٣ - ما نعلمُه مِنْ عنايةِ اللغوييّن والمُفسّرين وعامَّةِ العلماءِ بتفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) منذُ عصرِ مؤلِّفِه، وعلى مرِّ العصورِ، ولو كانَ قد وقعَ شيءٌ مِنْ ذلك لنبَّهوا إليه، وتداعَوا إلى إصلاحِه، على عادةِ العلماءِ في مِثلِه.
رابعها: تحديدُ الإطارِ المكاني لمَن يُحتجُّ بكلامِهم مِنْ العربِ، وقد اعتمَدَ أئمَّةُ اللُّغةِ لتحديدِ ذلك على المستوى الذي عدّوه فصيحاً مِنْ الكلامِ؛ فقبلوا مِمَّنْ لم تفسُدْ لُغتُهم، وطرحوا مِنْ اللهجاتِ ما خالفَ مقاييسَ الفصحى المُشتركةِ. ومِن ثَمَّ كثُرَ الأخذُ عن القبائلِ التي عاشَت في وسطِ جزيرةِ العربِ وشرقيِّها؛ لعُزلَتِهم، وقِلَّةِ اختلاطِهم بغيرِهم مِنْ الأمَمِ، ممّا دخلَ على العربيَّةِ بالفسادِ، ولهذا المعنى عقدَ ابنُ جنّي (ت: ٣٩٢) باباً في خصائِصِه بعنوانِ: (ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهلِ الوَبَرِ)، قالَ فيه: «علَّةُ امتناعِ ذلك ما عرضَ للُغاتِ الحاضِرةِ وأهلِ المدَرِ مِنْ الاختلالِ والفسادِ والخَطَلِ، ولو عُلِمَ أنَّ أهلَ مدينةٍ باقون على فصاحتِهم، ولم يعترِضْ شيءٌ مِنْ الفسادِ للُغتَهم، لوَجبَ الأخذُ عنهم كما يُؤخذُ عن أهلِ الوبَرِ. وكذلك أيضاً لو فشا في أهلِ الوبَرِ ما شاعَ في لغةِ أهلِ المدَرِ مِنْ اضطرابِ الألسنةِ وخبالِها، وانتقاضِ عادةِ الفصاحةِ وانتشارِها، لوجبَ رفضُ لُغتِها، وتركِ تلقّي ما يردُ عنها» (١).
стр. 422
وسببُ قِلَّةِ النَّقلِ عن بعضِ القبائلِ المشهورةِ بالفصاحةِ؛ كقرَيِشٍ، وأزْدِ السَّراةِ، وبَجيلةَ، وثَقيفٍ؛ لا لعدمِ صِحَّةِ الاحتجاجِ بكلامِها، كيفَ وهي مِنْ أعلى القبائلِ فصاحةً باتِّفاقٍ (١)! وإنَّما لقلَّةِ شُعراءِها، أو لذهابِ شعرِ كثيرٍ مِنْ شُعرائِها وعدمِ حفظِه (٢)؛ وعُظمُ ما يُستشهدُ به مِنْ الشِّعرِ. كما أنَّ لبُعدِها عن مركزَيْ نقلَةِ اللُّغةِ: البصرةِ والكوفةِ. سببٌ في قِلَّةِ النَّقلِ عنها، قالَ السيوطيّ (ت: ٩١١): «والذي نقلَ اللُّغةَ واللسانَ العربيَّ عن هؤلاءِ، وأَثْبَتَها في كتابٍ، وصَيَّرَها عِلماً وصِناعةً = هُمْ أهلُ الكوفةِ والبصرةِ فقط، مِنْ بَيْن أمصارِ العربِ» (٣).
ولم أجِدْ لاختلافِ القبائلِ، ومواقِعِها أثرٌ في استشهادِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بكلامِها، وإنَّما كانَ المعيارُ عندَه: مستوى الفصاحةِ، وجودةَ اللُّغةِ، واشتهارَها. فقد استشهدَ بنثرِ وشعرِ عامَّةِ قبائِلِ العربِ، ولم يُقدِّمْ مِنها قبيلةً على أخرى، إلا ما قدَّمته الفصاحةُ، وشَهدَ له شاهدُ الشُّهرةِ والكَثرَةِ، وعامَّةُ الأمثلةِ فيما سبقَ مِنْ كلامِه شواهدُ على ذلك. (٤)
سابعاً: مِنْ مصادرِ اللُّغةِ التي استفادَ مِنها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كثيراً: أقوالُ السَّلفِ. وذلك مِنْ أظهرِ ما تميَّزَ به هذا التَّفسيرُ عن كثيرٍ مِنْ كُتبِ اللُّغةِ والمعاني، وقد أعانَه على ذلك ما ضمَّنَه تفسيرَه مِنْ آلافِ
стр. 423
الرِّواياتِ عن أهلِ التَّأويلِ مِنْ السَّلفِ؛ ممّن يدخلُ في شرطِ الاحتجاجِ في لُغةِ العربِ.
وقد أثمرَ هذا النَّوعُ مِنْ الاحتجاجِ اللُّغويِّ قوَّةً في استدلالاتِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) على المعاني، وزادَ دليلَ اللُّغةِ ثراءً، واتِّساعاً. وقد جاءَ مُعظمُه في بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ وأساليبِه مِنْ جِهةِ العربيَّةِ، ومِن شواهدِ ذلك قولُه ردّاً على بعضِ أئِمَّةِ اللُّغةِ في تفريقِه بين (السَّدِّ) و (السُّدِّ): «لم نجِدْ لذلك شاهداً يُبِينُ عن فُرقانِ ما بين ذلك على ما حُكيَ عنهما، وممّا يُبينُ عن أنَّ ذلك كذلك أنَّ جميعَ أهلِ التَّأويلِ الذين رُويَ لنا عنهم في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ مِنهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضَمِّه، ولو كانا مُختلفَيْ المعنى لنُقلَ الفَصْلُ مع التَّأويلِ، إنْ شاءَ الله، ولكنْ معنى ذلك كانَ عندهم غيرَ مُفترقٍ، ففسَّروا الحرفَ بغَيْرِ تفصيلٍ مِنهم بين ذلك» (١)، وقولُه: «الدُّلوكُ في كلامِ العربِ: المَيْلُ. يُقالُ مِنه: دلكَ فُلانٌ إلى كذا. إذا مالَ إليه. ومِنه الخبرُ الذي رُويَ عن الحسنِ: أنَّ رجلاً قالَ له: أَيُدالِكُ الرَّجلُ امرأتَه؟ يعني بذلك: أيَميلُ بها إلى المُماطلةِ بحقِّها؟» (٢)، وقولُه: «والأحقافُ ما وصَفتُ مِنْ الرَّمالِ المُستطيلةِ المُشرِفةِ، كما قالَ العجّاجُ:
باتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا
وكما حدَّثني .. » (٣)، ثُمَّ أسندَ عن ابنِ زيدٍ (ت: ١٨٢) قولَه:
стр. 424
«الأحقافُ الرَّملُ الذي يكونُ كهيئَةِ الجبلِ، تدعوه العربُ: الحِقْفَ. ولا يكونُ أحقافاً إلا مِنْ الرَّملِ» (١).
وممّا قرَّرَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا البابِ: أنَّ الصَّحابةَ أعلمُ بالغريبِ مِنْ أهلِ الغريبِ، والصَّوابُ في قولِهم دون قولِهم. وذلك في تعليقِه على قولِ الرَّاجزِ (٢):
غُدوَةَ حتى دَلَكَتْ بِراحِ
حيثُ قالَ: «ويُروى: بَراحِ. بفتحِ الباءِ، فمَن روى ذلك (بِراحِ) بكسرِ الباءِ فإنَّه يعني: أنَّه يضعُ النّاظرُ كفَّه على حاجِبِه مِنْ شُعاعِها؛ ليَنظُرَ ما بَقيَ مِنْ غيابِها. وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبي عُبيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمروٍ الشَّيْبانيِّ (٣)، وغيرِهم. وقد ذكرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ الله بن مسعودٍ أنَّه قالَ حينَ غربتِ الشَّمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ. يعني: ب (راحٍ) مكاناً. ولستُ أدري هذا التَّفسير -أعني قولَه: بِراحٍ مكاناً- مِنْ كلامِ مَنْ هو ممّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلامِ عبدِ الله؟ فإنْ يكُنْ مِنْ كلامِ عبدِ الله، فلا شكَّ أنَّه كانَ أعلمَ بذلك مِنْ أهلِ الغريبِ الذين ذكرتُ قولَهم، وأنَّ الصَّوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم، وإنْ لم يكُنْ مِنْ كلامِ عبدِ الله، فإنَّ أهلَ العربيَّةِ كانوا أعلمَ بذلك مِنه» (٤). وقد نبَّه ابنُ
стр. 425
جنّي (ت: ٣٩٢) إلى مثلِ هذا المعنى في قولِه عن تأويلٍ لابنِ عباسٍ ﵁ استَغربَ ظاهرَه: «ينبغي أن يُحسَنَ الظَّنُّ بابنِ عباسٍ، فيُقالُ: إنَّه أعلمُ بلُغةِ القَومِ مِنْ كثيرٍ مِنْ عُلمائِهم» (١).
ويُنبَّه هنا إلى أنَّ بعضَ المعاني التي يذكُرُها أهلُ اللُّغةِ صحيحةٌ على مُقتضى كلامِ العربِ، لكنَّ الأصلَ الذي سارَ عليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه أنَّه: ما كُلُّ ما صَحَّ لُغةً صَحَّ تفسيراً. إذْ إنَّ معرفةَ معنى اللفظِ لُغةً أُولى مراحلِ بيانِ المعنى، وليستْ آخرَها، فثمَّةَ أدلَّةٌ يتحدَّدُ بها المعنى المُرادَ غيرَ دليلِ اللُّغةِ؛ مِنْ أجلِّها: أقوالُ السَّلفِ. (٢)
والاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في قضايا اللُّغةِ هو المُطابقُ لأصولِ الاستدلالِ في اللُّغةِ على ما سبقَ تقريرُه، قالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «ويدخلُ في مادَّةِ الاستعمالِ العربيِّ ما يُؤْثرُ عن بعضِ السَّلفِ في فهمِ معاني بعضِ الآياتِ على قوانين استعمالِهم» (٣). وإقلالُ أهلِ اللُّغةِ مِنْ الاستشهادِ بها هو مِنْ جِنسِ إقلالِهم النِّسبيِّ مِنْ الاستشهادِ بالحديثِ النَّبويِّ (٤)؛ ولعلَّ مِنْ سببِ ذلك أيضاً انصرافُ هِمَّتِهم إلى التَّلقّي عن الأعرابِ، وتتَبُّعِ القبائلِ والبوادي؛ لجمعِ لُغاتِ أهلِها، وحِفظِها، وتدوينِها، فانشغلوا بذلك عن استخراجِ مِثلِه مِنْ كلامِ السَّلفِ، والذّين قد دُوِّنَتْ كثيرٌ مِنْ أقوالِهم، مع ما لبعضِ أهلِ اللُّغةِ مِنْ الرَّأيِ في الأخذِ عن المُتأخّرين مِنْ العربِ؛ رعايةً للُّغةِ القديمةِ، واهتماماً بها. (٥)
стр. 426
وممّا يدلُّ على عنايةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بأقوالِ السَّلفِ في قضايا اللُّغةِ، ما سبقَ بيانُه مِنْ اهتمامِه بتمييزِ تفسيرِ السَّلفِ على اللَّفظِ، وتفسيرِهم على المعنى (١)؛ وذلك لتصحيحِ الاستدلالِ بما قالوه على جهةِ بيانِ المعنى اللَّفظيِّ في لُغةِ العربِ، وحمايةِ ما قالوه على خلافِ ذلك مِنْ الوجوهِ؛ كيلا يُساء فهمُه، أو يتسارعُ قليلُ المعرفةِ بمنزلتِهم وعلمِهم، فيُخطِئَهم فيما كانوا به أعلمَ، وله أحفظَ.
ثامناً: يعتني ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) برواياتِ الأبياتِ، ويُنبِّه إلى الاختلافِ فيها عند الاستشهادِ؛ لِما لذلك مِنْ الأثرِ على صِحَّةِ الاستدلالِ بالشّاهدِ، فقد يكونُ الشَّاهدُ في روايةٍ دون أُخرى، وقد تترجَّحُ إحداهُما على الأُخرى، ورُبَّما دخلَ بعضَ الرِّواياتِ الصُّنعُ والتَّعديلُ لمقصدٍ مِنْ المقاصدِ.
وقد علَّلَ أهلُ اللُّغةِ تعدُّدَ رواياتِ الأبياتِ بجُملةٍ مِنْ العِللِ (٢)؛ تتلخَّصُ فيما يأتي:
١ - اعتمادُ الأعرابِ والرُّواةِ على المشافهةِ في النَّقلِ، وكلٌّ يتكلَّمُ على مُقتضى سجيَّتِه التي فُطِرَ عليها، ولا ضيرَ في ذلك إذ القائلُ والنَّاقلُ حُجَّةٌ.
٢ - احتمالُ أن يكونَ الشَّاعرُ أنشدَه على كلا الوَجهَيْن، مرَّةً هكذا، ومرَّةً هكذا (٣)، وقد أرجعَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) ذلك إلى المعهودِ عن
стр. 427
العربِ مِنْ العنايةِ بالمعاني بالقَصْدِ الأوَّلِ، ثُمَّ إصلاحُ الألفاظِ بحسبِها، فقالَ بعد أن ذكرَ أمثلةً لتغييرِ الشُّعراءِ لألفاظٍ في أبياتِهم: «وقد جاءَتْ أشعارُهم على رواياتٍ مُختلفةٍ، وبألفاظٍ مُتباينةٍ، يُعلَمُ مِنْ مجموعِها أنَّهم كانوا لا يلتزِمون لفظاً واحداً على الخُصوصِ بحيث يُعدُّ مُرادِفُه أو مُقارِبُه عيباً أو ضَعفاً، إلا في مواضِعَ مخصوصةٍ لا يكونُ ما سِواه مِنْ المواضِعِ محمولاً عليها، وإنَّما معهودُها الغالبُ ما تقدَّمَ» (١).
٣ - أخذُ الشُّعراءِ بعضُهم مِنْ بعضِ، وهذا أمرٌ معروفٌ موجودٌ، وربَّما أورثَ هذا الاشتباهُ اللَّبسَ لدى الرُّواةِ، وبَّما اختلفَ به المعنى أو الإعرابُ.
والأصلُ العامُّ عند أهلِ اللُّغةِ: قبولُ كُلِّ الرِّواياتِ التي وردَت عن العربِ والرُّواةِ الثِّقاتِ. فالرِّواياتُ لا تتدافعُ، ولا تُرَدُّ روايةٌ بروايةٍ إذا ثبَتَتا عن ثِقَةٍ (٢)، قالَ أبو علي الفارسيّ (ت: ٣٧٧): «إذا اختلفت الرِّوايةُ، وكانَ أحدُ الفريقَيْن أضْبطَ، وعضدَ الضَّبطَ والثَّبَتَ القياسُ وموافقةُ الأشْباهِ = كانَ الأخذُ بما جمعَ هذين الوصفَيْن أَوْلى وأَرْجحَ» (٣).
وابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في استشهادِه بالأبياتِ على المعاني لم يُغفِلْ ما يعرضُ لبعضِها مِنْ الاختلافِ؛ بل يعتني بذكرِ رواياتِها، ويُبيِّنُ وجهَ اختلافِ المعاني باختِلافِها، وما لا يؤَثِّرُ فيه الاختلافُ، ويقدِّمُ مِنها ما
стр. 428
ترجَّحَ. ومن ذلك قولُه: «ويعني بقولِه ﴿تَمُورُ﴾ [الطور: ٩]: تدورُ وتُكْفأُ. وكانَ معمرُ بن المُثَنّى (١) يُنشِدُ بيتَ الأعشى (٢):
كأنَّ مِشيَتَها مِنْ بَيتِ جارتِها … مَوْرُ السَّحابةِ لا رَيثٌ ولا عَجَلُ
فالمَوْرُ على روايتِه: التَّكفُّؤُ والتَّرَهْيؤُ (٣) في المِشيَةِ. وأمّا غيرُه فإنَّه كانَ يرويه: مَرُّ السَّحابةِ» (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨]: «والذَّأمُ: العَيبُ .. ، وقد أنشدَ بعضُهم هذا البَيتَ (٥):
صحِبتُك إذْ عَيْني عليها غِشاوةٌ … فلمّا انجلَتْ قطَّعتُ نَفْسي أُذيمُها
وأكثرُ الرُّواةِ على إنشادِه: أَلومُها» (٦)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]: «مِنْ قولِ العربِ: عَدَنَ فُلانٌ بأرضِ كذا. إذا أقامَ بها، وخَلَدَ بها .. ، وقد أنشَدَ بعضُ الرُّواةِ بيتَ الأعشى (٧):
وإن يَستَضيفوا إلى حُكمِه … يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ
ويُنشَدُ: قد وزَنْ» (٨).
стр. 429
ومِن اختلافِ الرِّواياتِ الذي لا يؤثِّرُ في المعنى ما ذكرَه في قولِه عند قولِه تعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]: «والسَّريُّ معروفٌ في كلامِ العربِ أنَّه: النَّهرُ الصَّغيرُ. ومِنه قولُ لبيدِ بن ربيعةَ (١):
فتوَسَّطا عُرْضَ السَّريِّ وصَدَّعا … مَسْجورةً مُتجاوِراً قُلّامُها
ويُروى: فبَيَّتا مَسْجورَةً. ويُروى أيضاً: فغادَرا» (٢)، ومِثلُه في قولِه تعالى ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]: «ومِنه قولُ أعشى بني ثعلبةَ (٣):
فرعُ نبعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المَجْ … دِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ
هكذا كانَ يُنشِدُه معمرُ بن المُثَنّى (٤)، فيما حُدِّثتُ عن عليِّ بن المُغيرةِ، عنه. وأمّا الرُّواةُ بعدُ فإنَّهم يُنشِدونَه:
فرعُ فرعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المَجْ … دِ كثيرُ النَّدى عظيمُ المِحالِ» (٥).
ومِن جُملةِ عنايةِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بهذا البابِ: تصحيحُ رواياتِ الأبياتِ، ومِن ذلك قولُه فيما أنشدَه ابنُ جُريجٍ (ت: ١٥٠) في خبرٍ ذكرَه: «وقالَ في ذلك (٦):
نَفَرَتْ قَلوصي عن خيولِ مُحمدِ
وعَجْوَةٍ مَنثورَةٍ كالعُنْجُدِ (٧)
стр. 430
واتَّخذَتْ ماءَ قُدَيْدٍ (١) مَوعِدي
قالَ أبو جعفرٍ: هكذا أنشدَنا القاسمُ (٢)، وهو خطأٌ، وإنَّما هو:
قد نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَي مُحمدِ
وعَجْوَةٍ مِنْ يَثربٍ كالعُنْجُدِ
تَهوي على دينِ أبيها الأتلَدِ
قد جَعَلَتْ ماءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدي
وماءَ ضَجْنانَ (٣) لها ضُحى الغَدِ» (٤).
تاسعاً: مِنْ تمامِ الاستدلالِ بالأبياتِ على المعاني عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠): بيانُ معاني الأبياتِ، وذلك في تفسيرِه كثيرٌ، ومِنه قولُه: «والحِزبُ هُمْ: الأنصار. ويعني بقولِه ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٦]: فإنَّ أنصارَ الله. ومِنه قولُ الرَّاجزِ (٥):
وكيف أضْوَى وبِلالٌ حِزْبي
يعني بقولِه: أَضْوى: أُستَضْعفُ وأُضامُ. مِنْ الشَّيءِ الضّاوي. ويعني
стр. 431
بقولِه: وبِلالٌ حِزْبي. يعني: ناصِري» (١)، وفي معنى قولِه تعالى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢] أَوردَ ثلاثةَ أقوالٍ لأهلِ العربيَّةِ، ثُمَّ قالَ: «واحتجَّ جميعُهم ببَيْتِ الشّاعرِ (٢):
ولقد طعَنتُ أبا عُيَيْنةَ طَعنةً … جَرَمَتْ فَزارةُ بعدَها أن يَغضَبوا
فتأوَّلَ ذلك كُلُّ فريقٍ مِنهم على المعنى الذي تأوَّلَه مِنْ القرآنِ» (٣)، ثُمَّ بيَّنَ جميعَ ذلك، ومثلُه قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]: «أضافَ الإبصارَ إلى النَّهارِ، وإنَّما يُبصَرُ فيه، وليس النَّهارُ مِمّا يُبصِرُ .. ، وذلك كما قالَ جريرٌ (٤):
لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غيلانَ في السُّرى … ونُمتِ وما ليلُ المَطيِّ بنائِمِ
فأضافَ النَّومَ إلى الليلِ ووصَفَه به، ومعناه نَفسُه؛ أنَّه لم يكُنْ نائِماً فيه هو ولا بعيرُه» (٥).
وربَّما أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى موضوعِ الأبياتِ وما سيقَتْ فيه على الإجمالِ، بما يُعينُ على فهمِ معناها، كما في قولِه: «ومِنه قولُ
стр. 432
أبي ذُؤَيبٍ الهُذليِّ (١) في صفةِ فرسٍ» (٢)، وقولِه: «واستشهدوا على ذلك مِنْ قولِهم بقَولِ ذي الرُّمَّةِ في صفةِ نارٍ نَعَتَها» (٣).
ومِن المسائِلِ المُتعلِّقةِ بمعاني الشَّواهدِ في بابِ الاستدلالِ، ما قرَّرَه العلماءُ مِنْ أنَّه: لا يُلتفَتُ إلى ما في الشّاهدِ مِنْ المعاني النازلةِ وما يُستحيا مِنْ ذِكرِه، وأكثرُ ما يرِدُ ذلك في الأشْعارِ والأمْثالِ، وعلى ذلك عامَّةُ العلماءِ مِنْ أهلِ اللُّغةِ والغريبِ والتَّفسيرِ وغيرِهم؛ لأنَّ الغرضَ مِنْ إيرادِها معرفةُ وجْهِ كلامِ العربِ، وسَنَنِ كلامِها، وما أرادوه مِنْ المعاني، بغضِّ النَّظرِ عمّا سوى ذلك مِنْ قبيحِ الألفاظِ والأغراضِ، وفي ذلك يقولُ الجُرجانيّ (ت: ٤٧١): «راوي الشِّعرَ حاكٍ، وليس على الحاكي عَيبٌ، ولا عليه تَبِعةٌ، إذا هو لم يقصِدْ بحكايتِه أن ينصُرَ باطِلاً، أو يَسوءَ مُسلِماً، وقد حكى الله تعالى كلامَ الكُفّارِ. فانظُرْ إلى الغرضِ الذي رُويَ له الشِّعرُ، ومِن أجلِه أُريدَ، وله دُوِّنَ .. ، وقد استشهدَ العلماءُ لغَريبِ القرآنِ وإعرابِه بالأبياتِ فيها الفُحشُ، وفيها ذِكرُ الفعلِ القَبيحِ، ثُمَّ لم يَعِبْهم ذلك؛ إذْ كانوا لم يَقصِدوا إلى ذلك الفُحشِ ولم يُريدوه، ولم يَرْوُوا الشِّعرَ مِنْ أجلِه» (٤)، وقالَ الآلوسيّ (ت: ١٢٧٠): «وقد ذَمَّ العلماءُ جريراً والفرزدق (٥) في
стр. 433
تهاجيهِما، ولم يذُمّوا مَنْ استشهدَ بذلك على إعرابٍ وغَيرِه مِنْ عِلمِ اللسانِ» (١). وفي تركِ الاستشهادِ بمثلِ ذلك مِنْ كلامِ العربِ فَوتُ ذخيرةٍ كثيرةٍ مِنْ ألفاظِ العربِ، وأساليبِ كلامِها، وما يتبعُ ذلك مِنْ أحوالِها، قالَ العسكريّ (ت: ٣٩٥): «على أنَّ العلماءَ لو تركوا روايةَ سخيفِ الشِّعرِ لسقطَتْ عنهم فوائدُ كثيرةٌ، ومحاسِنُ جَمَّةٌ مَوْفورةٌ، في مِثلِ شعرِ الفرزدقِ، وجريرٍ، والبَعيثِ (٢)، والأخطلِ (٣)، وغيرِهم» (٤).
وهذا النَّوعُ مِنْ الشَّواهدِ قليلٌ جدّاً في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مُقارنةً بعددِ الشَّواهدِ في تفسيرِه (٥)، وهذا يدُلُّ على حُسنِ انتِقاءِه لشواهدِه، وكثرةُ الشَّواهدِ عند العالمِ في المسألةِ الواحدةِ والمعنى الواحدِ يُعينُ على اختيارِ الأكملِ مِنها معنىً.
ومع ذلك فابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) لا يتحرَّجُ مِنْ إيرادِ تلك الشَّواهدِ عند الحاجةِ، بل ربَّما كرَّرَ ذكرَ بعضِها في أكثرَ مِنْ موضِعٍ، ويرى أنَّ
стр. 434
مصلحةَ إيرادِه تعلو دائِماً على ما في معناه، ولسنا مُضطرّين -بعدَ بيانِ منهجِه- إلى التَّصريحِ بنقلِ شيءٍ ممّا أوردَ مِنْ ذلك، وحسبُنا الإشارةُ إلى مواضعَ مِنْ الأمثلةِ: فمِنها ما أوردَه شاهداً لمعنى (الإعصارِ) عند قولِه تعالى ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] (١)، وأعادَه شاهداً لمعنى (التَّبذيرِ) عند قولِه تعالى ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٢)، وكذا ما أَوردَه شاهداً لمعنى (يَخِرُّ) في قولِه تعالى ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] (٣).
عاشراً: ما وردَ في الشِّعرِ على وجهِ الضَّرورةِ لا يُقاسُ عليه، وعِلَّةُ تخصيصِ الشِّعرِ بذلك ما يخضعُ له الشَّاعرُ مِنْ أحكامِ الوَزنِ والقوافي، ولأنَّه موضِعٌ أُلِفَت فيه الضَّرائرُ، «فالشِّعرُ موضِعُ اضْطرارٍ، وموقِفُ اعتذارٍ، وكثيراً ما يُحرَّفُ فيه الكَلِمُ عن أبنيَتِه، وتُحالُ فيه المُثلُ عن أَوضاعِ صيَغِها لأجْلِه» (٤)، ولأجلِ ذلك «يُغتفرُ في الشِّعرِ ما لا يُغتفَرُ في غَيْرِه» (٥)، قالَ الخليلُ بن أحمد (٦) (ت: ١٧٠): «الشُّعراءُ أُمراءُ الكلامِ، يصرفونَه أنّى شاءوا، ويجوزُ لهم ما لا يجوزُ لغيرِهم مِنْ إطلاقِ المعنى وتقييدِه، ومِن تصريفِ اللفظِ وتعقيدِه، ومدِّ المقصورِ، وقصرِ الممْدودِ، والجمعِ بين لُغاتِه، والتَّفريقِ بين صِفاتِه، واستخراجِ ما كلَّت الألسُنُ
стр. 435
عن وَصْفِه ونَعْتِه، والأذهانُ عن فهمِه وإيضاحِه، فيُقرِّبون البعيدَ، ويُبعِّدون القريبَ، ويُحتجُّ بهم، ولا يُحتجُّ عليهم» (١).
والمُرادُ بالضَّرورةِ في بابِ الشِّعرِ: الخروجُ عن الأصولِ المُطَّردةِ مِنْ كلامِ العربِ إلى دونِها ممّا تكلَّموا به في الشِّعرِ خاصَّةً (٢). وذلك شبيهُ المعنى ب (الشُّذوذِ) في بابِ النَّثرِ؛ إذْ كِلاهُما خروجٌ عمّا اطَّردَ مِنْ كلامِ العربِ لعِلَّةٍ مِنْ سماعٍ أو قياسٍ.
وحُكمُهما واحدٌ، وهو: الاعتصامُ بالأصولِ، وحفظُ ما خالَفَها، مع عدمِ القياسِ عليها. وذلك ما اتَّفقتْ عليه كلمةُ أهلِ اللُّغةِ؛ ومِن مقولاتِهم في ذلك: «اعلمْ أنَّه يجوزُ في الشِّعرِ ما لا يجوزُ في الكلامِ» (٣)، و «ما جاءَ لضرورةِ الشِّعرِ لا يورِدُ نقضاً» (٤)، و «الضَّرورةُ ليست موضِعَ احتجاجٍ» (٥).
ومِن ثَمَّ فإنَّ النُّحاةَ لم يُقيموا أيَّةَ قاعدةٍ أصليَّةٍ على ضرورةٍ شِعريَّةٍ، مهما كانَت الثِّقةُ كبيرةً بفصاحةِ الشَّاعرِ؛ «لأنَّ الشَّاعرَ قد يضطرُّ فيقولُ
стр. 436
فيه ما لا يقولُه في كلامِه» (١)، إلا إن عضدَه مِنْ النَّثرِ ما يرفعُه عن مقامِ الاضطرارِ (٢).
ويُتنبَّه هنا إلى أنَّه ليس مِنْ الضَّرورةِ الكلامُ بما لا يجوزُ في العربيَّةِ بوَجه؛ لأنَّ الضَّرورةَ -كما سبقَ- خروجٌ عن أصلٍ مُطَّردٍ معمولٍ به، إلى أصلٍ آخرَ دونَه، فليس في ذلك خروجٌ عن نِظامِ العربيَّةِ بحالٍ، قالَ ابنُ فارس (ت: ٣٩٥): «الشُّعراءُ أُمراءُ الكلامِ؛ يقصرون الممدودَ، ويمدّون المَقصورَ، ويُقدِّمون ويؤخِّرون، ويومِئون ويُشيرون، ويختلسون، ويُعيرون ويَستَعيرون. فأمّا لحنٌ في إعرابٍ، أو إزالةٌ عن نهجِ صوابٍ، فليس لهم ذلك، ولا معنى لقولِ مَنْ يقولُ: إنَّ للشَّاعرِ أن يأتيَ في شِعرِه بما لا يجوزُ .. ، وما جعلَ الله الشُّعراءَ معصومين يُوَقَّوْن الخَطأَ والغَلطَ، فما صحَّ مِنْ شِعرِهم فمَقبولٌ، وما أَبَته العربيَّةُ وأصولُها فمَردودٌ» (٣)، كما أنَّ الضَّروراتِ سماعيَّةٌ موقوفةٌ على النَّقلِ، فلا يصحُّ للمولَّدين فمَن بعدَهم أن يبتدِعوا ضرورةً لم يرِدْ بها سماعٌ، وإن جازَ لهم مِنها ما جازَ لمَن قبلَهم (٤)، قالَ الآلوسيّ (ت: ١٢٧٠): «ليس لأحدٍ مِنْ المولَّدين أن يسلُك غيرَ مسلكٍ سلكوه، ولا أن يبتدعَ أُسلوباً غيرَ أُسلوبٍ عرفوه، فلا مساغَ لأحدٍ أن يضطرَّ إلى غيرِ ما اضطرّوا إليه، أو يُخالفَهم في أصلٍ مضَوا عليه» (٥).
стр. 437
ولم يخرجْ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في استشهادِه بالشِّعرِ عن تلك الضَّوابطِ، فقد أشارَ إلى ضيقِ الشِّعرِ، وما يُفارقُ فيه الكلامَ مِنْ الاضطرارِ، وأنَّ ذلك لا يُخرجُه عن حَدِّ كلامِ العربِ، لكنَّه بذلك دون مرتبةِ الاحتجاجِ، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحِجر: ٢٠]: «وقد قيلَ إنَّ ﴿وَمَنْ﴾ في موضِعِ خَفضٍ عَطفاً به على الكافِ والميمِ في قولِه ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾ [الحِجر: ٢٠]، بمعنى: وجعَلْنا لكم فيها معايشَ ولمَن لستُم له برازِقين. وأحسبُ أنَّ منصوراً (١) في قولِه: هو الوحشُ. قصدَ هذا المعنى، وإيّاه أرادَ. وذلك وإنْ كانَ له وجهٌ في كلامِ العربِ، فبَعيدٌ، قليلٌ؛ لأنَّها لا تكادُ تُظاهرُ على معنىً في حالِ الخفْضِ، ورُبَّما جاءَ في شعرِ بعضِهم في حالِ الضَّرورةِ، كما قالَ بعضُهم (٢):
هلّا سألتَ بذي الجماجمِ عنهمُ … وأبي نُعَيْمٍ ذي اللِّواءِ المُحْرَقِ
فرَدَّ (أبا نُعَيْمٍ) على الهاءِ والميمِ في (عنهم)، وقد بيَّنتُ قُبحَ ذلك في كلامِهم» (٣)، وقولُه: «فعطفَ بظاهرٍ على مَكنيٍّ مخفوضٍ، وذلك غيرُ فصيحٍ مِنْ الكلامِ عند العربِ؛ لأنَّها لا تَنْسُقُ بظاهرٍ على مَكنيٍّ في الخَفضِ إلّا في ضرورةِ شِعرٍ، وذلك لضيقِ الشِّعرِ، وأمّا الكلامُ فلا شيءَ يضْطرُّ المُتكلِّمَ إلى اختيارِ المَكروهِ مِنْ المَنطقِ، والرَّديءِ في
стр. 438
الإعرابِ مِنه، وممّا جاءَ في الشِّعرِ مِنْ رَدِّ ظاهرٍ على مَكنيٍّ في حالِ الخَفضِ قَولُ الشَّاعرِ (١):
نُعلِّقُ في مثلِ السَّواري سُيوفَنا … وما بينها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفانِفُ (٢)
فعطفَ ب (الكَعبِ) وهو ظاهرٌ، على الهاءِ والألفِ في قولِه: (بينهما) وهي مَكنيَّةٌ» (٣).
إحدى عشر: ينقسِمُ دليلُ اللُّغةِ باعتبارِ القوَّةِ إلى خَمسِ مراتبَ، جاءَ ذكرُها ظاهراً في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وهي على التَّرتيبِ:
١ - ما أجمعَتْ عليه العربُ، وقد حكى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إجماعَ العربِ في (١٣) موضِعاً؛ مِنها قولُه: «أجمعَتْ الحُجَّةُ مِنْ أهلِ التَّأويلِ جميعاً على أنَّ الصِّراطَ المُستقيمَ هو: الطَّريقُ الواضحُ الذي لا اعوِجاجَ فيه. وكذلك ذلك في لُغةِ جميعِ العربِ» (٤)، وقولُه: «وفي إجماعِ جميعِهم على صِحَّةِ قولِ القائلِ: لا تقُمْ. وفسادِ قولِ القائلِ: سرَّني تقومُ. بمعنى: سرَّني قيامُك. = الدَّليلُ الواضحُ على فسادِ دعوى المُدَّعي أنَّ مع ﴿لَا﴾ التي في قولِه ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ضميرَ (أنْ)، وصِحَّةِ القولِ الآخرِ» (٥).
كما حكى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إجماعَ أهلِ اللُّغةِ في (٦) مواضِعَ مِنْ
стр. 439
تفسيرِه (١)؛ مِنها وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في اللؤلؤِ أنَّه: هو الذي قد عرَفَه النَّاسُ ممّا يخرجُ مِنْ أصدافِ البحرِ مِنْ الحَبِّ. وأمّا المَرْجانُ فإنّي رأيتُ أهلَ المعرفةِ بلسانِ العربِ لا يُدافعون أنَّه جمعُ مَرْجانةٍ، وأنَّه الصِّغارُ مِنْ اللؤلؤ» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] بعد أن بيَّنَ أنَّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٦٣] في موضِعِ رفعٍ: «وإنَّما كانَ كذلك وإن كانَ مِنْ نَعتِ الأولياءِ؛ لمَجيئِه بعد خبرِ الأولياءِ، والعربُ كذلك تفعلُ .. ، وقد اختلفَ أهلُ العربيَّةِ في العلَّةِ التي مِنْ أجلِها قيلَ ذلك كذلك، مع أنَّ إجماعَ جميعِهم على أنَّ ما قُلنا هو الصَّحيحُ مِنْ كلامِ العربِ» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]: «ولا اختِلافَ أيضاً بين أهلِ العربيَّةِ في أنَّ معنى قولِه ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢]-وإنْ كانَ مؤَخَّراً- التَّقديمُ إلى جَنْبِ ﴿الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]» (٤).
وقد صرَّحَ أهلُ اللُّغةِ بحُجِّيَّةِ إجماعِ العربِ، وعدَّه ابنُ جنّي (ت: ٣٩٢) مِنْ أدلَّةِ النَّحوِ مع السَّماعِ والقياسِ (٥)، وأشارَ
стр. 440
السّيوطيُّ (ت: ٩١١) إلى صعوبةِ الوقوفِ عليه؛ فقالَ: «وإجماعُ العربِ أيضاً حُجَّةٌ، ولكنْ أنّى لنا بالوقوفِ عليه. ومِن صُوَرِه: أن يتكلَّمَ العربيُّ بشيءٍ، ويبلُغَهم، ويسكتون عليه» (١).
٢ - الأغلبُ والأكثرُ والمشهورُ والمُستفيضُ والأفصحُ من كلامِ العربِ، وقد كرَّرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الاستدلالَ بهذا النَّوعِ في (٢٢٥) موضِعاً؛ مِنها قولُه عن بعضِ الأقوالِ: «وهذا القولُ وإن كانَ مَذْهباً مِنْ المذاهبِ، فليس بالأشهرِ الأفصحِ في كلامِ العربِ، والذي هو أَولى بكتابِ الله أن يُوجَّهَ إليه مِنْ اللُّغاتِ الأفصحُ الأعرفُ مِنْ كلامِ العربِ، دون الأنْكرِ الأجْهلِ مِنْ مَنطِقها» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]: «وأمّا ما قالَ مجاهدُ مِنْ أنَّ يومَ الحجِّ إنَّما هو أيّامُه كُلُّها، فإنَّ ذلك وإن كانَ جائِزاً في كلامِ العربِ، فليس بالأشْهرِ الأعرفِ مِنْ كلامِ العربِ مِنْ معانيه، بل أغلَبُ على معنى اليومِ عندهم أنَّه: مِنْ غروبِ الشَّمسِ إلى مِثلِه مِنْ الغَدِ. وإنَّما مَحمَلُ تأويلِ كتابِ الله على الأشهرِ الأعرفِ مِنْ كلامِ مَنْ نزلَ الكتابُ بلسانِه» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]: «وإنَّما قُلنا ذلك أَولى بالصَّوابِ -وهو قولُ الحسنِ البَصري الذي روَيْناه عنه (٤) - لأنَّ النَّفْرَ قد بيَّنّا فيما
стр. 441
مضى أنَّه إذا كانَ مُطلقاً بغيرِ صِلَةٍ بشيءٍ، أنَّ الأغلبَ مِنْ استعمالِ العربِ إيّاه في الجِهادِ والغَزْوِ؛ فإذْ كانَ ذلك هو الأغلبَ مِنْ المعاني فيه، وكانَ جلَّ ثناؤُه قالَ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، عُلِمَ أنَّ قولَه ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ [التوبة: ١٢٢] إنَّما هو شرطٌ للنَّفْرِ لا لغَيرِه،؛ إذْ كانَ يليه دون غيرِه مِنْ الكلامِ» (١).
وقد نصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على أنَّ لتقديمِ الأشهرِ الأغلبِ مِنْ أدلَّةِ اللُّغةِ عِلَلٌ تقتضيهِ، وذلك في قولِه: «إنَّ التَّأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ مِنْ استعمالِ المُخاطَبين بالتَّنزيلِ، ما لم يأتِ دليلٌ يجِبُ مِنْ أجلِه صرْفُه إلى غيرِ ذلك؛ لعلَلٍ قد بيَّنّاها في غيرِ موضِعٍ» (٢)، وقد ظهرَ لي مِنْ تلك العِلَلِ ثلاثٌ:
أوَّلُها: وهو أظهرُ تلك العِلَلِ؛ ما ذكرَه في قولِه: «كتابُ الله تعالى نزلَ بأفصحِ لُغاتِ العربِ، وغيرُ جائزٍ توجيهُ شيءٍ مِنه إلى الشَّاذِّ مِنْ لُغاتِها وله في الأفصحِ الأشهرِ معنىً مفهومٌ، ووَجهٌ معروفٌ» (٣).
ثانيها: أنَّ الإفهامَ إنَّما يكونُ بما يفهمُه عامَّةُ العربِ؛ وهو الأشهرُ الأعرفُ الأفصحُ مِنْ كلامِها، وذلك ما نصَّ عليه بقولِه -بعد أن قرَّرَ وجوبَ الأخْذِ بالأشهرِ الأغلبِ-: «ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه إنَّما خاطبَهم بما خاطبَهم به؛ لإفهامِهم معنى ما خاطبَهم به» (٤).
стр. 442
ثالثُها: أنَّ فيه السَّلامةُ مِنْ التَّأويلِ والتَّقديرِ الذي يلحقُ غيرَ الأشهرِ الأفصحِ في غالبِ الأمرِ، وهو ما أشارَ إليه بقولِه: «وإنَّما قُلتُ ذلك أَولى التَّأويلَيْن بالكلامِ؛ لأنَّ ذلك أظْهرُ معنيَيْه، وأنَّه لا حاجةَ بنا -إذا وجَّهْنا تأويلَ الكلامِ إلى ذلك- إلى تحويلِ معنى اللامِ التي في قولِه ﴿وَهُمْ لَهَا﴾ [المؤمنون: ٦١] إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها» (١).
٣ - عادةُ العربِ في كلامِها، وربَّما سمَّاها: اللُّغةَ الجيِّدةَ، والقياسَ الصَّحيحَ. ومُرادُه بها: المعتادُ مِنْ كلامِ العربِ؛ ممّا ثبتَ به السَّمعُ، وقَبِلَه القياسُ. وهو أكثرُ ما استدلَّ به ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ مراتبِ دليلِ اللُّغةِ؛ حيثُ بلغت مواضِعُ استدلالِه به (٧٣٠) موضِعاً؛ مِنها قولُه في معنى قولِه تعالى ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ القولُ الذي ذكَرنا عن قتادةَ؛ مِنْ أنَّ معناه: ألَمْ تَرَ، ألَمْ تعلَمْ. للشّاهدِ الذي ذكَرنا فيه مِنْ قولِ الشَّعرِ، والرِّوايةِ عن العربِ» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]: «وأَولى القَولَيْن في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مجاهدٍ (٣)؛ لأنَّ العربَ تُسَمّي كُلَّ صانِعٍ خالِقاً» (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ: معنى ذلك إلا بحُجَّةٍ وبيِّنةٍ. لأنَّ ذلك هو معنى السُّلطانِ في كلامِ العربِ» (٥).
стр. 443
ويلاحظُ هنا أنَّ كلا المَرْتبتَيْن الثانيةِ والثالثةِ متداخلَتان، فكلاهُما فصيحٌ، جارٍ على ما اطَّردَ مِنْ كلامِ العربِ، غيرَ أنَّ الثانيةَ غلبَتْ في الاستعمالِ، واشتَهرَتْ على الألسُنِ، فتقدَّمَتْ على الثَّالثةِ لبعضِ العِلَلِ السّابقِ ذكرَها، وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ذلك بقولِه: «وإنَّما قُلنا: هذا القولُ أَولى بتأويلِ ذلك؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، المُستَفيضُ فيهم، وما خالَفَه مِنْ القَولِ -وإن كانَ له وجْهٌ- فغَيرُ مُستَعمَلٍ فيما وجَّهَه إليه مَنْ وجَّهَه إليه» (١)؛ فأفادَ أنَّ المعنى المَرجوحَ صحيحٌ لُغةً، وقليلُ الاستعمالِ.
والمراتبُ الثَّلاثُ السّابقةُ كُلُّها موضِعُ احتجاجٍ صحيحٍ، وعليها تُبنى أصولُ العربيَّةِ، وشَذَّ بعضُ المُتأخِّرين (٢) فاشترطَ النَّقلَ المُستفيضَ، وشواهِدَ الشِّعرِ المُتناصرةَ، عند الاحتجاجِ باللُّغةِ لِما يوجِبُ العلمَ مِنْ نُصوصِ الشَّرعِ، وأجازَ فيما دون ذلك العملَ بخبرِ الواحدِ والاثنين، والاستشهادَ بالبيتِ والبيتَيْن. ولا معنى لهذا التَّفريقِ الحادثِ؛ لأنَّ بابَ الاحتجاجِ مبنيٌّ على تصحيحِ اللَّفظِ على مُقتضى قواعدِ العربيَّةِ وأَوضاعِها، ولا صِلةَ لذلك بما تُستخدَمُ فيه الألفاظُ مِنْ المعاني، فإذا ثبتَ استعمالُ العربِ للَفْظةٍ في معنىً فهو عربيٌّ صحيحٌ، أيّاً كانَ ذلك المعنى. ولا دلالةَ مِنْ شرعٍ أو عقلٍ تشهدُ لشروطِ هذه القِسمةِ بالصَّوابِ، كما لم يَلتفِتْ إليها أهلُ العربيَّةِ في أصولِهم، ولا يَخفى أنَّها
стр. 444
مِمّا تسرَّبَ مِنْ أثرِ بعضِ العلومِ، مع قيامِ الدَّليلِ على بُطلانِها فيها كذلك. (١)
٤ - القليلُ والشّاذُّ والضَّرورةُ والنّادرُ غيرُ الفاشي، وهذا النَّوعُ يقَبلُه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ضمنَ حيِّزِ اللُّغةِ، ويقصُرُ الاحتجاجَ به في الواردِ فيه بعَيْنِه، ولا يَقيسُ عليه غيرَه، ولا يَبني قاعِدةً على شيءٍ مِنه بحالٍ. وممّا أَوردَه مِنْ ذلك قولُه معلِّلاً تأخيرَ بعضِ وجوهِ القراءةِ: «وهذه القراءةُ أَولى القراءَتَيْن عندي بالصَّوابِ؛ لأنَّ يَهْدي بمعنى: يَهْتَدي. قليلٌ في كلامِ العربِ غيرُ مُستَفيضٍ» (٢)، وقولُه: «وأَولى القَولَيْن عندَنا بالصَّوابِ في ذلك قَولُ مَنْ قالَ بقَولِ السُّدّي .. ؛ لعِلَّتَيْن، إحداهما: أنَّ (إذْ) إنَّما تُصاحبُ -في الأغلبِ مِنْ كلامِ العربِ المُستعْمَلِ بينَها- الماضي مِنْ الفِعلِ، وإن كانَت قد تُدخِلُها في موضِعِ الخبرِ عمّا يحدُثُ إذا عرَفَ السّامعون معناها، وذلك غيرُ فاشٍ، ولا فصيحٌ في كلامِهم» (٣)، وقولُه في ردِّ بعضِ المعاني: «وذلك في مذاهبِ العربيَّةِ ضعيفٌ، ومِن كلامِ العربِ بعيدٌ» (٤).
وقد اتَّفقَتْ كلمةُ أهلِ اللُّغةِ على ما سارَ عليه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا النَّوعِ مِنْ الكلامِ، ومِن قولِهم في ذلك: «الضَّرورةُ والنَّادرُ ممّا لا
стр. 445
حُكمَ لهما، ولا يُعتَرَضُ على الكثرَةِ بهما» (١)، و «الشَّاذُّ القليلُ لا يُعتَدُّ به، ولا يُبنى عليه» (٢)، و «الشُّذوذُ حُكمُه أن يُقصرَ على ما جاءَ فيه، ولا يُتَعدّى به إلى غَيرِه» (٣).
٥ - الفاسدُ والمُنكرُ واللَّحنُ والغَلَطُ وما لا يُعرَفُ وغيرُ الجائِزِ، وما كانَ كذلك فليس مِنْ كلامِ العربِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ولا يَحتجُّ به في معنىً فضلاً عن أصْلٍ. ومِن كلامِه فيه قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]: «وقد وجَّه بعضُ مَنْ ضَعُفَتْ معرِفتُه بكلامِ العربِ معنى ذلك إلى أنَّه مِنْ المؤَخَّرِ الذي معناه التَّقديمُ، وزعمَ أنَّ معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثُمَّ قُلنا للملائِكةِ اسْجُدوا لآدمَ، ثُمَّ صوَّرْناكم. وذلك غيرُ جائِزٍ في كلامِ العربِ؛ لأنَّها لا تُدخلُ ثُمَّ في الكلامِ وهي مُرادٌ بها التَّقديمُ على ما قَبلَها مِنْ الخبرِ» (٤)، وقولُه: «ولَسْنا نعرِفُ في كلامِ العربِ (مِنْ) بمعنى الكافِ؛ لأنَّ (مِنْ) تَدخلُ في كلامِهم بمعنى التَّبعيضِ، والكافُ بمعنى التَّشْبيهِ، وإنَّما يُوضَعُ الحرفُ مكانَ آخرَ غيرِه إذا تقاربَ معنياهما، فأمّا إذا اختلفَتْ معانيهما فغَيْرُ مَوجودٍ في كلامِهم وَضعُ أحدِهما عقيبَ الآخرِ، وكتابُ الله تعالى ذِكرُه وتَنْزيلُه أَحرى الكلامِ أن يُجَنَّبَ ما خرجَ عن المفهومِ، والغايةِ في الفصاحةِ مِنْ كلامِ مَنْ نزلَ بلِسانِه» (٥)، وقولُه:
стр. 446
«غيرُ موجودٍ في شيءٍ مِنْ كلامِ العربِ أن يُقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأَيْتُه. وإنَّما يجوزُ توجيهُ معاني ما في كتابِ الله الذي أنْزلَه على محمدٍ ﷺ مِنْ الكلامِ إلى ما كانَ موجوداً مثلَه في كلامِ العربِ، دون ما لم يكُنْ موجوداً في كلامِها» (١).
والقاعدةُ العامَّةُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذه المراتبِ الخَمسِ: أنَّ كلَّ مرتبةٍ مقدَّمةٌ على ما بعدَها، ما لم يأتِ الدَّليلُ بإرادةِ التّاليةِ دونَها. وقد نصَّ على ذلك في كثيرٍ مِنْ المواضعِ؛ مِنها قَولُه: «غيرَ أنَّ الكلامَ إذا تُنوزِعَ في تأويلِه، فحَمْلُه على الأَغلبِ الأَشهرِ مِنْ معناه أحَقُّ وأَولى مِنْ غَيرِه، ما لم تأتِ حُجَّةٌ مانعةٌ مِنْ ذلك يَجبُ التَّسليمُ لها» (٢)، وقولُه: «توجيهُ معاني كلامِ الله إلى الأشهرِ أَولى، ما لم تَثبُتْ حُجَّةٌ بخلافِه يَجبُ التَّسليمُ لها» (٣)، ووَصفَ الانتقالَ مِنْ الأعلى إلى الأدنى في ذلك ب (الاضْطرارِ)، فقالَ في قولِه تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]: «ولم يضْطَرَّنا شيءٌ إلى أن نجعلَ عاصماً في معنى معصومٍ، ولا أن نجعلَ (إلا) بمعنى (لكن)، إذْ كُنّا نجِدُ لذلك في معناه الذي هو معناه في المَشهورِ مِنْ كلامِ العربِ = مَخْرجاً صَحيحاً» (٤).
كما بيَّنَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) نوعَ الحُجَّةِ التي يُصرَفُ بها الكلامُ على ذلك الوَجْهِ، فقالَ: «الواجِبُ أن تُوَجَّه معاني كلامِ الله إلى الأغلبِ
стр. 447
الأشهرِ مِنْ وُجوهِها المَعروفةِ عند العربِ، ما لم يكُنْ بخلافِ ذلك ما يَجبُ التَّسليمُ له مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ أو عَقلٍ» (١)، وزادَ ذلك تَفصيلاً في موضِعٍ آخرَ فقالَ: «حُجَّةٌ يجِبُ التَّسليمُ لها؛ مِنْ كتابِ الله ، أو خبرٍ عن الرَّسولِ ﷺ ، أو إجماعٍ مِنْ أهلِ التَّأويلِ» (٢).
стр. 448
المبحثُ السّابعُ: منهجُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني.
وفيه أربعةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني.
الأحوالُ لُغةً: جمعُ حالٍ، وأصْلُه (حَوَلَ)، «والحاءُ والواوُ واللامُ أصلٌ واحِدٌ، وهو تحرُّكٌ في دَوْرٍ» (١)، والحالُ الوَقتُ، وحالُ الإنسانِ هيئَتُه، وما يكونُ عليه مِنْ خيرٍ وشرٍّ. (٢)
والنُّزولُ لُغةً: مصدرُ (نَزَلَ)، و «النُّونُ والزّاءُ واللّامُ كلمةٌ صحيحةٌ تدُلُّ على هُبوطِ الشَّيءِ ووُقوعِه» (٣).
والمُرادُ ب (أحوالِ النُّزولِ): ما يحتَفُّ بنزولِ القرآنِ الكريمِ مِنْ
стр. 449
هَيئاتٍ وأَوقاتٍ يُتوصَّلُ بها إلى معرفةِ معانيه (١). ويشملُ ذلك أنواعاً مِنْ الأحوالِ؛ وهي:
١ - زمنُ النُّزولِ ومكانُه؛ ويشمَلُهما مُصطلحُ: المكِّيّ والمدَنيّ؛ سواءٌ أُريدَ به المكانُ: مكةُ والمدينةُ. أو أُريدَ به الزَّمانُ: ما قبلَ الهِجرةِ فمَكِّيٌّ، وما بعدَها فمَدنيٌّ (٢)، وهو المَشهورُ مِنْ هذا الاصطلاحِ (٣).
٢ - سببُ النُّزولِ؛ وهو: ما نزلَ قرآنٌ بشأْنِه وقتَ وقوعِه (٤). ويشملُ ذلك كُلَّ قَولٍ أو فعلٍ وقعَ مِمَّنْ عاصروا التَّنزيلَ وتعلَّقَ به النُّزولُ؛ كسُؤالٍ، أو دعاءٍ، أو حادثةٍ، أو خبرٍ، ونحوِها، كما يشملُ قولَ رسولِ الله ﷺ وفِعلَه، وما كانَ مِنْ الصّحابةِ ﵃، أو المنافقين، أو اليهودِ، أو المشركين. (٥)
٣ - قصَصُ الآيِ؛ وتشملُ نَوعينِ مِنْ القَصَصِ:
أ - أحوالُ وأخبارُ مَنْ نزلَ عليهم القرآنُ مِنْ العربِ.
ب - أحوالُ وأخبارُ مَنْ سِواهُم مِنْ الأُمَمِ. وتشتملُ ثلاثةَ أصنافٍ مِنْ الأخبارِ:
١ - أخبارَ الأنبياءِ وأقوامِهم مِنْ غيرِ بني إسرائيلَ؛ كنبيِّ الله هودٍ،
стр. 450
وصالحٍ، وشُعَيْبٍ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَحوِهم مِنْ الأُمَمِ مِنْ غيرِ بني إسرائيلَ.
٢ - أخبارَ الأنبياءِ الواردِ ذِكرُهم في كُتبِ بني إسرائيلَ مِنْ غيرِ أنبيائِهم؛ كآدمَ، ونوحاً، وإبراهيمَ، ولوطاً، ونحوِهم مِنْ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جرى مِنْ أقوامِهم.
٣ - أخبارَ أنبياءِ بني إسرائيلَ وأقوامِهم؛ كموسى، وداودَ، وسليمانَ، وزكريّا، ويحيى، وعيسى، ونحوِهم مِنْ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وأعَمُّ أحوالِ النُّزولِ الثَّلاثةِ: قصَصُ الآيِ؛ لاشتِمالِها لما قبل نزولِ القرآنِ الكريمِ وبعده (١)، ثُمَّ أخَصُّ منها سببُ النُّزولِ؛ لأنَّه مقصورٌ على وقتِ نزولِ القرآنِ الكريمِ، ورُبَّما تأخَّرَ قليلاً (٢)، ولكنْ لا يصِحُّ أن يكونَ النُّزولُ قبلَ سبَبِه، ثُمَّ أخَصُّ منهما زمنُ النُّزولِ ومكانُه؛ فإنَّه لا يكونُ إلا مُطابِقاً لوَقتِ النُّزولِ.
وحين تكونُ أحوالُ النُّزولِ مِنْ قبيلِ الحديثِ النَّبويِّ، أو أقوالِ
стр. 451
السَّلفِ، فينبغي التَّنبُّه إلى منهجِ الاستدلالِ بتلك الأدلَّةِ على ما سبقَ بيانُه، مُضافاً إليها ضوابطُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ فيما يأتي بإذنِ الله.
ويُلاحَظُ في أحوالِ النُّزولِ ارتباطُها الوَثيقُ بعلمِ التّاريخِ والسِّيَرِ، وذلك لِما فيها مِنْ أحداثِ وأخبارِ وأسماءِ مَنْ نزلَ فيهم القرآنُ، وقد أشارَ إلى ذلك السّيوطيّ (ت: ٩١١) بقولِه عن علمِ (أسبابِ النُّزولِ): «زعمَ زاعِمٌ أنَّه لا طائِلَ تحتَ هذا الفَنِّ لجَرَيانِه مجرى التّاريخِ، وأخطأَ في ذلك، بل له فوائِدٌ» (١).
كما يُلاحَظُ اشتِمالُ قصَصِ الآيِ على أخبارِ وأحوالِ الأُمَمِ السّابقةِ، وأشْهرُ مَنْ نُقلَ عنهم ذلك: بنو إسرائيلَ. وقد أَفرَدتُ الحديثَ عن الاستدلالِ بأخبارِ بني إسرائيلَ على المعاني في مبحثٍ تالٍ مُستقلٍّ؛ لكثرةِ أدلَّتِه، واختصاصِه بكثيرٍ مِنْ المسائلِ.
والمُرادُ بالاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني هو:
إقامَةُ أحوالِ النُّزولِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها.
أو: الإبانَةُ بدليلِ أحوالِ النُّزولِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها.
وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جرير (ت: ٣١٠) بأحوالِ النُّزولِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعين:
النَّوعُ الأوَّلُ: استدلالُه بأحوالِ النُّزولِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه: «وهذا القولُ الذي قالَه مُجاهدٌ أَولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصِحَّةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ هذه الآيةَ نَزَلَت على
стр. 452
رسولِ الله ﷺ في قِصَّةِ المَجاعَةِ التي أصابَتْ قُريشاً بدُعاءِ رسولِ الله ﷺ عليهم، وأمْرِ ثُمامةَ بن أُثالٍ، وذلك لا شكَّ أنَّه كانَ بعد وَقْعَةِ بدرٍ» (١)، وقولُه: «وأَولى القَولَيْن في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ: الذي تولّى كِبْرَه مِنْ عُصبَةِ الإفْكِ كانَ عبدَ الله بن أُبَيٍّ. وذلك أنَّه لا خِلافَ بين أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ أنَّ الذي بدَأ بذِكرِ الإفْكِ، وكانَ يَجمَعُ أهلَه ويُحدِّثُهم: عبدُ الله بن أُبَيّ ابن سلول، وفِعلُه ذلك على ما وصَفْتُ كانَ توَلّيه كِبْرَ ذلك الأمرَ» (٢)، وكذا قولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]: «وإنَّما اختَرْنا ما قُلنا في ذلك مِنْ التأويلِ؛ لتواتُرِ الأخْبارِ وتظاهُرِها بأنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ قبلَ تحريمِ الخَمرِ والمَيْسرِ، فكانَ معلوماً بذلك أنَّ الإثمَ الذي ذكَرَه الله في هذه الآيةِ فأضافَه إليهما إنَّما عنى به الإثمَ الذي يحدُثُ عن أسبابِهما على ما وصَفْنا، لا الإثمَ بعد التَّحريمَ» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ مُبيّناً سببَ الاقتصارِ على ذِكرِ الحَرِّ دون البَرْدِ: «وأَولى القَولَيْن في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَنْ قالَ: إنَّ القَومَ خُوطِبوا على قَدرِ معرفتِهم .. ، وذلك أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه إنَّما عَدَّدَ نِعَمَه التي أنعمَها على الذين قُصِدوا بالذِّكرِ في هذه السّورةِ دون غَيرِهم، فذكرَ أياديَه عندهم» (٤).
стр. 453
النَّوعُ الثّاني: استدلالُه بأحوالِ النُّزولِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومن أمثلَتِه قولُه عن قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]: «ليس المَقصودُ مِنْ الرِّبا في هذه الآيةِ النَّهيَ عن أكلِه خاصَّةً، دون النَّهيِ عن العملِ به، وإنَّما خصَّ اللهُ وصفَ العاملين به في هذه الآيةِ بالأكلِ؛ لأنَّ الذين نزلَتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزلَتْ كانَتْ طُعمَتُهم ومَأكَلُهم مِنْ الرِّبا، فذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّماً بذلك عليهم أمرَ الرِّبا، ومُقبِّحاً إليهم الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم» (١)، وذكرَ قولَ ابنِ زيدٍ (ت: ١٨٢): «كانَت العربُ في الجاهليَّةِ يتبادَلون بأزواجِهم، يُعطي هذا امرأتَه هذا، ويأخُذُ امرأتَه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]: لا بأسَ أن تُبادلَ بجاريَتِك ما شِئتَ أن تُبادلَ، فأمّا الحرائرُ فلا. قالَ: وكانَ ذلك مِنْ أعمالِهم في الجاهليَّةِ» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وأمّا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في ذلك أيضاً فقَولٌ لا معنى له؛ لأنَّه لو كانَ بمعنى المُبادلةِ لكانت القراءةُ والتَّنزيلُ: ولا أن تُبادلَ بهنَّ مِنْ أزواجٍ. أو: ولا أن تُبدِّلَ بهنَّ .. ، مع أنَّ الذي ذكرَ ابنُ زيدٍ مِنْ فِعلِ الجاهليَّةِ غيرُ معروفٍ في أُمَّةٍ نعلمُه مِنْ الأُمَمِ، فيُقالَ: كانَ ذلك مِنْ فِعلِهم، فنُهيَ رسولُ الله ﷺ عن فِعلِ مِثلِه» (٣).
وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بأحوالِ النُّزولِ على المعاني
стр. 454
(٣٦٠) موضِعاً، ونِسبةُ الاستدلالِ بدليلِ أحوالِ النُّزولِ مِنْ مجموع الأدلَّةِ (٣. ٣%). وقد جاءَ استدلالُه بأحوالِ النُّزولِ على ثلاثةِ أنحاءٍ:
١ - استدلالُه بزمنِ النُّزولِ ومكانِه، وذلك في (١٦) موضِعاً، ونِسبةُ ذلك مِنْ أدلَّةِ أحوالِ النُّزولِ (٤. ٤%).
٢ - استدلالُه بسببِ النُّزولِ، وذلك في (٢٨٦) موضِعاً، ونِسبةُ ذلك مِنْ أدلَّةِ أحوالِ النُّزولِ (٧٩. ٥%).
٣ - استدلالُه بقَصَصِ الآيِ مِنْ أخبارِ العربِ، وذلك في (٥٨) موضِعاً، ونِسبةُ ذلك مِنْ أدلَّةِ أحوالِ النُّزولِ (١٦. ١%).
وليس لذكرِ دليلِ أحوالِ النُّزولِ ترتيبٌ معيَّنٌ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، بل يوردُه حيثُما احتاجَ إليه في مواضعِ الاستدلالِ، إلا أنَّه كثيراً ما يُدرجُه ضِمنَ أقوالِ السَّلفِ؛ فيقولُ: «وبنَحوِ الذي قُلْنا في ذلك قالَ أهلُ التَّأويلِ» (١)، ثُمَّ يذكرُ سببَ النُّزولِ أو زمنَه أو قِصَّتَه مِنْ روايةِ بعضِ السَّلفِ؛ وعلَّةُ ذلك أنَّ أحوالَ النُّزولِ لا تُعرَفُ بغَيْرِ النَّقلِ، كما سيأْتي بيانُه بإذنِ الله، وناقِلوها هُمْ السَّلفُ قَطعاً، وإنَّما يُميَّزُ مِنْ كلامِهم في ذلك ما كانَ مرفوعاً إلى النَّبيِّ ﷺ .
المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني.
يُمكنُ إجمالُ الأدلَّةِ على صِحَّةِ الاحتجاجِ بأحوالِ النُّزولِ على معاني كلامِ الله تعالى فيما يأتي:
стр. 455
أوَّلاً: أنَّ الله تعالى وصفَ كتابَه في مواضِعَ كثيرةٍ بأنَّه عربيٌّ، فقالَ تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقالَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزُّمَر: ٢٨]، وقالَ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فُصِّلَت: ٣]، وذلك يدُلُّ على نُزولِه بلسانِ العربِ، كما جاءَ النَّصُّ عليه في مثلِ قولِه تعالى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقولِه ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢]، كما يدُلُّ على نُزولِه على معهودِ العربِ، ومجاري أحوالِهم وعاداتِهم وعلومِهم، وهو ما أشارَ إليه الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) في حديثِه عن أُمِّيَّةِ الشَّريعةِ (١)، مُستدلّاً له بثلاثةِ أدلَّةٍ، وهي:
١ - نصُّ الوَحيِ، وذلك في قولِه تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وقولِه ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقولِه ﷺ : «إنّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ؛ لا نكتُبُ ولا نحسبُ» (٢) الحديث، وفيه تفسيرُ معنى الأُمِّيَّةَ بعدمِ العلمِ بالحسابِ والكتابِ.
٢ - مقتضى العقلِ، فلو لم يكُن نزولُ القرآنِ على ما يعهدون لما كانَ عندَهم مُعجِزاً، ولكانوا يخرجون عن مُقتضى التَّعجيزِ بقولِهم: هذا على غيرِ ما عهِدنا، إذْ ليس لنا عَهدٌ بمِثلِ هذا الكلامِ؛ مِنْ جِهةِ أنَّه ليس بمَفهومٍ ولا مَعروفٍ في أحوالِنا.
٣ - واقعُ الحالِ، وذلك «أنَّ العربَ كانَ لها اعتِناءٌ بعلومٍ ذكَرَها النَّاسُ، وكانَ لعُقلائِهم اعتناءٌ بمكارِمِ الأخلاقِ، واتِّصافٌ بمحاسِنِ
стр. 456
شِيَمٍ؛ فصَحَّحَت الشَّريعةُ مِنها ما هو صحيحٌ وزادَت عليه، وأبطلَت ما هو باطلٌ، وبيَّنَت منافعَ ما ينفعُ مِنْ ذلك، ومضارَّ ما يضُرُّ مِنه» (١).
ومِن ثَمَّ يتقرَّرُ أنَّه: كما لا يصِحُّ فهمُ القرآنِ بغيرِ لسانِ العربِ، فكذلك لا يصِحُّ فهمُه على غيرِ معهودِ العربِ ومجاري أحوالِها.
ثانياً: أنَّ مِنْ القرآنِ ما لا يُمكنُ فهمُه على الصَّوابِ بغيرِ معرفةِ أحوالِ مَنْ نزلَ فيهم؛ لأنَّه جارٍ على عُرفِهم، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «ما تقرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّريعةِ، وأنَّها جاريةٌ على مذاهبِ العربِ، ينبني عليه قواعدُ .. ، مِنها: أنَّه لا بُدَّ في فهمِ الشَّريعةِ مِنْ اتِّباعِ معهودِ الأمِّيّين؛ وهم: العربُ الذين نزلَ القرآنُ بلسانِهم، فإن كانَ للعربِ في لسانِهم عُرْفٌ مُستمرٌّ، فلا يصحُّ العدولُ عنه في فهمِ الشَّريعةِ، وإن لم يكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فلا يصحُّ أن يُجْرى في فَهمِها على ما لا تعرِفُه» (٢).
ومِن هنا شَرَطَ العُلماءُ العلمَ بأحوالِ النُّزولِ في العالِمِ ومَن أرادَ أن يتكلَّمَ في التَّفسيرِ، فقالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «لا يحِلُّ لأحدٍ يُفتي في دينِ الله إلّا رجُلاً عارِفاً بكتابِ الله؛ بناسِخِه ومَنْسوخِه، ومُحكَمِه ومُتشابِهِه، وتأويلِه وتَنْزيلِه، ومَكِّيِّه ومدَنِيِّه، وما أُريدَ به، وفيما أُنْزِلَ» (٣)، وقالَ ابنُ فارس (ت: ٣٩٥): «وفي كتابِ الله جلَّ ثناؤُه ما لا يُعلَمُ معناه إلا بمعرِفةِ قِصَّتِه» (٤)، وقالَ أبو القاسمِ
стр. 457
النَّيْسابوري (١) (ت: ٤٠٦) بعد أن عدَّدَ وُجوهاً مِنْ علمِ المَكّيِّ والمَدنِيِّ: «فهذه خمسةٌ وعشرون وَجهاً، مَنْ لم يَعرِفْها، ويُميِّزْ بينها، لم يحِلّ له أن يتكلَّمَ في كتابِ الله ) (٢)، وقالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «وقد تصفَّحتُ أسبابَ النُّزولِ التي صَحَّت أسانيدُها، فوجدتُها خمسةَ أقسامٍ: الأوَّلُ: هو المَقصودُ مِنْ الآيةِ ويتوقَّفُ فهمُ المُرادِ مِنها على عِلمِه، فلا بُدَّ مِنْ البَحثِ عنه لِلمُفسِّرِ» (٣).
ثالثاً: شهادةُ العقلِ بأنَّ أحوالَ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ بها على تعيينِ المُرادِ مِنْ المعاني، قالَ الواحديّ (ت: ٤٦٨) عن أسبابِ النُّزولِ: «هي أَوفى ما يجبُ الوقوفُ عليها، وأَولى ما تُصرَفُ العنايةُ إليها، لامتناعِ معرفةِ تفصيلِ الآيةِ، وقَصْدِ سبيلِها، دون الوقوفِ على قِصَّتِها، وبيانِ نُزولِها» (٤)، وقالَ ابنُ دقيقٍ العيد (ت: ٧٠٢): «بيانُ سبَبِ النُّزولِ طريقٌ قويٌّ في فَهمِ معاني الكتابِ العزيزِ» (٥)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «معرفةُ سببِ النُّزولِ يُعينُ على فَهمِ الآيةِ؛ فإنَّ العلمَ بالسَّبَبِ يُورِثُ العلمَ بالمُسَبَّبِ» (٦)، وبيَّنَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) «أنَّ علمَ المعاني والبيانِ
стр. 458
الذي يُعرَفُ به إعجازُ نَظْمِ القرآنِ، فَضْلاً عن معرفةِ مقاصِدِ العربِ = إنَّما مدارُه على معرفةِ مُقتضياتِ الأحوالِ» (١).
وقد ذكرَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) (أخبارَ العربِ) ضمنَ مَبحثِ: استِمدادِ علمِ التَّفسيرِ. وقالَ: «فبمَعرفةِ الأخبارِ يُعرَفُ ما أشارَتْ له الآياتُ مِنْ دقائِقِ المعاني» (٢).
رابعاً: أنَّ العلمَ بأحوالِ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ به كذلك في دفعِ الشُّبَهِ والإشكالاتِ الواردةِ على المعاني، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «مَنْ لم يُحِطْ عِلماً بأسبابِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَظُمَ خَطَؤُه» (٣)، وقالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «الجَهلُ بأسبابِ التَّنزيلِ مُوقِعٌ في الشُّبَهِ والإشكالاتِ، ومُورِدٌ للنُّصوصِ الظّاهرةِ مَوْرِدَ الإجمالِ حتى يقعَ الاختلافُ، وذلك مَظَنَّةُ وقوعِ النِّزاعِ .. ، وهكذا شأنُ أسبابِ النُّزولِ في التَّعريفِ بمعاني المُنَزَّلِ، بحيث لو فُقدَ ذِكرُ السَّببِ لم يُعْرَفْ مِنْ المُنَزَّلِ معناه على الخُصوصِ، دون تطرُّقِ الاحتمالاتِ، وتوَجُّهِ الإشكالاتِ» (٤)، وقالَ: «معرفةُ عاداتِ العربِ في أقوالِها وأفعالِها ومجاري أحوالِها حالةَ التَّنزيلِ -وإن لم يكُنْ ثَمَّ سبَبٌ خاصٌّ- لا بُدَّ لمَن أرادَ الخَوضَ في علمِ القرآنِ مِنه، وإلا وقعَ في الشَّبَهِ والإشكالاتِ التي يتعذَّرُ الخروجُ مِنها إلا بهذه المَعرفةِ» (٥).
стр. 459
ومِن هنا شابَهَتْ أحوالُ النُّزولِ السّياقَ؛ إذْ كلاهما يعيِّنان المُرادَ، ويُضيفان قُيوداً على مُطلَقِ المعنى اللُّغويِّ، ويمنعان العمومَ عند عدمِ القرائنِ، ويدفعان الشُّبهَ والإشكالاتِ عن المعاني (١)، ومِن ثَمَّ كانَت قِسماً مِنْ أقسامِ السّياقِ في استعمالاتِ أهلِ المعاني والبيانِ (٢).
خامساً: اعتمادُ السَّلفِ على أحوالِ النُّزولِ في بيانِ المعاني، والاستدلالِ لها، وذلك مِنهم هديٌ عامٌّ لا يُعرَفُ عنهم فيه خِلافٌ، ومِن نُصوصِهم في أهميَّةِ ذلك قَولُ ابنِ مسعودٍ ﵁: «والذي لا إله غيرُه ما نزلتْ آيةٌ من كتابِ الله إلّا وأنا أعلمُ فيمَ نزَلَتْ؟ وأينَ نزَلَتْ؟ ولو أعلمُ مكانَ أحدٍ أعلَمَ مِنّي بكتابِ الله تبلُغُه الإبلُ لأَتيتُه» (٣)، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «وهذا يُشيرُ إلى أنَّ عِلمَ الأسبابِ مِنْ العلومِ التي يكونُ العالمُ بها عالِماً بالقُرآنِ. وعن الحسنِ أنَّه قالَ: ما أنزلَ الله آيةً إلا وهو يُحِبُّ أن يُعلَمَ فيمَ أُنزِلَتْ؟ وماذا أرادَ بها. وهو نَصٌّ في المَوضِعِ، مُشيرٌ إلى التَّحريضِ على تعلُّمِ عِلمِ الأسبابِ. وعن ابنِ سيرين قالَ: سألتُ عَبيدَةَ عن شَيءٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: اتَّقِ الله وعليك بالسَّدادِ؛ فقد ذهبَ الذين يعلمون فيمَ أُنْزِلَ القرآنُ» (٤)، ومِن شواهدِ حِرصِهم في هذا البابِ قولُ عكرمة (ت: ١٠٥) في قولِه تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]: «طلبتُ اسمَ هذا الرَّجلِ أربعَ عشرةَ سنةً حتى
стр. 460
وجدتُه» (١)، قالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «وفي قولِ عكرمةَ هذا دليلٌ على شرفِ هذا العلمِ قديماً، وأنَّ الاعتناءَ به حَسَنٌ، والمَعرفةَ به فَضلٌ، ونَحوٌ مِنه قولُ ابنِ عباسٍ: مكَثتُ سنتَيْن أُريدُ أن أسألَ عُمرَ عن المَرأتَيْن اللَّتَيْن تظاهرَتا على رسولِ الله ﷺ ، ما يمنعُني إلا مهابتُه (٢)(٣).
وشواهدُ استدلالِ السَّلفِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني كثيرةٌ مُتوافرَةٌ؛ مِنها قولُ سعيد بن جبير (ت: ٩٥) في قولِه تعالى ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]: «قالَ: القِداحُ؛ كانوا إذا أرادوا أن يَخرُجوا في سَفرٍ جعلوا قِداحاً للخروجِ والجلوسِ، فإن وقعَ الخُروجُ خرجوا، وإن وقعَ الجُلوسُ جلسوا» (٤)، وحين سُئِلَ عن قولِه تعالى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، أهُو عبدُ الله بن سلَامٍ؟ قالَ: «هذه السُّورةُ مكيَّةٌ، فكيف يكونُ عبدَ الله بن سلَامٍ!» (٥)، وقالَ مُجاهد (ت: ١٠٤): «كانوا يحُجّون ولا يَتَّجِرون، فأنزلَ الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، في المَواسِمِ» (٦)، وقالَ عطاءُ الخراسانيّ (ت: ١٣٥): «إنَّما نزلَ القرآنُ على قَدرِ معرِفتِهم؛ ألا ترى إلى قولِ الله تعالى ذِكرُه ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]، وما جعلَ لهم مِنْ السُّهولِ أعظمُ وأكثَرُ؛ ولكنَّهم