← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1465

الاستدلال في التفسير دراسة في منهج الطبري

نايف الزهراني

Полный текст (633 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شِيَمٍ؛ فصَحَّحَت الشَّريعةُ مِنها ما هو صحيحٌ وزادَت عليه، وأبطلَت ما هو باطلٌ، وبيَّنَت منافعَ ما ينفعُ مِنْ ذلك، ومضارَّ ما يضُرُّ مِنه» (١). ومِن ثَمَّ يتقرَّرُ أنَّه: كما لا يصِحُّ فهمُ القرآنِ بغيرِ لسانِ العربِ، فكذلك لا يصِحُّ فهمُه على غيرِ معهودِ العربِ ومجاري أحوالِها. ثانياً: أنَّ مِنْ القرآنِ ما لا يُمكنُ فهمُه على الصَّوابِ بغيرِ معرفةِ أحوالِ مَنْ نزلَ فيهم؛ لأنَّه جارٍ على عُرفِهم، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «ما تقرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّريعةِ، وأنَّها جاريةٌ على مذاهبِ العربِ، ينبني عليه قواعدُ .. ، مِنها: أنَّه لا بُدَّ في فهمِ الشَّريعةِ مِنْ اتِّباعِ معهودِ الأمِّيّين؛ وهم: العربُ الذين نزلَ القرآنُ بلسانِهم، فإن كانَ للعربِ في لسانِهم عُرْفٌ مُستمرٌّ، فلا يصحُّ العدولُ عنه في فهمِ الشَّريعةِ، وإن لم يكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فلا يصحُّ أن يُجْرى في فَهمِها على ما لا تعرِفُه» (٢). ومِن هنا شَرَطَ العُلماءُ العلمَ بأحوالِ النُّزولِ في العالِمِ ومَن أرادَ أن يتكلَّمَ في التَّفسيرِ، فقالَ الشّافعي (ت: ٢٠٤): «لا يحِلُّ لأحدٍ يُفتي في دينِ الله إلّا رجُلاً عارِفاً بكتابِ الله؛ بناسِخِه ومَنْسوخِه، ومُحكَمِه ومُتشابِهِه، وتأويلِه وتَنْزيلِه، ومَكِّيِّه ومدَنِيِّه، وما أُريدَ به، وفيما أُنْزِلَ» (٣)، وقالَ ابنُ فارس (ت: ٣٩٥): «وفي كتابِ الله جلَّ ثناؤُه ما لا يُعلَمُ معناه إلا بمعرِفةِ قِصَّتِه» (٤)، وقالَ أبو القاسمِ

стр. 457

النَّيْسابوري (١) (ت: ٤٠٦) بعد أن عدَّدَ وُجوهاً مِنْ علمِ المَكّيِّ والمَدنِيِّ: «فهذه خمسةٌ وعشرون وَجهاً، مَنْ لم يَعرِفْها، ويُميِّزْ بينها، لم يحِلّ له أن يتكلَّمَ في كتابِ الله ) (٢)، وقالَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣): «وقد تصفَّحتُ أسبابَ النُّزولِ التي صَحَّت أسانيدُها، فوجدتُها خمسةَ أقسامٍ: الأوَّلُ: هو المَقصودُ مِنْ الآيةِ ويتوقَّفُ فهمُ المُرادِ مِنها على عِلمِه، فلا بُدَّ مِنْ البَحثِ عنه لِلمُفسِّرِ» (٣). ثالثاً: شهادةُ العقلِ بأنَّ أحوالَ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ بها على تعيينِ المُرادِ مِنْ المعاني، قالَ الواحديّ (ت: ٤٦٨) عن أسبابِ النُّزولِ: «هي أَوفى ما يجبُ الوقوفُ عليها، وأَولى ما تُصرَفُ العنايةُ إليها، لامتناعِ معرفةِ تفصيلِ الآيةِ، وقَصْدِ سبيلِها، دون الوقوفِ على قِصَّتِها، وبيانِ نُزولِها» (٤)، وقالَ ابنُ دقيقٍ العيد (ت: ٧٠٢): «بيانُ سبَبِ النُّزولِ طريقٌ قويٌّ في فَهمِ معاني الكتابِ العزيزِ» (٥)، وقالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «معرفةُ سببِ النُّزولِ يُعينُ على فَهمِ الآيةِ؛ فإنَّ العلمَ بالسَّبَبِ يُورِثُ العلمَ بالمُسَبَّبِ» (٦)، وبيَّنَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) «أنَّ علمَ المعاني والبيانِ

стр. 458

الذي يُعرَفُ به إعجازُ نَظْمِ القرآنِ، فَضْلاً عن معرفةِ مقاصِدِ العربِ = إنَّما مدارُه على معرفةِ مُقتضياتِ الأحوالِ» (١). وقد ذكرَ ابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) (أخبارَ العربِ) ضمنَ مَبحثِ: استِمدادِ علمِ التَّفسيرِ. وقالَ: «فبمَعرفةِ الأخبارِ يُعرَفُ ما أشارَتْ له الآياتُ مِنْ دقائِقِ المعاني» (٢). رابعاً: أنَّ العلمَ بأحوالِ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ به كذلك في دفعِ الشُّبَهِ والإشكالاتِ الواردةِ على المعاني، قالَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨): «مَنْ لم يُحِطْ عِلماً بأسبابِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَظُمَ خَطَؤُه» (٣)، وقالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «الجَهلُ بأسبابِ التَّنزيلِ مُوقِعٌ في الشُّبَهِ والإشكالاتِ، ومُورِدٌ للنُّصوصِ الظّاهرةِ مَوْرِدَ الإجمالِ حتى يقعَ الاختلافُ، وذلك مَظَنَّةُ وقوعِ النِّزاعِ .. ، وهكذا شأنُ أسبابِ النُّزولِ في التَّعريفِ بمعاني المُنَزَّلِ، بحيث لو فُقدَ ذِكرُ السَّببِ لم يُعْرَفْ مِنْ المُنَزَّلِ معناه على الخُصوصِ، دون تطرُّقِ الاحتمالاتِ، وتوَجُّهِ الإشكالاتِ» (٤)، وقالَ: «معرفةُ عاداتِ العربِ في أقوالِها وأفعالِها ومجاري أحوالِها حالةَ التَّنزيلِ -وإن لم يكُنْ ثَمَّ سبَبٌ خاصٌّ- لا بُدَّ لمَن أرادَ الخَوضَ في علمِ القرآنِ مِنه، وإلا وقعَ في الشَّبَهِ والإشكالاتِ التي يتعذَّرُ الخروجُ مِنها إلا بهذه المَعرفةِ» (٥).

стр. 459

ومِن هنا شابَهَتْ أحوالُ النُّزولِ السّياقَ؛ إذْ كلاهما يعيِّنان المُرادَ، ويُضيفان قُيوداً على مُطلَقِ المعنى اللُّغويِّ، ويمنعان العمومَ عند عدمِ القرائنِ، ويدفعان الشُّبهَ والإشكالاتِ عن المعاني (١)، ومِن ثَمَّ كانَت قِسماً مِنْ أقسامِ السّياقِ في استعمالاتِ أهلِ المعاني والبيانِ (٢). خامساً: اعتمادُ السَّلفِ على أحوالِ النُّزولِ في بيانِ المعاني، والاستدلالِ لها، وذلك مِنهم هديٌ عامٌّ لا يُعرَفُ عنهم فيه خِلافٌ، ومِن نُصوصِهم في أهميَّةِ ذلك قَولُ ابنِ مسعودٍ ﵁: «والذي لا إله غيرُه ما نزلتْ آيةٌ من كتابِ الله إلّا وأنا أعلمُ فيمَ نزَلَتْ؟ وأينَ نزَلَتْ؟ ولو أعلمُ مكانَ أحدٍ أعلَمَ مِنّي بكتابِ الله تبلُغُه الإبلُ لأَتيتُه» (٣)، قالَ الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠): «وهذا يُشيرُ إلى أنَّ عِلمَ الأسبابِ مِنْ العلومِ التي يكونُ العالمُ بها عالِماً بالقُرآنِ. وعن الحسنِ أنَّه قالَ: ما أنزلَ الله آيةً إلا وهو يُحِبُّ أن يُعلَمَ فيمَ أُنزِلَتْ؟ وماذا أرادَ بها. وهو نَصٌّ في المَوضِعِ، مُشيرٌ إلى التَّحريضِ على تعلُّمِ عِلمِ الأسبابِ. وعن ابنِ سيرين قالَ: سألتُ عَبيدَةَ عن شَيءٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: اتَّقِ الله وعليك بالسَّدادِ؛ فقد ذهبَ الذين يعلمون فيمَ أُنْزِلَ القرآنُ» (٤)، ومِن شواهدِ حِرصِهم في هذا البابِ قولُ عكرمة (ت: ١٠٥) في قولِه تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]: «طلبتُ اسمَ هذا الرَّجلِ أربعَ عشرةَ سنةً حتى

стр. 460

وجدتُه» (١)، قالَ القرطبي (ت: ٦٧١): «وفي قولِ عكرمةَ هذا دليلٌ على شرفِ هذا العلمِ قديماً، وأنَّ الاعتناءَ به حَسَنٌ، والمَعرفةَ به فَضلٌ، ونَحوٌ مِنه قولُ ابنِ عباسٍ: مكَثتُ سنتَيْن أُريدُ أن أسألَ عُمرَ عن المَرأتَيْن اللَّتَيْن تظاهرَتا على رسولِ الله ﷺ ، ما يمنعُني إلا مهابتُه (٢) (٣). وشواهدُ استدلالِ السَّلفِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني كثيرةٌ مُتوافرَةٌ؛ مِنها قولُ سعيد بن جبير (ت: ٩٥) في قولِه تعالى ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]: «قالَ: القِداحُ؛ كانوا إذا أرادوا أن يَخرُجوا في سَفرٍ جعلوا قِداحاً للخروجِ والجلوسِ، فإن وقعَ الخُروجُ خرجوا، وإن وقعَ الجُلوسُ جلسوا» (٤)، وحين سُئِلَ عن قولِه تعالى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، أهُو عبدُ الله بن سلَامٍ؟ قالَ: «هذه السُّورةُ مكيَّةٌ، فكيف يكونُ عبدَ الله بن سلَامٍ!» (٥)، وقالَ مُجاهد (ت: ١٠٤): «كانوا يحُجّون ولا يَتَّجِرون، فأنزلَ الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، في المَواسِمِ» (٦)، وقالَ عطاءُ الخراسانيّ (ت: ١٣٥): «إنَّما نزلَ القرآنُ على قَدرِ معرِفتِهم؛ ألا ترى إلى قولِ الله تعالى ذِكرُه ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]، وما جعلَ لهم مِنْ السُّهولِ أعظمُ وأكثَرُ؛ ولكنَّهم

стр. 461

كانوا أصحابَ جبالٍ، ألا ترى إلى قولِه ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وما جعلَ لهم مِنْ غيرِ ذلك أعظمُ مِنه وأكثرُ؛ ولكنَّهم كانوا أصحابَ وبَرٍ وشَعَرٍ، ألا ترى إلى قولِه ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، يُعَجِّبُهم مِنْ ذلك، وما أنزلَ مِنْ الثَّلجِ أعظمُ وأكثرُ؛ ولكنَّهم كانوا لا يُعرَفون به، ألا ترى إلى قولِه ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وما تَقي مِنْ البَرْدِ أكثرُ وأعظمُ؛ ولكنَّهم كانوا أصحابَ حَرٍّ» (١). وعلى هَديِ السَّلفِ في هذا جرى عملُ المُفَسِّرين، وقد نَصَّ بعضُهم على ذلك، فقالَ ابنُ عطيَّة (ت: ٥٤٦) عن تفسيرِه: «وقَصَدتُ أن يكونَ جامِعاً وَجيزاً؛ لا أذكرُ مِنْ القَصَصِ إلا ما لا تنفَكُّ الآيةُ إلا به» (٢)، وقالَ القُرطبي (ت: ٦٧١): «وأُضربُ عن كثيرٍ مِنْ قَصَصِ المُفسِّرين، وأخبارِ المُؤَرِّخين، إلا ما لا بُدَّ مِنه، ولا غِنىً عنه للتَّبيِين» (٣)، وقالَ ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): «وأمّا نحنُ فاقتصَرنا في هذا الكِتابِ مِنْ القَصَصِ على ما يتوقَّفُ التَّفسيرُ عليه» (٤)، وقالَ ابنُ سعدي (ت: ١٣٧٦): «فالنَّظرُ لسياقِ الآياتِ، مع العِلمِ بأحوالِ الرَّسولِ وسيرَتِه مع أصحابِه وأعْدائِه وقتَ نُزولِه، مِنْ أعظمِ ما يُعينُ على مَعرِفتِه، وفَهمِ المُرادِ مِنه» (٥). بل جعلَ بعضُ العُلماءِ أحوالَ النُّزولِ مِنْ معنى علمِ التَّفسيرِ، فقالَ

стр. 462

الثَّعلبي (ت: ٤٢٧): «قالت العُلماءُ: التَّفسيرُ: عِلمُ نُزولِ الآيةِ، وشَأنِها، وقِصَّتِها، والأسبابِ التي نزلَت فيها» (١)، وقالَ أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): «التَّفسيرُ عِلمٌ يُبحَثُ فيه عن كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ، ومَدلولاتِها، وأحكامِها الإفراديَّةِ والتَّركيبيَّةِ، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالَةَ التَّركيبِ، وتَتِمّاتٍ لذلك» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وقَولُنا: وتَتِمّاتٍ لذلك. هو: معرفةُ النَّسخِ، وسَبَبِ النُّزولِ، وقِصَّةٍ توضِحُ بعضَ ما انبَهمَ في القرآنِ، ونحوِ ذلك» (٣)، وقالَ الشَّوكاني (ت: ١٢٥٠): «المَقصودُ في كُتُبِ التَّفسيرِ ما يتعلَّقُ بتَفسيرِ ألفاظِ الكِتابِ العَزيزِ، وذِكرِ أسبابِ النُّزولِ، وبيانِ ما يُؤْخذُ مِنه مِنْ المسائِلِ الشَّرعيَّةِ. وما عدا ذلك فهو فَضْلَةٌ لا تدعو إليه حاجةٌ» (٤). وعِلَّةُ ضَمِّ أحوالِ النُّزولِ إلى صُلْبِ علِم التَّفسيرِ: أنَّ فيها تحديدًا للمُرادِ في مواضِعَ، كما أنَّ التَّفسيرَ: بيانُ المُرادِ مِنْ معاني القرآنِ الكريمِ. كما سبقَ تعريفُه، ولا يتِمُّ البيانُ إلا بدَفعِ الشُّبَه اللازمةِ، وزوالِ الإشكالِ، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨) في كلامِه على قولِه تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]: «الدَّليلُ لا يَتِمُّ إلاّ بالجوابِ عن المُعارِضِ؛ فالأدلَّةُ تشتبِه كثيراً بما

стр. 463

يُعارضُها، فلا بُدَّ مِنْ الفَرقِ بين الدَّليلِ الدّالِّ على الحقِّ، وبين ما عارضَه؛ ليتبيَّنَ أنَّ الذي عارضَه باطلٌ. فالدَّليلُ يحصلُ به الهُدى وبيانُ الحقِّ، لكن لا بُدَّ مع ذلك مِنْ الفُرقانِ؛ وهو الفَرقُ بين ذلك الدَّليلِ وبين ما عارضَه» (١). ومِن ثَمَّ لم يَقتصِرْ أهلُ التَّفسيرِ على لُغةِ العربِ في بيانِ المعاني -وإن كانَت أعظمَ ما يُستعانُ به لذلك-، بل ضَمّوا إليها ما لا بُدَّ مِنه مِنْ أحوالِ النُّزولِ؛ لتمامِ الواجبِ مِنْ البيانِ، وأشاروا إلى أنَّ مِنها ما يزيدُ عن الحاجةِ فلا يُستَرسَلُ فيه، كما قالَ ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): «وأما القَصَصُ فهي مِنْ جُملَةِ العلومِ التي تَضَمَّنَها القرآنُ، فلا بُدَّ مِنْ تفسيرِه، إلا أنَّ الضَّروريَّ مِنه ما يتوقَّفُ التَّفسيرُ عليه، وما سِوى ذلك زائِدٌ مُستَغنىً عنه» (٢). (٣) المطلبُ الثّالثُ: أوجه الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني. تتنوَّعُ صِيَغُ إيرادِ دليلِ أحوالِ النُّزولِ عند ابنِ جرير (ت: ٣١٠) إلى ثلاثةِ أنواعٍ: الأوَّل: التَّصريحُ بالاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ، ومِن ذلك قولُه: «وقد أبانَ الخبرُ الذي ذكرناه عن سعيد بن المُسيّبِ وسليمانَ بن يسارٍ أنَّ قولَه

стр. 464

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، نزَلَتْ في أمرِ رافعِ بن خَديجٍ وزوجتِه .. ، ففي ذلك دليلٌ واضِحٌ على أنَّ قولَه ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] إنَّما عنَى به: وأُحضِرَت أنفُسُ النِّساءِ الشُّحَّ بحُقوقِهنَّ مِنْ أزواجِهنَّ. على ما وَصَفْنا» (١)، وذكرَ قولَ ابنَ عباسٍ ﵁: «لمّا نزلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] في القومِ الذين كانوا حرَّموا النِّساءَ واللَّحمَ على أنفُسِهم، قالوا: يا رسولَ الله، كيف نصنَعُ بأيْمانِنا التي حلَفْنا عليها؟ فأَنزلَ اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] الآية» (٢)، ثُمَّ قالَ: «فهذا يدُلُّ على ما قُلنا مِنْ أنَّ القومَ كانوا حرَّموا ما حرَّموا على أنفُسِهم بأيْمانٍ حلَفوا بها، فنزلَتْ هذه الآيةُ بسبَبِهم» (٣). الثّاني: ذِكرُ أحوالِ النُّزولِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه: «القولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ذُكرَ أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ على رسولِ الله ﷺ في سببِ جماعةٍ مِنْ ضُعفاءِ المسلمين، قالَ المشركون له: لو طرَدتَ هؤلاءِ عنك لَغَشيناك وحضَرْنا مَجلِسَك» (٤)، ثُمَّ ذَكرَ الرِّواياتِ بذلك. ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ

стр. 465

يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]: «وكانَ معنى مَكرِ قومِ رسولِ الله ﷺ به ليُثْبِتوه كما حدَّثنا .. » (١)، ثُمَّ أسندَ رواياتِ السَّلفِ في سببِ نزولِها. الثّالثُ: إيرادُ أحوالِ النُّزولِ على سبيلِ التعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «وإنَّما قُلنا: إنَّ القولَ الأوَّلَ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الله أنزلَ قِصَّةَ أصحابِ الكَهفِ على نبيِّه احتِجاجاً بها على المشركين مِنْ قومِه، على ما ذكَرْنا في الرِّوايةِ عن ابنِ عباسٍ» (٢)، وهو سببُ نزولِها الذي أوردَه قبلَ ذلك (٣)، ومِثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]: «وأَولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ مَنْ قالَ: عُنيَ بها الذين قالوا: لو عرَفْنا أحبَّ الأعمالِ إلى الله لعمِلْنا به. ثُمَّ قصَّروا في العملِ بعدَ ما عرَفوا. وإنَّما قُلتُ: هذا القولُ أَولى بها؛ لأنَّ الله جلَّ ثَناؤُه خاطبَ بها المؤمنين فقالَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الصف: ٢]. ولو كانَت نزلَتْ في المنافقين لم يُسَمَّوْا ولم يُوصَفوا بالإيمانِ» (٤).

стр. 466

المطلبُ الرّابعُ: ضوابطُ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ على المعاني ومسائِلُه. أوَّلاً: طريقُ العِلمِ بأحوالِ النُّزولِ هو النَّقلُ وحدَه، ولا مدخلَ للعقلِ في ذلك، وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ذلك بقولِه عن آيةٍ تعدَّدَت فيها الأسبابُ: «ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحُجَّةُ أنَّها نزلَت في شيءٍ. ولا دلالَةَ في كتابٍ، ولا حُجَّةَ عَقْلٍ أيُّ ذلك عُنيَ بها» (١)، فخَصَّ النُّزولَ بالنَّقلِ، وعمَّ الدَّلالَةَ بالنَّقلِ والعَقْلِ. وقالَ عن أسبابٍ تعدَّدَت: «ولا علمَ لنا بأيِّ ذلك مِنْ أيٍّ؛ إذْ كانَ لا خبرَ بأحدِهما يوجِبُ الحُجَّةَ، ويُتوَصَّلُ به إلى يقينِ العلمِ به، وليس مِمّا يُدرَكُ عِلمُه بفِطرةِ العقلِ» (٢). وقد أكَّدَ العُلماءُ هذا المعنى أيضاً، فقالَ الثَّعلبي (ت: ٤٢٧): «قالت العُلماءُ: التَّفسيرُ: عِلمُ نُزولِ الآيةِ، وشَأنِها، وقِصَّتِها، والأسبابِ التي نزلَت فيها. فهذا وأضرابُه محظورَةٌ على النّاسِ القَولُ فيها إلا باستِماعٍ وأثَرٍ» (٣)، وقالَ الواحديّ (ت: ٤٦٨): «ولا يَحِلُّ القَولُ في أسبابِ نُزولِ الكتابِ إلا بالرِّوايةِ والسَّماعِ مِمَّنْ شاهدَ التَّنزيلَ، ووَقَفَ على الأسْبابِ» (٤)، وقالَ صاحبُ (المباني في علمِ المعاني): «الذين شاهدوا الأحوالَ، وعرَفوا سبَبَ نزولِ الآياتِ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، ثُمَّ الذين بعدَهم مِمَّنْ كانوا مِنْ عِلمِ تلك الأحوالِ بمنزلةِ

стр. 467

مَنْ شاهدَها؛ لِقُربِ عهدِهم بها، واستِفاضةِ أخبارِها لديهم؛ وهُم التابعون = هُمْ مَنْ كانَ يجوزُ لهم تفسيرُ آياتِ القرآنِ على مُقتضى ما شاهدوه وعرَفوه مِنْ أسبابِ نزولِها، وأحوالِ مَنْ نزَلَت فيهم، وليس لمَن بعدهم مِمَّنْ لم يتحقَّقوا تلك الأحوالَ إلا بأخبارٍ تُنقَلُ إليهم على ألْسِنةِ الرُّواةِ مِمّا لا يُقطَعُ على مُغيَّبِه باليَقينِ = أن يتعاطَوا هذا الوَجهَ مِنْ التَّفسيرِ، وإنَّما عليهم أن يَتْبَعوا أولئك السّابقين، ويتطلَّبوا مذاهبَهم وأقوالَهم في ذلك» (١). ومِن ثَمَّ فمَنهجُ قبولِ مرويّاتِ أحوالِ النُّزولِ يتفاوَتُ بحسبِ نوعِ الرِّوايةِ؛ فما كانَ مِنها عن رسولِ الله ﷺ ، فلَه حُكمُ ما يُروى عن رسولِ الله ﷺ في مَنهجَيْ النَّقلِ والاستدلالِ؛ على ما سبقَ بيانُه في دليلِ السُّنَّةِ، وما كانَ مِنه مِنْ أقوالِ السَّلفِ فيُرجَعُ فيه إلى مَنهجِ النَّقلِ عنهم، والاستدلالِ بأقوالِهم؛ فيما سبقَ بيانُه في دليلِ أقوالِ السَّلفِ. ولا يَخرُجُ المَنقولُ في أحوالِ النُّزولِ عن هذين الوَجْهَيْن، وفي الجُملَةِ فإنَّ مرويَّاتِ أحوالِ النُّزولِ مِنْ جِنسِ مرويّاتِ التَّفسيرِ في عمومِها، وفي هذا يقولُ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «وأمّا أحاديثُ سبَبِ النُّزولِ فغالبُها مُرسَلٌ ليس بمُسنَدٍ، ولهذا قالَ الإمامُ أحمد بن حنبل: ثلاثُ علومٍ لا إسنادَ لها -وفي لفظٍ: ليس لها أصلٌ-: التَّفسيرُ، والمغازي، والملاحِمُ. يعني أنَّ أحاديثَها مُرْسلَةٌ» (٢)، وقالَ مُجمِلاً منهجَ التَّعاملِ معها: «والمراسيلُ إذا تعدَّدت طرقُها، وخَلَت عن المواطأةِ

стр. 468

قَصداً، أو الاتِّفاقِ بغيرِ قَصدٍ، كانَت صحيحةً قَطعاً، فإنَّ النَّقلَ إمّا أن يكونَ صِدقاً مطابِقاً للخَبرِ، وإمّا أن يكونَ كذباً تعمَّدَ صاحِبُه الكذِبَ، أو أخطأَ فيه، فمتى سَلِمَ مِنْ الكذبِ العَمدِ والخطأِ كانَ صِدقاً بلا رَيْبٍ .. ، وهذا الأصلُ يَنبغي أن يُعرَفَ؛ فإنَّه أصلٌ نافِعٌ في الجَزمِ بكثيرٍ مِنْ المَنقولاتِ في الحديثِ والتَّفسيرِ والمَغازي، وما يُنقَلُ مِنْ أقوالِ النّاسِ وأفعالِهم، وغيرِ ذلك» (١)، وقد سبقَ التَّعريفُ بمَنهجِ العلماءِ في التَّعامُلِ مع تلك المرويَّاتِ، وإيضاحُ منهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فيها كذلك. (٢) ثانياً: كلُّ معنىً أضافَتْه أحوالُ النُّزولِ إلى المعنى اللُّغويِّ فهو في محلِّ التَّقديمِ والاعتبارِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]: «نزلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا لا يدخلون إذا أَحرَموا بُيوتَهم مِنْ قِبَلِ أبْوابِها» (٣)، ثُمَّ أسندَ ذلك مرويّاً عن السَّلفِ، ثُمَّ قالَ: «فتأويلُ الآيةِ إذنْ: وليس البِرُّ أيُّها النَّاسُ بأن تَأتوا البيوتَ في حالِ إحرامِكم مِنْ ظُهورِها .. » (٤)، وهذا مِمّا أضافَه سبَبُ النُّزولِ على لفظِ الآيةِ كما هو ظاهرٌ. ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]: «يقولُ جَلَّ ثناؤُه للجَهَلَةِ مِنْ العربِ الذين كانوا يتعرَّوْن للطَّوافِ بالبيتِ، اتِّباعاً مِنهم أمرَ

стр. 469

الشَّيطان، وتَرْكاً مِنهم طاعةَ الله .. » (١)، فهذا التَّخصيصُ في المعنى مأخوذٌ مِنْ حالِ العربِ في ذلك، وهو ما أسندَه بعد ذلك عن السَّلفِ، وجَرى عليه فيما تلاها مِنْ الآياتِ (٢). وكذلك فعلَ في قولِه تعالى ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]، فقالَ: «يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإذا جاءَك يا محمدُ هؤلاءِ الذين نُهوا عن النَّجوى، الذين وصَفَ الله جلَّ ثناؤُه صِفَتَهم، حيَّوْك بغيرِ التَّحيَّةِ التي جعَلَها الله لك تحيَّةً، وكانَت تحيَّتُهم التي كانوا يُحيّونَه بها -التي أخبرَ الله أنَّه لم يُحَيِّه بها- فيما جاءَت به الأَخبارُ أنَّهم كانوا يقولون: السّامُّ عليكم» (٣)، ثُمَّ أسنَدَ الرِّواياتِ الواردةِ بذلك، وجرى على تفسيرِها فيما بعدها. وهذا مِنْ الأَوجُهِ التي يتفرَّدُ بمعرِفتِها السَّلفُ مِنْ أهلِ التأويلِ عن أهلِ اللُّغةِ. ثالثاً: يشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ما يَقوى به الاستدلالُ بأحوالِ النُّزولِ عند الحاجةِ؛ كاتِّفاقِ العلماءِ عليه، أو صِحَّةِ الخبرِ به، أو استفاَضتِه عندَ أهل الأخبارِ، ونحوِ ذلك، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: «وأمّا دلالَتُنا على ما قُلنا -مِنْ أنَّه نفيٌ مِنْ الله تعالى ذِكرُه عن شُهورِ الحَجِّ- الاختلافُ الذي كانَت الجاهليَّةُ تختلفُ فيها بينَها قبلُ كما وصَفْنا، وأمّا دلالَتُنا على أنَّ الجاهليَّةَ كانَت

стр. 470

تفعلُ ذلك، فالخَبَرُ المُستَفيضُ في أهلِ الأخبارِ أنَّ الجاهليَّةَ كانَت تفعلُ ذلك» (١)، وقولُه: «وأَولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية، قَولُ مَنْ قالَ: عُنيَ بذلك أهلُ الكتابِ الذين أخبرَ الله جلَّ وعزَّ أنَّه أخذَ ميثاقَهم، لَيُبَيِّنُنَّ للنّاسِ أمرَ محمدٍ ﷺ ، ولا يكْتُمونَه؛ لأنَّ قولَه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية، في سياقِ الخبرِ عنهم، وهو شَبيهٌ بقِصَّتِهم، مع اتِّفاقِ أهلِ التأويلِ على أنَّهم المَعنيّون بذلك» (٢)، وكذا قولُه مُعلِّلاً بعضَ المعاني: «لأنَّ هذه السُّورةَ لا تدافُعَ بين أهلِ العلمِ في أنَّها نزلَت بعد يومِ الحُدَيْبيةِ» (٣). كما يُشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى عدمِ ثُبوتِ السَّبَبِ عند رَدِّه له، كما في قولِه ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]: «وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت في قَومٍ مِنْ اليهودِ بأعْيانِهم، مِنْ وَجْهٍ لم تَثْبُت صِحَّتُه» (٤). رابعاً: أحوالُ النُّزولِ خيرُ ما يُستعانُ به في كشفِ الإشكالاتِ الواردةِ على معاني الآياتِ، واستعمالُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) لها في ذلك كثيرٌ ظاهرٌ، ومِن شواهدِه قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]: «وإنَّما خصَّ جلَّ

стр. 471

ثناؤُه ذكرَ الرَّوضةِ في هذا الموضعِ؛ لأنَّه لم يكنْ عند الطَّرَفين أحسنَ منظراً، ولا أطيبَ نشراً مِنْ الرّياضِ، ويدلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُ أعشى بني ثعلبةَ (١): ما روضَةٌ مِنْ رياضِ الحَزْنِ مُعشِبَةٌ … خضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هطِلٌ يُضاحكُ الشَّمسَ مِنها كَوكَبٌ شَرِقٌ … مؤَزَّرٌ بعَميمِ النَّبتِ مُكتَهِلُ يوماً بأطيَبَ مِنها نَشرَ رائِحةٍ … ولا بأحسنَ مِنها إذْ دنا الأُصُلُ فأعْلَمَهم بذلك تعالى: أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ مِنْ المَنظَرِ الأنيقِ، واللذيذِ مِنْ الأراييحِ، والعَيْشِ الهنيِّ، فيما يُحبّون، ويُسرّون به، ويُغْبَطون عليه» (٢)، ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: «فإنْ قالَ لنا قائِلٌ: أَفرأَيتَ مَنْ عَمِلَ ما نهى الله عنه مِنْ الرِّبا في تجارتِه ولم يأْكُلْه، أيَستحقُّ هذا الوعيدَ مِنْ الله؟ قيلَ: نَعم، وليس المقصودُ مِنْ الرِّبا في هذه الآيةِ الأكلُ، إلا أنَّ الذين نزلَتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزلَتْ كانَت طُعمَتُهم ومأْكَلُهم مِنْ الرِّبا، فذكَرَهم بصفَتِهم مُعظِّماً بذلك عليهم أمرَ الرِّبا، ومُقبِّحاً إليهم الحالَ التي هُمْ عليها في مطاعِمِهم» (٣). خامساً: زمنُ النُّزولِ ومكانُه أَولى ما يُستدَلُّ به في بابِ النَّسخِ؛ لاعتمادِه على معرفةِ المُتقدِّمِ مِنْ المتأخِّرِ مِنْ الأحكامِ، وقد استَعملَه

стр. 472

ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في عِدَّةِ مواضِعَ لذلك المَقصَدِ، ومِنه قولُه: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك ما قالَه عطاءُ بن مَيْسرةَ، مِنْ أنَّ النَّهيَ عن قتالِ المشركين في الأشهرِ الحُرُمِ مَنسوخٌ بقولِ الله جلَّ ثناؤُه ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وإنَّما قُلنا ذلك ناسِخٌ لقولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ لتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه غزا هوازِنَ بِحُنَينٍ (١)، وثَقيفاً بالطّائِفِ، وأرْسلَ أبا عامرٍ إلى أُوطاسٍ (٢) لِحَربِ مَنْ بها مِنْ المشركين في بعضِ الأشْهرِ الحُرُمِ .. ، وأُخرى أنَّ جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ الله ﷺ لا تَتدافَعُ أنَّ بيعةَ الرِّضوانِ على قِتالِ قُريشٍ كانَت في ذي القَعْدةِ، وأنَّه ﷺ إنَّما دعا أصحابَه إليها يومئِذٍ .. ، فإذا كانَ ذلك كذلك فَبَيِّنٌ صِحَّةُ ما قُلنا في قولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأنَّه مَنسوخٌ» (٣)، وقولُه: «فإن ظَنَّ ذو غَفلَةٍ أنَّ قِتالَ النَّبي ﷺ مَنْ قاتَلَ مِنْ أنْسِباءِ المؤمنين مِنْ مُشرِكي قريشٍ إنَّما كانَ بعدما نُسِخَ قولُه ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠]. فإنَّ أهلَ التأويلِ أَجمَعوا على

стр. 473

أنَّ ذلك نُسِخَ ب (براءةَ)، و (براءَةُ) نزلَت بعد فتحِ مكَّةَ ودُخولِ قريشٍ في الإسلامِ» (١). وقد نبَّهَ العلماءُ إلى أهميَّةِ ذلك في بابِ النَّسخِ، فقالَ النَّحّاس (ت: ٣٣٨): «إنَّما يُذكَرُ ما نزلَ بمكَّةَ والمدينةَ؛ لأنَّ فيه أعظمَ الفائِدةِ في النّاسخِ والمَنسوخِ» (٢)، وقالَ مكيُّ بن أبي طالب (ت: ٤٣٧) في بابِ (مُقدِّماتِ النّاسخِ والمَنسوخِ): «يجبُ أن تَعلَمَ المَكيَّ مِنْ السُّوَرِ مِنْ المَدَنيَّ؛ فذلك مِمّا يُقوِّي ويُفهِمُ معرفةَ النّاسخِ والمَنسوخِ» (٣). سادساً: قصَّةُ الآيةِ وسبَبُ نزولِها داخلان قطعاً في معناها؛ ولا يصِحُّ إخراجُهما مِنه إلا بدليلٍ، وعلى ذلك جرى استدلالُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بهما في تفسيرِه؛ فيُثبِتُ ما دلَّا عليه مِنْ المعنى ابتداءً، ثُمَّ يُضيفُ ما أفادَه عمومُ اللَّفظِ بعد ذلك، على ما سيأتي بيانُه. ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ -على ما قالَه أهلُ التأويلِ في تأويلِه- أن يكونَ معناه: ولا تَنكِحوا مِنْ النِّساءِ نِكاحَ آبائِكم، إلا ما قد سَلَفَ مِنكم فمضى في الجاهليَّةِ، فإنَّه كانَ فاحشةً ومَقْتاً وساءَ سَبيلاً .. ، فإن قالَ قائِلٌ: وكيف يكونُ هذا القَولُ مُوافِقاً قولَ مَنْ ذكَرتَ قولَه مِنْ أهلِ التأويلِ، وقد علِمتَ أنَّ الذين ذكَرتَ قولَهم في ذلك إنَّما قالوا: أُنْزِلَت هذه الآيةُ في النَّهيِ عن نِكاحِ حلائِلِ الآباءِ.

стр. 474

وأنت تذكُرُ أنَّهم إنَّما نُهوا أن يَنكِحوا نِكاحَهم. قيلَ له: إنَّما قُلنا: إنَّ ذلك هو التأويلُ المُوافقُ لظاهرِ التَّنزيلِ؛ إذْ كانَت (ما) في كلامِ العربِ لغَيرِ بني آدمَ، وأنَّه لو كانَ المَقصودُ بذلك النَّهيُ عن حلائِلِ الآباءِ دون سائِرِ ما كانَ مِنْ مناكِحِ آبائِهم حراماً ابتِداءُ مِثلِه في الإسلامِ، بنَهي الله جلَّ ثناؤُه عنه، لَقيلَ: ولا تَنكِحوا مَنْ نكحَ آباؤُكم مِنْ النِّساءِ إلا ما قد سلفَ .. ، وأمّا قولُه، فإنَّه يُدخِلُ في (ما) ما كانَ مِنْ مناكِحِ آبائِهم التي كانوا يتناكحونَها في جاهليَّتِهم، فحرَّمَ عليهم في الإسلامِ بهذه الآيةِ نكاحَ حلائِلِ الآباءِ، وكُلَّ نِكاحٍ سواه نهى الله تعالى ذِكرُه ابْتِداءَ مِثلِه في الإسلامِ، مِمّا كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يتناكَحونَه في شِرْكِهم» (١)، فأثبَتَ معنى السَّبَبِ أوَّلاً، ثُمَّ أشارَ إلى العمومِ وأخذَ به، مع إقرارِه بهذا مِنْ موضِعِ الإيرادِ الذي أَوردَه على اختيارِه. وهذا الاعتبارُ اللّازمُ لقِصَّةِ الآيةِ وسبَبِها قبلَ ما يَشمَلُه لفظُها محلُّ اتِّفاقٍ بين أهلِ العلمِ، قالَ السّيوطي (ت: ٩١١): «دخولُ صورَةِ السَّبَبِ قَطعيٌّ، وإخراجَها بالاجتِهادِ مَمنوعٌ، كما حكى الإجماعَ عليه القاضي أبو بكرٍ في (التَّقريب) (٢)، ولا التِفاتَ إلى مَنْ شَذَّ فجوَّزَ ذلك» (٣). قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «اللَّفظُ العامُّ إذا وردَ على سبَبٍ فلا بُدَّ أن يكونَ

стр. 475

السَّببُ مُندَرِجاً فيه» (١)، وقالَ الطُّوفي (ت: ٧١٦): «السَّببُ أخَصُّ بالحُكمِ مِنْ غيرِه مِنْ صُوَرِه؛ لأنَّ اللَّفظَ وردَ بياناً لحُكمِ السَّبَبِ، فكانَ مقطوعاً به» (٢). سابعاً: نزولُ الآيةِ على سبَبٍ لا يمنَعُ العمومَ إلا بدَليلٍ، وجميعُ مواضِعِ استدلالِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بأسبابِ النُّزولِ شواهدُ على هذا، وقد نصَّ على ذلك في قولِه: «الآيةُ قد تَنزِلُ في خاصٍّ مِنْ الأمرِ، ثُمَّ يكونُ حُكمُها عامّاً في كُلِّ ما جانَسَ المعنى الذي أُنزِلَت فيه» (٣)، وقولِه: «وقد تَنزِلُ الآيةُ في الشَّيءِ ثُمَّ يُعَمُّ بها كلُّ مَنْ كانَ في معناه» (٤)، وقولِه: «معَ أنَّ الآيةَ تَنزِلُ في معنىً، فتَعُمُّ ما نزَلَت به فيه وغيرَه، فيَلزَمُ حُكمُها جميعَ ما عمَّتْه؛ لِما قد بيَّنّا مِنْ القولِ في العُمومِ والخُصوصِ في كِتابِنا (كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ)» (٥)، وأشارَ إلى أنَّ ذلك الأكثرَ، فقالَ: «فإنَّ الآيةَ قد كانَت تنزِلُ على رسولِ الله ﷺ بسَبَبٍ خاصٍّ مِنْ الأُمورِ، والحُكمُ بها على العامِّ، بل عامَّةُ آيِ القرآنِ كذلك» (٦). وهذا الأصلُ هو ما يذكُرُه العلُماءُ في قاعدةِ: (العبرةِ بعُمومِ اللَّفظِ

стр. 476

لا بخصوصِ السَّبَبِ)، وهو قَولُ جمهورِ العلماءِ كأبي حنيفةَ (ت: ١٥٠)، والشَّافعي (ت: ٢٠٤)، وأحمدَ بن حنبل (ت: ٢٤١)، وعليه أكثرُ المُحقِّقين والأصوليّين (١)، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «العبرةُ بعمومِ اللَّفظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ، عند عامَّةِ العلماءِ» (٢)، وقالَ ابنُ كثير (ت: ٧٧٤): «الأخذُ بعمومِ اللَّفظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ عن الجماهيرِ مِنْ العلماءِ» (٣)، وقالَ ابنُ سعدي (ت: ١٣٧٦): «وهذا الأصلُ اتَّفقَ عليه المُحَقَّقون مِنْ أهلِ الأُصولِ وغيرِهم» (٤). ثامناً: عند تَعدُّدِ الأسبابِ في المَوضِعِ الواحدِ يُقَدِّمُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الأصَحَّ، فإنْ لم تتفاضَلْ يُثْبتُ ما اتَّفقَت عليه مِنْ المعاني، ثُمَّ يَحكُمُ بالعُمومِ، ومِن قولِه في ذلك عند قولِه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]: «وقد يجوزُ أن تكونَ الآيةُ نزلَت في شَأنِ عُبادةَ بن الصّامتِ وعبدِ الله بن أُبَيِّ ابن سَلولَ وحُلَفائِهما مِنْ اليهودِ، ويجوزُ أن تكونَ نزلَت في أبي لُبابةَ بسَبَبِ فِعلِه في بني قُرَيظةَ، ويجوزُ أن تكونَ نزلَت في شَأنِ الرَّجُلَيْن اللَّذين ذَكرّ السُّدّي أنَّ أحدَهما هَمَّ باللَّحاقِ بدَهلكِ اليهوديِّ، والآخرَ بنصرانيٍّ بالشّامِ، ولم يَصِحَّ بواحدٍ مِنْ هذه الأقوالِ خبرٌ يَثْبُتُ بمِثلِه حُجَّةٌ فيُسَلَّمُ لصِحَّتِه القَولُ بأنَّه كما قيلَ. فإذْ كانَ

стр. 477

ذلك كذلك، فالصَّوابُ أن يُحكَمَ لظاهرِ التَّنزيلِ بالعُمومِ على ما عَمَّ، ويَجوزُ ما قالَه أهلُ التأويلِ فيه مِنْ القَولِ الذي لا عِلمَ عندَنا بخِلافِه، غيرَ أنَّه لا شَكَّ أنَّ الآيةَ نزلَت في مُنافقٍ كانَ يُوالي يهودَ أو نصارى؛ خَوفاً على نفسِه مِنْ دوائِرِ الدَّهرِ؛ لأنَّ الآيةَ بعد هذه تَدُلُّ على ذلك» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا أن يُقالَ: إنَّ الله تعالى أخبَرَ عن المُنافقين أنَّهم يَحلِفون بالله كَذِباً على كلِمةِ كُفرٍ تكلَّموا بها أنَّهم لم يقولوها، وجائِزٌ أن يكونَ ذلك القَولُ ما رُوِيَ عن عُروةَ أنَّ الجُلاسَ قالَه، وجائِزٌ أن يكونَ قائِلُه عبدَ الله بن أُبيٍّ ابنَ أبي سَلولَ، والقَولُ ما ذكرَ قتادةُ عنه أنَّه قالَ، ولا علمَ لنا بأيِّ ذلك مِنْ أيٍّ؛ إذْ كانَ لا خبرَ بأحدِهما يوجِبُ الحُجَّةَ، ويُتوَصَّلُ به إلى يقينِ العلمِ به، وليس مِمّا يُدرَكُ عِلمُه بفِطرةِ العقلِ، فالصَّوابُ أن يُقالَ فيه كما قالَ الله جلَّ ثناؤُه» (٢). تاسعاً: يُنبِّه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى عدمِ الاشتغالِ بالاختلافِ الواردِ في بعضِ الأخبارِ مِمّا لا أثرَ له في بيانِ المعنى، ففي قولِه تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، ذكرَ معانيَ تلك الألفاظِ، ثُمَّ قالَ: «وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في صِفاتِ المُسمّياتِ بهذه الأسماءِ، وما السَّببُ الذي مِنْ أجلِه كانَت تَفعلُ ذلك؟» (٣)، ثُمَّ أورَدَ عن السَّلفِ الأخبارَ الطَّويلةَ في تفصيلِ ذلك، ثُمَّ قالَ: «وهذه أمورٌ

стр. 478

كانَت في الجاهليَّةِ فأبطَلَها الإسلامُ، فلا نَعرِفُ قوماً يَعملون بها اليَومَ، فإذا كانَ ذلك كذلك، وكانَ ما كانَت الجاهليَّةُ تعملُ به لا يُوصَلُ إلى عِلمِه؛ إذْ لم يَكُنْ له في الإسلامِ أثرٌ، ولا في الشِّركِ نَعرِفُه إلا بخَبَرٍ، وكانَت الأخبارُ عمّا كانوا يَفعلون مِنْ ذلك مُختلفةً الاختلافَ الذي ذكَرنا = فالصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك أن يُقالَ: أمّا معاني هذه الأسماءِ فما بيَّنّا في ابتِداءِ القَولِ في تأويلِ هذه الآيةِ. وأمّا كيفيَّةُ عملِ القَومِ في ذلك، فما لا عِلمَ لنا به. وقد وردَت الأخبارُ بوَصفِ عملِهم في ذلك على ما قد حكَيْنا، وغيرُ ضائِرٍ الجَهلُ بذلك إذا كانَ المُرادُ مِنْ عِلمِه المُحتاجِ إليه موَصِّلاً إلى حقيقتِه؛ وهو: أنَّ القَومَ كانوا يُحرِّمون مِنْ أنعامِهم على أنفُسِهم ما لم يُحرِّمْه الله؛ اتِّباعاً مِنهم خُطُواتِ الشَّيطانِ، فوبَّخَهم الله تعالى ذِكرُه بذلك» (١)، وقد أفادَ هذا النَّقلُ أمرَيْن هامَّيْن في هذا البابِ: أوَّلَهما: أنَّ مِنْ تلك الأخبارِ المأثورةِ عن أحوالِ العربِ ما يُحتاجُ إليه في بيانِ المعاني، وأنَّ ما أوردَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنها إنَّما كانَ لهذا الغَرَضِ. هذا مَفهومُ عبارَتِه الذي يُوافِقُ صنيعَه في عامَّةِ تَفسيرِه. وثانيهما: أنَّ ما لا يضُرُّ الجهلُ به مِمّا تخالفَت فيه تلك الأخبارُ لا يَنبغي الاشتغالُ به؛ لخرجِه عن حَدِّ البيانِ للمعاني. عاشراً: سبَبُ النُّزولِ وسياقُ الآياتِ مُتآخِيان، إذْ كِلاهما في حقيقةِ الأمرِ سياقٌ واحِدٌ؛ أحدُهما (سياقُ الحالِ)، والآخرُ (سياقُ المَقالِ)،

стр. 479

فإذا خالَفَ سبَبُ النُّزولِ سياقَ الآياتِ انقطعَت صِلَتُه بها، إلّا أن يَدخُلَ في عُمومِها. وقد كانَ الأمرُ كذلك في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، فهما مُتَّفِقانِ مُطلَقاً، مُتعاضِدان في بيانِ المعنى بلا تَخالُفَ، فإذا وقعَ شيءٌ مِنْ ذلك فالسّياقُ اللَّفظيُّ أَثْبَتُ وأقطَعُ، ومِن ثَمَّ كانَ السّياقُ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) أعظمُ مُؤَثِّرٍ في الحُكمِ على الأسبابِ قبولاً ورَدّاً، وفي التَّرجيحِ بينها، ثُمَّ يأتي بعده مِنْ وجوهِ التَّرجيحِ ما يأتي؛ كثُبوتِ الخبرِ، وشهودِ الصَّحابيِّ، ونحوِ ذلك. (١) ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]: «واختلفَ أهلُ التأويلِ فيمَن عُنيَ بهذه الآيةِ، وفيمَن نزلَتْ؛ فقالَ بعضُهم: نزلَتْ في الزُّبيرِ بن العوّام وخَصْمٍ له مِنْ الأنصارِ، اختصَما إلى النَّبي ﷺ في بعضِ الأُمورِ .. ، وقالَ آخرون: بل نزلَت هذه الآيةُ في المُنافقِ واليَهوديِّ اللَّذَيْن وصفَ الله صِفَتَهما في قولِه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] .. ، وهذا القَولُ أَولى بالصَّوابِ؛ لأنَّ قولَه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] في سياقِ قِصَّةِ الذين ابتَدأَ الله الخبرَ عنهم بقولِه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]، ولا دلالَةَ تَدُلُّ على انقِطاعِ قِصَّتِهم، وإلحاقُ بعضِ ذلك بِبَعضٍ -ما لم تأتِ دلالَةٌ على انقِطاعِه-

стр. 480

أَولى. فإن ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في الخبرِ الذي رُويَ عن الزُّبيرِ وابنِ الزُّبيرِ مِنْ قِصَّتِه وقِصَّةِ الأنصاريِّ في شِراجِ (١) الحَرَّةِ، وقَولِ مَنْ قالَ في خبَرِهما: فنَزَلَت ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. ما يُنبئُ عن انقِطاعِ حُكمِ هذه الآيةِ وقِصَّتِها مِنْ قِصَّةِ الآياتِ قبلَها = فإنَّه غيرُ مُستحيلٍ أن تكونَ الآيةُ نزلَت في قِصَّةِ المُحتكِمين إلى الطّاغوتِ، ويكونَ فيها بيانُ حُكمِ ما اختصَمَ فيه الزُّبيرُ وصاحبُه الأنصاريِّ؛ إذْ كانَ في الآيةِ دلالَةٌ على ذلك، وإذْ كانَ ذلك غيرَ مُستحيلٍ، فإنَّ إلحاقَ معنى بعضِ ذلك بِبَعضٍ أَولى، مادامَ الكلامُ مُتَّسِقةً معانيه على سياقٍ واحدٍ، إلا أن تأتيَ دلالةٌ على انقِطاعِ بعضِ ذلك مِنْ بعضٍ، فيُعدَلَ به عن معنى ما قبلَه» (٢). ومثلُه قولُه عند قولِه تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «والصَّوابُ مِنْ القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ الله تعالى ذِكرُه أمرَ في هذه الآيةِ عبادَه بالوَفاءِ بعُهودِه التي يَجعَلونها على أنفُسِهم، ونهاهُم عن نَقضِ الأَيْمانِ بعد تَوكيدِها على أنفُسِهم لآخَرين، بعُقودٍ تكونُ بَينهم بحَقٍّ، مِمّا لا يَكرَهُه الله. وجائِزٌ أن تكونَ نزلَت في الذين بايعوا رسولَ الله ﷺ بِنَهْيِهم عن نَقضِ بَيْعَتِهم؛ حَذَراً مِنْ قِلَّةِ عَدَدِ المُسلمين، وكَثرَةِ عَدَدِ المُشركين. وأن تكونَ نزلَت في الذين أرادوا الانتقالَ بحِلفِهم عن حُلَفائِهم؛ لقِلَّةِ عَدَدِهم، في آخرين لكَثرَةِ عَدَدِهم. وجائِزٌ أن تكونَ في غيرِ ذلك، ولا

стр. 481

خبرَ تَثبُتُ به الحُجَّةُ أنَّها نزلَت في شَيءٍ، ولا دلالةَ في كتابٍ، ولا حُجَّةَ عَقْلٍ أيُّ ذلك عُنيَ بها» (١)، فأسبابُ النُّزولِ الواردةُ هنا مُتساويةٌ عنده، ولا فضلَ لأحدِها على الآخرِ. ثُمَّ بعدَ هذه الآيةِ في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤]، استدرَكَ وقالَ: «وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ تأويلَ بُريدةَ الذي ذَكَرنا عنه في قولِه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، والآياتِ التي بعدَها، أنَّه عُنيَ بذلك الذين بايَعوا رسولَ الله ﷺ على الإسلامِ، عن مُفارقةِ الإسلامِ لقِلَّةِ أهلِه، وكَثرَةِ أهلِ الشِّركِ = هو الصَّوابُ، دون الذي قالَ مُجاهدٌ أنَّهم عُنوا به؛ لأنَّه ليس في انتقالِ قَومٍ بحِلفٍ عن حُلفائِهم إلى آخَرين غيرِهم صَدٌّ عن سبيلِ الله، ولا ضَلالٌ عن الهُدى، وقد وصفَ تعالى ذِكرُه في هذه الآيةِ فاعِلي ذلك أنَّهم باتِّخاذِهم الأيمانَ دَخَلاً بينهم، ونَقْضِهم الأيمانَ بعد تَوكيدِها = صادُّون عن سبيلِ الله، وأنَّهم أهلُ ضَلالٍ في التي قبلَها، وهذه صِفةُ أهلِ الكُفرِ بالله، لا صِفةَ أهلِ النُّقلَةِ بالحِلفِ عن قَومٍ إلى قَومٍ» (٢)، فرجعَ إلى تصحيحِ الأَولى مِنْ أسبابِ النُّزولِ فيما سبقَ بدلالةِ السّياقِ في الآياتِ بعدَها. إحدى عشَرَ: سبَبُ النُّزولِ الواردِ عن الصَّحابي مُقدَّمٌ على ما جاءَ عن غيرِه (٣)؛ وذلك لمعنى مشاهدةِ التَّنزيلِ وحضورِه، ومِن شواهدِ ذلك

стр. 482

قولُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في قولِه تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، بعد أن ذكرَ فيها سبَباً عن جابرِ بن عبدِ الله ﵁، وآخرَ عن مُجاهدٍ (ت: ١٠٤)، قالَ مُرَجِّحاً: «والذي هو أَولى بالصَّوابِ في ذلك: الخبرُ الذي روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنَّه قد أدركَ أمرَ القَومِ وشاهدَهم» (١)، ومثلُه قولُه: «وأَولى هذه الأقوالِ في ذلك عندي بالصَّوابِ أن يُقالَ: عُنيَ بذلك: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] قَومٌ مِنْ المُنافقين، وجائِزٌ أن يكونَ كانَ مِمَّنْ دخلَ في هذه الآيةِ ابنُ صُورِيا، وجائِزٌ أن يكونَ أبو لُبابَةَ، وجائِزٌ أن يكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أثْبَتَ شيءٍ رُوِيَ في ذلك ما ذَكَرناه مِنْ الرِّوايةِ قَبلُ عن أبي هُريرة والبَراءِ بن عازِبٍ؛ لأنَّ ذلك عن رجُلَيْن مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ . وإذا كانَ ذلك كذلك، كانَ الصَّحيحُ مِنْ القَولِ فيه أن يُقالَ: عُنِيَ به عبدُ الله بن صُورِيا» (٢)، ورُواةُ السَّببَيْن الآخرَيْن هما: الشَّعبيُّ (ت: ١٠٣)، والسُّدِّيُّ (ت: ١٢٨). وجُمهورُ العلماءِ على ترجيحِ قولِ صاحبِ القِصَّةِ وشاهدِها على غيرِه مِمَّنْ لم يَشهَدْ، قالَ ابنُ قدامة (ت: ٦٢٠) في تعدادِ المُرَجِّحاتِ عند التَّعارُضِ: «الرّابعُ: أن يكونَ راوي أحدَهما صاحبُ الواقِعَةِ» (٣).

стр. 483

اثنى عشَرَ: لا أثرَ لصيغةِ البناءِ لغيرِ المعلومِ (قِيلَ، ذُكِرَ، رُوِيَ) في اعتمادِ أحوالِ النُّزولِ أو الاستدلالِ بها، وذلك ظاهِرٌ مِنْ مَنهجِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧]، حيثُ ذكرَ قولَ ابنَ عباسٍ ﵁: أنَّ ذلك كانَ يومَ بدرٍ. ثُمَّ ذكرَ قولَ مجاهدٍ (ت: ١٠٤): أنَّ ذلك في المجاعةِ التي أصابَت قُريشاً. ثُمَّ قالَ: «وهذا القَولُ الذي قالَه مجاهدٌ أَولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصِحَّةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قَبلُ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ الله ﷺ في قِصَّةِ المَجاعةِ التي أصابَتْ قُريشاً بِدُعاءِ رسولِ الله ﷺ عليهم، وأَمرِ ثُمامةَ بن أَثالٍ، وذلك لا شَكَّ أنَّه كانَ بعد وَقْعةِ بَدرٍ» (١)، وكانَ قد ذكرَ الخبرَ عن ابنِ عباسٍ ﵁ قبلَ ذلك بقولِه: «وذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ الله ﷺ حين أخذَ الله قُريشاً بسِنِيِّ الجَدبِ» (٢)، فلا أثرَ لتلك الصِّيغةِ على تصحيحِه واعتمادِه للأثرِ. ومثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]: «وذُكِرَ أنَّ هذه الآياتِ مِنْ أوَّلِ هذه السُّورةِ نزلَت في شأنِ حاطبِ بن أبي بَلتعةَ، وكانَ كتَبَ إلى قُريشٍ بمكَّةَ يُطلِعُهم على أمرٍ كانَ رسولُ الله ﷺ قد أَخْفاه عنهم، وبذلك جاءَت الآثارُ والرِّوايةُ عن جماعةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ وغيرِهم» (٣). كما يورِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) تلك الصِّيَغَ في استِدلالِه بمرويّاتٍ

стр. 484

مَشهورةٍ ثابتةٍ في الصِّحاحِ والسُّنَنِ والمسانيدِ، مع اعتِمادِه عليها، كما في قولِه عند قولِه تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: «وذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ لمّا نزلَت بَدَأَ بِبَني جَدِّه عبدِ المُطَّلبِ ووَلَدِه، فحذَّرَهم وأنذَرَهم» (١)، وقولِه: «وقولُه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وانفلقَ القمرُ. وكانَ ذلك فيما ذُكِرَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وهو بمكَّةَ، قبلَ هِجرَتِه إلى المَدينةِ» (٢). وقد ظهرَ لي باستقراءِ تلك الصِّيغِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّه يسوقُها في تفسيرِه لتمييزِ مرويَّاتِ التّواريخِ والأخبارِ والسِّيَرِ والأنسابِ ونحوِها عن غيرِها مِنْ المرويّاتِ؛ كأحاديثِ النبيِّ ﷺ ، وأقوالِ السَّلفِ مِنْ غيرِ ذلك النَّوعِ. فإذا أوردَها ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في سياقِ حديثٍ نبويٍّ، أو قولٍ لأحدِ السَّلفِ مِمّا سبقَ وَصفُه، فإنَّه يُشيرُ بذلك -في الأعمِّ الأغلَبِ- إلى ضَعفِه، أو غرابتِه، أو رُجحانِ غيرِه عليه. وقد سبقَت الإشارةُ إلى بعضِ هذا، وسيأتي تأكيدُه في مسائِلِ دليلِ الرِّواياتِ الإسرائيليّةِ بحولِ الله تعالى. (٣)

стр. 485

المبحثُ الثّامنُ: منهجُ ابنِ جريرٍ في الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني. وفيه أربعةُ مطالب: المطلبُ الأوَّلُ: مفهومُ الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني. (١) الرِّواياتُ: جمعُ روايةٍ؛ وهي: حملُ الكلامِ ونَقلُه. (٢) والإسرائيليَّةُ لُغةً: نِسبةٌ إلى (إسرائيلَ)، ومعناه: عبدُ الله، وصَفوةُ الله، وسَريُّ الله. وهو: يعقوبُ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ ﵈ (٣). والتأنيثُ فيها باعتبارِ الموصوفِ المَحذوفِ: القِصَّةُ، أو الأخبارُ الإسرائيليَّةِ.

стр. 486

واصطلاحاً: ما نُقلَ عن بني إسرائيلَ في أخبارِ أقوامِهم، والأُمَمِ السَّابقةِ لأُمَّةِ مُحمّد ﷺ ، والمَبدأِ، والمعادِ. ويشملُ ذلك صِنفَيْن مِنْ الأخبارِ: ١ - أخبارَ الأنبياءِ الواردِ ذِكرُهم في كُتبِ بني إسرائيلَ مِنْ غيرِ أنبيائِهم؛ كآدمَ، ونوحاً، وإبراهيمَ، ولوطاً، ونحوِهم مِنْ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جرى مِنْ أقوامِهم. ٢ - أخبارَ أنبياءِ بني إسرائيلَ وأقوامِهم؛ كموسى، وداود، وسليمان، وزكريّا، ويحيى، وعيسى، ونحوِهم مِنْ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنّما خُصَّت النِّسبةُ في هذه الأخبارِ بِبَني إسرائيلَ؛ لأنَّ أكثرَ الواردِ مِنْ ذلك عنهم، وفي أنبيائِهم، ومِن كتُبِهم، والتوسُّعُ في هذا يُشبِهُ ما ذكرَه ابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤) بقولِه: «ولْيُعلَمْ أنَّ كثيراً مِنْ السَّلفِ كانوا يُطلِقون التَّوراةَ على كُتُبِ أهلِ الكِتابِ، فهي عِندَهم أعَمُّ مِنْ التي أنزلَها الله على موسى، وقد ثبتَ شاهِدُ ذلك مِنْ الحديثِ» (١). والمُرادُ بالاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليّةِ على المعاني هو: إقامَةُ الإسرائيليّاتِ دليلاً لتصحيحِ المعاني وقبولِها، أو إبطالِها ورَدِّها. أو: الإبانَةُ بالإسرائيليّاتِ عن صِحَّةِ المعاني وبطلانِها. وأمثلةُ استدلالِ ابنِ جرير (ت: ٣١٠) بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني في تفسيره كثيرةٌ ظاهِرةٌ، وهي على نوعَيْن:

стр. 487

النَّوعُ الأوّلُ: استدلالُه بالإسرائيليّاتِ لقبولِ المعاني وتصحيحِها، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]: «وأَولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ قولُ ابنِ عباسٍ الذي رواه الأعمشُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدٍ عنه، أنَّ ذلك: العروقُ ولحومُ الإبلِ؛ لأنَّ اليهودَ مُجمِعَةٌ إلى اليومِ على ذلك مِنْ تحريمِهما، كما كانَ عليه مِنْ ذلك أوائلُها» (١)، وخبرُ ابنِ عباسٍ ﵁ الذي أشارَ إليه فيه قِصَّةُ يعقوبَ ﵇ في ذلك (٢). وكذلك قولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. إن قالَ لنا قائِلٌ: وما هذا الكلامُ مِنْ قَولِه ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولا خبرَ مضى قبلُ عن أحدٍ أنَّه أضافَ الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنَّما ذكرَ اتِّباعَ مَنْ اتَّبعَ مِنْ اليهودِ ما تلَتْه الشَّياطينُ .. ؟ قيلَ: وَجهُ ذلك أنَّ الذين أضافَ الله جلَّ ثناؤُه إليهم اتِّباعَ ما تلَتْه الشَّياطينُ على عهدِ سليمانَ مِنْ السِّحرِ والكُفرِ مِنْ اليهودِ، نَسَبوا ما أضافَه الله تعالى ذِكرُه إلى الشَّياطينِ مِنْ ذلك إلى سليمانَ بن داودَ، وزَعَموا أنَّ ذلك كانَ مِنْ عمَلِه ورِوايتِه، وأنَّه إنَّما كانَ يستَعبِدُ مَنْ كانَ يستَعبِدُ مِنْ الإنسِ والجِنِّ والشَّياطينِ وسائِرِ خَلقِ الله بالسِّحرِ، فحَسَّنوا بذلك -مِنْ رُكوبِهم ما حرَّمَ الله عليهم مِنْ السِّحرِ- لأنفُسِهم عند مَنْ كانَ جاهِلاً بأمرِ الله ونَهيِه، وعند مَنْ كانَ لا عِلمَ له بما أنزلَ الله في ذلك مِنْ التَّوراةِ .. ، فنفَى الله عن سليمانَ ﵇ أن يكونَ كانَ ساحِراً أو كافراً، وأَعلمَهم أنَّهم اتَّبعوا في عملِهم بالسِّحرِ ما تلَتْه الشَّياطينُ في عهدِ

стр. 488

سليمانَ، دون ما كانَ سليمانُ يأمُرُهم به مِنْ طاعةِ الله، واتِّباعِ ما أمرَهم به في كِتابِه الذي أنزلَه على موسى صلى الله عليه. ذِكرُ الدَّلالةِ على صِحَّةِ ما قُلنا مِنْ الأخبارِ والآثارِ» (١)، ثُمَّ أَوردَ قصَّةَ سليمان ﵇ عن عددٍ مِنْ السَّلفِ. وفي قولِه تعالى ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] ذَكرَ قولَ مَنْ قالَ: إنَّها حُرِّمَت أبداً عليهم فلم يدخلوها. ورجَّحَ القولَ الآخرَ: بأنَّ من بَقيَ مِمَّنْ حرَّمَها الله عليهم دخلوها مع موسى ﵇، بعد التَّيْهِ أربعينَ سنةٍ. وقالَ: «وذلك لإجماعِ أهلِ العلمِ بأخبارِ الأوَّلين أنَّ عوجَ بن عناقَ قتلَه موسى ﷺ ، فلو كانَ قَتلُه إيّاه قبلَ مصيرِه في التَّيْهِ -وهو مِنْ أعظمِ الجَبّارين خَلقاً- لم تَكُنْ بنو إسرائيلَ تَجزَعُ مِنْ الجَبّارين الجَزعَ الذي ظهرَ مِنها، ولكنَّ ذلك كانَ إن شاءَ الله بعد فناءِ الأُمَّةِ التي جَزِعَت (٢)، وعصَت ربَّها، وأبَت الدُّخولَ على الجَبّارين مَدينتَهم» (٣)، وقولُه أيضاً: «فإن قالَ لنا قائِلٌ: فما صِفةُ تَسويَةِ الله السَّماواتِ التي ذكرَها في قَولِه ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ إذْ كُنَّ قد خُلِقنَ سَبعاً قبل تَسويَتِه إيّاهُنَّ؟ وما وَجهُ ذِكرِ خَلقِهنَّ بعد ذِكرِ خلقِ الأرضِ، أَلأنَّها خُلقَت قبلَها، أم لِمَعنىً غيرِ ذلك؟ قيلَ: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك تَوْكيداً بما نضُمُّ إليه مِنْ أخبارِ السَّلفِ المُتقَدِّمين وأقوالِهم» (٤)، ومِمّا في تلك الأخبارِ تفصيلُ بَدْءِ الخَلقِ عن بني إسرائيلَ.

стр. 489

النَّوعُ الثّاني: استدلالُه بالإسرائيليّاتِ لرَدِّ المعاني وإبطالِها، ومن أمثلَتِه قولُه في قولِه تعالى ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: «وأَولى القولَيْن في ذلك بالصَّوابِ ما قالَه ابنُ عباسٍ ووَهبُ بن مُنبِّهٍ؛ مِنْ أنَّ التّابوتَ كانَ عند عَدوٍّ لبَني إسرائيلَ كانَ سلَبَهموه .. ، فإن ظَنَّ ذو غَفلَةٍ أنَّهم كانوا قد عَرَفوا ذلك التّابوتَ وقدرَ نَفعَه وما فيه وهو عند موسى ويُوشَعَ، فإنَّ ذلك ما لا يَخفى خَطؤُه؛ وذلك أنَّه لم يَبلُغنا أنَّ موسى لاقى عَدوّاً قَطُّ بالتّابوتِ، ولا فتاه يوشَعَ، بل الذي يُعرَفُ مِنْ أمرِ موسى وأمرِ فِرْعون ما قَصَّ الله مِنْ شَأنِهما، وكذلك أَمرُه وأمرُ الجَبّارين، وأمّا فتاه يوشَعَ فإنَّ الذين قالوا هذه المَقالةَ زَعموا أنَّ يوشَعَ خَلَّفَ في التَّيْه حتى رُدَّ عليهم حين مَلكَ طالوتُ، فإن كانَ الأمرُ على ما وَصَفوه فأيُّ الأحوالِ للتّابوتِ الحالُ التي عَرَفوه فيها فجازَ أن يُقالَ: إنَّ آيةَ مُلكِه أن يَأتيَكم التّابوتُ الذي قد عَرَفتموه، وعَرَفتم أمرَه؟ وفي فَسادِ هذا القَولِ بالذي ذَكَرنا أبيَنُ الدَّلالةِ على صِحَّةِ القَولِ الآخرِ؛ إذْ لا قَولَ في ذلك لأهلِ التَّأويلِ غيرُهما» (١)، وفي قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ذكرَ قولَ السُّدِّيّ (ت: ١٢٨) في قِصَّةِ دخولِ أبَوَيْ يوسفَ مصرَ، وأنَّه خرجَ لاستقبالِهم. وذكرَ قولَ ابنَ جُرَيْج (ت: ١٥٠) أنَّ ذلك مِنْ المُقدَّمِ والمُؤَخَّرِ، وأنَّ المعنى عنده: سوفَ أستَغفرُ لكم رَبّي إن شاءَ الله، إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيمُ، فلمّا دَخلوا على يوسفَ آوى إليه أبَوَيْه وقالَ: ادخُلوا مصرَ. ثُمَّ قالَ ابنُ

стр. 490

جريرٍ (ت: ٣١٠): «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا ما قالَه السُّدِّيّ، وهو أنَّ يوسفَ قالَ ذلك لأَبوَيْه ومَن معهما مِنْ أَولادِهما وأهاليهم قبلَ دخولِهم مِصرَ، حين تلقّاهم؛ لأنَّ ذلك في ظاهرِ التَّنزيلِ كذلك، فلا دلالةَ تدُلُّ على صِحَّةِ ما قالَ ابنُ جُرَيْج» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]: «معنى ذلك: وإذْ واعَدْنا موسى أربَعين ليلةً بتَمامِها. فالأربَعون اللَّيلةَ كلُّها داخِلةٌ في الميعادِ، وقد زعمَ بعضُ نَحوِيّي البَصرةِ أنَّ معناه: وإذْ واعَدْنا موسى انقِضاءَ أربَعين ليلةً، أي: رَأسَ الأربَعين .. ، وذلك خِلافُ ما جاءَت به الرِّوايةُ عن أهلِ التَّأويلِ، وخِلافُ ظاهرِ التِّلاوةِ» (٢)، والرِّواية هي ما ذكرَه بعد ذلك عن أبي العاليةِ (ت: ٩٣)، والرَّبيعِ بن أنس (ت: ١٣٩)، وابنِ إسحاقَ (ت: ١٥٠)، من تفصيلِ عددِ الأيّامِ والشُّهورِ. وقد بلغَت المواضِعُ التي استدَلَّ فيها بالإسرائيليّاتِ على المعاني (٣٢٢) موضِعاً، ونسبة ذلك من مجموع الأدلَّة (٣%). ولمّا كانت الإسرائيليّاتُ أخباراً مرويَّةً، فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يذكرُها ضمنَ أقوالِ السَّلفِ؛ لأنَّهم رُواتُها وناقِلوها، مع تمييزِه بين ما كانَ اجتهاداً مِنْ أقوالِهم، وما كانَ نقلاً عمَّن قبلَهم، كما في قولِه: «فإن قالَ لنا قائِلٌ: فما صِفةُ تَسويَةِ الله السَّماواتِ التي ذكرَها في قَولِه ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ إذْ كُنَّ قد خُلِقنَ سَبعاً قبل تَسويَتِه إيّاهُنَّ؟ وما وَجهُ ذِكرِ خَلقِهنَّ بعد ذِكرِ خلقِ الأرضِ، أَلِأنَّها خُلقَت قبلَها، أم لِمَعنىً

стр. 491

غيرِ ذلك؟ قيلَ: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك تَوْكيداً بما نضُمُّ إليه مِنْ أخبارِ السَّلفِ المُتقَدِّمين، وأقوالِهم» (١)، وذكرَ بعد ذلك من أقوالِهم ما كانَ مِنْ رَأيِهم واجتِهادِهم، وما كانَ مِنْ روايتِهم مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ. فمِن هذا الوَجهِ يحصُلُ التَّداخلُ بين دَليلَي الإسرائيليّاتِ وأقوالِ السَّلفِ، وقد كانَ لهذا أثرُه المَحمودُ على الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، على ما سيأتي بيانُه بحولِ الله. المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني. إنَّ الاستدلالَ بأخبارِ بني إسرائيلَ هو مِنْ جِنسِ الاستدلالِ بأخبارِ العربِ وأحوالِهم التي نزلَ فيها القرآنُ، ومِن ثَمَّ فما ذُكِرَ في (قصَصِ الآيِ) في أحوالِ النُّزولِ: مِنْ صِحَّةِ الاستدلالِ بها لتَمامِ بيانِ المعنى، وتعيينِ المُرادِ، وإزالةِ الشُّبَهِ والإشكالاتِ، وجَرَيانِ عملِ السَّلفِ على استِعمالِها في التَّفسيرِ = يُقالُ مِثلُه في الإسرائيليّاتِ، بل أكثرُ؛ وذلك لمزيدِ عنايةِ الشَّريعةِ بهذا النَّوعِ مِنْ الأخبارِ، وقد تجلَّت تلك العنايةُ في صُورٍ: الأولى: بيانُ الموقِفِ العامِّ مِنْ أقوالِهم وأخبارِهم، وقد جاءَ ذلك نَصَّاً في قولِه تعالى ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠):

стр. 492

«يقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به وبرسولِه الذين نهاهم أن يُجادِلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي هي أحسنُ: إذا حدَّثَكم أهلُ الكتابِ أيُّها القَومُ عن كُتُبِهم، وأخبروكم عنها بما يُمكِنُ، ويَجوزُ أن يكونوا فيه صادِقين، وأن يكونوا فيه كاذِبين، ولَم تعلَموا أمرَهم وحالَهم في ذلك = فقولوا لهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] مِمّا في التَّوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، يقول: ومَعبودُنا ومَعبودُكم واحِدٌ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، يقولُ: ونحن له خاضِعون مُتذَلِّلون بالطّاعةِ فيما أمرَنا ونهانا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاءَ الأثرُ عن رسولِ الله ﷺ ) (١)، ثُمَّ أسندَ عن أبي هريرة ﵁ قولَه: كانَ أهلُ الكتابِ يقرءون التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، فيُفسِّرونَها بالعربيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنّا بالذي أُنزلَ إلينا وأنزلَ إليكم، وإلاهُنا وإلاهُكم واحِدٌ، ونحن له مُسلمون» (٢). الثَّانيةُ: الإذنُ لهذه الأُمَّةِ في أن تُحَدِّثَ عن بني إسرائيلَ، وقد جاءَ ذلك صريحاً في قولِه ﷺ : «حَدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرَجَ» (٣)، قالَ مالكُ بن أنسٍ (ت: ١٧٩): «المُرادُ جوازُ التَّحدُّثِ عنهم بما كانَ مِنْ أمرٍ حسَنٍ، أمّا ما عُلمَ كَذِبُه فلا» (٤)، وقالَ الشّافعيُّ (ت: ٢٠٤):

стр. 493

«المَعنى: حدِّثوا عن بني إسرائيلَ بما لا تعلمون كَذِبَه، وأمّا ما تُجوِّزونَه فلا حرجَ عليكم في التَّحدُّثِ به عنهم» (١). كما أرشدَ القرآنُ إلى إباحةِ التَّحديثِ عنهم فيما اتَّفقوا فيه وما اختلفوا فيه، فقالَ تعالى عن عِدَّةِ أصحابِ الكَهفِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. الثَّالثةُ: إرشادُ الأمَّةِ إلى الموقِفِ مِمَّا لا تعلمُ صِدقَه أو كَذِبَه مِنْ أخبارِهم، وذلك في قولِه ﷺ : «ما حدَّثَكم أهلُ الكتابِ فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله ورسولِه. فإن كانَ باطِلاً لم تُصدِّقوه، وإن كانَ حَقّاً لم تُكذِّبوه» (٢)، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «وإنَّما أمرَ النَّبي ﷺ بهذا لأنّا قد أُمِرنا أن نُؤمنَ بما أُنْزِلَ إليهم، وقد أخبرَ الله تعالى أنَّهم يَكذِبون ويُحرِّفون، فما حدَّثوا به إذا لم نعلَمْ صِدقَهم فيه ولا كَذبَهم لم نُكَذِّبه؛ لجوازِ أن يكونَ مِمَّا أُنزلَ، ولم نُصدِّقه؛ لجوازِ أن يكونَ مِمَّا كَذَبوه» (٣)، ومِن ثَمَّ قَسَمَ العلماءُ الموقِفَ مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ (٤)، وهي:

стр. 494

الأوَّلُ: ما علِمنا صِحَّتَه بشهادةِ شَرعِنا له بالصِّدقِ، وأصَحُّه ما جاءَ في كتابِ الله عنهم؛ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، ومثلُه ما ذكرَه عنهم رسولُ الله ﷺ . فهذا القِسمُ لازِمُ القَبولِ، مع الاستِغناءِ بما وردَ في شريعتِنا عنه، وإلى هذا أرشدَ القرآنُ فقال تعالى بعد ذِكرِ عِدَّةِ أصحابِ الكهفِ مؤَدِّباً نبيَّه بذلك: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، أي: بعد ما جاءَك مِنْ خبرِهم في كتابِ الله. واستمعَ ﷺ لحبرٍ مِنْ أحبارِ اليهودِ قالَ له: «يا مُحمَّد، إنّا نجدُ أنَّ الله يجعلُ السَّماواتِ على إصبعٍ، والأرضين على إصبعٍ، والشَّجرَ على إصبعٍ، والماءَ على إصبعٍ، والثَّرى على إصبعٍ، وسائرَ الخلائقِ على إصبعٍ، فيقولُ: أنا المَلكُ. فضَحكَ رسولُ الله ﷺ حتى بدَتْ نواجِذُه؛ تصديقاً لقولِ الحَبْر، ثُمَّ قرأَ رسولُ الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]» (١). ومِن هذا البابِ أيضاً إنكارُ رسولِ الله ﷺ على عمرَ بن الخطّابِ ﵁ حين رأى معه صُحُفاً مِنْ التَّوراةِ، بقولِه: «أمُتهوِّكونَ (٢) فيها يا ابنَ الخطَّابِ، والذي نفسي بيَدِه لقد جِئتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً .. ، والذي نفسي بيَدِه لو أنَّ موسى كانَ حيّاً ما وَسِعَه إلا أن يتَّبعَني» (٣)،

стр. 495

ومِنه أيضاً قولُ ابنِ عباسٍ ﵁: «يا معشرَ المسلمين كيف تسألون أهلَ الكتابِ! وكتابُكم الذي أُنزلَ على نبيِّه ﷺ أحدَثُ الأخبارِ بالله، تَقرؤونَه لم يُشَبْ، وقد حدَّثَكم الله أنَّ أهلَ الكتابِ بدَّلوا ما كتبَ الله، وغيَّروا بأيديهم الكتابَ، فقالوا: هو مِنْ عند الله؛ ليَشتروا به ثَمناً قليلاً، أفلا يَنهاكم ما جاءَكم مِنْ العلمِ عن مُسائَلَتِهم، ولا والله ما رأينا مِنهم رجُلاً قَطُّ يسألُكم عن الذي أُنزلَ عليكم» (١). الثّاني: ما علِمنا كذبَه بما في شَرعِنا مِمّا يُخالفُه، فهذا باطلٌ مردودٌ. الثّالثُ: ما لم نعلَمْ صِدقَه ولا كذبَه، فهذا موقوفٌ لا نُصدِّقُه ولا نُكذِّبُه، وتجوزُ حكايَتُه والاعتبارُ به، ويَصِحُّ الاستشهادُ به والاعتضادُ. وكُلُّ هذا يدُلُّ على مزيدِ عنايةِ الشَّريعةِ بهذا البابِ مِنْ الأخبارِ؛ حيثُ أحاطَت ما يُنقَلُ مِنها بضوابطَ تحفَظُ ما فيها مِنْ الحَقِّ، وتحتاطُ له، وتُبطِلُ ما فيها مِنْ الباطلِ، في غايةٍ مِنْ العدلِ والإنصافِ. وقد كانَ لتوجيهاتِ الشَّريعةِ تلك أكبرُ الأثرِ في عنايةِ السَّلفِ بمنهجِ الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ في التَّفسيرِ أكثرَ مِنْ غيرِها مِنْ الأخبارِ؛ لمَا أَولاها الشَّرعُ مِنْ الاهتمامِ، فظهرَ في نقلِهم التَّحرّي، وسُؤالُ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ الكتابِ، ومَن اشتهرَ بالعلمِ مِنهم على الخُصوصِ، والنَّقلُ
следующие страницы →