← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فقلتُ لهم ظُنّوا بأَلفَيْ مُدجَّجٍ … سَراتُهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ يعني بذلك: تيَقَّنوا أَلفَيْ مُدجَّجٍ تأتيكُم. وقولُ عمِيرةَ بن طارقٍ (١): بأنْ تَغتَزوا قَوْمي وأَقْعُدَ فيكمُ … وأَجْعلَ مِنّي الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّماً يعني: وأَجْعلَ مِنّي اليقينَ غَيْباً مُرَجَّماً. والشَّواهدُ مِنْ أشعارِ العربِ وكلامِها على أنَّ الظَّنَّ في معنى اليقينِ أكثَرُ مِنْ أن تُحصى، وفيما ذَكَرْنا لمَن وُفِّقَ لفَهمِه كِفايَةٌ» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]: «وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ عندي قولُ مَنْ قالَ: معنى ذلك: والتفَّت ساقُ الدُّنيا بِساقِ الآخرةِ، وذلك شِدَّةُ كربِ الموتِ بشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلعِ؛ والذي يدُلُّ على أنَّ ذلك تأويلُه قولُه ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠]، والعربُ تقولُ لكُلِّ أمرٍ اشتدَّ: قد شمَّرَ عن ساقِه، وكشفَ عن ساقِه، ومِنه قولُ الشّاعرِ (٣): فإذْ شمَّرَتْ لك عن ساقِها … فوَيْهاً رَبيعَ ولا تَسْأمِ» (٤). الثانيةُ: ذِكرُ اللُّغةِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ

стр. 387

يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]: «فأعْلمَهم بذلك تعالى أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحاتِ؛ مِنْ المَنظرِ الأنيقِ، واللذيذِ مِنْ الأراييحِ، والعَيشِ الهَنيِّ = فيما يحبّون، ويُسرّون به، ويُغبَطون عليه. والحَبْرَةُ عند العربِ: السُّرورُ والغِبْطةُ. قالَ العجّاجُ (١): فالحمدُ لله الذي أعطى الحَبَرْ … مواليَ الحَقِّ إن المَوْلى شَكَرْ» (٢). وقولُه أيضاً: «وقولُه ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المَسَد: ٥]، يقولُ: في عُنقِها. والعربُ تُسمّي العُنُقَ: جِيداً. ومِنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٣): فعَيْناكِ عَيْناها، ولَوْنُكِ لَوْنُها … وجِيدُكِ إلا أنَّها غيرُ عاطلٍ» (٤). الثّالثةُ: إيرادُ اللُّغةِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «وأَوْلى القَوْلَين في ذلك بالصَّوابِ، قَولُ مَنْ قالَ: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: ٤١]: لنُحِلَّنَّهم ولَنُسكِنَنَّهم؛ لأنَّ التَّبوُّءَ في كلامِ العربِ: الحُلولُ بالمكانِ، والنُّزولُ به» (٥)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَخْرُجُ

стр. 388

مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا قَولُ مَنْ قالَ: هو مَوْضِعُ القِلادةِ مِنْ المرأةِ حيثُ تقعُ عليه مِنْ صَدرِها؛ لأنَّ ذلك هو المَعروفُ في كلامِ العربِ، وبه جاءَت أشعارُهم، قالَ المُثَقِّبُ العَبديُّ (١): ومِن ذهبٍ يُسَنُّ على تَريبٍ … كلَوْنِ العاجِ ليس بذِي غُضونِ» (٢). المطلبُ الرّابع: ضوابطُ الاستدلالِ بلغةِ العربِ على المعاني ومسائِلُه. تبيَّنَ ممّا سبقَ تأكيدُ العلماءِ على وجوبِ العلمِ بلُغةِ العربِ لمَن يقصِدُ إلى تفسيرِ القرآنِ، وأنَّ ذلك مِنْ أَوْلى واجباتِ المُفسِّرِ وشروطِه، فلا يحلُّ لغيرِ العالمِ بلُغةِ العربِ أن يتكلَّمَ في شيءٍ مِنْ معاني كتابِ الله، بل «لا يكفي في حقِّه تعلُّمُ اليسيرَ مِنها» (٣)، ومِن ثَمَّ قدَّمَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) لتفسيرِه ببيانِ عددٍ مِنْ قضايا اللُّغةِ ومسائِلِها، التي يدخلُ الخللُ في كثيرٍ مِنْ المعاني مِنْ جهةِ الجهلِ بها؛ فقالَ مُبيِّناً ذلك:

стр. 389

«وأوَّلُ ما نبْدأُ به مِنْ القيلِ في ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التي البدايةُ بها أَولى، وتقديمُها قبلَ ما عداها أحْرى؛ وذلك البيانُ عمّا في آيِ القرآنِ مِنْ المعاني التي مِنْ قِبَلِها يدخُلُ اللَّبسُ على مَنْ لم يُعانِ رياضةَ العلومِ العربيَّةِ، ولم تستَحْكِم معرفتُه بتصاريفِ وُجوهِ مَنْطقِ الألْسُنِ السَّليقيَّةِ الطَّبيعيَّةِ» (١). وقد ظهرَ أثرُ تمكُّنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في علومِ العربيَّةِ في كُلِّ تفسيرِه؛ فسلامةُ لُغتِه، وبلاغةُ عبارتِه، ودِقَّةُ ألفاظِه، وجَوْدةُ قياسِه، وتحريرُ مسائلِه اللغويَّةِ والتَّفسيريَّةِ، ومنهجُ استدلالِه بدليلِ اللُّغةِ في تفسيرِه = كُلُّ ذلك أثرٌ مِنْ آثارِ إمامتِه في علمِ اللُّغةِ، وتقدُّمِه فيه، ولا أدلَّ على ذلك مِنْ شهادةِ إمامِ الكوفيّين في عصرِه أبي العبّاسِ ثعلبَ (ت: ٢٩١) له بقولِه: «ذاكَ مِنْ حُذّاقِ مذهبِ الكوفيّين» (٢)، قالَ ابنُ مجاهدٍ (ت: ٣٢٤): «وهذا كثيرٌ من أبي العباسِ ثعلبَ؛ لأنَّه كانَ شديدَ النَّفْسِ، قليلَ الشَّهادةِ لأحدٍ بالحِذقِ في عِلمِه» (٣)، وقد عارضَ اللُّغويُّ المُبرِّزُ أبو عمرَ الزّاهدُ، المشهورُ بغُلامِ ثعلبَ (ت: ٣٤٥) تفسيرَ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ أوَّلِه إلى آخرِه فما رأى فيه حرفاً واحداً خطأً في نحوٍ ولا لُغةٍ (٤). وقد كانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) حافظاً بارِعاً للشِّعرِ، ففي رحلتِه الثّانية

стр. 390

لمصرَ «لقيَه أبو الحسنِ ابنِ سراجٍ (١) فوجدَه فاضِلاً في كُلِّ ما يُذاكِرُه به مِنْ العلمِ، ويُجيبُ في كُلِّ ما يسألُه عنه، حتى سألَه عن الشِّعرِ فرآه فاضِلاً بارِعاً فيه، فسألَه عن شعرِ الطِّرمَّاحِ (٢) وكانَ مَنْ يقومُ به مفقوداً في البلدِ، فإذا هو يحفظُه، فسُئِلَ أن يُمليَه حِفظاً بغَريبِه، فعهدي به وهو يُمليه عند بيتِ المالِ في الجامعِ» (٣)، ومِمَّن أخذَ عنهم ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الشِّعرَ أبو العبّاسِ ثعلبَ (ت: ٢٩١) قبلَ اشتِهارِه، حيثُ قالَ: «قرأَ عليَّ أبو جعفرَ الطَّبريُّ شِعرَ الشُّعراءِ قبلَ أن يَكثُرَ النّاسُ عندي بمُدَّةٍ طويلةٍ» (٤)، ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) «شِعرٌ فوقَ شِعرِ العُلماءِ» (٥). وقد ضمَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيراً مِنْ عِلمِه باللُّغةِ في تفسيرِه، قالَ عبدُ العزيزِ بن محمّد الطّبري: «وقد بانَ فضلُه في علمِ اللُّغةِ والنَّحوِ على ما ذكرَه في كتابِ التَّفسيرِ وكتابِ التَّهذيبِ مُخبِراً عن حالِه فيه» (٦)، وقد انتشرَ تفسيرُه وتداولَه أئمّةُ اللُّغةِ في زمانِه، وكانَ مِنهم في محلِّ

стр. 391

الرِّضا والقبولِ، قالَ أبو بكرِ ابن كامل (ت: ٣٥٠): «أملى علينا ابنُ جريرٍ كتابَ التَّفسيرِ مئةً وخمسين آيةً، ثُمَّ خَرجَ بعد ذلك إلى آخرِ القرآنِ فقرأَهُ علينا، وذلك في سنةِ سبعين ومائتين، واشتهرَ الكتابُ وارتفعَ ذِكرُه، وأبو العباسِ أحمدُ بن يحيى ثعلبُ، وأبو العباسِ محمدُ بن يزيدٍ المبرِّدُ = يحيَيَان، ولأهلِ الإعرابِ والمعاني معقِلان، وكانَ أيضاً في الوقتِ غيرُهما؛ مثلُ: أبي جعفرَ الرُّستُمي، وأبي الحسن ابنِ كيسانَ، والمفَضَّلِ بن سلمةَ، والجعدِ، وأبي إسحاقٍ الزَّجَّاجِ، وغيرِهم من النَّحويّين مِنْ فُرسانِ هذا اللسانِ، وحُمِلَ هذا الكتابُ مشرقاً ومغرباً، وقرأه كلُّ مَنْ كانَ في وقتِه مِنْ العلماءِ، وكلٌّ فضَّلَه وقدَّمَه» (١). ولابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) كتابٌ في اللُّغةِ والنّحوِ على مذهبِ الكوفيّين (٢)، وقد كانَ أقامَ علمَه باللُّغةِ على مذهبِهم، ثُمَّ استقلَّ بنظرِه بعدَ ذلك مُتَّبِعاً الدَّليلَ، وظهرَ ذلك جليّاً في تفسيرِه؛ فمرَّةً يوافقُ الكوفيّين -وهو كثيرٌ-، ومرَّةً البصريّين، وأخرى يستقلُّ برأيِه عنهما (٣)؛ وذلك أثرٌ مِنْ منهجِه العلميِّ، فمَن ملكَ آلةَ الاجتهادِ، وعرفَ الأدلَّةَ وميَّزَها، وعرفَ مذاهبَ العلماءِ وأقوالَهم، ومواضِعَ إجماعِهم وخِلافِهم = لا يسَعُه إلا الاجتهادُ والنَّظرُ والاستدلالُ؛ إذْ لا معنى للتَّقليدِ مع ظهورِ الدَّليلِ لِمِثْلِه، ولا يصحُّ منه.

стр. 392

ثُمَّ إنَّ المعنى عمادُ الإعرابِ، وقد كانَ لتمكُّنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ تحديدِ المعاني وتحريرِها، واعتمادِه الأثرَ وأقوالَ السَّلفِ في ذلك = أكبرُ الأثرِ في اختيارِ وجوهِ إعرابِها، وتصحيحِ ما وافقَها، وردِّ ما خالَفَها، وذلك ما لَمْ يتيسَّرْ مثلُه لكثيرٍ مِنْ أهلِ اللُّغةِ قبلَه وبعدَه، فجاءَ اختيارُه اللُّغوي مستفيداً مِمَّنْ قبلَه، مُستقِلاً بنفسِه فيما دلَّ عليه دليلُ المعنى. وفيما يأتي بيانٌ لضَوابط الاستدلالِ باللُّغةِ على المعاني ومسائِله عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): أوّلاً: أنزلَ الله تعالى كتابَه على عادةِ العربِ في كلامِها، وقد قرَّرَ ذلك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في كثيرٍ مِنْ المواطنِ؛ ومِن ذلك قولُه: «وأمّا وجه صِحَّةِ القولِ في ذلك فهو أنَّ الله تعالى ذِكرُه خاطبَ بالقرآنِ العربَ على ما يعرفونَه مِنْ كلامِهم، وجرى به خِطابُهم بينَهم» (١)، وقولُه معلِّلاً قبولَ بعضِ المعاني: «لمّا كانَ مفهوماً في كلامِ العربِ معناه خاطبَهم بما في لُغتِهم وكلامِهم» (٢)، وقولُه: «وإنَّما يجوزُ توجيهُ معاني ما في كتابِ الله الذي أنزلَه على محمدٍ ﷺ مِنْ الكلامِ إلى ما كانَ موجوداً مثلَه في كلامِ العربِ، دون ما لَمْ يكُنْ موجوداً في كلامِها» (٣)، وقولُه مُبطِلاً بعضَ المعاني: «فإن أجازوا ذلك خرجوا مِنْ معروفِ كلامِ العربِ، وخالفوا مَنطِقها، وما يُعرفُ في لسانِها» (٤).

стр. 393

وتقريرُ ذلك أصلٌ لازمٌ لتصحيحِ الاستشهادِ على معاني القرآنِ بكلامِ العربِ، وقد أشارَ العلماءُ إلى ذلك؛ فقالَ الشافعيُّ (ت: ٢٠٤): «وإنَّما بدأتُ بما وصفتُ مِنْ أنَّ القرآنَ نزَلَ بلسانِ العربِ دون غيرِه؛ لأنَّه لا يَعلَمُ مِنْ إيضاحِ جُمَلِ الكتابِ أحدٌ جَهِلَ سَعَةَ لسانِ العربِ، وكثرَةَ وجوهِه، وجِماعَ معانيه وتفرُّقَها، ومَن عَلِمَه انتفتْ عنه الشُّبهُ التي دخلَتْ على من جهِلَ لسانَها. فكانَ تنبيهُ العامَّةِ على أنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ خاصَّةً = نصيحةً للمسلمين، والنَّصيحةُ لهم فرضٌ لا ينبغي تركُه» (١)، وقالَ الشّاطبي (ت: ٧٩٠): «لا بُدَّ في فهمِ الشَّريعةِ مِنْ اتِّباعِ معهودِ الأُمّيّين؛ وهُم العربُ الذين نزلَ القرآنُ بِلِسانِهم، فإن كانَ للعربِ في لسانِهم عُرْفٌ مُستمرٌّ فلا يصحُّ العدولُ عنه في فهمِ الشَّريعةِ، وإن لم يكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ فلا يصحُّ أن يَجري في فهمِها على ما لا تعرفُه، وهذا جارٍ في المعاني والألفاظِ والأساليبِ» (٢)، ولا شكَّ أنَّ الجهلَ بذلك يوقِعُ «في الشُّبَه والإشكالاتِ التي يتعذَّرُ الخروجُ مِنها إلا بهذه المَعرفةِ» (٣). ثانياً: لم يَنزِل القرآنُ على لسانِ أحدٍ مِنْ العربِ بعينِه، ولا بلسانِ جميعِهم، بل كانَ نزولُه على لسانِ بعضِ العربِ، وذلك ما قرَّرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في مبحثٍ عقدَه في مقدِّمةِ تفسيرِه بعنوانِ: (القولُ في اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ مِنْ لُغاتِ العربِ)، قالَ فيه: «قد دلَّلْنا على

стр. 394

صِحَّةِ القولِ بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّقَ لفهمِه، على أنَّ الله جلَّ ثناؤُه أنزلَ جميعَ القرآنِ بلسانِ العربِ دونَ غيرِها مِنْ ألسُنِ سائرِ أجناسِ الأُممِ، وعلى فسادِ قولِ مَنْ زعمَ أنَّ مِنه ما ليس بلسانِ العربِ ولُغتِها. فنقولُ الآنَ -إذْ كانَ ذلك صحيحاً- في الدَّلالةِ عليه بأيِّ ألسُنِ العربِ أُنزلَ: أبألسُنِ جميعِها، أم بألسُنِ بعضِها؟ إذْ كانَت العربُ -وإن جمعَ جميعَهم اسمُ أنَّهم عربٌ- فهم مُختلفو الألسُنِ بالبيانِ، متباينو المنطقِ والكلامِ .. ، فإذْ كانَ ذلك كذلك، وكانَت الأخبارُ قد تظاهرَت عنه ﷺ بما حدَّثنا به .. » (١)، ثُمَّ أوردَ إحدى وأربعينَ روايةً لحديثِ نزولِ القرآنِ على الأحرفِ السَّبعةِ (٢)، ثُمَّ قالَ: «صَحَّ وثبتَ أنَّ الذي نزلَ به القرآنُ مِنْ ألسُنِ العربِ البعضُ مِنها دونَ الجميعِ؛ إذْ كانَ معلوماً أنَّ ألسِنتَها ولُغاتِها أكثرُ مِنْ سبعةٍ، بما يُعجَزُ عن إحصائِه» (٣)، وقد أقامَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) استنتاجَه ذلك على مُقدِّمتَيْن: أولاهُما: أنَّ المُرادَ بالأحرفِ السَّبعةِ في الحديثِ: سبعُ لُغاتٍ مِنْ لُغاتِ العربِ، في حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ واحدةٍ، باختلافِ الألفاظِ واتِّفاقِ المعاني، كقولِ القائلِ: (هلُمَّ، وتعالَ، وأقبِلْ، وإليَّ .. ) (٤). واستدلَّ لذلك بأربعةِ أدلَّةٍ (٥)، هي:

стр. 395

١ - أنَّ الصَّحابةَ إنّما تمارَوا وخالفَ بعضُهم بعضاً في نفسِ التِّلاوةِ، دون ما في ذلك مِنْ المعاني، وقد صوَّبَ النَّبي ﷺ جميعَهم على ذلك، ولو كانَ اختلافُهم فيما دلَّتْ عليه تلاواتُهم مِنْ معاني التحليلِ والتحريمِ، والوَعدِ والوعيدِ، لكانَ مُستحيلاً أن يُصوِّبَ النَّبي ﷺ جميعَهم؛ لِما في ذلك مِنْ الأمرِ بالشيءِ وضِدِّه، وذلك مُحالٌ. ٢ - أنَّ الصَّحابةَ ﵃ ما كانَ ليَقَعَ مِنهم إنكارٌ على معنىً جاءَ به القرآنُ، بل عادَتُهم القبولُ والتَّسليمُ، وعلى الإقرارِ بذلك كانَ إسلامُ مَنْ أسلمَ مِنهم، فما الوَجه الذي أوجبَ إنكارَ مَنْ أنكرَ مِنهم إن لم يكُنْ ذلك اختلافاً مِنهم في الألفاظِ واللغاتِ. ٣ - ورودُ النَّصِّ عن رسولِ الله ﷺ بذلك؛ وذلك في قولِه في بعضِ طُرُقِ الحديثِ: «كقولك هلُمَّ وتعالَ» (١). ٤ - صِحَّةُ الأخبارِ بمثلِ ذلك عن بعضِ السَّلفِ، وقد أوردَ مِنها إحدى عشرَ أثراً. وثانيهما: أنَّ لُغاتَ العربِ أكثرُ مِنْ سبعِ لُغاتٍ، بما يُعجَزُ عن إحصائِه، وهذا صحيحٌ مشهورٌ. (٢)

стр. 396

وفي تحديدِ تلك اللغاتِ يقولُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «فإن قالَ لنا قائِلٌ: فهل لك مِنْ علمٍ بالألسُنِ السَّبعةِ التي نزلَ بها القرآنُ؟ وأيُّ الألسُنِ هي مِنْ ألسُنِ العربِ؟ قلنا: أمّا الألسُنُ السِّتَّةُ التي قد نزلَتْ القراءةُ بها فلا حاجةَ بنا إلى معرفتِها؛ لأنّا لو عرفناها لم نقرأ اليومَ بها، مع الأسبابِ التي قدَّمنا ذِكرَها. وقد قيلَ: إنَّ خمسةً مِنها لعَجُزِ هوازنَ (١)، واثنين مِنها لقريشٍ وخُزاعةَ، رُويَ جميعُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وليست الرِّوايةُ به عنه مِنْ روايةِ مَنْ يجوزُ الاحتجاجُ بنَقلِه» (٢). ثالثاً: يتبيَّنُ مِنْ صنيعِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) نوعَ ما يُستدَلُّ له بلُغةِ العربِ مِنْ المعاني؛ وذلك ما يتَّصلُ بألفاظِ القرآنِ الكريمِ، وأساليبِ ورودِها؛ مِنْ جهةِ صحَّةِ تلك الألفاظِ والأساليبِ أو عدمِها، وقِلَّتِها أو كثرتِها. ولا يعتبرُ دليلُ اللُّغةِ فيما وراءَ ذلك مِنْ تفاصيلِ معاني العقائدِ والأحكامِ ونحوِها ممّا جاءَ به دليلُ الشَّرعِ؛ لأنَّ اللُّغةَ لا يُستدل بها لتقريرِ الدينِ، وإنَّما لفهمِه، فإذا دلَّ دليلُ اللُّغةِ على صِحَّةِ معنى في لفظِه وتركيبِه مِنْ الكلامِ، فذلك مُنتهى أمرِه، ولا صِلةَ له فيما وراءَ ذلك مِنْ الأحكامِ. ولم أجِدْ في جميعِ مواضع استدلالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) باللُّغةِ ما يُخالفُ ذلك، بل كانَ دقيقاً في تمييزِ حُكمِ اللُّغةِ مِنْ حُكمِ الشَّرعِ،

стр. 397

وكلامِ أهلِ اللُّغةِ مِنْ كلامِ أهلِ التَّفسيرِ، ومواضِعَ ما يُستدلُّ له في كُلٍّ مِنهما، ومِن ذلك قولُه: «وهذا القولُ الآخرُ على مذهبِ العربيَّةِ أصحُّ، والأوَّلُ إلى مذهبِ أهلِ التَّأويلِ أقربُ» (١). وقد نصَّ أهلُ اللُّغةِ على لزومِ ذلك لمَن رامَ الاحتجاجَ باللُّغةِ على شيءٍ مِنْ نصوصِ الشَّرعِ؛ فقالَ أبو عبيدة معمرُ بن المُثنّى (ت: ٢١٠) بعد أن ذكرَ نماذجَ مِنْ استشهاداتِ السَّلفِ باللُّغةِ: «يجوزُ هذا عندي فيما كانَ مِنْ الغريبِ والإعرابِ، فأمّا ما كانَ مِنْ الحلالِ والحرامِ، والأمرِ والنَّهي، والنّاسخِ والمنسوخِ، فليس لبشرٍ أن يتكلَّمَ فيه برأيه إلا ما فسَّرَته سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، وقالَ فيه الصَّحابةُ والتّابعون بإحسانٍ بعدهم» (٢)، وقالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّامٍ (ت: ٢٢٤) مُعلِّقاً على بعضِ استشهاداتِ السَّلفِ بكلامِ العربِ: «وفي هذا الحديثِ حُجَّةٌ لمن ذهبَ بالقرآنِ إلى كلامِ العربِ إذا لم يكُنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ؛ ألا تراه يقولُ: وهو في كلامِ العربِ دلكَتْ براحِ» (٣)، وقالَ ابنُ فارسٍ (ت: ٣٩٥): «لُغةُ العربِ يُحتجُّ بها فيما اختُلِفَ فيه؛ إذا كانَ التّنازعُ في اسمٍ أو صفةٍ أو شيءٍ ممّا تستعملُه العربُ مِنْ سَنَنِها في حقيقةٍ ومجازٍ، أو ما أشبه ذلك، فأمّا الذي سبيلُه الاستنباطُ، أو ما فيه لدلائلِ العقلِ مجالٌ = فإنَّ العربَ وغيرَهم فيه سواءٌ؛ لأنَّ سائلاً لو سألَ

стр. 398

عن دلالةٍ مِنْ دلائلِ التَّوحيدِ، أو حُجَّةٍ في أصلِ فقهٍ أو فرعِه، لم يكُن الاحتجاجُ فيه بشيءٍ مِنْ لغةِ العربِ، إذْ كانَ موضوعُ ذلك غيرَ اللغاتِ» (١). رابعاً: ما ثبتَ عن بعضِ العربِ ثبتَ للعربِ، وقد سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على ذلك كما في قولِه: «وكتابُ الله الذي أنزلَه على محمدٍ بلسانِها، فليس لأحدٍ أن يتلوَه إلا بالأفصَحِ مِنْ كلامِها، وإن كانَ معروفاً بعضُ ذلك في لغةِ بعضِها، فكيف بما ليس بمعروفٍ مِنْ لُغةِ حيٍّ ولا قبيلةٍ مِنها! وإنَّما هو دَعوى لا ثَبَتَ بها ولا صِحَّةٌ» (٢)، وفي جُملةٍ مِنْ استدلالاتِه اللغويَّةِ يَستدِلُّ بما ثبتَ لبعضِ قبائلِ العربِ دون غيرِها، ويرى ذلك كافيًا في الحكمِ بعربيَّتِها، وصحَّةِ الاستدلالِ بها، كما في قولِه عند قولِه تعالى ﴿طه﴾ [طه: ١]: «والذي هو أَولى بالصَّوابِ عندي مِنْ الأقوالِ فيه قولُ مَنْ قالَ: معناه: يا رجلُ. لأنَّها كلمةٌ معروفةٌ في عكٍّ (٣) فيما بلغني، وأنَّ معناه فيهم: يا رجلُ. وأُنشِدَ لمُتَمِّمِ ابن نُويرةَ (٤): هتفتُ بطه في القتالِ فلم يُجِبْ … فخِفتُ عليه أن يكونَ مُوائِلاً (٥) (٦).

стр. 399

وقولِه في قولِه تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]: «والصَّوابُ مِنْ هذه الأقوالِ قولُ مَنْ قالَ: معنى المُقيتِ: القديرُ. وذلك أنَّ ذلك -فيما يُذكرُ- كذلك بلُغةِ قريشٍ، ويُنشَدُ للزُّبيرِ بن عبد المُطَّلبِ، عمِّ رسولِ الله ﷺ : وذي ضِغْنٍ كفَفْتُ النَّفسَ عنه … وكُنتُ على مساءَتِه مُقيتاً أي: قادراً» (١). وقد أشارَ إلى ذلك المعنى في الاستدلالِ ابنُ جِنّي (٢) (ت: ٣٩٢)، فعقدَ باباً في خصائِصِه بعنوانِ: (بابُ اختلافِ اللُّغاتِ وكلُّها حُجَّةٌ)، وقالَ فيه: «ليس لك أن ترُدَّ إحدى اللُّغتَيْن بصاحِبتها؛ لأنَّها ليست أحقَّ بذلك مِنْ رسيلَتِها (٣)، لكن غايةَ ما لك أن تتخيَّرَ إحداهُما فتُقوّيها على أُختِها، وتعتقدُ أنَّ أقوى القياسَيْن أقبلُ لها، وأشدُّ أُنْساً بها، فأمّا رَدُّ إحداهُما بالأُخرى فلا» (٤)، وقالَ أبو حيّان (ت: ٧٤٥): «كُلُّ ما كانَ لُغةً لقبيلةٍ قِيسَ عليه» (٥). خامساً: تثبتُ اللُّغةُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ أحدِ طريقَيْن؛

стр. 400

هما: السَّماعُ، والقياسُ. وقد نصَّ عليهما بقولِه: «فإن قالَ لنا قائلٌ: فهل لذلك في (فَعَل ويَفْعَل) أصلٌ كانَ مِنه بناءُ هذا الاسمِ؟ قيلَ: أمّا سماعاً فلا، ولكن استدلالاً» (١)، وقولِه: «فإن قالَ: فإن كانَ جائزاً أن يُقالَ لمن عبدَ الله: ألَهَه. على تأويلِ ابنِ عبّاسٍ ومُجاهدٍ، فكيف الواجبُ في ذلك أن يُقالَ إذا أرادَ المُخبِرُ الخَبرَ عن استيجابِ الله ذلك على عبدِه؟ قيلَ: أمّا الرِّوايةُ فلا روايةَ به عندنا، ولكنَّ الواجبَ على قياسِ ما جاءَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ الذي حدَّثنا .. » (٢)، وقولُه: «وأمّا (النَّهارُ) فإنَّه لا تكادُ العربُ تجمَعُه؛ لأنَّه بمنزلةِ الضَّوءِ، وقد سُمِعَ في جَمْعِه: النُّهُر .. ، ولو قيلَ في جَمْعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كانَ قياساً» (٣). وقد اتَّفقتْ على ذلك كلمةُ أهلِ العربيَّةِ (٤)، وفيما يأتي بيانُهما: ١ - السَّماعُ، ويُرادُ به: «ما ثبتَ مِنْ كلامِ مَنْ يوثَقُ بفصاحتِه» (٥)، وهذا أجلُّ أصلٍ تثبتُ به اللُّغةُ ويُحتَجُّ لها به إجماعاً (٦)، وبه عُرِفَت طريقةُ العربِ في كلامِها، وما هو مِنْ لُغتِها، وما ليس كذلك، وليس «لأحدٍ أن يشرعَ شيئاً لم تتكلَّمْ به العربُ» (٧)، و «إذا صحَّ السَّماعُ تعيَّنَ

стр. 401

الاتِّباعُ» (١). ويشملُ السَّماعُ: القرآنَ الكريمَ، والحديثَ النَّبوي، وكلامَ العربِ. وبيانُها فيما يأتي مِنْ المسائِلِ بإذنِ الله. ٢ - القياسُ، ويُرادُ به: القوانينُ المُستنبَطَةُ مِنْ تتَبُّعِ لسانِ العربِ (٢). وقيلَ في معناه: «حملُ ما لمْ يُنقَل على ما نُقِلَ إذا كانَ في معناه» (٣)، قالَ ابنُ فارسٍ (ت: ٣٩٥): «أجمعَ أهلُ اللُّغةِ -إلا مَنْ شَذَّ عنهم- على أنَّ للُغةِ العربِ قياساً» (٤)، ولا بُدَّ للقياسِ في اللُّغةِ مِنْ أصلٍ يُبنى عليه؛ وهو: السَّماعُ (٥). فيُعاملُ القياسُ مع السَّماعِ مُعاملةَ الفرعِ مع الأصلِ، ومِن ثَمَّ «فالقياسُ أبداً يُترَكُ للسَّماعِ، وإنَّما يُلجَأُ إليه إذا عُدمَ في الشيءِ السَّماعُ، فأمّا أن يُتركَ السَّماعُ للقياسِ فخطأٌ فاحشٌ، وعُدولٌ عن الصَّوابِ بيّنٌ» (٦). ولا يصحُّ القياسُ إلا على الأكثرِ المُطَّردِ مِنْ كلامِ العربِ، قالَ سيبوَيْه (٧) (ت: ١٨٠): «الأقلُّ: نوادرُ تُحفظُ ولا يُقاسُ عليها، ولكنَّ

стр. 402

الأكثرَ يُقاسُ عليه» (١)، وما خرجَ عن بابِه ونظائِرِه فهو: الشَّاذُّ عندهم؛ الذي لا يُقاسُ عليه. (٢) وقاعدةُ هذا البابِ التي أقامَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عليها تفسيرَه هي أنَّ: كُلَّ ما لم يثبُتْ سماعاً، أو يصحّ قياساً، فليس مِنْ كلامِ العربِ. وما كانَ كذلك فلا تثبتُ به لُغةٌ، ولا يُحتجُّ به على معنىً، وليس في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) شيءٌ يُخالفُ ذلك، بل شَواهدُه لا تُحصى كثرةً، ولم أجِدْ في تفسيرِه استدلالاً بلُغةٍ غيرِ مسموعةٍ، أو قياسٍ غيرِ صحيحٍ، بل نصوصُه صريحةٌ في المنعِ مِنْ الاستشهادِ بمثلِ ذلك ورَدِّه، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]: «وقد زعمَ بعضُهم أنَّ الوِزْرَ: الثِّقلُ والحِمْلُ. ولستُ أعلمُ ذلك كذلك في شاهدٍ، ولا مِنْ رِوايةِ ثِقةٍ عن العربِ» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]: «فأمّا فعيلٌ في الحصرِ بمعنى وصفِه بأنَّه الحاصرُ، فذلك ما لا نجدُه في كلامِ العربِ؛ فلذلك قُلتُ: قولُ الحسنِ أَولى بالصَّوابِ في ذلك. وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيَّةِ مِنْ أهلِ البصرةِ أنَّ ذلك جائزٌ، ولا أعلمُ لِما قالَ وَجْهاً يَصِحُّ إلا بعيداً، وهو أن يُقالَ: جاءَ حصيرٌ. بمعنى: حاصِرٌ، كما قيلَ: عليمٌ. بمعنى: عالمٌ، و: شهيدٌ. بمعنى شاهدٌ. ولم يُسمَعْ ذلك مُستعملاً في

стр. 403

الحاصِرِ كما سمِعنا في عالِمٍ وشاهدٍ» (١)، وقولُه مُعلِّلاً ردَّ بعضِ المعاني: «ولستُ أعلمُ سماعَ ذلك مِنْ العربِ صحيحاً» (٢). سادساً: يشملُ السَّماعُ الذي تثبتُ به اللُّغةُ ثلاثةَ أنواعٍ مِنْ الكلامِ: القرآنَ الكريمَ، والحديثَ النَّبويَّ، وكلامَ العربِ. وقد أشارَ إليها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بقولِه معلِّلاً ردَّ إحدى القراءاتِ: «أنَّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيءٍ مِنْ كتابِ الله، ولا في خبرٍ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا موجودٍ في لغةِ أحدٍ مِنْ العربِ» (٣)، وفيما يأتي بيانُها: ١ - القرآنُ الكريمُ، وهو أجلُّ وأصحُّ وأفصحُ ما تثبتُ به اللُّغةُ ويُحتَجُّ لها به بإجماعٍ (٤)، ويشملُ ذلك قراءاتِه المشهورةِ والشّاذَّةِ باتِّفاقِ أهلِ اللُّغةِ (٥)، قال الفرّاءُ: «والكِتابُ أعرَبُ وأقوى في الحُجَّةِ مِنْ الشِّعرِ» (٦). وأمثلةُ ذلك في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) غايةٌ في الكثرةِ؛ مِنها قولُه في قولِه تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]: «وأَولى القَولَيْن في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: هي قُصورٌ في السَّماءِ؛ لأنَّ ذلك في كلامِ العربِ؛ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]» (٧)، وفي

стр. 404

قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] قرَّرَ أنَّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٦٣] في محلِّ رفعٍ، وقالَ: «وإنَّما كانَ كذلك وإن كانَ مِنْ نعتِ الأولياءِ؛ لمجيئِه بعد خبرِ الأولياءِ، والعربُ كذلك تفعلُ .. ، كما قالَ الله ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨]» (١)، وقالَ أيضاً: «وبعدُ، فإنَّ في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ .. ﴿وقدْ تركوكَ أنْ يعبُدوك وآلِهَتَك﴾ [الأعراف: ١٢٧] دلالَةً واضِحةً على أنَّ نصبَ ذلك على الصَّرفِ (٢) (٣). وشواهدُ القرآنِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) أقوى وأصدقُ مِنْ كُلِّ حُجَّةٍ، كما في قولِه بعدما ذكرَ شواهدَ أشعارِ العربِ على بعضِ أساليبِها في الكلامِ: «ومِنه قولُ الله؛ وهو أصدقُ قيلٍ، وأثبتُ حُجَّةً: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فخاطبَ، ثُمَّ رجعَ إلى الخبرِ عن الغائبِ، ولم يقُلْ: وجرَيْن بكم» (٤). ٢ - الحديثُ النَّبوي، وهو أجلُّ ما تثبتُ به اللُّغةُ بعد كتابِ الله تعالى، ورسولُ الله ﷺ أفصحُ العربِ قاطبةً، ولا يتقدَّمُ كلامَه في الفصاحةِ والبيانِ كلامُ بشرٍ بإجماعٍ (٥)، قالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «ولسانُ العربِ أوسَعُ الألسنةِ مَذهباً، وأكثرُها ألفاظاً، ولا نعلمُه يُحيطُ بجميعِ

стр. 405

علمِه إنسانٌ غيرُ نبيٍّ» (١). وقد سارَ على الاحتجاجِ بحديثِ النَّبي ﷺ في اللُّغةِ والنَّحو عامَّةُ أئِمَّةِ اللُّغةِ، ولا يُعلمُ عن أحدِهم التوقُّفُ في ذلك، حتى ظهرَ بعضُ علماءِ اللُّغةِ المتأخِّرين (٢) ومنعَ مِنْ الاستشهادِ بالحديثِ لتصحيحِ قواعدِ العربيَّةِ وأحكامِها؛ لبعضِ العِللِ (٣). ولم يلتفِت الأئمَّةُ المُحقِّقون إلى ذلك القولِ، بعد أن بيَّنوا خطأَه، بل انعقدَ إجماعُهم العمليُّ على خِلافِه، قالَ ابنُ الطَّيّبِ الفاسي (٤) (ت: ١١٧٠): «ما رأيتُ أحداً مِنْ الأشياخِ المُحقِّقين إلا وهو يستدلُّ بالأحاديثِ على القواعدِ النَّحويَّةِ والألفاظِ اللغويَّةِ، ويستنبطون مِنْ الأحاديثِ النَّبويَّةِ الأحكامَ النَّحويَّةَ والصَّرفيَّةَ واللغويَّةَ، وغيرَ ذلك مِنْ أنواعِ العلومِ اللسانيَّةِ، كما يستخرجون مِنها الأحكامَ الشَّرعيَّةَ» (٥)، وبحسبِ ما حقَّقَته إحدى

стр. 406

الباحثاتِ (١) فقد بلغَ ما استشهدَ به أئمَّةُ النَّحوِ الأوائلِ مِنْ الحديثِ (٨٧) حديثاً شريفاً، و (٢٩) أثراً عن الصَّحابةِ ﵃ (٢). ولعلَّ مِنْ سببِ قلَّةِ تلك الشَّواهدِ بالنِّسبةِ إلى غيرِها ما نعلمُه مِنْ تهيُّبِهم مِنْ نِسبةِ شيءٍ إلى رسولِ الله ﷺ دون العلمِ بثبوتِه، ولم يكُنْ مِنْ شأنِ أهلِ اللُّغةِ الفحصُ عن ذلك، ولم تظهرْ مجاميعُ الحديثِ المعتمَدةِ -كالصَّحيحَينِ والسُّننِ الأربعةِ ومُسندِ أحمدَ- إلا بعد استِتْمامِ البناءِ لأصولِ كلامِ العربِ وقواعدِه بسنينَ طويلةٍ (٣). وقد سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه على هذا النَّهجِ، ومِن شواهدِ استدلالِه بالحديثِ على مسألةٍ لغويّةٍ قولُه: «فإن قالَ: فإن كانَ جائزاً أن يُقالَ لمن عبدَ الله: ألَهَه. على تأويلِ ابنِ عبّاسٍ ومُجاهدٍ، فكيف الواجبُ في ذلك أن يُقالَ إذا أرادَ المُخبِرُ الخَبرَ عن استيجابِ الله ذلك على عبدِه؟ قيلَ: أمّا الرِّوايةُ فلا روايةَ به عندنا، ولكنَّ

стр. 407

الواجبَ على قياسِ ما جاءَ به الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ الذي حدَّثنا .. ، أن يُقالَ: اللهُ جلَّ ثناؤُه إلهُ العبدِ، والعبدُ ألَهَه. وأن يكونَ قولُ القائلِ: اللهُ. مِنْ الكلامِ أصلُه: الإلهُ» (١). ٣ - كلامُ العربِ، وهو أوسعُ وأشملُ مصدرٍ تثبتُ به اللُّغةُ، و «لا خلافَ بين أئمَّةِ العربيَّةِ في أنَّ كلامَ العربِ كُلَّه؛ نظْمَه ونثْرَه يُستدلُّ به على إثباتِ القواعدِ العربيَّةِ مُطلَقاً؛ مِنْ لُغةٍ، وصرفٍ، ونحوٍ، وغيرِ ذلك» (٢). ويشملُ كلامُ العربِ: الشِّعرَ والنَّثرَ. وإنَّما يُحتجُّ منهُما «بما ثبتَ عن الفصحاءِ المَوثوقِ بعربيَّتِهم» (٣)، ولتحقيقِ ذلك أصَّلَ العلماءُ أصولاً تضمنُ سلامةَ العربيَّةِ الفصحى (اللُّغةَ الأدبيَّةَ المُشتركةَ)، وحِفظَها على ما كانَتْ عليه في أزهى عصورِها؛ قُبَيْلَ ظهورِ الإسلامِ، وحين تنزُّلِ القرآنِ الكريمِ (٤). وفيما يأتي تعريفٌ موجزٌ بتلك الأصولِ: أوَّلُها: تحديدُ مَنْ تُؤخذُ عنهم اللُّغةُ مِنْ النَّقَلةِ، والشَّرطُ فيهم: الثِّقةُ والعدالةُ. قالَ ابنُ فارس (ت: ٣٩٥): «إنَّما تُؤخذُ اللُّغةُ مِنْ الرُّواةِ الثِّقاتِ ذوي الصِّدقِ والأمانةِ، ويُتَّقى المُظَنّون» (٥)، وأفردَ ابنُ جنّي (ت: ٣٩٢)

стр. 408

باباً في خصائِصِه بعنوانِ: (بابٌ في صدقِ النَّقَلةِ، وثِقةِ الرُّواةِ والحَمَلةِ) (١)، وقرَّرَ ابنُ الأنباري (٢) (ت: ٥٧٧) هذا الشَّرطَ بقولِه: «أن يكونَ ناقلُ اللُّغةِ عدلاً؛ رجلاً كانَ أو امرأةً، حُرّاً كانَ أو عبداً» (٣). وعلى هذا سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، فلا يقبلُ اللُّغةَ إلا عن ثِقةٍ، كما في قولِه: «وقد زعمَ بعضُهم أنَّ الوِزرَ: الثِّقلُ والحِملُ. ولستُ أعرفُ ذلك كذلك في شاهدٍ، ولا مِنْ روايةِ ثِقةٍ عن العربِ» (٤)، وفي قولِه تعالى ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، أجابَ عمَّن جعلَ الإخفاءَ بمعنى: الإظهارَ. فقالَ: «الذين وجَّهوا معناه إلى الإظهارِ إنَّما اعتمدوا على بَيْتٍ لامرئِ القَيسِ بن عابِسٍ الكِنديِّ. حُدِّثتُ عن معمرِ بن المُثَنّى أنَّه قالَ: أَنشَدَنيه أبو الخطّابِ، عن أهلِه في بَلَدِه (٥): فإنْ تَدفِنوا الدّاءَ لا نُخْفِه … وإن تَبعثوا الحربَ لا نقعُدِ بضَمِّ النّونِ مِنْ: نُخْفِه. ومعناه: لا نُظهِرْه. فكانَ اعتمادُهم في تَوْجيه الإخفاءِ في هذا المَوضِعِ إلى الإظهارِ على ما ذَكروا مِنْ سماعِهم هذا البَيْت، على ما وصَفتُ مِنْ ضَمِّ النّونِ مِنْ: نُخْفِه. وقد أنشَدَني الثِّقةُ عن الفرّاءِ:

стр. 409

فإنْ تَدفِنوا الدّاءَ لا نَخْفِه بفتحِ النّونِ مِنْ: نَخْفِه. مِنْ: خَفِيتُه أخْفيه. وهو أَوْلى بالصَّوابِ؛ لأنَّه المعروفُ مِنْ كلامِ العربِ» (١). ويتفرَّعُ عن شرطِ العدالةِ: اشتراطُ الإسنادِ إلى الرّاوي (٢)، قالَ ابنُ الأنباري (ت: ٥٧٧): «العدالةُ شرطٌ في قبولِ النَّقلِ، والجهلُ بالنّاقلِ وانقطاعُ سندِ النَّقلِ يوجِبان الجهلَ بالعدالةِ؛ فإنَّ مَنْ لم يُذكَرْ اسمُه، أو ذُكرَ اسمُه ولم يُعرَفْ، لم تُعرفْ عدالتُه، فلا يُقبلُ نقلُه» (٣)، وقالَ السيوطي (ت: ٩١١): «الاعتمادُ على ما رواه الثِّقاتُ عنهم بالأسانيدِ المُعتبرةِ؛ مِنْ نثرِهم ونَظمِهم» (٤)، والنقلُ عن الحُجَّةِ حُجَّةٌ؛ فلو نقلَ عن (ثقةٍ، أو حُجَّةٍ) ولم يُسمِّه لصحَّ مِنه؛ لتوفُّرِ شرطِ العدالةِ، «وقد وقعَ ذلك لسيبويه كثيراً؛ يعني به الخليلَ وغيرَه، وكانَ يونسُ (٥) يقول: حدَّثني الثِّقةُ

стр. 410

عن العربِ. فقيلَ له: مَنْ الثِّقةُ؟ قالَ: أبو زيد (١). قيلَ له: فلمَ لا تُسمّيه؟ قالَ: هو حيٌّ بعدُ، فأنا لا أُسمّيه» (٢)، وتلك عادةُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، ومِن ذلك قولُه: «وقالَ غيرُه مِنْ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ» (٣)، يعني: أبا عبيدةَ معمرَ بن المُثنّى (ت: ٢١٠) (٤)، وقولُه: «أنشدني الثِّقةُ عن الفرّاءِ» (٥)، وقولُه: «وقد حدَّثني الحارثُ، عن أبي عُبيدٍ، قالَ: أخبرَني اليَزيديُّ (٦) والأصمعيُّ (٧)، كلاهُما عن أبي عمرٍو (٨)، قالَ: ما سمعتُ أحداً مِنْ العربِ يقولُ: أَوْقفتُ الشّيءَ. بالألفِ» (٩). ويلحقُ بهذا البابِ أيضاً: عدمُ صِحَّةِ الاحتجاجِ بما لا يُعرفُ قائِلُه،

стр. 411

إلا إن رواه عربيٌّ يُحتجُّ بكلامِه، قالَ السيوطيُّ (ت: ٩١١): «لا يجوزُ الاحتجاجُ بشعرٍ أو نثرٍ لا يُعرَفُ قائِلُه، صرَّحَ بذلك ابنُ الأنباريِّ في (الإنصافِ) (١)، وكأنَّ علَّةَ ذلك: خَوفُ أن يكونَ لمولَّدٍ، أو مَنْ لا يوثَقُ بفصاحتِه» (٢). وقد اعتنى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عنايةً ظاهرةً بنسبَةِ اللُّغاتِ والأبياتِ إلى قائِليها؛ فيُسمّي في اللُّغاتِ القائِلَ، أو القبيلةَ، أو جهتَها ومكانَها، ويعزو الشِّعرَ إلى قائِلِه، ويُميِّزُهم عند الاشتراك (كامرئِ القَيسِ بن حُجْر، وابن عابسٍ الكِنديِّ) (٣)، و (أعشى بني ثعلبةَ، وهمدان) (٤)، و (نابغةِ بني ذُبيان، وبني جَعْدة) (٥)، ويُصحِّحُ نسبةَ بعضِ الأبياتِ. ومِن

стр. 412

شواهدِ ذلك قولُه: «وأصلُ السَّواءِ: الوَسَطُ. ذُكِرَ عن عيسى بن عمرَ النَّحويِّ (١) أنَّه قالَ: مازلتُ أكتبُ حتى انقطعَ سَوائي. يعني: وَسَطي» (٢)، وقولُه: «وأمّا الزَّوجُ فإنَّ أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرَّجلِ: هي زَوجُه. بمنزِلةِ الزَّوجِ الذَّكرِ .. ، وتميمٌ وكثيرٌ مِنْ قَيْسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هي زَوجَتُه» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: «وقد ذُكرَ أنَّ الحصَبَ في لُغةِ أهلِ اليمنِ: الحطبُ. فإن يكُنْ ذلك كذلك، فهو أيضاً وجهٌ صحيحٌ، وأمَّا ما قُلنا مِنْ أنَّ معناه: الرَّميُ. فإنَّه في لُغةِ أهلِ نجدٍ» (٤)، وقولُه: «وقد زعمَ بعضُ الرُّواةِ أنَّ بعضَ النّاسِ أنشدَه في (أكْبَرْنَ) بمعنى: حِضنَ. بيتاً لا أحسبُ أنَّ له أصلاً؛ لأنَّه ليس بالمعروفِ عند الرُّواةِ» (٥)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]-وأسندَ عن ابنِ وهبٍ (٦) (ت: ١٩٧): «أنَّ ابنَ زيدٍ أنشَدَه: قُعودٌ لدى الأبوابِ طُلّابُ حاجةٍ … عَوَانٍ مِنْ الحاجاتِ أو حاجةً بِكراً

стр. 413

قالَ أبو جعفرٍ: والبيتُ للفرزدقِ (١) (٢)، وقولُه عن شاهدٍ شِعريٍّ: «ومِنه قولُ ابنِ الزِّبَعْرى (٣)، وقيلَ إنَّه لأبي سُفيانَ بن الحارثِ بن عبد المُطَّلبِ» (٤). وربما استشهد بما لم يُسمِّ قائلَه (٥)؛ لإحدى علَلٍ ثلاثٍ: ١ - اختصاراً؛ لاشتِهارِ الشَّاهدِ عند أهلِ اللُّغةِ، وثُبوتِه في كُتبِهم، كما في تركِه نسبةَ بعضِ أبياتِ المُعلَّقاتِ، وما لا يَخفى قائِلُه (٦)، وكذا استشهادُه بأبياتٍ مِنْ القصيدةِ، ونسبةُ بعضِها إلى الشّاعرِ في مواضِعَ دون أخرى، ممّا يدُلُّ على عِلمِه بها. (٧) أو لتكرُّرِ ورودِ الشّاهدِ في موضِعٍ آخرَ مِنْ التَّفسيرِ منسوباً؛ فيستغني به عن تكرارِ نسبتِه إليه. (٨)

стр. 414

٢ - للاختلافِ في نسبتِه، فيُجمِلُ القائِلَ، مع كَونِهم جميعاً محلَّ الاحتجاجِ. ٣ - ثقةً بمَن ينقلُ عنه؛ وأغلبُ نقلِه عن مؤلَّفاتِ أئِمَّةِ اللُّغةِ، وممّا أسندَه عنهم سماعاً؛ وقد أكثرَ النَّقلَ عن الفرَّاءِ (ت: ٢٠٧) (١)، وأبي عبيدةَ معمرِ بن المُثنّى (ت: ٢١٠) (٢). كما نقلَ عن عيسى بن عمر (ت: ١٤٩)، وأبي عمرو بن العلاءِ (ت: ١٥٤)، ويونسِ بن حبيبٍ (ت: ١٨٢)، والكِسائيّ (٣) (ت: ١٨٩)، والأخفشِ (٤) (ت: ٢١٥)، وأبي عُبيْدٍ القاسمُ بن سلّامٍ (ت: ٢٢٤)، في مواضِعَ (٥). قالَ ياقوتُ الحمويُّ (ت: ٦٢٦) في سياقِ تعريفِه بتفسيرِ (جامعِ البيانِ): «وذكرَ فيه مجموعَ الكلامِ والمعاني مِنْ كتابِ عليّ بن حمزةَ الكسائيّ، ومِن كتابِ يحيى بن زيادٍ الفرّاءِ،

стр. 415

ومِن كتابِ أبي الحسنِ الأخفشِ، ومِن كتابِ أبي علي قُطرب (١)، وغيرِهم، ممّا يقتضيه الكلامُ عند حاجتِه إليه؛ إذْ كانَ هؤلاءِ هُمْ المُتكلِّمون في المعاني، وعنهم يُؤخذُ معانيه وإعرابِه، ورُبَّما لم يُسمِّهم إذا ذكرَ شيئاً مِنْ كلامِهم» (٢). والقاعدةُ العامُّةُ عند أهلِ اللُّغةِ في بابِ الشَّواهدِ: أنَّ المُهمَّ في الشَّاهدِ الرَّاوي لا القائلُ؛ إذْ به تتبيَّنُ صِحَّةُ الاحتجاجِ مِنْ عدمِه، وهو المُرادُ (٣). وقد اعتمدَ العلماءُ ما رواهُ سيبويه (ت: ١٨٠) عن العربِ ممّا لا يُعرفُ قائِلُه؛ ثِقةً به، قالَ البغداديّ (ت: ١٠٩٣): «الشّاهدُ المجهولُ قائِلُه وتَتِمَّتُه إنْ صدرَ مِنْ ثِقةٍ يُعتمدُ عليه قُبلَ، وإلا فلا؛ ولهذا كانَت أبياتُ سيبويه أصحَّ الشَّواهدِ، اعتَمدَ عليها خلفٌ بعد سلفٍ، مع أنَّ فيها أبياتاً عديدةً جُهلَ قائِلوها، وما عيبَ بها ناقِلوها، وقد خرجَ كتابُه إلى النّاسِ والعلماءُ كثيرٌ، والعنايةُ بالعلمِ وَكِيدةٌ، ونُظرَ فيه وفُتِّشَ، فما طعنَ أحدٌ مِنْ المُتقدِّمين عليه، ولا ادَّعى أنَّه أتى بشِعرٍ مُنكرٍ» (٤). ولأجلِ ذلك يقعُ الاستشهادُ كثيراً بأشعارِ القبائِلِ دون تعيينِ قائلٍ

стр. 416

مِنها بعينِه، كما في قولِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): «ومِنه قولُ الهُذَلي» (١)، وشُعراءُ هذَيلٍ كثيرون، وقولِه: «وقالَ رجلٌ مِنْ بني أسدٍ» (٢)، وقولِه: «وقالَ بعضُ بني عقيلٍ» (٣)، وأمثالِ ذلك، وأكثرُ ما يقعُ ذلك عندَ نِسبةِ اللّهجاتِ دونَ الأبياتِ. ثانيها: تحديدُ مستوى اللُّغةِ التي تكونُ معياراً يُحكَمُ به ويُقاسُ عليه، وقد قصدَ أئمَّةُ اللُّغةِ «إلى وضعِ قواعدَ للُغةٍ واحدةٍ كانَ يُخشى عليها مِنْ فسادِ الألسنةِ، وانتشارِ اللحنِ؛ هي لُغةُ: القرآنِ الكريمِ، والشِّعرِ الجاهليِّ، وكلامِ العربِ المُطَّردِ دون لُغةِ الكلامِ العاديِّ، وهذا ما يُعرَفُ ب (اللُّغةِ الأدبيَّةِ) التي رأى اللغويون الأوائِلُ أنَّها تُمثِّلُ العربيَّةَ الفُصحى الجامعةَ للعربِ على اختلافِ قبائلِهم، وتباعُدِ أماكنِ سُكناهم» (٤)، كما أنَّهم لم يرفضوا ما خالفَ تلك (اللُّغةَ المُشتركةَ) مِنْ اللهجاتِ الخاصَّةِ ببعضِ القبائلِ، ولم يُخطِّئوا مِنها شيئاً، بل سمَّوْها: لُغاتٍ. قالَ ابنُ جنّي (ت: ٣٩٢) بعد أن ذكرَ أمثالاً لتلك اللهجاتِ: «وكيفَ تصرَّفَت الحالُ فالنّاطقُ على قياسِ لُغةٍ مِنْ لُغاتِ العربِ مُصيبٌ غيرُ مُخطئٍ، وإن كانَ غيرُ ما جاءَ به خيراً مِنه» (٥). وقد كانَ ذلك المعيارُ حاضِراً فيما قَبِلَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) وقدَّمَ مِنْ اللغاتِ، وفيما تركَ وأخَّرَ مِنها، بل جعلَ مِنْ ذلك أصلاً في التّوجيهِ

стр. 417

والاستدلالِ؛ فقالَ: «وهذا القَولُ وإنْ كانَ مَذهباً مِنْ المذاهبِ، فليس بالأشهرِ الأفصحِ في كلامِ العربِ، والذي هو أَولى بكتابِ الله أن يُوجَّهَ إليه مِنْ اللُّغاتِ الأفصحُ الأعرفُ مِنْ كلامِ العربِ، دونَ الأنْكرِ الأجْهلِ مِنْ مَنطِقِها» (١)، وقالَ أيضاً: «كتابُ الله جلَّ ثناؤُه نزلَ بأُفصَحِ لُغاتِ العربِ، وغيرُ جائِزٍ توجيهُ شيءٍ مِنه إلى الشّاذِّ مِنْ لُغاتِها وله في الأفصحِ الأَشهرِ معنىً مفهومٌ، ووَجهٌ معروفٌ» (٢). ثالثها: تحديدُ عصورِ الاحتجاجِ بالمَسْموعِ، والذي يبدأُ مِنْ زمنِ الجاهليةِ قبل الإسلامِ بنحوِ قرنَيْن مِنْ الزَّمانِ، وينتهي بأواخرِ القرنِ الثّاني لأهلِ الأمصارِ، ويمتدُّ إلى نهايةِ القرنِ الرّابعِ لأهلِ الباديةِ (٣). قالَ أبو عبيدة معمرُ بن المُثنّى (ت: ٢١٠): «افتُتِحَ الشِّعرُ بامرئِ القَيْسِ، وخُتمَ بابنِ هَرْمةَ (٤) (٥). وباعتبارِ هذا المعيارِ الزَّمنيِّ قُسِمَ الشُّعراءُ (٦) إلى أربعِ طبقاتٍ: ١ - الجاهليّين.

стр. 418

٢ - المُخضرَمين. ٣ - الإسلاميّين أو المُتقدِّمين، وآخرُهم: إبراهيمُ بن هَرْمةَ (ت: ١٧٦). ٤ - المُوَلَّدين أو المُحدَثين، وهم «مَنْ جاءَ بعد عصرِ المائتَيْن، وأوَّلُهم بشّارُ بن بُرْدٍ (١)، وأبو نُوَاسٍ (٢) (٣). قالَ ابنُ الطّيبِ الفاسي (ت: ١١٧٠): «فأمّا الجاهليّون والمُخضرَمون فقد أجمعوا على الاستشهادِ بكلامِهم، وإثباتِ القواعدِ في سائِرِ الفنونِ بنَثارِهم ونَظمِهم، وأمّا الطّبقةُ الثّالثةُ وكلُّهم الإسلاميّون، فاختلفوا في الاستدلالِ بكلامِهم، وأطبقَ المُحقّقون على الاستشهادِ به ولم يعبَئوا بالخِلافِ في ذلك (٤)، وأمّا طبقةُ المولَّدين فلا يُستشهدُ بكلامِهم في القواعدِ النَّحويَّةِ والألفاظِ العربيَّةِ (٥)، بل يجوزُ الاستشهادُ بشِعرِهم في

стр. 419

المعاني والبيانِ والبديعِ فقط» (١)، وقالَ السّيوطي (ت: ٩١١): «أجمعوا على أنَّه لا يُحتَجُّ بكلامِ المولَّدين والمُحدَثين» (٢). ولم يخرُج ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) فيما استشهدَ به مِنْ كلامِ العربِ عن عصورِ الاحتجاجِ، كما لم يستشهدْ ببَيْتِ أحدٍ مِنْ المولَّدين في لُغةٍ أو نحوٍ، ويشهدُ لذلك أمورٌ: ١ - البحثُ والتَّتبُّعُ؛ وهو ما أَثْبتَه أيضاً صاحبُ كتابِ: (الشّاهدِ الشِّعريّ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ)، حيثُ أحصى الشَّواهدَ الشِّعريَّةَ لأربعةِ تفاسيرَ مِنها تفسيرُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وذكرَ مِنْ شروطِ قبولِ الشّاهدِ الشِّعريِّ: أن يكونَ القائلُ مِمّن يُحتَجُّ بشِعرِه. وقالَ فيه: «وقد طبَّقَ المُفسِّرون هذا الشَّرطَ في شواهدِهم اللغويَّةِ والنَّحويَّةِ، ولم يستشهدوا بشاهدٍ مِنْ الشِّعرِ على سبيلِ الاستقلالِ لغَيْرِ مَنْ ينطبقُ عليه هذا الشَّرطُ، إلا الزَّمخشريَّ -كما تقدَّمَ- في مسألةٍ واحدةٍ» (٣)، وقالَ: «وأمّا الطَّبريُّ في تفسيرِه فقد التزمَ بالاستشهادِ بأشعارِ الطَّبقاتِ الثَّلاثِ الأولى بصرامةٍ، وآخرُ الشُّعراءِ الذين استشهدَ بشِعرِهم هم: إبراهيمُ بن هَرْمةَ، وابنُ ميّادةَ الذبيانيّ (٤)، وأبو نُخَيْلَةَ

стр. 420

السَّعديّ الرَّاجِزُ (١)، وهؤلاءِ مِنْ الذين ذكرَ العلماءُ أنَّه قد خُتِمَ بهم الشِّعرُ» (٢). ٢ - ردُّ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) لعددٍ مِنْ الشَّواهدِ الخارجةِ عن ذلك، كما في قولِه: «وقد زعمَ بعضُ الرُّواةِ أنَّ بعضَ النّاسِ أنشدَه في (أكْبَرْنَ) بمعنى: حِضنَ. بيتاً لا أحسبُ أنَّ له أصلاً؛ لأنَّه ليس بالمعروفِ عند الرُّواةِ» (٣)، وهو بيتٌ مصنوعٌ مُختلقٌ كما قالَ ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) (٤)، وقالَ أيضاً: «وقد رُويَ عن بعضِ أهلِ الحجازِ بيتٌ مِنْ الشِّعرِ .. ، رأيتُ رُواةَ الشِّعرِ وأهلَ العلمِ بالعربيَّةِ مِنْ أهلِ العراقِ يُنكِرونَه؛ وذلك قَولُ قائِلِهم: فزجَجْتُه مُتمكِّناً … زجَّ القَلوصَ أبي مزادةَ» (٥). والبيتُ لأحدِ الموَلَّدين مِنْ شُعراءِ المدينةِ (٦)، قالَ البغداديّ (ت: ١٠٩٣): «وهذا البيتُ لم يعتمِدْ عليه مُتقِنو كتابِ سيبويه، حتى قالَ السِّيرافيّ (٧): لم يُثْبِتْه أحدٌ مِنْ أهلِ الرِّوايةِ» (٨).

стр. 421

٣ - ما نعلمُه مِنْ عنايةِ اللغوييّن والمُفسّرين وعامَّةِ العلماءِ بتفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) منذُ عصرِ مؤلِّفِه، وعلى مرِّ العصورِ، ولو كانَ قد وقعَ شيءٌ مِنْ ذلك لنبَّهوا إليه، وتداعَوا إلى إصلاحِه، على عادةِ العلماءِ في مِثلِه. رابعها: تحديدُ الإطارِ المكاني لمَن يُحتجُّ بكلامِهم مِنْ العربِ، وقد اعتمَدَ أئمَّةُ اللُّغةِ لتحديدِ ذلك على المستوى الذي عدّوه فصيحاً مِنْ الكلامِ؛ فقبلوا مِمَّنْ لم تفسُدْ لُغتُهم، وطرحوا مِنْ اللهجاتِ ما خالفَ مقاييسَ الفصحى المُشتركةِ. ومِن ثَمَّ كثُرَ الأخذُ عن القبائلِ التي عاشَت في وسطِ جزيرةِ العربِ وشرقيِّها؛ لعُزلَتِهم، وقِلَّةِ اختلاطِهم بغيرِهم مِنْ الأمَمِ، ممّا دخلَ على العربيَّةِ بالفسادِ، ولهذا المعنى عقدَ ابنُ جنّي (ت: ٣٩٢) باباً في خصائِصِه بعنوانِ: (ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهلِ الوَبَرِ)، قالَ فيه: «علَّةُ امتناعِ ذلك ما عرضَ للُغاتِ الحاضِرةِ وأهلِ المدَرِ مِنْ الاختلالِ والفسادِ والخَطَلِ، ولو عُلِمَ أنَّ أهلَ مدينةٍ باقون على فصاحتِهم، ولم يعترِضْ شيءٌ مِنْ الفسادِ للُغتَهم، لوَجبَ الأخذُ عنهم كما يُؤخذُ عن أهلِ الوبَرِ. وكذلك أيضاً لو فشا في أهلِ الوبَرِ ما شاعَ في لغةِ أهلِ المدَرِ مِنْ اضطرابِ الألسنةِ وخبالِها، وانتقاضِ عادةِ الفصاحةِ وانتشارِها، لوجبَ رفضُ لُغتِها، وتركِ تلقّي ما يردُ عنها» (١).

стр. 422

وسببُ قِلَّةِ النَّقلِ عن بعضِ القبائلِ المشهورةِ بالفصاحةِ؛ كقرَيِشٍ، وأزْدِ السَّراةِ، وبَجيلةَ، وثَقيفٍ؛ لا لعدمِ صِحَّةِ الاحتجاجِ بكلامِها، كيفَ وهي مِنْ أعلى القبائلِ فصاحةً باتِّفاقٍ (١)! وإنَّما لقلَّةِ شُعراءِها، أو لذهابِ شعرِ كثيرٍ مِنْ شُعرائِها وعدمِ حفظِه (٢)؛ وعُظمُ ما يُستشهدُ به مِنْ الشِّعرِ. كما أنَّ لبُعدِها عن مركزَيْ نقلَةِ اللُّغةِ: البصرةِ والكوفةِ. سببٌ في قِلَّةِ النَّقلِ عنها، قالَ السيوطيّ (ت: ٩١١): «والذي نقلَ اللُّغةَ واللسانَ العربيَّ عن هؤلاءِ، وأَثْبَتَها في كتابٍ، وصَيَّرَها عِلماً وصِناعةً = هُمْ أهلُ الكوفةِ والبصرةِ فقط، مِنْ بَيْن أمصارِ العربِ» (٣). ولم أجِدْ لاختلافِ القبائلِ، ومواقِعِها أثرٌ في استشهادِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بكلامِها، وإنَّما كانَ المعيارُ عندَه: مستوى الفصاحةِ، وجودةَ اللُّغةِ، واشتهارَها. فقد استشهدَ بنثرِ وشعرِ عامَّةِ قبائِلِ العربِ، ولم يُقدِّمْ مِنها قبيلةً على أخرى، إلا ما قدَّمته الفصاحةُ، وشَهدَ له شاهدُ الشُّهرةِ والكَثرَةِ، وعامَّةُ الأمثلةِ فيما سبقَ مِنْ كلامِه شواهدُ على ذلك. (٤) سابعاً: مِنْ مصادرِ اللُّغةِ التي استفادَ مِنها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيراً: أقوالُ السَّلفِ. وذلك مِنْ أظهرِ ما تميَّزَ به هذا التَّفسيرُ عن كثيرٍ مِنْ كُتبِ اللُّغةِ والمعاني، وقد أعانَه على ذلك ما ضمَّنَه تفسيرَه مِنْ آلافِ

стр. 423

الرِّواياتِ عن أهلِ التَّأويلِ مِنْ السَّلفِ؛ ممّن يدخلُ في شرطِ الاحتجاجِ في لُغةِ العربِ. وقد أثمرَ هذا النَّوعُ مِنْ الاحتجاجِ اللُّغويِّ قوَّةً في استدلالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) على المعاني، وزادَ دليلَ اللُّغةِ ثراءً، واتِّساعاً. وقد جاءَ مُعظمُه في بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ وأساليبِه مِنْ جِهةِ العربيَّةِ، ومِن شواهدِ ذلك قولُه ردّاً على بعضِ أئِمَّةِ اللُّغةِ في تفريقِه بين (السَّدِّ) و (السُّدِّ): «لم نجِدْ لذلك شاهداً يُبِينُ عن فُرقانِ ما بين ذلك على ما حُكيَ عنهما، وممّا يُبينُ عن أنَّ ذلك كذلك أنَّ جميعَ أهلِ التَّأويلِ الذين رُويَ لنا عنهم في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ مِنهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضَمِّه، ولو كانا مُختلفَيْ المعنى لنُقلَ الفَصْلُ مع التَّأويلِ، إنْ شاءَ الله، ولكنْ معنى ذلك كانَ عندهم غيرَ مُفترقٍ، ففسَّروا الحرفَ بغَيْرِ تفصيلٍ مِنهم بين ذلك» (١)، وقولُه: «الدُّلوكُ في كلامِ العربِ: المَيْلُ. يُقالُ مِنه: دلكَ فُلانٌ إلى كذا. إذا مالَ إليه. ومِنه الخبرُ الذي رُويَ عن الحسنِ: أنَّ رجلاً قالَ له: أَيُدالِكُ الرَّجلُ امرأتَه؟ يعني بذلك: أيَميلُ بها إلى المُماطلةِ بحقِّها؟» (٢)، وقولُه: «والأحقافُ ما وصَفتُ مِنْ الرَّمالِ المُستطيلةِ المُشرِفةِ، كما قالَ العجّاجُ: باتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا وكما حدَّثني .. » (٣)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ زيدٍ (ت: ١٨٢) قولَه:

стр. 424

«الأحقافُ الرَّملُ الذي يكونُ كهيئَةِ الجبلِ، تدعوه العربُ: الحِقْفَ. ولا يكونُ أحقافاً إلا مِنْ الرَّملِ» (١). وممّا قرَّرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ: أنَّ الصَّحابةَ أعلمُ بالغريبِ مِنْ أهلِ الغريبِ، والصَّوابُ في قولِهم دون قولِهم. وذلك في تعليقِه على قولِ الرَّاجزِ (٢): غُدوَةَ حتى دَلَكَتْ بِراحِ حيثُ قالَ: «ويُروى: بَراحِ. بفتحِ الباءِ، فمَن روى ذلك (بِراحِ) بكسرِ الباءِ فإنَّه يعني: أنَّه يضعُ النّاظرُ كفَّه على حاجِبِه مِنْ شُعاعِها؛ ليَنظُرَ ما بَقيَ مِنْ غيابِها. وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبي عُبيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمروٍ الشَّيْبانيِّ (٣)، وغيرِهم. وقد ذكرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ الله بن مسعودٍ أنَّه قالَ حينَ غربتِ الشَّمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ. يعني: ب (راحٍ) مكاناً. ولستُ أدري هذا التَّفسير -أعني قولَه: بِراحٍ مكاناً- مِنْ كلامِ مَنْ هو ممّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلامِ عبدِ الله؟ فإنْ يكُنْ مِنْ كلامِ عبدِ الله، فلا شكَّ أنَّه كانَ أعلمَ بذلك مِنْ أهلِ الغريبِ الذين ذكرتُ قولَهم، وأنَّ الصَّوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم، وإنْ لم يكُنْ مِنْ كلامِ عبدِ الله، فإنَّ أهلَ العربيَّةِ كانوا أعلمَ بذلك مِنه» (٤). وقد نبَّه ابنُ

стр. 425

جنّي (ت: ٣٩٢) إلى مثلِ هذا المعنى في قولِه عن تأويلٍ لابنِ عباسٍ ﵁ استَغربَ ظاهرَه: «ينبغي أن يُحسَنَ الظَّنُّ بابنِ عباسٍ، فيُقالُ: إنَّه أعلمُ بلُغةِ القَومِ مِنْ كثيرٍ مِنْ عُلمائِهم» (١). ويُنبَّه هنا إلى أنَّ بعضَ المعاني التي يذكُرُها أهلُ اللُّغةِ صحيحةٌ على مُقتضى كلامِ العربِ، لكنَّ الأصلَ الذي سارَ عليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه أنَّه: ما كُلُّ ما صَحَّ لُغةً صَحَّ تفسيراً. إذْ إنَّ معرفةَ معنى اللفظِ لُغةً أُولى مراحلِ بيانِ المعنى، وليستْ آخرَها، فثمَّةَ أدلَّةٌ يتحدَّدُ بها المعنى المُرادَ غيرَ دليلِ اللُّغةِ؛ مِنْ أجلِّها: أقوالُ السَّلفِ. (٢) والاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في قضايا اللُّغةِ هو المُطابقُ لأصولِ الاستدلالِ في اللُّغةِ على ما سبقَ تقريرُه، قالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «ويدخلُ في مادَّةِ الاستعمالِ العربيِّ ما يُؤْثرُ عن بعضِ السَّلفِ في فهمِ معاني بعضِ الآياتِ على قوانين استعمالِهم» (٣). وإقلالُ أهلِ اللُّغةِ مِنْ الاستشهادِ بها هو مِنْ جِنسِ إقلالِهم النِّسبيِّ مِنْ الاستشهادِ بالحديثِ النَّبويِّ (٤)؛ ولعلَّ مِنْ سببِ ذلك أيضاً انصرافُ هِمَّتِهم إلى التَّلقّي عن الأعرابِ، وتتَبُّعِ القبائلِ والبوادي؛ لجمعِ لُغاتِ أهلِها، وحِفظِها، وتدوينِها، فانشغلوا بذلك عن استخراجِ مِثلِه مِنْ كلامِ السَّلفِ، والذّين قد دُوِّنَتْ كثيرٌ مِنْ أقوالِهم، مع ما لبعضِ أهلِ اللُّغةِ مِنْ الرَّأيِ في الأخذِ عن المُتأخّرين مِنْ العربِ؛ رعايةً للُّغةِ القديمةِ، واهتماماً بها. (٥)
следующие страницы →