في قولِه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ» (١)، ثُمَّ أسندَ عن السُّدِّي (ت: ١٢٨) قولَه: «﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: أمّا الموعِظةُ فالقُرآنُ، وأمّا ﴿مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: فله ما أكلَ من الرِّبا» (٢)، ولم يروِ لغيرِه، ومثلُه قولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في قولِه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قالَ جماعةٌ مِنْ أهلِ التَّأويلِ» (٣)، ثُمَّ أسندَ عن قتادة (ت: ١١٧) قولَه: «﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، يقولُ: فبرَحمةٍ مِنْ الله لِنْتَ لهُم» (٤)، ولم يورِدْ عن غيرِه شيئاً.
وهذا الصنيعُ مِنْ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) يُخرَّجُ على وَجهَيْن:
أوَّلهما: أنّه اختصرَ، واجتزأ بقولِ الواحدِ مِنْ السَّلفِ عن ذكرِ قولِ غيرِه ممَّن وافقَه، ويشهدُ له قولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وممَّن قالَ ذلك أيضاً الضَّحاكُ» (٥)، ثُمَّ أسندَ قولَه: «فضَّلَ الله الإسلامَ على كلِّ دينٍ، فقالَ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، إلى قولِه ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وليس يُقبَلُ فيه عملٌ غيرُ الإسلامِ، وهي الحنفيَّةُ» (٦)، ولم يذكُرْ غيرَه.
стр. 352
ثانيهما: أنَّ قولَ الواحدِ -اشتهرَ عنه أم لم يشتهِرْ- مع عدمِ مخالفةِ غيرِه مِنْ السَّلفِ له، وعدمِ ذكرِهم لغيرِه مِنْ الأقوالِ = بمثابةِ قولِ عامَّتِهم، كما سلفَ في بعضِ وجوه حُجِّيَّةِ أقوالِ السَّلفِ. وشواهدُ هذا في صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيرةٌ، مِنها قولُه: «وبمثلِ ما قُلنا في ذلك قالَ جماعةُ أهلِ التَّأويلِ» (١)، ثُمَّ أسندَ عن السُّدِّي (ت: ١٢٨) قولَه: «﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يقولُ: أعدلُ عندَ الله» (٢)، ولم يذكُرْ غيرَه.
خامساً: مِنْ المعلومِ أنَّ أقوالَ السَّلفِ تأتي على وجوهٍ مِنْ التَّعبيرِ، تتفاوتُ في الدَّلالةِ على المعنى؛ فمِنها التَّفسيرُ على اللفظِ، ومنها التَّفسيرُ على المعنى -كما سبقَ بيانُه- (٣)، قالَ النَّحاسُ (ت: ٣٣٨) بعد ذِكرِ بعضِ أقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ: «ولم يَشرَحوا ذلك بأكثرَ مِنْ هذا؛ لأنَّه ليس مِنْ مذاهبِ الأوائلِ، وإنَّما يأتي الكلامُ عنهم مُجمَلاً، ثم يتأوَّلُه أهلُ النَّظَرِ على ما يوجِبُه المعنى» (٤).
وقد تميَّزَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بحُسنِ توجيهِه لأقوالِ السَّلفِ، وصحَّةِ فهمِ مقاصدِهم، ودِقَّةِ البيانِ عنهم، وقدرتِه على جمعِ المعاني المؤتلفةِ في معنىً عامٍّ يُتقِنُ التّعبيرَ عنه، ومِن قولِه في ذلك: «وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وإن خالَفَت ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا،
стр. 353
غيرَ أنَّ معنى ما قالوا في ذلك آيلٌ إلى معنى ما قُلنا فيه» (١)، وقولِه: «﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣]، يقولُ تعالى ذِكرُه: أمْ تُنبِّئونَه بظاهرٍ مِنْ القَولِ مَسموعٍ، وهو في الحقيقةِ باطلٌ لا صِحَّةَ له. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، غيرَ أنَّهم قالوا ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣] معناه: أمْ بباطلٍ. فأتَوا بالمعنى الذي تدلُّ عليه الكلمةُ دونَ البيانِ عن حقيقةِ تأويلِها» (٢)، وقولِه عندَ قولِه تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]: «﴿وَالْحُكْمَ﴾ [الأنعام: ٨٩] يعني: الفهمَ بالكتابِ ومعرفةَ ما فيه مِنْ الأحكامِ. ورُويَ عن مجاهدٍ في ذلك .. ، قالَ: الحكمُ هو اللُّبُّ. وعَنى مُجاهدٌ إن شاءَ الله ما قُلتُ؛ لأنَّ اللُّبَّ هو العقلُ، فكأنَّه أرادَ أنَّ الله آتاهُم العقلَ بالكتابِ، وهو بمعنى ما قُلنا مِنْ أنَّه الفهمُ به» (٣)، وقولِه: «رُويَ عن قتادةَ في تأويلِ قولِه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أنَّه: يَكذِبون. وأحسبُ أنَّ قتادةَ عَنى بتأويلِه ذلك كذلك أنَّهم يَكذِبون في وَصفِهم اللهَ بما كانوا يَصِفونه به؛ مِنْ ادِّعائِهم له بنينَ وبناتٍ، لا أنَّه وجَّهَ تأويلَ الوصفِ إلى الكذِبِ» (٤).
سادساً: أَوْلى ما توَجَّه إليه أقوالُ السَّلفِ ما أبانوه بأنفُسِهم مِنْ مقاصِدِهم، وهذا مِنْ تمامِ العدلِ والإنصافِ؛ فإنَّ خيرَ مَنْ يُبينُ عن مقصدِ المُتكلِّمِ نفسُه، وقد اعتمدَ ذلك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه،
стр. 354
كما في قولِه: «وفيما بيَّنّا مِنْ ذلك البيانُ الواضِحُ على أنَّ الآيةَ لخاصٍّ، كما قالَ ابنُ عباسٍ، وذلك ما حدَّثني .. » (١)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ عباسٍ -مِنْ طريقِ العَوفيّين (٢) -: «﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، يقول: هُمْ أهلُ الكتابِ. وقالَ: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ» (٣)، ثُمَّ قالَ: «يعني بقولِه: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصَّةٌ في المسلمين في مَنْ لم يُؤَدِّ زكاةَ مالِه مِنهم، وعامَّةٌ في أهلِ الكتابِ؛ لأنَّهم كُفَّارٌ لا تُقبَلُ مِنهم نفقاتُهم إن أنفَقوا. يدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في تأويلِ قولِ ابنِ عباسٍ هذا ما حدَّثني .. » (٤)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ عباسٍ -من طريقِ ابنِ أبي طلحةَ (٥) -: «﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، إلى قولِه ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَ: هُمْ الذين لا يؤَدّون زكاةَ أموالِهم. قالَ: وكُلُّ مالٍ لا تؤَدّى زكاتُه؛ كانَ على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كنزٌ، وكلُّ مالٍ تؤَدّى زكاتُه فليسَ بكنزٍ؛ كانَ على ظهرِ الأرضِ أو في
стр. 355
بطنِها» (١)، ومِن ذلك أيضاً قولُه في مَوضعٍ: «وأمّا ابنُ زيدٍ فقد أبانَ عن نفسِه ما قصدَ بتأويلِه ذلك» (٢).
وقرَّرَ أيضاً أنَّه لا وجهَ لتوجيهِ كلامِ أحدٍ مِنْ السَّلفِ بعدَ بيانِه هو عن مَقصدِه مِنه، كما في قولِه بعدَ أن أورَدَ قولاً لابنِ عباسٍ ﵁، ومجاهدٍ (ت: ١٠٤): «وقد بيَّنَ ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ما أرادا مِنْ المعنى في قراءتِهما ذلك على ما قرَأا، فلا وجهَ لقولِ هذا القائِلِ ما قالَ مع بيانِهما عن أنفُسِهما ما قصَدا إليه مِنْ معنى ذلك» (٣).
سابعاً: يتلخَّصُ منهجُ ابنِ جريرٍ في التأليفِ بين أقوالِ السَّلفِ المُتغايرةِ في التفسيرِ في أمرَيْن هُما:
١ - تحديدُ أصلِ معنى اللفظِ.
٢ - وصْلُ أقوالِ السَّلفِ بذلك الأصلِ.
ومِن شواهدِ ذلك ما أوردَه بعد ذِكرِ اختلافِ السَّلفِ في معنى قولِه تعالى ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]، حيثُ قالَ: «وقد بيَّنّا أنَّ أصلَ التفنيدِ: الإفسادُ. وإذْ كانَ ذلك كذلك فالسَّفاهةُ والهرَمُ والكَذِبُ وذهابُ العقلِ، وكلُّ معاني الإفسادِ، تدخلُ في التَّفنيدِ؛ لأنَّ أصلَ ذلك كلِّه الفسادُ. والفسادُ في الجِسمِ: الهَرَمُ وذهابُ العقلِ والضَّعفُ. وفي الفعلِ: الكذِبُ واللَّومُ بالباطلِ .. ، فقد تبيَّنَ -إذْ كانَ الأمرُ على ما
стр. 356
وصَفنا- أنَّ الأقوالَ التي قالَها مَنْ ذكَرْنا قولَه في قولِه ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]، على اختِلافِ عباراتِهم عن تأويلِه = متقاربةُ المعاني، مُحتمِلٌ جميعَها ظاهِرُ التَّنزيلِ؛ إذْ لم يكُنْ في الآيةِ دليلٌ على أنَّه معنيٌّ به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ» (١)، ومثلُه قولُه: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك أن يُقالَ كما قالَ الله : ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]. وجائِزٌ أن يكونَ ذلك الفَلَكُ كما قالَ مُجاهدُ: كحديدةِ الرَّحى. وكما ذُكرَ عن الحَسَنِ: كطاحونةِ الرَّحى. وجائِزٌ أن يكونَ: مَوجاً مكفوفاً. وأن يكونَ: قُطبَ السَّماءِ. وذلك أنَّ الفَلَكَ في كلامِ العرَبِ هو: كُلُّ شيءٍ دائِرٍ .. ، وإذْ كانَ كلُّ ما دارَ في كلامِها فلَكاً، ولم يكُنْ في كتابِ الله، ولا في خبرٍ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا عمَّن يقطعُ قولُه العُذرَ، دليلٌ يدُلُّ على أيِّ ذلك هو مِنْ أيٍّ = كانَ الواجبُ أن نقولَ فيه ما قالَ، ونسكُتَ عمّا لا عِلمَ لنا بِه» (٢).
ثامناً: اعتنى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بنقدِ أقوالِ السَّلفِ عنايةً ظاهِرةً، كما أشارَ إلى ما في بعضِها مِنْ نكارَةٍ أو غرابةٍ، وقد جاءَ ذلك النَّقدُ في صورَتَيْن:
١ - نقدُ متونِ مرويّاتِ السَّلفِ، كما في قولِه بعدَ أن أوردَ قولَ ابنِ عباسٍ ﵁ من طريقِ العَوفيّين- في عِدَّةِ أصحابِ بدرٍ، وأنَّهم كانوا ثلاثَمائة وثلاثةَ عشرَ رجلاً، وكانَ المشركون مِثلَيْهم، حيثُ قالَ: «وهذه
стр. 357
الرِّوايةُ خلافُ ما تظاهرَتْ به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ؛ وذلك أنَّ النّاسَ إنَّما اختلفوا في عددِهم على وجهَيْن؛ فقالَ بعضُهم: كانَ عددُهم ألفاً. وقالَ بعضُهم: ما بَيْن التسعِمائةِ إلى الألفِ» (١)، وقولِه بعدَ أن أورَدَ قولَ ابنِ عباسٍ ﵁: «﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدَّثر: ٢٩]، يقولُ: مُعرِّضةٌ»، ثُمَّ قالَ: «وأخشى أن يكونَ خبرُ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ هذا، غلطاً، وأن يكونَ موضِعُ (مُعرِّضةً) (مُغيِّرةً)، لكنْ صُحِّفَ فيه» (٢)، وقولِه أيضاً: «فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ الخبرَ الذي رُويَ عن محمدِ بن كعبٍ صحيحٌ، فإنَّ في استحالةِ الشَّكِّ مِنْ الرَّسولِ ﷺ في أنَّ أهلَ الشِّركِ مِنْ أهلِ الجَحيمِ، وأنَّ أبوَيْه كانا مِنهم = ما يدفعُ صِحَّةَ ما قالَه محمدُ بن كعبٍ، إن كانَ الخبرُ عنه صحيحاً» (٣).
٢ - نقدُ أسانيدِ مرويّاتِ السَّلفِ، كما في قولِه: «وذلك قولٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ، تركنا ذِكرَه؛ لأنَّ في إسنادِه مَنْ لا نستجيزُ ذِكرَه» (٤)، وقولِه بعدَ أن أسندَ خبراً عن عمرَ بن الخطّابِ ﵁: «وهذا الحديثُ خطأٌ؛ أعني حديثَ هشامِ بن عروةَ (٥)، إنَّما هو: هشامُ بن عروةَ عن أبيه. ليس فيه عمرُ، كذلك حُدِّثتُ عن ابنِ عُليَّةَ وغيرِه» (٦)، وكذا قولُه
стр. 358
في قولِه تعالى ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]: «وقد ذُكرَ أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في قومٍ مِنْ اليهودِ بأعْيانِهم، مِنْ وجهٍ لم تثبُتْ صِحَّتُه» (١).
تاسعاً: يعتني ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بالتَّرجيحِ بين الرّواياتِ المُتعارضةِ عن المفسِّرِ الواحدِ، واختيارِ أصحِّها وأرجَحِها، ومِن ذلك قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا قولٌ وجدتُه عن مجاهدٍ، وأخشى أن يكونَ غلطاً؛ لأنَّ الصَّحيحَ مِنْ الرِّوايةِ عنه ما قد ذَكَرنا قبلُ» (٢)، وفي قولِه تعالى ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أوردَ قولَ ابنَ عباسٍ -من طريقِ معاويةَ بن صالحٍ (٣) عن ابنِ أبي طلحةَ-: «الأعنابَ والدُّهنَ» (٤)، ثُمَّ أخرجَ عنه قولَه -من طريقِ فرجِ بنِ فضالةَ (٥) عن ابنِ أبي طلحةَ-: «فيه يَحلِبون» (٦)، ثُمَّ قالَ: «وأمّا القَولُ الذي روَى الفرجُ بنُ فضالةَ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، فقَولٌ لا معنى له؛ لأنَّه خلافُ المعروفِ مِنْ كلامِ العربِ، وخلافُ ما يُعرَفُ مِنْ قولِ ابنِ عباسٍ ﵄» (٧).
стр. 359
عاشراً: قولُ جمهورِ السَّلفِ عندَ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مُقدَّمٌ في الجُملةِ على قولِ آحادِهم، ومن شواهدِ ذلك قولُه مُعلِّلاً بعضَ اختيارِه: «وأَوْلى الأقوالِ بالصَّوابِ في ذلك .. ؛ لتظاهُرِ الأخبارِ بذلك عن الصَّحابةِ والتّابعين وعامَّةِ أهلِ التَّأويلِ. وأمّا القَولُ الذي رواه مجاهدٌ عن ابنِ عباسٍ فقَولٌ غيرُ بعيدٍ مِنْ الصَّوابِ، ولكنَّ الأخبارَ المُتظاهرَةَ عن الصَّحابةِ والتّابعين بخلافِه، وكرِهنا القَولَ به مِنْ أجلِ ذلك» (١)، ومثلُه عندَ قولِه تعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، حيثُ أوردَ قولَ الجُمهورِ أنَّها نزلَتْ في رجلٍ مِنْ الأنصارِ. ثُمَّ ذكرَ قولَ الحسنِ (ت: ١١٠) أنَّها نزلَتْ في أهلِ الكتابِ. ثُمَّ قالَ: «وأشبَهُ القَولَيْن بظاهرِ التَّنزيلِ ما قالَ الحسنُ؛ مِنْ أنَّ هذه الآيةَ معنيٌّ بها أهلَ الكتابِ، على ما قالَ. غيرَ أنَّ الأخبارَ بالقَولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به أعلمُ بتأويلِ القرآنِ» (٢).
وعلى مثلِ ذلك نصَّ ابنُ جُزي (ت: ٧٤١) في مقدِّمةِ تفسيرِه؛ حيثُ قالَ في ثالثِ موجباتِ التَّرجيحِ ووجوهِه بعدَ القرآنِ والسُّنَّةِ: «أن يكونَ القولُ قولَ الجُمهورِ وأكثرِ المُفسِّرين؛ فإنَّ كثرةَ القائلين بالقولِ يقتضي ترجيحَه» (٣)، ثُمَّ قالَ في رابعِ تلك الوجوهِ: «أن يكونَ القولُ قولَ مَنْ يُقتدى به مِنْ الصَّحابةِ؛ كالخُلفاءِ الأربعةِ، وعبدِ الله بن عباسٍ» (٤).
стр. 360
حاديَ عشر: يرجّحُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أقوالَ الصَّحابةِ مِنْ السَّلفِ في الجُملةِ؛ وذلك لِما لهُم مِنْ الخصائِصِ التي لا يَشرَكُهم فيها مَنْ بعدَهم، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عنهم: «هُمْ كانوا أعلمَ بمعاني القرآنِ، والسَّببِ الذي فيه نزَلَ، وما أُريدَ به» (١)، كما أنَّ تفاسيرَ مَنْ بعدَهم مِنْ التّابعين كانَت وعاءً احتوى تفاسيرَ الصَّحابةِ، وبنى عليها، ولم يَخرُجْ عنها بما يُبطِلُها. ومِن شواهدِ تطبيقاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ قولُه في قولِه تعالى ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]: «لا خبرَ عن رسولِ الله ﷺ يصحُّ سندُه، ولا آيةَ مُتَّفقٌ على تأويلِها، ولا إجماعَ مِنْ الأمَّةِ على أنَّهم ملائِكةٌ. فإذْ كانَ ذلك كذلك، وكانَ ذلك لا يُدرَكُ قياساً، وكانَ المُتعارَفُ بين أهلِ لسانِ العربِ أنَّ الرِّجالَ اسمٌ يجمعُ ذكورَ بني آدمَ دونَ إناثِهم، ودونَ سائِرِ الخلقِ غيرِهم = كانَ بيِّناً أنَّ ما قالَه أبو مِجلَزٍ مِنْ أنَّهم: ملائِكةٌ. قولٌ لا معنى له، وأنَّ الصَّحيحَ مِنْ القَولِ في ذلك ما قالَه سائِرُ أهلِ التَّأويلِ غيرَه، هذا مع مَنْ قالَ بخِلافِه مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، ومع ما رُويَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك مِنْ الأخبارِ، وإن كانَ في أسانيدِها ما فيها» (٢)، وقولُه: «وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ، وجاءَت الرِّوايةُ عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ ) (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]: «وهذا التَّأويلُ الذي ذهبَ إليه الحسنُ وقتادةُ في ذلك -إذا قُرئَ بتشديدِ الذَّالِ وضمِّ الكافِ- خِلافٌ لِما ذكرنا
стр. 361
مِنْ أقوالِ جميعِ مَنْ حكينا قولَه مِنْ الصَّحابةِ؛ لأنَّه لم يوجِّه الظَّنَّ في هذا المَوضِعِ مِنهم أحدٌ إلى معنى العلمِ واليقينِ» (١).
ثانيَ عشر: اعتمادُ أقوالِ الصَّحابةِ فيما لا مجالَ للرَّأْي فيه، وذلك ظاهرٌ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ومِن ذلك قولُه: «فإن قالَ قائِلٌ: وهل في الجنَّةِ قائِلةٌ فيُقالَ: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] فيها؟ قيل: معنى ذلك: وأحسنُ فيها قراراً في أوقاتِ قائِلَتِهم في الدُّنيا؛ وذلك أنَّه ذُكرَ أنَّ أهلَ الجنَّةِ لا يمرُّ بهم في الآخرةِ إلا قدرُ ميقاتِ النَّهارِ، مِنْ أوَّلِه إلى وقتِ القائِلةِ، حتى يسكنوا مساكِنَهم في الجنَّةِ، فذلك معنى قولِه ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]» (٢)، ثُمَّ أسندَ معنى ذلك عن ابنِ عباسٍ ﵁، مُستدلاً به. ومثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]: «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيّةِ (٣) أنَّ اللؤلؤَ والمرجانَ يخرجُ مِنْ أحدِ البَحرَيْن، ولكن قيلَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: ٢٢]، كما يُقالُ: أكَلتُ خُبزاً ولَبَناً .. ، وليس ذلك كما ذهبَ إليه، بل ذلك كما وصَفتُ قبلُ مِنْ أنَّ ذلك يخرجُ مِنْ أصدافِ البحرِ عن قطرِ السّماءِ؛ فلذلك قيلَ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: ٢٢]، يعني به البَحرَيْن» (٤)، ثُمَّ استدلَّ لذلك بقولِ ابنِ عباسٍ ﵁: «إنَّ السّماءَ إذا أمطرَت فتحَت الأصدافُ أفواهَها، فمنها اللؤلؤُ» (٥).
стр. 362
ومِن المَعلومِ أنَّ قولَ الصحابيِّ فيما لا مجالَ للرَّأْي فيه له حُكمُ المَرفوعِ، قالَ السّيوطيُّ (ت: ٩١١): «التَّفسيرُ الواردُ عن الصحابيِّ فيما يتعلَّقُ بأمرِ الآخرةِ له حُكمُ الرَّفعِ بإجماعِ أهلِ الحديثِ» (١).
ثالثَ عشر: يُقدِّمُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أقوالَ الصَّحابةِ على غيرِهم في أسبابِ النّزولِ؛ لِما لها مِنْ القوَّةِ، فقد عدَّها أهلُ العلمِ من قبيلِ المُسندِ عن رسولِ الله ﷺ ، كما قالَ الحاكمُ (ت: ٤٠٥): «ليعلمَ طالبُ هذا العلمِ أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ الذي شهدَ الوَحيَ والتَّنزيلَ عندَ الشَّيخَيْن حديثٌ مُسندٌ» (٢)، وقد قيلَ في معنى ذلك ثلاثةُ أوجهٍ:
١ - أنَّه مثلُه في الاحتجاجِ.
٢ - أنَّه مثلُه مِنْ جهةِ أنَّهم تلقَّوْه عن بيانِ رسولِ الله ﷺ لهم، ونقلوه عنه بلفظِه أو بمعناه. ذكرَ هذين الوَجهَيْن ابنُ القيِّم (ت: ٧٥١)، وقالَ عن الثَّاني: «وهو أحسنُ الوَجهَيْن» (٣).
٣ - أنَّ ذلك خاصٌّ بما نقلوه مِنْ أسبابِ النُّزولِ، وذلك رأيُ الحاكمِ (ت: ٤٠٥) في كتابِه (معرفةِ علومِ الحديثِ)؛ حيثُ ذكرَ قولاً لأبي هريرةَ ﵁ في التَّفسيرِ، ثُمَّ قالَ: «وأشباهُ هذا مِنْ المَوْقوفاتُ يُعدُّ في تفسيرِ الصَّحابةِ، فأمّا مَنْ يقولُ: إنَّ تفسيرَ الصحابيِّ مُسندٌ. فإنَّما يقولُ في غيرِ هذا النَّوعِ» (٤)، ثُمَّ مثَّلَ له بقولٍ لجابرِ بن عبد الله ﵁ في
стр. 363
سببِ نزولٍ، ثُمَّ قالَ: «هذا الحديثُ وأشباهُه مُسندةٌ عن آخِرِها وليست بمَوقوفةٍ، فإنَّ الصحابيَّ الذي شهدَ الوحيَ والتَّنزيلَ، فأخبرَ عن آيةٍ مِنْ القرآنِ أنَّها نزلَت في كذا وكذا = فإنَّه حديثٌ مُسندٌ» (١).
ومِن شواهدِ تقديمِ أقوالِ الصَّحابةِ في أسبابِ النُّزولِ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قولُه: «وأَوْلى هذه الأقوالِ في ذلك عندي بالصَّوابِ أن يُقالَ: عُنيَ بذلك: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] قَومٌ مِنْ المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كانَ مِمَّنْ دخلَ في هذه الآيةِ ابنُ صوريّا (٢)، وجائِزٌ أن يكونَ أبو لُبابةَ، وجائِزٌ أن يكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أثبتَ شيءٍ رُويَ في ذلك ما ذكرناه مِنْ الرِّوايةِ قبلُ عن أبي هريرةَ والبراءِ بنِ عازبٍ؛ لأنَّ ذلك عن رجُلَيْن مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وإذا كانَ ذلك كذلك، كانَ الصَّحيحُ مِنْ القَولِ فيه أن يُقالَ: عُنيَ به عبدُ الله بن صوريّا» (٣)، وقولُه: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا أنَّ الذي قالَه مسروقٌ في تأويلِ ذلك أشْبَه بظاهرِ التَّنزيلِ؛ لأنَّ قولَه ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] في سياقِ توبيخِ الله تعالى ذِكرُه مُشرِكي قُريشٍ، واحتجاجاً لنبيِّه ﷺ ، وهذه الآيةُ نظيرةُ سائِرِ الآياتِ قبلَها .. ، غيرَ أنَّ الأخبارَ قد وردَتْ عن جماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ بأنَّ ذلك عُنيَ به عبدُ الله بن سلامٍ، وعليه أكثرُ أهلِ
стр. 364
التَّأويلِ، وهُم كانوا أعلَمَ بمعاني القرآنِ، والسَّببِ الذي فيه نزلَ، وما أُريدَ به» (١).
رابعَ عشر: يهتمُّ بثبوتِ الأثرِ في الاستدلالِ عند الحاجةِ؛ كتعارضِ الأقوالِ عن المُفسِّرِ الواحدِ، أو ظهورِ أثرِ ثبوتِ الخبرِ في التَّرجيحِ، ومن ذلك قولُه: «وأما القولُ الذي رُويَ عن شَهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن عُمرَ ﵁؛ من تفريقِه بين طلحةَ وحُذَيْفةَ وامرأتَيْهِما اللتَيْن كانَتا كتابيَّتَيْن = فقولٌ لا معنى له؛ لخِلافِه ما الأُمَّةُ مُجتمعَةٌ على تحليلِه بكتابِ الله تعالى ذِكرُه، وخبرِ رسولِه ﷺ . وقد رُويَ عن عمرَ بن الخطّابِ ﵁ من القولِ خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصَحُّ منه» (٢)، وقولُه: «وقد ذكَرْنا الخبرَ الذي رُويَ عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنَّهما كانا يقولان .. ، فإن كانَ ذلك صحيحاً -ولستُ أعلَمُه صحيحاً، إذْ كُنْتُ بإسنادِه مُرتاباً- فإنَّ القَولَ الذي رُويَ عنهما هو القَولُ، وإن يكُن غيرَ صحيحٍ فأَوْلى بتأويلِ الآيةِ ما قُلنا» (٣)، وقولُه: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ ما ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ .. ؛ لأنَّ ذلك أصحُّ الأسانيدِ التي رُويَ عن صحابيٍّ فيه قَولٌ مَخرجاً، وأشبَه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التَّنزيلِ» (٤)، وقولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وذلك قَولٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ، تركنا ذِكرَه؛ لأنَّ في إسنادِه مَنْ لا نستجيزُ ذِكرَه» (٥).
стр. 365
خامسَ عشرَ: لا يجوزُ القولُ بخلافِ قولِ السَّلفِ وإن كانَ مُحتمَلاً، وهذا تطبيقٌ عمليٌّ مِنْ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) لِما تقرَّرَ مِنْ حُجِّيَّةِ أقوالِ السَّلفِ، ومِن قولِه في ذلك: «وهذه الأقوالُ وإن كانَت غيرَ بعيداتِ المعنى مِمَّا تحتملُه الآيةُ مِنْ التَّأويلِ، فإنَّ تأويلَ أهلَ التَّأويلِ مِنْ علماءِ سَلفِ الأُمَّةِ بخلافِها؛ فلذلك لم نستجِزْ صرفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنىً مِنها» (١)، وقولُه: «وإذْ كانَ ذلك كذلك، وكانَ لا اختِلافَ بينهم ظاهرٌ، وكانَ ما كانَ مُستفيضاً فيهم ظاهرَ الحُجَّةِ = فالواجِبُ -وإن احتملَ ذلك معنىً غيرَ الذي قالوا- التَّسليمُ لما استفاضَ بصحَّتِه نقلُهم» (٢)، وردَّ قولاً وقالَ: «وهذا قَولٌ مُخالفٌ تأويلَ مَنْ ذكَرْنا تأويلَه مِنْ أهلِ العِلمِ في تأويلِ ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وإنْ كانَ صحيحاً على مذهَبِ العربيَّةِ» (٣)، وعِلَّةُ ذلك تتبيَّنُ في المسائِلِ الآتيةِ.
سادسَ عشر: القولُ بخلافِ قولِ السَّلفِ خطأٌ قطعاً؛ إذْ لو كانَ صواباً لقالَه السَّلفُ، وقد قرَّرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مُقدِّمتِه أنَّ ضابطَ إصابةِ الحقِّ في التَّفسيرِ: عدمُ الخروجِ عن أقوالِ السَّلفِ؛ فقالَ: «أحقُّ المفسِّرين بإصابةِ الحقِّ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى علمِ تأويلِه للعبادِ السَّبيلُ أوضَحُهم حُجَّةً فيما تأوَّلَ وفسَّرَ .. ، كائِناً مَنْ كانَ ذلك المُتأوِّلُ والمُفسِّرُ، بعدَ ألّا يكونَ خارجاً تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّلَ وفسَّرَ مِنْ ذلك عن أقوالِ السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والأئِمَّةِ، والخلفِ مِنْ التّابعين وعُلماءِ الأُمَّةِ» (٤).
стр. 366
ومِن شواهدِ تطبيقِ ذلك في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا القَولُ مع خروجِه مِنْ أقوالِ أهلِ العلمِ، قَولٌ لا وجهَ له» (١)، وقولُه: «فأمّا الذي ذُكرَ عن محمد بن أبي موسى (٢) فإنَّه -مع خروجِه مِنْ قَولِ أهلِ التَّأويلِ- بعيدٌ مِمّا يدلُّ عليه ظاهرُ التَّنزيلِ .. ، ولا دلالةَ في الآيةِ على ما قالَه، ولا أثرَ عمَّن يُعلَمُ بقولِه صِحَّةُ ذلك» (٣).
بل جعلَ ابنُ جريرٍ (ت ٣١٠) ذلك شاهداً كافياً على خطأِ القولِ، كما في قولِه عن بعضِ الأقوالِ أنَّه: «قولٌ لقَولِ أهلِ التَّأويلِ مُخالفٌ، وكفى بخروجِه عن قَولِ أهلِ العلمِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين، فمَن بعدَهم مِنْ الخالِفين، على خطئِه شاهداً» (٤)، وقولِه: «وتأويلُ أهلِ التَّأويلِ بخِلافِ ما ذكَرْنا مِنْ هذا القَولِ، وكفى بذلك شاهِداً على فسادِه» (٥).
سابعَ عشر: انحصارُ أقوالِ السَّلفِ في قَولَيْن فأكثرَ إجماعٌ مِنهم على أنَّ الصوابَ في أحدِها، وهذا ظاهرٌ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ إمّا بالنَّصِّ عليه، أو بالحكمِ بصِحَّةِ قَولٍ لقيامِ الدَّليلِ على بُطلانِ الآخرِ؛
стр. 367
حيثُ لا قولَ لأهلِ التَّأويلِ غيرُهما، ومِن شواهدِ ذلك قولُه: «وأَوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قالَه ابنُ عباسٍ .. ؛ لأنَّه لا خِلافَ بين جميعِ أهلِ التَّأويلِ أنَّ تأويلَ ذلك غيرُ خارجٍ عن أحدِ الوَجهَيْن اللذَيْن وصفتُ .. ، فإذْ كانَ لا قولَ في تأويلِ ذلك إلا أحدُ القَوْلَين اللذَيْن وصفتُ، ثُمَّ كانَ أحدُهما غيرَ موجودةٍ على صِحَّتِه الدَّلالةُ مِنْ الوَجهِ الذي يجبُ التَّسليمُ له = صَحَّ الوَجهُ الآخرُ» (١)، وقولُه: «وهذا قَولٌ لا نعلمُ له قائِلاً مِنْ مُتقدِّمي العلمِ قالَه وإن كانَ له وجهٌ؛ فإذا كانَ ذلك كذلك، وكانَ غيرُ جائِزٍ عندَنا أن يُتعدّى ما أجمعَتْ عليه الحُجَّةُ، فما صَحَّ مِنْ الأقوالِ في ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكَرْناها عن أهلِ العلمِ» (٢)، وكذا قولُه: «فإذا فسدَ هذانِ القَولانِ فلا قَولَ قالَ به القُدوةُ مِنْ أهلِ العلمِ إلا الثّالثُ» (٣)، وقولُه: «وفي فسادِ هذا القَولِ بالذي ذكَرْنا، أَبينُ الدَّلالةِ على صِحَّةِ القَولِ الآخرِ؛ إذْ لا قَولَ في ذلك لأهلِ التَّأويلِ غيرُهما» (٤).
ثامنَ عشر: يُضيفُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) قيوداً وألفاظاً يعتمدُها في بيانِه للمعنى اعتماداً على أقوالِ السَّلفِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: قالَ العالِمُ: إنَّك لن تُطيقَ الصَّبرَ معي؛ وذلك أنّي أعملُ بِباطنِ عِلمٍ علَّمَنيه اللهُ، ولا
стр. 368
عِلمَ لك إلا بالظّاهرِ مِنْ الأمورِ، فلا تصبِرُ على ما ترى مِنّي مِنْ الأفعالِ. كما ذَكرْنا مِنْ الخَبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ (١)، مِنْ أنَّه كانَ رجلاً يعملُ على الغَيْبِ، قد عُلِّمَ ذلك» (٢)، وقولِه في قولِه تعالى ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]: «يعني: الصّابرين عند البأسِ على ما ينالُهم في ذاتِ الله مِنْ جُروحٍ وألَمٍ ومَكروهٍ. كما حدَّثنا .. ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وتُصيبوا مِنْ ثوابي الكرامةَ، ولَمْ أختبِرْكُم بالشِّدَّةِ، وأبتليكُم بالمَكارِه، حتى أعلَمَ صِدقَ ذلك مِنكم؛ الإيمانُ بي، والصَّبرُ على ما أصابَكم فيَّ؟» (٣)، فحملَ الصَّبرَ العامَّ في الآيةِ على الصَّبرِ على المكارِه، كما ذكرَ ابنُ إسحاقَ (ت: ١٥٠).
تاسعَ عشر: يتقي ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ما لَمْ يَسبِقهُ إليه أحدٌ مِنْ السَّلفِ، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]: «وقدْ كانَ -لو أنَّ المُفسِّرين كانوا فسَّروه كذلك-: وهُزّي إليك رُطباً بجِذعِ النَّخلةِ. بمعنى: على جذعِ النَّخلةِ = وجهاً صَحيحاً، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنَّه فسَّرَه كذلك» (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١]: «ولو قيلَ: تأويلُه: فما كانَ هؤلاءِ الذين ورِثوا الأرضَ يا مُحمّدُ مِنْ
стр. 369
مُشرِكي قومِك مِنْ بعدِ أهلِها الذين كانوا بها، مِنْ عادٍ وثمودَ = ليؤْمنوا بما كذَّبَ به الذين وَرِثوها عنهم مِنْ توحيدِ الله ووَعْدِه ووَعيدِه. كانَ وَجهاً ومَذهباً، غيرَ أنّي لا أعلمُ قائِلاً قالَه مِمَّنْ يُعتَمَدُ على عِلْمِه بتأويلِ القرآنِ» (١)، وقولُه مُعلِّلاً ردَّ بعضِ الأقوالِ: «وذلك ما لا نعلَمُ أحداً مِنْ أهلِ العلمِ قالَه» (٢).
عشرون: يُفرِّقُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بين القَولِ بما لَم يَرِدْ عن السَّلفِ في التَّفسيرِ، والقولِ بخلافِ ما وردَ عنهم، فالثّاني هو المَمنوعُ قَطعاً، أمّا الأوَّلُ فصحيحٌ مَوجودٌ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ ومَنهجُه فيه نظيرُ مَنهجِ السَّلفِ فيما وردَ عنهم، فلا يخرجُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن أقوالِ السَّلفِ فيما رُويَ عنهم، ولا يخرُجُ عن مَنهجِهم فيما لم يُروَ عنهم فيه قَولٌ مِنْ معاني الآياتِ. وأمثلةُ ذلك مِنْ المواضعِ التي أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) معناها ولم يروِ فيها شيئاً عن السَّلفِ كثيرةٌ ظاهرةٌ (٣).
والخَلطُ بين هَذيْن الأَمرَيْن في التَّفسيرِ: (القَولُ بما لم يَرِدْ عن السَّلفِ)، و (القَولُ بخلافِ ما وردَ عنهم) = مِنْ أكبرِ أسبابِ الخَطأِ في التَّفسيرِ، والخروجِ عن طريقةِ أئِمَّةِ المُفسِّرين فيه، كما أنَّ ذلك الخَلطَ هو مَنشأُ الشُّبهةِ التي يُثيرُها مَنْ لا يتحرَّجُ مِنْ الخروجِ عن أقوالِ السَّلفِ فيما وردَ عنهم؛ وهي قَولُهم: إنَّ عدمَ الخروجِ عن أقوالِ السَّلفِ في
стр. 370
التَّفسيرِ فيه تركُ تفسيرِ كثيرٍ مِنْ الآياتِ التي لم يَرِدْ عن السَّلفِ فيها قَولٌ، كما فيه حَجْرُ معانٍ كثيرةٍ صحيحةٍ لم ترِدْ عنهم فيها. والجوابُ عن ذلك يسيرٌ وظاهرٌ في منهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ وهو: صِحَّةُ القَولِ بما لم يَرِدْ عنهم فيه شيءٌ مِنْ المعاني، وبمِثلِ منهجِهم. وذلك معنىً غيرُ معنى الخروجِ عمّا وردَ عنهم.
إحدى وعشرون: قولُ السَّلفِ هو الحاكمُ على أقوالِ أهلِ العربيّةِ في معاني الآياتِ، ومع كثرةِ ما أَوردَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ أقوالِ أهلِ العربيّةِ، ومذاهبِهم في المعاني، إلّا أنَّه لا يُقدِّمُ مِنْ أقوالِهم غيرَ ما وافقَ تأويلَ السَّلفِ، ويُميِّزُ أقوالَهم عن قَولِ أهلِ التَّفسيرِ.
ومن شواهِدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]: «والّلبوسُ عند العربِ: السِّلاحُ كُلُّه .. ، وأمّا في هذا المَوضِعِ فإنَّ أهلَ التَّأويلِ قالوا: عَنى الدُّروعَ» (١)، وقولُه: «والقَولُ الذي يقولُه أهلُ العلمِ أَوْلى بالصَّوابِ، وهو القَولُ الأوَّلُ الذي ذكَرْتُ .. ، وبذلك جاءَتْ الرِّوايةُ عن جماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، والقَوْلان الآخران على مذاهبِ أهلِ العربيَّةِ» (٢)، وقولُه: «والصّوابُ عندي في ذلك ما قالَ أهلُ العلمِ الذين حكَيْنا قولَهم؛ لأنَّهم أعلمُ بذلك، وإنْ كانَ للذي قالَه مَنْ ذكَرْنا قولَه مِنْ أهلِ العربيَّةِ وجهٌ» (٣)، وقولُه: «والقَولُ الذي
стр. 371
قالَه مَنْ حكَيْنا عنه مِنْ أهلِ البَصرةِ قَولٌ لا نعلمُ أحداً مِنْ أهلِ التَّأويلِ قالَه، وإن كانَ له وجهٌ؛ فلذلك ترَكْنا القولَ به» (١).
ولأنَّ الإعرابَ فرعٌ عن المعنى فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يُقدِّمُ مِنْ وجوهِ الإعرابِ ما وافقَ المعنى الواردَ عن السَّلفِ، ومن ذلك قولُه: «وفي نصبِ ﴿أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] وجهان: أحدُهما: أن يكونَ منصوباً على التَّفسيرِ (٢) مِنْ قولِه ﴿أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]، كأنَّه قيلَ: أيُّ الحِزبَيْن أصوَبُ عدداً لِقَدرِ لُبْثِهم. وهذا أَوْلى الوَجهَيْن في ذلك بالصَّوابِ؛ لأنَّ تفسيرَ أهلِ التَّفسيرِ بذلك جاءَ» (٣).
اثنان وعشرون: بيَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أسبابَ مخالفةِ أقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ في عِدَّةِ مواضِعَ مِنْ تفسيرِه، ومِن خلالِ تلك النُّقولِ تتلخَّصُ أهمُّ أسبابِ مُخالفةِ أقوالِ السَّلفِ في الآتي:
١ - الاعتدادُ بالرَّأيِ، وحملُ القرآنِ عليه بلا دليلٍ مُعتبرٍ، كما في قولِه: «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العلمِ بلُغاتِ العربِ مِنْ أهلِ البصرةِ أنَّ معنى قولِه ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: بكتابٍ مِنْ الله. مِنْ قَولِ العربِ: أنشدَني فلانٌ كلِمةَ كذا. يُرادُ به قصيدةُ كذا. جهلاً مِنه بتأويلِ الكلمةِ، واجتراءً على ترجمةِ القرآنِ برأيِه» (٤)، وقولِه: «وأمّا آخرون
стр. 372
مِمَّنْ خالفَ أقوالَ السَّلفِ، وتأوَّلوا القرآنَ بآرائِهم، فإنَّهم قالوا في ذلك أقوالاً مُختلفةً» (١)، فذكرَ قولَيْن لهم، ثُمَّ أبطلَهُما، وقالَ: «هذا مع خِلافِهما جميعَ أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ، الذين عنهم يُؤخَذُ تأويلُه» (٢).
٢ - حملُ الكلامِ على أيِّ وجهٍ يحتملُه، كما في قولِه: «وأمّا الذين ذكَرْنا قولَهم مِنْ أهلِ العربيّةِ، فقد قالوا على مذهبِ العربيّةِ، غيرَ أنَّهم أغفَلوا معنى الكلمةِ، وحَمَلوها على غيرِ وَجْهِها مِنْ التَّأويلِ، وإنّما ينبغي أن يُحملَ الكلامُ على وجهِه مِنْ التَّأويلِ، ويُلتمَسُ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ في الصِّحَّةِ مَخرَجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهِها الصَّحيحِ مِنْ التَّأويلِ» (٣)، وقولِه: «وإنَّما اختَرْنا هذا القَولَ على غيرِه مِنْ الأقوالِ لموافقتِه أقوالَ أهلِ العلمِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين .. ، فأمّا الذين قالوا في ذلك غيرَ ما قُلنا مِمَّنْ قالَ فيه على وَجْهِ الانتِزاعِ مِنْ كلامِ العربِ، مِنْ غيرِ أن يعزوَه إلى إمامٍ مِنْ الصَّحابةِ أو التّابعين، وعلى وَجْهِ تحميلِ الكلامِ غيرَ وَجْهِه المَعروفِ، فإنَّهم اختلفوا في معناه بيْنَهم» (٤)، ثُمَّ ذكرَ أقوالَهم، وقالَ: «وكُلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْنا توجيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غيرِ الأغلبِ عليه مِنْ وجوهِه عند المُخاطَبين به، ففي ذلك -مع خِلافِهم تأويلَ أهلِ العلمِ فيه- شاهِدا عدلٍ على خطأِ ما ذَهبوا إليه فيه» (٥).
стр. 373
٣ - عدمُ اعتبارِ أقوالِ السَّلفِ في بيانِ المعنى، أو الجهلُ بها، كما في قولِه: «وكانَ بعضُ مَنْ لا عِلمَ له بأقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ التَّأويلِ، مِمَّنْ يُفسّرُ القرآنَ برأيِه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوجِّه معنى قولِه ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] إلى: وفيه ينجُون مِنْ الجَدْبِ والقَحطِ بالغَيْثِ، ويزعمُ أنَّه مِنْ العَصْرِ .. ، وذلك تأويلٌ يكفي مِنْ الشَّهادةِ على خطئِه خِلافُه قَولَ جميعِ أهلِ العلمِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (١)، وقولِه: «وقالَ بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ: معنى ذلك: وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارِغاً مِنْ الحُزنِ؛ لِعلمِها بأنَّه لم يَغْرَقْ .. ، وهذا قُولٌ لا معنى له؛ لِخِلافِه قَولَ جميعِ أهلِ التَّأويلِ» (٢).
стр. 374
المبحثُ السّادسُ: منهجُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني.
وفيه أربعةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني.
أصلُ اللُّغةِ في كلامِ العربِ لُغوَةٌ؛ مِنْ لَغا إذا تكلَّمَ (١). وقيلَ: مِنْ لَغِيَ بالأمرِ إذا لَهجَ به (٢). وقيلَ: مِنْ اللَّغوِ؛ وهو النُّطقُ (٣)، أو هو الطَّرحُ؛ لِما فيها مِنْ طرحِ الكلامِ (٤).
أمّا في الاصطلاحِ فإنَّ أشهرَ ما عُرِّفَت به اللُّغةُ قَولُ ابنِ جِنّي (ت: ٣٩٢): «أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قَومٍ عن أغراضِهم» (٥)، وقيلَ: «هي الكلامُ المُصطلحُ عليه بين كُلِّ قبيلٍ» (٦).
стр. 375
فلُغةُ العربِ هي: ما تُعبِّرُ به العربُ عن مقاصدِها؛ مِنْ ألفاظِها، وأساليبِ معانيها التي تُورَدُ بها.
والمُرادُ بالاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني هو:
إقامَةُ لغةِ العربِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.
أو: الإبانَةُ بدليلِ اللُّغةِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها.
وابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) يجمعُ في استدلالِه بلُغةِ العربِ بين ما نُقلَ مِنْ نثرِها وشعرِها، وسنجمعُ بينهما في عامَّةِ المسائلِ فيما يأتي بإذنِ الله.
وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) باللُّغةِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:
النَّوعُ الأوَّلُ: استدلالُه باللُّغةِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ: عَنى بالعِوَجِ: المَيَلَ؛ وذلك أنَّ ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ: معناه: إنّا لمُعذَّبون. وذلك أنَّ الغرامَ عند العربِ: العذابُ. ومِنه قولُ الأعشى (٢):
стр. 376
إن يُعاقِب يكُن غراماً وإن يُعْ … طِ جَزيلاً فإنَّه لا يُبالي» (١).
وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]: «ومِن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قُلنا مِنْ معنى الإسرافِ أنَّه على ما قُلنا، قَولُ الشّاعرِ (٢):
أعطَوا هُنَيْدةَ (٣) يحدوها ثمانيةٌ … ما في عطائِهم مَنٌّ ولا سَرَفُ» (٤).
وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]: «ومِن الدَّليلِ على أنَّ الأثاثَ هو المتاعُ، قَولُ الشّاعرِ (٥):
أهاجَتك الظَّعائِنُ يومَ بانوا … بذي الرِّئْيِ الجَميلِ مِنْ الأثاثِ» (٦).
النَّوعُ الثّاني: استدلالُه باللُّغةِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومن أمثلَتِه قولُه عن بعضِ التَّأويلِ في قولِه تعالى ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]: «وهذا التَّأويلُ وإن كانَ وجهاً مِنْ وجوهِ التَّأويلِ، فإنَّ الصَّحيحَ مِنْ القولِ فيه ما قُلنا؛ لأنَّ الغُرورَ إنَّما هو الخِداعُ في كلامِ العربِ، وإذْ كانَ كذلك فلا وجهَ لصَرْفِه إلى معنى القِلَّةِ؛ لأنَّ الشيءَ قد يكونُ قليلاً وصاحبُه مِنه في غيرِ خِداعٍ ولا غرورٍ، فأمّا الذي هو في
стр. 377
غرورٍ، فلا القليلُ يصِحُّ له ولا الكثيرُ، ممّا هو مِنه في غُرورٍ» (١)، وقولُه عن قَولٍ يُذكرُ عن ابنِ عباسٍ ﵁: «وأمّا القولُ الذي روى الفرجُ بن فضالَةَ، عن علي بن أبي طلحةَ، فقَولٌ لا معنى له؛ لأنَّه خلافُ المعروفِ مِنْ كلامِ العربِ، وخلافُ ما يُعرفُ مِنْ قولِ ابنِ عباسٍ ﵄» (٢)، وأَوردَ قولَ ابنَ زيدٍ (ت: ١٨٢): «﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفِيل: ٤]: قالَ: السّماءِ الدُّنيا. قالَ: والسَّماءُ الدُّنيا اسمُها سجّيلٌ» (٣)، ثُمَّ قالَ: «وهذا القولُ الذي قالَه ابنُ زيدٍ لا نعرفُ لصِحَّتِه وجهاً في خبرٍ ولا عقلٍ ولا لُغةٍ، وأسماءُ الأشياءِ لا تُدركُ إلا مِنْ لُغةٍ سائِرةٍ، أو خبرٍ مِنْ الله تعالى ذِكرُه» (٤).
وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها باللُّغةِ على المعاني (٢١٨٣) موضِعاً، ونسبةُ الاستدلالِ بدليلِ اللُّغةِ من مجموع الأدلَّة (٢٠. ١%)، وهي نِسبةٌ كبيرةٌ، تأتي بعد دليلِ أقوالِ السَّلفِ في الكثرةِ؛ وذلك لِما لدليلِ اللُّغةِ مِنْ الأهميَّةِ في الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ. وقد جاءَ استدلالُه باللُّغةِ على وَجهَيْن:
١ - استدلالُه بمنثورِ كلامِ العربِ، وذلك في (٩٧٤) موضِعاً، ونِسبةُ ذلك مِنْ أدلَّةِ اللُّغةِ (٤٤. ٦%).
٢ - استدلالُه بأشعارِ العربِ، وذلك في (١٢٠٩) مواضِعَ، ونِسبةُ ذلك مِنْ أدلَّةِ اللُّغةِ (٥٥. ٤%).
стр. 378
وابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) -عند الحاجةِ لاستِعمالِ دليلِ اللُّغةِ- يُقدِّمُه في الأكثرِ، وغالباً ما يقترنُ ذِكرُه بدليلِ أقوالِ السَّلفِ؛ لما لها مِنْ الأثرِ على توجيه الاستدلالِ اللغويِّ وضبطِه، على ما سيتبيَّنُ بإذنِ الله.
المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني.
توافرَتْ الأدلَّةُ على صِحَّةِ الاحتجاجِ بلغةِ العربِ على معاني كلامِ الله تعالى، وفيما يأتي بيانُها:
أوَّلاً: أنَّ الله تعالى وصفَ كتابَه بأنَّه عربيٌّ؛ فقالَ تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣]، وبيَّنَ أنَّه بلسانِ العربِ نازلٌ؛ فقالَ سبحانه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقالَ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢]، ونفى عنه كُلَّ لسانٍ غير لسانِ العربِ فقالَ سبحانه ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقالَ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فُصِّلَت: ٤٤]، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «والقرآنُ يدلُّ على أنْ ليس مِنْ كتابِ الله شيءٌ إلا بلسانِ العربِ» (١).
فلمّا كانَ ذلك كذلك كانَت لغةُ العربِ أَولى ما يُستدلُّ بها على معاني القرآنِ الكريمِ؛ لنزولِه مطابقاً لألفاظِها وأساليبِها وعادتِها في
стр. 379
كلامِها، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «الواجبُ أن تكونَ معاني كتابِ الله المُنزَّلِ على نبيّنا محمدٍ ﷺ ، لمعاني كلامِ العربِ موافقةً، وظاهرُه لظاهرِ كلامِها مُلائِماً .. ، فإذْ كانَ ذلك كذلك، فبيّنٌ إذْ كانَ موجوداً في كلامِ العربِ الإيجازُ والاختصارُ، والاجتزاءُ بالإخفاءِ مِنْ الإظهارِ، وبالقلَّةِ مِنْ الإكثارِ في بعضِ الأحوالِ، واستعمالُ الإطالةِ والإكثارِ، والتَّردادِ والتَّكرارِ .. ، أن يكونَ ما في كتابِ الله المُنزَّلِ على نبيِّه محمدٍ ﷺ مِنْ ذلك في كلِّ ذلك له نظيراً، وله مِثلاً وشبيهاً» (١)، ومِن هذا الوَجهِ كانَ توجيهُ الصَّحابةِ النّاسَ إلى اعتمادِ كلامِ العربِ في فهمِ القرآن؛ فقالَ عمرُ بن الخطّابِ ﵁: «أيُّها النّاسُ: عليكُم بديوانِكم شعرِ الجاهليَّةِ؛ فإنَّ فيه تفسيرَ كتابِكم، ومعاني كلامِكم» (٢)، وقالَ ابنُ عباسٍ ﵁: «إذا خفيَ عليكم شيءٌ مِنْ القرآنِ فابتغوه في الشِّعرِ؛ فإنَّه ديوانُ العربِ» (٣).
ثانياً: اتِّفاقُ عملِ المُفسِّرين مِنْ السَّلفِ فمن بعدَهم على صِحَّةِ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني القرآنيَّةِ، وذلك مِنهم إجماعٌ عمليٌّ، وقد سبقَهم «إجماعُ أصحابِ رسولِ الله ﷺ على تفسيرِ القرآنِ على شرائطِ اللُّغةِ» (٤)، وقد أسندَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّامٍ (ت: ٢٢٤)
стр. 380
عن عبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ: «أنَّه كانَ يُسألُ عن القرآنِ فيُنشدُ فيه الشِّعرَ» (١)، ثُمَّ قالَ: «يعني أنَّه كانَ يستشهدُ به على التَّفسيرِ» (٢)، ويشهدُ لهذا المعنى قولُ يوسف بن مهران (٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥): «كنّا نسمعُ ابنَ عباسٍ كثيراً ما يُسألُ عن القرآنِ، فيقولُ: هو كذا أو كذا، ما سمعتُم الشّاعرَ يقول كذا وكذا؟» (٤)، وقالَ أبو عبيدٍ (ت: ٢٢٤) أيضاً: «في حديثِ أبي وائلٍ في قولِ الله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قالَ: دلوكُها: غروبُها؛ وهو في كلامِ العربِ: دلَكَتْ براحِ» (٥)، ثُمَّ قالَ: «وفي هذا الحديثِ حُجَّةٌ لمن ذهبَ بالقرآنِ إلى كلامِ العربِ -إذا لم يكُنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ (٦) -؛ ألا تراه يقولُ: وهو في كلامِ العربِ دلكَتْ براحِ» (٧)، وقد جعلَ ابنُ جُزي (ت: ٧٤١) دليلَ اللُّغةِ مِنْ موجباتِ التَّرجيحِ في التَّفسيرِ، فقالَ: «الخامسُ: أن يدُلَّ على صِحَّةِ القولِ كلامُ العربِ» (٨).
стр. 381
واستدلالاتُ السَّلفِ باللُّغةِ على التَّفسيرِ غايةٌ في الكثرةِ، ومِنها قولُ إبراهيم النَّخعي (ت: ٩٦): «العربُ تقولُ: اشْرِ لي كذا وكذا. أي: بِعْ لي كذا وكذا. وتلا هذه الآية ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، يقول: باعوه» (١)، وقولُ عبدِ الله بن كثيرٍ (ت: ١٢٠) في قولِه تعالى ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣]: «سمِعنا العربَ تقولُ: آناءُ الليلِ: ساعاتُ الليلِ» (٢)، وقولُ عبدِ الرحمن بن زيدٍ (ت: ١٨٢) في قولِه تعالى ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]: «ما نَعرِفُ المذؤومَ والمَذمومَ إلا واحداً، ولكن تكونُ الحروفُ منتَقَصَةً، وقد قالَ الشاعرُ لعامرٍ: يا عامِ. ولحارثٍ: يا حارِ. وإنَّما أُنْزِلَ القرآنُ على كلامِ العربِ» (٣)، وقالَ عكرمةُ (ت: ١٠٥): «كانَ ابنُ عباسٍ إذا سُئِلَ عن شيءٍ مِنْ القرآنِ، أنشدَ شِعراً مِنْ أشعارِهم» (٤)، وسُئِلَ ابنُ عباسٍ ﵁ عن قولِه تعالى ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، فقالَ: «المَريجُ: الشيءُ المُنكرُ؛ أما سمعتَ قولَ الشّاعرِ (٥):
فجالَتْ والتمستُ به حشاها … فخرَّ كأنَّه خُوطٌ مَريجُ (٦)(٧).
стр. 382
وقالَ عكرمةُ (ت: ١٠٥): «﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]: ألّا تميلوا. ثُمَّ قالَ: أما سمعتَ إلى قولِ أبي طالبٍ:
بميزانِ قِسطٍ وَزنُه غيرُ عائِلِ» (١).
وقد نُقلَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل (ت: ٢٤١) المنعُ مِنْ الاستشهادِ بالشِّعرِ على القرآنِ؛ وذلك في قولِه حين سُئِلَ عن القرآنِ يُتمثَّلُ له بشيءٍ مِنْ الشِّعرِ؟ فقالَ: «ما يُعجبُني» (٢)، وليس ذلك بمُخالِفٍ لما سبقَ تقريرُه؛ لأنَّه ليس نصّاً في المَنعِ (٣)، وفي حالِ ثبوتِه عنه فقد اختُلِفَ في توجيهِه على أقوالٍ؛ فقيلَ: ظاهرُه المنعُ. وقيلَ: بل الكراهةُ. وقيلَ: بل مُرادُه مَنْ يصرفُ الآيةَ عن ظاهرِها المُتبادرِ إلى معانٍ مُحتملةٍ يدُلُّ عليها القليلُ مِنْ كلامِ العربِ المنقولِ شِعراً (٤). ولو حُمِلَ على إرادةِ المنعِ مِنْ الاحتجاجِ بالشِّعرِ على معاني القرآنِ -ولو كراهةً- لكانَ اجتهاداً مُقابَلاً بعملِ عامَّةِ السَّلفِ والأئِمَّةِ على ما سبقَ بيانُه، وحسبُه ذلك بُعداً عن الصَّوابِ.
كما لا يُعارِضُ هذا البابَ تورُّعُ بعضِ العلماءِ عن قَرْنِ الشِّعرِ بالقرآنِ في الذِّكرِ؛ كما في قولِ ابنِ فارسٍ (ت: ٣٩٥): «القَبْرُ: قبرُ الميّت، يُقالُ: قبَرْتُه أقبُرُه؛ قالَ الأعشى (٥):
стр. 383
لو أسندَتْ مَيْتاً إلى نحرِها … عاشَ ولم يُنقَلْ إلى قابِرِ
فإنْ جعلتَ له مكاناً يُقبَرُ فيه قُلتَ: أقْبَرْتُه؛ قالَ الله تعالى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. قُلنا: ولولا أنَّ العلماءَ تجوَّزوا في هذا لَما رأَيْنا أن يُجمَعَ بين قَولِ الله وبين الشِّعرِ في كتابٍ، فكيفَ في ورقةٍ أو صفحةٍ؛ ولكنّا اقتدينا بهم، والله تعالى يغفرُ لنا، ويعفو عنّا وعنهم» (١)، فذلك رأيٌ خاصٌّ للواحدِ في نفسِه، ولا يُقضى به على مناهجِ العلومِ، وهو ما يُفهمُ مِنْ نصِّ ابنِ فارسٍ (ت: ٣٩٥) على أنَّها عادةُ العلماءِ، وأنَّهم قدوتُه في ذلك، وأنَّه لهم تبعٌ، وإن كانَ رأيُه التورُّعُ عن ذلك.
وقد أجابَ ابنُ الأنباريّ (٢) (ت: ٣٢٨) عمّا أُنكِرَ على بعضِ النَّحويّين مِنْ ذلك، فقالَ بعدَ أن أَوردَ كثيراً مِنْ استشهاداتِ السَّلفِ بالشِّعرِ على التَّفسيرِ: «وهذا كثيرٌ في الحديثِ عن الصَّحابةِ والتّابعين إلا أنّا نجتزئُ بما ذكَرْنا كراهيةً لتطويلِ الكتابِ، وإنَّما دعانا إلى ذكرِ هذا أنَّ جماعةً لا علمَ لهم بحديثِ رسولِ الله ﷺ ، ولا معرفةَ لهم بلغةِ العربِ، أنكروا على النَّحويّين احتجاجَهم على القرآنِ بالشِّعرِ، وقالوا: إذا فعلتُم ذلك جعلتُم الشِّعرَ أصلاً للقرآنِ» (٣)، ثُمَّ أجابَ عن ذلك بقولِه: «فأمّا ما ادَّعَوه على النَّحويّين مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعرَ أصلاً للقرآنِ، فليس كذلك،
стр. 384
إنَّما أرادوا أن يتبيَّنوا الحرفَ الغريبَ مِنْ القرآنِ بالشِّعرِ؛ لأنَّ الله تعالى قالَ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخرُف: ٣]، وقالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقالَ ابنُ عباسٍ: الشِّعرُ ديوانُ العربِ. فإذا خَفيَ عليهم الحرفُ مِنْ القرآنِ الذي أنزلَه الله بلغةِ العربِ رجعوا إلى ديوانِها فالتمسوا معرفةَ ذلك مِنه» (١)، وقالَ أيضاً: «وجاءَ عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ وتابعيهم مِنْ الاحتجاجِ على غريبِ القرآنِ ومُشْكِلِه باللُّغةِ والشِّعرِ ما بيَّنَ صِحَّةَ مذهبِ النَّحويّين في ذلك، وأَوْضحَ فسادَ مذهبِ مَنْ أنْكرَ عليهم» (٢).
ثالثاً: أنَّ الجهلَ بدليلِ لغةِ العربِ مِنْ أعظمِ ما يوقِعُ في التَّأويلاتِ الباطلةِ لآيِ القرآنِ الكريمِ، ولذلك كثُرَ تحذيرُ السَّلفِ مِنْ الكلامِ في التَّفسيرِ لغيرِ العالمِ بكلامِ العربِ؛ مِنْ ذلك قولُ مجاهد (ت: ١٠٤): «لا يَحلُّ لأحدٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أن يتكلَّمَ في كتابِ الله إذا لم يكُنْ عالماً بلُغاتِ العربِ» (٣)، وقولُ الحسن (ت: ١١٠): «أهلكتهُم العُجْمةُ؛ يتأوَّلون القرآنَ على غيرِ تأويلِه» (٤)، وقولُ الزُّهري (ت: ١٢٤): «إنَّما أخطأَ النّاسُ في كثيرٍ مِنْ تأويلِ القرآنِ لجَهلِهم بلغةِ العربِ» (٥)، وقولُ مالك بن أنس (ت: ١٧٩): «لا أوتى برجلٍ يُفسِّرُ كلامَ الله وهولا يعرفُ
стр. 385
لغةَ العربِ إلا جعلتُه نكالاً» (١)، وقالَ أيوبٌ السّختياني (ت: ١٣١)، والشّافعيُّ (ت: ٢٠٤): «عامَّةُ مَنْ تزندقَ بالعراقِ لجَهلِهم بالعربيّةِ» (٢)، وقالَ الواحدي (ت: ٤٦٨): «ما حدثت البدعُ والأهواءُ المُضلَّةُ إلا مِنْ الجهلِ بلغةِ العربِ» (٣).
المطلبُ الثّالثُ: أوجه الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني.
يُورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) دليلَ اللُّغةِ في ثلاثِ صوَرٍ:
الأولى: التَّصريحُ بالاستدلالِ باللُّغةِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: «إنْ قالَ لنا قائِلٌ: وكيفَ أخبرَ الله جلَّ وعزَّ عمَّن قد وصَفَه بالخشوعِ له بالطّاعةِ أنَّه يَظنُّ أنَّه مُلاقيه، والظَّنُّ شكٌّ، والشّاكُّ في لقاءِ الله جلَّ ثناؤُه عندَك بالله كافرٌ؟ قيلَ: إنَّ العربَ قد تُسمّي اليقينَ ظنّاً، والشَّكَّ ظنّاً، نظيرَ تسميَتِهم الظُّلمةَ سُدفةً، والضياءَ سُدفةً، والمُغيثَ صارِخاً، والمُستغيثَ صارِخاً، وما أشْبَه ذلك مِنْ الأسماءِ التي تُسمِّي بها الشّيءَ وضِدَّه، ومِمّا يدُلُّ على أنَّه يُسمّى به اليقينُ قولُ دُرَيْدِ ابنِ الصِّمَّةِ (٤):
стр. 386
فقلتُ لهم ظُنّوا بأَلفَيْ مُدجَّجٍ … سَراتُهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ
يعني بذلك: تيَقَّنوا أَلفَيْ مُدجَّجٍ تأتيكُم. وقولُ عمِيرةَ بن طارقٍ (١):
بأنْ تَغتَزوا قَوْمي وأَقْعُدَ فيكمُ … وأَجْعلَ مِنّي الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّماً
يعني: وأَجْعلَ مِنّي اليقينَ غَيْباً مُرَجَّماً. والشَّواهدُ مِنْ أشعارِ العربِ وكلامِها على أنَّ الظَّنَّ في معنى اليقينِ أكثَرُ مِنْ أن تُحصى، وفيما ذَكَرْنا لمَن وُفِّقَ لفَهمِه كِفايَةٌ» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ عندي قولُ مَنْ قالَ: معنى ذلك: والتفَّت ساقُ الدُّنيا بِساقِ الآخرةِ، وذلك شِدَّةُ كربِ الموتِ بشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلعِ؛ والذي يدُلُّ على أنَّ ذلك تأويلُه قولُه ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠]، والعربُ تقولُ لكُلِّ أمرٍ اشتدَّ: قد شمَّرَ عن ساقِه، وكشفَ عن ساقِه، ومِنه قولُ الشّاعرِ (٣):
فإذْ شمَّرَتْ لك عن ساقِها … فوَيْهاً رَبيعَ ولا تَسْأمِ» (٤).
الثانيةُ: ذِكرُ اللُّغةِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ
стр. 387
يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]: «فأعْلمَهم بذلك تعالى أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحاتِ؛ مِنْ المَنظرِ الأنيقِ، واللذيذِ مِنْ الأراييحِ، والعَيشِ الهَنيِّ = فيما يحبّون، ويُسرّون به، ويُغبَطون عليه. والحَبْرَةُ عند العربِ: السُّرورُ والغِبْطةُ. قالَ العجّاجُ (١):
فالحمدُ لله الذي أعطى الحَبَرْ … مواليَ الحَقِّ إن المَوْلى شَكَرْ» (٢).
وقولُه أيضاً: «وقولُه ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المَسَد: ٥]، يقولُ: في عُنقِها. والعربُ تُسمّي العُنُقَ: جِيداً. ومِنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٣):
فعَيْناكِ عَيْناها، ولَوْنُكِ لَوْنُها … وجِيدُكِ إلا أنَّها غيرُ عاطلٍ» (٤).
الثّالثةُ: إيرادُ اللُّغةِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «وأَوْلى القَوْلَين في ذلك بالصَّوابِ، قَولُ مَنْ قالَ: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: ٤١]: لنُحِلَّنَّهم ولَنُسكِنَنَّهم؛ لأنَّ التَّبوُّءَ في كلامِ العربِ: الحُلولُ بالمكانِ، والنُّزولُ به» (٥)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَخْرُجُ
стр. 388
مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا قَولُ مَنْ قالَ: هو مَوْضِعُ القِلادةِ مِنْ المرأةِ حيثُ تقعُ عليه مِنْ صَدرِها؛ لأنَّ ذلك هو المَعروفُ في كلامِ العربِ، وبه جاءَت أشعارُهم، قالَ المُثَقِّبُ العَبديُّ (١):
ومِن ذهبٍ يُسَنُّ على تَريبٍ … كلَوْنِ العاجِ ليس بذِي غُضونِ» (٢).
المطلبُ الرّابع: ضوابطُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني ومسائِلُه.
تبيَّنَ ممّا سبقَ تأكيدُ العلماءِ على وجوبِ العلمِ بلُغةِ العربِ لمَن يقصِدُ إلى تفسيرِ القرآنِ، وأنَّ ذلك مِنْ أَوْلى واجباتِ المُفسِّرِ وشروطِه، فلا يحلُّ لغيرِ العالمِ بلُغةِ العربِ أن يتكلَّمَ في شيءٍ مِنْ معاني كتابِ الله، بل «لا يكفي في حقِّه تعلُّمُ اليسيرَ مِنها» (٣)، ومِن ثَمَّ قدَّمَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) لتفسيرِه ببيانِ عددٍ مِنْ قضايا اللُّغةِ ومسائِلِها، التي يدخلُ الخللُ في كثيرٍ مِنْ المعاني مِنْ جهةِ الجهلِ بها؛ فقالَ مُبيِّناً ذلك:
стр. 389
«وأوَّلُ ما نبْدأُ به مِنْ القيلِ في ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التي البدايةُ بها أَولى، وتقديمُها قبلَ ما عداها أحْرى؛ وذلك البيانُ عمّا في آيِ القرآنِ مِنْ المعاني التي مِنْ قِبَلِها يدخُلُ اللَّبسُ على مَنْ لم يُعانِ رياضةَ العلومِ العربيَّةِ، ولم تستَحْكِم معرفتُه بتصاريفِ وُجوهِ مَنْطقِ الألْسُنِ السَّليقيَّةِ الطَّبيعيَّةِ» (١).
وقد ظهرَ أثرُ تمكُّنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في علومِ العربيَّةِ في كُلِّ تفسيرِه؛ فسلامةُ لُغتِه، وبلاغةُ عبارتِه، ودِقَّةُ ألفاظِه، وجَوْدةُ قياسِه، وتحريرُ مسائلِه اللغويَّةِ والتَّفسيريَّةِ، ومنهجُ استدلالِه بدليلِ اللُّغةِ في تفسيرِه = كُلُّ ذلك أثرٌ مِنْ آثارِ إمامتِه في علمِ اللُّغةِ، وتقدُّمِه فيه، ولا أدلَّ على ذلك مِنْ شهادةِ إمامِ الكوفيّين في عصرِه أبي العبّاسِ ثعلبَ (ت: ٢٩١) له بقولِه: «ذاكَ مِنْ حُذّاقِ مذهبِ الكوفيّين» (٢)، قالَ ابنُ مجاهدٍ (ت: ٣٢٤): «وهذا كثيرٌ من أبي العباسِ ثعلبَ؛ لأنَّه كانَ شديدَ النَّفْسِ، قليلَ الشَّهادةِ لأحدٍ بالحِذقِ في عِلمِه» (٣)، وقد عارضَ اللُّغويُّ المُبرِّزُ أبو عمرَ الزّاهدُ، المشهورُ بغُلامِ ثعلبَ (ت: ٣٤٥) تفسيرَ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ أوَّلِه إلى آخرِه فما رأى فيه حرفاً واحداً خطأً في نحوٍ ولا لُغةٍ (٤).
وقد كانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) حافظاً بارِعاً للشِّعرِ، ففي رحلتِه الثّانية
стр. 390
لمصرَ «لقيَه أبو الحسنِ ابنِ سراجٍ (١) فوجدَه فاضِلاً في كُلِّ ما يُذاكِرُه به مِنْ العلمِ، ويُجيبُ في كُلِّ ما يسألُه عنه، حتى سألَه عن الشِّعرِ فرآه فاضِلاً بارِعاً فيه، فسألَه عن شعرِ الطِّرمَّاحِ (٢) وكانَ مَنْ يقومُ به مفقوداً في البلدِ، فإذا هو يحفظُه، فسُئِلَ أن يُمليَه حِفظاً بغَريبِه، فعهدي به وهو يُمليه عند بيتِ المالِ في الجامعِ» (٣)، ومِمَّن أخذَ عنهم ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الشِّعرَ أبو العبّاسِ ثعلبَ (ت: ٢٩١) قبلَ اشتِهارِه، حيثُ قالَ: «قرأَ عليَّ أبو جعفرَ الطَّبريُّ شِعرَ الشُّعراءِ قبلَ أن يَكثُرَ النّاسُ عندي بمُدَّةٍ طويلةٍ» (٤)، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) «شِعرٌ فوقَ شِعرِ العُلماءِ» (٥).
وقد ضمَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيراً مِنْ عِلمِه باللُّغةِ في تفسيرِه، قالَ عبدُ العزيزِ بن محمّد الطّبري: «وقد بانَ فضلُه في علمِ اللُّغةِ والنَّحوِ على ما ذكرَه في كتابِ التَّفسيرِ وكتابِ التَّهذيبِ مُخبِراً عن حالِه فيه» (٦)، وقد انتشرَ تفسيرُه وتداولَه أئمّةُ اللُّغةِ في زمانِه، وكانَ مِنهم في محلِّ