهذا التفصيلِ تتبيَّنُ قيمةُ ما حكاه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ الإجماعاتِ في التَّفسيرِ؛ التي رُبَّما قلَّلَ بعضُ نقلَةِ التَّفسيرِ قيمةَ نقلِها واعتمادِها عنه، فلزمَ الأمرُ مزيداً مِنْ البيانِ والتَّحريرِ.
وقد تحصَّلَ مِنْ ذلك أنَّ الإجماعاتِ التي ثبتَ وجودُ المُخالفِ المُعتبَرِ فيها -بعد الفحصِ والدراسةِ- قليلةُ العددِ، حيثُ بلغَت (٣٥) إجماعاً، ونسبتُها مِنْ مجموع ما استُدِلَّ به مِنْ الإجماعات (٩. ٣%). ثُمَّ هذا العددُ الذي لم يثبُتْ إجماعاً، يُميِّزُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في التَّعبيرِ، ويضَمُّ إليه غيرَه في التَّدليلِ، ولا تنزلُ مرتبتُه عن أن يكونَ في أعلى درجاتِ قولِ جمهورِ العلماءِ والمفسِّرين، وله مَنزلتُه مِنْ الاحتجاجِ التي سيأتي بيانُها بإذنِ الله، وحسبُه قوَّةً أن يكونَ أقربَ ما يكونُ مرتبةً مِنْ الإجماعِ الثّابتِ.
خامساً: دليلُ الإجماعِ كافٍ عن غيرِه، والنُّصوصُ عن ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تأكيدِ ذلك كثيرةٌ ظاهرةٌ؛ مِنها قولُه: «وليس هذا قولاً نستجيزُ التَّشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخروجِه عن قولِ جميعِ
стр. 320
علماءِ أهلِ التَّأويلِ، وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دلالةٌ على خطئِه» (١)، وقولُه: «وفي إجماعِ أهلِ التَّأويلِ على خلافِ هذا القولِ الكفايةُ المُغنيَةُ عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه» (٢). كما أنَّه أوضَحُ في الدَّلالةِ عن غيرِه، حيثُ يصِفُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في كثيرٍ مِنْ المواطنِ بأنَّه: (أدلُّ الدَّليل، وأوضَحُ الدَّلالةِ) (٣).
سادساً: الدِّقَّةُ في تحديدِ موضعِ الإجماعِ مِنْ المعنى، والجوابُ عمّا يورَدُ عليه، وذلك مِنْ تمامِ إقامةِ الدَّليلِ وتحريرِه، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذلك عنايةٌ ظاهرةٌ؛ وممّا ذكرَه مِنْ ذلك قوله: «وقد اختلفَ أهلُ التَّأويلِ في المَعنيِّ بقولِه ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، مع إجماعِهم على أنَّ آدمَ وزوجتَه ممَّن عُنِيَ به» (٤)، وقوله: «ثُمَّ اختلفَ أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنَّ تأويلَ سائرِ الآيةِ على ما قد قُلنا في ذلك مِنْ التَّأويلِ» (٥)، وفي حديثِه عن كفَّارَةِ اليمينِ قرَّرَ أنَّ المُكفِّرَ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينِه التي حنثَ فيها بإحدى الثَّلاثِ التي سمَّى الله تعالى في كتابِه؛ وهي: إطعامُ عشرَةِ مساكينَ، أو كِسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ؛ وذلك:
стр. 321
«بإجماعٍ مِنْ الجميعِ لا خلافَ بينهم في ذلك» (١)، ثُمَّ قالَ: «فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ ما قُلنا مِنْ أنَّ ذلك إجماعٌ مِنْ الجميعِ ليس كما قُلنا؛ لما حدَّثنا .. » (٢)، ثُمَّ أوردَ خبراً عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه أمرَ الموسِرَ بالعتقِ في كفَّارةِ يمينِه، ثُمَّ قالَ: «ونحوُ هذا مِنْ الأخبارِ التي رُوِيَت عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما، فإنَّ ذلك مِنهم كانَ على وجهِ الاستحبابِ لمَن أمروه بالتَّكفيرِ بما أَمروه به .. ، والجميعُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ قديمِهم وحديثِهم مُجمعون على أنَّ التَّكفيرَ بغيرِ الرِّقابِ جائزٌ للموسِرِ، ففي ذلك مُكتفىً عن الاستشهادِ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك بغيرِه» (٣).
стр. 322
المبحثُ الخامسُ: منهجُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
وفيه أربعةُ مطالب:
المطلبُ الأوّل: مفهومُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
السَّلفُ لغةً: «السّينُ واللامُ والفاءُ أصلٌ يدلُّ على تقدُّمٍ وسبقٍ؛ من ذلك السَّلفُ: الذين مضوا» (١)، وكُلُّ من تقدَّمك وما قدَّمته فهو سلفٌ لك (٢)، ومِنه قولُ الشّاعر (٣):
مضوا سَلَفاً قصدُ السبيلِ عليهم … وصرفُ المنايا بالرِّجالِ تقلَّبُ
أرادَ: أنَّهم تقدَّمونا وقصدُ سبيلِنا عليهم.
واصطلاحاً: يُطلقُ مصطلحُ السَّلفِ ويُرادُ به أحدُ مُفهومَين:
الأوّل: الصَّحابةُ والتّابعون وأتباعُ التّابعين. أو هُمْ: جمهورُ الصَّحابةِ والتّابعين وأتباعِ التّابعين. وهذه الدّلالةُ التّاريخيّةُ لهذا
стр. 323
المُصطلحِ، ومُستندُها حديثُ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعاً: «خيرُ النّاسِ قرني، ثُمَّ الذين يَلونَهم، ثُمَّ الذين يَلونَهم» (١)، والقَرنُ هم: أهلُ كُلِّ زمانٍ واحدٍ متقاربٍ يشتركون فيه أمراً مقصوداً (٢). ومن ثَمَّ فقرْنُ النَّبي ﷺ هُمْ الصَّحابةُ، والثّاني: التّابعون، والثّالثُ: تابعوهُم (٣).
وذهبَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) إلى أنَّ الاعتبارَ في القرونِ الثّلاثةِ بجُمهورِ أهلِ القرنِ؛ وهو وَسطُه؛ فجمهورُ الصَّحابةِ انقرضوا بانقِضاءِ الخُلفاءِ الأربعةِ، وجمهورُ التّابعين انقرضوا في أواخرِ عصرِ صِغارِ الصَّحابةِ، وجمهورُ تابعي التّابعين انقرضوا في أواخرِ الدّولةِ الأمويّة وأوائِلِ العبّاسيّة. (٤)
الثّاني: الصَّحابةُ والتّابعون وأتباعُهم؛ ممَّن التزمَ الكتابَ والسُّنَّةَ ولم يتلبَّس ببدعةٍ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ. وهذه الدّلالةُ المنهجيّةُ لهذا المُصطلح، ومُستندُها ما وردَ في بيانِ الفِرقةِ النّاجيةِ في حديثِ الافتراقِ المشهورِ: «ما أنا عليه وأصحابي» (٥)؛ حيثُ ربطَ النَّبي ﷺ الفرقةَ
стр. 324
النّاجيةَ بما كانوا عليه مِنْ منهجٍ مُحدَّدٍ واضحِ المعالمِ، لا بحقبةٍ زمنيّةٍ مُجرَّدةٍ.
ومفهومُ السَّلفِ بهذه الدّلالةِ أساسٌ للدَّلالةِ التّاريخيّةِ السّابقةِ؛ فإنَّه ما يشتركُ فيه أهلُ تلك القرونِ، ويجتمعون عليه، كما أنَّه صفةَ جُمهورِهم كذلك. ويزيدُ هذا المفهومُ عن الدّلالةِ التّاريخيّةِ باشتمالِه مَنْ انتسبَ إلى السَّلفِ ممّن تأخّرَ به الزّمنُ عنهم، والانتسابُ إليهم صحيحٌ مقبولٌ، كما قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «لا عيبَ على مَنْ أظهرَ مذهبَ السَّلفِ وانتسبَ إليه واعتزى إليه، بل يجبُ قبولُ ذلك مِنه بالاتفاقِ؛ فإنَّ مذهبَ السَّلفِ لا يكونُ إلا حقّاً» (١)، وحقيقةُ الانتسابِ إلى السَّلفِ: التزامُ منهجِهم في تلقّي النُّصوصِ، وفَهمِها، والاستدلالِ بها. (٢)
فالسَّلفُ من أهلِ القرونِ المُفضَّلةِ سلفٌ لُغةً وتاريخاً ومَنهجاً، والسَّلفُ ممَّن بعدَهم سلفٌ لُغةً ومَنهجاً، والسَّلفُ مِنْ أهلِ العصرِ سلفٌ مَنهجاً.
وعلى كلا المفهومَين التاريخيّ والمنهجيّ جرى استعمالُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه؛ فإنَّه لا يعتبرُ مِنْ السَّلفِ مَنْ خالفَ منهجَهم وهديَهم العامَّ، كما لا يخرجُ به عن أتباعِ التّابعين، وإن ذكرَ مَنْ بَعدَهم سمّاهم: (الخلفَ)، و (المتأخّرين)، ومِن قولِه في ذلك: «وبمثلِ الذي
стр. 325
قُلنا في ذلك تظاهرتْ الروايةُ عن السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (١)، وقولِه: «وأمّا آخرون ممَّن خالفَ أقوالَ السَّلفِ، وتأوَّلوا القرآنَ بآرائِهم، فإنَّهم قالوا في ذلك أقوالاً مُختلفةً .. » (٢).
والمُرادُ بالاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني هو:
إقامَةُ أقوالِ السَّلفِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.
أو: الإبانَةُ بأقوالِ السَّلف عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها.
وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بأقوالِ السَّلفِ على المعاني في تفسيرِه كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:
النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بأقوالِ السَّلفِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه: «فقد أبانَ تأويلُ مَنْ ذكَرنا تأويلَه -مِنْ أهلِ التَّأويلِ- قولَه ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] عن صِحَّةِ ما قُلنا في تأويلِه» (٣)، وقولُه: «وهذا هو أَوْلى الوَجهَيْن في ذلك بالصَّوابِ؛ لأنَّ تفسيرَ أهلِ التَّفسيرِ بذلك جاءَ» (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَكَادُ
стр. 326
أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]: «والذي هو أَوْلى بتأويلِ ذلك مِنْ القَولِ قولُ مَنْ قالَ: أكادُ أُخفيها مِنْ نَفسي. لأنَّ تأويلَ أهلِ التَّأويلِ بذلك جاءَ» (١).
النَّوعُ الثَّاني: استدلالُه بأقوالِ السَّلفِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومِن أمثلَتِه قولُه: «وهذا قولٌ يشهدُ على بُطولِه وفسادِه الأخبارُ المُتظاهرةُ عن رسولِ الله ﷺ وأصحابِه بنحوِ الذي حدَّثنا .. » (٢)، ثُمَّ أسندَ أثرَيْن عن أنسِ بن مالكٍ، وأبي موسى الأشعريِّ ﵃. ومثلُه قولُه مُعلِّقاً على بعضِ الأقوالِ الباطلةِ: «وذلك دفعٌ لظاهرِ التَّنزيلِ، وما تتابعتْ به الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ، وجاءَتْ به الآثارُ عن الأئِمَّةِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (٣).
وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بأقوالِ السَّلفِ على المعاني (٥٢٣٦) موضِعاً، ونسبةُ ذلك مِنْ مجموعِ الأدلَّة (٤٨. ١%)، وهو أكثرُ دليلٍ وقعَ الاستدلالُ به في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وذلك يكشِفُ وَجهاً مِنْ أهميَّتِه للمُفسِّرِ، وتقدُّمِه في بابِ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ، ولا غروَ، فهو الإطارُ الحاوي لجميعِ الأدلَّةِ سواه؛ وفيه التَّطبيقُ الأجلُّ والأكملُ لباقي الأدلَّةِ، كما أنَّه الجامعُ للأدلَّةِ المُعتبرَةِ، والحافظُ لها فلا تخرجُ عنه، وهو المانعُ لغيرِها مِنْ الدخولِ إلى شيءٍ مِنْ بيانِ معاني القرآنِ الكريمِ، ومِن ثمَّ استحقَّ هذا الدَّليلُ العنايةَ الفائقةَ التي أولاها إيّاه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ﵀.
стр. 327
وابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) يختمُ الأدلّةَ بذكرِ دليلِ أقوالِ السَّلفِ في الأعمِّ الأغلبِ، ويُمهِّدُ لذلك بقولِه: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ» (١)، فهو عندَه كالمُهَيمنِ عليها، والضّابطِ لها؛ ولهذا معنىً يأتي ذكرُه في المسائلِ والضّوابطِ بحولِ الله.
المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
إذا أجمعَ السَّلفُ على قولٍ فهو الحَقُّ، واتِّباعُهم فيه واجبٌ تحرُمُ مُخالفَتُه، وقد سبقَ تقريرُ ذلك في دليلِ الإجماعِ. أمَّا ما دونَ ذلك مِنْ أقوالِ السَّلفِ؛ ممّا قالَه بعضُهم وانتشرَ عنه أو لم ينتشِرْ، فالصَّحيحُ أنَّه حُجَّةٌ في دينِ الله بشرطَيْن:
الأوَّلُ: ألّا يُخالِفَ نصّاً ثابتاً مِنْ كتابٍ أو سُنَّةٍ.
الثّاني: ألّا يُخالِفَه أحدٌ مِنْ الصَّحابةِ، فإن خالفَه صحابيٌّ فالأَوْلى مِنهما ما شهدَ له دَليلُ الوَحي.
وما كانَ كذلك فيصحُّ الاحتجاجُ به، وتحرُمُ مُخالفتُه، ولا يجوزُ الإحداثُ بعدَه. (٢)
стр. 328
وقد تظاهرت الأدلَّةُ النَّقليَّةُ والعقليَّةُ على تقريرِ ذلك، وفيما يأتي بيانُها:
أوَّلاً: قولُه تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالآيةُ صريحةٌ في الثَّناءِ على مَنْ اتَّبعَ السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصارِ؛ وهم أئِمَّةُ السَّلفِ وقادَتُهم ﵃، والاتِّباعُ يتضمَّنُ صحَّةَ ما هُمْ عليه من الدِّينِ؛ ومن ذلك سلامةُ فهمِهم لكتابِ الله تعالى، والثَّناءُ على مَنْ اتَّبَعهم في ذلك، وقد احتجَّ الإمامُ مالك (ت: ١٧٩) بهذه الآيةِ على وجوبِ اتِّباعِ الصَّحابةِ ﵃. (١)
ثانياً: قولُه تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، فعلَّقَ الله تعالى الهدايةَ بالإيمانِ بمثلِ ما آمنَ به النَّبي ﷺ وأصحابُه ﵃، فالإيمانُ التَّامُّ إيمانُهم، ولا شكَّ أنَّ ذلك نتيجةُ فهمِهم السَّليمُ لكتابِ الله تعالى، فمن أخذَ بما كانوا عليه في ذلك فقد أخذَ بالهُدى والحَقِّ، وسَلِمَ مِنْ الشِّقاقِ.
ثالثاً: قولُه تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
стр. 329
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، والسَّلفُ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين وأتباعِهم هم أئِمَّةُ سبيلِ المؤمنين الذين توعَّدَ الله تعالى مَنْ خالفَهم، وضَمنَ الصَّوابَ لمَن وافقَهم.
رابعاً: قولُه تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، والسَّلفُ أوَّلُ مَنْ يدخلُ في هذا قطعاً، ومثلُه قولُه ﷺ : «خيرُ النّاسِ قرني، ثُمَّ الذين يلونَهم، ثُمَّ الذين يلونَهم» (١)، فهذه القرونُ خيرُ الأُمَّةِ بإطلاقٍ بإجماعِ المسلمين (٢)، «وذلك يقتضي تقديمَهم في كُلِّ بابٍ مِنْ أبوابِ الخَيرِ، وإلّا لو كانَ خيراً مِنْ بعضِ الوجوه فلا يكونون خيرَ الأُمَّةِ مُطلقاً» (٣).
كما تدلُّ هذه الخيريَّةُ على صِحَّةِ ما كانوا عليه مِنْ الفهمِ لدينِ الله وكتابِه.
ودلَّت الآيةُ أيضاً على أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنّهيَ عن المُنكرِ مِنْ أظهرِ ما اتَّصفَ به الصَّحابةُ ﵃، وذلك يتضمَّنُ أمرَهم بكُلِّ معروفٍ، ونهيَهم عن كُلِّ مُنكرٍ، «فلو كانَت الحادثةُ في زمانِهم لم يُفتِ فيها إلا مَنْ أخطأَ مِنهم، لم يكُن أحدٌ مِنهم قد أمرَ فيها بمعروفٍ، ولا نهى فيها عن مُنكرٍ؛ إذ الصَّوابُ معروفٌ بلا شَكٍّ، والخطأُ مُنكرٌ مِنْ بعضِ الوجوهِ» (٤).
стр. 330
خامساً: قولُه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوَسطُ: الخيارُ العُدولُ (١). والصَّحابةُ -ومِن بعدِهم السَّلفُ- أكملُ الأُمَّةِ اتِّصافاً بذلك، وأوَّلُ مَنْ يشمَلُهم معناها، ومِن ثَمَّ ففَهمُهم لكتابِ الله أصحُّ الفهومِ وأعدلُها، والأخذُ به أخذٌ بالصَّوابِ قطعاً.
سادساً: قولُه ﷺ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرّاشدين المَهديّين، عضّوا عليها بالنّواجِذِ، وإيّاكُم ومُحدثاتُ الأُمورِ» (٢) الحديثُ، وهذا تأكيدٌ بالغٌ في الأمرِ بالأخذِ بما كانَ عليه خُلفاءُ رسولِ الله ﷺ ، مع وصفِهم بالاهتداءِ، وقَرنِ سُنَّتِهم بسُنَّتِه ﵇، «وهذا يتناولُ ما أفتوا به وسَنّوه للأُمَّةِ وإن لم يتقدَّم مِنْ نبيِّهم فيه شيءٌ، وإلا كانَ ذلك مِنْ سُنَّتِه، ويتناولُ ما أفتى به جميعُهم أو أكثَرُهم أو بعضُهم؛ لأنَّه علَّقَ ذلك بما سنَّه الخُلفاءُ الرّاشدون، ومعلومٌ أنَّهم لم يسُنّوا ذلك وهم خُلفاءُ في آنٍ واحدٍ، فعُلِمَ أنَّ ما سنَّه كلُّ واحدٍ مِنهم في وقتِه فهو مِنْ سُنَّةِ الخُلفاءِ الرّاشدين» (٣).
سابعاً: عامَّةُ الآياتِ والأحاديثِ التي أثنى الله فيها ورسولُه ﷺ على
стр. 331
الصَّحابةِ ﵃؛ مِنْ مثلِ قولِه تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية، وقولِه ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] الآية، ونحوِها؛ إذْ فيها تنبيهٌ للأُمَّةِ على كمالِ دينِهم، وصحَّةِ علمِهم، ووضوحِ حُجَّتِهم، فمَن أرادَ نيلَ ما نالوه مِنْ الخَيريَّةِ، وكمالِ الدِّينِ، والرِّضوانِ في الدُّنيا والآخرةِ = فليس له إلا سبيلَهم في الفَهمِ، وما يتبعُه مِنْ العلمِ والعملِ.
ثامناً: أنَّ الصَّحابةَ هم أهلُ اللسانِ الذي نزلَ به القُرآنُ، فاعتبارُ أقوالِهم مِنْ هذا الوجهِ مُكَمِّلٌ للوجهِ الشَّرعيِّ الموجِبِ لذلك، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «وأمّا بيانُ الصَّحابةِ فإن أجمعوا على ما بيّنوه فلا إشكالَ في صحَّتِه .. ، وإن لم يُجمعوا عليه فهل يكونُ بيانُهم حُجَّةً، أم لا؟ هذا فيه نظرٌ وتفصيلٌ، ولكنَّهم يترجَّحُ الاعتمادُ عليهم في البيانِ مِنْ وجهَيْن: أحدُهما: معرِفتُهم باللسانِ العربيّ؛ فإنَّهم عربٌ فُصحاءُ، لم تتغيّر ألسنتُهم، ولم تنزِل عن رُتبتِها العُليا فصاحَتُهم، فهم أعرَفُ في فهمِ الكتابِ والسُّنَّةِ مِنْ غيرِهم، فإذا جاءَ عنهم قَولٌ أو عملٌ واقِعٌ موقعَ البيانِ صَحَّ اعتمادُه مِنْ هذه الجِهةِ» (١)، وقالَ: «ما نُقلَ مِنْ فهمِ السَّلفِ الصّالحِ للقرآنِ فإنَّه كلَّه جارٍ على ما تقضي به العربيَّةُ» (٢).
تاسعاً: أنَّ الصَّحابةَ أعرَفُ النّاسِ بأسبابِ النّزولِ ومُلابساتِه، وحالِ مَنْ نزلَ عليهم القرآنُ، وذلك مِنْ أعظمِ ما يُستعانُ به على فهمِ مُرادِ الله
стр. 332
تعالى ورسولِه ﷺ ، وهذا ممّا اختصّوا به عن غيرِهم، ولم يشرَكُهم فيه أحدٌ ممّن بعدَهم، قالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠) مُبيّناً الوجهَ الثّاني مِنْ وجوهِ ترجيحِ الاعتمادِ على بيانِ الصَّحابةِ ﵃: «الثّاني: مُباشرتُهم للوقائِعِ والنّوازلِ، وتنزيلِ الوحي بالكتابِ والسُّنَّةِ؛ فهم أقعدُ في فهمِ القرائِنِ الحاليَّةِ، وأعرفُ بأسبابِ التَّنزيلِ، ويُدركون ما لا يُدرِكُه غيرُهم بسببِ ذلك، والشّاهدُ يرى ما لا يرى الغائِبُ. فمتى جاءَ عنهم تقييدُ بعضِ المُطلقاتِ، أو تخصيصُ بعضِ العُموماتِ؛ فالعملُ عليه صوابٌ، وهذا إن لم يُنقلْ عن أحدٍ منهم خلافٌ في المسألةِ، فإن خالَفَ بعضُهم فالمسألَةُ اجتهاديّةٌ» (١).
عاشراً: أنَّ النَّبي ﷺ بيّنَ للصحابةِ معاني القرآنِ كما بيّن لهم ألفاظَه، وكذلك بلّغَه الصَّحابةُ لمن بعدَهم، قالَ أبو عبدِ الرّحمن السُّلَمي (٢) (ت: ٧٤): «حدَّثنا الذين كانوا يُقرِئونَنا القرآنَ مِنْ أصحابِ النَّبي ﷺ ، أنَّهم كانوا إذا تعلَّموا مِنْ النَّبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يُجاوزوها حتى يتعلَّموا ما فيها مِنْ العلمِ والعملِ، قالوا: فتعلَّمنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعاً» (٣)، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «يجبُ أن يُعلَمَ أنَّ النَّبي ﷺ بيَّن لأصحابِه معاني القرآنِ كما بيَّن لهم ألفاظَه، فقولُه تعالى
стр. 333
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناولُ هذا وهذا» (١)، وقالَ: «فقولُنا بتفسيرِ الصَّحابةِ والتّابعين لِعِلمِنا بأنَّهم بلَّغوا عن الرسول ﷺ ما لم يصلْ إلينا إلا بطريقِهم، وأنَّهم عَلِموا معنى ما أنزلَ اللهُ على رسولِه تلقّياً عن الرسولِ، فيمتنعُ أن نكونَ نحن مُصيبين في فهمِ القرآنِ وهم مخطئون، وهذا يُعلَمُ بُطلانُه ضرورةً؛ عادةً وشرعاً» (٢)، وقالَ ابنُ القيّم (ت: ٧٥١): «فالصَّحابةُ أخذوا عن رسولِ الله ﷺ ألفاظَ القرآنِ ومعانيه، بل كانَت عنايتُهم بأخذِ المعاني مِنْ عنايتِهم بالألفاظِ؛ يأخذون المعاني أوَّلاً، ثُمَّ يأخذون الألفاظَ ليَضبِطوا بها المعاني حتّى لا تشِذَّ عنهم. قالَ حبيبُ بن عبدِ الله البَجَلي، وعبدُ الله بن عمرَ: «تعلَّمنا الإيمانَ، ثُمَّ تعلَّمنا القرآنَ، فازدَدنا إيماناً»، فإذا كانَ الصَّحابةُ تلقَّوا عن نبيِّهم معاني القرآنِ كما تلقَّوا عنه ألفاظَه لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لُغةِ أحدٍ؛ فنقلُ معاني القرآنِ عنهم كنقلِ ألفاظِه سواءٌ» (٣)، وتلقّي الصَّحابةِ معاني القرآنِ عن النَّبي ﷺ في أقوالِ الأئمَّةِ السّابقين أعمُّ مِنْ أن يكونَ قوليّاً؛ إذْ يشملُ كُلَّ ما يُستفادُ مِنه بيانٌ مِنْ أقوالِ النَّبي ﷺ ، وأفعالِه، وتقريراتِه، كما يدُلُّ عليه قَولُهم: (فتعلَّمنا العلمَ والعملَ، وتعلَّمنا الإيمانَ).
فمِن ثَمَّ ليس شيءٌ مِنْ القرآنِ خفيَّ المعنى عن عامَّةِ الصَّحابةِ ﵃ فلا
стр. 334
يَعلمُ معناه مِنهم أحدٌ، «وهذا ممّا يجبُ القطعُ به» (١)؛ ولا تكتملُ خيريَّتُهم وفضلُهم مع كتمِ شيءٍ مِنه عمَّن بعدهم، بل كانَت عنايتُهم بأداءِ المعاني وبيانِها أبلغُ مِنْ عنايتِهم بأداءِ الألفاظِ وجَمعِها.
حاديَ عشر: دلالَةُ العادةِ المطَّردةِ في مثلِ ذلك، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «التَّفسيرُ الثّابتُ عن الصَّحابةِ والتّابعين إنَّما قبلوه لأنَّهم قد علموا أن الصَّحابةَ بلَّغوا عن النَّبي ﷺ لفظَ القرآنِ ومعانيه جميعاً، كما ثبتَ ذلك عنهم، مع أنَّ هذا مما يُعلَمُ بالضَّرورةِ عن عادتِهم؛ فإن الرَّجلَ لو صنَّفَ كتابَ علمٍ في طبٍّ أو حسابٍ أو غيرِ ذلك، وحفظَه تلامذتُه، لكانَ يُعلَمُ بالاضْطرارِ أنَّ هِمَمَهم تَشوَّقُ إلى فهمِ كلامِه ومعرفةِ مُرادِه، وأنَّ بمجرَّدِ حفظِ الحروفِ لا تكتفي به القلوبُ، فكيف بكتابِ الله الذي أمرَ ببيانِه لهم، وهو عصمتُهم، وهداهُم، وبه فرَقَ اللهُ بين الحقِّ والباطلِ، والهدى والضَّلالِ، والرَّشادِ والغيِّ، وقد أمرَهم بالإيمانِ بما أخبرَ به فيه، والعملِ بما فيه، وهم يتلقَّونَه شيئاً بعد شيءٍ، كما قالَ تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] الآية، وقالَ تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهل يتوهَّمُ عاقلٌ أنَّهم كانوا إنَّما يأخذون مِنه مجرَّدَ حروفِه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونَه، ولا تشتاقُ نفوسُهم إلى فهمِ هذا القَولِ، ولا يسألونَه عن ذلك، ولا يبتدئُ هوَ بيانَه لهم!! هذا ممّا يُعلَمُ بُطلانُه أعظمَ ممّا يُعلَمُ بطلانُ كتمانِهم ما تتوفَّرُ الهممُ
стр. 335
والدَّواعي على نقلِه» (١)، وقالَ: «بل مِنْ المَعلومِ أنَّ رغبةَ الرَّسولِ في تعريفِهم معاني القرآنِ أعظمُ مِنْ رغبتِه في تعريفِهم حروفَه؛ فإنَّ معرفةَ الحروفِ بدونِ المعاني لا تُحصِّلُ المقصودَ، إذ اللفظُ إنَّما يُرادُ للمعنى» (٢).
ثانيَ عشر: أنَّ ذلك هو مقتضى الفِطرةَ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «مِنْ المُحالِ أن تكونَ القرونُ الفاضلةُ؛ القرنُ الذي بُعِثَ فيه رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم، كانوا غيرَ عالِمين وغيرَ قائِلين في هذا البابِ بالحقِّ المُبينِ؛ لأنَّ ضدَّ ذلك إمّا عدمُ العلمِ والقولِ، وإما اعتقادُ نقيضِ الحقِّ، وقولِ خلافِ الصِّدقِ، وكلاهُما مُمتنعٌ؛ أمّا الأوَّل: فلأنَّ مَنْ في قلبِه أدنى حياةٍ، وطلبٍ للعلمِ، أو نَهمَةٍ في العبادةِ يكونُ البحثُ عن هذا البابِ، والسؤالُ عنه، ومعرفةُ الحقِّ فيه أكبرَ مقاصدِه، وأعظمَ مطالبِه .. ؛ وليست النفوسُ الصَّحيحةُ إلى شيءٍ أشوقَ مِنها إلى معرفةِ هذا الأمرِ، وهذا أمرٌ معلومٌ بالفِطرةِ الوَجْديَّةِ، فكيف يُتصوَّرُ مع قيامِ هذا المُقتضي -الذي هو مِنْ أقوى المُقتضياتِ- أن يتخلفَّ عنه مُقتضاه في أولئك السادةِ، في مجموعِ عصورِهم، هذا لا يكادُ يقعُ في أَبلَدِ الخلقِ، وأشدِّهم إعراضاً عن الله، وأعظمِهم إكباباً على طلبِ الدُّنيا، والغفلةِ عن ذكر الله تعالى، فكيفَ يقعُ في أولئك! وأمّا كونُهم كانوا مُعتقدين فيه غيرَ الحقِّ أو قائليه، فهذا لا يعتقدُه مسلمٌ، ولا عاقلٌ عرفَ حالَ القَومِ» (٣).
стр. 336
ثالثَ عشر: أنَّ واقِعَ الحالِ يشهدُ بتمامِ بيانِ الصَّحابةِ لجميعِ القرآنِ، فقد أبانوا للنّاسِ في أكثرَ مِنْ مشهدٍ سَعةَ علمِهم بكتابِ الله تعالى فلا يخفى على عامَّتِهم مِنه شيءٌ، كما قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: «والذي لا إله غيرُه ما نزلتْ آيةٌ مِنْ كتابِ الله إلّا وأنا أعلمُ فيمَ نزَلَتْ، وأينَ نزَلَتْ، ولو أعلمُ مكانَ أحدٍ أعلَمَ مِنّي بكتابِ الله تبلُغُه الإبلُ لأَتيتُه» (١)، وقالَ أبو الطُّفَيْل ﵁: «شهدتُ عليّاً يخطُبُ، وهو يقولُ: سَلوني، فوالله لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتُكُم. وسلوني عن كتابِ الله، فوالله ما مِنْ آيةٍ إلا وأنا أعلمُ أبِلَيْلٍ نزلَتْ، أمْ بنهارٍ، أمْ في سَهلٍ، أم في جَبلٍ» (٢)، ومِنهم المَؤيَّدُ مِنْ الله على البيانِ؛ بدُعاءِ رسولِ الله ﷺ ، وذلك في قولِه لابنِ عبّاسٍ ﵁: «اللهم فقِّهه في الدِّينِ، وعلِّمه التَّأويلَ» (٣)، وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: «نعمَ تُرجُمانُ القرآنِ ابنُ عبّاسٍ، لو أدركَ أسْنانَنا ما عَشَرَه منّا رجلٌ» (٤).
كما أنَّ من التّابعين من تلقّى جميعَ التفسيرِ عن الصَّحابةِ ﵃، فقد سألَ مجاهدٌ (ت: ١٠٤) ابنَ عبّاسٍ عن تفسيرِ القرآنِ كاملاً، وقالَ:
стр. 337
«عرضتُ القرآنَ على ابنِ عبّاسٍ ثلاثَ عرَضاتٍ، أوقِفُه عند كُلِّ آيةٍ منه، وأسألُه عنها» (١)، كما كتبَ عنه التفسيرَ كاملاً، قالَ ابنُ أبي مُلَيْكة (ت: ١١٧): «رأيتُ مُجاهداً يسألُ ابنَ عبّاسٍ عن تفسيرِ القرآنِ ومعه ألواحُه، فيقولُ له ابنُ عباسٍ: اكتُبْ. قالَ: حتى سأَلَه عن التّفسيرِ كُلِّه» (٢)، وقالَ أبو الجَوزاءِ (ت: ٨٣): «أقمتُ مع ابنِ عبّاسٍ وعائشةَ اثنتَيْ عشرةَ سنةً، ليس مِنْ القرآنِ آيةٌ إلا سألتُهم عنها» (٣)، وقالَ الشّعبيُّ (ت: ١٠٤): «والله ما مِنْ آيةٍ إلا قد سألتُ عنها» (٤).
رابعَ عشر: أنَّ أئِمَّةَ الإسلامِ لم يزالوا على القَولِ بحجّيَّةِ أقوالِ السَّلفِ، والاستدلالِ بها قبولاً وردّاً، ولم يُخالفْ في ذلك إلا شُذوذٌ من الفقهاءِ والمتكلِّمين (٥)؛ فقد قرَّرَ جمهورُ العلماءِ أنَّ الصَّحابةَ إذا اختلفوا على قَولَيْن أو أكثرَ فلا يجوزُ لمن بعدَهم إحداثُ قولٍ ثالثٍ مُخالفٍ؛ لأمرَيْن:
أوَّلُهما: أنَّ اختلافَهم على قَولَيْن بمثابةِ اتِّفاقِهم على قولٍ واحدٍ في أنَّ الحقَّ في أحدِهما، ومن ثَمَّ أُلحِقَتْ هذه المسألةُ في كُتبِ الأصولِ
стр. 338
ببابِ الإجماعِ، قالَ الجوَيْنيُّ (١) (ت: ٤٧٨): «إذا اختلفَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ على قَولَيْن واستمرّوا على الخِلافِ، فالذي صارَ إليه مُعظمُ المُحقِّقين أنَّ اختراعَ قَولٍ ثالثٍ خرقٌ للإجماعِ» (٢)، وعلَّلَ ذلك بقولِه: «إنَّ نفسَ المصيرِ إلى القولِ الواحدِ إجماعٌ على نفي ما عداه، وكذلك إذا حصروا المذاهبَ في قَوْلَيْن فقد نفَوا ما عداهُما» (٣)، وقالَ الغزاليُّ (ت: ٥٠٥): «لأنَّهم أجمعوا على الحَصرِ، فذُهولُهم عن الحقِّ على ممرِّ الأيّامِ مع كثرتِهم مُحالٌ» (٤).
وثانيهما: أنَّ في القَولِ بجوازِ إحداثِ قولٍ بعد ما استقرَّ خلافُ السَّلفِ عليه نِسبةُ الأُمَّةِ إلى إضاعةِ شيءٍ مِنْ الدِّينِ، وعدمِ اهتدائِها إلى الحقِّ في تلك الأزمانِ، وعِلمُ مَنْ بعدَهم به، وكُلُّ ذلك مِمَّا تظاهرت الأدلَّةُ ببُطلانِه كما مَرَّ. (٥)
وهذه بعضُ نصوصِ الأئِمَّةِ في تقريرِ ذلك: قالَ أبو حنيفة (ت: ١٥٠): «إذا جاءَ عن النَّبي ﷺ فعلى الرأسِ والعينِ، وإذا جاءَ
стр. 339
عن الصَّحابةِ نختارُ مِنْ أقوالِهم -فلا يَخرجُ عن أقوالِهم-، وإذا جاءَ عن التّابعين زاحمناهم» (١)، وقالَ الأوزاعيُّ (ت: ١٥٧): «اصبرْ نفسَك على السُّنَّةِ، وقِفْ حيثُ وقفَ القَومُ، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عمّا كَفّوا، واسلُك سبيلَ سلفِك الصّالحِ، فإنَّه يسعُك ما وَسِعَهم» (٢)، وقالَ مالكُ بن أنس (ت: ١٩٧): «وما تأوَّلَه مِنها -أي: النُّصوصُ الشَّرعيَّة- السَّلفُ الصّالحُ تأوَّلناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعُنا أن نُمسكَ عمّا أمسكوا عنه، ونتبعَهم فيما بيّنوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأَوه في الحوادثِ، ولا نخرُجَ من جماعتِهم فيما اختلفوا فيه أوفي تأويلِه» (٣)، وقالَ الشّافعيُّ (ت: ٢٠٤): «هم فوقَنا في كُلِّ عملٍ واجتهادٍ وورَعٍ وعقلٍ، وأمرٍ استُدركَ به علمٌ واستُنبطَ به، وآراؤهم لنا أحمدُ وأَوْلى بنا مِنْ رأينا عند أنفُسِنا، ومَن أدرَكْنا ممّن يُرضى، أو حُكيَ لنا عنه ببلَدِنا، صاروا فيما لم يعلموا لرسولِ الله ﷺ فيه سُنَّةً إلى قولِهم إن اجتمعوا، أو قَولِ بعضِهم إن تفرَّقوا، وهكذا نقولُ، ولم نخرُجْ عن أقاويلِهم، وإن قالَ أحدُهم ولم يُخالِفه غيرُه أخذْنا بقولِه» (٤)، وقالَ أيضاً: «فلَمْ يكُنْ لي عندي خِلافُهم، ولا الذَّهابُ إلى القياسِ والقياسُ مُخرِجٌ مِنْ جميعِ أقوالِهم» (٥)، وقالَ أحمدُ بن حنبل (ت: ٢٤١): «أرأيتَ إن أجمعوا هل له أن يخرجَ مِنْ
стр. 340
أقاويلِهم! هذا قَولٌ خبيثٌ، قَولُ أهلِ البدعِ، لا ينبغي لأحدٍ أن يخرجَ مِنْ أقاويلِ الصَّحابةِ إذا اختلفوا» (١)، وقالَ أبو حاتم الرّازيُّ (ت: ٣٢٧): «العلمُ عندنا ما كانَ عن الله تعالى؛ مِنْ كتابٍ ناطِقٍ ناسخٍ غيرَ منسوخٍ، وما صحَّتْ الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ ممّا لا مُعارِضَ له، وما جاءَ عن الألِبّاءِ مِنْ الصَّحابةِ؛ ما اتَّفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يُخرَجْ مِنْ اختلافِهم، فإذا خَفِيَ ذلك ولم يُفهَم فعن التّابعين، فإذا لم يوجَد عن التّابعين فعن أئِمَّةِ الهُدى مِنْ أتْباعِهم» (٢)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «إجماعُهم لا يكونُ إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحقُّ لا يخرجُ عنهم» (٣)، وقالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «كُلُّ ما جاءَ مُخالِفاً لما عليه السَّلفُ الصّالحُ فهو الضَّلالُ بعينِه» (٤).
قالَ ابنُ القيّم (ت: ٧٥١): «وهذا منصوصُ أبي حنيفةَ، ومذهبُ مالكٍ، ونصَّ عليه أحمدُ، والشّافعيُّ في القديمِ والجديدِ، وصرَّح به محمدُ بن الحسنِ، وإسحاقُ بن راهويه، وأبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّام، وهو قولُ جمهورِ الحنفيّة، وأصحابِ مالكٍ، وجمهورِ أصحابِ أحمد» (٥)، وقالَ: «وأئِمَّةُ الإسلامِ كلُّهم على قبولِ قولِ الصَّحابي» (٦).
стр. 341
خامسَ عشر: أنَّ القولَ بخلافِ ذلك يَلزمُ مِنه القولُ بباطلٍ كثيرٍ؛ مِنْ مثلِ عدمِ تمامِ بيانِ النَّبي ﷺ للقرآنِ، أو جهلِ الصَّحابةِ بشيءٍ مِنْ معاني كتابِ الله الذي أنزلَه الله بلسانِهم، وبيّنَه لهم نبيُّهم، أو كتمِهم لشيءٍ مِنْ تلك المعاني عمَّن بعدَهم، وما يتبعُ ذلك مِنْ تصحيحِ استدلالِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ بجنسِ ذلك مِنْ وجوهِ الأدلَّةِ الباطلةِ، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «ومَنْ زعمَ أنَّه لم يَبيّن لهم معاني القرآنَ، أو أنَّه بيّنها وكتموها عن التّابعين، فهو بمنزلةِ مَنْ زعمَ أنَّه بيّنَ لهم النَّصَّ على عليٍّ، وشيئاً آخرَ مِنْ الشَّرائعِ والواجباتِ، وأنَّهم كتموا ذلك، أو أنَّه لم يُبيّنْ لهم معنى الصلاةِ والزكاةِ والصّيامِ والحجِّ، ونحوِ ذلك مما يزعمُ القرامطةُ أنَّ له باطناً يُخالفُ الظّاهرَ، كما يقولون: إنَّ الصلاةَ معرفةُ أسرارِهم، والصّيامَ كتمانُ أسرارِهم، والحجَّ زيارةُ شيوخِهم .. ، ونحو ذلك مِنْ تفسيرِ القرامطةِ» (١).
سادسَ عشر: أن عدمَ اعتبارِ أقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ مِنْ أعظمِ أسبابِ الخطأِ في التَّأويلِ، والشّذوذِ فيه، وشاهدُ ذلك قولُ ابنِ عبّاسٍ ﵁ للخوارجِ حين ناظرَهم: «جِئتُكم مِنْ عند المهاجرين والأنصارِ؛ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وليسَ فيكم مِنهم أحدٌ .. ، وعليهم نزلَ القرآنُ، وهُم أعلمُ بتأويلِه» (٢)، وكانَ قتادة (ت: ١١٧) إذا قرأَ قولَه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] يقولُ: «لعَمْري لقد كانَ في أهلِ بدرٍ، والحُدَيْبيةِ الذين شهِدوا مع رسولِ الله ﷺ بيعةَ الرِّضوانِ مِنْ
стр. 342
المهاجرين والأنصارِ = خبرٌ لمَن استَخْبر، وعِبرةٌ لمَن استعبَرَ، لمَن كانَ يعقِلُ أو يُبصِرُ: إنَّ الخوارجَ خرجوا وأصحابُ رسولِ الله ﷺ يومئذٍ كثيرٌ بالمدينةِ والشّامِ والعراقِ، وأزواجُه يومئذٍ أحياءٌ، والله إنْ خرجَ مِنهم ذكرٌ ولا أُنثى حَروريّاً قَطُّ، ولا رضوا الذي هُمْ عليه، ولا مالَئوهُم فيه .. ، بل كانوا يُبغضونَهم بقلوبِهم، ويُعادونَهم بألسِنتِهم، وتشتدُّ والله عليهم أيدِيهم إذا لَقوهُم، ولَعَمْري لو كانَ أمرُ الخوارجِ هُدىً لاجتمعَ، ولكنَّه كانَ ضلالاً فتفرَّقَ، وكذلك الأمرُ إذا كانَ مِنْ عندِ غيرِ الله وجدْتَ فيه اختلافاً كثيراً» (١).
قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «أصلُ وقوعِ أهلِ الضّلالِ في مثلِ هذا التّحريفِ: الإعراضُ عن فهمِ كتابِ الله تعالى كما فهِمَه الصَّحابةُ والتّابعون» (٢)، وقالَ: «مَنْ عدلَ عن مذاهبِ الصَّحابةِ والتّابعين وتفسيرِهم إلى ما يُخالفُ ذلك كانَ مُخطِئاً في ذلك، بل مُبتدعاً» (٣)، وقالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) مُبيّناً دليلَ بُطلانِ بعضِ التّفاسيرِ: «والدَّليلُ على ذلك أنَّه لم يُنقلْ عن السَّلفِ الصّالحِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين تفسيرٌ للقرآنِ يُماثِلُه أو يُقاربُه، ولو كانَ عندَهم معروفاً لنُقلَ؛ لأنَّهم كانوا أحرى بفهمِ ظاهرِ القرآنِ وباطِنِه باتِّفاقِ الأئِمَّةِ، ولا يأتي آخرُ هذه الأُمَّةِ بأهدى ممّا كانَ عليه أوَّلُها، ولا هُمْ أعرفُ بالشَّريعةِ مِنهم» (٤).
ومن ثمَّ كانَ أبرزَ ما يُقرِّرُه مَنْ رجعَ عن المذاهبِ الباطلةِ في تأويلِ
стр. 343
القرآنِ وفَهمِ الشّريعةِ = التأكيدُ على قدرِ فهمِ السَّلفِ، ومكانتِه مِنْ الدّينِ، ومِن ذلك قولُ أبي المعالي الجوَيْنيِّ (ت: ٤٧٨) لمّا رجعَ عن التَّأويلِ مُستدلاً على ذلك بفعلِ الصَّحابةِ ﵃: «وهم صفوةُ الإسلامِ، والمُستقلّون بأعباءِ الشّريعةِ، وكانوا لا يألون جُهداً في ضبطِ قواعدِ المِلَّةِ، والتّواصي بحِفظِها، وتعليمِ النّاسِ ما يحتاجون إليه منها، فلو كانَ تأويلُ هذه الآي والظّواهرِ مُسوَّغاً ومَحتوماً لأوشكَ أن يكونَ اهتمامُهم بها فوقَ اهتمامِهم بفروعِ الشَّريعةِ» (١).
المطلبُ الثّالثُ: أوجه الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
يتفرَّعُ الحديثُ عن أوجهِ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني إلى فرعينِ، هما:
١ - صِيَغُ إيرادِ دليلِ أقوالِ السَّلفِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
٢ - أوجهُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
وفيما يأتي بيانُهما:
الأوَّلُ: صِيَغُ إيرادِ دليلِ أقوالِ السَّلفِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠).
يورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ أقوالِ السَّلفِ مبيّناً به المعنى في ثلاثِ صوَرٍ:
الأولى: التَّصريحُ بالاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ، ومِن ذلك قولُه: «مع أنَّ فيما حدَّثنا .. ، عن السُّدّي: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]، قالَ:
стр. 344
إلياسَ. وفي قراءةِ عبدِ الله بن مسعودٍ: (سلامٌ على إدْراسينَ) (١). دلالَةٌ واضِحةٌ على خطأِ قولِ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك: سلامٌ على آلِ محمدٍ» (٢)، وقولُه: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا أنَّ في الكلامِ متروكاً استُغنيَ بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه مِنْ ذِكرِه»، ثُمَّ قالَ: «وفيما حدِّثتُ .. ، عن الضَّحاكِ يقولُ في قولِه ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]: قالوا: كيفَ يُحيينا الله وقد صِرْنا عِظاماً ورُفاتاً، وضلَلْنا في الأرضِ! = دلالَةٌ على صِحَّةِ ما قُلنا مِنْ أنَّهم أنكروا البَعثَ إذْ تُوعِّدوا به» (٣)، وقولُه: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاءَ الأثرُ عن رسولِ الله ﷺ ، وقالَ به أهلُ التَّأويلِ» (٤).
الثانية: ذِكرُ أقوالِ السَّلفِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه: «يعني بقولِه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]: أفلا تفقَهون وتفهَمون قُبحَ ما تأْتون مِنْ معصيَتِكم ربَّكم التي تأمُرون النّاسَ بخلافِها، وتنهَونَهم عن ركوبِها، وأنتم راكِبوها .. ، كما حدَّثنا به» (٥)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ عباسٍ ﵁: «﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]: أفلا تفقَهون» (٦)، ثُمَّ قالَ: «وهذا يدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا مِنْ أمرِ أحبارِ يهودِ بني إسرائيلَ غيرَهم
стр. 345
باتِّباعِ مُحمّدٍ ﷺ ، وأنَّهم كانوا يقولون: هو مبعوثٌ إلى غيرِنا» (١)، وكذا قولُه في قولِه تعالى ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: قالَ العالِمُ: إنَّك لن تُطيقَ الصَّبرَ معي؛ وذلك أنّي أعملُ بباطِنِ علمٍ علَّمَنيه الله، ولا عِلمَ لك إلا بالظاهرِ مِنْ الأمورِ، فلا تصبرُ على ما ترى مِنّي مِنْ الأفعالِ. كما ذَكرْنا عن ابنِ عبّاسٍ قبلُ مِنْ أنَّه كانَ رجُلاً يعمَلُ على الغَيْبِ، قد عُلِّمَ ذلك» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠]: «معناه: وقضى يومَ قضى أمورَ خلقِه لي أن يُؤْتيَني الكتابَ. كما حدَّثني» (٣)، ثُمَّ أسندَ عن عكرمةَ (ت: ١٠٥) قولَه: «قضى أن يُؤْتيَني الكتابَ فيما قضى» (٤).
الثّالثةُ: إيرادُ أقوالِ السَّلفِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦]: «فأمّا سببُ وصولِه إلى الجنَّةِ حتى كلَّمَ آدمَ بعدَ أن أخرجَه الله مِنها وطرَدَه عنها، فليسَ فيما رُويَ عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بن مُنبِّهٍ في ذلك معنىً يجوزُ لذي فهمٍ مُدافعتُه .. ، ومُمكنٌ أن يكونَ وصلَ إلى ذلك بنحوِ الذي قالَه المُتأوِّلون، بل ذلك -إن شاءَ الله- كذلك؛ لتتابُعِ أقوالِ أهلِ التَّأويلِ على تصحيحِ ذلك» (٥)، وقولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا هو أَوْلى الوَجهَيْن
стр. 346
بالصَّوابِ؛ لأنَّ تفسيرَ أهلِ التَّفسيرِ بذلك جاءَ» (١)، وقولُه: «وإنَّما قُلنا ذلك هو الصَّوابُ؛ لما قد قدَّمنا من الرِّوايةِ عن أهلِ التَّأويلِ» (٢).
الثَّاني: أوجهُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني.
تنقسمُ أوجه استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بأقوالِ السَّلفِ على المعاني إلى وجهَيْن:
١ - الاستدلالُ بقولِ جمهورِ السَّلفِ، ويأتي التعبيرُ عنه في كلامِ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بصورتَيْن:
أولاهُما: التعبيرُ ب (الإجماعِ)، وقد سبقَ بيانُ مذهبِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في حكايةِ الإجماعِ (٣)؛ وأنَّ مِنه: ما خالفَ فيه الواحدُ أو الاثنان عامَّةَ العلماءِ. وقد تكرَّرَ هذا النّوعُ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في (٣٥) موضِعاً، وهو في أعلى درجاتِ قولِ الجمهورِ، وأقربُ ما يكونُ مرتبةً من الإجماعِ الثّابتِ. (٤)
وثانيهما: التعبيرُ بما يدلُّ على الكثرَةِ؛ ممّا لا يصلُ لحدِّ الإجماعِ، وذلك مِنْ نحوِ قولِه: (عامَّةُ المفسّرين، تفسيرُ المفسرين، جماعةُ أهلِ التَّأويلِ، تأويلُ أهلِ التَّأويلِ، تأويلُ أهلِ العلمِ، أقوالُ أهلِ العلمِ،
стр. 347
عامَّةُ علماءِ المسلمين، قالَ أهلُ التَّأويلِ) (١). ومِن قولِه في ذلك: «قالَ عامَّةُ المُفسِّرين: تأويلُ قولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]: هذا الكتابُ» (٢)، وقولِه في قولِه تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]: «ويَعني بالكتابِ: القرآنَ. وقد بيَّنتُ فيما مضى لمَ سُمِّيَ القرآنُ كتاباً، وما تأويلُه. وهو قولُ جماعةِ أهلِ التَّأويلِ» (٣).
٢ - الاستدلالُ بقولِ الواحدِ مِنْ السَّلفِ، وذلك كثيرٌ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ومِن ذلك قولُه: «﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: ذو العظمةِ، الذي كُلُّ شيءٍ دونَه، فلا شيءَ أعظمُ مِنه؛ كما حدَّثني .. ، عن ابنِ عبّاسٍ: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: الذي قد كمُلَ في عظمتِه» (٤)، ولم يذكُرْ أثراً لغيرِه، وكذا قولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ ابنُ إسحاقَ، حدَّثنا .. ، عن محمّد بن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: لا يهديهم في الحُجَّةِ عند الخصومةِ لما هُمْ عليه من الضّلالةِ» (٥).
стр. 348
المطلبُ الرّابعُ: ضوابطُ الاستدلالِ بأقوالِ السَّلفِ على المعاني ومسائِلُه.
أوَّلاً: يعبِّرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن قولِ الصحابيِّ بالأثرِ، ومِن ذلك قولُه: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاءَ الأثرُ» (١)، ثُمَّ أسندَ قولاً لابنِ مسعودٍ ﵃. ومثلُه قولُه: «وبذلك جاءَ الأثرُ عن عمرَ بن الخطّابِ ﵁) (٢).
ثانياً: يرتِّبُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أقوالَ السَّلفِ في الاستدلالِ؛ مبتدِئاً بالصَّحابةِ، ثُمَّ التّابعين، ثُمَّ أتباعِ التّابعين، وذلك الأغلبُ في تفسيرِه، وربَّما خالفَ لمعنىً يقتضيه (٣)، والمُقدَّمُ مِنْ الصَّحابةِ في أكثرِها ابنُ عبّاسٍ ﵁، وآخرُ مَنْ ينقلُ عنه مِنْ السَّلفِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ: عبدَ الرَّحمن بن زيدٍ (ت: ١٨٢)، وهو مِنْ الطّبقةِ الوسطى مِنْ أتباعِ التّابعين (٤)، وقلَّ مَنْ يُخرِّجُ له ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ممَّن بعدَه. (٥)
ثالثاً: كُلُّ من رَوى له ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ السَّلفِ قولاً مُستدلاً به على المعنى فهو مِنْ أهلِ التَّأويلِ؛ فإنَّ مِنْ منهجِه في جميعِ كتابِه أن
стр. 349
يُقدِّمَ لقولِ السَّلفِ بقولِه: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ» (١)، فلا ينقُلُ في معنى الآيةِ إلا عمَّن كانَ مرضيّاً قولُه في التَّفسيرِ، وكانَ أهلاً له، ويشهدُ لذلك وصفُه لهم ب (الحُجَّةِ) عند قولِه تعالى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]: «وذلك أنَّ ظاهرَ الخطابِ بذلك إنَّما هو للّذين قالَ لهم جلَّ ثناؤُه ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، والذين هُمْ مَنْ سمَّيْنا في قولِ الحُجَّةِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين الذين قدَّمْنا الروايةَ عنهم» (٢)، وهو بذلك التّعبيرِ يُخرجُ نوعَيْن مِنْ المتكلِّمين في التَّفسيرِ:
أوَّلهما: مَنْ لم يكُنْ مِنْ أهلِ هذا العلمِ؛ كأهلِ اللُّغةِ مثلاً، فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يُفرِدُهم بالذِّكرِ عن أهلِ التَّأويلِ، ويُميّزُ قولَهم عن قولِهم -كما سيأتي بيانُه-.
ثانيهما: مَنْ لم يكُنْ مرضيّاً في هذا العلمِ، فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) لا يضمُّ قولَه مع قولِ الحُجَّةِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ مِنْ السَّلفِ، وإذا رأى ذكرَ قولِه فإنَّه يُلحِقُه بعدَ تمامِ بيانِ الآيةِ، ويُبهِمُ قائلَه، ويورِدُه بصيغةٍ تومئُ إلى كونِه مَرجوحاً، أو ضَعيفاً مُنكراً، ومِن ذلك قولُه: «وقد زعمَ بعضُهم أنَّ معنى قولِه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: أسلِكْنا طريقَ الجنَّةِ في المعادِ. أي: قدِّمنا له، وامضِ بنا إليه. كما قالَ جلَّ ثناؤُه ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، أي: أدخِلوهم النّارَ. كما تُهدى
стр. 350
المرأةُ إلى زوجِها، يعني بذلك أنَّها تُدخَلُ إليه .. ، وفي قولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ما يُنبئُ عن خطأِ هذا التَّأويلِ، مع شهادةِ الحُجَّةِ مِنْ المُفسِّرين على تخطِئتِه» (١)، وقولُه: «وقد زعمَ بعضُ الزّاعمين أنَّ قولَه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به الشّياطينُ، وأنَّ قولَه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] معنيٌّ به النّاسُ. وذلك قولٌ لقولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ مُخالفٌ» (٢).
ويشهدُ لهذا المعنى مِنْ صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قولُ ياقوتٍ الحمويِّ (ت: ٦٢٦): «ولم يتعرَّضْ لتفسيرٍ غيرِ مَوْثوقٍ به؛ فإنَّه لم يُدخِلْ في كتابِه شيئاً عن مُحمّد بن السائبِ الكَلْبي، ولا مُقاتلَ بن سليمانَ، ولا مُحمّدَ بن عمرَ الواقديّ؛ لأنَّهم عندَه أظِنَّاءٌ» (٣).
رابعاً: يُورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أحياناً قولَه: «قالَ أهلُ التَّأويلِ»، أو: «قالَ جماعةٌ من أهلِ التَّأويلِ»، ثمّ لا يذكرُ إلا واحداً منهم، كما
стр. 351
في قولِه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ» (١)، ثُمَّ أسندَ عن السُّدِّي (ت: ١٢٨) قولَه: «﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: أمّا الموعِظةُ فالقُرآنُ، وأمّا ﴿مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: فله ما أكلَ من الرِّبا» (٢)، ولم يروِ لغيرِه، ومثلُه قولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في قولِه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قالَ جماعةٌ مِنْ أهلِ التَّأويلِ» (٣)، ثُمَّ أسندَ عن قتادة (ت: ١١٧) قولَه: «﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، يقولُ: فبرَحمةٍ مِنْ الله لِنْتَ لهُم» (٤)، ولم يورِدْ عن غيرِه شيئاً.
وهذا الصنيعُ مِنْ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) يُخرَّجُ على وَجهَيْن:
أوَّلهما: أنّه اختصرَ، واجتزأ بقولِ الواحدِ مِنْ السَّلفِ عن ذكرِ قولِ غيرِه ممَّن وافقَه، ويشهدُ له قولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وممَّن قالَ ذلك أيضاً الضَّحاكُ» (٥)، ثُمَّ أسندَ قولَه: «فضَّلَ الله الإسلامَ على كلِّ دينٍ، فقالَ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، إلى قولِه ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وليس يُقبَلُ فيه عملٌ غيرُ الإسلامِ، وهي الحنفيَّةُ» (٦)، ولم يذكُرْ غيرَه.
стр. 352
ثانيهما: أنَّ قولَ الواحدِ -اشتهرَ عنه أم لم يشتهِرْ- مع عدمِ مخالفةِ غيرِه مِنْ السَّلفِ له، وعدمِ ذكرِهم لغيرِه مِنْ الأقوالِ = بمثابةِ قولِ عامَّتِهم، كما سلفَ في بعضِ وجوه حُجِّيَّةِ أقوالِ السَّلفِ. وشواهدُ هذا في صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيرةٌ، مِنها قولُه: «وبمثلِ ما قُلنا في ذلك قالَ جماعةُ أهلِ التَّأويلِ» (١)، ثُمَّ أسندَ عن السُّدِّي (ت: ١٢٨) قولَه: «﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يقولُ: أعدلُ عندَ الله» (٢)، ولم يذكُرْ غيرَه.
خامساً: مِنْ المعلومِ أنَّ أقوالَ السَّلفِ تأتي على وجوهٍ مِنْ التَّعبيرِ، تتفاوتُ في الدَّلالةِ على المعنى؛ فمِنها التَّفسيرُ على اللفظِ، ومنها التَّفسيرُ على المعنى -كما سبقَ بيانُه- (٣)، قالَ النَّحاسُ (ت: ٣٣٨) بعد ذِكرِ بعضِ أقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ: «ولم يَشرَحوا ذلك بأكثرَ مِنْ هذا؛ لأنَّه ليس مِنْ مذاهبِ الأوائلِ، وإنَّما يأتي الكلامُ عنهم مُجمَلاً، ثم يتأوَّلُه أهلُ النَّظَرِ على ما يوجِبُه المعنى» (٤).
وقد تميَّزَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بحُسنِ توجيهِه لأقوالِ السَّلفِ، وصحَّةِ فهمِ مقاصدِهم، ودِقَّةِ البيانِ عنهم، وقدرتِه على جمعِ المعاني المؤتلفةِ في معنىً عامٍّ يُتقِنُ التّعبيرَ عنه، ومِن قولِه في ذلك: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وإن خالَفَت ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا،
стр. 353
غيرَ أنَّ معنى ما قالوا في ذلك آيلٌ إلى معنى ما قُلنا فيه» (١)، وقولِه: «﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣]، يقولُ تعالى ذِكرُه: أمْ تُنبِّئونَه بظاهرٍ مِنْ القَولِ مَسموعٍ، وهو في الحقيقةِ باطلٌ لا صِحَّةَ له. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، غيرَ أنَّهم قالوا ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣] معناه: أمْ بباطلٍ. فأتَوا بالمعنى الذي تدلُّ عليه الكلمةُ دونَ البيانِ عن حقيقةِ تأويلِها» (٢)، وقولِه عندَ قولِه تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]: «﴿وَالْحُكْمَ﴾ [الأنعام: ٨٩] يعني: الفهمَ بالكتابِ ومعرفةَ ما فيه مِنْ الأحكامِ. ورُويَ عن مجاهدٍ في ذلك .. ، قالَ: الحكمُ هو اللُّبُّ. وعَنى مُجاهدٌ إن شاءَ الله ما قُلتُ؛ لأنَّ اللُّبَّ هو العقلُ، فكأنَّه أرادَ أنَّ الله آتاهُم العقلَ بالكتابِ، وهو بمعنى ما قُلنا مِنْ أنَّه الفهمُ به» (٣)، وقولِه: «رُويَ عن قتادةَ في تأويلِ قولِه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أنَّه: يَكذِبون. وأحسبُ أنَّ قتادةَ عَنى بتأويلِه ذلك كذلك أنَّهم يَكذِبون في وَصفِهم اللهَ بما كانوا يَصِفونه به؛ مِنْ ادِّعائِهم له بنينَ وبناتٍ، لا أنَّه وجَّهَ تأويلَ الوصفِ إلى الكذِبِ» (٤).
سادساً: أَوْلى ما توَجَّه إليه أقوالُ السَّلفِ ما أبانوه بأنفُسِهم مِنْ مقاصِدِهم، وهذا مِنْ تمامِ العدلِ والإنصافِ؛ فإنَّ خيرَ مَنْ يُبينُ عن مقصدِ المُتكلِّمِ نفسُه، وقد اعتمدَ ذلك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه،
стр. 354
كما في قولِه: «وفيما بيَّنّا مِنْ ذلك البيانُ الواضِحُ على أنَّ الآيةَ لخاصٍّ، كما قالَ ابنُ عباسٍ، وذلك ما حدَّثني .. » (١)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ عباسٍ -مِنْ طريقِ العَوفيّين (٢) -: «﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، يقول: هُمْ أهلُ الكتابِ. وقالَ: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ» (٣)، ثُمَّ قالَ: «يعني بقولِه: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصَّةٌ في المسلمين في مَنْ لم يُؤَدِّ زكاةَ مالِه مِنهم، وعامَّةٌ في أهلِ الكتابِ؛ لأنَّهم كُفَّارٌ لا تُقبَلُ مِنهم نفقاتُهم إن أنفَقوا. يدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في تأويلِ قولِ ابنِ عباسٍ هذا ما حدَّثني .. » (٤)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ عباسٍ -من طريقِ ابنِ أبي طلحةَ (٥) -: «﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، إلى قولِه ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَ: هُمْ الذين لا يؤَدّون زكاةَ أموالِهم. قالَ: وكُلُّ مالٍ لا تؤَدّى زكاتُه؛ كانَ على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كنزٌ، وكلُّ مالٍ تؤَدّى زكاتُه فليسَ بكنزٍ؛ كانَ على ظهرِ الأرضِ أو في
стр. 355
بطنِها» (١)، ومِن ذلك أيضاً قولُه في مَوضعٍ: «وأمّا ابنُ زيدٍ فقد أبانَ عن نفسِه ما قصدَ بتأويلِه ذلك» (٢).
وقرَّرَ أيضاً أنَّه لا وجهَ لتوجيهِ كلامِ أحدٍ مِنْ السَّلفِ بعدَ بيانِه هو عن مَقصدِه مِنه، كما في قولِه بعدَ أن أورَدَ قولاً لابنِ عباسٍ ﵁، ومجاهدٍ (ت: ١٠٤): «وقد بيَّنَ ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ما أرادا مِنْ المعنى في قراءتِهما ذلك على ما قرَأا، فلا وجهَ لقولِ هذا القائِلِ ما قالَ مع بيانِهما عن أنفُسِهما ما قصَدا إليه مِنْ معنى ذلك» (٣).
سابعاً: يتلخَّصُ منهجُ ابنِ جريرٍ في التأليفِ بين أقوالِ السَّلفِ المُتغايرةِ في التفسيرِ في أمرَيْن هُما:
١ - تحديدُ أصلِ معنى اللفظِ.
٢ - وصْلُ أقوالِ السَّلفِ بذلك الأصلِ.
ومِن شواهدِ ذلك ما أوردَه بعد ذِكرِ اختلافِ السَّلفِ في معنى قولِه تعالى ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]، حيثُ قالَ: «وقد بيَّنّا أنَّ أصلَ التفنيدِ: الإفسادُ. وإذْ كانَ ذلك كذلك فالسَّفاهةُ والهرَمُ والكَذِبُ وذهابُ العقلِ، وكلُّ معاني الإفسادِ، تدخلُ في التَّفنيدِ؛ لأنَّ أصلَ ذلك كلِّه الفسادُ. والفسادُ في الجِسمِ: الهَرَمُ وذهابُ العقلِ والضَّعفُ. وفي الفعلِ: الكذِبُ واللَّومُ بالباطلِ .. ، فقد تبيَّنَ -إذْ كانَ الأمرُ على ما