Полный текст (2 552 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تعالى عنه، وقد كان شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى اشتدّت فيهم، ثم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار، وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا له الأنصاري فقال عمر: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة، ٩١) فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا يا رب، قال القفال الحكمة في وقوع: التحريم على هذا الترتيب أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق،
وسمي عصير العنب والتمر إذا اشتدّ وغلا خمراً؛ لأنه يخمر العقل، كما سمي سكراً؛ لأنه يسكره أي: يحجزه وهو حرام مطلقاً. وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتدّ حل شربه ما دون السكر. وسمي القمار ميسراً؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر والمعنى يسئلونك عن تعاطيهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿فيهما﴾ أي: في تعاطيهما ﴿إثم كبير﴾ أي: عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة والباقون بالباء الموحدة.
﴿ومنافع للناس﴾ باللذات والفرح، ومصادقة الفتيان، وتشجيع الجبان، وتوفر المروءة، وتقوية الطبيعة في الخمر، وإصابة المال بلا كدّ في الميسر ﴿وإثمهما﴾ أي: ما ينشأ عنهما من المفاسد ﴿أكبر﴾ أي: أعظم ﴿من نفعهما﴾ المتوقع منهما ولذا قيل: إن هذا هو المحرّم للخمر، فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والظاهر أن المحرم لها آية المائدة كما مرّ.
﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿ماذا ينفقون﴾ وذلك «أن رسول الله ﷺ حثهم على الصدقة فقالوا: ماذا ننفق؟ فقال الله تعالى ﴿قل﴾ لهم ﴿العفو﴾ » ، قرأ أبو عمرو برفع الواو بتقدير هو والباقون بنصبها بتقدير أنفقوا، واختلفا في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل: أن ينفق مالاً يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، كما قال الشاعر:
*خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وسَوْرة الغضب: شدّته وحِدَّته، وقال قتادة وعطاء والسدّيّ: هو ما فضل عن الحاجة، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ويتصدّقون بالفضل بحكم هذه الآية، وقال مجاهد معناه التصدّق عن ظهر غنى.
روي: «أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض الغنائم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عنه ﷺ حتى كرّر مراراً، فقال: هاتها مغضباً فأخذها، فحذفه بها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» قال ابن الأثير: والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قويّ من المال. وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ (الفرقان، ٦٧) ﴿كذلك﴾ كما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله لكم الآيات﴾ قال الزجاج: إنما قال كذلك على
стр. 142
الواحد وهو يخاطب جماعة؛ لأنّ الجماعة معناها القبيل كأنه قيل: كذلك أيها القبيل وقيل: هو خطاب للنبيّ ﷺ لأنّ خطابه يشتمل على خطاب الأمّة كقوله تعالى: ﴿يأيها النبيّ إذا طلقتم النساء﴾ (الفرقان، ٦٧) ﴿لعلكم تتفكرون﴾ .
﴿في﴾ زوال ﴿الدنيا﴾ وفنائها فتزهدوا فيها ﴿و﴾ في إقبال ﴿الآخرة﴾ وبقائها فترغبوا فيها ﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن اليتامى﴾ وقد مرّ أنهم جمع يتيم، وأن اليتيم طفل لا أب له، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ (الأنعام، ١٥٢) وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ (النساء، ١٠) الآية تحرّج المسلمون من أموال اليتامى تحرّجاً شديداً، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا مالهم من مالهم وصنعوا لهم طعاماً وحدهم فحرج، فاشتدّ ذلك عليهم فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿قل إصلاح لهم﴾ أي: اليتامى في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم معهم ﴿خير﴾ من مجانبتكم.
﴿وإن تخالطوهم﴾ أي: تخلطوا نفقتهم بنفقتكم ﴿فإخوانكم﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي: فلكم ذلك. وقيل: المراد بالمخالطة المصاهرة، ﴿وا يعلم المفسد﴾ لأموالهم بمخالطته ﴿من المصلح﴾ بها فيجازي كلاً منهما، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح.
﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ أي: لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم مخالطتهم، وأصل العنت الشدّة والمشقة، ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم ﴿إنّ الله عزيز﴾ غالب على أمره، يقدر على الإعنات وغيره ﴿حكيم﴾ يحكم بما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة.
﴿س٢ش٢٢١/ش٢٢٤ وَتَنكِحُوا? الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ? وَ?مَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ? وَتُنكِحُوا? الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا?? وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ? أُو?لَا?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ? وَاللَّهُ يَدْعُو?ا? إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ?? وَيُبَيِّنُءَايَاتِهِ? لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْـ?َلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ? قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا? النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ? وَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ? فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا? حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ? وَقَدِّمُوا? ?نفُسِكُمْ? وَاتَّقُوا? اللَّهَ وَاعْلَمُو?ا? أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَتَجْعَلُوا? اللَّهَ عُرْضَةً ?يْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا? وَتَتَّقُوا? وَتُصْلِحُوا? بَيْنَ النَّاسِ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ولا تنكحوا﴾ أي: لا تتزوّجوا أيها المسلمون ﴿المشركات﴾ أي: الكافرات ﴿حتى يؤمنّ﴾ .
روي «أنه ﵊ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا مرثد ألا تخلو فقال لها: ويحك يا عناق، إنّ الإسلام قد حال بيننا وبينك، فقالت: هل لك أن تتزوّج بي؟ فقال: نعم ولكن أستأمر رسول الله ﷺ فلما رجع إليه قال: يا رسول الله أيحلّ لي أن أتزوّج بها؟ فأنزلت هذه الآية» ، هذا ما أورده الواحدي وغيره، ولكن الذي رواه أبو داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ (النور، ٣) الآية، والآية وإن كانت شاملة للكتابيات، لكنها مخصوصة بغيرهنّ بقوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ (المائدة، ٤٥) وقد تزوّج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوّج حذيفة بيهودية، وطلحة بن عبيد الله بنصرانية.
فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوّة محمد ﷺ قال أبو الحسن بن فارس: لأنه يقول: القرآن كلام غير الله، ومن يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى.
وقال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ إلى قوله: ﴿سبحانه عما يشركون﴾ (التوبة، ٣١) .
﴿ولأمة مؤمنة خير من﴾ أي: من حرّة ﴿مشركة ولو أعجبتكم﴾ لجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، فأعتقها وتزوّج بها. وقال السديّ: نزلت في عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها، وتزوّج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة وعرضوا عليه
стр. 143
حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ أي: ولا تزوّجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهذا على عمومه بإجماع ﴿ولعبد مؤمن خير من﴾ أي: حرّ ﴿مشرك ولو أعجبكم﴾ لماله وجماله وقيل: المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل، حرّين كانا أو رقيقين؛ لأنّ الناس عبيد الله وإماؤه ﴿أولئك﴾ أي: أهل الشرك ﴿يدعون إلى النار﴾ أي: إلى الكفر المؤدّي إلى النار، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم ﴿وا يدعو﴾ أي: أولياءه المؤمنون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، تفخيماً لشأنهم، أو يدعو على لسان رسله، وهذا كما قال أبو حيان: أبلغ في التباعد من المشركين إجراءً للفظ على ظاهره، والأوّل ذكر لطلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين ﴿إلى الجنة والمغفرة﴾ أي: العمل الصالح الموصل إليها، فهم الأحقاء بالمواصلة ﴿بإذنه﴾ أي: بأمر الله ورضاه على التفسير الأول، أو بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه ﴿ويبين﴾ أي: الله ﴿آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ أي: لكي يتذكروا فيتعظوا.F
﴿ويسئلونك﴾ يا محمد ﴿عن المحيض﴾ أي: الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه.
روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيض ولم يؤاكلوهنّ كفعل اليهود، فإنّ اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، واستمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر النبيّ ﷺ عن ذلك فقال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿هو﴾ أي: الحيض أو مكانه ﴿أذى﴾ قذر أو محله قذر.
فإن قيل: لماذا ذكر الله تعالى يسئلونك بغير واو ثلاثاً ثم بها ثلاثاً؟ أجيب: بأنّ السؤالات الأول كانت في أوقات متفرّقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد، فلذلك ذكرها بحرف الجمع، وهو واو العطف، وهي الجمع في الحكم لا الزمان، واعترض هذا الجواب بأنه كان يجب على هذا أن تدخل الواو على اثنين من الثلاثة الأخيرة؛ لأنّ العطف يكون في الثانية والثالثة منها، وأجيب: بأنهم لما سألوا عما كانوا ينفقون، فأجيبوا بمصرف النفقة أعادوا سؤالهم بالواو ما ينفقون، فأجيبوا: بالعفو، ولما كان السؤال الثاني عن مخالطة اليتامى في النفقة، وهو مناسب لما قبله عطف بالواو، ولما كان الثالث سؤالاً عن اعتزال الحيض كما تعتزل اليتامى فناسب ما قبله في الاعتزال عطف بالواو، ولا كذلك الثلاثة الأول؛ إذ لا تعلق بينها.
﴿فاعتزلوا النساء﴾ أي: اتركوا وطأهنّ ﴿في المحيض﴾ أي: وقته أو مكانه؛ لأنّ ذلك هو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، وما استدلّ به البيضاوي من قوله ﷺ «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم نأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم» قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره بهذا اللفظ في بعض التفاسير لغيره.
وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهنّ﴾ أي: بالجماع ﴿حتى يطهرن﴾ تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحاً قراءة شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي: يتطهرن بمعنى يغتسلن والباقون بسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة والتزاماً.
قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ﴾ أي: للجماع فإنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: إن طهرت لأكثر الحيض وهو
стр. 144
عنده عشرة أيام جاز قربانها قبل الغسل.
﴿من حيث أمركم الله﴾ بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره. أمّا الملامسة فيما عدا ما بين السرّة والركبة والمضاجعة معها قبل الغسل، ولو قبل إنقطاع الحيض فجائز، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان يأمرني ﷺ فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض» .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «حضت وأنا مع النبيّ ﷺ في الخميلة فانسلت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي، فلبستها فقال لي رسول الله ﷺ أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة» ﴿إن الله يحب﴾ أي: يثيب ويكرم ﴿التوّابين﴾ من الذنوب ﴿ويحب المتطهرين﴾ أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان في غير القبل.
﴿نساؤكم حرث لكم﴾ أي: مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات ﴿فأتوا حرثكم﴾ أي: محله وهو القبل ﴿أنى﴾ أي: كيف ﴿شئتم﴾ من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار.
وروى الشيخان أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها أي: خلفها في قبلها جاء ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية.
﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ من الأعمال الصالحة، كالتسمية عند الجماع وطلب الولد أي: ما يدخر لكم من الثواب ﴿واتقوا الله﴾ في أمره ونهيه ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ بالبعث، فتزوّدوا ما لا تُفْتَضَحون به فإنه يجازيكم بأعمالكم ﴿وبشر المؤمنين﴾ بالكرامة والنعيم الدائم، أمر الرسول ﷺ أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم. وقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم﴾ نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، لما حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها، أو في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه أي: زوج أخته بشير بن النعمان، ولا يصلح بينه وبين أخت.
فالعرضة كل ما يعرض فيمنع عن الشيء أي: لا تجعلوا الحلف سبباً مانعاً لكم من البرّ والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو برّ فيقول: حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البرّ كما قال تعالى: ﴿أن تبرّوا﴾ أي: مخالفة أن لا تبرّوا، فهو في موضع نصب مفعول من أجله. وعند الكوفيين لئلا تبرّوا كقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ (النساء، ١٧٦) أي: لئلا تضلوا، وقال أبو إسحق في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف أي: أن تبرّوا وتتقوا خير لكم وقيل: التقدير في أن تبرّوا، فلما حذف حرف الجرّ نصب، وقيل: هو في موضع جرّ بالحرف المحذوف.
﴿وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ فتكره اليمين على ذلك، ويسنّ فيه الحنث ويُكَفّر، لما روي عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير» بخلافها على فعل البرّ ونحوه فهي طاعة ﴿وا سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بأحوالكم.
﴿في أيمانكم﴾ واللغو: كل مطروح من الكلام لا يعتدّ به.
واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكور في الآية، فقال قوم: هو ما سبق إلى اللسان على عجلة، لصلة كلام من غير عقد ولا قصد، كقول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لغو اليمين كقول الإنسان:
стр. 145
لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم، وبهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال قوم: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يتبين أنه خلاف ذلك وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه كقول الإنسان: أعمى الله بصري إذا لم أفعل كذا، وكذا فهذا لغو لا يؤاخذ الله به، قال تعالى: ﴿ويدعو الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير﴾ (الإسراء، ١١) وقال تعالى: ﴿ولو يعجل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم﴾ (يونس، ١١) .
﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ أي: قصدته من الإيمان إذا حنثتم ﴿وا غفور﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو ﴿حليم﴾ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ تربصاً للتوبة.
تنبيه: اليمين لا ينعقد إلا بالله العظيم، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، فاليمين بالله كأن يقول: والذي أعبده والذي نفسي بيده وبأسمائه، كأن يقول: والله والرحمن وبصفاته، كأن يقول: وعزة الله، وعظمة الله وجلال الله فإذا حلف بشيء من ذلك على أمر مستقبل، ثم حنث وجبت عليه الكفارة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في سورة المائدة، وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن، وهو عالم به حالة ما حلف فهي اليمين الغموس، وهي من الكبائر ويجب بها الكفارة، كما قاله الشافعيّ رضي الله تعالى عنه. وقال بعض العلماء: لا كفارة فيها كأكثر الكبائر. وأما الحلف بغير ما ذكر كالحلف بالكعبة وبيت الله ونبيّ الله أو بأبيه ونحوه فلا يكون يميناً ولا تجب به الكفارة إذا حنث وهو يمين مكروه.
روي أن رسول الله ﷺ أدرك عمر وهو يسير في ركب، وهو يحلف باسمه فقال رسول الله ﷺ «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» .
﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ أي: يحلفون أن لا يجامعوهنّ، والإيلاء: الحلف، وتعديته بعلى، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب المرأة ولا يريد أن يتزوّجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبداً، فيتركها أبداً لا أيماً، ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله لهم أجلاً في الإسلام كما قال تعالى: ﴿تربص﴾ أي: انتظار ﴿أربعة أشهر﴾ أي: للمولى حق التثبت في هذه المدّة فلا يطالب بفيئة ولا طلاق، ولذا قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ويؤيده ﴿فإن فاؤا﴾ أي: رجعوا في المدّة أو بعدها عن اليمين إلى الوطء؛ لأنّ الفيئة وعزم الطلاق مشروعان عقب الإيلاء وحصول التربص، فلا بدّ أن يكون مدخول الفاء واقعاً بعدهما ﴿فإنّ الله غفور﴾ لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف ﴿رحيم﴾ بهم.
﴿وإن عزموا الطلاق﴾ أي: صَمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، ﴿فإنّ الله سميع﴾ لقولهم ﴿عليم﴾ بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها؛ لأنه شرط فيه العزم وقال: فإنّ الله سميع فدل على أنه يقتضي مسموعاً.
والقول: هو الذي يسمع وقال بعض العلماء: إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي، وقال سعيد بن المسيب والزهري: يقع عليه طلقة واحدة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، بل حالفاً، إذا وطئها قبل مضي تلك المدّة وجبت عليه كفارة يمين إن كان الحلف بالله، ولا يختص الإيلاء بالحلف
стр. 146
بالله تعالى، فلو قال لزوجته: إن وطئتك فعبدي حر، أو ضرّتك طالق، أو لله عليّ عتق رقبة أو صوم أو صلاة، فهو مولٍ، لأنّ المولى من يلزمه أمر يمتنع بسببه من الوطء.
﴿والمطلقات يتربصن﴾ ينتظرن ﴿بأنفسهن﴾ عن النكاح ﴿ثلاثة قروء﴾ تمضي من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وضمها، وهو يطلق للحيض لقوله ﵊ كما رواه أبو داود وغيره: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وللطهر الفاصل بين حيضتين وهو المراد في الآية؛ لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض، كما قال به بعض العلماء، لقوله تعالى: ﴿فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ أي: وقت عدّتهنّ والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، وأمّا ما رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما من قوله ﷺ «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان» فلا يقاوم ما رواه البخاريّ في قصة ابن عمر «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» أي: بقوله تعالى: ﴿فطلقوهنّ لعدّتهن﴾ .
فإن قيل: ما معنى ذكر الأنفس فهلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء؟ أجيب: بأنّ في ذكر الأنفس تهييجاً لهنّ على التربص، وزيادة بعث؛ لأنّ فيه ما يستنكفن منه، فيحملهنّ على أن يتربصن، وذلك أنّ نفس النساء طوامح أي: نواظر إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص، وكان القياس في جمع قرء أن يذكر بصيغة القلة، التي هي الإقراء، ولكنهم يتوسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر، ألا ترى إلى قوله: بأنفسهنّ وما هي إلا نفوس كثيرة.
قال البيضاويّ: ولعلّ الحكم لما عمّ المطلقات ذوات الإقراء تضمن معنى الكثرة، فحسن بناء الكثرة ووجوب ذلك في المدخول بهنّ، أمّا غيرهنّ فلا عدّة لهنّ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها﴾ (الأحزاب، ٤٩) وفي غير الآيسة والصغيرة فعدّتهنّ ثلاثة أشهر، والحوامل فعدّتهنّ أن يضعن حملهنّ كما في سورة الطلاق: والإماء فعدّتهنّ قرآن بالسنة.
﴿ولا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ﴾ من الولد إن كانت حاملاً ومن الحيض إن كانت حائضاً ﴿إن كنّ يؤمن با واليوم الآخر﴾ قال البيضاويّ: ليس المراد تقييد نفي الحل بإيمانهنّ، بل التنبيه على أنه ينافي الإيمان أي: كماله، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل ﴿وبعولتهنّ﴾ أي: أزواج المطلقات، والبعولة جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كالعمومة والخؤولة ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به مبالغة كما في رجل عدل أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي: وأهل بعولتهنّ ﴿أحق بردّهنّ﴾ أي: بمراجعتهنّ ﴿في ذلك﴾ أي: في زمن التربص.
فإن قيل: كيف جعلوا أحق بالرجعة فكان للنساء حقاً فيها؟ أجيب: بأن أفعل ههنا بمعنى الفاعل فإنّ غير البعل لا حق له في الردّ فكأنه قيل: وبعولتهنّ حقيقون بردّهنّ. وقيل: إنه على بابه للتفضيل أي: أحق منهنّ بأنفسهنّ لو أبين الرد، أو من آبائهنّ، وسمي الزوج بعلاً لقيامه بأمر زوجته وأصل البعل السيد والمالك.
﴿إن أرادوا﴾ أي: البعولة ﴿إصلاحاً﴾ بالرجعة، لإضرار المرأة وليس المراد من هذا اشتراط قصد الإصلاح للرجعة
стр. 147
﴿ولهنّ﴾ على الأزواج ﴿مثل الذي﴾ لهم ﴿عليهنّ﴾ من الحقوق ﴿بالمعروف﴾ شرعاً من حسن العشرة وترك الضرر ونحو ذلك.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى ذلك: إني أحب أن أتزين لامرأتي، كما تحب أن تتزيّن لي لهذه الآية، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهن خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم» .
فإن قيل: ما المراد بالمماثلة؟ أجيب: بأنّ المراد أنّ لهنّ حقوقاً على الرجال مثل حقوقهم عليهنّ في الوجوب، واستحقاق المطالبة عليها لا في الجنس إذ ليس الواجب على كلّ منهما من جنس ما وجب على الآخر، فلو غسلت ثيابه أو خبزت له لم يلزمه أن يفعل مثل ذلك، ولكن يقابلها بما يليق بالرجال ﴿وللرجال.
عليهنّ درجة﴾ أي: فضيلة في الحق؛ لأنّ المرأة تنال من الرجل من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وانفاقه في مصالحها؛ ولأن حقوقهم في أنفسهنّ بالوطء والتمتع، وحقوقهنّ المهر والكفاف وترك الضرار، وقيل بصلاحيته للإمامة والقضاء والشهادة، وقيل: بالجهاد، وقيل: بالميراث وقيل: بالدية، وقيل: بالعقل ﴿وا عزيز﴾ في ملكه قادر على الانتقام ممن خالف الأحكام ﴿حكيم﴾ فيما دبره لخلقه يشرعها لحكم ومصالح.
﴿الطلاق﴾ أي: التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي: الذي يراجع به ﴿مرّتان﴾ أي: اثنتان.
روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، كان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدّتها راجعها، ثم طلقها كذلك ثم راجعها بصد مضارتها، فنزلت هذه الآية.
وروى أبو داود وغيره أنه ﷺ سئل: أين الثالثة؟ فقال ﷺ «أو تسريح بإحسان» ﴿فإمساك﴾ أي: فعليكم إمساكهنّ إذا راجعتموهنّ بعد الطلقة الثانية ﴿بمعروف﴾ وهو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ﴿أو تسريح بإحسان﴾ بالطلقة الثالثة، أو بأن لا يراجعها حتى تبين منه.
تنبيه: اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقاً، فذهب الأكثر ومنهم الشافعيّ رضي الله تعالى عنه إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحرّ يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرّة إلا طلقتين وذهب الأقلّ ومنهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق كالعدّة، فيملك العبد على زوجته الحرّة ثلاث طلقات ولا يملك الحرّ على زوجته الأمة إلا طلقتين.
﴿ولا يحلّ لكم﴾ أيها الأزواج ﴿أن تأخذوا مما آتيتموهنّ﴾ من المهور ﴿شيئاً﴾ إذا طلقتموهنّ. روي أنها نزلت في جميلة أخت عبد الله بن أبيّ ابن سلول، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فشكته إلى أبيها فقال: ارجعي إلى زوجك، فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها، فلما رأت أباها لم يشكها رجعت إلى رسول الله ﷺ فأرسل خلفه فجاءه، فقال له: «مالك ولأهلك؟» قال: والذي بعثك بالحق نبياً ما على وجه الأرض أحبّ إليّ منها غيرك فقال لها رسول الله ﷺ : «ما تقولين؟» فقالت: هو مني أكرم الناس حباً لزوجته ولكن، لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي، ورأسه شيء والله لا أعيبه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضاً أي: أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر بغضاً فيه، ويحتمل أن تريد كفران العشرة ـ إني رفعت
стр. 148
جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة فقل لها فلتردّها عليّ وأخلي سبيلها، فقال لها: «تردّين عليه حديقته وتملكين أمرك؟» قالت: نعم فقال رسول الله ﷺ «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها» ففعل.
وفي رواية: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» .
﴿إلا أن يخافا﴾ أي: الزوجان ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ أي: لا يأتيا بما حدّه لهما من الحقوق، وقرأ حمزة يخافا بضمّ الياء بالبناء للمفعول، فإن مع صلتها بدل اشتمال من الضمير في يخافا والباقون بفتحها بالبناء للفاعل ﴿فإن خفتم﴾ أيها الأئمة والحكام ﴿أن لا يقيما حدود الله﴾ أي: ما حدّه من الأحكام ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ نفسها من المال ليطلقها أي: لا حرج على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في بذله، وهذا هو الأصل، وإلا فيجاز على عوض وإن لم يخافا.
تنبيه: علم مما تقرّر: أنّ الخطاب في الأوّل للزوجين، وثانيها للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً﴾ لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون.
﴿تلك﴾ أي: الأحكام المذكورة ﴿حدود الله﴾ وهي ما منع الشرع من المجاوزة عنه ﴿فلا تعتدوها﴾ أي: فلا تتعدّوها بالمخالفة وقوله تعالى: ﴿ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد.
تنبيه: ظاهر الآية يدلّ على أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ كما رواه البيهقيّ: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس ـ أي: ضرر فحرام عليها رائحة الجنة» . وما روي أنه ﷺ قال لجميلة: «أتردّين عليه حديقته؟ فقالت: أردّها وأزيد عليها، فقال ﵊: أمّا الزائد فلا» فالجمهور استكرهوا الخلع، ولكن نفذوه فإنّ المنع عن العقد لا يدل على فساده وإنه يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء.
﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثنتين ﴿فلا تحل له من بعد﴾ أي: بعد الطلقة الثالثة ﴿حتى تنكح﴾ أي: تتزوّج ﴿زوجاً غيره﴾ أي: المطلق والنكاح يتناول العقد والوطء، وتعلق بظاهر الآية من اقتصر على العقد كابن المسيب، والجمهور على أنه لا بدّ من الإصابة، لما روى الشيخان «أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله ﷺ إنّ رفاعة طلقني وإنّ عبد الرحمن بن الزَّبِير ـ أي: بفتح الزاي وكسر الباء ـ تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ، فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة، ويكون العقد مستفاداً من لفظ الزوج، والعسيلة مجاز عن قليل الجماع، إذ يكفي قليل انتشار، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ولحقتها الهاء؛ لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري.
وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنّ زوجي قد مسني فقال لها النبيّ ﷺ «كذبت في قولك الأوّل فلن أصدقك في الآخر» فلبثت حتى قبض رسول الله ﷺ فأتت أبا بكر فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأوّل
стр. 149
فإنّ زوجي الآخر مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله ﷺ حين أتيته، وقال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر أتت عمر، وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنك» .
والحكمة في التحلل الردع عن المسارعة إلى الطلاق، والعود إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر، وجوّزه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه مع الكراهة، وقد «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له» رواه الترمذيّ والنسائيّ وصححه. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
تنبيه: شملت الآية الكريمة: ما إذا طلق الزوج زوجته الأمة ثلاثاً ثم ملكها، فإنه لا يحلّ له أن يطأها بملك اليمين، حتى تنكح زوجاً غيره ﴿فإن طلقها﴾ الزوج الثاني بعدما أصابها ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي: المرأة والزوج الأوّل ﴿أن يتراجعا﴾ إلى النكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدّة ﴿إن ظنا﴾ أي: إن كان في ظنهما ﴿أن يقيما حدود الله﴾ أي: ما حدّه الله وشرعه من حقوق الزوجية، هذا هو الأصل، وإلا فهو ليس بشرط للجواز ولم يقل إن علما أنهما يقيمان؛ لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله.
قال في «الكشاف» ومن فسر الظنّ هنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى؛ لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن علمت أنه يقوم؛ ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظنّ ظناً ﴿وتلك﴾ أي: الأحكام المذكورة ﴿حدود الله بينها لقوم يعلمون﴾ أي: يتدبرون ما أمرهم الله تعالى به ويفهمونه، ويعلمونه بمقتضى العلم.
﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ﴾ أي: قاربن انقضاء عدّتهن ولم يرد انقضاء العدّة حقيقة؛ لأنّ العدّة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ ههنا بلوغ مقاربة. وفي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهنّ﴾ حقيقة انقضاء العدّة والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها ﴿فأمسكوهنّ﴾ بأن تراجعوهنّ ﴿بمعروف﴾ من غير ضرار، وقيل: بأن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء ﴿أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ أي: اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، فيكنّ أملك بأنفسهنّ ﴿ولا تمسكوهنّ﴾ بالرجعة وقوله تعالى: ﴿ضراراً﴾ مفعول له ﴿لتعتدوا﴾ أي: لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها، ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ أي: أضرّ بها بتعريضها إلى عذاب الله، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾ أي: مهزؤاً بها بمخالفتها؛ لأنّ كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزواً، وقيل: كان الرجل يتزوّج ويطلق ويعتق ويقول: كنت ألعب فنزلت.
وروي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «ثلاث جدّهنّ جدّ: وهزلهنّ جدّ الطلاق والنكاح والرجعة» ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ التي من جملتها الإسلام والإيمان وبعثة النبيّ ﷺ ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: السنة، أفردهما بالذكر إظهاراً لشرفهما وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها ﴿يعظكم به﴾ أي: بما أنزل عليكم ليدعوكم به إلى دينه ﴿واتقوا الله واعلموا أنّ الله بكل شيء عليم﴾ لا يخفى عليه شيء ففي ذلك تأكيد وتهديد.
стр. 150
﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ﴾ أي: انقضت عدّتهنّ ﴿فلا تعضلوهنّ﴾ أي: تمتعوهنّ من ﴿أن ينكحن أزواجهنّ﴾ أي: المطلقين لهنّ. وعن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه دل سياق الكلامين أي: وهما أمسكوهنّ إلخ.. و «فلا تعضلوهنّ» على افتراق البلوغين، فالمراد بالأوّل المقاربة، وبالثاني الوصول كما تقرّر، والعضل الحبس والتضييق، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت بيضتها فلم تخرج.
فائدة: رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء، ويميلها الكسائيّ في الوقف، ووقف الباقون بالتاء على الرسم والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار، حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل، ففي الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ، وقبل الخطاب للأولياء والأزواج، وقيل: للناس كلهم أي: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر، فإنه إن وجد بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين.
له وقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم﴾ أي: الأزواج والنساء ظرف؛ لأن ينكحن أو لا تعضلوهنّ وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا، أو صفة مصدر محذوف أي: تراضياً كائناً بالمعروف وفيه دلالة على أنّ العضل عن التزوج من غير كف غير منهي عنه ﴿ذلك﴾ أي: النهي عن العضل ﴿يوعظ به من كان منكم يؤمن با واليوم الآخر﴾ لأنه المتعظ أو المنتفع به.
فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: ﴿ذلك يوعظ به﴾ ؟ أجيب: بأنه يجوز أن يكون لرسول الله ﷺ ولكل أحد كما في قوله تعالى: ﴿يأيها النبيّ إذا طلقتم النساء﴾ (الطلاق، ١) ونحوه ﴿ذلكم﴾ أي: ترك العضل ﴿أزكى﴾ أي: أنفع ﴿لكم وأطهر﴾ لكم ولهنّ من دنس الآثام لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما ﴿وا يعلم﴾ ما فيه المصلحة ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ذلك لقصور علمكم، وقوله تعالى:
﴿والوالدات يرضعن أولادهنّ﴾ خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ﴾ وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهنّ الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد، لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ﴾ فإن رغبت الأمّ في الإرضاع فهي أولى من غيرها، أمّا إذا لم يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه، والوالدات يعمّ المطلقات وغيرهنّ وقيل: يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهنّ ﴿حولين﴾ أي: عامين ﴿كاملين﴾ صفة مؤكدة كما في قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ (البقرة، ١٩٦) لأنّ العرب قد تسمي بعض الحول حولاً، وبعض الشهر شهراً، كما قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (البقرة، ١٩٧) وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ (البقرة، ٢٠٣) وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم.
وقال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال: ﴿لمن أرد أن يتم الرضاعة﴾ أي: هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك حدّ محدود، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به.
﴿وعلى المولود له﴾ أي: الوالد ﴿رزقهنّ﴾ أي: إطعام الوالدات ﴿وكسوتهنّ﴾ أجرة لهنّ على الإرضاع إذا كنّ مطلقات، واختلف في استئجار الأم للإرضاع فجوّزه الشافعيّ ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدّة نكاح.
стр. 151
فإن قيل: لِمَ قال تعالى: ﴿المولود له﴾ دون الوالد؟ أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأنّ الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمّهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد:
*فإنما أمّهات الناس أرعية ... مستودعات وللآباء أبناء*
فكان عليهم أن يرزقوهنّ ويكسوهنّ إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى: ﴿واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً﴾ (لقمان، ٣٣) وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ أي: طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ﴿لا تضارّ والدة بولدها﴾ أي: بسببه، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها ﴿ولا﴾ يضار ﴿مولود له بولده﴾ أي: بسببه، بأن يكلف فوق طاقته، وإضافة الولد إلى كلّ منهما للاستعطاف، وللتنبيه على أنّ الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تضار بضمّ الراء بدل من قوله: لا تكلف والباقون بفتحها ﴿وعلى الوارث﴾ أي: وارث الأب، وهو الولد أي: على الوليّ في مال الولد ﴿مثل ذلك﴾ أي: الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة، وقيل: هو وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه، وقيل: الباقي من الأبوين أخذا من قوله ﷺ «اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث ـ أي: الباقي ـ منا» والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدّة الحياة كأنه باق بعد الموت ﴿فإن أرادا﴾ أي: الوالدان ﴿فصالاً﴾ أي: فطاماً له صادر ﴿عن تراض﴾ أي: اتفاق ﴿منهما وتشاور﴾ بينهما فتظهر مصلحة الولد فيه ﴿فلا جناح عليهما﴾ في ذلك، زاد على الحولين أو نقص، وهذه توسعة بعد التحديد، وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الولد، حذراً أن يقدم أحدهما على ما يضرّ به لغرض أو غيره ﴿وإن أردتم﴾ خطاب للأولياء ﴿أن تسترضعوا﴾ مراضع غير الوالدات ﴿أولادكم﴾ يقال:
أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، فحذف المفعول الأوّل للاستغناء عنه كما يقال: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته وكذلك حكم كل مفعولين يكون أحدهما عبارة عن الأوّل، هذا ما جرى عليه الزمخشريّ، من أن استرضع يتعدّى لمفعولين بنفسه، والجمهور على أنه إنما يتعدّى إلى
الثاني بحرف الجرّ، وتقديره هنا لأولادكم ﴿فلا جناح عليكم﴾ في ذلك ﴿إذا سلمتم﴾ إليهن ﴿ما آتيتم﴾ أي: أردتم إيتاءه لهن من الأجرة، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (المائدة، ٦) وإنما قدّر ذلك؛ لأنّ ما تحقق إيتاؤه لا يتصوّر تسليمه في المستقبل، وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ صلة سلمتم أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل. وقرأ ابن كثير بقصر همزة أتيتم، من أتى إليه إحساناً إذا فعله ومنه قوله تعالى: ﴿إنه كان وعده مأتياً﴾ (مريم، ٦١) أي: مفعولاً والباقون بالمد وهم على مراتبهم، وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع ثم حثهم على ذلك وهدّدهم بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنّ الله بما تعملون بصير﴾ لا يخفى عليه شيء منه.
﴿
والذين يُتوفَّون﴾ أي: يموتون ﴿منكم ويذرون﴾ أي: يتركون ﴿أزواجاً يتربصن﴾
стр. 152
أي: ينتظرن ﴿بأنفسهنّ﴾ وهو خبر بمعنى الأمر، وهو أمر إيجاب أي: يجب عليهن أن يتربصن بعدهم عن النكاح ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ أي: عشرة أيام وكان القياس تذكير العدد بأن يؤتى فيه بالثاء ولكن لما حذف المعدود جاز فيه ذلك كما في قوله تعالى: ﴿إن لبثتم إلا عشراً﴾ (طه، ١٠٣) ثم ﴿إن لبثتم إلا يوماً﴾ (طه، ١٠٤) لأنّ قوله في سورة طه: ﴿إن لبثتم إلا يوماً﴾ بعد قوله: ﴿إن لبثتم إلا عشراً﴾ يدل على أنّ المراد بالعشر الأيام وإن ذكر بما يدل على الليالي، لأنهم اختلفوا في مدّة اللبث، فقال بعضهم: عشر وبعضهم يوم فدل على أنّ المقابل باليوم إنما هو أيام الليالي، وكما في قوله ﷺ «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوّال» . قال البيضاويّ: ولعلّ المقتضي لهذا التقدير أي: بهذه المدّة أنّ الجنين في غالب الأمر يتحرّك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهاراً، إذ ربما تضعف حركته في المبادي، فلا يحسن بها أي بالحركة اه. وهذا في غير الحوامل أمّا هن فعدّتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق، وفي غير الإماء فإنهن على النصف من ذلك بالسنة. وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنّ الحامل تعتدّ بأقصى الأجلين احتياطاً.
وحكي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفِّى؟ بكسر الفاء فقال الله: وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله تعالى عنه على أن أمره أن يضع كتاباً في النحو، لكن يجوز الكسر على معنى أنه مستوف أجله، ويدل له قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون﴾ بفتح الياء على قراءة شاذة نقلت عن علي، أي: يستوفون آجالهم.
﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ أي: انقضت عدّتهن ﴿فلا جناح﴾ أي: لا حرج ﴿عليكم﴾ أيها الأولياء ﴿فيما فعلن في أنفسهن﴾ أي: من التعرّض للخطاب وسائر ما حرم عليهن للعدّة دون العقد، فإنّ العقد إلى الولي وقيل: المخاطب بذلك الأئمة أو المسلمون جميعاً.
﴿بالمعروف﴾ أي: بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكر فعلى المخاطب أن يكفهن، فإن قصر فعليه الجناح ﴿وا بما تعملون خبير﴾ عالم بباطنه كظاهره فيجازيكم عليه.
﴿ولا جناح﴾ أي: لا حرج ﴿عليكم فيما عرضتم به﴾ والتعريض في الكلام ما يفهم منه السامع مراده بما لم يوضع له حقية ولا مجازاً كقول السائل: جئتك لأسلّم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا:
*وجئتك بالتسليم مني تقاضيا*
ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده، والفرق بينه وبين الكناية أنّ الكناية: هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه كقولك: طويل النَّجاد للطويل، وهو بكسر النون حمائل السيف، وكثير الرماد للمضياف ﴿من خطبة النساء﴾ المعتدات للموفاة، والخطبة بالضم والكسر اسم الهيئة، غير أنّ المضمومة خصت بالموعظة، والمكسورة بطلب المرأة للنكاح والتعريض بالخطبة مباح في عدّة الوفاة، وهو أن يقول: رب راغب فيك من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لعليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ من غرضي أن أتزوّج، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبتني، ولأن تزوّجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، من غير أن يصرح بالنكاح فلا يقول: انكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه.
روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليّ أبو جعفر محمد بن علي، وأنا في عدّتي
стр. 153
فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله ﷺ وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام، فقلت: قد غفر الله لك أتخطبني في عدّتي، وأنت يؤخذ عنك، فقال: أوقد فعلت إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ وموضعي، «قد دخل رسول الله ﷺ على أمّ سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يديه حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة» . وأمّا عدّة الفرقة في الحياة فيحل لغير صاحب العدّة التعريض في غير رجعية، لعدم سلطنة الزوج عليها.
أمّا التصريح فحرام إجماعاً وأما الرجعية فلا يحل التعريض لها؛ لأنها في حكم الزوجة أما صاحب العدّة فيحل له التعريض والتصريح إن حل له نكاحها، وإلا فلا.
﴿أوأكننتم﴾ أي: أضمرتم ﴿في أنفسكم﴾ من نكاحهنّ، فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً، قال السّدّي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء ﴿علم الله أنكم ستذكرونهنّ﴾ بالخطبة ولا تصبرون عنهنّ فأباح لكم التعريض وفيه نوع توبيخ ﴿ولكن لا تواعدوهنّ سراً﴾ أي: نكاحاً فالسر كناية عن النكاح الذي هو الوطء؛ لأنه مما يسر قال الأعشى:
*ولا تقربنّ جارة إنّ سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا*
وقال امرىء القيس:
*ألا زعمت ساسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي*
ثم عبر بالسر الذي هو كناية عن الوطء عن عقد النكاح؛ لأنّ العقد سبب في الوطء وقيل: هو الزنا، كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزينة، وهو يعرض بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك قاله الحسن. وقيل: هو أن يصف نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحو ذلك.
فإن قيل: أين المستدرك بقوله: ولكن لا تواعدوهنّ سراً؟ أجيب: بأنه محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سراً. ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ أي: ما عرف شرعاً من التعريض فلكم ذلك، فإن قيل: أين المستثنى منه؟ أجيب: بأنه محذوف أي: لا تواعدوهنّ مواعدة إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أو إلا مواعدة بقول معروف.
قال في «الكشاف» : ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من «سراً» لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهنّ إلا التعريض، وقال البيضاوي: وقيل: إنه استثناء منقطع من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو ـ أي: التعريض ـ غير موعود أي: بل منجز سراً أي: في السر على أن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستقبح لأنّ مسارتهنّ في الغالب مما يستحيا من المجاهرة به.
﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ أي: على عقده، وفي ذلك مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدّة؛ لأنّ العزم يتقدّم على العقد فإذا نهي عما يتقدمه فهو أولى بالنهي، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ (الإسراء، ٤٢) ﴿حتى يبلغ الكتاب﴾ أي: المكتوب ﴿أجله﴾ بأن ينتهي ما فرض فيه من العدّة ﴿واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم﴾ من العزم وغيره ﴿فاحذروه﴾ أى:
стр. 154
خافوا عقابه ﴿واعلموا أنّ الله غفور﴾ لمن عزم ولم يفعل خوفاً من الله ﴿حليم﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة.
أي: تجامعوهنّ ﴿أو﴾ لم ﴿تفرضوا لهنّ فريضة﴾ أي: مهراً، وما مصدرية ظرفية، أي: لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر، والتبِعة بكسر الباء: ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل بحقي. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم.
وقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ عطف على مفسد، ولأنه طلب فلا يعطف على «لا جناح» ؛ لأنه خبر أي: فطلقوهنّ ومتّعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهماً أو ما قيمته ذلك، وإذا تراضيا بشيء فذاك، وإن تنازعا في قَدْرِها قَدّرَها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره، ونسبها وصفاتها، كما قال تعالى: ﴿على الموسع﴾ أي: الغني منكم ﴿قدره﴾ أي: ما يطيقه ويليق به ﴿وعلى المقتر﴾ أي: ضيق الرزق ﴿قدره﴾ أي: ما يطيقه ويليق به. ويدل عليه قوله ﷺ لأنصاري طلق امرأته المفوّضة قبل أن يمسها: «أمتعتها» قال: لم يكن عندي شيء قال: «متعها بقلنسوتك» . ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوّضة التي لم يمسها الزوج، وألحق بها الشافعي رضي الله تعالى عنه الممسوسة المفوّضة وغيرها قياساً وهو مقدّم على المفهوم.
وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال، والباقون بسكونها وقوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ تأكيداً لمتعوهن بمعنى تمتيعاً وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ أي: شرعاً صفة «متاعاً» وقوله تعالى: ﴿حقاً﴾ صفة ثانية لمتاعاً أي: متاعاً واجباً عليهم، أو مصدر مؤكد أي: حق ذلك حقاً ﴿على المحسنين﴾ أي: المطيعين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال ﵊: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ترغيباً وتحريضاً. ولما ذكر الله تعالى حكم المفوّضة أتبعها حكم قسيمها بقوله تعالى:
﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ يجب لهن ويرجع لكم النصف، وهو دليل على أنّ الجناح المنفي ثم تبعة المهر، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها ﴿إلا﴾ لكن ﴿أن يعفون﴾ أي: الزوجات فلا يأخذن شيئاً.
فإن قيل: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون والنساء يعفون؟ أجيب: بأن الواو في الأوّل ضمير هم، والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل، والنون ضميرهن، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، وهو في محل النصب.
﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ وهو الزوج المالك لعقده وحله، كما يعود إليه بالتشطير فيترك لها الكل. وقيل: هو الولي إذا كانت المرأة محجورة، وهو قول قديم للشافعيّ، وهو مروي عن ابن عباس، وقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا﴾ مبتدأ خبره ﴿أقرب للتقوى﴾ والخطاب للرّجال والنساء جميعاً؛ لأنّ المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر أي: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ أي: أن يتفضل بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو بترك المرأة نصيبها، حثهما جميعاً على الإحسان ﴿إنّ الله بما تعملون بصير﴾ لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم به.
﴿حافظوا على الصلوات﴾ الخمس بأدائها في أوقاتها، ولعل الأمر
стр. 155
بالصلاة إنما وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج؛ لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها. ﴿والصلاة الوسطى﴾ أي: الوسطى بين الصلوات أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل، وهي صلاة العصر على الراجح لقوله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً» وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها واجتماع الملائكة قال ﷺ «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» وقيل صلاة الصبح، لأنها بين صلاتي الليل والنهار، والواقعة في الجزء المشترك بينهما لأنها مشهودة تشهدها الملائكة الحفظة، نصّ عليها الشافعيّ رحمه الله تعالى لكن رجح الأصحاب الأوّل عملاً بقوله: حيث صحّ الحديث فهو مذهبي وقيل: صلاة الظهر؛ لأنها وسط النهار، وكانت أشق الصلوات عليهم، فكانت أفضل لأنه ﷺ «سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: «أحزمها» وهو بحاء مهملة وزاي أقواها وأشدها، وقيل: صلاة المغرب لأنها متوسطة بالعدد لأنّ عددها بين عددي الركعتين والأربع، وقيل: صلاة العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي النهار لا يقصران، وهما المغرب والصبح وقال بعضهم: هي إحدى الصوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضاً للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها ﴿وقوموا﴾ في الصلاة ﴿قانتين﴾ أي: مطيعين لقوله ﷺ «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» أو ساكنين لحديث زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» ، رواه الشيخان.I
وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح.
﴿فإن خفتم﴾ من عدوّ أو سبع أو سيل أو نحو ذلك ﴿فرجالاً﴾ جمع راجل أي: مشاة صلوا ﴿أو ركباناً﴾ جمع راكب أي: كيف أمكن مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها ويومىء بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع. والصلاة في حال الخوف على أقسام وهذه صلاة شدّة الخوف وسيأتي بقية الأقسام إن شاء الله تعالى في سورة النساء. ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم.
وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين» وفي الخوف ركعة، وفي الآية دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم يمكن الوقوف، وقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: إذا كنت في القتال وضرب الناس بعضهم بعضاً فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك ﴿فإذا أمنتم﴾ من الخوف ﴿فاذكروا الله﴾ أي: صلوا الصلوات الخمس تامّة بحقوقها ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها، والكاف بمعنى مثل وما موصولة أو مصدرية.
﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم﴾ قرأ نافع وابن كثير وشعبة والكسائي وصية بالرفع أي: فعليهم وصية، والباقون بالنصب أي: فليوصوا وصية، وقوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ نصب على المصدر أي: متعوهنّ متاعاً أي: يتمتعن به من النفقة والكسوة ﴿إلى﴾ تمام ﴿الحول﴾ من
стр. 156
موتهم الواجب عليهنّ تربصه، وقوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ نصب على الحال أي غير مخرجات من مسكنهنّ. نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له الحكم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته، فمات فأنزل الله هذه الآية، «فأعطى النبيّ ﷺ والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئاً وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً» ، وكانت عدّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ففسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدّة الحول بآية ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ السابقة.
فإن قيل: كيف نسخت الآية السابقة المتأخرة؟ أجيب: بأنها متقدّمة في التلاوة متأخرة في النزول كما في قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾ (البقرة، ١٤٢) مع قوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ (البقرة، ١٤٤) ﴿فإن خرجن﴾ من قبل أنفسهنّ قبل الحول من غير إخراج الورثة ﴿فلا جناح عليكم﴾ يا أولياء الميت ﴿فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف﴾ شرعاً كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها، خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولاً ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشراً ﴿وا عزيز﴾ في ملكه ﴿حكيم﴾ في صنعه لا يسئل عما يفعل.
﴿وللمطلقات متاع﴾ أي: يعطينه ﴿بالمعروف﴾ بقدر الإمكان وقوله تعالى: ﴿حقاً﴾ نصب بفعله المقدّر ﴿على المتقين﴾ الله.
فإن قيل: لم كرر الله تعالى ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك لحكمة، وهي أن الآية السابقة في غير الممسوسة وهذه أعم منها، فتشمل الممسوسة أيضاً.
﴿كذلك﴾ أي: كما بيّن لكم ما سبق من أحكام الطلاق والعدد ﴿يبيّن الله لكم آياته﴾ وعد أنه سيبيّن لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشاً ومعاداً، ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي: تتدبرون فتستعملون العقل فيها وقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده، لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع، وهذا هنا أولى، فإنه صار مثلاً في التعجيب، أي: ينته علمك ﴿إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفاً، وقوله تعالى: ﴿حذر الموت﴾ مفعول له، هم قوم من بني إسرائيل كانوا في قرية يقال لها: داوردان، جهة واسط وقع بها الطاعون، فخرجت، طائفة منها وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانياً لنخرجنّ إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عنها أهلها، وخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعاً، ثم أحياهم الله تعالى كما قال تعالى: ﴿فقال لهم الله موتوا﴾ أي: فماتوا ﴿ثم أحياهم﴾ ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله وقدره. وقيل: قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففروا حذر الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام أو أكثر،
стр. 157
ثم أحياهم بدعاء نبيهم حِزْقِيل ـ بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي ـ ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى، وكان يقال له ابن العجوز؛ لأنّ أمّه كانت عجوزاً، فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها.
قال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل، وسمي حزقيل ذا الكفل؛ لأنه كفل سبعين نبياً وأنجاهم من القتل، قال: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيراً من أن تقتلوا معي جميعاً، فلما جاء اليهود وسألوا حِزْقِيل عن الأنبياء السبعين، قال لهم: ذهبوا وما أدري أين هم، ومنع الله حِزْقِيلَ من اليهود، فلما مر حِزْقِيل على تلك الموتى وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم فبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك، ويسبحونك، ويقدّمونك، ويكبرونك، ويهللونك، فبقيت وحدي لا قوم لي، فأوحى الله تعالى إليه أن ناد: أيتها العظام إنّ الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه، حتى التزق بعضها ببعض، كل عظم جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله تعالى إليه: أن ناد أيتها الأجسام إنّ الله يأمرك أن تكسي لحماً، فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد: أيتها الأجساد إنّ الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء ورجعوا إلى بلادهم.
وقال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهراً عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن حتى ماتوا لآجالهم، التي كتبت لهم، ولو جاءت آجالهم ما بعثوا، واستمرّ ذلك في أسباطهم، قال ابن عباس: وأثر ذلك ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود.
وفائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى ﴿إنّ الله لذو فضل على الناس﴾ أي: عامّة فليذكر كل أحد ماله عليه من الفضل ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ كما ينبغي أمّا الكفار فلم يشكروا، وأمّا المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره.
تنبيه: إنما كرّر الناس، ولم يضمر ليكون أنصّ على العموم لئلا يدّعي مدع أنّ المراد بالناس الأوّل أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم.
﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا ﴿واعلموا أنّ الله سميع﴾ لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون ﴿عليم﴾ بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم.
﴿من ذا الذي يقرض الله﴾ الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل الله ومن استفهامية مرفوعة، الموضع بالابتداء، وذا خبره، والذي: صفة ذا أو بدل، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه، فهو اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد لهم من الثواب قرضاً؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي القرض به؛ لأنه يقطع من ماله شيئاً يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل: في الآية اختصار، معناه: من ذا الذي يقرض عباد الله المحتاجين من خلقه كقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يؤذون الله﴾ (الأحزاب، ٥٧) أي: عباد الله كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله يقول يوم القيامة: ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟» ﴿قرضاً حسناً﴾ أي: جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية، وقيل: لا يمنّ به ولا يؤذي. ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا لفائدة رغبّها في ذلك بقوله: ﴿فيضاعفه﴾ أي: جزاءه ﴿له﴾ في الدنيا والآخرة، وأوّل هذه المضاعفة أنّ الزائد ضعف ليس كسراً، «كان ﷺ لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة وقال: خياركم أحسنكم قضاء» ، وقد أنبأ أن اقتراضه بما هو فوق ذلك، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله بقوله: ﴿أضعافاً كثيرة﴾ (البقرة، ٥٤٥) من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: «يا رسول الله إنّ الله ليريد منا القرض قال: نعم يا
أبا الدحداح قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأمّ الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أمّ الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضت ربي » .
وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإنّ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً في معنى أيقرض الله أحد، والباقون برفعها، وأسقط الألف وشدّد العين ابن كثير وابن عامر، والباقون بإثبات الألف وتخفيف العين، ولما رغّب في إقراضه، أتبعه جملة خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: ﴿وا يقبض﴾ أي: يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء ﴿ويبسط﴾ أي: يوسعه لمن يشاء امتحاناً، بحسب ما اقتضته حكمته ، وقرأ قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة وبالسين، بخلاف عن ابن ذكوان وخلاد، والباقون بالصاد والرسم بالصاد ﴿وإليه ترجعون﴾ أي: فيجازيكم على ما قدّمتم.
﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل﴾ أي: إلى قصتهم، والملأ من القوم أشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط، والإبل، والخيل والجيش، ومن للتبعيض ﴿من بعد﴾ موت ﴿موسى﴾ ومن للابتداء ﴿إذ قالوا لنبيّ لهم﴾ أكثر المفسرين على أنه شمويل، قال مقاتل: هو من نسل هرون، وقيل: هو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف ﵊ وقيل: هو شمعون، وإنما سمي بذلك؛ لأنّ أمّه دعت الله أن يرزقها غلاماً فاستجاب دعاءها فسمته شمعون تقول: سمع الله دعائي والسين تصير شيناً بالعبرانية وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم، ذلك أنه لما مات موسى ﵊ وخلف، في بني إسرائيل الخلوف وعظمت الخطايا سلّط الله عليهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم، وسَبَوا كثيراً من ذراريهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاءً كثيراً وشدّة، ولم يكن لهم حينئذٍ نبيّ يدبر أمرهم، وكان سبط النبوّة هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً فولدت غلاماً فسمته شمعون، تقول: سمع الله دعائي فكبر الغلام فأسلمته لتعليم التوراة في بيت المقدس، فكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإنّ الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم
стр. 158
كذّبوه وقالوا: استعجلت بالنبوّة فإن كنت صادقاً ﴿ابعث﴾ أي: أقم ﴿لنا ملكاً نقاتل﴾ معه ﴿في سبيل الله﴾ فتنتظم به كلمتنا، ونرجع إليه، ويكون ذلك آية من نبوّتك.
وإنما كان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبيّ يقيم له أمره ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه.
ولما قالوا له ذلك ﴿قال﴾ لهم ﴿هل عسيتم﴾ قرأ نافع بكسر السين، والباقون بفتحها، وقوله تعالى: ﴿إن كتب﴾ أي: فرض ﴿عليكم القتال﴾ مع ذلك الملك ﴿أن لا تقاتلوا﴾ خبر عسى والاستفهام لتقرير المتوقع بها بمعنى التثبت للمتوقع، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار.
﴿قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾ بسبيهم وقتلهم أي: أي غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان، والإفراد عن الأولاد.
﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا﴾ عنه وجبنوا وضيعوا أمر االله تعالى ﴿إلا قليلاً منهم﴾ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وانتصروا على الفرقة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وا عليم بالظالمين﴾ وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد.
تنبيه: هذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثاً عن الماضين، وإنما هو إعلام بما يستقبل الآتون، كما قال القائل: إياك أعني واسمعي يا جارة، فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذ بجملته خطاباً لهذه الأمّة بكل ما قص له من أقاصيص الأوّلين. ثم سأل النبيّ ﷺ ربه أن يبعث لهم ملكاً فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا، وانظر القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل ونشّ الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه وملّكه عليهم، وكان طالوت واسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب، سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد أي: في زمانه برأسه ومنكبه، وكان رجلاً دباغاً، يعمل الأديم قاله وهب، وقال السدّي: كان سقاء يسقي على حمار له من النيل، فضلّ حماره، فخرج في طلبه، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلاماً له في طلبها، فمرّ ببيت شمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبيّ فسألناه على أمر الحمير ليرشدنا، ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر، إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا، فكانت على طوله، فقال لطالوت: قرب رأسك فقرّبه فدهنه بدهن القدس ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكه عليهم، فقال طالوت: أما علمت أنّ سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى قال: فبأي آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجدت الحمر، فكان كذلك ثم، أخبرهم نبيهم بذلك كما قال تعالى:
﴿وقال لهم نبيهم﴾ الذي تقدّم ذكره ﴿إنّ الله قد بعث لكم﴾ أي: لأجل سؤالكم ﴿طالوت ملكاً﴾ وهو اسم أعجمي كجالوت، وداود، وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته ﴿قالوا أنى﴾ أي: كيف ﴿يكون له الملك علينا﴾ أي: من أين يكون له ذلك؛ ﴿ونحن﴾ أي: والحال أنا نحن ﴿أحق﴾ أي: أولى ﴿بالملك منه﴾ وإنما قالوا ذلك لأنه كان من بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة، وسبطُ مملكة، فكان سبط النبوّة سبط لاوي بن يعقوب، ومنه كان موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام، وسبط
стр. 159
المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، ومنه كان داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهاراً، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوّة منهم، وكانوا يسمون سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، ومع ذلك قالوا: هو دباغ ﴿ولم﴾ أي: والحال أنه لم ﴿يؤت سعة من المال﴾ يستعين بها على إقامة الملك ولما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه، ردّ عليهم ذلك بأمور حكاها الله تعالى عن نبيهم بقوله تعالى: ﴿قال﴾ أي: نبيهم ﴿إنّ الله اصطفاه﴾ أي: اختاره للملك ﴿عليكم﴾ والعهدة في التملك اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم هذا الأمر الأوّل، والثاني قوله: ﴿وزاده﴾ عليكم ﴿بسطة﴾ أي: سعة ﴿في العلم﴾ الذي يحصل به نظام المملكة ويتمكن به من معرفة الأمور السياسية ﴿و﴾ في ﴿الجسم﴾ الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران، ويكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ، ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم وقد زاده الله في العلم، فكان أعلم بني إسرائيل يومئذٍ، والجسم فكان أجملهم وأتمهم خلقاً، كان الرجل القائم يمدّ يده فيتناول رأس طالوت.
والثالث قوله: ﴿والله يؤتي ملكه﴾ أي: الذي هو له وليس لغيره فيه شيء ﴿من يشاء﴾ فإنه تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء سواء كان غنياً أم فقيراً، كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون والرابع قوله: ﴿وا واسع﴾ أي: واسع الفضل يوسع على الفقير، ويغنيه ﴿عليم﴾ بمن يليق بالملك من النسيب وغيره.
﴿وقال لهم نبيهم﴾ لما أذعنوا لذلك وطلبوا منه آية تدلّ على أنه اصطفى طالوت وملكه عليهم ﴿إنّ آية﴾ أي: علامة ﴿ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ أي: الصندوق وكان فيه صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أنزله الله تعالى على آدم ﷺ وكان من عود الشِّمشار ـ بمعجمتين أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة ـ خشب تعمل منه الأمشاط، مموّهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسمعيل؛ لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل، ثم استمرّ عند بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم أو حكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوّهم كما قال تعالى: ﴿فيه سكينة﴾ أي: طمأنينة لقلوبكم ﴿من ربكم﴾ ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا قاله قتادة والكلبي: لما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة أصحاب جالوت، فغلبوهم على التابوت وأخذوه.
وقال علي: هو صورة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وقال مجاهد: هي شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرّة وذنب كذنب الهرّة وله جناحان، وقيل: له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي طشت من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقال وهب: هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون.
ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائهم قال: ﴿و﴾ فيه ﴿بقية مما ترك آل موسى
стр. 160
وآل هرون﴾ وآلهما أنفسهما والآل مقحم لتفخيم شأنهما.
وقيل: أبناؤهما، وقيل: أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمّ موسى وهرون والبقية هي رضاض الألواح أي: فتاتها وعصا موسى وثيابه ونعلاه وعمامة هرون وقفيز من المنّ، الذي كان ينزل عليهم.
وقوله تعالى: ﴿تحمله الملائكة﴾ حال من فاعل يأتيكم ﴿إنّ في ذلك لآية لكم﴾ على ملكه وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه، وقيل: رفعه الله تعالى بعد موسى، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه، فلما رأوه لم يشكوا في النصر به، فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى لا يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوّج امرأة ولم يبن بها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع عليه ممن اختاره ثمانون ألفاً وكان الوقت صيفاً في حرّ شديد فشكوا قلّة الماء بينهم وبين عدوّهم وقالوا: إن المياه لا تحملنا فادعو الله أن يجري لنا نهراً كما قال تعالى:
u
﴿فلما فصل﴾ أي: خرج ﴿طالوت﴾ أي: الذي ملكوه ﴿بالجنود﴾ من بيت المقدس أي: التي اختارها والجنود، جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع ﴿قال إنّ الله مبتليكم﴾ أي: مختبركم ليظهر منكم المطيع والعاصي وهو أعلم ﴿بنهر﴾ قال ابن عباس والسدّي: هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب ﴿فمن شرب منه﴾ أي: من مائه فليس مني أي: من أتباعي ﴿ومن لم يطعمه﴾ أي: يذقه ﴿فإنه مني﴾ أي: من أتباعي، وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبياً كما قيل أو بإخبار النبيّ ﵊ وقوله تعالى: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ أي: فاكتفى بها ولم يزد عليها، «فإنه مني» استثناء من قوله تعالى: فمن شرب، وإنما قدّمت عليه الجملة الثانية؛ للعناية بها كما قدّم الصابئون على خبر إن في قوله: ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ (البقرة، ٦٢) والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو غرفة بفتح الغين والباقون بضمها.
فائدة: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج:
*صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال*
*لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف لأواؤها بغير احتيال*
*ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال*
*قد يصاب الجبان في آخر الص ... ف وينجو مقارع الأبطال*
فقلت ما وراءك يا أعرابي؟ قال: مات الحجاج فلم أدر بأيهما أفرح أبموت الحجاج أم بقوله فرجة؛ لأني كنت أطلب شاهداً لاختيار القراءة في سورة البقرة غرفة بالضم.
﴿فشربوا منه﴾ لما وافوه بكثرة وقوله تعالى: ﴿إلا قليلاً منهم﴾ أي: فاقتصر على الغرفة، نصب على الاستثناء.
روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالماً، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا وبقوا على
стр. 161
شط النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال البغوي: الصحيح أنهم ثلثمائة وبضعة عشر أي: عدد أهل بدر، وقال السدّي: كانوا أربعة آلاف ويؤيد الأوّل ما روي عن البراء أنه قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدّث أن عدّة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر، وثلثمائة. ويروى ثلثمائة وثلاثة عشر وفي هذا إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد التائبين من أصحاب طالوت، الذين كان بعددهم أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر وهم ثلثمائة وثلاثة عشر، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ولما كان قصص بني إسرائيل مثلاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر، فابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، وفي إفراد اليد إيذان بأنّ الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشرّ. ﴿فلما جاوزه﴾ أي: النهر ﴿هو﴾ أي: طالوت ﴿والذين آمنوا معه﴾ أي: وهم الذين اقتصروا على الغرفة ﴿قالوا﴾ أي: الذين شربوا ﴿لا طاقة﴾ أي: لا قوّة ﴿لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ أي: بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه.
ولما أخبر الله عنهم بهذا القول نبّه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظنّ أنّ أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام، ولا ينقص بالجراءة والإقدام، وأنه يلقى الله تعالى، فيجازيه على عمله، وأنّ النصر من الله لا بالقوّة والعدد فقال: ﴿قال الذين يظنون﴾ أي: يوقنون ﴿أنهم ملاقوا الله﴾ بالبعث وهم الذين جاوزوه ﴿كم من فئة﴾ أي: جماعة، وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض، وكم يحتمل أن تكون خبرية بمعنى كثير، ومن مبينة وأن تكون استفهامية، ومن مؤكدة والأوّل أولى بقرينة المقام ﴿قليلة﴾ كما كان في هذه الأمة في يوم بدر ﴿غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ أي: بإرادته وتيسيره، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب؛ وهو أنه لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار، وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً، ثم امتحنوا بالنصر، فلم يثبت منهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط، من الذين هم دون الدون من المنتدبين، الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل:
*ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأصدقاء على محكي*
*فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بشك*
*وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي*
ثم بين أنّ ملاك كل ذلك الصبر بقوله: ﴿وا مع الصابرين﴾ بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه.
﴿ولما برزوا﴾ أي: ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة ﴿لجالوت﴾ اسم ملك من ملوك الكنعانيين بالشأم في زمن بني إسرائيل، جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد ﴿وجنوده﴾ على ما هم فيه من القوّة والكثرة التجؤا إلى الله بالدعاء كما نبه على ذلك بقوله: ﴿قالوا ربنا أفرغ﴾ أي: أصبب ﴿علينا صبراً وثبت أقدامنا﴾ بتقوية قلوبنا على الجهاد ﴿وانصرنا
стр. 162
على القوم الكافرين﴾ وفي الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا: أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدوّ المترتب عليهما غالباً.
﴿فهزموهم بإذن الله﴾ أي: بإرادته ﴿وقتل داود جالوت﴾ قال أهل التفسير: عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابناً له، وكان داود أصغرهم، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إليّ أو أبرز من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره: من قتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي، فهابوا لقاء جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا في ذلك، فأوحى الله تعالى إليه أن في ولد إيشا من يقتل الله تعالى به جالوت، وكان داود أصغرهم يرعى الغنم، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوّجك ابنتي وأناصفك ملكي؟ قال: نعم قال: آنست من نفسك أن تقوى به قال: نعم أنا أرعى فيجيء الأسد فيأخذ شاة فأقوم إليه وأفتح لحييه عنها وأشقهما إلى قفاه، فمرّ داود في الطريق فكلمه ثلاثة أحجار، وقالت له: إنك تقتل جالوت بنا، فحملها في مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة وكان من أشدّ الناس وأقواهم، كان يهزم الجيوش وحده، وكان له بيضة فيها ثلثمائة رطل حديد، انتدب له داود وأخذ مخلاته وتقلد بها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب فقال له: أنت تبرز لي قال: نعم، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، فقال: أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب قال: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء، قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجراً ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحق، ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: بسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجراً واحداً، ودوّر المقلاع ورمى به، فسخر الله له الريح حتى أصاب أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلاً، وهزم الله تعالى الجيش وخرّ
جالوت قتيلاً، فأخذه داود يجرّه حتى ألقاه بين يدي طالوت، وفرح المسلمون فرحاً شديداً وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فجاء داود إلى طالوت وقال: أنجزني ما وعدتني فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره فحسده طالوت، وأراد قتله فأخبر بذلك فهرب، فسلط عليه العيون وطلبه أشدّ الطلب، فلم يقدر عليه.
ثم إنّ طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشي في البرية فقال: أقتله فركض على أثره فاشتدّ داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غاراً، فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت فقال: لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت، فتركه ومضى وانطلق داود إلى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه إلى أن قتل طالوت، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة، وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.
قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾ أي: النبوّة بعد موت شمويل
стр. 163
وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله بل كان الملك في سبط والنبوّة في سبط وقيل: الملك والحكمة العلم والعمل.
﴿وعلمه مما يشاء﴾ كصنعة الدروع كان يصنعها ويبيعها، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، ومنطق الطير والصوت الطيب، والألحان، ولم يعط الله تعالى أحداً من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح والسلسلة، كان لا يمسها ذو عاهة إلا برأ، وكانوا يتحاكمون إليها بعده إلى أن رفعت، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له حقاً أتى السلسلة، فمن كان صادقاً مد يده إليها فتناولها، ومن كان كاذباً لم ينلها وكان ذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فأودع بعض ملوكهم رجلاً جوهرة ثمينة فلما طلبها منه أنكرها، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة، إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقام صاحب الجوهرة فتناول السلسلة بيده ثم قام المنكر وقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فقال الرجل: اللهمّ إن كنت تعلم أنّ الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمدّ يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة.
﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم﴾ بدل بعض من الناس ﴿ببعض﴾ أي: ولولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار ﴿لفسدت الأرض﴾ بغلبة المشركين وقتل المسلمين، وتخريب المساجد، أو لفسدت الأرض بشؤم الكفر فيكون المعنى: ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.
وقد روي أنّ الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ابن عمر الآية.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «يدفع الله تعالى بمن يصلي، عمن لا يصلي وبمن يحج، عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي» وعن جابر بن عبد الله «أنّ الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده، وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» . وعن ابن مسعود «أنّ لله في الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبرائيل، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله في الخلق واحد قلبه في قلب إسرافيل، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة وإذا مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات واحد من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات واحد من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلثمائة، وإذا مات واحد من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامّة فيهم يحيي ويميت قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فينقصمون ويستسقون، فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع الله أنواع البلاء» .
﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ أي: كلهم أوّلاً بالإيجاد، وثانياً بالدفاع، فهو يكف عن ظلم الظلمة، إمّا بعضهم ببعض أو بالصالحين ويسبغ عليهم غير ذلك من أنواع نعمه ظاهرة وباطنة.
﴿تلك﴾ أي: هذه الآيات التي قصصناها عليك من حديث الأوّلين، وتمليك طالوت وإتيان
стр. 164
التابوت، وانهزام الجبابرة على يد صبيّ وهو داود، وقتل داود جالوت ﴿آيات الله﴾ الذي جلّت عظمته وتمت قدرته وقوّته ﴿نتلوها﴾ أي: نقصها ﴿عليك﴾ يا محمد ﴿بالحق﴾ أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنهم يجدونه في كتبهم كذلك وأرباب التواريخ ﴿وإنك﴾ أي: والحال إنك ﴿لمن المرسلين﴾ بما دلّت هذه الآية عليه من علّمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر، ولما تقدّم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه ﷺ منهم تشوّفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علوّ مقادير الكل في قوله:
﴿تلك الرسل﴾ بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يطال.
تنبيه: تلك مبتدأ والرسل صفة أي: الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله ﷺ أو جماعة الرسل واللام للاستغراق، والخبر ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، لما أوجب ذلك من تفضيلهم في الحسنات بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة، ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل، وأكثر ذلك في أتباع موسى ﵊ ذكر وصفه مع وصف نبينا محمد ﷺ فقال: ﴿منهم من كلم الله﴾ بلا واسطة وهو موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كلّم موسى ليلة الحيرة وهي بفتح الحاء، تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر وفي الطور، ومحمداً ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبين التكليمين بون عظيم، ومنهم أيضاً آدم كما ورد في الحديث.
﴿ورفع بعضهم﴾ وهو محمد ﷺ ﴿درجات﴾ على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة به، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وينسخ جميع الشرائع، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم، وبالمعجزات المتكاثرة المستمرّة، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن الإتيان بسورة من مثله، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الغالبة للحصر، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع بمفارقته، وتسليم الحجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وروي عنه ﷺ أنه قال: «ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» .
وروي عنه أنه قال: «أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامّة» .
وروي عنه أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» .
﴿وأتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ من إحياء الموتى وغيره ﴿وأيدناه﴾ أي: قويناه ﴿بروح القدس﴾ وهو جبريل
стр. 165
يسير معه حيث سار، وخص عيسى ﷺ باسمه لإفراط اليهود في تحقيره، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا: هو ابن الله وأبهم محمداً ﷺ في قوله تعالى: ﴿بعضهم﴾ حيث لم يقل ورفع محمداً ﷺ لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم، يراد به الذي تعورف واشتهر، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره.
﴿ولو شاء الله﴾ أي: الذي له جميع الأمر، هدى الناس جميعاً باتفاقهم على دين واحد ﴿ما اقتتل الذين من بعدهم﴾ أي: بعد الرسل أي: ما اقتتلت أممهم ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ أي: المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم؛ لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضاً ﴿ولكن اختلفوا﴾ لمشيئته تعالى ذلك ﴿فمنهم﴾ أي: فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم ﴿من آمن﴾ أي: ثبت على إيمانه ﴿ومنهم من كفر﴾ كالنصارى بعد المسيح.
ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالاً، قال الله تعالى معلّماً: أنّ الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك ومعيداً ذكر الاسم الأعظم: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ بعد اختلافهم بالإيمان والكفر ﴿ولكنّ الله يفعل ما يريد﴾ فيوفق من يشاء فضلاً منه، ويخذل من يشاء عدلاً منه، والآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بنصّ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد، وأن الحوادث بيد الله لقوله تعالى: ﴿يفعل ما يريد﴾ تابعة لمشيئته تعالى خيراً كان أو شرّاً إيماناً أو كفراً.
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد، الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أوّل السورة من هنا إلى آخرها، وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدّم الحثّ عليه من أمر النفقة.
﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ أي: مما أوجبت عليكم إنفاقه من الزكاة، قاله السديّ وقال غيره أراد به صدقة التطوّع والنفقة في الخير، أي: فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل. قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (الحشر، ٩) (التغابن، ١٦) وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها، في أنّ الرزق لا يكون إلا حلالاً، لكونه مأموراً به.
وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها في هذه الدار فقال: ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ موصوف بأنه ﴿لا بيع فيه﴾ أي: فداء ﴿ولا خلّة﴾ أي: صداقة تنفع ﴿ولا شفاعة﴾ بغير إذنه والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو، ولا الشفاعة من كبير، لعدم إرادة الله تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة، ولا تنوين على الأصل، والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة.
ولما حثّ على الإنفاق ختم الآية بذمّ الكافرين، بكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم، فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه فقال بدل ولا نصرة لكافر ﴿والكافرون﴾ أي: المعلوم
стр. 166
كفرهم في ذلك اليوم ﴿هم﴾ المختصون بأنهم ﴿الظالمون﴾ أي: الكاملون في الظلم لا غيرهم.
وقوله سبحانه:
﴿الله لا إله إلا هو﴾ مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير ﴿الحيّ﴾ أي: الدائم البقاء ﴿القيوم﴾ أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم ﴿لا تأخذه سنة﴾ وهي ما يتقدّم النوم من الفتور، الذي يسمى النعاس، قال ابن الرقاع العاملي:
*وسنان أقصده (أي: أصابه) النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم*
أي: لا يأخذه نعاس ﴿ولا نوم﴾ وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس.
فإن قيل: تقديم السنة على النوم قياس المبالغة عكسه، أجيب: بأنّ هذا ذكر ترتيب الوجود، إذ وجود السنة سابق على وجود النوم، فهو على طريقة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قصداً إلى الإحاطة والإحصاء؛ ولأنه لمّا عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، وجملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه وبين خلقه وتأكيد لكونه حياً قيوماً فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخلّ بالحياة قاصراً في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه.e
وفي الجمل التي بعده من قوله: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ إلخ.. وقوله تعالى: ﴿له﴾ أي: بيده وفي تصرّفه واختصاصه ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أي: ملكاً وخلقاً تقرير لقيوميته، واحتجاج على تفرّده في الألوهية، والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما كالكواكب والنبات والمعادن، وخارجاً عنهما متمكناً منهما، كالملائكة والإنس والجنّ.
وقوله تعالى: ﴿من ذا الذي﴾ أي: لا أحد ﴿يشفع عنده إلا بإذنه﴾ له بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة وتواضعاً فضلاً أن يدفعه عناداً ومخاصمة ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ في الخلق من أمر الدنيا ﴿وما خلفهم﴾ أي: من أمر الآخرة قاله مجاهد، وقال الكلبي: ما بين أيديهم يعني: الآخرة؛ لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم وقيل: ما بين أيديهم ما قدّموا من خير وشرّ وما خلفهم ما هم فاعلوه ﴿ولا يحيطون بشيء﴾ أي: قليل ولا كثير ﴿من علمه﴾ أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته ﴿إلا بما شاء الله﴾ أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ اختلف في الكرسي فقال الحسن: هو العرش نفسه، وقال أبو هريرة: هو موضع أمام العرش، والأحاديث تدل عليه، ومعنى وسع أنّ سعته مثل سعة السموات والأرض، وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة.
ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، وقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة أبي البشر آدم ﵊، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة، إلى السنة وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور،
стр. 167
يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع، وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر، يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة، وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش وقيل: المراد بالكرسي علمه، وقيل: ملكه وقيل: تصوير لعظمته وتمثيل مجرّد ﴿ولا يؤده﴾ أي: لا يثقله ولا يشق عليه ﴿حفظهما﴾ أي: السموات والأرض ﴿وهو العليّ﴾ أي: الرفيع فوق خلقه المتعالي عن الأشباه والأنداد ﴿العظيم﴾ أي: الكبير الذي لا شيء أعظم منه، المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه.
وهذه الآية تسمى آية الكرسي، مشتملة على أمّهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه موجود واحد في الإلهية، متصف بالحياة واجب لوجود لذاته، موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول، مبرّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، إذ المقدور كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ولا يشغله شان، عن شان متعال عما يدركه وهم عظيم فلا يحيط به فهم، ولذلك قال ﵊: «إنّ أعظم آية في القرآن الكرسي» رواه مسلم، وروى النسائيّ وابن حبان وغيرهما أنه ﷺ قال: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» أي: فإذا مات دخل الجنة.
وروى البيهقيّ في «شعبه» أنه ﷺ قال: «لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد» ، وروي البيهقي أيضاً «أنّ من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه، وجاره وجار جاره والأبيات حوله» . وعن أبيّ بن كعب أنّ النبيّ ﷺ سأله: «أيّ آية من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم، قال: فضرب في صدري ثم قال: «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إنّ لها لساناً وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش» وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أوّل حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ في يومه ذلك حتى يمسي فإن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح» . وروي: «ما قرئت آية الكرسي في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علي علّمْها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها» وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم عليّ رضي الله تعالى عنه: أين أنتم عن آية الكرسي ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا عليّ سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال، الطور وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة، آية الكرسي» .
﴿لا إكراه في الدين﴾ أي: على الدخول فيه أي: فمن أعطي الجزية لم يكره على الإسلام فهو عام مخصوص بأهل الكتاب.
لما روي أنّ أنصارياً كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال الأنصاري: يا رسول الله
стр. 168
أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت وقيل: عام منسوخ، فكان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت الآية منسوخة بآية السيف، قاله ابن مسعود: ﴿قد تبين الرشد من الغيّ﴾ أي: ظهر بالآيات البينات أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، وأنّ الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان، طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ أي: فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام ﴿ويؤمن با﴾ أي: بالتوحيد وتصديق الرسل ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين ﴿لا انفصام﴾ أي: لا انقطاع ﴿لها﴾ .
قال التفتازاني: شبه التديّن بالدين الحق، والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها، ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشريّ: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به اه.
والوثقى تأنيث الأوثق، وقيل: العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا الله تعالى ﴿وا سميع﴾ لما يقال: ﴿عليم﴾ بالنيات والأفعال وقيل: سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم.
أي: ناصر ومعين ﴿الذين آمنوا﴾ أي: أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى: ﴿يخرجهم﴾ أي: بلطفه وتأييده ﴿من الظلمات﴾ أي: الكفر ﴿إلى النور﴾ أي: الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. وعن ابن عباس: أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد ﷺ
﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ أي: الشيطان وقال مقاتل: هو كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة ﴿يخرجونهم﴾ أي: يدعونهم ﴿من النور﴾ الذي منحوه بالفطرة ﴿إلى الظلمات﴾ أي: الكفر.
فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط، أجيب: بأنّ الطبرانيّ روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد ﷺ كفروا به» ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من الظلمات، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال تعالى إخباراً عن يوسف ﵊: ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با﴾ (يوسف، ٣٨) ولم يكن قط في ملتهم وقيل: نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به، والطاغوت يكون مذكراً ومؤنثاً وواحداً وجمعاً، قال تعالى في المذكر: والواحد ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾ ، (النساء، ٦٠) وقال تعالى في المؤنث ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾ (الزمر، ١٧) وقال في الجمع: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ (البقرة، ٢٥٧) .
وقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ وعيد وتحذير. قال البيضاويّ: ولعلّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم.
ولما كان النمروذ المحاجج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ذكره عقب ذلك فقال: ﴿ألم تر﴾ أي: تعلم بما نخبرك به علماً هو عندك كالمشاهدة لمالك من كمال البصيرة، وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة
стр. 169
﴿إلى الذي﴾ وهو نمروذ ﴿حاج﴾ جادل وخاصم ﴿إبراهيم في ربه﴾ وهو أوّل من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية ﴿أن﴾ آي: لأن ﴿آتاه الله الملك﴾ فطغى أي: كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، فأورثه الكبر والعتق، فحاج لذلك. وقال مجاهد: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان ﷺ وذو القرنين، وأمّا الكافران فنمروذ بن كنعان وبختنصر، لم يملكها غيرهم. وفي الآية دليل على أنّ الله تعالى يعطي الكافر الملك، ففيها حجة على من منع إيتاء الملك للكافر من المعتزلة، وأوّل الملك بالمال والخدم الذي يتسلط به على غلبة الناس لا الملك الحقيقيّ وبهذا أوّل الزمخشريّ.
﴿إذ قال إبراهيم: ربي الذي﴾ قرأ حمزة ربي بسكون الياء والباقون بنصبها ﴿يحيي ويميت﴾ أي: يخلق الموت والحياة في الأجساد، وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره، قال له نمروذ: من ربك؟ فقال له إبراهيم ذلك.
واختلفوا في وقت هذه المناظرة فقال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمروذ، ثم أخرجه ليحرقه بالنار، فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ قال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أنّ الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال: أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له: من ربك؟ فقال له ذلك.
﴿قال أنا أحيي وأميت﴾ قرأ نافع بمدّ الألف من أنا فيصير مدّاً منفصلاً والباقون بالقصر، قال أكثر المفسرين: دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياءً، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا عجزاً بل رآه من غباوته، فإنّ حجته لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت، فكان له أن يقول: فأحي من أمتّ إن كنت صادقاً، لكنه انتقل إلى حجة أوضح من الأولى ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس﴾ وهو الذي أوجدها ﴿من المشرق﴾ أي: في كل يوم قبل أن توجد أنت بدهور.
﴿فأت بها﴾ أنت ﴿من المغرب﴾ إن كنت صادقاً فيما تدعيه، ولو يوماً واحداً، وفي ذلك إشعار بأنّ الله تعالى لا بدّ وأن يأتي بالشمس من المغرب، ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت، ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة لقيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها ﴿فبهت الذي كفر﴾ تحير ودهش وانقطعت حجته، ولم يعط إبراهيم طعاماً فرجع فمّر على كثيب رمل أعفر، فأخذ منه تطييباً لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلما أتى أهله ووضع متاعه نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام رأته، فأخذته وصنعت له منه وقربته له فقال لها: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعرف أنّ الله تعالى رزقه فحمد الله تعالى.
فإن قيل: كيف بهت نمروذ وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب؟ أجيب: بأنّ الله تعالى صرفه عن ذلك إظهاراً للحجة عليه، أو معجزة لإبراهيم ﵊ أو أنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكانت زيادة في فضيحته وانقطاعه.
ثم بعث الله تعالى إلى نمروذ بن كنعان ملكاً أن آمن بي وأتركك على ملكك قال: فهل رب غيري، فجاءه الثانية، فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له ذلك الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام،
стр. 170
فجمع الجبار جموعه، فأمر الله تعالى الملك، ففتح عليه باباً من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمروذ كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله عليه بعوضة فدخلت، في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه، ثم ضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله تعالى أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي بنى صرحاً طويلاً ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فأرسل الله تعالى عليه الريح فهدمته، وستأتي قصته في غافر إن شاء الله تعالى ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ بالكفر إلى محجة الاحتجاج.
﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾ فيه حذف تقديره أوَ رأيت مثل الذي، فحذف لدلالة ألم تر عليه، لأن كلتيهما كلمة تعجب، وتخصيصه بحرف التشبيه، لأنّ المنكرين للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدّعي الربوبية وقيل: الكاف مزيدة، وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو إلى الذي مرّ، والمار عزير بن شرحيا أو الخضر أو الكافر بالبعث، ويؤيد هذا نظمه مع نمروذ في سلك وكلمة الاستبعاد التي هي. أنّى يحيي، وأكثر المفسرين على الأوّل والقرية بيت المقدس حين خربها بختنصر وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثاً قتلهم، وثلثاً سباهم وثلثاً أقرهم بالشأم وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف وقيل غيرهما ﴿وهي خاوية﴾ أي: ساقطة ﴿على عروشها﴾ أي: سقوفها بأن سقط السقف أولاً ثم سقطت الجدران عليه، لما أخربها بختنصر ﴿قال أنى﴾ أي: كيف ﴿يحيي هذه الله بعد موتها﴾ أي: بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل، فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة، وهذا اعتراف بالعجز من معرفة طريق الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي، إن كان القائل مؤمناً واستبعاد إن كان كافراً.
﴿فأماته الله﴾ وألبثه ﴿مائة عام﴾ ميتاً ﴿ثم بعثه﴾ بالإحياء ليريه كيفية ذلك ﴿قال كم لبثت﴾ أي: مكثت أي: لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله كم لبثت؟ وعن ابن عباس أن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة فأصابه الحرّ، فدخل الخربة وهو على حمار له فنزل عن حماره ومعه سلّة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظلّ تلك الخربة وأخرج قصعة كانت معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في العصر ليبتل فيأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي ساقطة على عروشها ورأى عظاماً بالية فقال: ﴿أنى يحيى هذه الله بعد موتها﴾ فلم يشك أنّ الله يحييها ولكن قالها تعجباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركّب خلقه وهو ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى
стр. 171
ويعقل فاستوى جالساً فقال له الملك: كم لبثت؟ ﴿قال لبثت يوماً﴾ وذلك أنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال: لبثت يوماً وهو يرى أنّ الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ أي: بل بعض يوم ﴿قال﴾ أي: الله أو الملك له ﴿بل لبثت مائة عام﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت، وفي قال: لبثت وفي بل لبثت، والباقون بالإدغام.
ثم قال له الله أو الملك ﴿فانظر إلى طعامك﴾ وكان تيناً أو عنباً ﴿وشرابك﴾ وكان عصيراً أو لبناً ﴿لم يتسنه﴾ أي: لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته قال الكسائيّ أي: كأنه لم يأت عليه السنون، وإنما أفرد الضمير لأنّ الطعام والشراب كالجنس الواحد.
فإن قيل: إذا كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ أجاب الزمخشريّ بأنّ الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافراً وقال أبو حيان: لا نص في الآية، إنّ الله كلمه شفاهاً، وقرأ حمزة والكسائيّ لم يتسنّ بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع.
﴿وانظر إلى حمارك﴾ كيف هو فرآه ميتاً وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه، وقيل: رآه حياً مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف، كما حفظ الطعام والشراب من التغير.
وقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية وقيل: الواو زائدة مقحمة أي: لنجعلك عبرة ودلالة على البعث بعد الموت ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالراء ومعناه نحييها، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردّها إلى أماكنها من الجسد.
وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها: وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية للناس، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون: إنه أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتاً قال السديّ: إن الله أحيا عزيراً ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل، الذي ذهبت به الطيور والسباع، فاجتمعت فركب بعضها في بعض، وهو ينظر فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام لحماً ودماً كما قال تعالى: ﴿ثم نكسوها لحماً﴾ فصار حماراً لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى، وقال الأقلّون: أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائماً واقفاً كهيئته يوم ربطه، وهذا يؤيد كون حماره كان حياً وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة: وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها.
روي أن عزيراً لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عزير عنهم وهي بنت عشرين سنة فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت، وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً فقال: فإني أنا عزير فقالت: سبحان الله فإن عزيراً فقدناه من مائة سنة، لم نسمع له بذكر، قال: إنّ الله أماتني مائة سنة ثم
стр. 172
بعثني قالت: فإنّ عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك، فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، قال الضحاك: عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز، وهو أسود الرأس واللحية، فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أنّ الله أماته مائة عام ثم بعثه، فنهض الناس وأقبلوا عليه ونظروا إليه، وقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقال بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير، فقرأ لهم التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.u
وسيأتي الكلام على ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى.
﴿فلما تبين له﴾ ذلك بالمشاهدة وفاعل تبين مضمر تقديره: فلما تبيّن له أنّ الله على كل شيء قدير ﴿قال أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير﴾ فحذف من الأوّل لدلالة الثاني عليه كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً، وقرأ حمزة والكسائيّ بوصل الهمزة قبل العين وسكون الميم، والباقون بقطع الهمزة ورفع الميم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَاكِن لِّيَطْمئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا? وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَن?بَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُن?بُلَةٍ مِّا?ئَةُ حَبَّةٍ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا? مَنًّا وَ? أَذًى? لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى? وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ * يَ?اأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? تُبْطِلُوا? صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَا?ذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ? رِئَآءَ النَّاسِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ا?خِرِ? فَمَثَلُهُ? كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ? وَابِلٌ فَتَرَكَهُ? صَلْدًا? s يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا?? وَاللَّهُ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال إبراهيم رب أرني﴾ أي: أبصرني، قرأ ابن كثير والسوسي بسكون الراء من أرني، وقرأ الدوريّ باختلاس الكسرة، والباقون بكسرة كاملة ﴿كيف تحيي الموتى﴾ قال الحسن وقتادة والضحاك: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم ﵇ أنه مرّ على دابة ميتة، قال ابن جرير: كانت جيفة حمار فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبرّ، فكانت إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها، وما وقع منها، يصير في البحر وإذا انحسر البحر جاءت السباع فأكلت منها وما وقع منها يصير تراباً فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها وما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم تعجب منها وقال: يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها فأزداد يقيناً فعابه الله بقوله:
﴿قال أولم تؤمن﴾ بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيب بما أجاب به، فيعلم السامعون غرضه ﴿قال بلى﴾ يا رب آمنت ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ أي: ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له بعد علم اليقين عين اليقين، فإن العيان يفيد في المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال.
وأمّا قوله ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» فقال أبو سسليمان الخطابي: ليس فيه اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، وقيل: سبب سؤاله أنه لما قال له نمروذ أنا أحيي وأميت قال له: إن إحياء الله بردّ الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن يقول: نعم، وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه في الجواب إن سئل عنه مرّة
стр. 173
أخرى.
فإن قيل: بم تعلقت اللام في ليطمئن؟ أجيب: بأنها تعلقت بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب.
وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيى ولكنه طلبها تلويحاً، فأجيب بالمنع منها تلويحاً، وموسى ﵊ لما سألها تصريحا أجيب بالمنع تصريحاً.
قال تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ قال مجاهد وابن جرير: أخذ طاوساً وديكاً وحمامة وغراباً، وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبهاً، كتدوير الرأس والمشي على رجلين، وأجمع لخواص الحيوان لأنّ فيها ما يتكلم، وما يهتدي للطريق كالقطاة، وللمياه كالهدهد، وفي هذا إيماء إلى أنّ إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف، التي هي صفة الطاوس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس، وبعد الأمل المتصف بهما الغراب والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة. وروي بدلها البطة وبدل الغراب الغرنوق.
﴿فصرهنّ﴾ أي: فأمسكهن واضممهنّ ﴿إليك﴾ قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها.
فإن قيل: ما معنى أمره بضم الطير إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ أجيب: بأنه ليتأمّلها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها، لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك، ولذلك قال: ﴿يأتينك سعياً﴾ . وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال كما قال تعالى:
﴿ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ جزأ﴾ واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة: أمره الله تعالى أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل، على كل جبل جزء من كل طائر، وقال السديّ وابن جريج: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل، وأمسك رؤوسهنّ ثم دعاهنّ: تعالين بإذن الله، فجعل كل قطرة من دم طائر تصير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر، وإبراهيم ينظر حتى صارت جثثاً بغير رؤوس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعياً فالتقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: ﴿ثم أدعهنّ يأتينّك سعياً﴾ أي: سريعاً، وقيل: مشياً لأنها لو طارت لربما توهم متوهم أنها غير تلك الطير، وإنّ أرجلها غير سليمة قال البيضاويّ: وفي ذلك إشارة إلى أنّ من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية فعليه أن يقبل على القوى البدنية كالشهوة والغضب فيقتلها، ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها فتطاوعنه مسرعات متى دعاهنّ بداعية العقل أو الشرع، وكفى لك شاهداً على فضل إبراهيم ويمنه أي: بركته حيث سلك مسلك الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، أنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عزيراً بعد أن أماته مائة عام ﴿واعلم أنّ الله عزيز﴾ لا يعجز عما يريد ﴿حكيم﴾ ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله.
﴿مثل الذين ينفقون﴾ أي: يبذلون ﴿أموالهم﴾ بطيب النفس ﴿في سبيل الله﴾ الذي له الكمال كله أي: في طاعته كمثل زراع ومثل ما ينفقون ﴿كمثل حبة﴾ مما زرعه فلا بدّ من حذف كما تقرّر أو يقال مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة ﴿أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ والمنبت هو الله ، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم
стр. 174
بإظهار تاء التأنيث عند السين، والباقون بالإدغام، ومعنى إنباتها سبع سنابل أن يخرج منها ساق يتشعب منه سبع شعب لكل واحدة سنبلة، وهذا التمثيل تصوير الأضعاف كأنها مصوّرة بين عيني الناظر.
فإن قيل: كيف صح هذا التمثيل ولم نر سنبلة فيها مائة حبة؟ أجيب: بأنّ ذلك موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأرض القوية المغلة فبلغ حبها هذا المبلغ، وعلى تقدير عدم وجوده هو غير مستحيل وما لا يكون مستحيلاً يجوز ضرب المثل به وتأوّل ذلك الضحاك فقال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة.
فإن قيل: هلا قال الله تعالى سبع سنبلات، لأنه جمع قلة كما قال الله تعالى ﴿وسبع سنبلات خضر﴾ (يوسف، الآيات: ٤٣ ـ ٤٦) ؟ أجيب: بما تقدّم في قوله تعالى ﴿ثلاثة قروء﴾ (البقرة، ٢٢٨) .
﴿وا يضاعف لمن يشاء﴾ بفضله تلك المضاعفة أو يضاعف على هذا ويزيد لمن شاء ما بين سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب ﴿وا واسع﴾ أي: غنيّ يعطي عن سعة ﴿عليم﴾ بنية المنفق وقدر إنفاقه وبمن يستحق المضاعفة.
﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ أي: طاعته، قال الكلبيّ: نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله ﷺ فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله ﷺ «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» وأمّا عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وألف دينار.
قال عبد الرحمن بن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبيّ ﷺ فرأيت النبيّ ﷺ يدخل فيها يده ويقلبها ويقول: «ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم وقال: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه» .
﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً﴾ أي: على المنفق عليه بقولهم مثلاً: قد أحسنت إليه وجبرت حاله، فيعدّدون عليه النعمة، فحذر الله عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير ومن الله إفضال وتذكير وكان السلف يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، والعرب يمتدحون بترك المن ويذمون عليه فمن الأوّل قول القائل:
*زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير*
*تتناساه كأن لم تأته ... وهو في العالم مشهور كبير*
ومن الثاني قول القائل
*وإنّ امرأ أسدى إليّ صنيعة ... وذكرنيها مرّة لبخيل*
وقيل: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهي أمر من الآلاء مع المنّ، ويطلق المنّ أيضاً على النعمة، يقال: لفلان عليّ منة أي: نعمة وأنشد ابن الأنباري:
*فمني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودرّ منظم
وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً﴾ (آل عمران، ١٦٤) الآية ﴿ولا أذى﴾ له كأن يذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه، أو يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، وثم للتفاوت بين الإنفاق وترك المن
стр. 175
والأذى ﴿لهم أجرهم﴾ أي: ثواب إنفاقهم ﴿عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ أي: فلا يخافون فقد أجورهم ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة بسبب أن لا يوجد.
﴿قول معروف﴾ أي: كلام حسن وردّ على السائل جميل، لأنّ القول الجميل وإن كان يردّ السائل يفرح قلبه، ويروح روحه وقيل: عدة حسنة ﴿ومغفرة﴾ أي: بأن يستر عليه خلته ولا يهتك ستره، ويتجاوز عنه إذا وجد منه ما ينقل عليه عند ردّه ﴿خير من صدقة﴾ يدفعها إليه ﴿يتبعها أذى﴾ أي: منّ وتعيير السائل أو قول يؤذيه.
فإن قيل: لِمَ لم يعد ذكر المنّ فيقول: يتبعها منّ أو أذى؟ أجيب: بأنّ الأذى يشمل المنّ وغيره، كما تقرّر وإنما نصّ عليه فيما مرّ لكثرة وقوعه من المتصدّقين، وعسر تحفظهم منه، ولذلك قدّم على الأذى قال بعضهم: الآية واردة في صدقة التطوّع؛ لأنّ الواجب لا يحل منعه ويحتمل أن يراد بها الواجب، فإنه قد يعدل به عن سائل إلى سائل، وعن نفر، إلى نفر وإنما صحّ الابتداء بالنكرة وهي قول لاختصاصها بالصفة وهي معروف، وأمّا المعطوف وهو مغفرة فلا يحتاج إلى مخصص لتبعيتها ﴿وا غنيّ﴾ عن صدقة العباد، وإنما أمرهم ليثيبهم عليها ﴿حليم﴾ بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي بصدقته.
﴿يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم﴾ أي: أجورها لأنّ الصدقة وقعت فلا يصح أن تبطل ﴿بالمنّ والأذى﴾ .
فإن قيل: ظاهر هذا اللفظ أنّ مجموع المنّ والأذى يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر، أجيب: بأنّ الشرط أن لا يوجد واحد منهما دون الآخر لأنّ قوله تعالى: ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً﴾ ولا أذى يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي: فتبطل لكل واحد منهما إبطالاً.
﴿كالذي﴾ أي: كإبطال أجر نفقة الذي ﴿ينفق ماله رئاء الناس﴾ أي: مرائياً لهم، ليروا نفقته، ويقولون: إنه كريم سخي ﴿ولا يؤمن با واليوم الآخر﴾ وهو المنافق لأنّ الكافر معلن بكفره غير مراء ﴿فمثله﴾ أي: هذا المرائي في إنفاقه ﴿كمثل صفوان﴾ وهو الحجر الأملس ﴿عليه﴾ أي: استقرّ عليه ﴿تراب﴾ والتراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع. وقال المبرد: هو جمع واحده ترابة، وفائدة هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته: أنت طالق عدد التراب أنه يقع عليه طلقة على الأوّل وهو الأصح وثلاث على الثاني ﴿فأصابه وابل﴾ وهو المطر الشديد العظيم القطر ﴿فتركه صلداً﴾ أي: أملس نقياً من التراب وقوله تعالى: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾ استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رياء أي: لا يجدون له ثواباً في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له.
فإن قيل: كيف قال تعالى لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق؟ أجيب: بأنه تعالى أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من والذي يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء يقول الله تعالى لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» وروى أبو هريرة: «أنّ رسول الله ﷺ حدثه أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ـ أي: أمره ـ ليقضي بينهم وكل أمة جاثية وأوّل من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول
стр. 176
الله تعالى للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وأناء النهار فيقول الله تعالى: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان قارىء، وقد قيل، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيماذا قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل، ثم ضرب رسول الله ﷺ ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» .
﴿وا لا يهدي القوم الكافرين﴾ إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأنّ الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق صفة الكفار ولا بد أن تجتنبوا عنها.
﴿ومثل﴾ نفقات ﴿الذين ينفقون أموالهم ابتغاء﴾ أي: طلب ﴿مرضاة الله﴾ أي: رضاه ﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ أي: تثبيتاً بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم، والصبر على جميع مشاق التكاليف، فإن من راض نفسه يحملها على بذل المال، الذي هو شقيق الروح، فإن بذله أشق شيء على النفس؛ لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكاليفها بما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقلّ طعمها في اتباعه لشهواتها فيسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طَعَمُها في اتباع الشهوات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قوله: هز من عطفه وحرك من نشاطه.
فإن قيل: ما معنى التبعيض؟ أجيب: بأنّ معناه إنّ من بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها أو تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله تعالى علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه، فمن على هذا لابتداء الغاية كقوله تعالى: ﴿حسداً من عند أنفسهم﴾ ﴿كمثل جنة﴾ أي: بستان ﴿بربوة﴾ وهي المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار، فلا يعلوه الماء ولا يعلو هو على الماء، وإنما جعلها بربوة، لأنّ النبات عليها أحسن وأزكى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء والباقون بضمها ﴿أصابها وابل﴾ أي: مطر شديد كثير.
﴿فأتت﴾ أي: أعطت ﴿أكلها﴾ أي: ثمرتها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بسكون الكاف، والباقون بضمها ﴿ضعفين﴾ أي: مثلي ما يثمر غيرها بسبب الوابل والمراد بالضعف المثل وقيل: أربعة أمثاله، لأنّ الضعف قدر الشيء ومثله معه، فيكون الضعفان أربعة واستظهره البقاعي، وقال أبو حيان: يحتمل أنها للتكثير أي: ضعفاً بعد ضعف أي: أضعافاً كثيرة، لأنّ النفقة لا تضاعف بحسنة فقط، بل بعشر وسبعمائة وأزيد، ونصبه على الحال أي: مضاعفاً.
﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ أي: مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى تثمر وتزكو كثر المطر أو قل، فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أو قلت ﴿وا بما تعملون بصير﴾ فيجازيكم به ففيه وعد ووعيد.
﴿أيودّ أحدكم﴾ أي: أيحب حباً شديداً ﴿أن تكون له جنة﴾ أي: بستان ﴿من نخيل﴾ جمع نخلة، وهي الشجرة القائمة على ساق،
стр. 177
ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى في خشبها مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله ﴿وأعناب﴾ جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ثمره بجهة العلو اختصاص النخلة، بل يتفرّع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله كمثل المؤمن المتّقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة.
ولما كانت الجنان لا تقوم ولا تدوم إلا بالماء قال تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: من تحت هذه الأشجار ﴿له فيها﴾ أي: الجنة ثمر مع ثمر النخل والعنب ﴿من كل الثمرات﴾ فهي محتوية على سائر أنواع الأشجار، وإنما خص النخل والعنب بالذكر لشرفهما وكثرة منافعهما وحسن منظرهما ﴿وأصابه﴾ أي: والحال أنه أصابه ﴿الكبر﴾ أي: كبر السنّ فصار لا يقدر على اكتساب. ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ بالصغر كما ضعف هو بالكبر ﴿فأصابها﴾ أي: الجنة ﴿إعصار﴾ وهو الريح العاصف الذي يرتفع إلى السماء كأنها عمود، وتسميها العامة الزوبعة وجمعه أعاصر، والإعصار من بين سائر الرياح مذكر، ولهذا رجع إليه الضمير مذكراً في قوله: ﴿فيه نار فاحترقت﴾ تلك الجنة ففقدها أحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم.
وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بها فإذا كبر وضعف وصار له أولاد ضعفاء صغار أصاب جنة إعصار فيه نار فاحترقت أحوج ما يكون إليها، وضعف عن إصلاحها لكبره، وضعفت أولاده عن إصلاحها، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده، ما يعودون به عليه، فبقوا جميعاً متحيرين عجزة لا حيلة لهم، كذلك يبطل الله تعالى عمل المنافق والمرائي في الآخرة، حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، والاستفهام بمعنى النفي.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب لرجل عمل بالطاعات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.
﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا البيان ﴿يبين الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿لكم الآيات لعلكم﴾ أي: لكي ﴿تتفكرون﴾ فيها فتعتبرون بها.
ولما ذكر أن الإنفاق على قسمين وبين كل قسم وضرب له مثلاً ذكر كيفية الانفاق بقوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا﴾ أي: زكوا ﴿من طيبات﴾ أي: جياد ﴿ما كسبتم﴾ من المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كسبه» وقال ﷺ «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده» وكان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده.
والزكاة واجبة في مال التجارة فبعد الحول تقوم العروض، فيخرج من قيمتها عشرين ديناراً، أو مائتي درهم فضة فيزكيها، قال سمرة بن جندب: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعدّ للبيع» .
﴿ومما﴾ أي: ومن طيبات ما ﴿أخرجنا لكم من الأرض﴾ من الحبوب والثمار والمعادن فحذف المضاف وهو طيبات من الثاني لتقدّم ذكره. وفي هذا أمر بإخراج العشر من الثمار والحبوب، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقياً بماء السماء، أو من نهر يجري الماء فيه من غير مؤنة، وإن كان مسقياً بساقية أو نضح ففيه نصف العشر، لقوله ﷺ «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما يسقي بالنضح نصف العشر»
стр. 178
وعنه: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وقال قوم الآية في صدقة التطوع قال ﷺ «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» .
﴿ولا تيمموا﴾ أي: لا تقصدوا ﴿الخبيث﴾ أي: الرديء ﴿منه﴾ أي: المذكور ﴿تنفقون﴾ في الزكاة حال من ضمير تيمموا ﴿ولستم بآخذيه﴾ أي: الخبيث ﴿إلا أن تغمضوا﴾ أي: تسامحوا ﴿فيه﴾ بالحياء مع الكراهة مجاز من أغمض بصره إذا غضه.
وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشواره فنهوا عن ذلك، هذا إذا كان المال كله أو بعضه جيداً فإن كان كل ماله ردياً فلا بأس بإعطاء الرديء ﴿واعلموا أنّ الله غنيّ﴾ عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانتفاعكم ﴿حميد﴾ أي: يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب.
﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ أي: يخوّفكم به إن تصدّقتم ويقال: وعدته خيراً ووعدته شراً قال تعالى في الخير: ﴿عدكم الله مغانم كثيرة﴾ (الفتح، ٢٠) وقال في الشر: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ (الحج، ٧٢) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت: في الخير وعدته، وفي الشر: أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ما في اليد وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية أن الشيطان يخوّفكم بالفقر، ويقول للرجل: أمسك مالك فإنك إذا تصدّقت افتقرت.
﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي: بالبخل ومنع الزكاة قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزناء إلا في هذا الموضع.
﴿وا يعدكم مغفرة منه﴾ لما وقع منكم من تقصير وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه الإنسان من النقص.
﴿وفضلاً﴾ بالزيادة في الدارين وكل نعمة منه فضل ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿وا واسع﴾ فضله ﴿عليم﴾ بالمنفق وغيره.
وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دقّ، وعن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله تعالى قال: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال رسول الله ﷺ «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مند خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه» قال: «وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض» وعن أسماء أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى الله عليك» .
﴿يؤتى الحكمة﴾ أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل. وقال السدّي: هي النبوّة وقال ابن عباس وقتادة: علم القرآن ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثال ذلك وقال الضحاك: هي القرآن والفهم فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهنّ وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والنفقة.
وقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾ مفعول أوّل أخر للاهتمام بالمفعول الثاني وهو الحكمة ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ لمصيره إلى السعادة الأبدية ﴿وما يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما قص من الآيات أي: ما يتفكر فإنّ المتفكر كالمتذكر لما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالقوّة ﴿إلا أولوا الألباب﴾ أي: أصحاب العقول الخالصة من
стр. 179
شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى.
﴿س٢ش٢٧٠/ش٢٧٤ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ?? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِن تُبْدُوا? الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ? وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ? وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّ?َاتِكُمْ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَ?ـاهُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَ?نفُسِكُمْ? وَمَا تُنفِقُونَ إِ s ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا? فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ا?رْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ يَسْـ?َلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ? عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَ نِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ﴾
﴿وما أنفقتم﴾ أي: أديتم ﴿من نفقة﴾ قليلة أو كثيرة سراً أو علانية زكاة أو صدقة تطوع ﴿أو نذرتم من نذر﴾ بشرط أو بغير شرط فوفيتم به ﴿فإنّ الله يعلمه﴾ فيجازيكم به.
فإن قيل: لِمَ وحّد الضمير في يعلمه وقد تقدّم شيئان: النفقة والنذر؟ أجيب: بأنّ العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يجوز أكرمتهما بل يجوز أن يراعى الأول نحو زيد أو هند منطلق، والثاني نحو زيد أو هند منطلقة، والآية من هذا، ومن مراعاة الأوّل ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ (الجمعة، ١١) ولا يجاز أن يقال: منطلقان ولهذا أوجل النحاة قوله تعالى: ﴿إن يكن غنياً أو فقيراً فا أولى بهما﴾ (النساء، ١٣٥) كما سيأتي إن شاء الله تعالى ﴿وما للظالمين﴾ بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في غير محله من معاصي الله تعالى ﴿من أنصار﴾ أي: من ينصرهم من الله ويمنعهم من عذابه فهو على طريق التوزيع والمقابلة أي: لا ناصر لظالم قط فسقط ما يقال إنّ نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر.
﴿إن تبدوا﴾ أي: تظهروا ﴿الصدقات﴾ أي: النوافل ﴿فنعما هي﴾ أي: فنعم شيئاً إبداؤها، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، والباقون بكسرها، وقرأ قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين، والباقون بالكسرة الكاملة.
﴿وإن تخفوها﴾ أي: تسروها ﴿وتؤتوها الفقراء﴾ أي: تعطوها لهم في السر ﴿فهو خير لكم﴾ أي: أفضل من إبدائها وإيتاؤها للفقراء أفضل من إيتائها للأغنياء. سئل ﷺ هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية، وفي الحديث: «صدقة السر تطفىء غضب الرب» وقال ﷺ «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله تعالى فاجتمعا على ذلك وتفرّقا، ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» نعم إن كان ممن يقتدى به فالإظهار في حقه أفضل، أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت أفضل وليقتدى به، لئلا يتهم ولا يجوز دفع شيء منها للأغنياء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» .
تنبيه: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ (هود، ١٠٣) وقال ﵊: «نفقة المرء على عياله صدقة» والزكاة لا تطلق إلا على الفرض» ﴿ونكفّر عنكم من سيآتكم﴾ أي: بعضها وقيل: من صلة، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء التحتية، والباقون بالنون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء بالعطف على محل فهو، والباقون بالرفع على الاستئناف.
وقوله تعالى: ﴿وا بما تعملون خبير﴾ فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم بباطن الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه.
ولما منع النبيّ ﷺ المسلمين من التصدّق على فقراء المشركين، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل:
﴿ليس عليك هداهم﴾ أي: لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، وإنما عليك الإرشاد
стр. 180
والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث.
وقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ أي: هداية التوفيق صريح بأنّ الهداية من الله وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم، أما هدى البيان فكان على رسول الله ﷺ فأعطوهم بعد نزول الآية ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي: من مال.
وقوله تعالى: ﴿فلأنفسكم﴾ خبر لمبتدأ محذوف أي: فهي لأنفسكم؛ لأنّ ثوابه لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث.
وقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ عطف على ما قبله أي: وليس نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله، ولطلب ما عنده، فما لكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله تعالى ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾ ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجلها، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من خير فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله ﷺ «اللهمّ اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً» رواه البخاري.
﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً تفضلاً من الله تعالى عليكم، وهذا في صدقة التطوّع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها فنزلت.
وروى النسائي والحاكم أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت. وعن بعض العلماء: لو كان المنفق عليه أشر خلق الله كان لك ثواب نفقتك. وأمّا الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل السهمان المذكورين في سورة التوبة، لكن جوّز أبو حنيفة ﵀ صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة.
وقوله تعالى:
﴿للفقراء﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر كاجعلوا ما تنفقون للفقراء ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾ أي: حبسوا أنفسهم على الجهاد وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحواً من أربعمائة لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، كانوا يسكنون صفّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ وهم المشهورون بأصحاب الصّفّة، فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
﴿لا يستطيعون ضرباً﴾ أي: سفراً ﴿في الأرض﴾ للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد ﴿يحسبهم الجاهل﴾ بحالهم ﴿أغنياء من التعفف﴾ أي: لأجل تعففهم عن السؤال.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها ﴿تعرفهم﴾ أيها المخاطب ﴿بسيماهم﴾ أي: بعلامتهم من التخشع والتواضع، وصفرة الوجوه، ورثاثة الحالة ﴿لا يسألون الناس﴾ شيئاً فيلحفون ﴿إلحافاً﴾ أي: لا سؤال لهم أصلاً فلا يقع منهم إلحاف ومثل ذلك قول الشاعر:
*لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر*
أي: ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضب فينجحر، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب والإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده وقيل: إنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا.
следующие страницы →