غيرِ ذلك؟ قيلَ: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك تَوْكيداً بما نضُمُّ إليه مِنْ أخبارِ السَّلفِ المُتقَدِّمين، وأقوالِهم» (١)، وذكرَ بعد ذلك من أقوالِهم ما كانَ مِنْ رَأيِهم واجتِهادِهم، وما كانَ مِنْ روايتِهم مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ.
فمِن هذا الوَجهِ يحصُلُ التَّداخلُ بين دَليلَي الإسرائيليّاتِ وأقوالِ السَّلفِ، وقد كانَ لهذا أثرُه المَحمودُ على الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)، على ما سيأتي بيانُه بحولِ الله.
المطلبُ الثّاني: حُجِّيَّةُ الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني.
إنَّ الاستدلالَ بأخبارِ بني إسرائيلَ هو مِنْ جِنسِ الاستدلالِ بأخبارِ العربِ وأحوالِهم التي نزلَ فيها القرآنُ، ومِن ثَمَّ فما ذُكِرَ في (قصَصِ الآيِ) في أحوالِ النُّزولِ: مِنْ صِحَّةِ الاستدلالِ بها لتَمامِ بيانِ المعنى، وتعيينِ المُرادِ، وإزالةِ الشُّبَهِ والإشكالاتِ، وجَرَيانِ عملِ السَّلفِ على استِعمالِها في التَّفسيرِ = يُقالُ مِثلُه في الإسرائيليّاتِ، بل أكثرُ؛ وذلك لمزيدِ عنايةِ الشَّريعةِ بهذا النَّوعِ مِنْ الأخبارِ، وقد تجلَّت تلك العنايةُ في صُورٍ:
الأولى: بيانُ الموقِفِ العامِّ مِنْ أقوالِهم وأخبارِهم، وقد جاءَ ذلك نَصَّاً في قولِه تعالى ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، قالَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠):
стр. 492
«يقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به وبرسولِه الذين نهاهم أن يُجادِلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي هي أحسنُ: إذا حدَّثَكم أهلُ الكتابِ أيُّها القَومُ عن كُتُبِهم، وأخبروكم عنها بما يُمكِنُ، ويَجوزُ أن يكونوا فيه صادِقين، وأن يكونوا فيه كاذِبين، ولَم تعلَموا أمرَهم وحالَهم في ذلك = فقولوا لهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] مِمّا في التَّوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، يقول: ومَعبودُنا ومَعبودُكم واحِدٌ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، يقولُ: ونحن له خاضِعون مُتذَلِّلون بالطّاعةِ فيما أمرَنا ونهانا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاءَ الأثرُ عن رسولِ الله ﷺ ) (١)، ثُمَّ أسندَ عن أبي هريرة ﵁ قولَه: كانَ أهلُ الكتابِ يقرءون التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، فيُفسِّرونَها بالعربيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنّا بالذي أُنزلَ إلينا وأنزلَ إليكم، وإلاهُنا وإلاهُكم واحِدٌ، ونحن له مُسلمون» (٢).
الثَّانيةُ: الإذنُ لهذه الأُمَّةِ في أن تُحَدِّثَ عن بني إسرائيلَ، وقد جاءَ ذلك صريحاً في قولِه ﷺ : «حَدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرَجَ» (٣)، قالَ مالكُ بن أنسٍ (ت: ١٧٩): «المُرادُ جوازُ التَّحدُّثِ عنهم بما كانَ مِنْ أمرٍ حسَنٍ، أمّا ما عُلمَ كَذِبُه فلا» (٤)، وقالَ الشّافعيُّ (ت: ٢٠٤):
стр. 493
«المَعنى: حدِّثوا عن بني إسرائيلَ بما لا تعلمون كَذِبَه، وأمّا ما تُجوِّزونَه فلا حرجَ عليكم في التَّحدُّثِ به عنهم» (١). كما أرشدَ القرآنُ إلى إباحةِ التَّحديثِ عنهم فيما اتَّفقوا فيه وما اختلفوا فيه، فقالَ تعالى عن عِدَّةِ أصحابِ الكَهفِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
الثَّالثةُ: إرشادُ الأمَّةِ إلى الموقِفِ مِمَّا لا تعلمُ صِدقَه أو كَذِبَه مِنْ أخبارِهم، وذلك في قولِه ﷺ : «ما حدَّثَكم أهلُ الكتابِ فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله ورسولِه. فإن كانَ باطِلاً لم تُصدِّقوه، وإن كانَ حَقّاً لم تُكذِّبوه» (٢)، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «وإنَّما أمرَ النَّبي ﷺ بهذا لأنّا قد أُمِرنا أن نُؤمنَ بما أُنْزِلَ إليهم، وقد أخبرَ الله تعالى أنَّهم يَكذِبون ويُحرِّفون، فما حدَّثوا به إذا لم نعلَمْ صِدقَهم فيه ولا كَذبَهم لم نُكَذِّبه؛ لجوازِ أن يكونَ مِمَّا أُنزلَ، ولم نُصدِّقه؛ لجوازِ أن يكونَ مِمَّا كَذَبوه» (٣)، ومِن ثَمَّ قَسَمَ العلماءُ الموقِفَ مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ (٤)، وهي:
стр. 494
الأوَّلُ: ما علِمنا صِحَّتَه بشهادةِ شَرعِنا له بالصِّدقِ، وأصَحُّه ما جاءَ في كتابِ الله عنهم؛ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، ومثلُه ما ذكرَه عنهم رسولُ الله ﷺ . فهذا القِسمُ لازِمُ القَبولِ، مع الاستِغناءِ بما وردَ في شريعتِنا عنه، وإلى هذا أرشدَ القرآنُ فقال تعالى بعد ذِكرِ عِدَّةِ أصحابِ الكهفِ مؤَدِّباً نبيَّه بذلك: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، أي: بعد ما جاءَك مِنْ خبرِهم في كتابِ الله. واستمعَ ﷺ لحبرٍ مِنْ أحبارِ اليهودِ قالَ له: «يا مُحمَّد، إنّا نجدُ أنَّ الله يجعلُ السَّماواتِ على إصبعٍ، والأرضين على إصبعٍ، والشَّجرَ على إصبعٍ، والماءَ على إصبعٍ، والثَّرى على إصبعٍ، وسائرَ الخلائقِ على إصبعٍ، فيقولُ: أنا المَلكُ. فضَحكَ رسولُ الله ﷺ حتى بدَتْ نواجِذُه؛ تصديقاً لقولِ الحَبْر، ثُمَّ قرأَ رسولُ الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]» (١). ومِن هذا البابِ أيضاً إنكارُ رسولِ الله ﷺ على عمرَ بن الخطّابِ ﵁ حين رأى معه صُحُفاً مِنْ التَّوراةِ، بقولِه: «أمُتهوِّكونَ (٢) فيها يا ابنَ الخطَّابِ، والذي نفسي بيَدِه لقد جِئتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً .. ، والذي نفسي بيَدِه لو أنَّ موسى كانَ حيّاً ما وَسِعَه إلا أن يتَّبعَني» (٣)،
стр. 495
ومِنه أيضاً قولُ ابنِ عباسٍ ﵁: «يا معشرَ المسلمين كيف تسألون أهلَ الكتابِ! وكتابُكم الذي أُنزلَ على نبيِّه ﷺ أحدَثُ الأخبارِ بالله، تَقرؤونَه لم يُشَبْ، وقد حدَّثَكم الله أنَّ أهلَ الكتابِ بدَّلوا ما كتبَ الله، وغيَّروا بأيديهم الكتابَ، فقالوا: هو مِنْ عند الله؛ ليَشتروا به ثَمناً قليلاً، أفلا يَنهاكم ما جاءَكم مِنْ العلمِ عن مُسائَلَتِهم، ولا والله ما رأينا مِنهم رجُلاً قَطُّ يسألُكم عن الذي أُنزلَ عليكم» (١).
الثّاني: ما علِمنا كذبَه بما في شَرعِنا مِمّا يُخالفُه، فهذا باطلٌ مردودٌ.
الثّالثُ: ما لم نعلَمْ صِدقَه ولا كذبَه، فهذا موقوفٌ لا نُصدِّقُه ولا نُكذِّبُه، وتجوزُ حكايَتُه والاعتبارُ به، ويَصِحُّ الاستشهادُ به والاعتضادُ.
وكُلُّ هذا يدُلُّ على مزيدِ عنايةِ الشَّريعةِ بهذا البابِ مِنْ الأخبارِ؛ حيثُ أحاطَت ما يُنقَلُ مِنها بضوابطَ تحفَظُ ما فيها مِنْ الحَقِّ، وتحتاطُ له، وتُبطِلُ ما فيها مِنْ الباطلِ، في غايةٍ مِنْ العدلِ والإنصافِ.
وقد كانَ لتوجيهاتِ الشَّريعةِ تلك أكبرُ الأثرِ في عنايةِ السَّلفِ بمنهجِ الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ في التَّفسيرِ أكثرَ مِنْ غيرِها مِنْ الأخبارِ؛ لمَا أَولاها الشَّرعُ مِنْ الاهتمامِ، فظهرَ في نقلِهم التَّحرّي، وسُؤالُ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ الكتابِ، ومَن اشتهرَ بالعلمِ مِنهم على الخُصوصِ، والنَّقلُ
стр. 496
المُباشِرُ مِنْ كُتُبِهم، مع نقدِ هذه الأخبارِ وفَحصِها، والاقتصارِ مِنها على ما تُباحُ روايتُه. (١)
وأمثلةُ استدلالاتِ السَّلفِ بالإسرائيليّاتِ في التَّفسيرِ كثيرةٌ جدّاً، ومِن ذلك ما نقلَه ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠)، عن ابنِ عباسٍ ﵁، ومجاهدٍ (ت: ١٠٤)، ووَهبِ بن مُنبِّهٍ (ت: ١١٤)، وقتادةَ (ت: ١١٧)، ومحمدِ بن كعب القُرَظي (ت: ١٢٠)، ومحمدِ بن قَيسٍ المدَنيّ (٢)، فقالَ: «ذكرَ جميعُهم أنَّ السَّببَ الذي مِنْ أجلِه قالَ لهم موسى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] نحوُ السَّببِ الذي ذكرَه عَبيدةُ وأبو العاليةِ والسُّدّيّ، غيرَ أنَّ بعضَهم ذكرَ أنَّ الذي قتلَ القتيلَ الذي اختُصِمَ في أمرِه إلى موسى كانَ أخا المَقتولِ، وذكرَ بعضُهم أنَّه كانَ ابنَ أخيه، وقالَ بعضُهم: بل كانوا جماعةً ورَثةً استَبْطئوا حياتَه. إلا أنَّهم جميعاً مُجمِعون على أنَّ موسى إنَّما أمرَهم بذَبحِ البقرةِ مِنْ أجلِ القَتيلِ إذْ احتكَموا إليه» (٣)، وذكرَ عطاءُ بن أبي رباحٍ (ت: ١١٤) قصَّةَ إهباطِ آدمَ إلى الأرضِ، وقالَ فيها: «وأنزلَ الله ياقوتةً مِنْ ياقوتِ الجنَّةِ، فكانَت على موضِعِ البيتِ الآن، فلَم يزَلْ يطوفُ به حتى أنزلَ الله الطّوفان، فرُفِعَت تلك الياقوتةُ، حتى بعثَ الله إبراهيمَ فبناه، فذلك قولُ الله ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]» (٤)، وقالَ محمدُ بن كعبٍ
стр. 497
القُرَظي (ت: ١٢٠): «بلَغني أنَّ قومَ شُعَيْبٍ عُذِّبوا في قطعِ الدَّراهمِ، ثُمَّ وجَدتُ ذلك في القرآنِ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]» (١)، وذكرَ السُّدّي (ت: ١٢٨) قصَّةَ ظُهورِ السِّحرِ في بني إسرائيلَ، وأنَّ الشَّيطانَ تمثَّلَ لهم وأراهم موضِعَ كُتُبٍ، «فلمّا أخرَجوها قالَ الشَّيطانُ: إنَّ سليمانَ إنَّما كانَ يَضبطُ الإنسَ والشَّياطينَ والطَّيرَ بهذا السِّحرَ. ثُمَّ طارَ فذَهبَ، وفشا في النّاسِ أنَّ سليمانَ كانَ ساحِراً، واتَّخذَت بنو إسرائيلَ تلك الكُتُبِ، فلمّا جاءَ مُحمدً خاصَموه بها، فذلك حين يقولُ الله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]» (٢).
وعلى هَديِ السَّلفِ في هذا سارَ المُحقِّقون في علمِ التَّفسيرِ، وانتفعوا مِنْ هذه الأخبارِ بمقدارِ ما انتفعَ بها أسلافُهم ﵃، أخذاً بالرُّخصةِ الشَّرعيَّةِ، واقتداءً بهَديِ خيرِ القُرونِ، فظهرَ جليّاً في عامَّةِ كتبِ التَّفسيرِ الاستعانةُ بها في بيانِ المعاني، خلا بعضَ التَّفاسيرِ المُتأخِّرةِ التي منعَ أصحابُها مِنْ الاستشهادِ بهذه الأخبارِ في التَّفسيرِ مُطلَقاً، وقصرَ بعضُهم الرُّخصةَ الشَّرعيَّةَ في التَّحديثِ بالمُباحِ عنهم على غيرِ التفسيرِ (٣)؛ لأنَّ في ذكرِها مقرونةً به تصديقٌ بما فيها. وهذا
стр. 498
تخصيصٌ بلا دليلٍ، مع مُخالفتِه منهجَ العلماءِ السّابقين في ذلك، وواضِحٌ أنَّه لا يلزمُ مِنْ ذكرِها تصديقُ ما فيها والقطعُ به، وإلا بطلَت الرُّخصةُ بالتَّحديثِ عنهم على ما جاءَ بها النَّصُّ الشَّرعيُّ.
المطلبُ الثّالثُ: أوجه الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني.
يورِدُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) دليلَ الإسرائيليّاتِ مبيّناً به المعنى في ثلاثِ صوَرٍ:
الأولى: التَّصريحُ بالاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ، ومِن ذلك قولُه: «فالخبرُ الذي ذكرناه عن وَهبِ بن مُنبِّهٍ في قِصَّةِ يأجوجَ ومأجوجَ (١)، يدُلُّ على أنَّ الذين قالوا لذي القَرنَيْن: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤]، إنَّما أعلَموه خَوفَهم ما يَحدُثُ مِنهم مِنْ الإفسادِ في الأرضِ، لا أنَّهم شَكَوا مِنهم إفساداً كانَ مِنهم، فيهم أو في غيرِهم .. ، فإذْ كانَ ذلك كذلك بالذي بيَّنّا، فالصَّحيحُ مِنْ تأويلِ قولِه ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤]: إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ سيُفسِدون في الأرضِ» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]: «وأَولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ أحدُ القَولَيْن اللَّذَين ذكرناهما عن وَهبِ بن مُنبِّهٍ، مِنْ أنَّ شَبَه عيسى أُلقيَ على جميعِ مَنْ كانَ في البَيتِ مع عيسى حين أُحيطَ به وبهم، مِنْ غيرِ مَسألةِ عيسى إيّاهم
стр. 499
ذلك، ولكن ليُخزِيَ الله بذلك اليَهودَ، ويُنقِذَ به نَبيَّه ﵇ مِنْ مَكروهِ ما أرادوا به مِنْ القَتلِ، ويَبتليَ به مَنْ أرادَ ابتلاءَه مِنْ عِبادِه في قيلِه في عيسى، وصِدقِ الخَبرِ عن أمرِه. أو القَولُ الذي رواه عبدُ العزيزِ (١)، عنه» (٢)، ثُمَّ فصَّلَ وجهَ صوابِهما بعد ذلك. ومثلُه قولُه: «وقولُه ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] يعني: فاختلَفتُم وتنازَعتُم .. ، وكانَ تدارُؤُهم في النَّفسِ التي قتَلوها كما حدَّثني .. ، عن مُجاهدٍ، قالَ: صاحبُ البقرَةِ رجُلٌ مِنْ بني إسرائيلَ، قتلَه رجلٌ، فألقاه على بابِ ناسٍ آخرين، فجاءَ أَولياءُ المَقتولِ فادَّعَوا دمَه عندهم، فانتَفَوا مِنه» (٣)، ثُمَّ أسندَ نحوَ ذلك عن ابنِ عباسٍ ﵁، وعَبيدةَ السَّلمانيّ (ت: قبل ٧٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، ومحمَّدِ بن كعبٍ القُرَظي (ت: ١٢٠)، ومحمَّدِ بن قَيسٍ المَدَني، وابنِ زيدٍ (ت: ١٨٢)، وقالَ: «فكانَ اختِلافُهم وتنازعُهم وخِصامُهم بينهم في أمرِ القَتيلِ الذي ذكَرنا أَمرَه على ما روَيْنا عن عُلمائِنا مِنْ أهلِ التأويلِ = هو الدَّرْءُ الذي قالَ الله جلَّ ثناؤُه لذُرِّيَّتِهم وبقايا أَولادِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]» (٤).
الثّانية: ذِكرُ الإسرائيليّاتِ مباشرةً على سبيلِ التَّدليلِ، ومِن ذلك قولُه: «وأمّا قولُه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فإنَّ ابنَ عباسٍ كانَ يقولُ في ذلك -فيما ذُكِرَ عنه- ما حدَّثني به .. ، عن ابنِ عباسٍ
стр. 500
في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]، يقول: أعلَمُ أنَّ رُؤيا يوسفَ صادقةٌ، وأنّي سأسجُدُ له» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: «وأمّا تأويلُ ذَبحِهم أبناءَ بني إسرائيلَ، واستِحيائِهم نساءَهم، فإنَّه كانَ فيما ذُكرَ لنا عن ابنِ عباسٍ وغيرِه كالذي حدَّثنا به .. » (٢)، ثُمَّ أسندَ عن جماعةٍ مِنْ السَّلفِ تفصيلَ ذلك مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ. ومثلُ ذلك قولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. إن قالَ لنا قائِلٌ: كيف غرَّقَ الله فِرعونَ ونجّى بني إسرائيلَ؟ قيلَ: كما حدَّثنا .. » (٣)، ثُمَّ أسندَ قِصَّةَ ذلك مِنْ أخبارِ بني إسرائيلَ عن جماعةٍ مِنْ السَّلفِ.
الثّالثة: إيرادُ الإسرائيليّاتِ على سبيلِ التَّعليلِ لقبولِ المعنى أو رَدِّه، ومِن ذلك قولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وتأويلُ ذلك: وما يُعلِّمُ الملَكان مِنْ أحدٍ مِنْ النّاسِ الذي أُنزلَ عليهما مِنْ التَّفريقِ بين المَرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنَّما نحن بلاءٌ وفِتنةٌ لبني آدمَ، فلا تَكفُرْ برَبِّك. كما حدَّثني .. ، عن السُّدِّي، قالَ: إذا أتاهما -يعني هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يُريدُ السِّحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تَكفُرْ، إنَّما نحن فِتنةٌ. فإذا أبى قالا له: ائْتِ هذا الرَّمادَ فبُلْ عليه. فإذا بالَ عليه خرجَ مِنه نورٌ يَسطعُ
стр. 501
حتى يَدخُلَ السَّماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبلَ شَيءٌ أسودُ كهَيئَةِ الدُّخانِ حتى يدخُلَ في مسامِعِه وكُلِّ شَيءٍ مِنه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السِّحرَ، فذلك قولُ الله ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية» (١)، وقولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. ذُكرَ أنَّ امرأةَ العزيزِ لمّا همَّت بيوسفَ وأرادَت مُراودتَه، جعلَت تَذكُرُ محاسِنَ نَفسِه، وتُشوِّقُه إلى نَفسِها. كما حدَّثنا .. » (٢)، ثُمَّ ذكرَ تفاصيلَ ذلك عن ابنِ إسحاقَ (ت: ١٥٠)، والسُّدِّي (ت: ١٨٢). وكذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]: «اليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلقيَه فيه هو النِّيلُ. كما حدَّثنا .. ، عن السُّدِّي: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]. قالَ: هو البَحرُ، وهو النِّيلُ» (٣).
المطلبُ الرّابعُ: ضوابطُ الاستدلالِ بالرِّواياتِ الإسرائيليَّةِ على المعاني ومسائِلُه.
أوَّلاً: مصدرُها النَّقلُ المَحضُ، وقد أشارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ذلك بقولِه عند قولِه تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ
стр. 502
هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: «جائزٌ أن تكونَ تلك البَقيَّةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتَّوراةَ، أو بعضَها والنَّعلَيْن، والثّيابَ، والجهادَ في سبيلِ الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدرَكُ عِلمُه مِنْ جِهةِ الاستِخراجِ ولا اللُّغةِ، ولا يُدرَكُ عِلمُ ذلك إلا بخبَرٍ يُوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عند أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفةِ التي وصَفْنا» (١)، وقولِه أيضاً: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا أن يُقالَ: إنَّ الله جلَّ ثناؤُه أخبرَ عن إبراهيمَ خليلِه أنَّه وابنَه إسماعيلَ رفعا القواعدَ مِنْ البَيتِ الحرامِ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك قواعدَ بيتٍ كانَ أهبطَه مع آدمَ، فجعلَه مكانَ البيتِ الحرامِ الذي بمكَّةَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كانَ القُبَّةَ التي ذكرَها عطاءٌ مِمّا أنشأَه الله مِنْ زَبَدِ الماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كانَ ياقوتةً أو دُرَّةً أُهبِطتا مِنْ السَّماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كانَ آدمُ بناه ثُمَّ تهدَّمَ حتى رفعَ قواعدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ. ولا عِلمَ عندنا بأيِّ ذلك كانَ مِنْ أيٍّ؛ لأنَّ حقيقةَ ذلك لا تُدركُ إلا بخبرٍ عن الله، أو عن رسولِه ﷺ بالنَّقلِ المُستفيضِ، ولا خبرَ بذلك تقومُ به الحُجَّةُ فيَجبَ التَّسليمُ لها، ولا هو -إذْ لم يكُن به خَبرٌ على ما وصَفْنا- مِمّا يُدرَكُ عِلمُه بالاستدلالِ والمقاييسِ، فيُمثَّلَ بغيرِه، ويُستنبطَ عِلمُه مِنْ جِهةِ الاجتهادِ، فلا قَولَ في ذلك أَولى بالصَّوابِ مِمّا قُلنا» (٢)، وقولِه بعدما أوردَ وجوهاً مُحتملةً مِنْ تلك الأخبارِ: «ولا دلالةَ له في كتابٍ، ولا أثرٍ عن الرَّسولِ ﷺ ، ولا في إجماعِ الأُمَّةِ على أيِّ ذلك كانَ، وإذْ لم يكُنْ ذلك موجوداً مِنْ
стр. 503
الوَجهِ الذي ذكَرْتُ فالصَّوابُ أن يُقالَ فيه كما قالَ الله ، حتى تَثبُتَ حُجَّةٌ بصِحَّةِ ما قيلَ في ذلك مِنْ الوَجهِ الذي يَجبُ التَّسليمُ له، فيُسلَّمُ لها حينئذٍ» (١).
والأصلُ في نقلِ هذه الأخبارِ الرِّوايةُ عن السَّلفِ، وبه اكتفى ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه؛ فلم يورِدْ مِنْ أخبارِهم شيئاً عن غيرِ السَّلفِ، ولا يمنعُ ذلك مِنْ الاستدلالِ بها مِنْ غيرِ طريقِهم؛ كالنَّقلِ المُباشرِ عن كُتُبِهم، لكنَّ الواردَ عن السَّلفِ مِنْ تلك الأخبارِ يمتازُ بأمورٍ، منها:
١ - أنَّه محفوفٌ بالتثَبُّتِ في النَّقلِ؛ فمِن المُستفيضِ عنهم النَّقلُ المُباشرُ عن كُتُبِ أهلِ الكتابِ، وسؤالُ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ الكتابِ، والعلماءِ مِنهم على وجهِ الخصوصِ؛ ككَعبِ الأحبارِ (٢) (ت: ٣٢)، وأبي الجَلْدِ (٣)، ووَهبِ بن مُنبِّهٍ (٤) (ت: ١١٤)، ومِن شواهِدِ ذلك سؤالاتِ الصَّحابةِ لكَعبِ الأحبارِ (ت: ٣٢) (٥)، وسؤالاتِ ابنِ عباسٍ ﵁ لأبي
стр. 504
الجَلْدِ (١)، وقولِ ابنِ إسحاقَ (ت: ١٥٠): «عن أبي عَتّابٍ -رجلٌ مِنْ تَغلِبَ، كانَ نَصرانيّاً عُمراً مِنْ دَهرِه، ثُمَّ أسلمَ بعدُ، فقَرأَ القرآنَ، وفَقِه في الدِّينِ، وكانَ -فيما ذُكرَ له- نصرانيّاً أربعينَ سنةً، ثُمَّ عُمِّرَ في الإسلامِ أربعينَ سنةً- قالَ .. » (٢)، وقولُه أيضاً: «حدَّثني بعضُ مَنْ يسوقُ أحاديثَ الأعاجمِ مِنْ أهلِ الكتابِ، مِمَّنْ قد أسلمَ، مِمّا توارثوا مِنْ علمِ ذي القَرْنَين .. » (٣).
ومِن عباراتِ السَّلفِ الدَّالَّةِ على ذلك قولُهم: «أما إنَّه مَكتوبٌ عندك في كِتابِك» (٤)، «وهو مكتوبٌ عندهم في الكتابِ الأوَّلِ» (٥)، «حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأوَّلِ» (٦)، «وأهلُ التَّوراةِ يَدرُسون» (٧)، «إنَّ في التَّوراةِ» (٨).
٢ - سعَةُ عِلمِهم بالشَّريعةِ، وحُسنُ تمييزِهم بين ما يُقبَلُ مِنْ هذه الأخبارِ وما يُرَدُّ، وهم أعلَمُ مِنْ غَيرِهم بهذا، وفي ذلك ما فيه مِنْ الرِّعايةِ والاحتياطِ للمعاني القرآنيةِ.
٣ - سعَةُ عِلمِهم بمعاني القرآنِ الكريمِ، وقد أفادَ ذلك أمرَيْن:
أوَّلَهما: تحديدُ مقدارِ ما يُحتاجُ إليه مِنْ هذه الأخبارِ لبيانِ المعاني
стр. 505
والحُكمِ عليها، فلا يُزادُ على مِقدارِ الحاجةِ مِنها؛ لأنَّها مَقصودةٌ لغيرِها لا لِذاتِها.
وثانيهما: دِقَّةُ تمييزِهم بين ما وردَت به الآياتُ مِنْ المعاني، وما زادَته الإسرائيليّاتُ عليها، ومِن ذلك قولُ ابنِ إسحاق (ت: ١٥٠): «فهذا ما وصلَ إلينا في كتابِ الله مِنْ خبرِ موسى فيما طلبَ مِنْ النَّظرِ إلى رَبِّه، وأهلُ الكتابِ يَزعُمون وأهلُ التَّوراةِ أنْ قد كانَ لذلك تَفسيرٌ وقِصَّةٌ وأُمورٌ كثيرةٌ ومُراجعَةٌ لم تَأتِنا في كتابِ الله. فالله أعلمُ» (١)، وكذا قَولُه: «خرجَت الرُّسلُ -فيما يَزعمُ أهلُ التَّوراةِ- مِنْ عند إبراهيمَ إلى لوطٍ بالمؤتَفِكةِ، فلمّا جاءَت الرُّسلُ لوطاً ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧]، وذلك مِنْ خَوفِ قَومِه عليهم، أن يَفضَحوه في ضَيفِه، فقالَ: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]» (٢). وقد ظهرَ أثرُ ذلك في دِقَّةِ تعبيرِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) عن نَحوِ ذلك مِنْ المعاني، كما في قولِه: «وقولِه ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠]. يقولُ: وجاءَ مِنْ أقصى مدينةِ هؤلاءِ القَومِ الذين أَرسَلتُ إليهم هذه الرُّسلَ، رجلٌ يسعى إليهم، وذلك أنَّ أهلَ مدينتِه هذه عزموا واجتمَعَت آراؤُهم على قتلِ هؤلاءِ الرُّسلِ الثَّلاثةِ -فيما ذُكرَ-، فبلغَ ذلك هذا الرَّجلَ، وكانَ منزِلُه أقصى المدينةِ، وكانَ مُؤمِناً، وكانَ اسمُه -فيما ذُكرَ- حبيبُ بن مُرَى» (٣).
٤ - سعةُ عِلمِهم بأخبارِ أهلِ الكتابِ، وفيهم مَنْ اشتُهرَ بذلك،
стр. 506
كعبدِ الله بن عمروِ بن العاصِ ﵁، وكعبِ الأحبارِ (ت: ٣٢)، ووَهبِ بن مُنبِّهٍ (ت: ١١٤)، ومحمّدِ بن إسحاقَ (ت: ١٥٠)، ونَحوِهم.
ثُمَّ مرويّاتُ السَّلفِ مِنْ تلك الأخبارِ على مراتبَ؛ أعلاها ما وردَ عن الصَّحابةِ ﵃، قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «ما نُقِلَ في ذلك عن بعضِ الصَّحابةِ نَقلاً صحيحاً فالنَّفسُ إليه أسكَنُ مِمّا نَقِلَ عن بعضِ التّابعين؛ لأنَّ احتمالَ أن يكونَ سمِعَه مِنْ النَّبيِّ ﷺ ، أو مِنْ بعضِ مَنْ سمِعَه مِنه أقوى، ولأنَّ نقلَ الصَّحابةِ عن أهلِ الكتابِ أقلُّ مِنْ نقلِ التّابعين» (١).
وجُملةُ القَولِ إنَّ ورودَ الخبرِ الإسرائيليّ عن السَّلفِ مزيَّةٌ، فلا غرابةَ في اقتصارِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) على النَّقلِ عن السَّلفِ في هذا البابِ بلا زيادةٍ.
ثانياً: يستعينُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بكلامِ أهلِ العلمِ بالتّاريخِ والسِّيَرِ والأنسابِ في تحريرِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ، ونَقدِها، وتقريرِ ما يُقبَلُ مِنها وما يُرَدُّ؛ وذلك أنَّهم أهلُ هذا الفَنِّ، والمُقَدَّمون فيه، فإجماعُهم فيه مُعتبَرٌ، وتتابُعُ أقوالِهم فيه مُقَدَّمٌ، وهذا منهجُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في جميعِ الفنونِ؛ فأهلُ التّأويلِ في التَّفسيرِ، وأهلُ القراءاتِ في القراءةِ، وأهلُ الحديثِ في الرِّوايةِ، وأهلُ الأُصولِ والفقهِ في الأحكامِ، وأهلُ اللُّغةِ في اللُّغةِ، وهكذا في سائِرِ العلومِ (٢)، وهذا مِنه ﵀ غايةٌ في الإنصافِ، وكمالِ العقلِ، ورسوخِ العلمِ، مع كونِه أيضاً مِنْ أهلِ العلمِ
стр. 507
بالتّاريخِ والسِّيَرِ والأنسابِ، بل كتابُه في التّاريخِ مِنْ أجلِّ الكُتُبِ في بابِه.
ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ أن يُقالَ: هي الأرضُ المُقدَّسةُ. كما قالَ نبيُّ الله موسى ﷺ ؛ لأنَّ القَولَ في ذلك بأنَّها أرضٌ دون أرضٍ، لا تُدرَكُ حقيقةُ صِحَّتِه إلا بالخبرِ، ولا خبرَ بذلك يجوزُ قطعُ الشَّهادةِ به، غيرَ أنَّها لن تَخرُجَ مِنْ أن تكونَ مِنْ الأرضِ التي بين الفُراتِ وعريشِ مِصرَ؛ لإجماعِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ والسِّيَرِ والعلماءِ بالأخبارِ على ذلك» (١)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]: «وأَولى القَولَيْن في ذلك عندي بالصَّوابِ أنَّ اللذَيْن قرَّبا القُربانَ كانا ابنَيْ آدمَ لِصُلبِه، لا مِنْ ذُرِّيَّتِه مِنْ بني إسرائيلَ؛ وذلك أنَّ الله يتعالى عن أن يُخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً، والمُخاطَبون بهذه الآيةِ كانوا عالِمين أنَّ تقريبَ القُربانِ لله لم يكُن إلا في ولَدِ آدمَ، دون الملائِكةِ والشَّياطينِ وسائرِ الخَلقِ غيرِهم .. ، وإذْ كانَ غيرَ جائزٍ أن يُخاطبَهم خطاباً لا يُفيدُهم به معنىً، فمَعلومٌ أنَّه عَنى ابنَيْ آدمَ لِصُلبِه، لا ابنَيْ بَنيه اللذِين بَعُدَ مِنه نَسَبُهم، مع إجماعِ أهلِ الأخبارِ والسِّيَرِ والعلمِ بالتَّأويلِ على أنَّهما كانا ابنَيْ آدمَ لِصُلبِه، وفي عهدِ آدمَ وزمانِه، وكفى بذلك شاهِداً» (٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾
стр. 508
[الأنبياء: ٧١]: «وإنَّما اختَرنا ما اختَرنا مِنْ القَولِ في ذلك لأنَّه لا خِلافَ بين جميعِ أهلِ العلمِ أنَّ هِجرَةَ إبراهيمَ مِنْ العراقِ كانَت إلى الشَّامِ، وبها كانَ مُقامُه أيّامَ حياتِه، وإن كانَ قد كانَ قَدِمَ مكَّةَ، وبَنى بها البَيتَ، وأسْكنَها إسماعيلَ ابنَه مع أُمِّه هاجرَ، غيرَ أنَّه لم يُقِمْ بها، ولم يتَّخِذها وَطناً لِنَفسِه، ولا لوطٌ» (١).
ثالثاً: كيف يُميَّزُ الخبرُ الإسرائيليّ مِنْ جُملَةِ الأخبارِ؟
إنَّ مِمّا يُشكِلُ في بابِ الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ ما يحصلُ مِنْ التَّداخلِ في بعضِ هذه الأخبارِ بين أن تكونَ مِنْ الغَيبِ الذي سَمِعَه الصَّحابيُّ مِنْ النَّبيِّ ﷺ ولم يَنسُبه إليه، أو تكونَ مِنْ الغَيبِ الذي نَقلَه عن بني إسرائيلَ مِنْ غيرِ نسبتِه إليهم. ولِحَلِّ هذا الإشكالِ ذكرَ بعضُ العلماءِ مِنْ شروطِ الحُكمِ بالرَّفعِ للخبرِ الغَيْبيِّ الموقوفِ على الصَّحابيّ: ألّا يكونَ راويه مِمَّنْ عُرِفَ بالأَخذِ عن بني إسرائيلَ (٢). والصَّوابُ عدمُ اعتِبارِ هذا الشَّرطِ؛ لأمرَيْن (٣):
١ - أنَّ مقامَ الصَّحابةِ ﵃ لا يَحتمِلُه؛ إذ لا يصحُّ اعتقادُ أن يروي الصَّحابيُّ خبراً غيبيّاً جازِماً به، مُعتمِداً عليه، مِنْ غيرِ طريقِ النَّبيِّ ﷺ ، وهم مِنْ أبصرِ النّاسِ بحدودِ ما أباحَهُ الشَّرعُ مِمّا يُروى عن بني إسرائيلَ، وأنَّه للاستشهادِ لا للجَزمِ والاعتقادِ، قالَ ابنُ
стр. 509
تيميّة (ت: ٧٢٨): «ما نُقِلَ في ذلك عن بعضِ الصَّحابةِ نَقلاً صحيحاً فالنَّفسُ إليه أسكَنُ مِمّا نَقِلَ عن بعضِ التّابعين؛ لأنَّ احتمالَ أن يكونَ سمِعَه مِنْ النَّبيِّ ﷺ ، أو مِنْ بعضِ مَنْ سمِعَه مِنه أقوى، ولأنَّ نقلَ الصَّحابةِ عن أهلِ الكتابِ أقلُّ مِنْ نقلِ التّابعين، ومع جَزمِ الصّاحبِ فيما يقولُه فكيف يُقالُ: إنَّه أخذَه عن أهلِ الكتابِ. وقد نُهو عن تَصديقِهم!» (١).
٢ - أنَّ في ذلك هَدرٌ لنصوصٍ غَيبيَّةٍ كثيرةٍ، لمُجرَّدِ الاحتمالِ بلا قرينةٍ مُعتبرةٍ.
ومع تصحيحِ عدمِ اعتبارِ ذلك الشَّرطِ للحُكمِ برَفعِ ما يرويه الصَّحابيُّ مِنْ الغيبيّاتِ غيرَ مَنسوبٍ إلى النَّبي ﷺ ؛ إلا أنَّ التَّحرّي في هذا النَّوعِ مِنْ المرويّاتِ مَطلوبٌ، وخاصَّةً فيما يرويه الصَّحابيُّ مِنْ ذلك غيرَ جازمٍ به؛ لشَبَهِه الكبير بطريقتِهم في عدمِ الجزمِ بالخبرِ الغَيْبيِّ الذي يَأثِرونَه عن بني إسرائيلَ.
ومِن خِلالِ تعامُلِ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) مع هذه الأخبارِ في تفسيرِه، يُمكنُ تمييزُ الخبرِ الإسرائيليِّ عنده بأَحَدِ طريقَيْن:
الأَوَّلُ: النصُّ؛ ويشملُ:
أ- النَّقلَ مِنْ كُتُبِهم، ومِن عباراتِهم في ذلك: «نجِدُ مَكتوباً في الإنجيلِ» (٢)، «وهو مكتوبٌ عندهم في الكتابِ الأوَّلِ» (٣).
стр. 510
ب- النَّقلَ عن أحبارِهم ورُواتِهم، كما في قولِهم: «حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأوَّلِ» (١)، «وأهلُ التَّوراةِ يَقولون» (٢).
الثَّاني: القرائنُ؛ وتشملُ:
أ- القرائِنَ اللَّفظيةَ، كقولِهم: «كُنّا نُحدَّث» (٣)، «ذُكرَ لنا» (٤)، «بلَغَنا» (٥)، في سياقِ أخبارِ أنبيائِهم، وأحاديثِ بَدءِ الخلقِ، ونحوِ ذلك.
ب- القرائِنَ الحاليَّةَ، كأن يكونَ النّاقِلُ للخَبرِ مِنْ مُسلِمةِ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ الله بن سلَامٍ ﵁، وكعبِ الأحبارِ (ت: ٣٢)، أو يُعرَفَ بالتَّحديثِ عنهم؛ كوَهبِ بن مُنبِّهٍ (ت: ١١٤)، وابنِ إسحاقَ (ت: ١٥٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، ونحوِهم، في سياقِ أخبارِ أنبيائِهم، وعجائِبِ أحوالِهم، ونحوِها.
ولا تخفى إفادةُ الطَّريقِ الأوَّلِ للقَطعِ بكونِ الخبرِ مِنْ الإسرائيليّاتِ، بخلافِ الطَّريقِ الثّاني الذي يُفيدُ الظَّنَّ الغالبَ.
رابعاً: تتنوَّعُ الأغراضُ التي يُساقُ لها دليلُ الإسرائيلياتِ إلى ثلاثةِ أغراضٍ:
الأوَّلُ: تعيين المُبهماتِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: فلمّا أن جاءَ يعقوبَ البَشيرُ
стр. 511
مِنْ عند ابنِه يوسفَ، وهو المُبَشِّرُ برسالةِ يوسفَ، وذلك بريدٌ -فيما ذُكرَ- كانَ يوسفُ أبرَدَه إليه، وكانَ البَريدُ -فيما ذُكرَ- والبَشيرُ: يهوذا بن يعقوبَ، أخا يوسفَ لأبيه» (١)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن السَّلفِ، ومثلُه قولُه: «القَولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]. أمّا البابُ الذي أُمِروا أن يَدخلوه فإنَّه قيلَ: هو بابُ الحِطَّةِ مِنْ بَيتِ المَقدسِ» (٢)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن بعضِ السَّلفِ، ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]: «يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: قالَ الله له: فخُذْ أربعةً مِنْ الطَّيرِ. فذُكرَ أنَّ الأربعةَ مِنْ الطَّيرِ: الدِّيكُ، والطاووسُ، والغُرابُ، والحَمامُ» (٣)، ثُمَّ أسندَه عن بعضِ السَّلفِ.
الثّاني: تبيينُ المُجملاتِ وتفصيلُها، وذلك أكثرُ ما تُساقُ لأجلِه الإسرائيليّاتُ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]: «ومعنى قولِه ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]: فصَلْنا بكم البَحرَ؛ لأنَّهم كانوا اثنَىْ عشرَ سِبطاً، ففَرقَ البحرَ اثنَيْ عشرَ طريقاً، فسلَك كُلُّ سِبطٍ مِنهم طريقاً مِنها، فذلك فَرْقُ الله جلَّ ثناؤُه بهم البَحرَ، وفَصلُه بهم بتَفريقِهم في طُرُقِه الاثنَيْ عشرَ» (٤)، ثُمَّ أسندَ ذلك عن السُّدّي (ت: ١٢٨). وكذا قولُه في قولِه تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]: «والصَّوابُ مِنْ التَّأويلِ عندنا أنَّ القَومَ لم يكادوا
стр. 512
يَفعلون ما أمرَهم الله به مِنْ ذَبحِ البَقرةِ للخَلَّتين كلتَيْهما؛ إحداهما: غلاءُ ثَمنِها، مع ما ذُكرَ لنا مِنْ صِغرِ خطرِها، وقِلَّةِ قيمَتِها. والأُخرى: خَوفُ عظيمِ الفَضيحةِ على أنفُسِهم بإظهارِ الله نبيَّه موسى صلواتُ الله عليه وأتباعَه على قاتِلِه» (١)، ثُمَّ أسندَ كُلَّ ذلك. ومثلُه قولُه في قولِه تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ [يوسف: ١٩]: «وفي الكلامِ مَحذوفٌ استُغنيَ بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه فتُركَ، وذلك: فأدلى دَلوَه، فتعلَّقَ به يوسفُ فخرجَ، فقالَ المُدلي: يا بُشرى هذا غُلامٌ. وبالذي قُلنا في ذلك جاءَت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ» (٢).
الثّالثُ: دفعُ الشُّبَهِ وإزالةُ الإشكالاتِ، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]: «فأمّا سببُ وصولِه إلى الجنَّةِ حتى كلَّمَ آدمَ بعد أن أخرجَه الله مِنها وطردَه عنها، فليس فيما رُويَ عن ابنِ عباسٍ ووَهبِ بن مُنبِّهٍ في ذلك معنىً يجوزُ لذي فَهمٍ مُدافعتُه .. ، فالقَولُ في ذلك أنَّه قد وصلَ إلى خطابِهما على ما أخبرَنا الله تعالى ذِكرُه، ومُمكِنٌ أن يكونَ وصلَ إلى ذلك بنحوِ الذي قالَه المُتأوِّلون، بل ذلك إن شاءَ الله كذلك؛ لتتابُعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تَصحيحِ ذلك» (٣)، ومثلُ ذلك قولُه: «فإن قالَ قائلٌ: وكيف قالَ زكريّا وهو نبيُّ الله: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]. وقد بشَّرَته الملائكةُ بما بشَّرَته به عن أمرِ الله إيّاها به؟ أشِكَّ في صِدقِهم؟
стр. 513
فذلك ما لا يجوزُ أن يوصَفَ به أهلُ الإيمانِ بالله، فكيف الأنبياءُ والمُرسلون؟ أم كانَ ذلك مِنه استِنكاراً لقُدرَةِ رَبِّه، فذلك أعظمُ في البَليَّةِ؟ قيل: كانَ ذلك مِنه ﷺ على غيرِ ما ظنَنتَ، بل كانَ قِيلُه ما قالَ مِنْ ذلك كما حدَّثني» (١)، ثُمَّ ذكرَ خبراً فيه سببُ ذلك عن السُّدّي (ت: ١٢٨)، وعكرمةَ (ت: ١٠٥)، ثُمَّ جمعَ ذلك بقولِه: «فكانَ قَولُه ما قالَ مِنْ ذلك، ومراجعَتُه ربَّه فيما راجعَ فيه بقولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]؛ للوسوسَةِ التي خالَطَت قلبَه مِنْ الشَّيطانِ، حتى خيَّلَت إليه أنَّ النِداءَ الذي سَمعَه كانَ نداءً مِنْ غيرِ الملائكةِ، فقالَ: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]. مُستَثْبِتاً في أمرِه، ليتقرَّرَ عنده بآيةٍ، يُريه الله في ذلك أنَّه بشارَةٌ مِنْ الله على ألسُنِ ملائكتِه، ولذلك قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: ٤١]» (٢).
وأغراضُ الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ هذه مِنْ جِنسِ أغراضِ الاستدلالِ بأحوالِ النُّزولِ، وفيها بيانٌ لبعضِ مقاصدِ الشَّريعةِ مِنْ إباحةِ التَّحديثِ بتلك الأخبارِ عن بني إسرائيلَ، وبيانُ وَجهِ عنايةِ السَّلفِ والمُفسِّرين بها في سياقِ تفسيرِ كلامِ الله .
خامساً: بالتأمُّلِ في أغراضِ الاستدلالِ بالإسرائيليّاتِ السّابقةِ نجِدُ أنَّها لا تُؤَسِّسُ المعنى -غالباً- بل تُثَبِّتُه وتوضِّحُه، وذلك مِنْ جُملَةِ معنى التَّفسيرِ وغرضِ المُفَسِّرِ على ما سبقَ بيانُه، ومَن جعلَ مِنْ الأئِمَّةِ
стр. 514
الإسرائيليّاتِ مِنْ أدلَّةِ التَّأنيسِ لا التَّأسيسِ فمُرادُه: في الأكثرِ. وفي معنى ذلك يقولُ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «الإسرائيليّاتُ يُعتضَدُ بها، ولا يُعتمدُ عليها» (١)، وقالَ: «الأحاديثُ الإسرائيليّةُ تُذكَرُ للاستشهادِ لا للاعتقادِ .. ، وغالبُ ذلك مِمّا لا فائدةَ فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيٍّ» (٢)، وقالَ ذلك كذلك ابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤) في مقدِّمةِ تفسيرِه (٣)، وأشارَ إلى نحوِ ذلك أيضاً بقولِه: «ولسنا نذكرُ مِنْ الإسرائيليّاتِ إلا ما أذِنَ الشّارعُ في نقلِه؛ مِمّا لا يُخالفُ كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه ﷺ ، وهو القِسمُ الذي لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ، مِمّا فيه بَسطٌ لمُختصرٍ عندنا، أو تسميةٌ لمُبهمٍ وردَ به شَرعُنا مِمّا لا فائدةَ في تعيينِه لنا، فنذكرَه على سبيلِ التَّحلّي به، لا على سبيلِ الاحتياجِ إليه، والاعتمادِ عليه، وإنَّما الاعتمادُ والاستنادُ على كتابِ الله، وسُنَّةِ رسولِه» (٤)، وقالَ البِقاعيّ (ت: ٨٨٥): «حكمُ النَّقلِ عن بني إسرائيلَ -ولو كانَ فيما لا يُصَدِّقُه كتابُنا ولا يُكَذِّبُه- الجَوازُ، وإن لم يَثبُت ذلك المَنقولُ، وكذا ما نُقِلَ عن غيرِهم مِنْ أهلِ الأديانِ الباطلةِ؛ لأنَّ المَقصودَ: الاستئناسُ لا الاعتمادُ، بخلافِ ما يُستدَلُّ به في شَرعِنا، فإنَّه العُمدةُ في الاحتجاجِ للدّينِ فلا بُدَّ مِنْ
стр. 515
ثُبوتِه» (١)، ثُمَّ قالَ مُدَلِّلاً على ذلك: «فالذي عندنا مِنْ الأدلَّةِ ثلاثةُ أقسامٍ: موضوعاتٌ، وضِعافٌ، وغيرُ ذلك. فالذي ليس بموضوعٍ ولا ضَعيفٍ مُطلَقَ ضَعفٍ يُورَدُ للحُجَّةِ. والضَّعيفُ المُتماسكُ للتَّرغيبِ. والموضوعُ يُذكرُ لبيانِ التَّحذيرِ مِنه بأنَّه كذبٌ. فإذا وازَنت ما يَنقُلُه أئِمَّتُنا عن أهلِ دينِنا للاستدلالِ لشَرعِنا بما يَنقُلُه الأئِمَّةُ عن أهلِ الكتابِ = سقطَ مِنْ هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ في النَّقلِ عنهم ما هو للحُجَّةِ؛ فإنَّه لا يُنقَلُ عنهم ما يُثبَتُ به حُكمٌ مِنْ أحكامِنا. ويبقى ما يُصَدِّقُه كتابُنا، فيجوزُ نَقلُه، وإن لم يُكُن في حَيِّزِ ما يَثبُتُ في حُكمِ الموعظةِ لنا. وأمّا ما كذَّبَه كتابُنا، فهو كالموضوعِ لا يجوزُ نَقلُه إلا مَقروناً ببيانِ بُطلانِه» (٢).
سادساً: يؤَكِّدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) الأخبارَ الإسرائيليّةَ بغيرِها مِنْ الأدلَّةِ، ومِن ذلك توكيدُها بإجماعِ أهلِ التأويلِ على الأخذِ بها، كما في قولِه عند قولِه تعالى ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، حيثُ ذكرَ الأخبارَ الطَّويلةَ في صِفةِ إفسادِهم، ثُمَّ قالَ: «وأمّا إفسادُهم في الأرضِ المَرَّةَ الآخِرَةَ، فلا اختلافَ بين أهلِ العلمِ أنَّه كانَ قتلَهم يحيى بن زكريّا» (٣)، ورجَّحَ بعضَ أوجهِ القراءةِ في قولِه تعالى ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، وقالَ: «ثُمَّ في إجماعِ الحُجَّةِ في تأويلِها على أنَّهما رجُلانِ مِنْ أصحابِ موسى مِنْ بني إسرائيلَ؛ وأنَّهما
стр. 516
يوشَعُ وكالبُ، ما أَغنى عن الاستشهادِ على صِحَّةِ القراءةِ بفَتحِ الياءِ في ذلك، وفسادِ غيرِه، وهو التأويلُ الصَّحيحُ عندنا؛ لما ذكَرْنا مِنْ إجماعِها عليه» (١).
وكذا توكيدُها بأخبارِ السَّلفِ، كما في قولِه: «فإن قالَ لنا قائِلٌ: فما صِفةُ تَسويَةِ الله السَّماواتِ التي ذكرَها في قَولِه ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ إذْ كُنَّ قد خُلِقنَ سَبعاً قبل تَسويَتِه إيّاهُنَّ؟ وما وَجهُ ذِكرِ خَلقِهنَّ بعد ذِكرِ خلقِ الأرضِ، أَلِأنَّها خُلقَت قبلَها، أم لِمَعنىً غيرِ ذلك؟ قيلَ: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك تَوْكيداً بما نضُمُّ إليه مِنْ أخبارِ السَّلفِ المُتقَدِّمين وأقوالِهم» (٢)، ومِمّا في تلك الأخبارِ تفصيلُ بَدْءِ الخَلقِ عن بني إسرائيلَ. وكذا قولُه في قولِه تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]: «فأمّا سببُ وصولِه إلى الجنَّةِ حتى كلَّمَ آدمَ بعد أن أخرجَه الله مِنها وطردَه عنها، فليس فيما رُويَ عن ابنِ عباسٍ ووَهبِ بن مُنبِّهٍ في ذلك معنىً يجوزُ لذي فَهمٍ مُدافعتُه .. ، فالقَولُ في ذلك أنَّه قد وصلَ إلى خطابِهما على ما أخبرَنا الله تعالى ذِكرُه، ومُمكِنٌ أن يكونَ وصلَ إلى ذلك بنحوِ الذي قالَه المُتأوِّلون، بل ذلك إن شاءَ الله كذلك؛ لتتابُعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تَصحيحِ ذلك» (٣).
وكذلك توكيدُها بظاهرِ القرآنِ، ففي قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ذكرَ قولَ السُّدِّيّ (ت: ١٢٨) في قِصَّةِ دخولِ أبَوَيْ يوسفَ مصرَ، وأنَّه خرجَ
стр. 517
لاستقبالِهم. وذكرَ قولاً آخرَ لابنِ جُرَيْج (ت: ١٥٠)، ثُمَّ قالَ: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك عندنا ما قالَه السُّدِّيّ، وهو أنَّ يوسفَ قالَ ذلك لأَبوَيْه ومَن معهما مِنْ أَولادِهما وأهاليهم قبلَ دخولِهم مِصرَ، حين تلقّاهم؛ لأنَّ ذلك في ظاهرِ التَّنزيلِ كذلك، فلا دلالةَ تدُلُّ على صِحَّةِ ما قالَ ابنُ جُرَيْج» (١)، وقالَ أيضاً: «وفي خبرِ الله تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حين أفلَ القَمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] الدَّليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالَها هؤلاءِ القَومُ، وأنَّ الصَّوابَ مِنْ القَولِ في ذلك الإقرارُ بخبرِ الله تعالى ذِكرُه الذي أخبرَ عنه، والإعراضُ عمّا عداه» (٢)، وهو القَولُ الذي اختاره مِنْ بين الأقوالِ، وفيه تفاصيلُ خبرِ إبراهيم ﵇، عن ابنِ عباسٍ ﵁، وابنِ إسحاقَ (ت: ١٥٠)، وأنَّ ذلك على ظاهرِه، دون باقي الأقوالِ التي صرفَت ذلك إلى معنى الإنكارِ أو التَّعجُّبِ أو غيرِهما.
سابعاً: شروطُ الاستدلالِ بما تُباحُ روايتُه مِنْ الأخبارِ الإسرائيليّةِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) تتلخَّصُ في ثلاثةِ شروطٍ، هي:
الأوَّلُ: أن يحتملَه ظاهرُ لَفظِ الآيةِ، بمعنى: ألّا يوجدَ في تركيبِ الآيةِ ما يمنَعُ مِنه.
الثّاني: ألّا يُعارِضَ نَصّاً شرعيّاً، فإذا جاءَ النَّصُّ الشَّرعيُّ مِنْ الكتابِ أو السُّنَّةِ الثّابتةِ بخلافِه، حكَمنا ببُطلانِ ما خالَفَ النَّصَّ مِنْ ذلك الخبَرِ.
стр. 518
الثّالثُ: أن يكونَ مُمكِناً عقلاً، غيرَ مُستَحيلٍ وُقوعِه، وقد نبَّه قولُه تعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، إلى أنَّ للعَقلِ مَدخلًا في مَعرفةِ صوابِ تلك الأخبارِ مِنْ خطئِها، وما يُقبَلُ مِنها وما يُرَدُّ، قالَ ابنُ عباسٍ ﵁: «أنا مِنْ القَليلِ؛ كانوا سبعةً وثامنُهم كلبُهم» (١)؛ وذلك أنَّه سكتَ عن العدَدِ الثَّالثِ، ولم يُبطِلْه كما أبطلَ الأوَّلَيْن. وهذا إنَّما يُعلَمُ بطريقِ العقلِ. (٢)
وقد نَصَّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) على تلك الشُّروطِ في قولِه تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، فقالَ: «فأمّا سببُ وصولِه إلى الجنَّةِ حتى كلَّمَ آدمَ بعد أن أخرجَه الله مِنها وطردَه عنها، فليس فيما رُويَ عن ابنِ عباسٍ ووَهبِ بن مُنبِّهٍ في ذلك معنىً يجوزُ لذي فَهمٍ مُدافعتُه؛ إذْ كانَ ذلك قولاً لا يدفَعُه عقلٌ، ولا خبرَ يلزَمُ تصديقُه مِنْ حُجَّةٍ بخلافِه، وهو مِنْ الأُمورِ المُمكِنةِ. فالقَولُ في ذلك أنَّه قد وصلَ إلى خطابِهما على ما أخبرَنا الله تعالى ذِكرُه، ومُمكِنٌ أن يكونَ وصلَ إلى ذلك بنحوِ الذي قالَه المُتأوِّلون، بل ذلك -إن شاءَ الله- كذلك؛ لتتابُعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تَصحيحِ ذلك، وإن كانَ ابنُ إسحاقَ قد قالَ في ذلك .. : الله أعلمُ، أكَما قالَ ابنُ عباسٍ وأهلُ التَّوراةِ، أم خلَصَ إلى آدمَ وزوجتِه بسُلطانِه الذي جعلَ الله له ليَبتليَ به آدمَ وذُرّيَّتَه؟ وأنَّه يأتي ابنَ آدمَ في نومتِه ويقَظَتِه، وفي كلِّ حالٍ مِنْ أحوالِه حتى يَخلُصَ إلى ما أرادَ مِنه
стр. 519
حتى يَدعوَه إلى المَعصيَةِ .. ، فالله أعلمُ أيُّ ذلك كانَ فتابا إلى ربِّهما. قالَ أبو جعفرٍ: وليس في يَقينِ ابنِ إسحاقَ -لو كانَ قد أيْقنَ في نَفسِه- أنَّ إبليسَ لم يَخلُصْ إلى آدمَ وزوجتِه بالمُخاطبةِ بما أخبرَ الله عنه أنَّه قالَ لهما وخاطَبَهما به، ما يَجوزُ لذي فَهمٍ الاعتراضُ به على ما وردَ مِنْ القَولِ مُستفيضاً في أهلِ العلمِ، مع دلالةِ الكتابِ على صِحَّةِ ما استفاضَ مِنْ ذلك بينهم = فكيفَ بشَكِّه؟ واللهَ نسألُ التّوفيقَ» (١).
فكلُّ خبرٍ جمعَ تلك الشُّروطَ الثَّلاثةَ صَحَّ الاستدلالُ به في التَّفسيرِ، فإذا كانَ مَنقولاً عن بعضِ السَّلفِ فهي ميزَةٌ فيه مُعتبرَةٌ، فإذا استفاضَ بينهم، أو أجمَعوا على القَولِ به، أو لم يُعرَفْ عنهم سواه = تعيَّنَ تَقديمُه على غيرِه.
ويُلاحظُ في تلك الشُّروطِ مُطابقَتُها لضوابطِ الاحتجاجِ بالخبرِ الضَّعيفِ في دليلِ السُّنَّةِ (٢)، كما يسلُك ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تَقويَتِها بغيرِها مِنْ الأدلَّةِ نفسَ المَنهجِ هنالك (٣)، وهذا يُشيرُ لمعنى التَّشابُه بينهما الذي سبقَ ذكرُه عن البِقاعيّ (ت: ٨٨٥). (٤)
ويتبيَّنُ مِمّا سبقَ أيضاً أنَّه: لا يُشترطُ لصِحَّةِ الاستدلالِ بالخبرِ الإسرائيليّ قيامُ الدَّليلِ على صِحَّةِ معناه، وإنَّما المَطلوبُ: عدمُ الدَّليلِ على بُطلانِه، فهذا كافٍ لتصحيحِ ذلك الاستدلالِ؛ وذلك أنَّ الشَّرعَ قد دَلَّ على أنَّ فيما يُحدِّثُ به أهلُ الكتابِ حقٌّ، والحقُّ فيه إمّا أن يكونَ
стр. 520
مَقطوعاً به؛ وذلك لموافقتِه شرعَنا، وإمّا أن يكونَ مُحتمِلاً، وذلك فيما لم يُبطِله شرعُنا، وكلاهما في دائرَةِ القَبولِ؛ أمّا الأوَّلُ فلازِمُ التَّصديقِ؛ لأنَّه حَقٌّ صريحٌ، وأمّا الآخرُ فيُعتبرُ به؛ لاحتمالِ صِدقِه، وعدمِ الدَّليلِ على كَذِبِه. وكلاهما يشتركان في عدمِ الدَّليلِ على البُطلانِ كما هو ظاهرٌ. وذلك هو الشَّأنُ في بابِ الأخبارِ والتَّواريخِ عموماً، قالَ الشّافعيُّ (ت: ٢٠٤) في قولِه ﷺ : «حَدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرَجَ .. » (١): «المَعنى: حدِّثوا عن بني إسرائيلَ بما لا تعلمون كَذِبَه، وأمّا ما تُجوِّزونَه فلا حرجَ عليكم في التَّحدُّثِ به عنهم» (٢)، وقالَ ابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤): «هو محمولٌ على الإسرائيليّاتِ المَسكوتِ عنها عندنا، فليس عندنا ما يُصَدِّقها ولا ما يُكذِّبها، فيجوزُ روايتُها للاعتبارِ، وهذا هو الذي نستَعمِلُه في كِتابِنا هذا، فأمّا ما شَهِدَ له شَرعُنا بالصِّدقِ فلا حاجةَ بنا إليه؛ استغناءً بما عندنا، وما شَهِدَ له شرعُنا مِنها بالبُطلانِ فذاك مردودٌ لا يجوزُ حكايتُه إلّا على سبيلِ الإنكارِ والإبطالِ» (٣).
ثامناً: لا يُلتفَتُ إلى أسانيدِ الأخبارِ الإسرائيليَّةِ أو أحوالِ رُواتِها، وعلى هذا سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، وقد بيَّنَ ابنُ تيميّةَ (ت: ٧٢٨) عِلَّةَ ذلك فقالَ: «عُلماءُ الدِّينِ أكثرَ ما يُحرِّرون النَّقلَ فيما يُنقلُ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه واجِبُ القَبولِ، أو فيما يُنقَلُ عن الصَّحابةِ، وأمّا ما يُنقَلُ مِنْ الإسرائيليّاتِ ونَحوِها فهم لا يَكتَرثون بضَبطِها، ولا بأحوالِ نَقْلِها؛ لأنَّ أصلَها غيرُ مَعلومٍ، وغايتَها أن تكونَ
стр. 521
عن واحدٍ مِنْ عُلماءِ أهلِ الكتابِ، أو مَنْ أخذَه عن أهلِ الكتابِ؛ لِما ثَبَتَ في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا حدَّثَكم أهلُ الكتابِ فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم؛ فإمّا أن يُحدِّثوكم بباطلٍ فتُصدِّقوهم، وإمّا أن يُحدِّثوكم بحَقٍّ فتُكذِّبوهم» (١)(٢).
تاسعاً: يستدلُّ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) بمُجمَلِ الخبرِ الإسرائيليّ على المعاني، وذلك في مواضِعَ كثيرةٍ، مِنها قولُه: «وقولُه ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]: هذا دُعاءٌ مِنْ موسى، دعا اللهَ على فِرعونَ وملَئِه، أن يُغيِّرَ أموالَهم عن هَيئَتِها، ويَبَدِّلَها إلى غيرِ الحالِ التي هي بها، وذلك نحو قولِه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، يعني به: مِنْ قبلِ أن نُغيِّرَها عن هَيئَتِها التي هي بها .. ، وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك في هذا الموضِعِ، فقالَ جماعةٌ مِنهم فيه مثلَ قولِنا» (٣)، ثُمَّ أسندَ عن جماعةٍ كثيرةٍ مِنْ السَّلفِ: أنَّ الله تعالى صَيَّرَ أموالَهم بأنواعِها حجارةً، مع تفاوُتِ أقوالِهم في تَفصيلِ ذلك، فمُجملُ هذه الأخبارِ أفادَ تغيُّرَ أموالِهم عن هيئَتِها، وهو ما قصدَه ابنُ جريرٍ مِنْ الاستدلالِ بها للمعنى الذي اختارَه. ومِثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، حيث فسَّرَ
стр. 522
الآيةَ بحسبِ ظاهرِ لفظِها، ثُمَّ قالَ: «ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك، وذِكرُ السَّببِ الذي مِنْ أَجلِه ذُكرَ أنَّهم بُعِثوا مِنْ رَقدَتِهم حين بُعِثوا مِنها» (١)، ثُمَّ أوردَ أخباراً طِوالاً في تفاصيلِ قِصَّتِهم؛ مُستدلّاً بها على مُجملِ المَعنى الذي ذكرَه. ومِثلُ ذلك قولُه: «اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فقالَ بعضُهم: في العدَدِ، بمعنى جِماعِ (أَلفٍ)» (٢)، ثُمَّ أوردَ تفاصيلَ أعدادِهم عن جماعةٍ مِنْ السَّلفِ؛ فذكروا: ثلاثةَ آلافٍ، وأربعةَ آلافٍ، وبضعةً وثلاثين ألفاً، ومِنهم مَنْ قالَ: هُمْ أُلوفٌ. وأجمَلَ. ثُمَّ قالَ بعد ذلك: «وأَولى القَولَيْن في تأويلِ قولِه ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣] بالصَّوابِ، قَولُ مَنْ قالَ: عنى بالأُلوفِ كثرةَ العدَدِ. دون قَولِ مَنْ قالَ: عنى به الائتِلافَ. بمعنى ائتِلافِ قلوبِهم، وأنَّهم خرجوا مِنْ ديارِهم مِنْ غيرِ افتراقٍ كانَ مِنهم ولا تباغُضٍ، ولكن فِراراً؛ إمّا مِنْ الجِهادِ، وإمّا مِنْ الطّاعونِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على أنَّ ذلك تأويلُ الآيةِ، ولا يُعارَضُ بالقَولِ الشّاذِّ ما استفاضَ به القَولُ مِنْ الصَّحابةِ والتّابعين» (٣)، وظاهرٌ مِنْ منهجِه ذلك استدلالُه بمُطلَقِ أقوالِ السَّلفِ على ما يختارُه مِنْ المعاني.
عاشراً: الاستدلالُ ببَعضِ الخبرِ الإسرائيليّ لا يستلزِمُ صِحَّةَ باقيه، فابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) يَقصِدُ في بعضِ الأخبارِ إلى الاستشهادِ بجُزءٍ منها دونَ باقيها مِمّا قد يشتَملُ على نكارَةٍ في تفاصيلِها، ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]: «العالَمون جَمعُ
стр. 523
عالَمٍ .. ، والعالَمُ اسمٌ لأصنافِ الأُمَمِ، وكلُّ صِنفٍ مِنها عالَمٌ، وأهلُ كلِّ قَرنٍ مِنْ كلِّ صِنفٍ مِنها عالَمُ ذلك القَرنِ وذلك الزَّمانِ، فالإنسُ عالمٌ، وكلُّ أهلِ زمانٍ مِنهم عالَمُ ذلك الزَّمانِ، والجِنُّ عالَمٌ، وكذلك سائرُ أجناسِ الخَلقِ .. ، وهذا القَولُ الذي قُلناه قَولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، وهو معنى قولِ عامَّةِ المُفسِّرين» (١)، ثُمَّ ذكرَ أقوالَهم، ومِنها قَولُ أبي العاليةِ (ت: ٩٣): «الإنسُ عالَمٌ، والجِنُّ عالَمٌ، وما سِوى ذلك ثمانيةَ عشَرَ ألفَ عالَمٍ، أو أربعةَ عشَرَ ألفَ عالَمٍ -هو يشُكُّ- مِنْ الملائكةِ على الأرضِ، وللأرضِ أربعُ زَوايا، في كلِّ زاويةٍ ثلاثةُ آلافِ عالَمٍ وخمسُمائةِ عالَمٍ، خلقَهم لعبادتِه» (٢)، قالَ ابنُ كثيرٍ (ت: ٧٧٤) بعد أن أوردَه: «وهذا كلامٌ غريبٌ، يحتاجُ مِثلُه إلى دليلٍ» (٣)، فالشّاهدُ مِنْ قولِ أبي العاليةِ (ت: ٩٣) قَولُه: «الإنسُ عالَمٌ، والجِنُّ عالَمٌ»، وما بعد ذلك مِنْ تَفصيلٍ غريبٍ لا يؤَثِّرُ على الاستدلالِ به. (٤)
وقد أشارَ المُحقِّقُ محمودُ شاكر (ت: ١٤١٨) إلى ذلك المَنهجِ عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) فقالَ: «تبيَّنَ لي مِمّا راجَعتُه مِنْ كلامِ الطَّبريِّ، أنَّ استدلالَ الطَّبريِّ بهذه الآثارِ التي يَرويها بأسانيدِها، لا يُرادُ به إلّا تحقيقُ معنى لفظٍ، أو بيانُ سياقِ عبارةٍ .. ، وهذا مذهبٌ لا بأسَ به في الاستدلالِ، ومثلُه أيضاً ما يسوقُه مِنْ الأخبارِ والآثارِ التي لا يُشكُّ في ضَعفِها، أو في كَونِها مِنْ الإسرائيليّاتِ، فهو لم يسُقْها لتكونَ مُهيمِنةً
стр. 524
على تفسيرِ آيِ التَّنزيلِ الكريمِ، بل يسوقُ الطَّويلَ الطَّويلَ لبيانِ معنى لفظٍ، أو سياقِ حادثةٍ، وإن كانَ الأثرُ نفسُه مِمّا لا تقومُ به الحُجَّةُ في الدّينِ، ولا في التَّفسيرِ التّامِّ لآيِ كتابِ الله» (١).
حاديَ عشر: يُبيّنُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) ما لا نفعَ فيه مِنْ تحقيقِ الاختلافِ والتَّرجيحِ بين الأخبارِ الإسرائيليّةِ، كما في قولِه: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في تأويلِ قولِه عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] أن يُقالَ: أمرَهم الله جلَّ ثناؤُه أن يَضربوا القتيلَ ببعضِ البقرَةِ ليَحيا المَضروبُ. ولا دلالةَ في الآيةِ، ولا خبرَ تقومُ به حُجَّةٌ، عن أيِّ أبعاضِها التي أُمرَ القومُ أن يَضربوا القتيلَ به، وجائزٌ أن يكونَ الذي أُمروا أن يَضربوه به هو الفَخذَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الذَّنبَ، وغُضروفَ الكَتفِ، وغيرَ ذلك مِنْ أبعاضِها. ولا يضُرُّ الجَهلُ بأيِّ ذلك ضَربوا القتيلَ، ولا يَنفعُ العِلمُ به، مع الإقرارِ بأنَّ القَومَ قد ضَربوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ بعد ذَبحِها، فأحياه الله» (٢)، وقولِه عند قولِه تعالى ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]: «وأمّا الصَّوابُ مِنْ القَولِ فيما كانَ على المائدةِ فأن يُقالَ: كانَ عليها مأكولٌ. وجائزٌ أن يكونَ كانَ سمكاً وخُبزاً، وجائزٌ أن يكونَ كانَ ثَمَراً مِنْ ثمرِ الجَنَّةِ، وغيرُ نافعٍ العلمُ به، ولا ضارٌّ الجهلُ به، إذا أقرَّ تالي الآيةِ بظاهرِ ما احتملَه التَّنزيلُ» (٣)، وقولِه عن مقدارِ الدَّراهمَ في قولِه تعالى
стр. 525
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]: «وليس في العلمِ بمبلغِ وزنِ ذلك فائدةٌ تَقعُ في دينٍ، ولا في الجَهلِ به دُخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهرِ التَّنزيلِ فَرضٌ، وما عداه فمَوضوعٌ عنّا تكلُّفُ عِلمِه» (١).
ويتبيَّنُ مِمّا سبقَ أنَّ ما لا يَنبغي الاشتغالُ به مِمّا تتخالَفُ فيه الأخبارُ الإسرائيليّةُ هو ما جمعَ الوَصفَيْن الآتيَيْن:
١ - ما لا فائدةَ في العلمِ به، ومُرادُه الفائدةَ الدّينيَّةَ كما نصَّ عليها.
٢ - ما لا يضُرُّ الجَهلُ به، ومُرادُه الضَّررُ في الدِّينِ، ومِنه ما يلحَقُ ببيانِ المعنى.
ومِن ثَمَّ فكُلُّ معلومةٍ وقعَ فيها الاختلافُ في تلك الأخبارِ، ولا تُضيفُ معنىً مُفيداً لبيانِ الآيةِ، ولا يَؤَثِّرُ الجَهلُ بها على تمامِ بيانِ المَعنى = فلا حاجةَ إلى تَحقيقِها، أو الاشتغالِ بها.
وهذا التَّنبيهُ مِنْ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في ذيلِ بعضِ تلك الأخبارِ الإسرائيليّةِ المُتخالفةِ في بعضِ تفاصيلِها أفادَ أمرَيْن هامَّيْن:
أوَّلَهما: أنَّ ما يقصِدُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى ذِكرِه مِنْ تلك الأخبارِ هو مِمّا فيه فائدةٌ دينيَّةٌ في بيانِ المعاني، وهذا مفهومُ هذه العبارةِ الذي يُطابِقُ نصَّه في غيرِها، وهو الأصلُ الذي جرى عليه في تفسيرِه.
ثانيهما: التَّنبيهُ إلى عدمِ الاشتغالِ، أو الاسترسالِ فيما جاوزَ ما تقعُ به الحاجةُ مِنْ هذه الأخبارِ، وما لا فائِدةَ فيه مِنها وجوداً وعدماً؛ إذْ
стр. 526
النَّفسُ مَيّالةٌ إلى استقصاءِ ما طُويَ مِنْ تلك القَصَصِ والأخبارِ وتتبُّعِ دقائقِها، والمقامُ لا يقتضيه، ولا يُطلَبُ مِثلُ ذلك مِنْ كُتبِ التَّفسيرِ، قالَ ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): «وأما القَصَصُ فهي مِنْ جُملَةِ العلومِ التي تَضَمَّنَها القرآنُ، فلا بُدَّ مِنْ تفسيرِه، إلا أنَّ الضَّروريَّ مِنه ما يتوقَّفُ التَّفسيرُ عليه، وما سِوى ذلك زائِدٌ مُستَغنىً عنه» (١). (٢)
ولذلك يُشيرُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) إلى الغرضِ مِنْ ذكرِ القِصَّةِ، والمَقصدِ مِنها، أثناءَ تعرُّضِه إلى بعضِ ذلك الاختلافِ؛ ليُنبِّه إلى عدمِ الاشتغالِ بما لا أثرَ له في تحقيقِ ذلك المَقصدِ، ويستدلُّ على ذلك بأنَّ الله تعالى لم يَنصِب دلالةً على شَيءٍ مِمّا وقعَ فيه الاختلافُ؛ لو كانَ شيئاً مِنه مَقصوداً، ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: «ولا بيانَ عندنا مِنْ الوَجه الذي يَصِحُّ مِنْ قِبَلِه البيانُ عن اسمِ قائِلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيْراً، وجائزٌ أن يكونَ إرْمِيا، ولا حاجةَ بنا إلى معرِفةِ اسمِه؛ إذْ لم يكُن المُقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلقِ اسمَ قائِلِ ذلك، وإنَّما المَقصودُ بها تعريفُ المُنكرين قُدرةَ الله على إحيائِه خلقَه بعد مماتِهم .. ، ولو كانَ المَقصودُ بذلك الخبرَ عن اسمِ قائِلِ ذلك لكانَت الدَّلالَةُ مَنصوبةً عليه نَصباً يَقطَعُ العُذرَ، ويُزيلُ الشَّكَّ، ولكنَّ القَصدَ كانَ إلى ذَمِّ
стр. 527
قِيلِه، فأبانَ ذلك جلَّ ثناؤُه لخَلقِه» (١)، ثُمَّ ذكرَ اختلافَهم في تعيينِ القريَةِ في نَفسِ الآيةِ، وقالَ: «والصَّوابُ مِنْ القَولِ في ذلك كالقَولِ في اسمِ القائِلِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، سواءً لا يَختلِفان» (٢).
ثانيَ عشر: عند اختِلافِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ فإنَّ ابنَ جريرٍ (ت: ٣١٠) يقبلُ ما اتَّفقَت عليه، ثُمَّ يأخذُ بالظّاهرِ العامِ، مع تجويزِ ما جاءَت به؛ امتِثالاً لأمرِ الشَّرعِ، وعدمِ الدَّليلِ على بُطلانِها. ومِن شواهدِ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ أن يُقالَ: إنَّ الله عزَّ ذِكرُه قد أخبرَ عن القاتلِ أنَّه قتلَ أخاه، ولا خبرَ عندنا يَقطَعُ العُذرَ بِصِفةِ قَتلِه إيّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نَحوِ ما قد ذكرَ السُّدّيُّ في خَبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كانَ على ما ذكرَه مُجاهدٌ، والله أعلَمُ أيُّ ذلك كانَ، غيرَ أنَّ القتلَ قد كانَ، لا شَكَّ فيه» (٣)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]: «وأَولى القَولَيْن بالصَّوابِ في هذا المَوضِعِ أن يُقالَ: إنَّ الله تعالى ذِكرُه أخبرَ عن فِرعونَ وقومِه أنَّهم لمّا وقعَ عليهم الرِّجزُ -وهو: العذابُ والسَّخَطُ مِنْ الله عليهم- فزِعوا إلى موسى بمَسألَتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرِّجزُ كانَ الطّوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادعَ والدَّمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كانَ عذاباً عليهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرِّجزُ كانَ طاعوناً، ولم يُخبِرنا الله أيَّ ذلك
стр. 528
كانَ، ولا صَحَّ عن رسولِ الله ﷺ بأيِّ ذلك كانَ خبرٌ فنُسلِّمَ له. فالصَّوابُ أن نقولَ فيه كما قالَ الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. فلا نتعدّاه إلّا بالبَيانِ الذي لا تمانُعَ فيه بين أهلِ التأويلِ» (١).
ومَنهجُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في هذا مِمّا نبَّهَ إليه القُرآنُ في مِثلِ ذلك (٢)؛ ففي قولِه تعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، إباحةٌ لحكايةِ خلافِهم فيما اختلَفوا فيه مِنْ ذلك. ثُمَّ في قولِه تعالى بعد ذلك ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، رَدُّ العلمِ إلى عالِمِه سُبحانَه، وعدمُ الجَزمِ بما يترجَّحُ عندك مِنْ أخبارِهم، أو الجَزمُ ببُطلانِ غيرِ ما ترجِّحُه بلا بَيِّنةٍ. كما أفادَ قولُه تعالى لنَبيِّه ﷺ عن عِدَّةِ أصحابِ الكَهفِ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فلا يَصِحُّ المِراءُ فيما تخالَفَ مِنْ تلك الأخبارِ مِمّا لم يَأتِ به دليلُ النَّقلِ الثّابتِ، ولا يُقدَّمُ قولٌ مِنها أو يؤَخَّرُ آخرُ بغيرِ دليلٍ، وإلّا كانَ مِراءً مَذموماً.
وصنيعُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) هذا يُفيدُ أنَّ ما اجتمعَت عليه تلك الأخبارُ أقوى وأقربُ مِمَّا سواه، وذلك صَحيحٌ، وليست قوَّتُها مِنْ قبيلِ قوَّةِ المُرسلِ إذا تعدَّدت طُرُقُه مِنْ غيرِ مواطَأةٍ أو اتِّفاقٍ؛ لأنَّ مُنتهاها لا يُقطَعُ بصِحَّةِ خبرِه مهما تعدَّدَت الطُّرقُ إليه، ولكنَّ قوَّتَها في معنى قبولِ السَّلفِ لمعناها، حين تتوارَدُ بها أقوالُهم، وتُكرِّرُها رواياتُهم. وكذلك في صِحَّةِ نَقلِها عن السَّلفِ جُملةً، ولهذا ميزتُه التي ذكرناها سابقاً.
стр. 529
ثالثَ عشَرَ: لا تُردُّ الأخبارُ الإسرائيليّةُ إلا بالدَّليلِ المُعتبَرِ؛ لا بالتَّشَهّي، ولا بما يُظَنُّ دليلاً، وعلى هذا سارَ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه، بل نَصَّ على معنى ذلك في قولِه عند قولِه تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: «جائزٌ أن تكونَ تلك البَقيَّةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتَّوراةَ، أو بعضَها والنَّعلَيْن، والثّيابَ، والجهادَ في سبيلِ الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدرَكُ عِلمُه مِنْ جِهةِ الاستِخراجِ ولا اللُّغةِ، ولا يُدرَكُ عِلمُ ذلك إلا بخبَرٍ يُوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عند أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفةِ التي وصَفْنا، وإذْ كانَ كذلك فغيرُ جائزٍ فيه تَصويبُ قَولٍ وتَضعيفُ آخرَ غيرِه، إذْ كانَ جائزاً فيه ما قُلنا مِنْ القَولِ» (١).
وفي هذا السّياقِ يُبيِّنُ ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) أنَّ ردَّ بعضِهم لبعضِ الأخبارِ الإسرائيليّةِ لا وجهَ له -وعلى الأخَصِّ إن شَهِدَ لها شاهِدٌ-، وإنَّما مَبعَثُه الرَّأيُ بلا حُجَّةٍ مُعتبَرَةٍ، والجَهلُ بقَدرِ أقوالِ السَّلفِ، ومِن ذلك قولُه عند قولِه تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]: «وأنكرَ قَومٌ مِنْ غيرِ أهلِ الرِّوايةِ هذا القَولَ الذي رُويَ عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن رُويَ عنه؛ مِنْ أنَّ إبراهيمَ قالَ للكوكبِ أو القمرِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] (٢). وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ لله نبيٌّ ابتَعثَه بالرِّسالةِ، أتى عليه وَقتٌ مِنْ الأوقاتِ وهو بالِغٌ إلّا وهو لله
стр. 530
موحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعبَدُ مِنْ دونِه بريءٌ. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ قد أتى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يختصَّه بالرِّسالةِ .. ، وزَعموا أنَّ خبرَ الله عن قيلِ إبراهيمَ عند رؤيَتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشَّمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. لم يَكُنْ لجَهلِه بأنَّ ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ ربَّه، وإنَّما قالَ ذلك على وَجهِ الإنكارِ مِنه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العَيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ .. ، وقالَ آخرون مِنهم: بل كانَ ذلك مِنه في حالِ طفولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه .. ، وقالَ آخرون مِنهم: إنَّما معنى الكلامِ: أهذا رَبّي! على وَجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي: ليس هذا رَبّي» (١)، ثُمَّ قالَ بعد ذلك: «وفي خبرِ الله تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حين أفلَ القَمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] الدَّليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالَها هؤلاءِ القَومُ، وأنَّ الصَّوابَ مِنْ القَولِ في ذلك: الإقرارُ بخبرِ الله تعالى ذِكرُه، الذي أخبرَ به عنه، والإعراضُ عمّا عداه» (٢).
ومِثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، حيث ذكرَ أقوالَ أهلِ التأويلِ في مبلَغِ هَمِّ يوسفَ ﵇؛ وأنَّه جلسَ مِنها مجلِسَ الرَّجلِ مِنْ زوجتِه (٣)، ثُمَّ ذكرَ توجيهَ أهلِ العلمِ لذلك وقالَ: «فإن قالَ قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يوصَفَ يوسفُ بمثلِ هذا، وهو لله نبيٌّ؟! قيلَ: إنَّ أهلَ العلمِ اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: كانَ مَنْ ابتُليَ مِنْ الأنبياءِ بخَطيئَةٍ، فإنَّما ابتلاه الله بها ليكونَ مِنْ الله على