← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿إن الصفا والمروة﴾ هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى، قال القرطبيّ: وذكر الصفا؛ لأن آدم وقف عليه، وأنث المروة؛ لأنّ حوّاء وقفت عليها ﴿من شعائر الله﴾ أي: أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته ﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾ أي: تلبس بالحج أو العمرة، والحج لغة: القصد. والاعتمار: الزيارة، فغلبا شرعاً على قصد البيت وزيارته على الوجهين المعروفين ﴿فلا جناح﴾ أي: لا إثم ﴿عليه أن يطوّف﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء ﴿بهما﴾ أي: بأن يسعى بينهما سبعاً. فإن قيل: كيف أنهما من شعائر الله، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ أجيب: بأنه كان على الصفا آساف، وعلى المروة نائلة وهما صنمان، يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فلما طالت المدّة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية، فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله، والإجماع على أنّ السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه، فعن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه﴾ فإنه يفهم منه التخيير. قال البيضاويّ وهو ضعيف؛ لأنّ نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بدم. وعن مالك والشافعيّ أنه ركن لقوله ﷺ «اسعوا فإنّ الله تعالى كتب عليكم السعي» رواه البيهقيّ وغيره. وقال ﷺ «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني: الصفا رواه مسلم ﴿ومن تطوّع خيراً﴾ أي: فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة أو طواف، ونصب خيراً على أنه صفة مصدر محذوف أي: تطوّعاً أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه أي: بخير. وقرأ حمزة والكسائيّ يطوّع بالياء على التذكير وتشديد الطاء والواو وسكون العين وأصله يتطوّع فأدغم مثل يطوف، والباقون بالتاء على الحضور وتخفيف الطاء وفتح العين ﴿فإنّ الله شاكر﴾ لعمله بالإثابة عليه ﴿عليم﴾ بنيته. تنبيه: الشكر من الله أن يعطى العبد فوق ما يستحقه فإنه يشكر اليسير ويعطي الكثير. ونزل في علماء اليهود: ﴿إن الذين يكتمون﴾ الناس كأحبار اليهود ﴿ما أنزلنا من البينات﴾ كآية الرحم ونعت محمد ﷺ ﴿والهدى﴾ أي: ما يهدي إلى وجوب اتباعه ﷺ والإيمان به ﴿من بعدما بيناه﴾ أوضحناه ﴿للناس في الكتاب﴾ أي: التوراة أي: لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الواضح، فكتموه ولبسوا على الناس ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ وأصل اللعن الطرد والبعد ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ أي: يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ الَعنهم. تنبيهان: أحدهما: اختلف في هؤلاء اللاعنين، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم جميع الخلائق إلا الجنّ والإنس، وقال عطاء: هم الجنّ والإنس، وقال الحسن: هم جميع عباد الله، وقال مجاهد: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر وتقول: هذا من شؤم ذنوب بني آدم. ثانيهما: هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة وتدل على امتناع أخذ الأجرة على ذلك. وقد روى الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ صلى

стр. 107

الله عليه وسلم وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً وتلا: ﴿إنّ الذين يكتمون﴾ الآية» . ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه ﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿وبينوا﴾ ما بيّنه الله تعالى في كتابهم فكتموه ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ﴿وأنا التوّاب﴾ أي: الرجّاع لقلوب عبادي المنصرفة عني إليّ ﴿الرحيم﴾ بهم بعد إقبالهم عليّ. ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ أي: من لم يتب من الكاتمين حتى مات ﴿أولئك عليهم لعنة الله و﴾ لعنة ﴿الملائكة و﴾ لعنة ﴿الناس أجمعين﴾ لعنهم الله أحياء، ثم لعنهم أمواتاً، وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم تلعنه الناس. فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾ وفي الناس المسلم والكافر وأهل دينه لا يلعنونه؟ أجيب بأجوبة: منها: أنّ المراد منهم من يعتد بلعنه وهم المؤمنون، قاله ابن مسعود: وعلى هذا فيكون من العام الذي أريد به الخاص. ومنها: أنهم يلعنونه في القيامة قال تعالى: ﴿يلعن بعضكم بعضاً﴾ (العنكبوت، ٢٥) وقال: ﴿كلما دخلت أمّة لعنت أختها﴾ (الأعراف، ٣٨) . ومنها: أنّ اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقلّ. ومنها: أنهم يلعنون الظالمين والكافرين، ومن لعن الظالمين أوالكافرين وهم منهم، فقد لعن نفسه، ومعنى لعنة الله لهم تبرّؤه منهم وطردهم وتبعيدهم عن الرحمة والثواب أو دعاؤه عليهم بذلك. ﴿خالدين فيها﴾ أي: اللعنة أو النار المدلول بها عليها ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ طرفة عين ﴿ولا هم ينظرون﴾ من الانظار أي: لا يمهلون ولا يؤجلون أو لا ينظرون ليتعذروا كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات، ٣٦) أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. ولما قال كفار قريش: يا محمد صف لنا ربك وانسبه لنا. نزل ﴿وإلهكم إله واحد﴾ وسورة الإخلاص، والواحد هو الذي لا نظير له ولا شريك وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ تقرير للوحدانية ودفع؛ لأن يتوهم أنّ في الوجود إلهاً ولكن لا يستحق منهم العبادة وقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ كالدليل على الوحدانية، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها بقوله: الرحمن، فإنه مولى جلائل النعم وفروعها بقوله: الرحيم، فإنه مولى لطائف النعم ودقائقها وما سواه تعالى. إما نعمة أو منعم عليه، فلم يستحق العبادة أحد غيره وهما خبران آخران لقوله: إلهكم أو لمبتدأ محذوف. وعن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وإلهكم إله واحد» إلخ.. ﴿وا لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ . ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فائت بآية نعرف بها صدقك. ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر الآية. فإن قيل: لم جمع السموات وأفرد الأرض؟ أجاب البيضاويّ: بأنّ السموات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين اه. وهذا إنما يأتي على قول بعض الحكماء أنّ المراد بالأرضين الأقاليم، والأولى ما أجاب به البغوي من أنّ كلاً منها جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب أي: فهي طبقات كالسموات، والآية في السموات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض

стр. 108

مدّها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات وغير ذلك. ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي: تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي: بعده قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ (الفرقان، ٦٣) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة، والزيادة والنقصان، والليل: جمع ليل، والليالي: جمع الجمع، والنهار: جمع نهر. وقدّم الليل على النهار في الذكر؛ لأنه أقدم قال تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ (يس، ٣٧) ﴿والفلك﴾ أي: السفن ﴿التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ من التجارة والحمل، والآية فيها تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء. تنبيه: أنث الفلك؛ لأنه بمعنى السفينة؛ لأنّ واحد السفن وجمعه سواء إذ لو كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث، قال تعالى: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ (الصافات، ١٤٠) وضمة الجمع غير ضمة الواحدة تقديراً؛ إذ هي في الجمع كالضمة في حمر، وفي الواحد كالضمة في قفل، قال البيضاوي: والقصد به أي: الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر؛ لأنه سبب الخوض فيه أي: البحر والإطلاع على عجائبه، ولذلك قدّمت على ذكر المطر والسحاب؛ لأنّ منشأهما البحر في غالب الأمر اه. فجعل الآية في البحر لا في السفن، والأولى جعل الآية فيها وقوله؛ لأنّ منشأهما البحر هو قول الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار. قال شيخنا القاضي زكريا: وحاصله: أنّ السحاب من شجرة مثمرة في الجنة، والمطر من بحر تحت العرش ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ أي: مطر. تنبيه: من الأولى للابتداء، والثانية للبيان، قال البغويّ: قيل: أراد بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب، ثم من السحاب ينزل. وقيل: أراد بالسماء المعروفة يخلق الله الماء في السماء، ثم ينزل من السماء إلى السحاب؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه. وفيه ما مرّ ﴿فأحيا به الأرض﴾ بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها وجدوبتها ﴿وبث﴾ أي: فرّق ونشر بالماء ﴿فيها﴾ في الأرض ﴿من كلّ دابة﴾ . فإن قيل: هل بث عطف على أنزل أو أحيا؟ أجيب: بأنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة؛ لأن قوله: فأحيا به الأرض عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، ويجوز عطفه على أحيا على معنى، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي: المطر ﴿وتصريف الرياح﴾ إلى قبول ودبور، وجنوب وشمال، فالقبول: الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور: تقابلها، والشمال: التي تهب من جانب القطب، والجنوب: تقابلها. قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء، وسميت الريح ريحاً؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. فائدة: البشارة في ثلاث: من الرياح في الصبا، والشمال والجنوب. أمّا الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها، وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وهي: المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات، وأربعة: للعذاب وهي العقيم والصرصر في البر، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة والكسائيّ: الريح بالتوحيد، والباقون بالجمع. فائدة أخرى: كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القرّاء على توحيدها،

стр. 109

وما فيها ألف ولام كما هنا، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأوّل في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها، والريح تذكر وتؤنث ﴿والسحاب﴾ أي: الغيم ﴿المسخر﴾ أي: المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله ﴿بين السماء والأرض﴾ بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أنّ الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله. وقيل: تسخير السحاب تقليبه في الجوّ بمشيئة الله واشتقاقه من السحب؛ لأنّ بعضه يجر بعضاً ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحات على وحدانية الله تعالى ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاويّ: وعن النبيّ ﷺ «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» . أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. قال الوليّ العراقيّ: لم أقف عليه. وقال السيوطي: لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ، ثم قال عن عائشة أن النبيّ ﷺ قال: «أنزل عليّ الليلة ﴿إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ » ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . قيل: للأوزاعيّ ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرأهنّ وهو يعقلهنّ انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضاً في هذه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاويّ: وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى. ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام؛ لأنه محمول على التوغل فيه، فيصير فلسفياً. ﴿ومن الناس﴾ وهم المشركون ﴿من يتخذ من دون الله﴾ أي: غيره ﴿أنداداً﴾ أي: أصناماً يعبدونها ﴿يحبونهم﴾ بالتعظيم والخضوع ﴿كحبّ الله﴾ أي: كحبهم له كما قال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله، فسووا بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله ﴿والذين آمنوا أشدّ حباً﴾ أي: أثبت وأدوم على حبه؛ لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا إذا اتخذوا صنماً أحسن منه طرحوا الأوّل واختاروا الثاني، وربما يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة، ويُعرضون عن معبودهم في وقت البلاء، ويقبلون على الله كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (العنكبوت، ٦٥) والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء. وقيل: إنما قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشدّ حباً﴾ لأنّ الله أحبهم أولاً ثم أحبوه، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتمّ قال الله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة، ٥٤) فمحبة العبد لله طاعته والإعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي ﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾ أي: باتخاذ الأنداد ﴿إذ يرون﴾ أي: يبصرون ﴿العذاب﴾ يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي لأنّ إذ موضوعة للماضي؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ (الأعراف، ٤٤) ﴿أنّ﴾ أي: بأنّ ﴿القوّة﴾ أي: القدرة والغلبة ﴿﴾ وقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ حال ﴿وأنّ الله شديد العذاب﴾ وجواب لو محذوف، والتقدير لو يعلمون أنّ القدرة لله جميعاً؛ إذ عاينوا العذاب لندموا أشدّ الندم، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا، ويرى بمعنى يعلم، وأنّ وما بعدها سدّت مسدّ المفعولين.

стр. 110

وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي: ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه، وغلظ ورش اللام بعد الظاء، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء، والباقون بفتحها. ﴿إذ﴾ بدل من إذ قبله ﴿تبرأ الذين اتبعوا﴾ وهم الرؤساء ﴿من الذين اتبعوا﴾ وهم الأتباع أي: ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع ﴿و﴾ قد ﴿رأوا العذاب﴾ أي: رائين له فالواو للحال، وقد مضمرة كما قدرتها وقيل: عطف على تبرأ، وقوله تعالى: ﴿وتقطعت﴾ عطف على تبرأ، وقوله تعالى: ﴿بهم﴾ بمعنى عنهم ﴿الأسباب﴾ أي: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة. ﴿وقال الذين اتبعوا﴾ أي: الأتباع ﴿لو أنّ لنا كرّة﴾ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فنتبرأ منهم﴾ أي: الرؤساء ﴿كما تبرّأوا منا﴾ اليوم، ولو للتمني ولذلك أجيب بالفاء ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿يريهم الله أعمالهم﴾ أي: السيئة وقوله تعالى: ﴿حسرات﴾ أن تنقلب ندمات ﴿عليهم﴾ ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب والافحال، وقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ أصله وما يخرجون؛ لأنّ المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً﴾ فقال البيضاويّ: نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس أي: لا على وجه التورّع كما تفعله الصوفية، وما قاله قول مرجوح كما قاله شيخنا القاضي زكريا والمشهور أنها نزلت فيهم آية المائدة وهي ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم﴾ (المائدة، ٨٧) وأمّا هذه الآية، فإنها نزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ومن ثم عبر هنا بيأيها الناس وثم بيأيها الذين آمنوا. تنبيه: حلالاً مفعول كلوا أو حال وقوله تعالى: ﴿طيباً﴾ إمّا صفة مؤكدة وإما طاهراً من كلّ شبهة وهو ما يستطيبه الشرع. قال «الكشاف» : ومن للتبعيض؛ لأن كلّ ما في الأرض ليس بمأكول هذا إن جعلنا حلالاً حالاً، فإن جعلنا مفعولاً فمن للابتداء كما قاله السعد التفتازاني؛ لأن من التبعيضية في موضع المفعول أي: كلوا بعض ما في الأرض ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرقه كما قاله الزجاج أو المحقرات من الذنوب كما قاله أبو عبيدة فتدخلوا في حرام أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. وقرأ ابن عامر وقتيل وحفص والكسائي بضمّ الطاء والباقون بالسكون ﴿إنه لكم عدوّ مبين﴾ أي: بيّن العداوة أو مظهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، وقد أظهر عداوته بامتناعه من السجود لآدم، ثم بيّن عداوته بأنه لا يأمر بخير قط بقوله: ﴿إنما يأمركم بالسوء﴾ أي: القبيح شرعاً ﴿والفحشاء﴾ أي: ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وعن ابن عباس أنّ السوء من الذنوب ما لا حدّ فيه، والفحشاء من المعاصي ما يجب به حدّ. وقال السُديّ: الفحشاء هي الزنا وقيل: البخل. قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم انتهى. قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأنّ حقيقته طلب الفعل

стр. 111

ولا ريب أنّ الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه ﴿و﴾ يأمركم أيضاً ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ كتحليل المحرّمات وتحريم الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله﴾ من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس المذكورين في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً﴾ عدل عن الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿قالوا﴾ لا نتبعه ﴿بل نتبع ما ألفينا﴾ أي: وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدّى إلى مفعولين وهما قوله ﴿عليه آباءنا﴾ من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيراً وأعلم منا قال الله تعالى: ﴿أولو كان﴾ أي: أيتبعونهم ولو كان ﴿آباؤهم لا يعقلون شيئاً﴾ أي: من أمر الدين لا شيئاً مطلقاً، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ومعناه الخصوص ﴿ولا يهتدون﴾ أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. ﴿ومثل﴾ أي: صفة ﴿الذين كفروا﴾ ومن يدعوهم إلى الهدى ﴿كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾ أي: صوتاً ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* وأمّا تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: ﴿وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ (فاطر، ١٤) ثم وصف الكفار بصفات ذم فقال: ﴿صمّ﴾ أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما يقال له إنه أصم ﴿بكم﴾ عن الخير لا يقولونه ﴿عمي﴾ عن الهدى لا يبصرونه ﴿فهم لا يعقلون﴾ الموعظة لإضلال نظرهم ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات﴾ أي: حلالات ﴿ما رزقناكم﴾ . قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم انتهى. قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأنّ حقيقته طلب الفعل ولا ريب أنّ الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه ﴿و﴾ يأمركم أيضاً ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ كتحليل المحرّمات وتحريم الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله﴾ من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس المذكورين في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً﴾ عدل عن الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿قالوا﴾ لا نتبعه ﴿بل نتبع ما ألفينا﴾ أي: وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدّى إلى مفعولين وهما قوله ﴿عليه آباءنا﴾ من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيراً وأعلم منا قال الله تعالى: ﴿أولو كان﴾ أي: أيتبعونهم ولو كان ﴿آباؤهم لا يعقلون شيئاً﴾ أي: من أمر الدين لا شيئاً مطلقاً، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ومعناه الخصوص ﴿ولا يهتدون﴾ أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. ﴿ومثل﴾ أي: صفة ﴿الذين كفروا﴾ ومن يدعوهم إلى الهدى ﴿كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾ أي: صوتاً ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* وأمّا تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: ﴿وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ (فاطر، ١٤) ثم وصف الكفار بصفات ذم فقال: ﴿صمّ﴾ أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما يقال له إنه أصم ﴿بكم﴾ عن الخير لا يقولونه ﴿عمي﴾ عن الهدى لا يبصرونه ﴿فهم لا يعقلون﴾ الموعظة لإضلال نظرهم ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات﴾ أي: حلالات ﴿ما رزقناكم﴾ . روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس إنّ الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ (المؤمنون، ٥١) وقال: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ » ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟» . ولما وسع الله تعالى الأمر على الناس كافة، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرّم عليهم، أمر المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال: ﴿واشكروا﴾ على ما رزقكم وأحل لكم ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ أي: إن صح

стр. 112

أنكم تخصونه بالعبادة وتقرّون أنه مولى النعم، فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو يعدم عند عدمه. روى البيهقيّ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: إني والجنّ والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» . ثم بيّن المحرّمات بقوله: ﴿إنما حرّم عليكم الميتة﴾ أي: أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية وألحق بها بالسنة ما أبين من حيّ وخص منها السمك والجراد والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفاً حرمة التصرّف فيها مطلقاً إلا ما خصه الدليل كالتصرّف في المدبوغ ﴿والدم﴾ أي: المسفوح كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ . روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وهو في حكم المرفوع بل رفعه ابن ماجه وغيره لكن بسند ضعيف ﴿ولحم الخنزير﴾ أي: جميع أجزائه وعبر عن ذلك باللحم؛ لأنه معظم المقصود منه وغيره تبع له ﴿وما أهلّ به لغير الله﴾ أي: ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم ﴿فمن اضطرّ﴾ أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله. ﴿غير باغ﴾ أي: خارج على المسلمين وقيل: مجاوز للمقدار الذي أحلّ له ﴿ولا عاد﴾ أي: متعدٍ على المسلمين بقطع الطريق وقيل: لا يقصر فيما أبيح له فيدعه، وقال سهل بن عبد الله: غير باغ مفارق للجماعة، ولا عاد مبتدع مخالف للسنة فلم يرخص للمبتدع في تناول المحرّم عند الضرورة. وقال مسروق: من اضطرّ إلى الميتة والدم ولحم الخنزير، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. واختلف العلماء في قدر ما يحل للمضطرّ أكله من الميتة على قولين: أحدهما أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه وهو قول ابن أبي حنيفة، والراجح عند الشافعيّ والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك: ﴿فلا إثم﴾ أي: لا حرج ﴿عليه﴾ في أكل ما ذكر وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون، فمن اضطرّ في الوصل والباقون يضمها. فائدة: قال البغويّ ﴿غير﴾ نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت غير تصلح في موضعها لا فهي حال، وإذا صلح في موضعها إلا فهي استثناء ﴿إنّ الله غفور﴾ لمن أكل في حال الاضطرار ﴿رحيم﴾ حيث رخص للعباد في ذلك. فإن قيل: إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من محرّم لم يذكر أجيب: بأنّ المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحله الكفار لا مطلقاً وقصر ما ذكر على حال الاختيار كأنه قيل: إنما حرّم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطرّوا إليها. تنبيه: ألحق بالباغي والعادي كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحلّ لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعيّ. ونزل في علماء اليهود ورؤسائهم الذين كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المنعوت منهم، فلما بعث ﷺ من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد ﷺ فلا يتبعونه. ﴿إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾ المشتمل على نعت محمد ﷺ ﴿ويشترون به﴾ أي: بالمكتوم ﴿ثمناً﴾ أي: عوضاً ﴿قليلاً﴾ أي: يسيراً أي: المآكل التي

стр. 113

يصيبونها من سفلتهم ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم﴾ أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿إلا النار﴾ أي: ما يؤدّيهم إلى النار وهو الرشوة وثمن الدين، ولما كان يقضي بهم إلى النار؛ لأنها عقوبة عليهم فكأنهم أكلوا النار، وقيل: معناه أنه يصير ناراً في بطونهم ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ أي: لا يكلمهم بالرحمة ربما يبشرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ أو يكون عليهم غضبان كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً إذا كان عليه غضبان لما ثبت بالنصوص أنه تعالى يسألهم والسؤال كلام، فحمل نفي الكلام على الغضب فهو كناية ويجوز بقاء الكلام على ظاهره وتحتمل نصوص السؤال على أنه يقع بألسنة الملائكة ﴿ولا يزكيهم﴾ أي: ولا يطهرهم من دنس الذنوب ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم وهو النار.I ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ أي: استبدلوا ﴿الضلالة بالهدى﴾ فأخذوها بدله في الدنيا ﴿و﴾ استبدلوا ﴿العذاب بالمغفرة﴾ أي: المعدّة لهم في الآخرة لو لم يكتموا الحق للمطامع والأغراض الدنيوية ﴿فما أصبرهم على النار﴾ أي: ما أشدّ صبرهم وهو تعجب للمؤمن من ارتكاب موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيّ صبر لهم كما قال الحسن: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقرّبهم إلى النار. وقال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي: ما أدومهم عليه. روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال: ما أصبرك على عذاب الله تعالى. ﴿ذلك﴾ أي: الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده ﴿بأنّ﴾ أي: بسبب أنّ ﴿الله نزل الكتاب﴾ وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ متعلق بنزل فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان وقوله تعالى: ﴿وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب﴾ اللام فيه إما للجنس واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعضها، وإما للعهد وحينئذٍ الإشارة إما للتوراة واختلافهم حيث آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها بكتمه، وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم: سحر وتقوّل وكلام علمه بشر وأساطير الأوّلين ﴿لفي شقاق﴾ أي: خلاف ﴿بعيد﴾ عن الحق واختلف في المخاطب بقوله تعالى: ﴿ليس البرّ﴾ أي: وهو كلّ فعل مرضي ﴿أن تولّوا وجوهكم﴾ أي: في الصلاة ﴿قبل المشرق والمغرب﴾ على قولين: أحدهما أنهم المسلمون، والثاني أهل الكتابين، فعلى الأوّل معناه ليس البرّ كله في الصلاة ولكن البرّ ما في هذه الآية، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء. وعلى الثاني ليس البرّ صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّلت وادّعى كل طائفة أنّ البرّ هو التوجه إلى قبلته، فردّ الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما في هذه الآية قاله قتادة والربيع ومقاتل، وقال قوم هو عام لهم وللمسلمين أي: ليس البرّ مقصوراً بأمر القبلة. وقرأ حفص وحمزة بنصب البر على أنه خبر مقدّم، والباقون برفعه وقوله تعالى: ﴿ولكنّ البر من آمن﴾ على تأويل حذف المضاف أي: بر من آمن أو بتأويل البرّ بمعنى ذي البر أي: ولكن البرّ الذي ينبغي أن يهتمّ به بر من آمن أو لكن ذا البرّ من آمن ﴿با واليوم الآخر والملائكة والكتاب﴾ أي: الكتب إن أريد به الجنس وإلا فالقرآن ﴿والنبيين﴾ والتأويل الأوّل أولى؛ لأن السابق في الآية إنما هو نفي كون البر، تولية الوجه والذي يستدرك إنما هو من جنس

стр. 114

ما ينفى. وقرأ نافع وابن عامر بكسر نون ولكن مخففة ورفع راء البر والباقون بنصب النون مشدّدة ونصب الراء والنبيين تقدّم أنّ نافعاً يقرؤه بالهمزة والباقون على البدل وورش على أصله من المدّ والتوسط والقصر. ﴿وآتى المال على﴾ أي: مع ﴿حبه﴾ له كما قال ﵊ لما سئل أيّ الصدقة أفضل؟: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ـ أي الحياة ـ وتخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» . قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وقيل: الضمير لله أي: على حب الله ﴿ذوي القربى﴾ أي: القرابة قال ﷺ «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» ﴿واليتامى﴾ جمع يتيم وتقدّم تعريفه ﴿والمساكين﴾ جمع مسكين وهو من له مال أو كسب يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه بخلاف الفقير، فإنه من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من كفايته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في سورة براءة ﴿وابن السبيل﴾ أي: المسافر يقال للمسافر: ابن السبيل لملازمته الطريق وقيل: هو الضيف ينزل بالرجل، قال ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» ﴿والسائلين﴾ أي: الطالبين الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، قال ﷺ «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه» رواه الإمام أحمد. وفي رواية: «ردّوا السائل ولو بظلف محرق» ﴿وفي الرقاب﴾ أي: فكها معاونة المكاتبين وقيل: فرض الأسراء وقيل: ابتياع الرقاب لعتقها ﴿وأقام الصلوة﴾ المفروضة ﴿وآتى الزكوة﴾ المفروضة. فإن قيل: قد ذكر إتيان المال في هذه الوجوه ثم ثنى بإتيان الزكاة، فقد دل ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة أجيب: بأنّ المتقدّم في التطوّع، وإن قال الشعبي: إنّ في المال حقاً سوى الزكاة وتلا هذه الآية، ففي الحديث: «نسخت الزكاة كل صدقة» . رواه الدارقطني والبيهقيّ أي: نسخت الزكاة وجوب كل صدقة. وروي ليس في المال حق سوى الزكاة ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. تنبيه: الموفون عطف على من آمن وقيل: رفع على المبتدأ والخبر أي: وهم الموفون وقوله تعالى: ﴿والصابرين في البأساء﴾ أي: شدة الفقر ﴿والضرّاء﴾ أي: المرض ﴿وحين البأس﴾ أي: وقت شدّة القتال في سبيل الله تعالى نصب على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وروي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا إذا حمي البأس ـ أي: اشتدّ الحرب ـ ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿الذين صدقوا﴾ في الدين واتباع الحق وطلب البر ﴿وأولئك هم المتقون﴾ الله التاركون للكفر وسائر الرذائل. قال البيضاويّ رحمه الله تعالى: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأوّل بقوله تعالى: ﴿من آمن﴾ إلى ﴿والنبيين﴾ وإلى الثاني بقوله تعالى: ﴿وآتى المال﴾ إلى ﴿وفي الرقاب﴾ وإلى الثالث بقوله: ﴿وأقام الصلاة﴾ إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه

стр. 115

واعتقاده وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار بقوله ﵊: «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان» . ونزل في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهما قتلى وجراحات يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، فأقسموا لنقتلنّ بالعبد الحرّ منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبيّ ﷺ ﴿يأيها الذين آمنوا كتب﴾ أي: فرض ﴿عليكم القصاص﴾ وهو المساواة والمماثلة ﴿في القتلى﴾ وصفاً وفعلاً ﴿بالحرّ﴾ يقتل ﴿الحرّ﴾ ولا يقتل بالعبد ﴿و﴾ يقتل ﴿العبد بالعبد و﴾ يقتل ﴿الأنثى بالأنثى﴾ وبينت السنة أنّ الذكر يقتل بالأنثى وأنّ المماثلة تعتبر في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر وللأئمة في ذلك خلاف وأدلة مذكورة في الفقه وكلهم على هدى من ربهم ﴿فمن عفي له﴾ أي: من القاتلين ﴿من﴾ أي: دم ﴿أخيه﴾ المقتول ﴿شيء﴾ بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ولو من بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف على العفو وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر ﴿فاتباع﴾ أي: فعلى العافي اتباع للقاتل ﴿بالمعروف﴾ بأن يطالبه بالدية لا عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أنّ الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعيّ، والثاني وهو الأصح عنده الواجب القصاص عيناً، والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء. فإن قيل: إن عفا يتعدّى بعن لا باللام فما وجه قوله فمن عفي له أجيب: بأن عفا يتعدّى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه قال تعالى: عفا الله عنك وقال: عفا الله عنها، فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معاً قيل: عفوت لفلان عما جنى كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية ﴿وأداء﴾ أي: وعلى القاتل أداء الدية ﴿إليه﴾ أي: العافي وهو الوارث ﴿بإحسان﴾ أي: بلا مطل ولا بخس ﴿ذلك﴾ الحكم المذكور في العفو والدية ﴿تخفيف من ربكم ورحمة﴾ لما فيه من التسهيل والنفع؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً ﴿فمن اعتدى﴾ أي: ظلم القاتل بأن قتله ﴿بعد ذلك﴾ أي: العفو على الدية أو مجاناً ﴿فله عذاب أليم﴾ أي: مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل أو أخذ الدية إن عفى عنها وقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ كلام في غاية الفصاحة والبلاغة حيث جعل الشيء محل ضدّه وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعاً من الحياة عظيماً وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. قال الزمخشريّ: وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لأنّ القاصد للقتل؛ إذا علم أنه إن قتل يقتل يمتنع فيكون فيه بقاؤه وبقاء من

стр. 116

يهتم بقتله وفي المثل: القتل أنفى للقتل وقيل في المثل: القتل قلل القتل وقيل: المراد بالحياة، الحياة الأخروية، فإنّ القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة هذا بالنسبة للآدميّ وأمّا بالنسبة لله تعالى، فإن تاب فكذلك وإلا فهو تحت المشيئة، ثم نادى ذوي العقول الكاملة بقوله: ﴿يا أولي الألباب﴾ للتأمّل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، ثم بين مشروعية ذلك بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ القتل مخافة القود أو تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. ﴿كتب﴾ أي: فرض ﴿عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي: حضرت أسبابه وظهرت أماراته ﴿إن ترك خيراً﴾ أي: مالاً نظيره قوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ (البقرة، ٢٧٢) وقيل: مالاً كثيراً لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رجلاً أراد الوصية فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة قالت: إنما قال الله تعالى إن ترك خيراً وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه وقال: قال الله تعالى: ﴿إن ترك خيراً﴾ والخير هو المال الكثير وقوله تعالى: ﴿الوصية﴾ مرفوع بكتب وذكر فعلها للفاصل ولأنها بمعنى أن يوصي ولذلك ذكر الراجع في قوله: فمن بدّله بعدما سمعه والعامل في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدّمه عليها وجواب أنّ أي: فليوص ﴿للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ بالعدل فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث لما روي عن سعيد بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «جاءني النبيّ ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله قال: لا قلت: فالشطر قال: لا قلت: فالثلث قال: الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم» أي: يسألون الناس الصدقة بأكفهم، وقوله تعالى: ﴿حقاً﴾ مصدر قال البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ وغيره مؤكد لمضمون الجملة قبله أي: حق ذلك حقاً وردّه أبو حيان بأنّ قوله تعالى على المتقين متعلق بحقاً أو صفة له وكل منهما يخرجه عن التأكيد، أما الأوّل فلأن المصدر المؤكد لا يعمل إنما يعمل المصدر الذي ينحل إلى حرف مصدري، والفعل أو المصدر الذي هو بدل من اللفظ بالفعل، وأمّا الثاني فلأنّ حقاً مصدر مخصص بالصفة فلا يكون مؤكداً وقيل: حقاً نعت لمصدر كتب أو أوصى أي: كتباً أو إيصاء حقاً وقيل: حال من مصدر أحدهما معرّفاً وقيل: نصب على المفعولية أي: جعل الوصية حقاً ﴿على المتقين﴾ الله وهذا منسوخ بآية المواريث وبقوله ﷺ «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» بناءً على الأصح من أن الكتاب ينسخ بالسنة وإن لم تتواتر وبذلك ظهر ما في قول بعضهم: إنّ الكتاب لا ينسخ بالسنة وإن الحديث من الآحاد. أي: غيره من الأوصياء والشهود ﴿بعدما سمعه﴾ أي: وصل إليه علمه وتحقق عنده ﴿فإنما إثمه﴾ أي: الإيصاء المبدل ﴿على الذين يبدّلونه﴾ والميت بريء منه، وفي هذا إقامة الظاهر مقام المضمر ﴿إنّ الله سميع﴾ لما وصى به الموصي ﴿عليم﴾ بفعل الوصي فيجازيه عليه وفي هذا وعيد للمبدّل بغير حق. ﴿فمن خاف من موص﴾ أي: توقع وعلم كقوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله﴾ (البقرة، ٢٢٩) أي علمتم وقرأ حمزة بإمالة الألف بعد الخاء من خاف حيث جاء، وقرأ شعبة وحمزة

стр. 117

والكسائي بفتح الواو من موص وتشديد الصاد، والباقون بسكون الواو وتخفيف الصاد ﴿جنفاً﴾ أي ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية ﴿أو إثماً﴾ بأن تعمد الحيف في الوصية ﴿فأصلح بينهم﴾ بين الوصي والموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع ﴿فلا إثم عليه﴾ في هذا التبديل؛ لأنه تبديل؛ باطل إلى الحق بخلاف الأوّل ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فيه وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم. ﴿يأيها الذين آمنوا كتب﴾ أي: فرض ﴿عليكم الصيام﴾ هو لغة: الإمساك عما تنازع فيه النفس ومنه قوله تعالى: ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوماً﴾ (مريم، ٢٦) أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات مع النية فإنها معظم ما تشتهيه النفس ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال عليّ رضي الله تعالى عنه: أوّلهم آدم يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم. وفي قوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾ إلخ.. توكيد للحكم وترغيب على الفعل وتطييب على النفس وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان: أحدهما أنّ التشبيه في حكم الصوم وصفته لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم أنه لم يحل له أن يطعم إلى الليلة القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم هذا، فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث﴾ (البقرة، ١٨٧) الآية فإنها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين، والثاني: إنه كصومهم في عدد الأيام لما روي أنّ رمضان كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان ـ أي: وهو بضم الميم ـ موت يقع على الماشية فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده، فجعلوه خمسين وقيل: كان يقع في الحرّ الشديد وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرّهم في معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف فجعلوه في الربيع وقالوا: نزيد عشرين يوماً تكفر ما صنعنا. قال السديّ عن مشايخه، وقيل: زادوا فيه عشرة أيام أولاً كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوماً ثم أن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو شفي من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعاً، فبرأ فزاد فيه أسبوعاً ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوماً وعلى هذا تكون الآية محكمة لا منسوخة. ﴿لعلكم تتقون﴾ بصومكم للمعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ـ أي: مؤن النكاح ـ فليتزوّج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي: قاطع لشهوته أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم وقوله تعالى: ﴿أياماً﴾ نصب بصوموا مقدّراً بينهما لدلالة الصيام عليه بالصيام لوقوع الفصل بينهما ﴿معدودات﴾ أي: قلائل كقوله تعالى: ﴿دراهم معدودة﴾ (يوسف، ٢٠) وأصله أنّ المال القليل يقدر بالعدد ويحكر فيه والكثير يهال هيلاً ويحثى حثياً أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلاً على المكلفين وقيل: هي عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر كتب على رسول الله ﷺ صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهر رمضان ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ مرضاً يضرّه الصوم ويعسر معه ﴿أو على سفر﴾ أي: مسافراً

стр. 118

سفر قصر ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ أي: فعليه صوم عدّة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر، فحذف الشرط وهو إن أفطر والمضاف وهو صوم والمضاف إليه وهو أيام المرض والسفر للعلم بها. واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، والأصح فيه ما قدّرناه وذهب أهل الظاهر إلى أنّ ما ينطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين: فقد دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه وفي السفر الذي يباح فيه الفطر والأصح فيه أيضاً ما قدّرناه وهو مرحلتان. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ثلاثة أيام ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أي: إن أفطروا ﴿فدية﴾ هي ﴿طعام مسكين﴾ أي: قدر ما يأكله في يوم وهو مدّ على الأصح من غالب قوت بلده وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره وقال بعضهم: ما كان المفطر يتقوّته يومه الذي أفطره وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها، فذهب أكثرهم إلى أنها منسوخة وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم الله تعالى؛ لأنهم كانوا لم يتعوّدوا الصيام ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد، فإنها باقية بلا نسخ في حقهما، وذهب جماعة منهم إلى أن لفظة لا مقدّرة في الآية أي: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فدية وهو قول سعيد بن جبير وجعل الآية محكمة، وقرأ نافع وابن ذكوان بغير تنوين في فدية وخفض الميم من طعام والباقون بتنوين فدية ورفع الميم من طعام، وقرأ نافع وابن عامر مساكين بفتح الميم والسين وألف بعد السين وفتح النون، والباقون بكسر الميم وسكون السين ولا ألف بعدها وكسر النون منونة ﴿فمن تطوّع خيراً﴾ بالزيادة على القدر المذكور في الفدية ﴿فهو﴾ أي: التطوع ﴿خير له﴾ فيثيبكم الله عليه ﴿وأن تصوموا﴾ أي: أيها المطيقون مبتدأ خبره ﴿خير لكم﴾ أي: من الإفطار والفدية ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمّة وجواب: إن كنتم محذوف دلّ عليه خير لكم أي: فالصوم خير لكم وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ مبتدأ خبره ما بعده أو بدل من الصيام في قوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ بدل اشتمال أو بدل كل من كل إن قدر مضاف أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم شهر رمضان أو الشهر من الشهور ورمضان مصدر رمض إذا أحرق فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. فإن قيل: إذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله ﷺ «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه» وقوله ﷺ «بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له» أجيب: بأنّ ذلك على حذف المضاف لا من اللبس قال التفتازاني: وجاز الحذف من الاعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة؛ لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين وإنما سماه العرب بذلك إمّا لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، وإمّا لارتماض الذنوب فيه. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة

стр. 119

التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمضان الحر قال أئمة اللغة: كان أسماء الشهور في اللغة القديمة: مؤتمر ناجر خوان وبصان حنين ورنه الأصم وعل ناتق عادل هواع يراك فغيرت إلى محرّم صفر ربيع الأوّل ربيع الثاني جمادى الأول جمادى الثانية رجب شعبان رمضان شوّال ذي القعدة ذي الحجة على الترتيب وسمي المحرم لتحريم القتال فيه وصفر لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، والربيعان لارتباع الناس فيهما أي: إقامتهم وجماديان لجمود الماء فيهما ورجب لترجيب العرب إياه أي: تعظيمهم له وشعبان لتشعب القبائل فيه، ورمضان لرمض الفصال فيه، وشوّال لشول أذناب اللواقح فيه، وذو القعدة للقعود فيه عن الحرب، وذو الحجة لحجهم فيه ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر ثم تنزل منجماً إلى الأرض وقيل: ابتدىء فيه إنزاله وكان ذلك ليلة القدر وقيل: أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ وعن النبيّ ﷺ «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين» رواه الإمام أحمد وغيره. تنبيه: قال ابن عادل: يروى أنّ جبريل ﵇ نزل على آدم اثنتي عشرة مرّة، وعلى إدريس أربع مرّات، وعلى إبراهيم اثنين وأربعين مرّة، وعلى نوح خمسين مرّة، وعلى موسى أربعمائة مرّة، وعلى عيسى عشر مرّات، وعلى محمد ﷺ أربعة وعشرين ألف مرّة، وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة الهمزة إلى الراء وتصير الراء مفتوحة وألف بعدها في المعرف والمنكر حيث جاء وكذا يقرأ حمزة في الوقف وقوله تعالى: ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ حالان من القرآن أي: أنزل وهو هداية للناس لإعجازه من الضلالة إلى الحق وهو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل مما فيه من الحكم والأحكام. فإن قيل: فما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق به الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال ﴿فمن شهد﴾ أي: حضر ﴿منكم الشهر فليصمه﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾ أي: فأفطر ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ تقدّم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ أي: يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر ولذلك أباح لكم الفطر في المرض والسفر. واختلفوا هل الفطر في السفر أفضل أو الصوم؟ والأصح أنه إن شق عليه الصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا: لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقول النبيّ ﷺ «ليس من البرّ الصيام في السفر» وأجاب الأوّل عن الحديث بأنه محمول على من يشق عليه الصوم فقول جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا صائم فقال ﷺ «ليس من البرّ الصيام في السفر» والدليل على جواز

стр. 120

الصوم في السفر قول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» . وقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ أي: الله على نعمه، علل لفعل محذوف دلّ عليه ما سبق أي: وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له بالقضاء، وبمراعاة عدّة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدّة﴾ علّة الأمر بمراعاة العدّة، وقوله تعالى: ﴿ولتكبروا﴾ علّة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ علّة الترخيص من تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدّ نوعاً من اللف والنشر لطيف المسلك. ومعنى التكبير تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدّي بحرف الاستعلاء لكونه مضمناً معنى الحمد كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، وقيل: تكبير عيد الفطر وقيل: التكبير عند الإهلال، وقرأ شعبة ولتكملوا بفتح الكاف وتشديد الميم والباقون بسكون الكاف وتخفيف الميم. تنبيه: ورد في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين أخبار منها ما رواه أبو هريرة أنه ﷺ قال: «إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة الجنّ وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» ومنها ما رواه أيضاً أنه ﷺ قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه» . ومنها ما رواه سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعاً، من تقرّب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه الرزق؛ من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم قال رسول الله ﷺ «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذْقَة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضِي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى لكم عنهما فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأمّا اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار» . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة» . وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى

стр. 121

الله عليه وسلم «في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصائم: رب إني منعت الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان» . وسأل جماعة النبيّ ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزل ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ أي: فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ (ق، ١٦) وقوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ أي: بإنالته ما سأل تقرير للقرب، ووعد للداعي بالإجابة، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما وصلاً لا وقفاً، واختلف عن قالون فيهما والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً. فإن قيل: ما وجه قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع﴾ وقوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ () وقد يدعى كثيراً فلا يجيب؟ أجيب: بأنهم اختلفوا في معنى الآيتين فقيل: معنى الدعاء هنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، وقيل: معنى الآيتين خاص وأن لفظهما عام، تقديره: أجيب دعوة الداع إن شئت كما قال تعالى: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ (الأنعام، ٤١) أو أجيب دعوة الداع إن وافق القضاء، أو أجيبه إن كانت الإجابة خيراً له، أو أجيبه إن لم يسأل محالاً. وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا: وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي فيتحسر عند ذلك فيدع، أي: يترك الدعاء» وقيل: هو عام، ومعنى قوله أجيب أي: أسمع ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، أو الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، فالإجابة لا محالة عند حصول الدعوة، وقيل: معنى الآية: أنه لا يخيب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدر له ادخر الثواب له في الآخرة، أو كف عنه به سوءاً لقوله ﷺ «ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء بمثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . وقيل: إنّ الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته. وقيل: إنّ للدعاء آداباً وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخلّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب. ﴿فليستجيبوا لي﴾ إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني بمهماتهم، وقوله تعالى: ﴿وليؤمنوا بي﴾ أمر بالثبات والمداومة على الإيمان ﴿لعلهم﴾ أي: لكي ﴿يرشدون﴾ والرشد إصابة الحق. أي: الليلة التي تصبحون منها صائمين ﴿الرفث إلى نسائكم﴾ الرفث: كناية عن الجماع؛ لأنه لا يكاد يخلو عن رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ الوطء والجماع، فإنه يجب أن يكنى عنه بلازم من لوازمه كالرفث وعُدّي بإلى لتَضَمُّنه معنى الإفضاء، وكني عن الجماع هنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ () استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، ولذلك سماه فيما يأتي خيانة قال: ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 122

عنهما إنّ الله تعالى حيّ كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول، فالرفث إنما عني به الجماع، وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حلّ له الطعام والشراب والنساء إلى أوان العشاء الآخرة، أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى الليلة القابلة، ثم إنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسوّلت لي نفسي، فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبيّ ﷺ «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه هذه الآية، وفي تجويز المباشرة في جميع الليل دليل على جواز تأخير الغسل إلى الفجر وصحة صوم الصبح جنباً. ﴿هن لباس﴾ أي: سكن ﴿لكم وأنتم لباس﴾ أي: سكن ﴿لهنّ﴾ كما قال تعالى: ﴿وجعل منها زوجها ليسكنإليها﴾ (الأعراف، ١٨٩) وكما قيل: لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي كل واحد من الزوجين لباساً؛ لتجرّدهما عند النوم وتعانقهما واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد من الزوجين لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. قال الجعدي: *إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا* والضجيع: المضاجع، وما زائدة، وثنى عطفها: أمال شقها، وتثنت مالت، والشاهد في قوله: فكانت عليه لباساً وقيل: إنّ كلاً منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور، كما جاء في الخبر: «من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه. ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ أي: تظلمونها بتعريضها للعقاب، وتنقيص حظها من الثواب بالمجامعة بعد العشاء كما وقع ذلك لعمر وغيره، وقال البراء: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله هذه الآية. ﴿فتاب عليكم﴾ أي: قبل توبتكم ﴿وعفا عنكم﴾ أي: محا ذنوبكم، ولم يمل أحد ألف عفا لأنه واوي ﴿فالآن﴾ أي إذا نسخ عنكم التحريم ﴿باشروهن﴾ أي: جامعوهنّ حلالاً، وسمى المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما بصاحبه ﴿وابتغوا﴾ أي: واطلبوا ﴿ما كتب الله لكم﴾ أي: ما قسم لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو قصد العفة، وقال مجاهد: ابتغوا الولد فإن لم تلد هذه فهذه، وقال مقاتل: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع. في اللوح المحفوظ، وقيل: وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم وقيل: هو نهي عن العزل لأنه في الحرائر. فقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ أي: الصادق، نزل في رجل من الأنصار، قال عكرمة: اسمه أبو قيس، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، فقال لامرأته: قدّمي الطعام وأرادت المرأة أن تطعمه شيئاً، سخناً فأخذت تعمل له في شيء وكان في ابتداء الإسلام

стр. 123

من صلى العشاء أو نام قبلها حرم عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هو قد نام وكان قد أعيا وكلّ، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، وأبى أن يأكل، فأصبح صائماً مجهوداً فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله ﷺ فلما رآه قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليحاً، فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية» . وقد شبّه أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: من الفجر عن بيان الخيط الأسود؛ لدلالته عليه ويصح أن تكون من للتبعيض، فإنما يبدو بعض الفجر، وعلى كل منهما فهي مع مدخولها في محل الحال، والمعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر وعلى البيان حال كونه هو الفجر. فإن قيل: كيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم من الليل فلا يتبين لي الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت إلى النبيّ ﷺ فأخبرته فضحك وقال: «إن كان وسادك إذاً لعريضاً» وروي: «إنك لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار من الليل» أجيب: بأنه غفل عن البيان ولذلك عرض رسول الله ﷺ قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلادة الرجل وقلة فطنته، وقال سهل بن سعد الساعدي نزلت ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر. فإن قيل: كيف جاز فعل ذلك في رمضان مع تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد؟ أجيب: بأنّ ذلك كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز، واكتفى أوّلاً باشتهارهما في ذلك، ثم صرح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم. ﴿ثم أتموا الصيام﴾ من الفجر ﴿إلى الليل﴾ أي: إلى دخوله بغروب الشمس، كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» أي: دخل وقت إفطاره. تنبيه: إنما قدّرت في الآية الكريمة من الفجر ليدل على عدم جواز النية في النهار في صوم رمضان كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ ولأنّ إلى يكون المغيا بها ينقضي شيئاً فشيئاً، والإتمام فعل الجزء الأخير فقط، وهو ينقضي كذلك، وفي الآية دليل على نفي الوصال؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ما قبلها. ﴿ولا تباشروهنّ﴾ أي: نساءكم ﴿وأنتم عاكفون﴾ أي: مقيمون ﴿في المساجد﴾ بنية الاعتكاف، والمراد بالمباشرة الوطء، والآية نزلت في نفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها، ثم اغتسل ثم يرجع إلى المسجد، فنهوا عن ذلك ليلاً ونهاراً حتى يفرغوا من اعتكافهم، وفيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطاً في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضاً منها

стр. 124

فيها، فتعين كونها شرطاً لصحة الاعتكاف، وأنّ الوطء محرّم في الاعتكاف ويفسده؛ لأنّ النهي في العادات يوجب الفساد، أما ما دون الجماع من المباشرات فإن كان بشهوة فحرام، ولا يبطل اعتكافه إن لم ينزل، فإن أنزل وكان بلا حائل فكالجماع وإلا فلا، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» ﴿تلك﴾ الأحكام المذكورة وهي قوله تعالى: ﴿الآن باشروهنّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿في المساجد﴾ ﴿حدود الله﴾ حدها لعذابه ليقفوا عندها ﴿فلا تقربوها﴾ نهى تعالى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل؛ لئلا يداني الباطل فضلاً أن يتخطى عنه، وهذا أبلغ من قوله تعالى في آية أخرى ﴿فلا تعتدوها﴾ (البقرة، ٢٢٩) ، لكن في ذلك مأمورات وهي لا ينهى عن قربانها، فالمراد منها أضدادها بناء على أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه أو مستلزم له؛ ليصح النهي عن قربانها، ويجوز أن يراد بحدود الله محارمه ونواهيه. وعلى هذا فالنهي عن القربان ظاهر كما قال ﵊: «إنّ لكل ملك حمى، وإن حمى الله في أرضه محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» رواه الشيخان ﴿كذلك﴾ أي: كما بيّن لكم ما ذكر ﴿يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ أي: لكي يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي فينجوا من العذاب. ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ أي: لا يأكل بعضهم مال بعض ﴿بالباطل﴾ أي: الحرام شرعاً كالغصب والسرقة وقوله تعالى: ﴿وتدلوا﴾ مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار، أن والإدلاء الإلقاء أي: ولا تلقوا ﴿بها﴾ أي: بحكومتها وبالأموال رشوة ﴿إلى الحكام لتأكلوا﴾ بالتحاكم ﴿فريقاً﴾ أي: طائفة ﴿من أموال الناس بالإثم﴾ أي: بما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الكاذبة أو متلبس بالإثم، فالباء إمّا للسببية فتكون متعلقة بتأكلوا، أو للمصاحبة فتتعلق بمحذوف، وتكون مع مدخولها حالاً من فاعل تأكلوا ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعصية مع العلم أقبح. روي «أن عبدان الحضرمي ادّعى على امرىء القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بينة فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس فهمّ بالحلف فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ (آل عمران، ٧٧) فارتدع عن اليمين، وسلّم الأرض لعبدان» فنزلت، وهو دليل على أنّ حكم القاضي لا ينفذ في باطن الأمر وفيه خلاف ظاهر، ويؤيده قوله ﷺ لخصمين اختصما إليه: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون لديّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته ـ أي: أقوم وأقدر ـ عليها من بعض فأقضي له على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار» قبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي، فقال: «اذهبا وتواخيا ثم استهما ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه» و «سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول الله ﷺ ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يمتلىء نوراً ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقاً كما بدا ولا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل: ﴿يسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن الأهلة﴾ جمع هلال مثل رداء وأردية، والهلال اسم له: أوّل الليلة الأولى والثانية والثالثة، وبعدها يسمى قمراً، وهنا سماه بأوّل حالاته لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم: استهل الصبيّ إذا صرخ حين يولد ﴿قل﴾ لهم

стр. 125

﴿هي مواقيت﴾ جمع ميقات أي: معالم ﴿للناس﴾ يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصيامهم وإفطارهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدّة حملهنّ وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿والحج﴾ عطف على الناس أي: يعلمون بها وقته أداء وقضاء، هذه هي الحكمة الظاهرة في ذلك، ولهذا خالف بين الأهلة وبين الشمس فلو استمرّت الأهلة على حالة لم يعرف حال ما ذكر، ولما كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته ويدخل منه ويخرج، أو يتخذ سلماً فيه فيصعد منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك براً، إلا أن يكون من الحمس وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وبنو عامر بن صعصعة، وبنو نضر بن معاوية، سموا حمساً لشدّتهم في دينهم، والحماسة: الشدّة والصلاة، فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار فدخل رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله ﷺ «لم دخلت من الباب وأنت محرم؟» قال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال له رسول الله ﷺ «فإني أحمس» فقال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس رضيت بهداك وبسمتك ودينك فأنزل الله تعالى ﴿وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر﴾ أي: ذا البر ﴿من اتقى﴾ الله، بترك مخالفته، ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنهم سألوا عن الحكمة في اختلال حال القمر وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها أو أنه تعالى لما ذكر أنها مواقيت الحج، وهذا أيضاً من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد، وأنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوّة وتركوا السؤال عما يعنيهم وهو معرفة الحلال والحرام، ويختص بعلم النبوّة، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهاً على أنّ اللائق بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك، ويهتموا بالعلم بها، أو على أنّ المراد به التنبيه على تعكيسهم السؤال وتمثيلهم بحال من ترك باب البيت، ودخل من ورائه، والمعنى وليس البرّ أن تعكسوا في مسائلكم ولكن من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله. ﴿وائتوا البيوت من أبوابها﴾ في الإحرام كغيره؛ إذ ليس في العدول برأ، وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها والمراد توطين النفوس وربط القلوب على أنّ جميع أفعال الله تعالى حكم وصواب من غير اختلاج شبهة، ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه كما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ﴿واتقوا الله﴾ في تغيير الأحكام ﴿لعلكم تفلحون﴾ لكي تفوزوا بالهدى والبرّ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيُوت بضمّ الباء حيث جاء معرفاً كان أو منكراً، وكسرها الباقون، ولا خلاف في وليس البرّ هنا، أنّ الراء مرفوعة للجميع، وقرأ نافع وابن عامر: ولكن بكسر النون مخففة ورفع الراء، والباقون بفتح النون مشدّدة ونصب الراء، ولما صدّ المشركون رسول الله ﷺ عن البيت عام الحديبية، وذلك أنّ رسول الله ﷺ خرج مع أصحابه للعمرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون

стр. 126

من البيت الحرام، وصالحوه على أن يرجع من قابل، فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم، والإحرام والشهر الحرام، وكره المسلمون ذلك نزل. ﴿وقاتلوا﴾ أي: جاهدوا ﴿في سبيل الله﴾ لإعلاء كلمته وإعزاز دينه ﴿الذين يقاتلونكم﴾ من الكفار ﴿ولا تعتدوا﴾ عليهم بالابتداء بالقتال ﴿إنّ الله لا يحب المعتدين﴾ أي: لا يريد بهم الخير؛ لأنه غاية المحبة إذ المحبة حقيقتها محال في حقه تعالى؛ لأنها ميل النفس، وسبب ذلك أنهم كانوا منعوا من قتال الكفار وأمروا بالصبر على أذاهم بقوله تعالى: ﴿لتبلون في أموالكم﴾ (آل عمران، ١٨٦) الآية، ثم أمروا به إذا ابتدؤوا به بهذه الآية، ثم أبيح لهم ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ (التوبة، ٥) الآية، ثم أمروا به مطلقاً من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي: وجدتموهم في حل أو حرم، وقرأ أبو عمرو بإدغام الثاء في الثاء بخلاف عنه، حيث جاء ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي: من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم عام الفتح ﴿والفتنة﴾ أي: الشرك منهم ﴿أشدّ﴾ أي: أعظم ﴿من القتل﴾ لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان: كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها. قيل لبعض الحكماء: ما أشدّ من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. وقال القائل: *لقتلٌ بحد السيف أهون موقعاً ... على النفس من قتل بحدّ فراق وقيل: الفتنة عذاب الآخرة كما قال تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ (الذاريات، ١٤) . ﴿ولا تقاتلوهم﴾ أي: لا تبدؤوهم ﴿عند المسجد الحرام﴾ أي: في الحرم ﴿حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم﴾ فيه ﴿فاقتلوهم﴾ فيه فإنهم هم الذين هتكوا حرمته، وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم بفتح التاء الفوقية من تقتلوهم والياء من يقتلوكم وسكون القاف ولا ألف بعد القاف وضم التاء فيهما، والباقون بفتح التاء والياء وفتح القاف وبعد القاف ألف وكسر التاء، وأمّا فإن قاتلوكم فحذف حمزة والكسائي الألف وأثبتها الباقون، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: حتى يقتلوا بعضكم، جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم كقول بعض العرب: قتلنا بني أسد أي: بعضهم، وقال بعضهم: وإن تقتلونا نقتلكم. ﴿كذلك﴾ أي: القتل والإخراج ﴿جزاء الكافرين﴾ أي: يفعل بهم مثل ما فعلوا ﴿فإن انتهوا﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿فإنّ الله غفور﴾ يغفر لهم ما قد سلف ﴿رحيم﴾ بهم فلا يؤاخذ بذلك. ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون﴾ أي: توجد ﴿فتنة﴾ أي: شرك ﴿ويكون الدين﴾ أي: العبادة ﴿﴾ وحده لا يعبدون سواه ﴿فإن انتهوا﴾ عن الشرك فلا تعتدوا عليهم. دل على هذا ﴿فلا عدوان﴾ أي: اعتداء بقتل أو غيره ﴿إلا على الظالمين﴾ أي: فلا تعتدوا على المنتهين؛ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم والفاء الأولى للتعظيم والثانية للجزاء وسمي جزاء، الظالمين عدواناً للمشاكلة كقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ . ﴿الشهر الحرام﴾ أي: المحرم مقابل ﴿بالشهر الحرام﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ لما خرج معتمراً في ذي القعدة سنة ست، وصدّه المشركون عن البيت بالحديبية، ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع واستعظم المسلمون قتالهم في الشهر الحرام

стр. 127

نزلت هذه الآية، أي: هذا الشهر بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. وقوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ احتجاج عليه أي: كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، أي: فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليه عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم، أي: كما قال تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ سمي الجزاء باسم الاعتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى، ٤٠) . ﴿واتقوا الله﴾ في الانتصار لأنفسكم منهم، ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم ﴿واعلموا أنّ الله مع المتقين﴾ بالعون والنصر فيحرسهم ويصلح شأنهم. ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ أي: طاعته سواء الجهاد وغيره ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ أي: بأنفسكم، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى: ﴿بما كسبت أيديكم﴾ (الشورى، ٣٠) أي: بما كسبتم والباء زائدة ﴿إلى التهلكة﴾ أي: الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها، حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدوّ. روي أنّ رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ فنصرناه، وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهلنا وأولادنا وأموالنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها رجعنا إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية، فتوفي هناك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به. وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله، تعالى قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليست لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك كما قال تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (يوسف، ٨٧) ﴿وأحسنوا﴾ أي: بالنفقة وغيرها ﴿إنّ الله يحب المحسنين﴾ أي: يثيبهم. ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما، إذ الأصل في الأمر الوجوب وما روي عن جابر أنه قال: «يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا» معارض بما روي أن رجلاً قال لعمر رضي الله تعالى عنه: إني وجدت أي: علمت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً، فقال: هديت لسنة نبيك، ولا يقال إنه فسر وجدانهما مكتوبين بقوله: أهللت بهما؛ لأنه رتب الإهلال بهما على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس وقيل: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، روي ذلك عن عليّ وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وقيل: إن تفرد لكل واحد منهما سفراً، وقيل: أن تكون النفقة حلالاً وقيل: أن تخلصهما للعبادة ولا تشوبهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية. ﴿فإن أحصرتم﴾ أي: منعتم عن إتمامهما يقال: حصره وأحصره العدوّ إذا منعه قال

стр. 128

تعالى ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (البقرة، ٢٧٣) وقال القائل: *وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا إن أحصرتك شغول* لكن الأشهر: أن يقال في العدوّ وحصره وفي المرض أحصره، والمراد هنا حصر العدوّ لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ ولنزول الآية في الحديبية ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا حصر إلا حصر العدوّ، أما ما روي عنه ﵊ من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل» فمحمول على من شرطه؛ لقوله ﵊: لضباعة بنت الزبير: «حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» ومحِلي بكسر الحاء: محل الحبس والحصر ويجوز أن يكون مصدر اسمياً. ﴿فما استيسر من الهدي﴾ أي: فإن أردتم التحلل فعليكم ما استيسر أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر من الهدي، وهو بدنة أو بقرة أو سبع من أحدهما أو شاة يذبحها، حيث أحصر في حل أو حرم عند الأكثر؛ لأنه ﵊ ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وقيل: لا بدّ أن يبعث بها إلى الحرم لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (البقرة، ١٩٦) أي: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي: مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، وحمل الأوّلون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً، لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجاً من خلاف أبي حنيفة واقتصاره تعالى على الهدي دليل عدم القضاء كما قاله الشافعيّ، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء، ولا بدّ من نيّة التحلل عند الذبح أو الحلق أو التقصير بعده مع نية التحلل، وبذلك يحصل التحلل والمحل بالكسر يطلق للمكان والزمان. ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ أي: مرضاً يحوجه إلى الحلق ﴿أو به أذى من رأسه﴾ كقمل وصداع فحلق في الإحرام ﴿ففدية﴾ أي: فعليه فدية إن حلق ولو بعض شعر رأسه، ثلاث شعرات فأكثر ولاء ﴿من صيام﴾ وهو ثلاثة أيام ﴿أو صدقة﴾ وهي ثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين، لكل واحد نصف صاع ﴿أو نسك﴾ وهو بدنة أو بقرة أو سبع واحد منهما أو شاة، وعن كعب بن عجرة أنّ رسول الله ﷺ قال له: «لعلك آذاك هوامّ رأسك قال: نعم يا رسول الله قال: احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» وكان كعب يقول: أنزلت فيّ هذه الآية، وللتخيير وألحق بالمعذور من حلق لغير عذر؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب والدهن واللبس لعذر أو غيره. ﴿فإذا أمنتم﴾ من العدوّ بأن ذهب أو كنتم في حال سعة وأمن ﴿فمن تمتع بالعمرة﴾ أي: بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام ﴿إلى الحج﴾ أي: الإحرام به، بأن يكون أحرم بها في أشهره ﴿فما استيسر﴾ أي: فعليه ما تيسر ﴿من الهدي﴾ وهو ما تقدّم بذبحه بعد الإحرام بالحج ويجوز تقديمه على الإحرام به بعد الفراغ من العمرة ﴿فمن لم يجد﴾ أي: الهدي لفقده أو فقد ثمنه ﴿فصيام﴾ أي: فعليه صيام ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾ أي: في حال إحرامه به، ولا يجوز له أن يقدّمه على الإحرام؛ لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقته ولا تأخيره عنه، والأفضل أن يحرم قبل السادس لكراهة صوم عرفة، ولا يجب عليه أن يحرم قبل زمن يسع الصوم بل يستحب له لكن إذا أحرم وجب عليه الصوم، ولا يجوز أن يصوم يوم النحر ولا أيام التشريق على أصح قولي الشافعيّ وهو ما عليه

стр. 129

الأكثر. ﴿وسبعة﴾ من الأيام ﴿إذا رجعتم﴾ إلى وطنكم مكة أو غيرها، وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه النفقات عن الغيبة، وفائدة قوله تعالى: ﴿تلك عشرة﴾ أن لا يتوهم أنّ الواو بمعنى أو كقولك جالس الحسن وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، فإن أكثر العرب لم يحسنوا الحساب. وفي أمثال العرب: علمان خير من علم، وأنّ المراد بالسبعة العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما، وقوله تعالى: ﴿كاملة﴾ صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدد بأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها كما تقول للرجل ـ إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلة ـ الله الله لا تقصر. أو مبينة كمال العشرة فإنه أوّل عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها وقيل: كاملة في وقوعها بدلاً من الهدي، بحيث لا يقصر ثواب الصوم عن ثواب الهدي. ﴿ذلك﴾ أي: الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ وهم من مساكنهم دون مرحلتين من الحرم لقربهم منه والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره قال تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ (الأعراف، ١٦٣) أي: قريبة منه، وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك، وهو أصح قولي الشافعيّ والثاني لا، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن: وهو من يحرم بالعمرة والحج معاً أو يدخل الحج عليها قبل الطواف. ﴿واتقوا﴾ بالمحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصاً في الحج ﴿واعلموا أنّ الله شديد العقاب﴾ لمن خالفه ليكون عملكم بشديد عقابه لطفاً لكم في التقوى. ﴿الحج أشهر﴾ أي: وقته كقولك البرد شهران ﴿معلومات﴾ وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عندنا، والعشر كله عند أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك، وعلى الأوّلين إنما سمي شهرين وبعض شهر أشهراً إقامة للبعض مقام الكلّ، وإطلاقاً للجمع على ما فوق الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ (التحريم، ٤) لحفصة وعائشة. ﴿فمن فرض﴾ على نفسه ﴿فيهنّ الحج﴾ بالإحرام به عندنا أو بالتلبية أو بسوق الهدي عند أبي حنيفة، وفيه دليل على أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعيّ، وقال: ينعقد إحرامه عمرة؛ لأنّ الله تعالى خص هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه تعالى علق الصلاة بالمواقيت، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لم ينعقد إحرامه عن الفرض، وإنما انعقد عمرة لأنّ الإحرام شديد التعلق، وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة، أما العمرة فجميع السنة وقت لها إلا أن يكون عليه بقية من أعمال الحج كالرمي. ﴿فلا رفث﴾ أي: جماع فيه كما قال ابن عباس وجماعة من الصحابة، وقيل: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، وقيل: هو الفحش والقول القبيح. ﴿ولا فسوق﴾ أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب ﴿ولا جدال﴾ أي: خصام مع الخدم

стр. 130

والرفقة وغيرهما ﴿في الحج﴾ أي: في أيامه، فنفى الثلاث على قصد النهي للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون وما كان منها مستقبحاً في نفسه، ففي الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب بقراءة القرآن، وهو مدّ الصوت وتحسينه بحيث يخرج الحروف عن هيأتها، فإنه يقبح في كل كلام لكنه في قراءة القرآن أقبح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الثاء من رفث والقاف من فسوق، والتنوين فيهما على معنى لا يكون رفث ولا فسوق والباقون بنصبهما ولا خلاف في ﴿ولا جدال﴾ فالجميع بالنصب ولا تنوين على معنى الإخبار، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، واستدل على أنّ المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه» فإنه لم يذكر الجدال ﴿وما تفعلوا من خير﴾ كصدقة ﴿يعلمه الله﴾ فيه حث على الخير حيث عقب به النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق: البر والتقوى، ومكان الجدال: الوفاق والأخلاق الجميلة ﴿وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى﴾ أي: وتزوّدوا امعادكم التقوى فإنها خير زاد، روى البخاري وغيره أنّ أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت الله تعالى أفلا يطعمنا فيكونون كلاً على الناس فيسألونهم، وربما يفضي الحال بهم إلى النهب والغصب، فقال الله جل ذكره: ﴿وتزوّدوا﴾ أي: ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل التفسير: الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها، ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ أي: ما يتقي به سؤال الناس وغيره. ﴿واتقون يا أولي الألباب﴾ أي: يا ذوي العقول فإن قضية اللب خشية الله تعالى وتقواه وحثهم على التقوى، ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل العريّ عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب. ﴿س٢ش١٩٨/ش٢٠٠ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا? فَضْ? مِّن رَّبِّكُمْ? فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا? اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ? لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا? مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا? اللَّهَ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا? اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا? فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ? فِى ا?خِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿ليس عليكم جناح﴾ في ﴿أن تبتغوا﴾ أي: تطلبوا ﴿فضلاً﴾ أي: رزقاً ﴿من ربكم﴾ بالتجارة، في الحج نزلت ردعاً لناس من العرب كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفّوا عن البيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة: الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج. وروى البخاري: أنه كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية، يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج. وعكاظ سوق لقيس ومجنة وهي بفتح الميم أشهر من كسرها وبفتح الجيم وتشديد النون سوق لكنانة بمرّ الظهران وذو المجاز وهو بفتح الميم وبالزاي سوق لهذيل. ﴿فإذا أفضتم﴾ دفعتم ﴿من عرفات﴾ وأصله أفضتم أنفسكم، فحذف المفعول كما حذفوه من دفعوا من موضع كذا، أي: دفعوا أنفسهم، واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة، فقال عطاء: كان جبريل ﵇ يري إبراهيم

стр. 131

عليه الصلاة والسلام المناسك ويقول: عرفت فيقول: عرفت فسمي المكان لذلك عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك: كان آدم ﵊ لما أهبط وقع في الهند وحوّاء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة فتعارفا فسمي المكان واليوم بما ذكر. وقال السدي: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوا بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله تعالى أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فلما بلغ الجمرة الأولى استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبّر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبّر، فطار ووقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي المكان واليوم بما ذكر. فإن قيل: هلا منعت الصرف وفيها السببان: العلمية والتأنيث أجيب: بأن التأنيث لا يخلو: إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما في سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها، وفي الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجباً، وعن النبيّ ﷺ «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» .k ﴿فاذكروا الله﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات وقيل: بصلاة المغرب والعشاء ﴿عند المشعر الحرام﴾ وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح، وفي الحديث «أنه ﷺ وقف به يذكر الله تعالى ويدعو حتى أسفر جدّاً» رواه مسلم. وقال جابر «دفع رسول الله ﷺ حتى أتى بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفاً حتى أصبح جداً» . وقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ويسمى مشعراً من الشعار وهي: العلامة؛ لأنه من معالم الحج، ووصف بالحرام لحرمته وتسمى المزدلفة جمعاً؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون، وقيل: سميت جمعاً لأنّ آدم اجتمع فيها مع حوّاء عليهما الصلاة والسلام وازدلف إليها أي: دنا منها وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي: يتقرّبون بالوقوف فيها. ﴿واذكروه كما هداكم﴾ لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل. ﴿وإن كنتم من قبله﴾ أي: الهدى ﴿لمن الضالين﴾ أي: الجاهلين بالإيمان والطاعة، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وقيل: إن هي النافية واللام بمعنى إلا كقوله تعالى: ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾ (الشعراء، ١٨٦) أي: ما نظنك إلا من

стр. 132

الكاذبين. ﴿ثم أفيضوا﴾ يا قريش ﴿من حيث أفاض الناس﴾ وذلك أنهم وحلفاءهم ومن دان بدينهم وهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعاً عليهم، ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه، ولا نخرج منه، فأمروا أن يساووهم، وثم للترتيب في الذكر، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الجمع فلارفت ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وقيل: لتفاوت ما بين الإفاضتين أي: لتراخي الثانية عن الأولى رتبة إذ الأولى هي الصواب والثانية خطأ كما في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإنك تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم وإلى غيره وبعد ما بينهما وقيل: ثم بمعنى الواو كما في قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ (البلد، ١٧) ﴿واستغفروا الله﴾ من ذنوبكم في تغيير المناسك وغيره ﴿إنّ الله غفور رحيم﴾ يغفر ذنوب المستغفر وينعم عليه. ﴿فإذا قضيتم﴾ أي: أديتم ﴿مناسككم﴾ أي: عبادات حجكم كأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى، وأدغم أبو عمرو الكاف في الكاف بخلاف عنه، ولم يدغم مثلين من كلمة في القرآن إلا هنا وفي سورة المدثر وهو قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر﴾ (المدثر، ٤٢) . ﴿فاذكروا الله﴾ بالتكبير والتحميد والثناء عليه ﴿كذكركم آباءكم﴾ وذلك أنّ العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أنّ الصبيّ أولّ ما يتكلم يلهج بذكر أبيه ولا يذكر غيره، فقال الله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾ لا غير كذكر الصبيّ أباه. ﴿أو أشد ذكراً﴾ من ذكركم إياهم ونصب أشدّ على الحال المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا﴾ نصيبنا ﴿في الدنيا﴾ وهم المشركون كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا، يقولون: اللهمّ أعطنا غنماً وإبلاً وبقراً وعبيداً وكان الرجل يقوم فيقول: اللهمّ إنّ أبي كان عظيم الفئة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ أي: نصيب لأنّ همَّه مقصور على الدنيا. ﴿س٢ش٢٠١/ش٢٠٤ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ا?خِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُو?لَا?ئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا?? وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا? اللَّهَ فِى? أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ? فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَ? إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَ? إِثْمَ عَلَيْهِ? لِمَنِ اتَّقَى? وَاتَّقُوا? اللَّهَ وَاعْلَمُو?ا? أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ? فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ? وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ﴿ومنهم﴾ أي: الناس ﴿من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ بعدم دخولها، وهم المؤمنون، واختلفوا في معنى الحسنتين فقال عليّ رضي الله تعالى عنه: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، والحسنة في الآخرة: الجنة، يدل له قوله ﷺ «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» . وروي عنه أيضاً أنه قال: «الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء» . وقال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، والحسنة في الآخرة الجنة. وقال السدي: الحسنة في الدنيا الرزق الحلال، والحسنة في الآخرة المغفرة والثواب، وأدغم أبو عمرو اللام في الراء بخلاف عنه. ﴿أولئك﴾ الداعون بالحسنتين ﴿لهم نصيب﴾ أي: ثواب ﴿مما كسبوا﴾ أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، أو من أجل ما كسبوا كقوله تعالى: ﴿مما خطاياهم أغرقوا﴾ (نوح، ٢٥) ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا ﴿وا سريع الحساب﴾

стр. 133

أي: إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية فكر، قال الحسن: أسرع من لمح البصر، وفي الحديث: «يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا» . ﴿واذكروا الله﴾ أي: كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها، ﴿في أيام معدودات﴾ أي: أيام التشريق الثلاثة وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى: ﴿دراهم معدودة﴾ (يوسف، ٢٠) ، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر، والتكبير في الأيام المعدودات عقب كل صلاة ولو فائتة ونافلة مشروع في حق الحاج وغيره، لكن غير الحاج يكبر من صبح يوم عرفة إلى عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع، رواه الحاكم وصحح إسناده. وأما الحاج فيكبر من ظهر يوم النحر لأنها أوّل صلاته بمنى، ولا يسن التكبير عقب صلاة عيد الفطر لعدم وروده. ﴿فمن تعجل﴾ أي: استعجل بالنفر من منى ﴿في يومين﴾ أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره بعد الزوال عند الشافعيّ وأصحابه قال في «الكشاف» وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر ﴿فلا إثم عليه﴾ بالتعجيل ﴿ومن تأخر﴾ حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد زواله عندنا، أو قال في «الكشاف» : يجوز تقديم الرمي على الزوال عند أبي حنيفة ﴿فلا إثم عليه﴾ بذلك أي: هم مخيرون في ذلك. فإن قيل: أليس التأخير أفضل؟ أجيب: بأنّ التخيير يقع بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل عند عدم المشقة، وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً، فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعاً، وذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر ﴿لمن اتقى﴾ الله تعالى في حجه، لأنه الحاجّ على الحقيقة عند الله تعالى، وقال النبيّ ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . ﴿واتقوا الله﴾ في مجامع أموركم ليعبأ بكم ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ أي: يعظم في نفسك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس، وهو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبيّ وسمي الأخنس، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن القتال مع رسول الله ﷺ وكان منافقاً حلو المنظر، حلو الكلام للنبي ﷺ يحلف أنه مؤمن به ومحب له، ويقول: يعلم الله أني صادق، وكان رسول ﷺ يدني مجلسه. وقوله تعالى: ﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلق بالقول، أي: يعجبك ما يقول في أمور الدنيا وأسباب المعاش أو في معنى الدنيا، لأن ادعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما يراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول ﷺ فكلامه إذاً في الدنيا لا في الآخرة أو يعجبك قوله في الحياة الدنيا حلاوة وفصاحة، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الدهشة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه. ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ أنه موافق لكلامه ﴿وهو ألدّ الخصام﴾ أي: شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وقال الحسن: ألدّ الخصام أي: كاذب بالقول، وقال قتادة: شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل، يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. وفي الحديث: «أن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم» . ﴿س٢ش٢٠٥/ش٢١٠ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى ا?رْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِا?ثْمِ? فَحَسْبُهُ? جَهَنَّمُ? وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ? وَاللَّهُ رَءُوفُ? بِالْعِبَادِ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? ادْخُلُوا? فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَتَتَّبِعُوا? خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ? إِنَّهُ? لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُم مِّن? بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُو?ا? أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * هَلْ يَنظُرُونَ إِ? أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَا??ـ?ِكَةُ وَقُضِىَ ا?مْرُ? وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ ا?مُورُ﴾ ﴿وإذا تولى﴾

стр. 134

أي: انصرف عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق ﴿سعى﴾ أي: مشى ﴿في الأرض ليفسد فيها﴾ قال ابن جرير بقطع الرحم وسفك دماء المسلمين ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ وذلك أنّ الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم، وقيل: وإذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، وحكى الزجاج عن قوم: أنّ الحرث النساء والنسل الأولاد قال: وهذا ليس بمنكر لأنّ المرأة تسمى حرثاً أي: ويدل له قوله تعالى: ﴿فائتوا حرثكم أنى شئتم﴾ (البقرة، ٢٢٣) ﴿وا لا يحب الفساد﴾ أي: لا يرضى به؛ لأنّ المحبة وهي ميل القلب محالة في حقه تعالى: فهي مستعملة في حقه تعالى في معنى الرضا. ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾ في فعلك ﴿أخذته العزة﴾ أي: حملته الأنفة والحمية على العمل ﴿بالإثم﴾ الذي يؤمر باتقائه ﴿فحسبه﴾ أي: كافيه ﴿جهنم﴾ جزاء وعذاباً، وهي علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار، وسميت بذلك لبعد قعرها، وأصلها من الجهم وهو الكراهة والغلظ فالنون زائدة، وقيل: معرّب نقل من العجمية إلى العربية وتصرف فيه، وأصله كهنام أبدلت الكاف جيماً وأسقطت الألف وقوله تعالى: ﴿ولبئس المهاد﴾ جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف للعلم به تقديره: جهنم، والمهاد الفراش. ﴿ومن الناس من يشري﴾ أي: يبيع ﴿نفسه﴾ أي: يبذلها في الجهاد أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ أي: طلباً لرضاه، وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوهم، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا وكان شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله، ثم خرج إلى المدينة، فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في رجال فقال له أبو بكر: «ربح بيعك أبا يحيى» فقال: وما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك قرآناً وقرأ عليه هذه الآية، فعلى هذا يكون يشري بمعنى يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل. وقيل: نزلت في الزبير والمقداد بن الأسود وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبيّ ﷺ وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكراً منهم فبعث إليهم رسول الله ﷺ قال أبو هريرة: عشرة ومن جملتهم خبيب فقتلوهم وأسروا خبيباً قال آسره: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، والله وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثوق بالحديد وما بمكة من ثمرة إن كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً، ثم أرادوا قتله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن يصلبوه فقال: دعوني أصلي ركعتين فتركوه حتى صلاهما ثم قال: لولا أخشى أن تحسبوا أنّ ما بي من جزع لزدت اللهمّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً ثم أنشأ يقول: *ولست أبالي حين أُقْتَل مسلماً ... على أيّ شق كان في الله مصرعي* *وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع* ثم صلبوه حياً فقال: اللهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، ثم قام عقبة بن الحارث فقتله فلما بلغ النبيّ ﷺ هذا الخبر قال: «أيكم ينزل خبيباً عن خشبته

стр. 135

وله الجنة؟» . فقال الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد، فخرجا يسيران بالليل ويكمنان بالنهار حتى وصلا إليه ليلاً، وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام فأنزله الزبير وحمله على فرسه وسارا فانتبه الكفار فلم يجدوه فأخبروا قريشاً فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير خبيباً فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض، ثم رفع الزبير العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الأسود، فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة وقدما على رسول الله ﷺ وجبريل عنده، فقال: يا محمد إن الملائكة لتتباهى بهذين من أصحابك فنزلت فيهما هذه الآية ﴿وا رؤوف بالعباد﴾ حيث أرشدهم لما فيه رضاه. ونزل في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه: ﴿يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم﴾ أي: الإسلام وقوله تعالى: ﴿كافة﴾ حال من السلم لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، كما قال القائل: *أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع* *في السلم تأخذ منا ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جزع* أي ادخلوا في جميع شرائعه، وذلك أنهم يعظمون السبت، ويكرهون لحوم الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأمروا أن يدخلوا في جميع شرائعه. ﴿ولا تتبعوا خطوات﴾ أي: طرق (الشيطان) ، أي تزيينه من تحريم السبت ولحوم الإبل وألبانها. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي: السَّلْم بفتح السين، والباقون بكسرها، وتقدم الكلام في خطوات لابن عامر، وقنبل وحفص والكسائي بضم الطاء ﴿إنه لكم عدوّ مبين﴾ ظاهر العداوة. ﴿فإن زللتم﴾ أي: مِلْتم عن الدخول في جميعه ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾ أي: الحجج الظاهرة أنه حق ﴿فاعلموا أن الله عزيز﴾ لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم ﴿حكيم﴾ في صنعه. تنبيه: قول البيضاوي: حكيم لا ينتقم إلا بحق تبع فيه الزمخشري، وهو مذهب المعتزلة فإنهم يقولون: لا ينتقم إلا بقدر ما يستحقه العاصي، ومذهب أهل السنة أنه ينتقم ويعاقب من شاء بما شاء وإن كان مطيعاً؛ إذ هو متصرّف في ملكه يفعل ما يشاء بمن شاء وإن لم يقع منه الانتقام إلا ممن أساء. وروي أنّ قارئاً قرأ غفور رحيم بدل عزيز حكيم فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه. قوله تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ استفهام في معنى النفي أي: ما ينظرون ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي: أمره أو بأسه كقوله تعالى: ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ (النحل، ٣٣) أي: عذابه وقوله تعالى: ﴿جاءهم بأسنا﴾ (الأنعام، ٤٣) أو ﴿يأتيهم الله ببأسه﴾ (،) فحذف المأتيّ به للدلالة عليه بقوله تعالى: ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ . ﴿في ظلل﴾ جمع ظلة وهي ما أظلك ﴿من الغمام﴾ أي: من السحاب الأبيض سمي غماماً لأنه يغم أي: يستر، وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة وهي نزول المطر فإذا جاء منه العذاب كان أفظع؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. ﴿و﴾ تأتيهم ﴿الملائكة﴾ فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ببأسه. قال البغويّ: والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله تعالى منزه عن

стр. 136

سمات الحوادث وعلى ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة انتهى. وأما أئمة الخلف فإنهم يؤوّلون هذه الآية بنحو ما أوّلنا به وأمثالها، بحسب المقام وهو أحكم، ومذهب السلف أسلم، وكان مكحول ومالك والليث وأحمد يقولون في هذا وأمثاله: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. ﴿وقضي الأمر﴾ أي: أمر هلاكهم وفرغ منهم ووضع الماضي موضع المستقبل لدنوّه وتيقن وقوعه ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ في الآخرة فيجازيهم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضمّ التاء وفتح الجيم وقوله تعالى: ﴿س٢ش٢١١/ش٢١٤ سَلْ بَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ كَمْءَاتَيْنَاهُم مِّنْءَايَة? بَيِّنَةٍ? وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن? بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا? الْحياةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا? وَالَّذِينَ اتَّقَوْا? فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّ?نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا? فِيهِ? وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِ s الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن? بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَ?ابَيْنَهُمْ? فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا? لِمَا اخْتَلَفُوا? فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ?? وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا? الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا? مِن قَبْلِكُم? مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا? حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُوا? مَعَهُ? مَتَى نَصْرُ اللَّهِ? أَ? إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ﴿سل﴾ أمر للرسول أو لكل أحد ﴿بني إسرائيل﴾ توبيخاً ﴿كم آتيناهم﴾ كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتيناهم ومميزها ﴿من آية﴾ أي: معجزة ﴿بينة﴾ أي: ظاهرة في الدلالة على صدق من جاء بها كقلب العصا حية، وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وإنزل المنّ والسلوى فبدّلوها كفراً. ﴿ومن يبدّل نعمة الله﴾ أي: ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية التي هي أجل النعم كفراً ﴿من بعدما جاءته﴾ أي: وصلته وتمكن من معرفتها ﴿فإنّ الله شديد العقاب﴾ فيعاقبه أشدّ عقوبة لأنه ارتكب أشدّ جريمة وهي التبديل. ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ أي: حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى، إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وكل من الشيطان والقوّة الحيوانية، وما خلق الله فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهية مزين بالعرض، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه وكانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ أي: يستهزئون بالفقراء من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وخباباً وأمثالهم، وقال قتادة: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه كانوا يتنعمون في الدنيا، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال. ﴿والذين اتقوا﴾ أي: الشرك وهم هؤلاء الفقراء ﴿فوقهم يوم القيامة﴾ لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين، أو حالهم غالبة لحالهم؛ لأنهم في كرامة وهم في هوان أو هم غالبون عليهم متطاولون يضحكون منهم، كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا، ويرون الفضل لهم عليهم، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. روي عن أسامة بن زيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ «وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين، ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء، وإذا أهل الجدّ محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار» . وروي عن سهل سعد الساعدي أنه قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» قال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم مرّ رجل آخر فقال له رسول الله ﷺ «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول

стр. 137

الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري ـ أي حقيق ـ إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله ﷺ «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» . ﴿وا يرزق من يشاء﴾ في الدارين ﴿بغير حساب﴾ أي: رزقاً واسعاً بغير تقدير في الدنيا للكافر استدراجاً، كما وسع على قارون، وللمؤمن ابتلاء كما وسع على عبد الرحمن بن عوف، وفي الآخرة للمؤمن خاصة تفضلاً. ﴿كان الناس أمّة واحدة﴾ أي: متفقين على الحق. روي عن أبي العالية عن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره، وأقرّوا بالعبودية أمّة واحدة مسلمين، ولم يكونوا أمّة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم، وقال الكلبي: هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح، وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح، وقال مجاهد: أراد آدم وحده كان أمّة واحدة سمي الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حوّاء ونشر منهما الناس فكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل وهابيل فاختلفوا. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الناس على عهد إبراهيم ﵊ أمّة واحدة كافرين كلهم، فبعث الله، إبراهيم وغيره من النبيين ﵈ كما قال تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾ أي: اختلفوا فبعث الله وإنما حذف لدلالة فيما اختلفوا فيه عليه، وجملة الأنبياء، كما رواه الإمام أحمد مرفوعاً في حديث ورد عن كعب «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر» والمذكور منهم في القرآن باسمه العلم الموضوع له ثمانية وعشرون نبياً، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وموسى، وهرون، وشعيب، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وذو الكفل، وأيوب، ويونس، ومحمد، عليهم أجمعين، وذو القرنين وعزير ولقمان على القول بنبوّة الثلاثة. ﴿مبشرين﴾ من آمن وأطاع بالجنة ﴿ومنذرين﴾ من كفر وعصى بالنار ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾ المراد به الجنس فهو بمعنى الكتب لكنه تعالى لم ينزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإنّ أكثرهم لم يكن له كتاب يخصه، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ حال من الكتاب أي: متلبساً بالحق شاهداً به ﴿ليحكم بين الناس﴾ أي: الله، أو الكتاب، أو النبيّ المبعوث، ورجح الثاني التفتازاني، وقال: لا بدّ في عوده إلى الله من تكلف في المعنى أي: ليظهر حكمه، وإلى النبيّ من تكلف في اللفظ حيث لم يقل: ليحكموا، ورجح أبو حيان الأوّل، وهو الظاهر قال: والمعنى أنه أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس ونسبة الحكم إلى الكتاب مجاز كما أن إسناد النطق إليه في قوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ (الجاثية، ٢٩) كذلك ﴿فيما اختلفوا فيه﴾ من الدين ﴿وما اختلف فيه﴾ أي: الدين ﴿إلا الذين أوتوه﴾ أي: الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي: عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيلاً للاختلاف سبباً لاستحكام الخلاف، فآمن بعض وكفر بعض. ﴿من بعدما جاءتهم البينات﴾ أي: الحجج الظاهرة على التوحيد،

стр. 138

ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدّم على الاستثناء في المعنى ﴿بغياً﴾ من الكافرين ﴿بينهم﴾ حسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه﴾ وقوله تعالى: ﴿من الحق﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي: فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف ﴿بإذنه﴾ أي: بإرادته قال ابن دريد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، ومنهم من يصلي إلى المقدس، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود: كان يهودياً وقالت النصارى: كان نصرانياً فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعله النصارى إلهاً فهدانا الله للحق فيه. ﴿والله يهدي من يشاء﴾ هدايته ﴿إلى صراط مستقيم﴾ هو طريق الحق لا يضل سالكه. ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل﴾ أي: شبه ﴿الذين خلوا من قبلكم﴾ من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قتادة: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدّة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى، كما قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ (الأحزاب، ١٠) وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة اشتدّ عليهم الأمر؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ وأسرّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطميناً لقلوبهم. وقيل: نزلت في حرب أحد، واختُلف في معنى أم فقال الفرّاء: الميم صلة أي: أحسبتم، وقال الزجاج: هي بمعنى بل أي: بل حسبتم، ولما بمعنى لم أي: ولم يأتكم. وقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء﴾ أي: شدّة الفقر ﴿والضرّاء﴾ أي: المرض والجزع، جملة مستأنفة مبينة لما قبلها ﴿وزلزلوا﴾ أي: أزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه﴾ لتناهي الشدّة واستطالة المدّة، بحيث تقطعت حبال الصبر ﴿متى﴾ يأتي ﴿نصر الله﴾ الذي وعدناه استطالة لتأخره، فأجيبوا من قبل الله ﴿ألا إنّ نصر الله قريب﴾ إتيانه وفي هذا إشارة إلى أنّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، كما قال ﵊ كما رواه الشيخان وغيرهما: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» . وفي رواية لهم: حجبت أي: جعلت المكاره حجاباً دون الجنة فمن خرقه دخلها. والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها وقرأ نافع يقول: بالرفع على أنها حكاية حال ماضية، وفائدته تصوّر تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب. ﴿يسئلونك﴾ يا محمد ﴿ماذا﴾ أي: الذي ﴿ينفقون﴾ ، والسائل كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخاً فانياً ذا مال عظيم، فقال: يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزل: ﴿قل﴾ لهم ﴿ما أنفقتم من خير﴾ أي: مال قليلاً كان أو كثيراً، ﴿فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ أي: هم أولى به سأل عن المنفق فأجيب: ببيان المصرف؛ لأنه أهمّ فإنّ اعتداد النفقة باعتباره، ولأنه كان في سؤال

стр. 139

عمرو وإن لم يكن مذكوراً في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير ﴿وما تفعلوا من خير﴾ إنفاق وغيره ﴿فإن الله به عليم﴾ فيجازيكم به. تنبيه: ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعاً أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ. ﴿كتب﴾ أي: فرض ﴿عليكم القتال﴾ للكفار ﴿وهو كره﴾ أي: مكروه ﴿لكم﴾ طبعاً للمشقة ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ وهو جميع ما كلفتم به فإنه الموجب لسعادتكم، فلعل لكم في القتال ـ وإن كرهتموه ـ خيراً؛ لأنّ فيه إمّا الظفر والغنيمة وإمّا الشهادة والأجر ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرّ لكم﴾ وهو جميع ما نهيتم عنه، فإنّ النفس تحبه وتهواه، وهو يهوي بها إلى الردى، ففي ترك القتال ـ وإن أحببتموه ـ شرّ؛ لأنّ فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وإنما ذكر عسى؛ لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها ﴿وا يعلم﴾ ما هو خير لكم ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به. ﴿يسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن الشهر الحرام﴾ المحرّم، روي أنه ﵊ بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة؛ ليترصد عيراً لقريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي، وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها تجارة من تجارة الطائف، وكان ذلك غرّة رجب، وهم يظنونه جمادى الآخرة فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام الذي يأمن فيه الخائف، ويتفرّق فيه الناس إلى معايشهم، فسفك فيه الدماء، وأخذ الأسارى، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا وردّ رسول الله ﷺ العير والأسارى. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لما نزلت أخذ رسول الله ﷺ الغنيمة وهي أوّل غنيمة في الإسلام» والسائلون هم المشركون، كتبوا إليه تشنيعاً وتعييراً، وقيل: أصحاب السرية قالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة، ٥) . وقوله تعالى: ﴿قتال فيه﴾ بدل اشتمال من الشهر ﴿قل﴾ لهم ﴿قتال فيه كبير﴾ أي: عظيم وزر، أو قد تمّ الكلام ههنا، ثم ابتدأ فقال: ﴿وصدّ﴾ فهو مبتدأ أي: منع الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه ﴿وكفر به﴾ أي: الله ﴿و﴾ صدّ عن ﴿المسجد الحرام﴾ أي: مكة ﴿وإخراج أهله منه﴾ وهم النبيّ ﷺ والمؤمنون، وخبر المبتدأ وما عطف عليه ﴿أكبر﴾ أي: أعظم وزراً ﴿عند الله﴾ مما فعلته السرية من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام خطأ، وبناء على الظنّ. ومما تقرّر علم أنّ ﴿والمسجد الحرام﴾ معطوف على سبيل الله وقول البيضاوي: ولا يحسن عطفه على سبيل الله لأنّ عطف قوله تعالى: ﴿وكفر به﴾ على ﴿وصدّ﴾ مانع منه مجاب عنه بأنّ الكفر بالله والصدّ عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا فصل بالأجنبيّ بين سبيل الله وما عطف عليه، ويصح أيضاً أن يكون معطوفاً على الهاء من به، إذ يجوز العطف بدون إعادة الجار كما جرى

стр. 140

عليه ابن مالك، وإن كان مذهب البصريين خلافه، وجرى عليه البيضاوي. ﴿والفتنة﴾ أي: الشرك منكم ﴿أكبر من القتل﴾ لكم فيه، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله ﷺ والمؤمنين من مكة، ومنعهم المسلمين عن البيت. ﴿ولا يزالون﴾ أي: الكفار ﴿يقاتلونكم﴾ أيها المؤمنون ﴿حتى يردّوكم عن دينكم﴾ إلى الكفر، في ذلك إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى للتعليل لا للغاية كما قيل؛ لأنه أفيد من حيث أنّ فيه ذكر الحامل على المقاتلة بخلاف الغاية أي: يقاتلونكم كي يردّوكم وقوله تعالى: ﴿إن استطاعوا﴾ فيه استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي: الصالحة ﴿في الدنيا والآخرة﴾ فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها، والتقييد بالموت يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله كما هو مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، خلافاً لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، حيث قال: إنّ الردّة تحبط الأعمال مطلقاً لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ (المائدة، ٥) وأجيب: بأنه محمول على المقيد عملاً بالدليل، فلا يجب عليه أن يعيد الحج الذي أتى به قبل الردّة كذا غيره، لكن يبطل ثوابه كما نص عليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وإن خالف فيه بعض المتأخرين ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ كسائر الكفرة. ولما ظنّ السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر أنزل الله تعالى. أي: فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم ﴿وجاهدوا﴾ المشركين ﴿في سبيل الله﴾ لإعلاء دينه، وكرّر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ أي: ثوابه أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأنّ العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة بالخواتيم ﴿وا غفور﴾ للمؤمنين لما فعلوه خطأ وقلة احتياط ﴿رحيم﴾ بهم بأن يجزل لهم الأجر والثواب. ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ . روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ (النحل، ٦٧) كان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذٍ، ثم إنّ عمر ومعاذاً في نفر من الصحابة قالوا: «أفتنا في الخمر يا رسول الله فإنها مذهبة للعقل» فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم إنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً، فدعا ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، فحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون، هكذا إلى آخر السورة بحذف لا فأنزل الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ (النساء، ٤٠٣) فحرم السكر في أوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير وقتها، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ثم إنّ عتبان بن مالك صنع طعاماً ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله

стр. 141

تعالى عنه، وقد كان شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى اشتدّت فيهم، ثم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار، وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا له الأنصاري فقال عمر: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة، ٩١) فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا يا رب، قال القفال الحكمة في وقوع: التحريم على هذا الترتيب أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق، وسمي عصير العنب والتمر إذا اشتدّ وغلا خمراً؛ لأنه يخمر العقل، كما سمي سكراً؛ لأنه يسكره أي: يحجزه وهو حرام مطلقاً. وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتدّ حل شربه ما دون السكر. وسمي القمار ميسراً؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر والمعنى يسئلونك عن تعاطيهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿فيهما﴾ أي: في تعاطيهما ﴿إثم كبير﴾ أي: عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة والباقون بالباء الموحدة. ﴿ومنافع للناس﴾ باللذات والفرح، ومصادقة الفتيان، وتشجيع الجبان، وتوفر المروءة، وتقوية الطبيعة في الخمر، وإصابة المال بلا كدّ في الميسر ﴿وإثمهما﴾ أي: ما ينشأ عنهما من المفاسد ﴿أكبر﴾ أي: أعظم ﴿من نفعهما﴾ المتوقع منهما ولذا قيل: إن هذا هو المحرّم للخمر، فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والظاهر أن المحرم لها آية المائدة كما مرّ. ﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿ماذا ينفقون﴾ وذلك «أن رسول الله ﷺ حثهم على الصدقة فقالوا: ماذا ننفق؟ فقال الله تعالى ﴿قل﴾ لهم ﴿العفو﴾ » ، قرأ أبو عمرو برفع الواو بتقدير هو والباقون بنصبها بتقدير أنفقوا، واختلفا في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل: أن ينفق مالاً يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، كما قال الشاعر: *خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب وسَوْرة الغضب: شدّته وحِدَّته، وقال قتادة وعطاء والسدّيّ: هو ما فضل عن الحاجة، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ويتصدّقون بالفضل بحكم هذه الآية، وقال مجاهد معناه التصدّق عن ظهر غنى. روي: «أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض الغنائم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عنه ﷺ حتى كرّر مراراً، فقال: هاتها مغضباً فأخذها، فحذفه بها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» قال ابن الأثير: والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قويّ من المال. وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ (الفرقان، ٦٧) ﴿كذلك﴾ كما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله لكم الآيات﴾ قال الزجاج: إنما قال كذلك على

стр. 142

الواحد وهو يخاطب جماعة؛ لأنّ الجماعة معناها القبيل كأنه قيل: كذلك أيها القبيل وقيل: هو خطاب للنبيّ ﷺ لأنّ خطابه يشتمل على خطاب الأمّة كقوله تعالى: ﴿يأيها النبيّ إذا طلقتم النساء﴾ (الفرقان، ٦٧) ﴿لعلكم تتفكرون﴾ . ﴿في﴾ زوال ﴿الدنيا﴾ وفنائها فتزهدوا فيها ﴿و﴾ في إقبال ﴿الآخرة﴾ وبقائها فترغبوا فيها ﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن اليتامى﴾ وقد مرّ أنهم جمع يتيم، وأن اليتيم طفل لا أب له، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ (الأنعام، ١٥٢) وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ (النساء، ١٠) الآية تحرّج المسلمون من أموال اليتامى تحرّجاً شديداً، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا مالهم من مالهم وصنعوا لهم طعاماً وحدهم فحرج، فاشتدّ ذلك عليهم فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿قل إصلاح لهم﴾ أي: اليتامى في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم معهم ﴿خير﴾ من مجانبتكم. ﴿وإن تخالطوهم﴾ أي: تخلطوا نفقتهم بنفقتكم ﴿فإخوانكم﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي: فلكم ذلك. وقيل: المراد بالمخالطة المصاهرة، ﴿وا يعلم المفسد﴾ لأموالهم بمخالطته ﴿من المصلح﴾ بها فيجازي كلاً منهما، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح. ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ أي: لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم مخالطتهم، وأصل العنت الشدّة والمشقة، ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم ﴿إنّ الله عزيز﴾ غالب على أمره، يقدر على الإعنات وغيره ﴿حكيم﴾ يحكم بما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة. ﴿س٢ش٢٢١/ش٢٢٤ وَتَنكِحُوا? الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ? وَ?مَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ? وَتُنكِحُوا? الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا?? وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ? أُو?لَا?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ? وَاللَّهُ يَدْعُو?ا? إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ?? وَيُبَيِّنُءَايَاتِهِ? لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْـ?َلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ? قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا? النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ? وَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ? فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا? حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ? وَقَدِّمُوا? ?نفُسِكُمْ? وَاتَّقُوا? اللَّهَ وَاعْلَمُو?ا? أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَتَجْعَلُوا? اللَّهَ عُرْضَةً ?يْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا? وَتَتَّقُوا? وَتُصْلِحُوا? بَيْنَ النَّاسِ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا تنكحوا﴾ أي: لا تتزوّجوا أيها المسلمون ﴿المشركات﴾ أي: الكافرات ﴿حتى يؤمنّ﴾ . روي «أنه ﵊ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا مرثد ألا تخلو فقال لها: ويحك يا عناق، إنّ الإسلام قد حال بيننا وبينك، فقالت: هل لك أن تتزوّج بي؟ فقال: نعم ولكن أستأمر رسول الله ﷺ فلما رجع إليه قال: يا رسول الله أيحلّ لي أن أتزوّج بها؟ فأنزلت هذه الآية» ، هذا ما أورده الواحدي وغيره، ولكن الذي رواه أبو داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ (النور، ٣) الآية، والآية وإن كانت شاملة للكتابيات، لكنها مخصوصة بغيرهنّ بقوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ (المائدة، ٤٥) وقد تزوّج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوّج حذيفة بيهودية، وطلحة بن عبيد الله بنصرانية. فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوّة محمد ﷺ قال أبو الحسن بن فارس: لأنه يقول: القرآن كلام غير الله، ومن يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى. وقال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ إلى قوله: ﴿سبحانه عما يشركون﴾ (التوبة، ٣١) . ﴿ولأمة مؤمنة خير من﴾ أي: من حرّة ﴿مشركة ولو أعجبتكم﴾ لجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، فأعتقها وتزوّج بها. وقال السديّ: نزلت في عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها، وتزوّج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة وعرضوا عليه

стр. 143

حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ أي: ولا تزوّجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهذا على عمومه بإجماع ﴿ولعبد مؤمن خير من﴾ أي: حرّ ﴿مشرك ولو أعجبكم﴾ لماله وجماله وقيل: المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل، حرّين كانا أو رقيقين؛ لأنّ الناس عبيد الله وإماؤه ﴿أولئك﴾ أي: أهل الشرك ﴿يدعون إلى النار﴾ أي: إلى الكفر المؤدّي إلى النار، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم ﴿وا يدعو﴾ أي: أولياءه المؤمنون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، تفخيماً لشأنهم، أو يدعو على لسان رسله، وهذا كما قال أبو حيان: أبلغ في التباعد من المشركين إجراءً للفظ على ظاهره، والأوّل ذكر لطلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين ﴿إلى الجنة والمغفرة﴾ أي: العمل الصالح الموصل إليها، فهم الأحقاء بالمواصلة ﴿بإذنه﴾ أي: بأمر الله ورضاه على التفسير الأول، أو بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه ﴿ويبين﴾ أي: الله ﴿آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ أي: لكي يتذكروا فيتعظوا.F ﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن المحيض﴾ أي: الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه. روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيض ولم يؤاكلوهنّ كفعل اليهود، فإنّ اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، واستمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر النبيّ ﷺ عن ذلك فقال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿هو﴾ أي: الحيض أو مكانه ﴿أذى﴾ قذر أو محله قذر. فإن قيل: لماذا ذكر الله تعالى يسئلونك بغير واو ثلاثاً ثم بها ثلاثاً؟ أجيب: بأنّ السؤالات الأول كانت في أوقات متفرّقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد، فلذلك ذكرها بحرف الجمع، وهو واو العطف، وهي الجمع في الحكم لا الزمان، واعترض هذا الجواب بأنه كان يجب على هذا أن تدخل الواو على اثنين من الثلاثة الأخيرة؛ لأنّ العطف يكون في الثانية والثالثة منها، وأجيب: بأنهم لما سألوا عما كانوا ينفقون، فأجيبوا بمصرف النفقة أعادوا سؤالهم بالواو ما ينفقون، فأجيبوا: بالعفو، ولما كان السؤال الثاني عن مخالطة اليتامى في النفقة، وهو مناسب لما قبله عطف بالواو، ولما كان الثالث سؤالاً عن اعتزال الحيض كما تعتزل اليتامى فناسب ما قبله في الاعتزال عطف بالواو، ولا كذلك الثلاثة الأول؛ إذ لا تعلق بينها. ﴿فاعتزلوا النساء﴾ أي: اتركوا وطأهنّ ﴿في المحيض﴾ أي: وقته أو مكانه؛ لأنّ ذلك هو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، وما استدلّ به البيضاوي من قوله ﷺ «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم نأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم» قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره بهذا اللفظ في بعض التفاسير لغيره. وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهنّ﴾ أي: بالجماع ﴿حتى يطهرن﴾ تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحاً قراءة شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي: يتطهرن بمعنى يغتسلن والباقون بسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة والتزاماً. قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ﴾ أي: للجماع فإنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: إن طهرت لأكثر الحيض وهو

стр. 144

عنده عشرة أيام جاز قربانها قبل الغسل. ﴿من حيث أمركم الله﴾ بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره. أمّا الملامسة فيما عدا ما بين السرّة والركبة والمضاجعة معها قبل الغسل، ولو قبل إنقطاع الحيض فجائز، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان يأمرني ﷺ فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض» . وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «حضت وأنا مع النبيّ ﷺ في الخميلة فانسلت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي، فلبستها فقال لي رسول الله ﷺ أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة» ﴿إن الله يحب﴾ أي: يثيب ويكرم ﴿التوّابين﴾ من الذنوب ﴿ويحب المتطهرين﴾ أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان في غير القبل. ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ أي: مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات ﴿فأتوا حرثكم﴾ أي: محله وهو القبل ﴿أنى﴾ أي: كيف ﴿شئتم﴾ من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار. وروى الشيخان أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها أي: خلفها في قبلها جاء ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية. ﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ من الأعمال الصالحة، كالتسمية عند الجماع وطلب الولد أي: ما يدخر لكم من الثواب ﴿واتقوا الله﴾ في أمره ونهيه ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ بالبعث، فتزوّدوا ما لا تُفْتَضَحون به فإنه يجازيكم بأعمالكم ﴿وبشر المؤمنين﴾ بالكرامة والنعيم الدائم، أمر الرسول ﷺ أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم. وقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم﴾ نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، لما حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها، أو في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه أي: زوج أخته بشير بن النعمان، ولا يصلح بينه وبين أخت. فالعرضة كل ما يعرض فيمنع عن الشيء أي: لا تجعلوا الحلف سبباً مانعاً لكم من البرّ والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو برّ فيقول: حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البرّ كما قال تعالى: ﴿أن تبرّوا﴾ أي: مخالفة أن لا تبرّوا، فهو في موضع نصب مفعول من أجله. وعند الكوفيين لئلا تبرّوا كقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ (النساء، ١٧٦) أي: لئلا تضلوا، وقال أبو إسحق في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف أي: أن تبرّوا وتتقوا خير لكم وقيل: التقدير في أن تبرّوا، فلما حذف حرف الجرّ نصب، وقيل: هو في موضع جرّ بالحرف المحذوف. ﴿وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ فتكره اليمين على ذلك، ويسنّ فيه الحنث ويُكَفّر، لما روي عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير» بخلافها على فعل البرّ ونحوه فهي طاعة ﴿وا سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بأحوالكم. ﴿في أيمانكم﴾ واللغو: كل مطروح من الكلام لا يعتدّ به. واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكور في الآية، فقال قوم: هو ما سبق إلى اللسان على عجلة، لصلة كلام من غير عقد ولا قصد، كقول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لغو اليمين كقول الإنسان:

стр. 145

لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم، وبهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال قوم: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يتبين أنه خلاف ذلك وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه كقول الإنسان: أعمى الله بصري إذا لم أفعل كذا، وكذا فهذا لغو لا يؤاخذ الله به، قال تعالى: ﴿ويدعو الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير﴾ (الإسراء، ١١) وقال تعالى: ﴿ولو يعجل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم﴾ (يونس، ١١) . ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ أي: قصدته من الإيمان إذا حنثتم ﴿وا غفور﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو ﴿حليم﴾ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ تربصاً للتوبة. تنبيه: اليمين لا ينعقد إلا بالله العظيم، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، فاليمين بالله كأن يقول: والذي أعبده والذي نفسي بيده وبأسمائه، كأن يقول: والله والرحمن وبصفاته، كأن يقول: وعزة الله، وعظمة الله وجلال الله فإذا حلف بشيء من ذلك على أمر مستقبل، ثم حنث وجبت عليه الكفارة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في سورة المائدة، وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن، وهو عالم به حالة ما حلف فهي اليمين الغموس، وهي من الكبائر ويجب بها الكفارة، كما قاله الشافعيّ رضي الله تعالى عنه. وقال بعض العلماء: لا كفارة فيها كأكثر الكبائر. وأما الحلف بغير ما ذكر كالحلف بالكعبة وبيت الله ونبيّ الله أو بأبيه ونحوه فلا يكون يميناً ولا تجب به الكفارة إذا حنث وهو يمين مكروه. روي أن رسول الله ﷺ أدرك عمر وهو يسير في ركب، وهو يحلف باسمه فقال رسول الله ﷺ «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» . ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ أي: يحلفون أن لا يجامعوهنّ، والإيلاء: الحلف، وتعديته بعلى، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب المرأة ولا يريد أن يتزوّجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبداً، فيتركها أبداً لا أيماً، ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله لهم أجلاً في الإسلام كما قال تعالى: ﴿تربص﴾ أي: انتظار ﴿أربعة أشهر﴾ أي: للمولى حق التثبت في هذه المدّة فلا يطالب بفيئة ولا طلاق، ولذا قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ويؤيده ﴿فإن فاؤا﴾ أي: رجعوا في المدّة أو بعدها عن اليمين إلى الوطء؛ لأنّ الفيئة وعزم الطلاق مشروعان عقب الإيلاء وحصول التربص، فلا بدّ أن يكون مدخول الفاء واقعاً بعدهما ﴿فإنّ الله غفور﴾ لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف ﴿رحيم﴾ بهم. ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ أي: صَمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، ﴿فإنّ الله سميع﴾ لقولهم ﴿عليم﴾ بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها؛ لأنه شرط فيه العزم وقال: فإنّ الله سميع فدل على أنه يقتضي مسموعاً. والقول: هو الذي يسمع وقال بعض العلماء: إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي، وقال سعيد بن المسيب والزهري: يقع عليه طلقة واحدة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، بل حالفاً، إذا وطئها قبل مضي تلك المدّة وجبت عليه كفارة يمين إن كان الحلف بالله، ولا يختص الإيلاء بالحلف
следующие страницы →