الفرغاني (ت: ٣٦٢): «إنَّ قوماً مِنْ تلاميذِ ابنِ جريرٍ حَصَّلوا أيَّامَ حياتِه منذُ بلغَ الحُلمَ إلى أن توفي وهو ابنُ سِتٍّ وثمانينَ، ثمَّ قَسَموا عليها أوراقَ مُصنَّفاتِه، فصارَ مِنها في كُلِّ يومٍ أربعَ عشرةَ ورقةً، وهذا شيءٌ لا يتهيَّأُ لمخلوقِ إلا بحُسنِ عنايةِ الخالقِ»، ونقلَ الخطيبُ (ت: ٤٦٣): «أنَّ ابنَ جريرٍ مكثَ أربعينَ سنةً يكتبُ في كُلِّ يومٍ مِنها أربعينَ ورقةً»، وقالَ الجيَّاني (ت: ٤٩٨): «هو أكثرُ أهلِ الإسلامِ تصنيفاً»، وعن جودةِ تأليفِه وحُسنِ بيانِه يقولُ الذَّهبي (ت: ٧٤٨): «ولأبي جعفرَ في تآليفِه عبارةٌ وبلاغةٌ». ومِن أشهرِ تلك المصنفاتِ (١):
١ - (جامعُ البيانِ عن تأويلِ آيِ القرآنِ)، المعروفُ ب (تفسيرِ الطَّبري)، وسيأتي الكلامُ عنه مُفرداً بإذنِ الله.
٢ - (تاريخُ الأُممِ والملوكِ)، ويُسَمَّى (تاريخُ الرُّسلِ والملوكِ)، المعروفُ ب (تاريخِ الطَّبري)، قالَ عنه ابنُ المُغَلِّس (ت: ٣٢٣): «ما عَمِلَ أحدٌ في تاريخِ الزَّمانِ وحصرِ الكلامِ فيه مثلَ ما عملَه الطَّبري»، وقالَ القِفطِيّ (ت: ٦٢٤): «هو أجلُّ كتابٍ في بابِه»، وقد بناه على كتابِ (المُبتدأِ والمغازي) لابنِ إسحاق (ت: ١٥٢) (٢).
стр. 37
٣ - (تهذيبُ الآثارِ)، قالَ عنه الخطيبُ (ت: ٤٦٣): «لم أرَ سواه في معناه، إلا أنَّه لم يُتِمَّه»، وقالَ القِفطِيّ (ت: ٦٢٤): «وهو كتابٌ أعيا العلماءَ إتمامُه»، وقالَ ابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤): «هو مِنْ أحسنِ كُتُبِه، ولو كَمُلَ لما احتِيجَ معه إلى شيءٍ». (١)
وهذه الثَّلاثةُ أجَلُّ كتبِه وأكبرُها، وله غيرها (٢):
٤ - (القراءاتُ وتنزيلُ القرآنِ) (٣)، موسَّعٌ جامعٌ، فيه عَزوٌ واختيارٌ وتوجيهٌ وتعليلٌ، وجمعَ نيِّفاً وعشرينَ قراءةً، وقد بناه على كتابِ أبي عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام (ت: ٢٢٤) في القراءاتِ، ونقلَ مكيُّ بن أبي طالبٍ (ت: ٤٣٧) جُمَلاً مِنه، ووقفَ عليه ابنُ الجزري (ت: ٨٣٣). (٤)
٥ - (اختلافُ علماءِ الأمصارِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ)، جمعَ فيه أقوالَ فقهاءِ الإسلامِ في الأمصارِ المشهورةِ: أبي حنيفة (ت: ١٥٠) وصاحبَيْه مِنْ الكوفةِ، والأوزاعي (ت: ١٥٧) مِنْ الشّامِ، ومالك (ت: ١٧٩) مِنْ المدينة بروايتَيْن عنه، والثَّوري (ت: ١٦١) مِنْ الكوفةِ بروايتين عنه، والشّافعي (ت: ٢٠٤) وما حدَّث به عنه
стр. 38
الربيعُ بن سليمان (ت: ٢٥٦)، وأبي ثورٍ إبراهيمَ بن خالد الكلبي (ت: ٢٤٠)، وذكرَ معهم أوَّلاً عبدَ الرحمن بن كيسان ثم أسقطَه. وذكرَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّه إنما عمِلَ هذا الكتابَ ليتذكَّر به أقوالَ مَنْ يُناظره، ثمَّ انتشرَ وطُلِبَ مِنه. (١)
٦ - (بسيطُ القولِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ) (٢)، وَسَّعَ فيه القولَ في الأحكامِ الفقهيَّةِ التَّفصيليَّةِ وأَدِلَّتِها.
٧ - (لطيفُ القولِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ) (٣)، أخصَرُ مِنْ الذي قبلَه، قالَ عنه ياقوت الحموي (ت: ٦٢٦): «هو مجموعُ مذهبِه الذي يعوِّل عليه جميعُ أصحابِه، ومِن أنفسِ كتبِه وكتبِ الفقهاءِ، وأفضلِ أمَّهاتِ المذاهبِ وأسدِّها تصنيفاً» (٤)، واختصرَ مِنه (الخفيفَ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ) لأحدِ الوزراءِ.
٨ - (كتابُ الصَّلاةِ) (٥).
٩ - (كتابُ الأيمانِ) (٦).
١٠ - (كتابُ الأطعمةِ) (٧).
стр. 39
١١ - (كتابُ السَّرقةِ) (١).
١٢ - (كتابُ الجِراحِ) (٢).
والأظهرُ أنَّ الكتبَ الخمسَةَ السّابقةَ أجزاءٌ مِنْ كتابِه الموسَّع (البسيطِ)؛ فقد صَنَّفه على هيئةِ عِدَّة كُتُبٍ خرجت في صُورِ مصنَّفاتٍ مفردةٍ (٣).
١٣ - (لطيفُ القولِ في البيانِ عن أصولِ الأحكامِ) (٤)، وربَّما سمَّاه (البيانَ عن أصولِ الأحكامِ) (٥)، وقد اشتملَ على مباحثَ أصوليَّةٍ كالإجماعِ والنَّسخِ والعمومِ والإجمالِ والاجتهادِ ونحوِها، ووصفَه ب (الرِّسالةِ) (٦)، ويُحتملُ أن يكونَ جزءاً مِنْ كتابِه (لطيفِ القولِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ) (٧).
١٤ - (التَّبصيرُ في معالمِ الدّينِ)، رسالةٌ بعثَ بها إلى بعضِ أهلِ السُّنَّةِ ببلدِه (آمُل)، ذكرَ فيها مباحثَ عقديَّة مهمَّة، مع الردِّ على المعتزلةِ وأهلِ الأهواءِ. (٨)
стр. 40
١٥ - (صريحُ السُّنَّةِ)، أو (شرحُ السُّنَّةِ)، رسالةٌ موجزةٌ، أوضحَ فيها عقيدتَه السَّلفيَّةَ في مسائلِ الإيمانِ والصِّفاتِ.
١٦ - (فضائلُ أبي بكرٍ وعمرَ)، أَلَّفَه لمَّا سمعَ بطبرستان -بعد رجوعِه إليها مِنْ رحلتِه- مَنْ يَسبُّ الشَّيْخين، فأملى فيها هذا الكتابَ، وطلبَه الوالي بسببِه، فهربَ إلى بغدادَ، وأقامَ بها حتى وفاتِه. وماتَ ولم يُتِمَّه.
١٧ - (فضائلُ عليِّ بن أبي طالب)، ويُسَمَّى (أحاديثُ غديرِ خُمّ)، أَلَّفَه لَمَّا بلغَه أنَّ بعضَ الشُّيوخِ في بغدادَ كَذَّبَ هذا الحديثَ، فبدأَه بفضائل عليّ ﵁، ثم أورَدَ حديثَ الغديرِ بطرقِه وعلَلِه وأحكامِه، وهو كتابٌ كبيرٌ رآه الذَّهبي (ت: ٧٤٨) وابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤)، وذكرَ البرزاليُّ (ت: ٧٣٩) أنَّه في مجلَّدَيْن ضخمَيْن. ولم يُتِمَّه.
١٨ - (ذيلُ المُذَيَّلِ)، في التاريخِ، وجعلَه خاصَّاً بالرِّجالِ على طريقةِ طبقاتِ المحدِّثين بحسبِ وَفَياتِهم، وابتدأه بالصَّحابةِ فالتّابعين، إلى علماءِ عصرِه.
١٩ - (الرَّدُّ على ذي الأسفارِ) أي: الكتبِ. وهو ردٌّ على داودَ الظاهري (ت: ٢٧٠)، ولم يُتِمَّه.
وفاتُه:
توفيَ ﵀ ببغدادَ سنةَ (٣١٠)، عن سِتٍّ وثمانينَ سنةً، ورثاه جماعةٌ مِنْ أهلِ العلمِ والأدبِ (١).
стр. 41
المطلبُ الخامسُ: التَّعريفُ بتفسيرِ (جامعِ البيانِ عن تأويلِ آيِ القرآنِ).
وُصِفَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بأنَّه إمامُ المفسِّرين، وشيخُهم، ورأسُهم على الإطلاقِ، بل صارَ يُضرَبُ به المثلُ في التَّفسيرِ؛ فيُقالُ: «أعلمُ مِنْ ابنِ جريرٍ في التَّفسيرِ» (١)، ومَن كانَ شأنُه كذلك لاغَروَ أن يكونَ كتابُه في التَّفسيرِ أجلَّ كُتبِ التَّفسيرِ وأحسنَها، وأعظمَها أثراً في هذا العلمِ، وفيما كُتِبَ فيه على مَرِّ العصورِ.
اسمُ الكتابِ:
سَمَّاه ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) في تاريخِه: (جامعُ البيانِ عن تأويلِ آي القرآنِ) (٢)، وهو كذلك في بعضِ إجازاتِه به (٣)، وعند عامَّةِ مَنْ ترجمَ له.
تاريخُ تصنيفِه:
بدأت فكرةُ هذا التَّفسيرِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) منذُ صباه، حيث قالَ: «حدَّثَتْني به نفسي وأنا صبيٌّ» (٤)، ثمَّ لازالت في نفسِه غايةً؛ يستخيُر الله تعالى فيها، ويسألُه العونَ عليها عَدَدَ سنينَ، إذْ يقولُ عن نفسِه: «استخرتُ الله تعالى في عملِ كتابِ التَّفسيرِ، وسألتُه العَونَ على
стр. 42
ما نويتُه ثلاثَ سنينَ قبل أن أعملَه، فأعانني» (١)، وكانَ هذا الاهتمامُ والاحتشادُ مِنْ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) خيرَ معينٍ له على تحسينِه وإتقانِه، والأخذِ بكلِّ أسبابِ العلمِ وأطرافِه التي بنى عليها تفسيرَه.
ثمَّ لمَّا اطمأنَّ لذلك شَرَعَ في إملاءِه سنة (٢٧٠) ببغدادَ، وأملى مِنْ أوَّلِ القرآنِ تفسيرَ مئةٍ وخمسينَ آيةً، ثمّ خرجَ إلى آخرِ القرآنِ وأملى مِنه، وكانَ ذلك مِنه نوعٌ مِنْ التَّدبيرِ؛ لينظرَ جودةَ ما كتبَ، وقبولَه، وشهادةَ العلماءِ له، قالَ أبو بكر ابنُ كامل (ت: ٣٥٠): «أملى علينا ابنُ جريرٍ كتابَ التَّفسيرِ مئةً وخمسينَ آيةً، ثمَّ خرجَ بعد ذلك إلى آخرِ القرآنِ فقرأه علينا، وذلك في سنةِ سبعينَ ومائتين، واشتهرَ الكتابُ وارتفعَ ذكرُه، وأبو العبّاسِ أحمدُ بن يحيى ثعلب، وأبو العبّاسِ محمدُ بن يزيدٍ المبرِّد = يحيَيَان، ولأهلِ الإعرابِ والمعاني معقِلان، وكانَ أيضاً في الوقت غيرُهما، مثل: أبي جعفر الرُّستُمي، وأبي الحسن ابنِ كيسان، والمفَضَّلِ بن سلمةَ، والجعدِ، وأبي إسحاقَ الزَّجَّاج، وغيرِهم مِنْ النحويّين مِنْ فُرسانِ هذا اللسانِ، وحُمِلَ هذا الكتابُ مشرِقاً ومغرِباً، وقرأه كلُّ مَنْ كانَ في وقتِه مِنْ العلماءِ، وكُلٌّ فضَّلَه وقدَّمَه» (٢).
ثمَّ أتَمَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) كتابةَ تفسيرِه على ما رَسَمَ، وشرَعَ في إملاءِه وإخراجِه كاملاً، وقد عَزَمَ أوَّل أمرِه على البسطِ والاستيعابِ، ثمَّ عَدَلَ عن ذلك لِمَا رأى مِنْ ضَعفِ هِمَّةِ الطُلّابِ، فقد روى الخطيبُ (ت: ٤٦٣): «أنَّ أبا جعفر الطَّبري قالَ لأصحابِه: أتنشطون
стр. 43
لتفسيرِ القرآنِ؟ قالوا: كم يكونُ قدرُه؟ قالَ: ثلاثون ألفَ ورقة. فقالوا: هذا ممّا تفنى الأعمارُ قبل تمامِه. فاختصرَه في نحوِ ثلاثةِ آلافِ ورقةٍ. ثمَّ قالَ: تنشطون لتاريخِ العالمِ مِنْ آدمَ إلى وقتِنا هذا؟ قالوا: كم قدرُه؟ فذكرَ نحواً ممّا ذكرَه في التَّفسيرِ، فأجابوه بمثلِ ذلك، فقالَ: إنّا لله ماتَتْ الهِممُ. فاختصرَه في نحوٍ ممّا اختصرَ التَّفسيرَ» (١)، وقد أشارَ إلى قصدِ الاختصارِ في مقدِّمتِه حيث قالَ في منهجِ تأليفِه: «بأوجزِ ما أمكنَ مِنْ الإيجازِ في ذلك، وأخصرِ ما أمكنَ مِنْ الاختصارِ فيه» (٢).
وقد اجتهدَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تحريره غايةَ التحريرِ، قالَ عبدُ العزيز بن محمد الطَّبري: «قالَ أبو عمرَ الزاهدُ -وكانَ معروفاً زمناً طويلاً بمقابلةِ الكتبِ-: سألتُ أبا جعفر عن تفسيرِ آية، فقالَ: قابِلْ بهذا الكتابِ مِنْ أوَّلِه إلى آخرِه. قلتُ: فقابلت، فما وجدت فيه حرفاً واحداً خطأً في نحوٍ ولا لغةٍ» (٣)، قالَ المُحقِّقُ محمودُ شاكر (ت: ١٤١٨): «وأتجنَّبُ ما أخافُ مِنْ الخطأِ والزَّللِ في كتابٍ قالَ فيه أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلبَ .. ، وأنّى لِمِثلي أن يُحقِّقَ كلمةَ أبي عمرَ في كتابِ أبي جعفرَ» (٤)، ونحنُ أَوْلى بذلك منهم ﵏.
стр. 44
وانتشرَ عنه الكتابُ بعد ذلك واشتهرَ، وأملاه مَرَّاتٍ؛ مِنها ما أملاه مِنْ سنةِ (٢٨٣)، إلى سنةِ (٢٩٠). قالَ ابنُ خزيمة (ت: ٣١١) لابنِ بالوَيه (ت: ٣٤٠): «بلغني أنك كتبت التَّفسيرَ عن محمدِ بن جريرٍ. قلت: نعم، كتبنا التَّفسير عنه إملاء. قالَ: كلَّه؟ قلت: نعم. قالَ: في أيّ سنةٍ؟ قلت: مِنْ سنةِ ثلاث وثمانين، إلى سنةِ تسعين» (١). وقُرِئَ عليه أيضاً سنة (٣٠٦) في أواخر حياته. (٢)
مَوضوعُه:
أبانَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن موضوعِ كتابِه في نَصِّ عنوانه: (جامعُ البيانِ عن تأويلِ آيِ القرآن)؛ فهو خالصٌ مستوعِبٌ في: تأويلِ آيِ القرآنِ، وما يُحتَاجُ إليه لتأويلِه؛ من أنواعِ العلومِ والمعارِفِ.
وقد أَكَّدَ ذلك في مواضِعَ من تفسيرِه، ومِن ذلك اقتصارُه مِنْ عِلمِ القراءاتِ على ما تقعُ به الكفايةُ في بيانِ المعاني، والاختيارِ منها، كما في قولِه بعدَ ذِكرِ وجوهِ قراءةِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]: «وقد استقصَيْنا حكايةَ الرِّوايةِ عمَّن رُويَ عنه في ذلك قراءةٌ في كتابِ (القراءاتِ)، وأخبَرْنا بالذي نختارُ مِنْ القراءةِ فيه، والعلَّةُ الموجبةُ صحَّةَ ما اخترناه مِنْ القراءةِ فيه. فكرهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضع، إذ كانَ الذي قصدنا له في كتابِنا هذا البيانُ عن وجوهِ تأويلِ آي القرآنِ دون وجوهِ قراءتِها» (٣).
стр. 45
كما اقتصَرَ في بيانِ الأحكامِ على ما ذُكِرَ منها في التَّنزيلِ دون ما لم يُذكَر، فقالَ بعد ذِكرِ أحكامِ قتلِ المُحرِمِ الصيدَ عمداً عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]: «وأمّا ما يلزمُ بالخطأِ قاتلَه؛ فقد بيَّنا القولَ فيه في كتابِنا (كتابِ لطيفِ القولِ في أحكامِ الشرائعِ)، بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ. وليس هذا الموضعُ موضعَ ذكرِه؛ لأنَّ قصدَنا في هذا الكتابِ الإبانةُ عن تأويلِ التَّنزيلِ، وليس في التَّنزيلِ للخطأِ ذِكرٌ فنذكرَ أحكامَه» (١)، وقالَ في موضعٍ آخَرَ: «وليس هذا الموضعُ مِنْ مواضعِ الإكثارِ في هذا المعنى على مَنْ أنكرَ الميزانَ الذي وصفنا صفتَه؛ إذ كانَ قصدُنا في هذا الكتابِ البيانُ عن تأويلِ القرآنِ دون غيره، ولولا ذلك لقرنّا إلى ما ذكرنا نظائرَه، وفي الذي ذكرنا مِنْ ذلك كفايةٌ لمن وفِّقَ لفَهمِه إن شاءَ الله» (٢).
منهجُه فيه إجمالاً:
بدأَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) تفسيرَه بمقدِّمةٍ موَسَّعةٍ احتوت جُمَلاً مِنْ المسائلِ، مِنْ أهَمِّها:
- فضلُ علمِ التَّفسيرِ ومكانَتُه.
- منهجُه في كتابِه.
- موافقةُ معاني القرآنِ لمعاني منطقِ العربِ الذين أنزِلَ عليهم، والبيانُ عمّا باينَ به القرآنُ سائرَ الكلامِ.
стр. 46
- البيانُ عن الأحرفِ التي اتَّفقت فيها ألفاظُ العربِ وألفاظُ غيرِهم مِنْ الأممِ. (١)
- تحديدُ اللغةِ التي نزلَ بها القرآنُ مِنْ لُغاتِ العربِ.
- سردُ الآثارِ في الأحرفِ السَّبعةِ وتحديدُ المُرادِ بها.
- بيانُ الوجوهِ التي يوصَلُ بها إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ.
- ذِكرُ الأخبارِ التي رُوِيَت في النَّهي عن تأويلِ القرآنِ بالرَّأي، وفي الحَضِّ على العلمِ بتفسيرِ القرآنِ، ومَن كانَ يُفَسِّرُه مِنْ الصَّحابةِ ﵃، والأخبارِ التي غلِطَ في تأويلِها مُنكِرو القولَ في تأويلِ القرآنِ، وتوجيهِ كُلِّ ذلك.
- ذكرُ بعضِ العلماءِ بالتَّفسيرِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدهم.
- بيانُ معاني (أسماءِ القرآنِ)، و (السّورةِ)، و (الآيةِ).
وقد لَخَّصَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) منهجَه في تفسيرِه بقولِه: «ونحنُ في شرحِ تأويلِه، وبيانِ ما فيه مِنْ معانيه منشئون -إن شاءَ الله ذلك- كتاباً
стр. 47
مستوعباً لكلِّ ما بالنّاسِ إليه الحاجةُ مِنْ علمِه، جامعاً، ومِن سائرِ الكتبِ غيرِه في ذلك كافياً، ومخبرون في كلِّ ذلك بما انتهى إلينا مِنْ اتِّفاقِ الحُجَّةِ فيما اتفقَت عليه الأمَّةُ، واختلافِها فيما اختلفَت فيه مِنه، ومبينو عللَ كلِّ مذهبٍ مِنْ مذاهبِهم، وموضحو الصَّحيحَ لدينا مِنْ ذلك، بأوجزِ ما أمكنَ مِنْ الإيجازِ في ذلك، وأخصرِ ما أمكنَ مِنْ الاختصارِ فيه» (١)، ويُستَفادُ مِنْ بيانِه ذلك مسائلُ:
الأولى: أنَّ موضوعَ كتابِه في بيانِ معاني القرآنِ وشرحِ تأويلِه.
الثانية: استيعابُه لكلِّ ما يُحتَاجُ إليه في بيانِ القرآنِ؛ مِنْ أنواعِ العلومِ النَّقليَّةِ والعقليَّةِ.
الثالثة: أنَّه جامعٌ وافٍ في بيانِ ذلك، وكافٍ عن غيرِه فيه.
الرابعة: يبيِّنُ أثناءَ ذلك ما اتفقَت عليه الحُجَّةُ، وأجمعَت عليه الأمَّةُ، وما اختُلِفَ فيه.
الخامسة: يذكرُ عِلَلَ ذلك وأدِلَّتَه.
السادسة: مع التَّصحيحِ والتَّرجيحِ والاختيارِ.
السابعة: بكُلِّ ما أمكنَ مِنْ الإيجازِ والاختصارِ.
وقد وَفَّى ﵀ بذلك في عامَّةِ تفسيرِه بلا إخلالٍ. (٢)
مكانَتُه العلميَّةُ:
ما إن فرغَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) من تدوينِ تفسيرِه وإقراءِه حتى انتشرَ عنه شرقاً وغرباً، وتنافسَ النّاسُ في نَسخِه وتحصيلِه، واشتهرَ به مؤلِّفُه غايةَ الاشتهارِ، وعُرِفَ به فضلُه في العلمِ وإمامتُه، قالَ أبو بكر ابنُ كامل (ت: ٣٥٠): «حُمِلَ هذا الكتابُ مشرقاً ومغرباً، وقرأه كلُّ مَنْ كانَ في وقتِه مِنْ العلماءِ، وكُلٌّ فضَّلَه وقدَّمَه» (١)، بل صارَ هذا التَّفسيرُ معياراً توزَنُ به التَّفاسيرُ، قالَ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦): «مِنْ مصنّفاتِ بقيّ بن مَخلَد كتابُ (تفسيرِ القرآنِ)، وهو الكتابُ الذي أقطعُ قطعاً لا أستثني فيه أنَّه لم يؤَلَّف في الإسلامِ مثلُه، ولا تصنيفَ محمد بن جريرٍ الطَّبري، ولا غيرَه» (٢).
وقد شهدَ العلماءُ مِنْ زمنِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فمَن بعده بجلالةِ هذا التَّفسيرِ وتفرُّدِه وسَبقِه، فقالَ ابنُ خزيمة (ت: ٣١١): «نظرتُ فيه مِنْ أوَّلِه إلى آخرِه، وما أعلمُ على أديمِ الأرضِ أعلمَ مِنْ ابنِ جريرٍ» (٣)، وقالَ أبو حامد الاسفرائيني (ت: ٤٠٦): «لو سافرَ رجلٌ إلى الصين حتى
стр. 50
يُحصِّلَ كتابَ تفسيرِ محمدِ بن جريرٍ لم يكُنْ ذلك كثيراً» (١)، وقالَ الخطيب (ت: ٤٦٣): «كتابُ ابن جريرٍ في التَّفسير لم يُصَنِّف أحدٌ مثلَه» (٢)، وقالَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): «ولم يُؤَلِّف في البابِ -أي: أحكام القرآن- أحدٌ كتاباً به احتِفالٌ إلا محمدُ بن جريرٍ الطَّبري؛ شيخُ الدّين، فجاءَ بالعجبِ العُجابِ، ونشرَ فيه لُبابَ الألبابِ، وفتحَ فيه لكُلِّ مَنْ جاءَ بعدَه البابَ، فكُلُّ أحدٍ غرَفَ مِنه على قَدرِ إناءِه، وما نَقَصَت قطرَةٌ مِنْ ماءِه» (٣)، ووصفَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) هذا التَّفسيرَ بأنَّه: «مِنْ أَجَلِّ التفاسيرِ، وأعظمِها قدراً» (٤)، وقالَ السيوطي (ت: ٩١١): «وهو أجلُّ التَّفاسيرِ وأعظمُها» (٥)، وقالَ بعد أن عَدَّدَ طبقاتِ المفسّرين ومناهجِهم: «فإن قلتَ: فأيُّ التفاسيرِ ترشِدُ إليه، وتأمرُ النّاظرَ أن يُعَوِّل عليه؟ قلتُ: تفسيرَ الإمامِ أبي جعفر ابن جريرٍ الطَّبري؛ الذي أجمعَ العلماءُ المُعتَبَرون على أنَّه لم يُؤَلَّف في التَّفسيرِ مثلُه» (٦).
وقد جاءَ تفسيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) جامعاً حاوياً لأنواعِ العلومِ اللازمةِ والمتَمِّمَةِ في التَّفسيرِ، قالَ الفرغاني (ت: ٣٦٢): «تَمَّ مِنْ كُتُبه كتابُ التَّفسيرِ وجوَّدَه، وبيَّن فيه أحكامَه، وناسخَه ومنسوخَه، ومشكلَه، وغريبَه، ومعانيه، واختلافَ أهلِ التّأويلِ والعلماءِ في أحكامِه وتأويلِه،
стр. 51
والصَّحيحَ لديه مِنْ ذلك، وإعرابَ حروفِه، والكلامَ على المُلحدين فيه، والقصصَ، وأخبارَ الأممِ، والقيامةَ، وغيرَ ذلك مما حواه مِنْ الحكمِ والعجائبِ، كلمةً كلمةً، وآيةً آيةً، مِنْ الاستعاذة إلى أبي جاد، فلو ادعى عالمٌ أن يُصَنِّف مِنه عشرةَ كتبٍ، كلَّ كتابٍ مِنها يحتوي على عِلْمٍ مُفرَدٍ عجيبٍ مستقصىً = لفعلَ» (١).
المطلبُ السّادسُ: المرادُ ب (منهجِ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ).
في ضوءِ ما سبق مِنْ البيانِ لألفاظِ (المنهجِ) و (الاستدلالِ) و (التَّفسيرِ)، نستطيعُ بناءَ مفهومٍ يكشِفُ عن المرادِ بعنوانِ البحثِ، ويُمكِنُ تلخيصُه بأنَّه:
الطَّريقةُ العلميّةُ الواضحةُ التي التزمَهَا ابنُ جريرٍ في إقامَةِ الدَّليلِ على معاني آياتِ القرآنِ الكريمِ؛ صِحَّةً أو بُطلاناً، وقَبولاً أو رَدّاً.
ويتبَيَّن مِنْ هذا التعريف غرضُ ابن جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ استدلالِه على المعاني، وهو منحصرٌ في أمرَيْن:
أوّلِهما: تصحيحُ المعاني مِنْ خلالِ تلك الأدلَّةِ، ومِن ثَمَّ قبولُها.
ثانيهما: إبطالُ المعاني بدلالةِ تلك الأدلَّةِ، ومِن ثَمَّ رَدُّها.
ويتبَيَّن مِنْ التَّعريفِ كذلك أنَّ مرحلةَ الاستدلالِ على المعاني لاحِقَةٌ -في الأغلبِ- لمرحلةِ تحديدِ المعنى وبيانِه؛ وهي المرحلةُ التي يُحَدِّدُ
стр. 52
فيها المُفَسِّرُ معنى الآيةِ مِنْ خلال جُملةٍ مِنْ المصادرِ، والتي بحثها العلماءُ تحتَ: (مصادرِ التَّفسيرِ، ومآخذِه، واستمدادِه، ووجوهِ بيانِه، وطرقِه) (١)، وهي في جُملَتِها لا تخرجُ عن أَدِلَّةِ المعاني كما سيتبيّن، ومِن ثَمَّ يجتمعُ هذان الوصفان في هذه الموضوعاتِ؛ فهي (مصادرُ للتَّفسيرِ) باعتبارِها مورِداً للتَّعَرُّفِ على المعنى وتبيينِه، وهي أيضاً (أدِلَّةٌ للمعاني) باعتبارِها طُرُقاً لإثباتِ صِحَّةِ دلالةِ تلك الألفاظِ على المعاني أو إبطالِها. ومِثْلُها في ذلك الأدِلَّةُ المُعتَبَرةُ للأحكامِ الشَّرعيَّةِ: «القرآنُ، والسُّنَّةُ، والإجماعُ، والقياسُ»؛ فهي مصادرُ لمعرفةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، كما أنَّها أدِلَّةٌ لتصحيحِ تلك الأحكامِ وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها. (٢)
كما بُحِثَت أيضاً جُملَةٌ مِنْ تلك الأدلَّةِ ضمن: (أدواتِ التَّفسيرِ، وآلاتِه، وشروطِ المُفَسِّر) (٣)؛ وذلك باعتبارِها عُدَّةَ المُفَسِّر ومؤَهِّلاتِه للأخذِ في التَّفسيرِ؛ بالاستمدادِ مِنْ مصادرِه، والاستدلالِ على معانيه. وهي بهذا الاعتبارِ سابقةٌ لمرحلتَيْ: بيانِ المعنى مِنْ مصادرِه، وإقامةِ الدَّليلِ عليه.
стр. 53
كما أدرجَها جماعةٌ مِنْ المؤلِّفين ضمن: (وجوهِ التَّرجيحِ، وموجباتِه) (١)؛ لِمَا اشتملت عليه مِنْ أصولِ وجوهِ التَّرجيحِ بين المعاني التَّفسيريَّةِ وقرائِنِه.
стр. 54
المبحثُ الثّاني: «الاستدلالُ على المعاني» في علمِ التَّفسيرِ.
وفيه ثلاثةُ مطالبَ:
المطلبُ الأوَّلُ: نشأةُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
المطلبُ الثّاني: مكانَةُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
المطلبُ الثّالثُ: مصادرُ أدلَّةِ المعاني في التَّفسيرِ.
المطلبُ الأوَّلُ: نشأةُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
ظهرَ الاستدلالُ على المعاني في التَّفسيرِ مع أوَّلِ ظهورِ علمِ التَّفسيرِ، وتصاحَبَا في كثيرٍ مِنْ بيانِ النَّبي ﷺ والصَّحابةِ والتّابعينَ للقرآنِ الكريمِ، ثُمَّ صارَ بعدهم هَدْياً لازماً، ومنهجاً مُتَّبعاً لكلِّ مَنْ أرادَ تصحيحَ معنىً وقبولَه، أو إبطالَه ورَدَّه.
وقد كانَ في بيانِ النَّبي ﷺ لآياتٍ القرآنِ الكريمِ الكفايةُ عن الاستشهادِ له والاستدلالِ عليه؛ فإنَّ قولَّه حقٌّ ودليلٌ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولكنَّه جاءَ لتعريفِ الصَّحابةِ ومَن بعدهم وجوهَ التوَصُّلِ إلى المعاني، والتَّدليلِ عليها، وذلك نوعٌ مِنْ
стр. 55
البيانِ النبويِّ للقرآنِ الكريمِ، تحسُنُ الإشارةُ إليه، والاهتمامُ به، وهو: بيانُ النَّبي ﷺ لأدلةِ معرفةِ المعاني وقبولِها أو رَدِّها. ومع قِلَّةِ العنايةِ بهذا النَّوعِ إلا أنَّه مِنْ تمامِ البيانِ الذي أُمِرَ به رسولُ الله ﷺ في قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ومِن أمثلةِ ذلك:
١ - قولُ ابن مسعود ﵁: «لَمَّا نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه! فقالَ النَّبي ﷺ : «ليس بذلك؛ ألم تسمعوا ما قالَ العبدُ الصّالحُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؟ إنَّما هو الشِّركُ»» (١)، وقد كانَ يتمُّ البيانُ بقولِه ﷺ : «إنَّما هو الشِّركُ»، ولكنَّه وجَّهَ أصحابَه إلى هذا الوجهِ مِنْ الاستشهادِ؛ وهو الاستدلالُ بالقرآنِ على المعاني؛ ليكونَ لهم منهجاً في معرفةِ المعنى وتحقيقِه.
٢ - وعن أمُّ مُبَشِّر ﵂ قالَت: «سمعتُ النَّبي ﷺ يقولُ عند حفصة: «لا يدخلُ النّارَ -إن شاءَ اللهُ- مِنْ أصحابِ الشَّجرةِ أحدٌ مِنْ الذين بايعوا تحتها»، فقالَت حفصةُ: بلى يا رسولَ الله. فانتهرَها، فقالَت: ألم يقُل الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ فقالَ النَّبي ﷺ : «وقد قالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]»» (٢)، فأزالَ ﷺ الإشكالَ بالاستدلالِ بالسّياقِ، فانتَسَقَ به المعنى مع ما قَرَّرَه ﵊.
٣ - وعن ابنِ عباس ﵁ قالَ: «لمَّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
стр. 56
وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقالَ عمرُ ﵁: أنا أُفَرِّجُ عنكم. فانطلقَ، فقالَ: يا نبيَّ الله إنَّه كَبُرَ على أصحابِكَ هذه الآية. فقالَ رسول الله ﷺ : «إن الله لم يفرضْ الزَّكاةَ إلا ليُطَيِّبَ بها أموالَكم، وإنَّما فرضَ المواريثَ لتكون لمَن بعدَكم»، فكَبَّرَ عمرُ ﵁) (١)، وهنا يبرز الاستدلالُ العقليُّ على المعاني؛ فإن المواريثَ فُرِضَت في مالٍ يبقى، وكذا الزَّكاةُ بعضٌ مِنْ مالٍ موجودٍ، فلو كانَ الكنزُ المذمومُ مُطلَقَ جمعِ المالِ لمَا كانَ لتشريعِ الزَّكاةِ وفرائضِ المواريثِ معنىً.
وقد سارَ على ذلك المنهجِ النبويِّ في الاستدلالِ على المعاني جماهيرُ السَّلفِ، وكَثُرَ النقلُ عنهم فيه كثرَةً ظاهرةً، ومِن أمثلةِ ذلك:
١ - قولُ قتادة (ت: ١١٧) في قولِه تعالى ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]: «ما عنده؛ وفي حرفِ ابن مسعود (ونَرِثُه ما عِندَه) [مريم: ٨٠]» (٢).
٢ - وقالَ عبدُ الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢) في قوله تعالى ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]: «ما نَعرِفُ المذؤومَ والمَذمومَ إلا واحداً،
стр. 57
ولكن تكون الحروفُ منتَقَصَةً، وقد قالَ الشاعرُ لعامرٍ: يا عامِ. ولحارثٍ: يا حارِ. وإنما أُنْزِلَ القرآن على كلامِ العربِ» (١).
٣ - وعن سعيدِ بن جبير (ت: ٩٥) في قولِه تعالى ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج: ٣٦]: «هو السائلُ؛ أمَا سمعتَ قولَ الشَّمَّاخ:
لَمَالُ المرءِ يُصْلِحُه فيُغنِي … مَفَاقِرَه أَعَفُّ مِنْ القُنُوعِ
قالَ: مِنْ السُّؤال» (٢).
٤ - وسأَلَ رجلٌ عليَّ بن أبي طالب ﵁ فقالَ: يا أميرَ المؤمنين أرأيْتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وَهُمْ يُقاتِلُونَنَا فيَظهَرون ويَقتُلونَ؟ فقالَ لهُ عليٌّ: ادْنُهْ. ثُمَّ قَالَ: «﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ يومَ القيَامَة» (٣).
٥ - وقالَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) في قولِه تعالى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: «يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه؛ ألَمْ تَرَ إلى قوله ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]؟ يعني الشَّمسَ إذا اتَّبَعَها القمر» (٤).
ثُمَّ صارَ منهجُ الاستدلالِ على المعاني التَّفسيريَّةِ بعد ذلك شأنَ المفسِّرين في مُصَنَّفاتِهم، ومِن أجلِّ ما تتميّزُ به التَّفاسيرُ وتتفاضلُ، وبه تقدَّمت جُملَةٌ مِنْ التَّفاسيرِ التي شَهِدَ لها العلماءُ بالتجويدِ والتَّحريرِ؛
стр. 58
كتفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، وابنِ عطية (ت: ٥٤٢)، وابنِ العربي (ت: ٥٤٣)، والقرطبيِّ (ت: ٦٧١)، وابنِ كثير (ت: ٧٧٤)، والشِّنقيطيِّ (ت: ١٣٩٣)، وما كتبَه ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) في التَّفسيرِ، وغيرِهم مِنْ نَقَدَةِ المُفَسِّرين، وتراجمةِ القرآن. وكُلَّما تباعدَ المُفَسِّرُ عن مُجَرَّدِ جمعِ الأقوالِ في تفسيرِه إلى نقدِها وتحريرِها والتَّرجيحِ بينها = برزَت لديه ملكةُ الاستدلالِ على المعنى، وظهرَت جَليّاً في تفسيرِه.
وقد اشتَملَتْ مُقَدِّماتُ عددٍ مِنْ التَّفاسيرِ، وجُملَةٌ مِنْ كتبِ أصولِ التَّفسيرِ وعلومِ القرآنِ، على كثيرٍ مِنْ ذِكرِ أدِلَّةِ المعاني، ومنهجِ الاستدلالِ بها، والإشارَةِ إلى أنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ الباطِلَةِ، والمناهجِ الخاطِئَة. وكانَ مِنْ أبرَزِ المسائلِ التي تناولتها تلك الكتبُ: النهيَ عن الكلامِ في القرآنِ بغير دليلٍ (١)، والإشارةَ إلى اعتمادِ القواعدِ العلميَّةِ واللغةِ العربيَّةِ التي نزلَ بها القرآنُ (٢)، وبيانَ أهميّةِ التَّفسيرِ النبويِّ وتقديمَه (٣)، والاستدلالَ بأقوالِ السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين على المعاني، مع بيانِ مراتبِهم في هذا العلمِ (٤)، مع ذكرِ أبرزِ مصادرِ
стр. 59
التَّفسيرِ، ومراتبِ الاستدلالِ بها (١)، والتعرُّضِ لعلمِ القراءاتِ وما يُستفادُ مِنه في بيانِ المعنى (٢)، والإشارةِ إلى الاستدلالِ بالقَصَصِ التي يورِدُها المُفَسِّرون، والأخبارِ التي ينقلُها المؤرِّخون (٣).
ومِمَّن توسَّعَ في تحريرِ أهَمِّ مسائِل الاستدلالِ على المعاني ومباحثِه ابنُ العربيّ (ت: ٥٤٣) في (قانونِ التأويل)، والطوفيُّ (ت: ٧١٦) في (الإكسيرِ في علمِ التَّفسيرِ)، وابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) في (مقدمةٍ في أصولِ التَّفسيرِ)؛ حيثُ تعرَّضَ ابنُ العربي (ت: ٥٤٣) لأهميّةِ الدَّليلِ العقليّ، ومطابقتِه لدليلِ الشَّرعِ، وأقسامِ الأدلَّةِ مِنْ جهةِ أصلِها، ولزومِ الاستدلالِ، وأُمَّهاتِ أدلَّةِ المعاني، وشيءٍ مِنْ ضوابطِ الاستدلالِ بها (٤).
كما قصدَ الطوفيُّ (ت: ٧١٦) إلى وضعِ قانونٍ في علمِ التَّفسير يُعَوَّلُ عليه، ويُصَارُ في هذا الفَنِّ إليه (٥)، ففَصَّلَ أنواعَ أدلَّةِ المعاني، وأشارَ إلى ضوابطِ الاستدلالِ بها، والمنعِ مِنْ التَّفسيرِ بلا دليلٍ، ووجوهِ الترجيحِ بين الأدلَّة. (٦)
واستوعبَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) في هذا البابِ وحَرَّر؛ ففَصَّلَ الحديثَ
стр. 60
عن بيانِ النَّبي ﷺ للقرآنِ الكريمِ، وأشارَ إلى أصولِ الأدلَّة مِنْ النَّقلِ والاستدلالِ، ووجوهِ الخَطأِ في الاستدلالِ بهما، ووجوبِ لزومِ مذاهبِ الصَّحابةِ والتّابعين في التَّفسيرِ، ثُمَّ أفاضَ القولَ في طُرقِ التَّفسيرِ المعتَبَرةِ، ومراتبِ الاستدلالِ بها، وحُرمَةِ القولِ في القرآنِ بلا دليل. (١)
المطلبُ الثّاني: مكانَةُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
إنَّ إقامةَ الدَّليلِ والبرهانِ على كلِّ قولٍ ودعوى منهجٌ شرعيٌّ، وأصلٌ علميٌّ؛ فقد جاءَ القرآنُ صريحاً واضحاً بالأمرِ بإقامةِ الدَّليلِ مِنْ كُلِّ ذي دعوى على دعواه، وبَيَّن أنَّ قبولَ القولِ متوقِّفٌ على إقامةِ الدَّليلِ عليه، وأنَّ الدَّليلَ والبرهانَ هو الفارقُ بين الحقِّ والباطلِ، والعلمِ والظّنِّ، والصِّدقِ والكذبِ؛ ومِن تلك النصوصِ المتوافرةِ قولُه تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فدليلُ صِدقِ الدعوى إقامةُ الدَّليلِ عليها، ولا يُقبَلُ الدَّليلُ ما لم يكُنْ عِلماً ثابتاً مطابقاً للواقعِ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وكُلُّ ما لا دليلَ عليه فهو مِنْ الظَنِّ والخَرصِ الذي لا يُغنِي مِنْ الحقِّ شيئاً: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «الأدلَّةُ أعلامُ الله التي نصبَها أسباباً موصِلاتٍ إلى العلمِ بأحكامِه» (٢).
стр. 61
وقد أشارَ القرآنُ إلى أنواعٍ مِنْ طرقِ الاستدلالِ؛ كما في قولِه تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «فطالَبَهم أوَّلاً بالطَّريقِ العقليِّ، وثانياً بالطَّريقِ السَّمعيِّ، ونظيرُه قولُه ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]» (١)، كما أشارَ القرآنُ إلى تنوّعِ الأدلَّةِ بحسبِ الموضوعاتِ المُستَدَلِّ عليها؛ فدليلُ العقلِ في العقليّاتِ، ودليلُ الحِسِّ في الحسِّيَّاتِ، ودليلُ الفطرةِ في المعرفةِ إجمالاً، ودليلُ الشَّرعِ في تفاصيلِ الشرائعِ العلميَّةِ والعمليَّةِ، ودليلُ كُلِّ شيءٍ بحسبِه، ومِنه قولُه تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فدليلُ صدقِ هذه القضيَّةِ ما في التَّوراةِ مِمَّا يُصَدِّقُها. وكذا قولُه ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، فأمرَه أن يستدلَّ لصدقِ ما عنده بصدقِ ما عندهم. وبهذا تتأَكَّدُ مكانَةُ الاستدلالِ في القرآنِ الكريمِ، وأنَّه الطَّريقُ اللّازمُ للوصولِ إلى المطلوبِ في كلِّ قضيَّةٍ بحسبِها.
وعلى هذا المنهجِ سارَ أنبياءُ الله ورسلُه مع أقوامِهم؛ فأقاموا البيِّناتِ والدلائلَ العقليَّةَ والحسّيَّةَ على صدقِ دعوتِهم، وأَمَدَّهم الله تعالى مِنْ ذلك بما تقومُ به الحُجَّةُ على أقوامِهم، كما في قولِ صالحٍ وشعيبٍ ﵉ لقومِهما: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
стр. 62
قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣، ٨٥]، وقولِ موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وقولِ موسى ﵇: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠].
وهو المنهجُ الذي أمرَ الله رسولَه محمداً ﷺ وكُلَّ مَنْ تبعَه بالسَّيرِ عليه؛ فقالَ سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ أي: على علمٍ ويقينٍ، وحُجَّةٍ واضحةٍ (١). قالَ السَّمعاني (ت: ٤٨٩): «والبصيرةُ هي: المعرفةُ التي يُمَيَّز بها بين الحقِّ والباطلِ» (٢).
وقد دَلَّ العقلُ والنَّظرُ الصَّحيحُ كذلك على لزومِ الاستدلالِ في مقامِ التَّقريرِ أو المناظرةِ، ومِن ثَمَّ كانَ مِنْ أصولِ البحثِ والجدلِ قولُهم: «إن كنت مدَّعياً فالدَّليلُ، أو مستدلاً فالصِّحَّةُ» (٣)؛ فالدَّليلُ شرطٌ لِصِحَّةِ الدَّعوى، وصِحَّةُ الدَّليلِ شرطٌ لقبولِه. وحيثما خَلَت المناظرةُ عن الدَّليلِ صارت مُخاصَمَةً مذمومةً، باعثُها الكِبْرُ والهوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].
فإذا كانَ ذلك المنهجُ الشرعيُّ، والأصلُ العقليُّ العلميُّ لازماً لإثباتِ أيِّ قضيةٍ ودعوى؛ فإنَّه في مقامِ بيانِ مُرادِ الله تعالى مِنْ كلامِه ألزَمُ وأوجبُ؛ لأنَّ الخبرَ عن الله ليس كالخبرِ عن غيرِه، والدعوى عن الله جليلةٌ عظيمةٌ ما لم تكُنْ عن بَيِّنةٍ وبرهانٍ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا
стр. 63
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى أن قالَ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقالَ تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ومِن هذا البابِ جاءَ تحريمُ القولِ في كتابِ الله بالرّأيِ والهوى بلا عِلمٍ؛ فعن ابنِ عباس ﵁ مرفوعاً: «مَنْ قالَ في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوّأ مقعدَه مِنْ النّارِ» (١)، وقالَ أبو بكر ﵁: «أيُّ سماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إن قلتُ في كتابِ الله ما لا أعلم» (٢)، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «وغيرُ جائِزٍ أن يُقَالَ في تأويلِ كتابِ الله بما لا دِلالَةَ عليه مِنْ بعضِ الوجوهِ التي تقومُ بها الحُجَّة» (٣)، ونصَّ على ذلك ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) (٤)، والزركشي (ت: ٧٩٤) (٥)، ونقلَ النَّووي (ت: ٦٧٦) الإجماعَ عليه بقولِه: «ويحرُمُ تفسيرُه بغيرِ عِلمٍ، والكلامُ في معانيه لمَن ليس مِنْ أهلِها، والأحاديثُ في ذلك كثيرةٌ، والإجماعُ مُنعقِدٌ عليه» (٦).
стр. 64
وقد قالَ العلماءُ في معنى الرأيِ الذي يحرمُ به التَّفسيرُ عِدَّةَ أقوالٍ، تجتمعُ في ثلاثةِ معانٍ:
أوَّلُها: التَّفسيرُ بغيرِ دليلٍ؛ بل بمجرَّدِ الظنِّ والهوى، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «ما كانَ مِنْ تأويلِ القرآنِ الذي لا يُدرَكُ علمُه إلا بنَصِّ بيانِ رسولِ الله ﷺ ، أو بِنَصْبِهِ الدَّلالَةَ عليه = فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القيلُ فيه برأيه» (١)، وقالَ الجَصَّاص (ت: ٣٧٠): «إنَّما هو في مَنْ قالَ فيه بما سَنَحَ في وَهْمِه، وخَطَرَ على بالِه، مِنْ غيرِ اسْتِدْلَالٍ عليه بالأُصُولِ» (٢)، وقالَ البيهقي (ت: ٤٥٨): «إنما أراد -والله أعلم- الرأيَ الذي يغلِبُ مِنْ غيرِ دليلٍ قامَ عليه، فمثلُ هذا لا يجوزُ تفسيرُ القرآنِ به» (٣)، وقد أشارَ إلى هذا المعنى ابنُ حزم (ت: ٤٥٦)، وابنُ العربي (ت: ٥٤٣)، وابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والنَّووي (ت: ٦٧٦)، وابنُ تيمية (ت: ٧٢٨)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابنُ القيّم (ت: ٧٥١)، والشّاطبي (ت: ٧٩٠)، والزركشي (ت: ٧٩٤)، وابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) (٤). وقالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «وهو الذي اختارَه غيرُ واحدٍ مِنْ العلماءِ» (٥).
وثانيها: التَّفسيرُ بالدَّليلِ الباطلِ، كتفاسيرِ الفلاسفةِ، والباطنيَّةِ،
стр. 65
والمتكلمين، وبعضِ المتصوِّفة، في استدلالِهم على معانيهم بالعقائدِ الباطلةِ، والأصولِ العقليَّة الفاسدةِ (١)، قالَ أبو الحسن الأشعري (٢) (ت: ٣٢٤): «ورأيتُ الجُبَّائيَّ (٣) ألَّفَ في تفسيرِ القرآنِ كتاباً أَوَّلَه على خلافِ ما أنزلَ الله ، وعلى لغةِ أهلِ قريتِه المعروفةِ بجُبَّى (٤)، وليس مِنْ أهلِ اللسانِ الذي نزلَ به القرآنُ، وما رَوى في كتابِه حرفاً واحداً عن أحدٍ مِنْ المفسرين، وإنَّما اعتمدَ على ما وسوسَ به صدرُه وشيطانُه» (٥)، ومِن ذلك ما سَمَّاهُ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) ب (التَّفسيرِ على المَذْهَبِ) (٦)؛ وقد بَيَّنَهُ بقولِه: «يجعلون الألفاظَ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصلُ، ويجعلون ما قالَه اللهُ ورسولُه تَبَعاً لهم، فيرُدُّونها بالتَّأويلِ والتَّحريفِ إلى معانيهم، ويقولون: نحن نُفَسِّر القرآنَ بالعقلِ واللغةِ. يَعنُون أنَّهم يعتقدون معنىً بعقلِهم ورأيِهم، ثم يتأوَّلون القرآنَ عليه، بما يُمكِنُهم مِنْ التأويلاتِ والتَّفسيراتِ المُتضمِّنةِ لتحريفِ الكَلمِ
стр. 66
عن مواضعِه .. ، وهذه طريقٌ يشتركُ فيها جميعُ أهلِ البدعِ الكِبارِ والصِّغارِ، فهي طريقُ الجهميَّةِ، والمعتزلةِ، ومَن دخلَ في التَّأويلِ مِنْ الفلاسفةِ، والباطنيَّةِ، والملاحدةِ» (١)، ولمَّا توافقَ اختيارُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مع بعضِ التَّعليلِ الذي لا يرى صوابَه، نبَّه إلى أنَّ مبنى اختيارِه الدَّليلُ، ولم يحْمِلْه عليه ذلك الرأيُ الفاسِدُ، فقالَ: «فأمَّا نحنُ فإنَّما اخترنا ما اخترنا مِنْ التَّأويلِ طلبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ في المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللهُ تعالى ذِكرُه قد كانَ أنْسى نبيَّه بعضَ ما نَسخَ مِنْ وَحيِه إليه وتنْزيلِه» (٢).
وثالثها: التَّفسيرُ بنوعٍ مِنْ الأدِلَّةِ مع إغفالِ الأدلَّةِ الأُخرى، قالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «مَنْ يتسارع إلى تفسيرِ القرآنِ بظاهِرِ العربيَّةِ، مِنْ غيرِ استظهارٍ بالسَّماعِ والنَّقلِ .. كَثُرَ غَلَطُه، ودَخَلَ في زُمرَةِ مَنْ فَسَّرَ القرآنَ بالرَّأي» (٣)، وقالَ النَّووي (ت: ٦٧٦): «ثُمَّ المفسرون برأيهِم مِنْ غيرِ دليلٍ صحيحٍ أقسامٌ .. ، مِنهم مَنْ يُفسِّرُ ألفاظَه العربيَّةَ مِنْ غيرِ وقوفٍ على معانيها عند أهلِها، وهي مِمَّا لا يؤخَذُ إلا بالسَّماعِ مِنْ أهلِ العربيَّةِ وأهلِ التَّفسيرِ .. ، ولا يكفي في ذلك معرفةُ العربيَّةِ وحدَها، بل لا بُدَّ معها مِنْ معرِفةِ ما قالَه أهلُ التَّفسيرِ فيها؛ فقد يكونون مُجتمعينَ على تركِ الظَّاهرِ، أو على إرادةِ الخُصوصِ، أو الإضمارِ، أو غيرِ ذلك مِمَّا هو خِلافُ الظَّاهرِ» (٤)، وقالَ ابنُ
стр. 67
عاشور (ت: ١٣٩٣): «مَنْ لا يتدبَّر القرآنَ حقَّ تدبُّره؛ فيفسِّرَه بما يخطرُ له مِنْ بادئ الرَّأي، دون إحاطةٍ بجوانبِ الآيةِ، وموادِّ التَّفسيرِ، مقتصراً على بعضِ الأدِلَّةِ دون بعضٍ؛ كأن يعتمد على ما يبدو مِنْ وجهِ العربيَّةِ فقط .. أو ما يبدو مِنْ ظاهرِ اللغةِ دون استعمالِ العربِ .. فهذا مِنْ الرَّأي المذمومِ لفسادِه» (١).
وكلُّ هذه الأنواعِ مبعثُها الرأيُ والهوى بلا علمٍ، ويشهدُ لتلك المعاني حديثُ جُندُب ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «مَنْ قالَ في القرآنِ برأيِهِ فأصابَ فقد أخطَأ» (٢)، قالَ الماوردي (ت: ٤٥٠): «معناه: أن مَنْ حملَ القرآنَ على رأيه، ولم يعمَلْ على شواهدِ ألفاظِه، فأصابَ الحقَّ، فقد أخطأَ الدَّليلَ» (٣)؛ وذلك أنَّ الإصابةَ هنا ما كانَت عن علمٍ، ودليلٍ مُعتَبَرٍ، واستيفاءِ نَظَرٍ، فهو وإن أصابَ في النَّتيجةِ مصادفةً، فقد أخطأَ الطريقةَ قَصداً، ولا يُعفِيه صوابُ جوابِه عن المؤاخذةِ بإتيانِ الأمر مِنْ غيرِ بابِه، قالَ الإمامُ الشّافعيّ (ت: ٢٠٤): «ومَن تَكَلَّفَ ما جَهِلَ وما لَم تُثبِتهُ مَعرفَتُهُ، كانَت موافَقَتُه للصَّوابِ -إن وافَقَهُ مِنْ حيث لا يَعرفُه- غيرَ محمودَةٍ، واللُه أعلم، وكانَ بِخَطَئِهِ غيرَ معذورٍ» (٤)، وقالَ ابنُ
стр. 68
جريرٍ (ت: ٣١٠): «لأنَّ إصابَتَهُ ليست إصابةَ موقِنٍ أنَّهُ مُحِقّ، وإنَّما هو إصابةُ خارِصٍ وظانٍّ، والقائلُ في دينِ الله بالظَنِّ قائلٌ على الله ما لا يعلم، وقد حَرَّمَ الله جَلَّ ثناؤُه ذلك في كتابِه على عبادِه» (١)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «كمَن حكمَ بين النّاسِ على جهلٍ فهو في النّارِ، وإن وافقَ حكمُهُ الصَّوابَ في نَفسِ الأمرِ، لكن يكونُ أخفُّ جُرماً ممَّن أخطأَ، وهكذا سَمَّى اللهُ تعالى القَذَفَةَ: كاذبين. فقالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فالقاذفُ كاذبٌ، ولو كانَ قد قذفَ مَنْ زَنَى في نَفسِ الأَمرِ؛ لأنَّه أخبرَ بِمَا لا يَحِلُّ لَه الإخبارُ به، وتَكَلَّفَ ما لا عِلمَ لَهُ به» (٢).
ولأجل ذلك اشتهرَ عن بعضِ السَّلفِ التَّهيّبُ مِنْ الكلامِ في كتابِ الله تعالى ما لم تكن لأحدِهم حُجَّةٌ بَيِّنة، وكانَ ذلك مِمَّا رَسَّخَ منهجَ الاستدلالِ في تفاسيرِهم وأبرزَه جَلِيّاً، فعن مسروق (ت: ٦٢) قالَ: «اتقوا التَّفسيرَ؛ فإنَّما هو الروايةُ على الله ) (٣)، وقالَ إبراهيمُ النَّخعي (ت: ٩٦): «كانَ أصحابُنا يتَّقون التَّفسيرَ ويهابونَه» (٤)، وقالَ الشَّعبي (ت: ١٠٣): «والله ما مِنْ آيةٍ إلا وقد سألتُ عنها، ولكنَّها الرِّوايةُ عن الله تعالى» (٥)، وقالَ عبيدُ الله بن عمر (ت: ١٤٧): «كانَ مَنْ أدركتُ
стр. 69
مِنْ أهلِ المدينةِ يُعَظِّمون القولَ في التَّفسيرِ؛ سالم (١)، والقاسم (٢)، وسعيد بن المسيَّب، ونافع (٣)(٤).
وفي مُقابِل ذلك نَصَّ العلماءُ على أنَّ مَنْ عَرَفَ الشاهِدَ والدَّليلَ جازَ له أن يتكَلَّمَ في كتابِ الله تعالى إجْماعاً، بل يَجِبُ عليه البيانُ وقتَ الحاجةِ، قالَ البيهقي (ت: ٤٥٨): «وأَمَّا الرأيُ الذي يَشُدُّه برهانٌ فتفسيرُ القرآنِ به جائزٌ» (٥)، وقالَ النَّووي (ت: ٦٧٦): «وأمَّا تفسيرُه للعُلماءِ فجائِزٌ حسَنٌ، والإجماعُ مُنعقِدٌ عليه» (٦)، وقالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «فأما مَنْ تكلم -أي في التَّفسيرِ- بما يعلمُ مِنْ ذلك لغةً وشرعاً = فلا حرجَ عليه .. وهذا هو الواجبُ على كُلِّ أحدٍ؛ فإنَّهُ كما يجبُ السُّكُوتُ عَمَّا لا عِلمَ له به، فكذلك يجبُ القولُ فِيمَا سُئِلَ عَنهُ مِمَّا يَعْلَمُه؛ لقولِه تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]» (٧)، وقالَ الزَّركشي (ت: ٧٩٤): «وعلى العلماءِ اعتمادُ الشواهدِ والدلائلِ، وليس لهم أن يعتَمِدوا مُجَرَّدَ رأيِهم فيه» (٨).
стр. 70
وبهذا يتبَيَّنُ أنَّه لا سبيلَ إلى إصابةِ الحقِّ في بيانِ معاني كتابِ الله تعالى إلا بمعرفةِ الدَّليلِ، وأنَّ الكلامَ فيه بغيرِ دليلٍ بابٌ عظيمٌ مِنْ أبوابِ التَّقَوُّلِ على الله، وسببٌ عظيمٌ مِنْ أسبابِ الزَّللِ والخطأِ، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠): «أحقُّ المفسِّرين بإصابَةِ الحقِّ في تأويلِ القرآنِ: أوضَحُهم حُجَّةً فيما تأَوَّلَ وفسَّرَ؛ ممّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ الله ﷺ دون سائرِ أمَّتِه .. ، وأوضَحُهم برهانًا فيما ترجَمَ وبيَّنَ مِنْ ذلك؛ ممّا كانَ مُدرَكًا عِلمُه مِنْ جِهَةِ اللِّسانِ .. ، كائِناً مَنْ كانَ ذلك المتأوِّلُ والْمُفسِّرُ» (١).
المطلبُ الثّالثُ: مصادرُ أدلَّةِ المعاني في التَّفسيرِ.
لَمّا كانَ الاستدلالُ على المعاني بتلك المكانةِ في علم التَّفسيرِ، كانَت الأدلَّةُ ومناهجُ الاستدلالِ بها محلَّ عنايةِ واهتمامِ المفسِّرين وعامَّةِ العلماءِ، ولمعرفةِ تلك الأدلَّةِ يتعيَّنُ الرُّجوعُ إلى نوعَيْن مِنْ المصادرِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: المصادرُ الأصليَّةُ؛ والتي تُعَرِّفُ بكافَّةِ أدلَّةِ المعاني على وجهِ الإجمالِ أو التَّفصيلِ، ومِن جِهةِ التَّنظيرِ أو التَّطبيقِ. وهي: كُتُبُ التَّفسيرِ، وأصولِه، وعلومِ القرآن بعامَّةٍ؛ فلا يكادُ يخلو كتابٌ مِنْ كتبِ (التَّفسيرِ) المتوسِّطَة والموَسَّعةِ مِنْ حديثٍ عن الأدِلَّةِ ومناهجِ الاستدلالِ بها؛ سواءٌ كانَ ذلك الحديثُ في مقدِّماتِ التَّفاسيرِ-وهو الأغلبُ-، أو في أثنائِها. كما اشتملَت كتبُ (أصولِ التَّفسيرِ) على بيانٍ
стр. 71
موَسَّعٍ لأنواعِ الأدلَّةِ، ومراتِبِها، وطرقِ الاستدلالِ بها على المعاني، والمنهجِ الحَقِّ في الاستدلالِ، مع التَّعرُّضِ لأنواعٍ مِنْ الأدلَّةِ المردودةِ، والمناهجِ المنحرفةِ في الاستدلالِ. ومثلُها في ذلك كتبُ (علومِ القرآنِ)، مع شيءٍ مِنْ الاختصارِ.
النَّوعُ الثّاني: المصادرُ المُسَاندةُ؛ والتي تتناولُ مباحثَ مفرَدةً مِنْ أَدِلَّةِ المعاني، ومناهجِ الاستدلالِ بها، مِنْ جِهَةِ تعلُّقِها بتلك العلومِ؛ كمباحثِ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، ودلالاتِ الألفاظِ، وتعارضِ الأدلَّةِ والتَّرجيحِ، مِنْ كتبِ (أصولِ الفقهِ)، ومباحثِ الاستدلالِ بلغةِ العربِ، وعاداتِها في الخطابِ، مِنْ أشعارِها ومشهورِ كلامِها، مِنْ كتبِ (فقهِ اللغةِ والمعاجمِ)، ومباحثِ السُّنَّةِ ومناهجِ الاستدلالِ بها مِنْ كتبِ (الحديثِ وأصولِه)، ومباحثَ أخرى متفرِّقةً في كتبِ (الاعتقادِ، والسيرةِ، والتواريخِ والأخبارِ).
وقد استوفَت هذه المصادرُ الحديثَ عن كثيرٍ مِنْ مسائلِ أدِلَّةِ المعاني ومناهجِها؛ لأنَّ غالبَ تلك المسائلِ مِمَّا تشتركُ فيه العلومُ، وتَتَّحِدُ فيه مناهجُ العقلاءِ، ولذا كانَ مِنْ شرطِ المُفسِّرِ الإلمامُ بأنواعٍ مِنْ تلك العلومِ على التَّمامِ؛ لمعرفةِ المعنى على الوجهِ الصَّحيحِ، ثُمَّ الاستعانةُ بباقي العلومِ؛ لجودَةِ الفهمِ، وسلامةِ الاستنباطِ، وحُسنِ البيانِ. (١)
* * *
стр. 72
• البابُ الأوَّلُ: أدلَّةُ المعاني عند ابنِ جريرٍ في تفسيرِه.
ويشتملُ على فصلَيْن:
الفصلُ الأوَّلُ: عنايةُ ابنِ جريرٍ بالاستدلالِ على المعَاني في التَّفسيرِ.
الفصلُ الثّاني: تفصيلُ أدلَّةِ المعاني عند ابنِ جريرٍ في تفسيرِه.
стр. 73
الفصلُ الأوَّلُ: عنايةُ ابنِ جريرٍ بالاستدلالِ على المعَاني في التَّفسيرِ.
وفيه ثلاثةُ مباحث:
المبحثُ الأوَّلُ: أقسامُ المعاني القرآنيَّةِ.
المبحثُ الثّاني: أنواعُ الاستدلالِ على المعاني في التَّفسيرِ.
المبحثُ الثّالثُ: أثرُ منهجِ ابنِ جريرٍ النَّقديِّ في إبرازِ أدلَّةِ المعاني ووجوهِ الاستدلالِ بها في تفسيرِه.
стр. 74
المبحثُ الأوَّلُ: أقسامُ المعاني القرآنيَّةِ.
تنقسمُ المعاني القرآنيَّةِ مِنْ حيثُ طرقِ بيانِها إلى قسمين، هما:
١ - معاني المفرداتِ.
٢ - معاني التَّراكيبِ.
ولا يَخرجُ بيانٌ لمعاني القرآنِ عن هذين الوجهين بحالٍ؛ فإنَّ المُفسِّرَ إمَّا أن يُبيِّنَ المعنى الإفراديَّ لِلَّفظَةِ، وإمَّا أن يُبَيِّنَ المعنى التَّركيبيَّ الإجماليَّ للجُملَةِ، وكلاهُما بيانٌ وتفسيرٌ (١)، وكلا الطَّريقَيْن موجودٌ في تفاسيرِ السَّلفِ فمَن بعدهم، وكلاهُما سَلَكَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، وهذا بيانٌ لأحوالِ تلك المعاني:
القسمُ الأوّل: معاني المفردات.
وهو البيان اللفظيُّ لمعنى المُفرَدَة القرآنية، ويُسميه بعضُ العلماء: (التَّفسير على اللفظ) (٢)، وغايته بيانُ معنى اللفظةِ المُطَابقِ، مع
стр. 75
الاستشهادِ عليه -أحياناً- بكلامِ العربِ نثراً أو شعراً، وهو المسلَكُ الذي سارَت عليه معاجمُ اللغة. وأكثرُ ما يكون البحثُ في هذا النوعِ في غريبِ ألفاظِ القرآنِ وغيرِ المشهورِ مِنها؛ ولذلك كَثُرَ اعتناءُ اللغويين به، وصارَ موضوعَ كُتب (غريبِ القرآن). وقد بَيَّن الزركشيُّ (ت: ٧٩٤) وجوهَ النظرِ في المفردات القرآنية، وحصرَها في ثلاثِ جهاتٍ:
الأولى: جهةُ المعاني التي وُضِعَت الألفاظ المُفرَدة بإزائِها. وهذا يتعلقُ بعلمِ اللغةِ والمعاجمِ.
الثّانية: جهةُ الهيئاتِ والصِّيَغ الوارِدةِ على المفرداتِ؛ الدَّالَّةِ على المعاني المختلفةِ. وهذا يتعلَّق بعلمِ التَّصريفِ.
الثّالثة: جهةُ رَدِّ الفروعِ المأخوذةِ مِنْ الأصولِ إليها. وهذا يتعلَّقُ بعلمِ الاشتقاقِ. (١)
ثُمَّ هذا النوعُ مِنْ البيانِ مُتَقدِّمٌ على المعنى التَّركيبيِّ الإجماليِّ، وأصلٌ له؛ فينبغي البداءَةُ به قبل التركيبيّ، قالَ ابنُ الأثير (ت: ٦٠٦): «ثمَّ الألفاظُ تنقَسمُ إلى: مُفردَةٍ ومُركَّبة، ومعرفةُ المفردةِ مقَّدمةٌ على معرفةِ المركَّبةِ؛ لأنَّ التركيبَ فَرْعٌ عن الإفرادِ» (٢)، وقالَ الرّاغبُ الأصفهاني (٣) (ت: بعد ٤٠٠): «أوَّلُ ما يحتاجُ أن يُشتغلَ به من علومِ