Полный текст (2 552 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الله تعالى للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وأناء النهار فيقول الله تعالى: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان قارىء، وقد قيل، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيماذا قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل، ثم ضرب رسول الله ﷺ ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» .
﴿وا لا يهدي القوم الكافرين﴾ إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأنّ الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق صفة الكفار ولا بد أن تجتنبوا عنها.
﴿ومثل﴾ نفقات ﴿الذين ينفقون أموالهم ابتغاء﴾ أي: طلب ﴿مرضاة الله﴾ أي: رضاه ﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ أي: تثبيتاً بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم، والصبر على جميع مشاق التكاليف، فإن من راض نفسه يحملها على بذل المال، الذي هو شقيق الروح، فإن بذله أشق شيء على النفس؛ لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكاليفها بما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقلّ طعمها في اتباعه لشهواتها فيسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طَعَمُها في اتباع الشهوات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قوله: هز من عطفه وحرك من نشاطه.
فإن قيل: ما معنى التبعيض؟ أجيب: بأنّ معناه إنّ من بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها أو تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله تعالى علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه، فمن على هذا لابتداء الغاية كقوله تعالى: ﴿حسداً من عند أنفسهم﴾ ﴿كمثل جنة﴾ أي: بستان ﴿بربوة﴾ وهي المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار، فلا يعلوه الماء ولا يعلو هو على الماء، وإنما جعلها بربوة، لأنّ النبات عليها أحسن وأزكى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء والباقون بضمها ﴿أصابها وابل﴾ أي: مطر شديد كثير.
﴿فأتت﴾ أي: أعطت ﴿أكلها﴾ أي: ثمرتها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بسكون الكاف، والباقون بضمها ﴿ضعفين﴾ أي: مثلي ما يثمر غيرها بسبب الوابل والمراد بالضعف المثل وقيل: أربعة أمثاله، لأنّ الضعف قدر الشيء ومثله معه، فيكون الضعفان أربعة واستظهره البقاعي، وقال أبو حيان: يحتمل أنها للتكثير أي: ضعفاً بعد ضعف أي: أضعافاً كثيرة، لأنّ النفقة لا تضاعف بحسنة فقط، بل بعشر وسبعمائة وأزيد، ونصبه على الحال أي: مضاعفاً.
﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ أي: مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى تثمر وتزكو كثر المطر أو قل، فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أو قلت ﴿وا بما تعملون بصير﴾ فيجازيكم به ففيه وعد ووعيد.
﴿أيودّ أحدكم﴾ أي: أيحب حباً شديداً ﴿أن تكون له جنة﴾ أي: بستان ﴿من نخيل﴾ جمع نخلة، وهي الشجرة القائمة على ساق،
стр. 177
ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى في خشبها مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله ﴿وأعناب﴾ جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ثمره بجهة العلو اختصاص النخلة، بل يتفرّع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله كمثل المؤمن المتّقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة.
ولما كانت الجنان لا تقوم ولا تدوم إلا بالماء قال تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: من تحت هذه الأشجار ﴿له فيها﴾ أي: الجنة ثمر مع ثمر النخل والعنب ﴿من كل الثمرات﴾ فهي محتوية على سائر أنواع الأشجار، وإنما خص النخل والعنب بالذكر لشرفهما وكثرة منافعهما وحسن منظرهما ﴿وأصابه﴾ أي: والحال أنه أصابه ﴿الكبر﴾ أي: كبر السنّ فصار لا يقدر على اكتساب. ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ بالصغر كما ضعف هو بالكبر ﴿فأصابها﴾ أي: الجنة ﴿إعصار﴾ وهو الريح العاصف الذي يرتفع إلى السماء كأنها عمود، وتسميها العامة الزوبعة وجمعه أعاصر، والإعصار من بين سائر الرياح مذكر، ولهذا رجع إليه الضمير مذكراً في قوله: ﴿فيه نار فاحترقت﴾ تلك الجنة ففقدها أحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم.
وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بها فإذا كبر وضعف وصار له أولاد ضعفاء صغار أصاب جنة إعصار فيه نار فاحترقت أحوج ما يكون إليها، وضعف عن إصلاحها لكبره، وضعفت أولاده عن إصلاحها، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده، ما يعودون به عليه، فبقوا جميعاً متحيرين عجزة لا حيلة لهم، كذلك يبطل الله تعالى عمل المنافق والمرائي في الآخرة، حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، والاستفهام بمعنى النفي.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب لرجل عمل بالطاعات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.
﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا البيان ﴿يبين الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿لكم الآيات لعلكم﴾ أي: لكي ﴿تتفكرون﴾ فيها فتعتبرون بها.
ولما ذكر أن الإنفاق على قسمين وبين كل قسم وضرب له مثلاً ذكر كيفية الانفاق بقوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا﴾ أي: زكوا ﴿من طيبات﴾ أي: جياد ﴿ما كسبتم﴾ من المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كسبه» وقال ﷺ «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده» وكان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده.
والزكاة واجبة في مال التجارة فبعد الحول تقوم العروض، فيخرج من قيمتها عشرين ديناراً، أو مائتي درهم فضة فيزكيها، قال سمرة بن جندب: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعدّ للبيع» .
﴿ومما﴾ أي: ومن طيبات ما ﴿أخرجنا لكم من الأرض﴾ من الحبوب والثمار والمعادن فحذف المضاف وهو طيبات من الثاني لتقدّم ذكره. وفي هذا أمر بإخراج العشر من الثمار والحبوب، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقياً بماء السماء، أو من نهر يجري الماء فيه من غير مؤنة، وإن كان مسقياً بساقية أو نضح ففيه نصف العشر، لقوله ﷺ «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما يسقي بالنضح نصف العشر»
стр. 178
وعنه: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وقال قوم الآية في صدقة التطوع قال ﷺ «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» .
﴿ولا تيمموا﴾ أي: لا تقصدوا ﴿الخبيث﴾ أي: الرديء ﴿منه﴾ أي: المذكور ﴿تنفقون﴾ في الزكاة حال من ضمير تيمموا ﴿ولستم بآخذيه﴾ أي: الخبيث ﴿إلا أن تغمضوا﴾ أي: تسامحوا ﴿فيه﴾ بالحياء مع الكراهة مجاز من أغمض بصره إذا غضه.
وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشواره فنهوا عن ذلك، هذا إذا كان المال كله أو بعضه جيداً فإن كان كل ماله ردياً فلا بأس بإعطاء الرديء ﴿واعلموا أنّ الله غنيّ﴾ عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانتفاعكم ﴿حميد﴾ أي: يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب.
﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ أي: يخوّفكم به إن تصدّقتم ويقال: وعدته خيراً ووعدته شراً قال تعالى في الخير: ﴿عدكم الله مغانم كثيرة﴾ (الفتح، ٢٠) وقال في الشر: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ (الحج، ٧٢) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت: في الخير وعدته، وفي الشر: أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ما في اليد وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية أن الشيطان يخوّفكم بالفقر، ويقول للرجل: أمسك مالك فإنك إذا تصدّقت افتقرت.
﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي: بالبخل ومنع الزكاة قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزناء إلا في هذا الموضع.
﴿وا يعدكم مغفرة منه﴾ لما وقع منكم من تقصير وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه الإنسان من النقص.
﴿وفضلاً﴾ بالزيادة في الدارين وكل نعمة منه فضل ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿وا واسع﴾ فضله ﴿عليم﴾ بالمنفق وغيره.
وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دقّ، وعن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله تعالى قال: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال رسول الله ﷺ «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مند خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه» قال: «وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض» وعن أسماء أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى الله عليك» .
﴿يؤتى الحكمة﴾ أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل. وقال السدّي: هي النبوّة وقال ابن عباس وقتادة: علم القرآن ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثال ذلك وقال الضحاك: هي القرآن والفهم فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهنّ وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والنفقة.
وقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾ مفعول أوّل أخر للاهتمام بالمفعول الثاني وهو الحكمة ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ لمصيره إلى السعادة الأبدية ﴿وما يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما قص من الآيات أي: ما يتفكر فإنّ المتفكر كالمتذكر لما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالقوّة ﴿إلا أولوا الألباب﴾ أي: أصحاب العقول الخالصة من
стр. 179
شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى.
﴿س٢ش٢٧٠/ش٢٧٤ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ?? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِن تُبْدُوا? الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ? وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ? وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّ?َاتِكُمْ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَ?ـاهُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَ?نفُسِكُمْ? وَمَا تُنفِقُونَ إِ s ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا? فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ا?رْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ يَسْـ?َلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ? عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَ نِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ﴾
﴿وما أنفقتم﴾ أي: أديتم ﴿من نفقة﴾ قليلة أو كثيرة سراً أو علانية زكاة أو صدقة تطوع ﴿أو نذرتم من نذر﴾ بشرط أو بغير شرط فوفيتم به ﴿فإنّ الله يعلمه﴾ فيجازيكم به.
فإن قيل: لِمَ وحّد الضمير في يعلمه وقد تقدّم شيئان: النفقة والنذر؟ أجيب: بأنّ العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يجوز أكرمتهما بل يجوز أن يراعى الأول نحو زيد أو هند منطلق، والثاني نحو زيد أو هند منطلقة، والآية من هذا، ومن مراعاة الأوّل ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ (الجمعة، ١١) ولا يجاز أن يقال: منطلقان ولهذا أوجل النحاة قوله تعالى: ﴿إن يكن غنياً أو فقيراً فا أولى بهما﴾ (النساء، ١٣٥) كما سيأتي إن شاء الله تعالى ﴿وما للظالمين﴾ بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في غير محله من معاصي الله تعالى ﴿من أنصار﴾ أي: من ينصرهم من الله ويمنعهم من عذابه فهو على طريق التوزيع والمقابلة أي: لا ناصر لظالم قط فسقط ما يقال إنّ نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر.
﴿إن تبدوا﴾ أي: تظهروا ﴿الصدقات﴾ أي: النوافل ﴿فنعما هي﴾ أي: فنعم شيئاً إبداؤها، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، والباقون بكسرها، وقرأ قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين، والباقون بالكسرة الكاملة.
﴿وإن تخفوها﴾ أي: تسروها ﴿وتؤتوها الفقراء﴾ أي: تعطوها لهم في السر ﴿فهو خير لكم﴾ أي: أفضل من إبدائها وإيتاؤها للفقراء أفضل من إيتائها للأغنياء. سئل ﷺ هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية، وفي الحديث: «صدقة السر تطفىء غضب الرب» وقال ﷺ «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله تعالى فاجتمعا على ذلك وتفرّقا، ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» نعم إن كان ممن يقتدى به فالإظهار في حقه أفضل، أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت أفضل وليقتدى به، لئلا يتهم ولا يجوز دفع شيء منها للأغنياء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» .
تنبيه: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ (هود، ١٠٣) وقال ﵊: «نفقة المرء على عياله صدقة» والزكاة لا تطلق إلا على الفرض» ﴿ونكفّر عنكم من سيآتكم﴾ أي: بعضها وقيل: من صلة، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء التحتية، والباقون بالنون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء بالعطف على محل فهو، والباقون بالرفع على الاستئناف.
وقوله تعالى: ﴿وا بما تعملون خبير﴾ فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم بباطن الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه.
ولما منع النبيّ ﷺ المسلمين من التصدّق على فقراء المشركين، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل:
﴿ليس عليك هداهم﴾ أي: لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، وإنما عليك الإرشاد
стр. 180
والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث.
وقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ أي: هداية التوفيق صريح بأنّ الهداية من الله وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم، أما هدى البيان فكان على رسول الله ﷺ فأعطوهم بعد نزول الآية ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي: من مال.
وقوله تعالى: ﴿فلأنفسكم﴾ خبر لمبتدأ محذوف أي: فهي لأنفسكم؛ لأنّ ثوابه لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث.
وقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ عطف على ما قبله أي: وليس نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله، ولطلب ما عنده، فما لكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله تعالى ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾ ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجلها، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من خير فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله ﷺ «اللهمّ اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً» رواه البخاري.
﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً تفضلاً من الله تعالى عليكم، وهذا في صدقة التطوّع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها فنزلت.
وروى النسائي والحاكم أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت. وعن بعض العلماء: لو كان المنفق عليه أشر خلق الله كان لك ثواب نفقتك. وأمّا الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل السهمان المذكورين في سورة التوبة، لكن جوّز أبو حنيفة ﵀ صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة.
وقوله تعالى:
﴿للفقراء﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر كاجعلوا ما تنفقون للفقراء ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾ أي: حبسوا أنفسهم على الجهاد وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحواً من أربعمائة لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، كانوا يسكنون صفّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ وهم المشهورون بأصحاب الصّفّة، فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
﴿لا يستطيعون ضرباً﴾ أي: سفراً ﴿في الأرض﴾ للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد ﴿يحسبهم الجاهل﴾ بحالهم ﴿أغنياء من التعفف﴾ أي: لأجل تعففهم عن السؤال.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها ﴿تعرفهم﴾ أيها المخاطب ﴿بسيماهم﴾ أي: بعلامتهم من التخشع والتواضع، وصفرة الوجوه، ورثاثة الحالة ﴿لا يسألون الناس﴾ شيئاً فيلحفون ﴿إلحافاً﴾ أي: لا سؤال لهم أصلاً فلا يقع منهم إلحاف ومثل ذلك قول الشاعر:
*لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر*
أي: ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضب فينجحر، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب والإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده وقيل: إنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا.
стр. 181
قال النبيّ ﷺ «إن الله يحب الحييّ الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف» ، وقال ﷺ «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه» وقال ﷺ «من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خدوش» قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهماً أو قيمتها» ﴿وما ينفقوا من خير﴾ أي: مال ﴿فإنّ الله به عليم﴾ فيجازيكم وفي هذا ترغيب في الإنفاق.
﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار وسراً وعلانية﴾ أي: يعمّون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: تصدّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشرة بالعلانية. وفي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية. وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد فإنها تعلف ليلاً ونهاراً سراً وعلانية.
روي أنه ﷺ قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» وقوله تعالى: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ خبر الذين ينفقون والفاء للسببية.
فإن قيل: أيّ فرق بين قوله هنا ﴿فلهم أجرهم﴾ (البقرة، ٢٧٤) وفيما مرّ ﴿لهم أجرهم﴾ (البقرة، ٢٦٢) ؟ أجيب: بأنّ الموصول ثم لم يضمن معنى الشرط وضمنه هنا.
أي: يأخذونه وهو لغة الزيادة وشرعاً عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء وهو البيع إلى أجل وإنما ذكر الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال كقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ (النساء، ١٠) فنبه بالأكل على ما سواه من وجوه الإتلافات؛ ولأنّ نفس الربا الذي هو الزيادة لا يؤكل وإنما يصرف في المأكول وقال ﷺ «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له» فعلمنا أنّ الحرمة غير مختصة بالأكل.
ولما كان بين الصدقة والربا مناسبة من جهة التضادّ؛ لأنّ الصدقة عبارة عن تنقيص المال بأمر الله بذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه فكانا كالمتضادين ذكر عقب الصدقة ويرسم بالواو والألف بعد الواو وإنما رسم على لغة من يفخم وهو يميل الألف أي يخرج الواو كما كتبت الصلاة والزكاة. وقيل: لأنّ أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو بالواو الساكنة، فعلموهم الخط على لغتهم وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع ﴿لا يقومون﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿إلا﴾ أي: قياماً ﴿كما يقوم الذي يتخبطه﴾ أي: يصرعه ﴿الشيطان﴾ وقوله تعالى: ﴿من المس﴾ أي: الجنون متعلق بتخبطه من جهة الجنون فيكون في موضع نصب قاله أبو البقاء: والمعنى أنّ آكل الربا يبعث يوم القيامة وهو كالمصروع تلك سيماه يعرف بها عند أهل الموقف.
فإن قيل: لم نسب هذا للشيطان؟ أجيب: بأنه وارد على ما تزعم العرب أنّ الشيطان يتخبط الإنسان فيصرع والخبط الضرب على غير استواء يقال: ناقة خبوط للتي تطأ الناس
стр. 182
وتضرب الأرض بقوائمها ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه إنه يخبط خبط عشواء وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون؛ لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش ﴿ذلك﴾ أي: الذي نزل بهم ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قالوا إنما البيع مثل الربوا﴾ في الجواز.
فإن قيل: ما الحكمة في قلب القصة ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق؛ لأنّ حل البيع متفق عليه وهم أرادوا قياس الربا عليه فكان نظم الكلام أن يقال إنما الربا مثل البيع؟ أجيب: بأنّ هذا من عكس التشبيه مبالغة إذ به صار المشبه مشبهاً به وبالعكس وشأن المشبه به أن يكون أقوى من المشبه أو بأنهم لم يكن مقصودهم أن يتمسكوا بنظم القياس بل كان غرضهم أنّ البيع والربا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والآخر بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز وقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرّم الربوا﴾ إنكار لتسويتهم وإبطال القياس لمعارضته النص.
تنبيه: أظهر قولي الشافعيّ أنّ هذه الآية عامّة في كل بيع إلا ما خص بالسنة وأنه ﷺ نهى عن بيوع، والثاني إنها مجملة والسنة مبينة لها أو تظهر فائدة الخلاف في الاستدلال بها في مسائل الخلاف فعلى الأوّل يستدل بها وعلى الثاني لا يستدل ﴿فمن جاءه﴾ أي: بلغه ﴿موعظة﴾ أي: وعظ ﴿من ربه﴾ وزجر بالنهي عن الربا ﴿فانتهى﴾ أي: فاتبع النهي وامتنع من أكله ﴿فله ما سلف﴾ أي: ما مضى قبل النهي فلا يستردّ منه ما أخذه من الربا وقيل: ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له ﴿وأمره إلى الله﴾ بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الإنتهاء وإن شاء خذله حتى يعود. وقيل: أمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس له من أمر نفسه شيء ﴿ومن عاد﴾ إلى تحليل الربا مشبهاً له بالبيع في الحل ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ لأنهم كفروا بذلك وورد أنه ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله والواشمة والمستوشمة والمصوّر وأنه ﷺ قال: «الربا سبعون باباً أهونها عند الله كالذي ينكح أمّه» .
﴿يمحق الله الربوا﴾ أي: يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعود الربا وإن كثر فإلى قل ﴿ويربي الصدقات﴾ أي: يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه.
روى الشيخان أنه ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم فلوه» .
وروى الإمام أحمد: «ما نقص مال من صدقة» ﴿وا لا يحب كل كفار﴾ أي: مصرّ على تحليل المحرّمات كمن يحلّل الربا ﴿أثيم﴾ منهمك في ارتكابه.
﴿إنّ الذين آمنوا﴾ بالله وبرسوله ربما جاء لهم عنه ﴿وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وإنما عطفهما على ما يعمهما لشرفهما ﴿لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ من آت ﴿ولا هم يحزنون﴾ على فائت وتقدّم مثل هذه الآية ولكن جرت عادة الله في القرآن مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً، فلما بالغ هنا في وعيد الربا أتبعه بهذا الوعد.
فإن قيل: إن الإنسان إذا بلغ عارفاً بالله وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه مات فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدل على أن استحقاق الثواب لا يتوقف على حصول العمل أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا بل لأجل أن لكل
стр. 183
منهما أثراً في جلب الثواب كما قال تعالى في ضد هذا ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ (الفرقان، ٦٨) ثم قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاماً﴾ ومعلوم أنّ من ادعى أنّ مع الله إلهاً آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر وإنما جمع الله تعالى الزنا وقتل النفس مع دعاء غير الله تعالى إلهاً لبيان أنّ كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا﴾ أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا الذي أخذتم بعضه قبل التحريم ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: بقلوبكم أو إن بمعنى إذ فإنّ دليل الإيمان امتثال ما أمرتم به. روي أنها نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل.
﴿فإن لم تفعلوا﴾ أي: تذروا ما بقي من الربا ﴿فائذنوا﴾ أي: اعلموا، من أذن بالشيء إذا علم به أي: فاعلموا أنتم وأيقنوا ﴿بحرب من الله ورسوله﴾ لكم.
فإن قيل: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم إن لم يتوبوا؟ أجيب: بأنّ مقتضى ذلك أنهم يقاتلون إن لم يرجعوا قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله تعالى النار وحرب رسوله ﷺ السيف. وقرأ شعبة وحمزة فآذنوا بفتح الهمزة ومدّها وكسر الذال أي: فأعلموا بها غيركم وهو من الإذن وهو الاستماع لأنه من طريق العلم والباقون بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿وإن تبتم﴾ أي: تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه ﴿فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون﴾ بطلب الزيادة ﴿ولا تظلمون﴾ بالنقصان عن رأس المال.
فإن قيل: هلا قال تعالى بحرب الله ورسوله؟ أجيب: بأنّ هذا أبلغ؛ لأنّ المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله ﷺ
ولما نزلت هذه الآية قال المرابون: بل نتوب إلى الله، فإنه لا ثبات لنا بحرب من الله ورسوله، فرضوا برأس المال فشكا من عليه الدين العسرة وقال لمن لهم الدين: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله تعالى:
﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة﴾ له أي: عليكم تأخيره ﴿إلى ميسرة﴾ أي: وقت يسره.
تنبيه: في كان هذه وجهان: أظهرهما أنها تامّة بمعنى حدث ووجد أي: وإن حدث ذو عسرة، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، الثاني أنها ناقصة وخبرها محذوف، قال أبو البقاء تقديره: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو نحو ذلك، وقدره بعضهم وإن كان ذو عسرة غريماً، وقرأ نافع بضمّ السين والباقون بفتحها ﴿وأن تصدقوا﴾ أي: بالإبراء وقرأ عاصم بتخفيف الصاد والباقون بالتشديد على إدغام التاء في الأصل والتخفيف على حذفها ﴿خير لكم﴾ أي: أكثر ثواباً من الإنظار وهذا مما فضل المندوب فيه الواجب، فإنّ الإبراء مندوب إليه والإنظار واجب فيحرم حبس المعسر، وهل القول قوله في إعساره أو لا بدّ من بينة تشهد بذلك ينظر إن كان الدين عن عوض كالبيع والقرض فلا بدّ من بينة، وإن كان عن غير عوض كالضمان والإتلاف والصداق، فالقول قول المعسر بيمينه وعلى الغريم البينة إلا أن يعرف له مال فلا بدّ من بينة ﴿إن كنتم تعلمون﴾ فضل التصدق على الإنظار فافعلوا. وقيل: المراد بالتصدّق الإنظار نفسه ورد هذا كما قال الإمام: بأنّ الإنظار قد علم مما قبل فلا بدّ من حمله على فائدة جديدة قال ﵊: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» .l
وروي: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة»
стр. 184
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الملائكة تلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا قالوا: تذكر قال: ألا إني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني بأن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر. قال الله تعالى: تجاوزوا عنه» وقال ﷺ «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» .
﴿واتقوا يوماً ترجعون﴾ أي: تصيرون ﴿فيه إلى الله﴾ هو يوم القيامة أي: فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم ﴿ثم توفى﴾ فيه ﴿كل نفس﴾ جزاء ﴿ما كسبت﴾ أي: عملت من خير أو شر ﴿وهم لا يظلمون﴾ بنقص حسنة أو زيادة سيئة.
فائدة: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ فقال جبريل: ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحداً وعشرين يوماً» وقال ابن جريج: تسع ليالٍ وقال سعيد بن جبير: سبع ليالٍ ومات يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل وقيل: ثلاث ساعات. وقال الشعبي عن ابن عباس: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ آية الربا. ولما منع الله من الربا أذن في السلم والقرض بما يعمهما فقال:
﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ كسلم وقرض ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي: معلوم ولذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا والله وضع لتحصيل مثل تلك اللذة طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً.
فإن قيل: المداينة مفاعلة وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالإتفاق أجيب: بأن المراد من تداينتم تعاملتم والتقدير تعاملتم بما فيه دين.
فإن قيل: هلا اكتفى بقوله إذا تداينتم إلى أجل وأي حاجة إلى ذكر الدين؟ أجيب: بأنه ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله: ﴿فاكتبوه﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولئلا يتوهم من الدائن المجازاة ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال، وفائدة قوله مسمى ليعلم أنّ من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد أو الدراس أو رجوع الحاج لم يجز للجهل بوقت الأجل، وإنما أمر بكتابة الدين؛ لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود.
فإن قيل: إنّ كلمة إذا لا تفيد العموم والمراد من الآية العموم؛ لأنّ المعنى كلما تداينتم بدين فاكتبوه، فلم عدل عن كلما وقال: إذا تداينتم؟ أجيب: بأن كلمة إذا وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا تمنع من العموم وههنا قام الدليل على أنّ المراد هو العموم، واختلفوا في هذه الكتابة، فقال بعضهم: هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (الجمعة، ١٠) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ الكل بقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذين ائتمن أمانته﴾ ثم بيّن كيفية الكتابة، فقال تعالى: ﴿وليكتب﴾ أي: كتاب الدين ﴿بينكم كاتب بالعدل﴾ أي: بالحق في كتابته لا يزيد في المال أو الأجل ولا ينقص وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به معدلاً بالشرع
стр. 185
مع أنّ ظاهره أمر للكاتب ﴿ولا يأب﴾ أي: لا يمتنع ﴿كاتب﴾ من ﴿أن يكتب﴾ إذا دعي إليها ﴿كما علمه﴾ أي: فضله ﴿ا﴾ بالكتابة فلا يبخل بها بل ينفع الناس بها كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (،) والكاف متعلقة بيأب ﴿فليكتب﴾ تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن الإباء تأكيداً ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ أي: وليكن المملل على الكاتب من عليه الحق؛ لأنه المقرّ المشهود عليه والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد جاء بهما القرآن فالإملال ههنا وهو لغة الحجاز والإملاء قوله تعالى: ﴿فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً﴾ (الفرقان، ٥) وهي لغة تميم.
﴿وليتق الله ربه﴾ أي: كل من المملي والكاتب ﴿ولا يبخس﴾ أي: لا ينقص ﴿منه﴾ أي: من الحق أو مما أملى عليه ﴿شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾ أي: مبذراً ﴿أو ضعيفاً﴾ أي: صغيراً أو كبيراً اختل عقله لكبره ﴿أو لا يستطيع أن يملّ هو﴾ لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك ﴿فليملل وليه﴾ أي: متولي أمره من والد ووصيّ وقيم ووكيل ومترجم ﴿بالعدل﴾ وفي هذا دليل على جريان النيابة في الإقرار. قال البيضاوي: ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل أي: دون المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه ﴿واستشهدوا﴾ أي: وأشهدوا ﴿شهيدين﴾ أي: شاهدين ﴿من رجالكم﴾ أي: البالغين الأحرار والمسلمين دون الصبيان والعبيد والكفار، وأجاز ابن سيرين شهادة العبيد، وأبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض ﴿فإن لم يكونا﴾ أي: الشاهدان ﴿رجلين فرجل﴾ أي: فليشهدا والمستشهد رجل ﴿وامرأتان﴾ .
وأجمع الفقهاء على أنّ شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت برجل وامرأتين، واختلفوا في غير الأموال فذهبت جماعة إلى أنه تجوز شهادتهنّ مع الرجال في غير العقوبات وهو قول سفيان الثوريّ وأصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنّ غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين، وذهب الشافعيّ إلى أنّ ما يطلع عليه النساء غالباً كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها تثبت بشهادة رجل وامرأتين وشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أنّ شهادة النساء غير جائزة في العقوبات ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ أي: من كان مرضياً لدينه وأمانته.
تنبيه: شروط قبول الشهادة سبعة: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة فمتى فقد شرط منها لم تصح تلك الشهادة، وإنما اشترط التعدّد في النساء لأجل ﴿أن تضل﴾ أي: تنسى ﴿إحداهما﴾ أي: الشهادة لنقص عقلهنّ وضبطهنّ ﴿فتذكر﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون الذال وتخفيف الكاف، والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف، وقرأ برفع الراء والباقون بالنصب ﴿إحداهما﴾ أي: الذاكرة ﴿الأخرى﴾ أي: الناسية قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير فتذكر أي: فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر، وقرأ حمزة وحده أن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع والتشديد كقوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ (،) وجملة الإذكار محل العلة أي: لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال؛ لأنّ الضلال سبب الإذكار وهم ينزلون كل واحد من السبب والسبب منزلة الآخر ﴿ولا يأب﴾ أي: لا يمتنع ﴿الشهداء إذا ما﴾ أي: إذا ﴿دعوا﴾ لأداء الشهادة والتحمل، فما مزيدة وسموا شهداء على هذا الثاني تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع ﴿ولا تسأموا﴾
стр. 186
أي: تملوا من ﴿أن تكتبوه﴾ أي: ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوعه أو تكسلوا من أن تكتبوه فكني عن السآمة التي تكون بعد الشروع للكثرة بالكسل الذي يكون ابتداءً لكونها من لوازمه؛ لأنّ الكسل صفة المنافق. قال تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ (النساء، ١٤٢) وقال ﷺ «لا يقول المؤمن كسلت» ﴿صغيراً﴾ كان ذلك الحق ﴿أو كبيراً﴾ قليلاً أو كثيراً وقوله تعالى: ﴿إلى أجله﴾ أي: وقت حلوله الذي أقرّ به المديون حال من الهاء في تكتبوه ﴿ذلكم﴾ أي: الكتب ﴿أقسط﴾ أي: أعدل ﴿عند الله وأقوم للشهادة﴾ أي: أعون على إقامتها لأنه يذكرها.
تنبيه: يجوز على مذهب سيبويه أن يكون أقسط وأقوم مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم أو هما مبنيان من أقسط وأقام لا من قسط وقام؛ لأنّ قسط بمعنى جار، والمعنى هنا على العدل والفعل منه أقسط فلزم أن يكون أقسط في الآية من المزيد لقصد الزيادة في المقسط قال تعالى: ﴿إنّ الله يحب المقسطين﴾ (المائدة، ٤٢) لا من المجرّد؛ لأنّ معناه الزيادة في القاسط وهو الجائز قال تعالى: ﴿وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ (الجن، ١٥) وكذا أقوم معناه أشدّ إقامة لا قياماً وبناؤهما من ذلك على غير قياس، والقياس أن يكون البناء من المجرّد لا من المزيد ويجوز أن يكون بناؤهما من قاسط بمعنى ذي قسط أي: عدل وبمعنى قويم أي: ذي استقامة على طريقة النسب كلابن وتامر فيكون أفعل لا فعل له، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده ﴿وأدنى﴾ أي: وأقرب إلى ﴿أن لا ترتابوا﴾ أي: تشكوا في قدر الحق وجنسه والشهود والأجل ونحو ذلك ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾ وهي تعم المبايعة بدين أو عين ﴿تديرونها بينكم﴾ أي: تتعاطونها يداً بيد ﴿فليس عليكم جناح﴾ أي: لا بأس إذا تبايعتم يداً بيد ﴿أن لا تكتبوها﴾ فهو استثناء من الأمر بالكتابة لبعده حينئذ عن التنازع والنسيان، وقرأ عاصم بنصب التاء فيهما على أنّ تجارة هي الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، والباقون بالرفع فيهما على أنّ تجارة هي الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامّة ﴿وأشهدوا﴾ أي: ندباً ﴿إذا تبايعتم﴾ عليه سواء كان ناجزاً أو كالئاً فإنه أدفع للاختلاف فهو تعميم بعد تخصيص احتياطاً في جميع المبتاعات، ويجوز أن يراد هذا التبايع الذي هو التجارة الحاضرة على أنّ الإشهاد كاف فيه دون الكتابة وقوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ أصله يضار أدغمت إحدى الراءين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، واختلفوا فمنهم من قال
أصله يضارر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد ومعناه نهيهما عن ترك الإجابة وعن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، ومنهم من قال: أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشاهد مفعولين ومعناه النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهمّ ويكلفا الخروج عما حد لهما ولا يعطى الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان، والمنهي حينئذٍ المتبايعان، فالآية محتملة للبناء للفاعل وللبناء للمفعول فتحمل عليهما معاً أو على كل منهما والأولى أولى.
﴿وإن تفعلوا﴾ ما نهيتم عنه من الضرار ﴿فإنه فسوق بكم﴾ أي: معصية وخروج عن الأمر ﴿واتقوا الله﴾
стр. 187
في مخالفة أمره ونهيه ﴿ويعلمكم الله﴾ أحكامه المتضمنة لمصالحكم ﴿وا بكل شيء عليم﴾ كرّر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإنّ الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم الله لشأنه ، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير وهذا آخر آية الدين، وقد حث فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (النساء، ٥) الآية.
قال القفال رحمه الله تعالى: ويدلّ على ذلك أنّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار. وفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ ثم قال ثانياً: وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ثم قال ثالثا: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ فكان هذا كالتكرار لقوله: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ لأنّ العدل هو ما علمه الله، ثم قال رابعاً: فليكتب وهذا إعادة للأمر الأوّل ثم قال خامساً: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ وفي قوله تعالى: وليكتب بينكم كاتب بالعدل كناية عن قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ لأنّ الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: ﴿وليتق الله ربه﴾ وهذا تأكيد ثم قال سابعاً: ﴿ولا يبخس منه شيئاً﴾ وهذا كالمستفاد من قوله: ﴿وليتق الله ربه﴾ ثم قال ثامناً: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله﴾ وهو أيضاً تأكيد لما مضى ثم قال تاسعاً: ﴿ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا﴾ فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة، في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره والمواظبة على تقوى الله.
﴿وإن كنتم على سفر﴾ أي: مسافرين وتداينتم، فعلى بمعنى في لئلا يتوهم أن المعنى على نية سفر ﴿ولم تجدوا كاتباً فرهان﴾ أي: فعليكم رهن ﴿مقبوضة﴾ تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب، فقد رهن رسول الله ﷺ درعه في المدينة من يهوديّ بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله» فالتقييد بما ذكر؛ لأنّ التوثق به أشدّ، وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوزاه إلا في السفر أخذاً بظاهر الآية.
وأفاد قوله تعالى: ﴿مقبوضة﴾ اشتراط القبض أي: في لزوم الرهن لا في صحته والإكتفاء به من المرتهن ووكيله ولا يشترط القبض عند مالك، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ الراء والهاء ولا ألف بعدها والباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون ﴿فإن أمن بعضكم﴾ أي: الدائن ﴿بعضاً﴾ أي: المديون واستغنى بأمانته عن الإرتهان ﴿فليؤدّ الذي ائتمن﴾ أي: المدين ﴿أمانته﴾ أي: دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان به، وقرأ ورش فليودّ بإبدال الهمزة واواً وإذا وصل السوسي وورش الذي بائتمن أبدلا الهمزة ياء وفي الابتداء بهمزة مضمومة للجميع ﴿وليتق الله ربه﴾ في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ أيها الشهود إذا دعيتم لإقامتها أو المديونون، وعلى هذا فشهادتهم إقرارهم على أنفسهم ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ .
فإن قيل: هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب؟ ـ والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ـ أجيب: بأن كتمان الشهادة
стр. 188
هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان أي: الكتمان إثماً مقترفاً أي: مختلطاً بالقلب أسند إليه؛ لأنه محل كتمان الشهادة وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا ترى أنك تقول: إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظنّ أنّ كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من سائر أفعال الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور وكتمان الشهادة» .
تنبيه: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه ويجوزن أن يرتفع قلبه بالإبتداء وآثم خبر مقدّم والجملة خبر إن وقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون عليم﴾ تهديد؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً قال الجلال السيوطي وعبيداً: ولعل ذكره بعد ملكاً لئلا يتوهم أنّ ما لما لا يعقل ﴿وإن تبدوا﴾ أي تظهروا ﴿ما في أنفسكم﴾ من السوء والعزم عليه ﴿أو تخفوه﴾ أي: تسروه ﴿يحاسبكم﴾ أي: يجزكم ﴿به الله﴾ يوم القيامة، والآية حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ مغفرته ﴿ويعذب من يشاء﴾ تعذيبه وهذا صريح في نفي وجوبه، وقرأ ابن عامر وعاصم برفع الراء: من يغفر ورفع الباء من يعذب على الإستئناف، والباقون بجزمهما عطفاً على جواب الشرط، وأدغم الراء المجزومة في اللام السوسي، واختلف عن الدوري وقول الزمخشري: ومدغم الراء في اللام لاحن مخطىء خطأ فاحشاً. ورواية عن أبي عمرو يعني السوسي مخطىء مرّتين؛ لأنه يلحن وينسب اللحن إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو مردود؛ لأنه مبنيّ على القول بأنّ الراء إنما تدغم في الراء لتكرّره الفائت بإدغامها في اللام ورد بأنّ ذلك قراءة أبي عمرو وهي متواترة مع أنّ القول بامتناع إدغام الراء في اللام إنما هو مذهب البصريين وأمّا الكوفيون بل وبعض البصريين كأبي عمرو فقائلون بالجواز كما نقله عنهم أبو حيان، ونقل أبو عمرو والكسائي وأبو جعفر صحة إدغام صار لي وصار لك عن العرب ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ووجه الجعبري إدغام الراء في اللام بتقارب مخرجيهما على رأي سيبويه وتشاركهما على رأي الفرّاء وتجانسهما في الجهر والإنفتاح والإستفال ﴿وا على كل شيء قدير﴾ فيقدر على جزائكم ومحاسبتكم وقوله تعالى:
﴿آمن﴾ أي: صدق ﴿الرسول﴾ أي: محمد ﷺ ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ أي: من القرآن فيه شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإعتداد به وأنه جازم في أمره غير شاك فيه وقوله تعالى: ﴿والمؤمنون﴾ عطف على الرسول
стр. 189
﴿كل﴾ من الرسول والمؤمنين. واختلف في تنوين كل فقيل تنوين عوض من المضاف إليه وقيل: تنوين التمكين قال الشيخ خالد الوقاد: وهو الأصح ﴿آمن با وملائكته﴾ وقرأ ﴿وكتبه﴾ حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها على التوحيد على أنّ المراد به الجنس، والباقون بضم الكاف والتاء على الجمع ﴿ورسله﴾ يقولون ﴿لا نفرّق بين أحد﴾ أي: جمع ﴿من رسله﴾ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى، فأحد: اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فحيث أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع إليه أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدلّ الكلام عليه، ويجوز أن يقدر القول مفرداً باعتبار كل وإنما احتيج إلى التقدير لأجل قوله تعالى: ﴿لا نفرق﴾ ولو قال تعالى: لا يفرقون لم يحتج إلى ذلك ﴿وقالوا سمعنا﴾ أي: أمرنا به سماع قبول ﴿وأطعنا﴾ أمرك نسألك ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ أي: المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث.
روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية قال: فاشتدّ على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب وقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله ﷺ «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» . فلما قرأها القوم وذلت ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: ﴿آمن الرسول﴾ الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى بقوله تعالى:
﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ أي: ما تسعه قدرتها وإن شق فضلاً ورحمة ﴿لها ما كسبت﴾ من الخير أي: ثوابه ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ من الشر أي: وزره فلا ينتفع بطاعتها غيرها ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكتسبه مما وسوست به نفسه كما يفيده تقديم الخبر وهو لها وعليها من الحصر، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» .
فإن قيل: لم خص الخير بالكسب والشرّ بالإكتساب؟ أجيب: بأنّ في الإكتساب اعتمالاً أي: اضطراباً في العمل مبالغة واجتهاداً، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت أشدّ حباً واجتهاداً في تحصيله وأعملت فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال قولوا ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ أي: لا تعاقبنا ﴿إن نسينا أو أخطأنا﴾ أي: بما أدّى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأنّ المؤاخذة إنما هي بالمقدور والنسيان والخطأ ليس بمقدورين ويجوز أن يراد نفس النسيان والخطأ أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا، قال الكلبي: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك وقد قال رسول الله ﷺ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
стр. 190
فإن قيل: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ أجيب: بأنّ المراد بذكرهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال ألا ترى إلى قوله: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان﴾ (الكهف، ٦٣) والشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته وذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدّث بنعمة الله فيه، قال الله تعالى: ﴿وأمّا بنعمة ربك فحدّث﴾ (الضحى، ١١) ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ أي: لا تكفنا أمراً يثقل علينا حمله ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ أي: بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك قاله «الكشاف» » قال البيضاوي: وخمسين صلاة في اليوم والليلة ونسبها غيره من المفسرين إلى اليهود ولا تنافي بينهما إذ المراد من بني إسرائيل هم اليهود منهم فلا يرد على هذا ما قيل إنّ بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون صلاة قبل ولا خمس صلوات مع أنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة﴾ أي: قوّة ﴿لنا به﴾ من البلاء والعقوبة ومن التكاليف التي لا تفي به الطاقة البشرية وهو يدلّ على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفهول ثانٍ لا للمبالغة ﴿واعف عنا﴾ أي: امح ذنوبنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة بها ﴿وارحمنا﴾ وتعطف بنا وتفضل علينا فإننا لا ننال العمل بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك ﴿أنت مولانا﴾ أي: سيدنا ومتولي أمورنا ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من حق المولى أن ينصرموا إليه على الأعداء أو المراد بالكافرين عامة الكفر.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿غفرانك ربنا﴾ قال الله تعالى: ﴿قد غفرت لكم﴾ وفي قوله: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال: لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصراً قال: لا أحمل عليكم ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال: لا أحملكم ﴿واعف عنا﴾ إلخ.. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين وكان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال: آمين.
وروى مسلم وغيره أنه « ﷺ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عقب كل كلمة: قد فعلت» وعن عبد الله أنه قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها، ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ (النجم، ١٦) قال: فراش من ذهب قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات» وروي عنه ﷺ أنه قال: «أنزل الله تعالى آيتين أوّلهما آمن الرسول من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» والكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتقديرهما بألفي سنة تصوير لقدمهما؛ لأنّ مثل هذا يقال لطول الزمان لا للتحديد.
وروي عنه ﷺ أنه قال: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبيّ قبلي» . وروي عنه أنه قال:
стр. 191
«من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» أي: عن قيام الليل أو عن كل ما يسوءه وهذا يردّ قول من استنكر أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال ﵊: «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة» قيل: وما البطلة؟ قال: «السحرة» أي: أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمّل في معانيها أو العمل بما فيها، وسموا بطلة لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين، والفسطاط الخيمة أو المدينة الجامعة سميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه رمى الجمرة ثم قال: من ههنا والذي لا إله إلا هو رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف والممتحنة والمجادلة.
وروي عنه ﷺ أنه قال: «إنّ الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فلا يقربها شيطان» انتهى.
سورة آل عمران مدنية
باتفاق وآياتها مائتان أو إلا آية وثلاثة آلاف وأربعمائةوثمانون كلمة وأربعة عشر ألفاً وخمسمائة وعشرون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالألوهية ﴿الرحمن﴾ الذي سرت رحمته خلال الوجود فشملت كل موجود بالكرم والجود ﴿الرحيم﴾ لمن توكل عليه بالعطف إليه وقوله تعالى:
﴿ألم﴾ تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة.
﴿الله لا إله إلا هو﴾ لم يقطع أحد من القراء السبعة هذه الهمزة التي في الله في الوصل، وإذا وقف على ألم يبدأ بالهمزة، ولكل من القراء مدّ على الميم ووصل في الوصل وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين كما هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة.
فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه؟ أجيب: بأنهم لو كسروا لكان ذلك مفضياً إلى ترقيق لام الجلالة والمقصود تفخيمها للتعظيم فأوثر الفتح لذلك كما حركوها في نحو من الله، وأيضاً فقبل الميم ياء وهي أخت الكسرة وقبل هذه الياء كسرة، فلو كسرنا الميم الأخيرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاث متجانسات فحركوها بالفتح، وأمّا سقوط الهمزة فواضح وبسقوطها التقى الساكنان وقيل: إنّ هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين بل هي حركة نقل أي: نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو ﴿قد أفلح﴾ في قراءة ورش وهذا مذهب الفرّاء وجرى عليه الزمخشريّ وأطال الكلام فيه ورده أبو حيان بما يطول ذكره وقوله تعالى ﴿ا﴾ مبتدأ وما بعده خبره وقوله تعالى: ﴿الحيّ القيوم﴾ نعت له والحيّ هو الفعال الدراك والقيوم هو القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه.
روي أنه ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ (البقرة، ٢٥٥) وفي آل عمران ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ وفي طه ﴿وعنت الوجوه
стр. 192
للحيّ القيوم﴾ (طه، ١١١) ونقل البندنيجي عن أكثر العلماء أن الإسم الأعظم هو الله قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه الآية في وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد صاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة حبرهم دخلوا مسجد رسول الله ﷺ حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات والحارث بن كعب يقول من ورائهم: ما رأينا وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «دعوهم يصلوا إلى المشرق» فكلم السيد والعاقب، فقال لهما رسول الله ﷺ «أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما للصليب وأكلكما الخنزير» قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهم النبيّ ﷺ «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ ربنا حيّ لا يموت وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟» قالوا: لا قال: «ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: بلى قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟» قالوا: لا قال: «فإنّ ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب»
قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبيّ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث» قالوا: بلى قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فسكتوا فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها» .
﴿نزل عليك﴾ يا محمد ﴿الكتاب﴾ أي: القرآن متلبساً ﴿بالحق﴾ أي: بالصدق في أخباره أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال أي: محقاً ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ أي: قبله من الكتب.
فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ أجيب: بأن تلك الأخبار لغاية ظهورها وكونها موجودة سماها بهذا الاسم ﴿وأنزل التوراة﴾ جملة على موسى ﵊ ﴿والإنجيل﴾ جملة على عيسى ﵊.
﴿من قبل﴾ أي: قبل تنزيل القرآن، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أو لا يدخلانهما لكونهما أعجميين فلا يناسب كونهما مشتقين، ورجح هذا الزمخشري وقال: قالوا لأنّ هذين اللفظين اسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين وقوله تعالى: ﴿هدى﴾ حال بمعنى هاديين من الضلالة ولم يثنه؛ لأنه مصدر ﴿للناس﴾ أي: على العموم إن قلنا: متعبدون بشرع من قبلنا وهو رأي وإلا فالمراد بالناس قومهما وإنما عبر في التوراة والإنجيل بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضى للتكرير؛ لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه. وقيل: إن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة ومن سماء الدنيا منجماً في ثلاث وعشرين سنة فحيث عبر فيه بأنزل أريد الأول أو ينزل أريد الثاني.
فإن قيل: يردّ الأوّل بقوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ وبقوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ (البقرة، ٤)
стр. 193
وبقوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ (الكهف، ١) وبقوله تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه﴾ (الإسراء، ١٠٥) ويرد الثاني بقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ (الفرقان، ٣٢) أجيب: بأن القول بذلك جرى على الغالب ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي: الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، فكأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل ولم يجمع؛ لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران وقيل: القرآن وكرّر ذكره بما هو نعت له مدحاً وتعظيماً وإظهاراً لفضله من حيث أنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً وتمييز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل.
وقيل: أراد الكتاب الرابع وهو الزبور كما قال تعالى: ﴿وآتينا داود زبوراً﴾ (النساء، ١٦٣) قال الزمخشريّ: وهو ظاهر ولما قرّر سبحانه جميع ما يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال: ﴿إنّ الذين كفروا بآيات الله﴾ من القرآن وغيره ﴿لهم عذاب شديد﴾ بسبب كفرهم ﴿وا عزيز﴾ أي: غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ﴿ذو انتقام﴾ ممن عصاه والنقمة عقوبة المجرم أي: يعاقبه عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها أحد.
﴿إنّ الله لا يخفى عليه شيء﴾ كائن ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ لعلمه بما يقع في العالم من كليّ وجزئيّ.
فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى إنما خصهما؛ به لأنّ البصر لا يتجاوزهما.
فإن قيل: لم قدّم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقياً من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حياً وقوله تعالى:
﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾ أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا ردّ على وفد نجران من النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أنّ عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، فكأنه تعالى يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أب المصوّر ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم التثليث فقال: ﴿لا إله إلا هو العزيز﴾ في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة، فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء ﴿الحكيم﴾ في صنعه. وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأنّ علم عيسى ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً بل على أنّ الله أكرمه بذلك إظهاراً لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعاً عدم الإلهية؛ لأنّ الإله هو الذي يكون قادراً على كل الممكنات عالماً بجميع الجزئيات والكليات.
قال عبد الله بن مسعود: «حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك ـ أو قال: يبعث إليه الملك ـ بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
وروي أنه ﷺ قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» .
فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى إنما خصهما؛ به لأنّ البصر لا يتجاوزهما.
فإن قيل: لم قدّم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقياً من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حياً وقوله تعالى:
﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾ أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا ردّ على وفد نجران من النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أنّ عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، فكأنه تعالى يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أب المصوّر ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم التثليث فقال: ﴿لا إله إلا هو العزيز﴾ في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة، فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء ﴿الحكيم﴾ في صنعه. وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأنّ علم عيسى ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً بل على أنّ الله أكرمه بذلك إظهاراً لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعاً عدم الإلهية؛ لأنّ الإله هو الذي يكون قادراً على كل الممكنات عالماً بجميع الجزئيات والكليات.
قال عبد الله بن مسعود: «حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك ـ أو قال: يبعث إليه الملك ـ بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق
стр. 194
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
وروي أنه ﷺ قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» .
﴿هو الذي أنزل عليك﴾ يا محمد ﴿الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿منه آيات محكمات﴾ أحكمت عبارتها بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه فهي واضحات الدلالة ﴿هنّ أمّ الكتاب﴾ أي: أصله المعتمد عليه في الأحكام ويحمل المتشابهات عليها وترد إليها ولم يقل أمّهات الكتاب؛ لأنّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة وكلام الله واحد. وقيل: كل آية منهنّ أمّ الكتاب كما قال تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمّه آية﴾ (المؤمنون، ٥٠) أي: كل واحد منهما آية وقوله تعالى: ﴿وأخر﴾ نعت لمحذوف تقديره وآيات أخر ﴿متشابهات﴾ أي: محتملات لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر.
فإن قيل: لم جعل بعضه متشابهاً وهلا كان كله محكماً؟ أجيب: بأن في المتشابه من الإبتلاء حكمة عظيمة وهي التمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه وليظهر فيها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها والتوفيق بينها وبين المحكمات الدرجات العلى عند الله.
فإن قيل: لم فرق هنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكماً في موضع آخر فقال ﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾ (هود، ١) وجعل كله متشابهاً في موضع آخر فقال ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً﴾ (الزمر، ٢٣) أجيب: بأنه حيث جعل الكل محكماً فمعناه أنّ آياته حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ. وحيث جعل الكل متشابهاً فمعناه أنّ آياته يشبه بعضها بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ.
تنبيه: أخر جمع أخرى وإنما لم ينصرف؛ لأنه وصف معدول عن الأخريات ففيه الوصف والعدل وهما علتان يمنعان الصرف ﴿فأمّا الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي: ميل عن الحق كالمبتدعة ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي: فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي: طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي: وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه ﴿وما يعلم تأويله﴾ أي: الذي يجب أن يحمل عليه ﴿إلا الله والراسخون في العلم﴾ أي: الذين ثبتوا وتمكنوا فيه وسئل مالك بن أنس عن الراسخين في العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع. وقال غيره: هو من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله تعالى، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.
تنبيه: اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله ﴿والراسخون﴾ واو العطف أي: أنّ تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم
стр. 195
﴿يقولون آمنا به﴾ وهذا قول مجاهد والربيع وعلى هذا يكون قوله: ﴿يقولون﴾ حالاً معناه والراسخون في العلم قائلين: آمنا به، وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله: والراسخون واو الاستئناف وتم الكلام عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وهو قول أبي بن كعب وعائشة وغيرهما وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحداً من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وعدد الزبانية، ونزول عيسى ﵊ ونحوها والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به، وفي المحكم بالإيمان به والعمل. وقال عمر بن عبد العزيز في هذه انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: آمنا به قال في «الكشاف» : والأوّل هو الأوجه اه.
ووجهه شيخنا القاضي زكريا بقوله: لأنّ المتشابه على الثاني يصير الخطاب به كالخطاب بالمهملات اه.
ومع هذا فالوجه هو الثاني؛ لأنه أشبه بظاهر الآية ويدل له وجوه: أحدها أنه ذمّ طالب المتشابه بقوله تعالى: ﴿فأمّا الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية وثانيها: أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون: آمنا به وقال في أوّل البقرة: ﴿فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾ (البقرة، ٢٦) فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح؛ لأنّ كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فلا بد أن يؤمن به وثالثها: لو كان قوله والراسخون معطوفاً لصار قوله: يقولون آمنا به ابتداء وهو بعيد عن الفصاحة، وكان الأولى أن يقال وهم يقولون أو يقال ويقولون.
فإن قيل: في تصحيحه وجهان: الأوّل: أن يقولون خبر مبتدأ والتقدير هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا. الثاني: أن يكون يقولون حالاً من الراسخون. أجيب: بأنّ الأوّل مدفوع بأنّ تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى، والثاني أنّ ذا الحال هو الذي تقدّم ذكره وهم الراسخون فوجب أن يكون قوله: آمنا به حالاً من الراسخون لا من الله وذلك ترك للظاهر، ورابعها: قوله تعالى: ﴿كل﴾ أي: من المحكم والمتشابه ﴿من عند ربنا﴾ معناه أنهم آمنوا بما عرفوا تفصيله وبما لم يعرفوا تفصيله ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة، وخامسها: نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى، وسئل مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه، ٥) فقال: الإستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
فإن قيل: ما الفائدة في لفظ عند، ولو قال كل من ربنا لحصل المقصود؟ أجيب: بأنّ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد.
فإن قيل: لم حذف المضاف إليه من كل؟ أجيب: بأنّ دلالته على المضاف إليه قوية فالأمن من اللبس بعد الحذف حاصل ﴿وما يذكر﴾ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما في القرآن ﴿إلا أولو الألباب﴾ أي: أصحاب العقول.I
تنبيه: وجه اتصال هذه الآية وأوّلها ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ بما قبلها وأوّلها ﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام﴾ أنه لما بين أنه قيوم وهو القائم بمصالح الخلق والمصالح قسمان: جسماني وروحاني،
стр. 196
فالجسماني أشرفها تعديل البنية على أحسن شكل وهو المراد بقوله تعالى: ﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام﴾ وأمّا الروحاني فأشرفها العلم وهو المراد بقوله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ ولما حكى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: آمنا به حكى أنهم يقولون:
﴿ربنا لا تزغ﴾ أي: لا تمل ﴿قلوبنا﴾ عن طريق الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه ﴿بعد إذ هديتنا﴾ وفقتنا لدينك والإيمان بالحكم والمتشابه. قال ﵊: «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه ـ أي: القلب على الحق ـ وإن شاء أزاغه عنه» رواه الشيخان وغيرهما، وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا وعلى هذا اقتصر الزمخشري ووجه بأنّ ما ذكر كناية أو مجاز إذ لا تحسن من الله الإزاغة ليشمل نفيها وهذا بناء على مذهبه من الإعتزال، وأمّا مذهب أهل السنة فالزيغ والهداية خلق الله تعالى وكان ﷺ يقول: «اللهمّ يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك» وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً وبطناً» ﴿وهب لنا﴾ أي: أعطنا ﴿من لدنك﴾ أي: من عندك ﴿رحمة﴾ أي: توفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الإيمان والهدى أو مغفرة للذنوب ﴿إنك أنت الوهاب﴾ لكل سؤل وفيه دليل على أنّ الهدى والضلال من الله تعالى وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء ما.
﴿ربنا إنك جامع الناس﴾ أي: تجمعهم ﴿ليوم﴾ أي: في يوم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: في وقوعه وما فيه من الحشر والجزاء وهو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت وقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ أي: موعده بالبعث يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلام الراسخين فيكون فيه التفات عن الخطاب وكأنهم لما طلبوا من ربهم الصون عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ووعدك حق فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد.
تنبيه: احتج الوعيدية بهذه الآية على القطع بوقوع وعيد الفساق قالوا: لأنّ الوعيد داخل تحت لفظ الوعد لقوله تعالى: ﴿قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً﴾ (الأعراف، ٤٤) والوعد والميعاد واحد وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. وأجيب: بأنا لا نسلم القول بالقطع بوقوع وعيد الفساق مطلقاً بل ذلك مشروط بعدم العفو كما هو مشروط بعدم التوبة بالإتفاق فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل سلمنا أنه توعدهم ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ويكون قوله: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً﴾ كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران، ٢١) وكقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان، ٤٩) فيكون من باب التهكم، وذكر الواحدي في «البسيط» أنه يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأنّ خلف الوعيد كرم عند العرب لأنهم يمدحون بذلك كما قال القائل:
стр. 197
*إذا وعد السرّاء أنجز وعده ... وإن وعد الضرّاء فالعفو مانعه*
وقال الآخر أيضاً:
*وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي*
ولما حكى الله دعاء المؤمنين وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدّة عقابهم بقوله تعالى:
﴿إنّ الذين كفروا﴾ وهو عام في الكفرة، وقيل: المراد بهم وفد نجران أو اليهود أو مشركو العرب ﴿لن تغنيَ﴾ أي: لن تنفع ولن تدفع ﴿عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾ أي: من عذابه وقيل: من رحمته أو من طاعته على معنى البدلية قاله البيضاوي: أي: على أنّ من للبدل والمعنى لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعته شيئاً أي: بدل رحمته وطاعته. قال أبو حيان: وإثبات البدلية جمهور النحاة تأباه ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ أي: حطبها وفي ذلك كمال العذاب؛ لأنّ كماله أن يزول عنه ما ينتفع به ثم يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، فالأوّل هو المراد بقوله تعالى: ﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم﴾ فإن المرء عند الشدّة يفزع إلى المال والولد؛ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع النوائب، فبين تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا وإذا تعذر عليه الإنتفاع بالمال والولد وهما أقرب الطرق فما عداه بالتعذر أولى ونظيره ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء، ٨٩) ، وأمّا الثاني من أسباب كمال العذاب وهو اجتماع الأسباب المؤلمة فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ وهذا هو النهاية في العذاب، فإنه لا عذاب أعظم من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس وقوله تعالى:
﴿كدأب آل فرعون﴾ إمّا استئناف مرفوع المحلّ خبر لمبتدأ مضمر تقديره دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون، وإمّا متصل بما قبله أي: لن تغني عنهم كما لم تغن عن أولئك أو توقد النار بهم كما توقد النار بآل فرعون وقوله تعالى: ﴿والذين من قبلهم﴾ عطف على آل فرعون فيكون في محل جر وقيل: استئناف فيكون في محل رفع على الإبتداء والخبر، وقوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم﴾ وعلى الأوّل تكون هذه الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى: ﴿وا شديد العقاب﴾ فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة.
«ولما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله تعالى أن ينزل بكم مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرّنك أنك لقيت أقواماً أغماراً أي: جهالاً جمع غمر لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس» نزل.
﴿قل﴾ يا محمد ﴿للذين كفروا ستغلبون﴾ في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية، وقد وقع ذلك بقتل قريظة وإجلاء النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم ﴿وتحشرون﴾ في الآخرة ﴿إلى جهنم وبئس المهاد﴾ أي: الفراش والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس المهاد جهنم. وفي هذه الآية إخبار عن أمر يحصل في المستقبل وقد وقع خبره على موافقته فكان هذا إخباراً بالغيب فكان معجزة ولهذا لما نزلت هذه الآية قال لهم ﷺ «إنّ الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم» وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على
стр. 198
الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب.
فإن قيل: أي فرق بين القراءتين من جهة المعنى؟ أجيب: بأنّ معنى قراءة التاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم فهو إخبار بما سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيد بلفظه كأنه قال: أد إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.
﴿قد كان لكم آية﴾ أي: عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل قد كانت؛ لأنّ الآية مؤنثة؟ أجيب: بأنه إنما ذكر الفعل للفصل بينه وبين الإسم المؤنث بلكم فإن الفصل مسوغ لذلك مع المؤنث الحقيقي كقوله:
*إنّ امرأ غره منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور*
قال الفرّاء: وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه والخطاب لمشركي قريش وقيل: لليهود وقيل: للمؤمنين ﴿في فئتين﴾ أي: فرقتين ﴿التقتا﴾ يوم بدر ﴿فئة﴾ مؤمنة ﴿تقاتل في سبيل الله﴾ أي: طاعته وهم النبيّ ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف ﴿و﴾ فئة ﴿أخرى كافرة﴾ تقاتل في سبيل الشيطان وهم مشركو مكة وقوله تعالى: ﴿يرونهم مثليهم﴾ قرأ نافع بالتاء على الخطاب أي: ترى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويوقنوا بالنصر الذي وعدهم به في قوله: ﴿إن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ (الأنفال، ٦٦) بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ (الأنفال، ٦٥) والباقون بالياء على الغيبة أي: يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين وكانوا تسعمائة وخمسين أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
فإن قيل: هذا مناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿ويقللكم في أعينهم﴾ (الأنفال، ٤٤) أجيب: بأنه قللهم أوّلاً حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا إمداداً من الله تعالى للمؤمنين في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ﴿رأي﴾ أي: في رأي ﴿العين﴾ أي: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وقد نصرهم الله تعالى مع قلتهم ﴿وا يؤيد﴾ أي: يقوي ﴿بنصره من يشاء﴾ نصره كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ ﴿إنّ في ذلك﴾ المذكور ﴿لعبرة﴾ أي: عظة ﴿لأولي الأبصار﴾ أي: لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون.
﴿زين للناس حب الشهوات﴾ أي: ما تشتهيه النفس، وتدعو إليه، والمزين هو الله تعالى للإبتلاء كقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم﴾ (الكهف، ٧) أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنساني أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله وقيل: الشيطان هو المزين، وذهب إليه المعتزلة واستدلوا بقول الحسن: الشيطان والله زينها لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها، وإنما سميت شهوات مبالغة وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحيوا شهواتها كقوله تعالى:
стр. 199
﴿أحببت حب الخير﴾ (ص، ٣٢) والشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: ﴿من النساء﴾ إنما بدأ بهنّ لأنهنّ حبائل الشيطان ﴿والبنين والقناطير﴾ جمع قنطار وهو المال الكثير قيل: ملء مسك ثور أي: ملء جلده وعن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: القنطار مائة ألف دينار. وقال ابن عباس والضحاك: ألف ومائتا مثقال ﴿المقنطرة﴾ أي: المجمعة. وقال السديّ: المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. وقال الفرّاء: المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة ﴿من الذهب والفضة﴾ قيل: سمي الذهب ذهباً؛ لأنه يذهب ولا يبقى والفضة فضة؛ لأنها تنفض أي: تتفرّق ﴿والخيل المسوّمة﴾ أي: الحسان، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية يقال: أسام الخيل وسوّمها والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس كالقوم والنساء ﴿والأنعام﴾ جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه ﴿والحرث﴾ أي: الزرع ﴿ذلك﴾ أي: ما ذكر من النساء وما بعده ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ أي: يتمتع به فيها ثم يفنى ﴿وا عنده حسن المآب﴾ أي: المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية دون غيره من الشهوات الناقصة الفانية.
فإن قيل: المآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن والنار وهي خالية عن الحسن كما قال تعالى: ﴿إنّ جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً﴾ (النبأ، ٢١) أجيب: بأنّ المقصود بالذات هو الجنة، وأمّا النار فمقصودة بالعرض والمقصود بالآية الترهيب في الدنيا والترغيب في الآخرة.
﴿قل﴾ يا محمد لقومك ﴿أؤنبئكم﴾ أأخبركم ﴿بخير من ذلكم﴾ أي: المذكور من الشهوات وهذا استفهام تقريري.
تنبيه: هنا همزتان مختلفتان من كلمة: الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، قرأ قالون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأدخل بينهما ألفاً وورش يسهل الثانية من غير إدخال ألف وينقل حركة الهمزة الأولى إلى اللام من قل فتصير اللام مفتوحة والثانية مضمومة، وابن كثير كورش إلا أنه لا ينقل الحركة إلا في لفظ القرآن وقرآن، وأبو عمرو يسهل الثانية ويدخل بينهما ألفاً كقالون وله وجه آخر وهو عدم إدخال ألف بينهما، والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: ﴿للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ أي: مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم كما تقول: هل أدلك على رجل عالم عندي رجل عالم من صفته كيت وكيت ويجوز أن تتعلق اللام بخير وترتفع جنات على هو جنات ﴿وأزواج مطهرة﴾ من الحيض وغيره مما يستقذر من النساء وقوله تعالى: ﴿ورضوان من الله﴾ قرأه شعبة بضم الراء، والباقون بكسرها وهما لغتان: الكسر لغة الحجاز والضم لغة تميم. وقيل: بالكسر اسم وبالضم مصدر وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير، في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» .
تنبيه: قد نبه في هذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله لقوله
стр. 200
تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (التوبة، ٧٢) وأوسطها الجنة ونعيمها ﴿وا بصير﴾ أي: عالم ﴿بالعباد﴾ أي: بأعمالهم فيجازي كلاً منهم بعمله أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم جنات وقوله تعالى:
﴿س٣ش١٦/ش٢٢ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِا?سْحَارِ * شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ? ? اله إِ s هُوَ وَالْمَلَا??ـ?ِكَةُ وَأُوْلُوا? الْعِلْمِ قَآ?ـ?ِمَ?ابِالْقِسْطِ? ? اله إِ s هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ ا?سْلَامُ? وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ إِ s مِن? بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَ?ابَيْنَهُمْ? وَمَن يَكْفُرْ بِ?َايَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ? وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ وَا?مِّيِّ?نَءَأَسْلَمْتُمْ? فَإِنْ أَسْلَمُوا? فَقَدِ اهْتَدَوا?? وَّإِن تَوَلَّوْا? فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ? وَاللَّهُ بَصِيرُ? بِالْعِبَادِ * إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِ?َايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّ?نَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُو?لَا??ـ?ِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَا?خِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾
﴿الذين﴾ نعت للذين اتقوا أو للعباد أو بدل من الذين قبله ﴿يقولون﴾ يا ﴿ربنا إننا آمنا﴾ أي: صدّقنا ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾ أي: استرها علينا وتجاوز عنا ﴿وقنا عذاب النار﴾ .
تنبيه: في ترتيب سؤال المغفرة وما عطف عليها وسيلة على مجرّد الإيمان دليل على أنّ مجرّد الإيمان كاف في استحقاق المغفرة والإستعداد لأسبابها وأسباب ما عطف عليها وقوله تعالى: ﴿الصابرين﴾ أي: على الطاعة وعن المعصية وعلى البأساء والضرّاء نعت ﴿والصادقين﴾ أي: في إيمانهم وأقوالهم قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السرّ والعلانية ﴿والقانتين﴾ أي: المطيعين لله ﴿والمنفقين﴾ أي: المتصدّقين ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ أي: أواخر الليل كأن يقولوا: اللهمّ اغفر لنا خصت بالذكر؛ لأنها وقت الغفلة ولذة النوم، وفي هذا كما قال البيضاوي: حصر لمقامات السالك على أحسن الترتيب أي: الذكرى فإنّ معاملته مع الله إمّا توسل وإمّا طلب، والتوسل إمّا بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإمّا بالبدن وهو إمّا قولي وهو الصدق وإمّا فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإمّا بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير وإمّا الطلب فالاستغفار؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها انتهى.
وتوسيط الواو بين الصابرين وما بعده للدلالة على استقلال كل واحد منها وكما لهم فيها أو لتغاير الموصوفين بالصفات. وتخصيص الأسحار؛ لأن الدعاء فيها أقرب من الدعاء في غيرها إلى الإجابة؛ لأنّ العبادة حينئذٍ أشق والنفس أصفى والعقل أجمع لمعاني الألفاظ التي ينطق بها لا سيما للمتهجد قيل: إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون، وعن الحسن كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والإستغفار فذا نهارهم وهذا ليلهم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى سماء الدنيا ـ أي: أمره ـ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له» .
وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بنيّ لا تكن أعجز من هذا الديك يصوّت في الأسحار وأنت نائم على فراشك. وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون الصبح في جماعة. وعبر بالسحر لقربه من الصبح.
﴿شهد الله﴾ أي: بين لخلقه بالدلائل وإنزال الآيات ﴿أنه لا إله﴾ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إلا هو﴾ قال الكلبيّ: «قدم حبران من أحبار الشام على النبيّ ﷺ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ ﷺ الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا له: وأنت أحمد؟ قال: أنا محمد وأحمد قالا: فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدّقناك فقال لهما: سلا قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله ، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الرجلان» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الله الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة،
стр. 201
فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا برّ ولا بحر فقال: شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴿و﴾ شهد بذلك ﴿الملائكة﴾ أي: أقرّوا بذلك ﴿و﴾ شهد بذلك ﴿أولو العلم﴾ أي: بالإيمان بذلك والاحتجاج عليه.
فإن قيل: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ أجيب: بأنّ المراد بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين وفيه دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله وقوله تعالى: ﴿قائماً﴾ أي: بتدبير مصنوعاته حال من الله وإنما جاز إفراده تعالى بها لعدم اللبس، وإن اختلف في جاءني زيد وعمرو راكباً فقد منعه الزمخشري وتبعه البيضاويّ وجوّزه أبو حيان وقال: يحمل على الأقرب كما في الوصف في نحو جاءني زيد وعمرو الطويل أو حال من هو والعامل فيها معنى الجملة أي: تفرّد ﴿بالقسط﴾ أي: بالعدل وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ كرّر للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبنى عليه قوله تعالى: ﴿العزيز﴾ أي: في ملكه ﴿الحكيم﴾ أي: في صنعه فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز؛ لأن العزة تلائم الوحدانية والحكمة تلائم القيام بالقسط فأتى بهما لتقرير الأمرين على ترتيب ذكرهما ورفعهما على البدل من الضمير الأوّل أو الثاني أو على الخبر المحذوف.
وعن أبي غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، وكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة فقام من الليل يتهجد فمرّ بهذه الآية، أي: شهد الله إلى آخرها ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام قالها مراراً قلت: لقد سمع فيها فصليت معه وودّعته ثم قلت: إني سمعتك تردّدها فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدّثك بها إلى سنة فمكثت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة فقال: حدّثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» ، روى هذا الحديث الطبراني والبيهقيّ لكن بسند ضعيف وقوله تعالى:
l
﴿إن الدين﴾ أي: المرضي ﴿عند الله﴾ هو ﴿الإسلام﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي: لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام وهو الشرع المبعوث به الرسل كما قال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (المائدة، ٣) وقال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران، ٨٥) وقرأ الكسائي بفتح الهمزة إن قيل على أنه بدل من أنه إلخ.. بدل اشتمال وضعفه أبو حيان؛ لأن فيه فصلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي قال: والصواب أنه معمول للحكيم بإسقاط الجار أي: الحكيم بأن الدين، والباقون بكسرها على الإستئناف ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: من اليهود والنصارى وقيل: من أرباب الكتب المتقدّمة في دين الاسلام فقال قوم: إنه حق. وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقاً أو في التوحيد فثلثت النصارى. وقالت اليهود: عزير ابن الله وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش؛ لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾
стр. 202
بالتوحيد أنه الحق الذي لا محيد عنه ﴿بغياً﴾ أي: ما كان الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً ﴿بينهم﴾ وطلباً للرياسة. وقيل: هو اختلاف في نبوّة محمد ﷺ من بعد ما جاءهم العلم ببيان بعثته في كتبهم حيث آمن به بعض وكفر به بعض وقيل: هو إختلافهم في الإيمان بالأنبياء فمنهم من آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى ولم يؤمن ببقية الأنبياء وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ أي: المجازاة له وعيد لمن كفر منهم.
﴿فإن حاجوك﴾ أي: جادلك الذين كفروا يا محمد في الدين ﴿فقل﴾ لهم ﴿أسلمت وجهي﴾ أي: أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيهما لغيره شركاً بأن أعبده ولا أدعو إلهاً معه يعني: أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبت عندكم صحته كما ثبت عندي، وما جئت بشيء مبتدع حتى تجادلوني فيه وخص الوجه بالذكر لشرفه فهو تعبير عن جملة الشخص بأشرف أجزائه الظاهرة وقوله تعالى: ﴿ومن اتبعن﴾ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ويجوز كما قال في «الكشاف» أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه أي: نظراً إلى أن المشاركة بين المتعاطفين في مطلق الإسلام أي: الإخلاص لا فيه بقيد وجهه حتى يمتنع ذلك لاختلاف وجهيهما ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿والأمّيين﴾ أي: الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب ﴿أأسلمتم﴾ أي: فهل أسلمتم ما أسلمت أنا فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة، أم أنتم بعد على الكفر وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته هل فهمتها؟ وفي هذا الإستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا انجلت له الحجة لم يتوقف إذعاناً للحق وكذلك في هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة. وقيل: المراد بالإستفهام هنا الأمر أي: أسلموا كما قال تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة، ٩١) أي: انتهوا ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾ أي: نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا فقال لليهود: «أتشهدون أنّ عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله. وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً» فقال ﴿وإن تولوا﴾ أي: عن الإسلام لم يضرّوك ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ أي: فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى وقد
بلغت وليس إليك الهداية ﴿وا بصير بالعباد﴾ أي: عالم بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن فيجازي كلاً منهم بعمله، وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط﴾ أي: بالعدل ﴿من الناس﴾ وهم اليهود قتل أوّلهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم، ومن في عصره ﷺ كفروا به وقصدوا قتله ﷺ والمؤمنين لكن الله تعالى عصمهم.
وعن أبي عبيدة بن الجرّاح قلت: «يا رسول الله أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عنه» . وروي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم وخبر إن ﴿فبشرهم﴾ أي: أعلمهم ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم.
فإن قيل: لم أدخل الفاء في خبر إن مع أنه
стр. 203
لا يقال أن زيداً فقائم أجيب: بأن الموصول متضمن معنى الشرط فكأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم.
﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم﴾ أي: ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم ﴿في الدنيا والآخرة﴾ فلا يعتدّ بها لعدم شرطها ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي: مانعين عنهم العذاب.
﴿ألم تر﴾ أي: تنظر ﴿إلى الذين أوتوا نصيباً﴾ أي: حظاً ﴿من الكتاب﴾ أي: التوراة أو جنس الكتب السماوية ومن للتبعيض أو البيان، قال البيضاوي: وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير انتهى. أمّا التعظيم فظاهر وهو ما اقتصر عليه الزمخشريّ، وأمّا التحقير ففيه نظر إذ النصيب المراد به الكتاب أو بعضه لا حقارة فيه وقد يقال: إن تحقيره بالنسبة إليهم حيث لم يعملوا به ﴿يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم﴾ الداعي هو محمد ﷺ وكتاب الله القرآن أو التوراة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس ـ أي: موضع صاحب دراسة كتبهم ـ على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال: دين إبراهيم فقالا له: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال رسول الله ﷺ فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله هذه الآية» .
وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنّ رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى النبيّ ﷺ ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى وعديّ بن عمرو: جرت علينا يا محمد ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله ﷺ «بيني وبينكم التوراة» قالوا: قد أنصفتنا قال: «فمن أعلمكم بالتوراة؟» قالوا: رجل يقال له عبد الله بن صوريا فأرسلوا إليه فدعا رسول الله ﷺ بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب فقال له: اقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله ﷺ فقال له ابن سلام: يا رسول الله قد جاوزها وقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجماً، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله ﷺ باليهوديين فرجما فغضب اليهود وانصرفوا فأنزل الله هذه الآية ﴿ثم يتولى فريق منهم﴾ » وأتى بثم لاستبعاد توليهم مع علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله تعالى واجب لا للتراخي في الزمان إذ لا تراخي فيه. وقوله تعالى: ﴿وهم معرضون﴾ أي: عن قبول حكمه جملة حالية من فريق وإنما ساغ لتخصيصه بالصفة.
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من التولي والإعراض ﴿بأنهم قالوا﴾ أي: بسبب قولهم ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات﴾ أي: قالوا ذلك بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الإعتقاد المائل والطمع الفارغ عن حصول المطموع فيه وهو الخروج من النار بعد أيام قليلة وهي أربعون يوماً مدّة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم ﴿وغرّهم في دينهم﴾ والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي: من أن النار لن تمسهم إلا أياماً قلائل أو أن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم،
стр. 204
أو أنه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم.
تنبيه: في دينهم متعلق بغرّهم ولا يصح تعلقه بيفترون خلافاً للسيوطي؛ لأن ما قبل الموصول لا يتعلق بما بعده.
﴿فكيف﴾ حالهم أو فكيف صنعهم ﴿إذا جمعناهم ليوم﴾ أي: في يوم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ وهو يوم القيامة وفي ذلك استعظام لما يحيق بهم في الآخرة.
روي أن أوّل راية أي: علم ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار ﴿ووفيت كل نفس﴾ أي: من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ﴿ما كسبت﴾ أي: عملت من خير أو شر وفي ذلك دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها؛ لأن توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذا هي بعد الخلاص إن دخلها؛ ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي: بنقص حسنة أو زيادة سيئة.
تنبيه: ذكر ضمير وهم لا يظلمون وجمعه باعتبار معنى كل نفس؛ لأنه في معنى كل إنسان، ولما فتح النبيّ ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم أولم يكف محمداً مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فأنزل الله .
﴿قل اللهمّ﴾ أي: يا الله والميم عوض عن ياء النداء ولذلك لا يجتمعان، والتعويض من خصائص هذا الإسم كما اختص بدخولها عليه مع لام التعريف وقطع همزته وكما اختص بدخول تا القسم عليه وأمّا قولهم: ترب الكعبة فنادر ﴿مالك الملك﴾ أي: مالك العباد وما ملكوا قال الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهذا معنى قوله ﷺ «كما تكونوا يولى عليكم» ﴿تؤتي﴾ أي: تعطي ﴿الملك﴾ أي: في الدنيا ﴿من تشاء﴾ من خلقك ﴿وتنزع الملك ممن تشاء﴾ منهم، وقيل: المراد بالملك النبوّة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم، وقال الكلبيّ: تؤتي الملك لمحمد وأصحابه وتنزعه من أبي جهل وصناديد قريش، وقيل: تؤتيه لآدم وذرّيته وتنزعه من إبليس وجنوده ﴿وتعز من تشاء﴾ من خلقك، وقيل: محمداً وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها ﴿وتذل من تشاء﴾ منهم وقيل: أبا جهل وأصحابه حزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من تشاء بالقناعة وتذل من تشاء بالحرص والطمع، وقيل: تعز من تشاء بالتهجد وتذل من تشاء بتركه ﴿بيدك﴾ أي: بقدرتك ﴿الخير﴾ أي: والشر، واقتصر على الأوّل لمسارعة الأدب في الخطاب أو اكتفى بذكر أحد المقابلين كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل، ٨١) أي: والبرد أو؛ لأن الكلام وقع فيه إذ روى البيهقيّ وغيره: «أنه ﷺ لما خط الخندق وقطع لكل عشر أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره فجاء وأخذ المعول منه فضربها ضربة فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها ـ أي: المدينة ـ فكأنّ بها مصباحاً جاء في جوف بيت
مظلم فكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها
стр. 205
أنياب الكلاب ـ أي: في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض، واللابتان حرّتان يكتنفانها والحرّة كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحرّ ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة على كلها أي: الأراضي التي أضاءت ـ فأبشروا، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب ـ أي: المدينة ـ قصور الحيرة وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ـ أي: الخوف ـ فنزلت» . ونبه أيضاً على أن الشرّ بيده بقوله: ﴿إنك على كل شيء قدير﴾ والشرّ شيء ثم عقب ذلك ببيان قدرته على تعاقب الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله فقال:
﴿تولج﴾ أي: تدخل ﴿الليل في النهار﴾ حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ﴿وتولج﴾ أي: تدخل ﴿النهار في الليل﴾ حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر ﴿وتخرج الحيّ من الميت﴾ كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة ﴿وتخرج الميت من الحيّ﴾ كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر، وقال الحسن وعطاء: تخرج المؤمن من الكافر، وتخرج الكافر من المؤمن فالمؤمن حيّ الفؤاد والكافر ميت الفؤاد قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه﴾ (الأنعام، ١٢٢) وقال الزجاج: تخرج النبات الغض الطريّ من الحب اليابس وتخرج الحب اليابس من النبات الحيّ النامي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة: ﴿الميت﴾ بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشدّدة.
﴿وترزق من تشاء بغير حساب﴾ أي: رزقاً واسعاً. عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران شهد الله إلى قوله: ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾ ، ﴿وقل اللهمّ مالك الملك﴾ إلى قوله ﴿بغير حساب﴾ معلقات ما بينهنّ وبين الله حجاب قلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله بي حلفت لا يقرأكنّ أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان فيه ولأسكننه حظيرة قدسي ولأنظرن إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرّة ولأقضينّ له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعيذنه من كل عدوّ وحاسد ولأنصرنه منه» .
﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء﴾ يوالونهم. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية ونهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر وقوله تعالى: ﴿من دون﴾ أي: غير ﴿المؤمنين﴾ إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأنّ في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي: يوالي الكفرة ﴿فليس من الله﴾ أي: من ولاية الله ﴿في شيء﴾ يصح أن يسمى ولاية شرعية فإنّ ولاية المتعاديين لا يجتمعان لما بينهما من التضاد كما قال القائل:
*فليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من ودّني في المغايب*
стр. 206
*تودّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب*
بعين مهملة وزاي أي: بغائب والنوك بضم النون الحمق والجنون ثم استثنى فقال: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب كما قال عيسى ﵊: كن وسطاً ـ أي: في معاشرتهم ومخالفتهم ـ وامش جانباً ـ أي: من موافقتهم فيما يأمرون ويذرون ـ وهذا قبل عزة الإسلام ويجري في بلد ليس قوياً فيها، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في بدء الإسلام قبل استحكام الدين وقوّة المسلمين وأمّا اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوّهم ﴿ويحذركم الله﴾ أي: يخوّفكم ﴿نفسه﴾ أن يغضب عليكم إن واليتموهم ﴿وإلى الله المصير﴾ أي: المرجع فيجازيكم فلا تتعرّضوا للسخط بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يبالي عنده بما يحذر من الكفرة.
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿إن تخفوا ما في صدوركم﴾ أي: قلوبكم من موالاة الكفار أو غيرها بما لا يرضى الله ﴿أو تبدوه﴾ أي: تظهروه ﴿يعلمه الله﴾ ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به وقال الكلبيّ: إن تسرّوا ما في قلوبكم لرسول الله ﷺ من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله يعلمه الله ﴿و﴾ هو الذي ﴿يعلم ما في السموات وما في الأرض﴾ لا يخفى عليه منه شيء قط فلا يخفى عليه سرّكم وعلانيتكم ﴿وا على كل شيء قدير﴾ فهو قادر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ لأنّ نفسه متصفة بعلم ذاتي يحيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعمّ المقدورات بأسرها فلا تعصوه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها لا محالة قادر على العقاب بها ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله بأن يوكل من يتجسس عن مواطن أموره لأخذ حذره منه كل الحذر فما بال من علم أن العالم الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهمّ إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك ونسألك اليقظة من سنة الغفلة.
﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً﴾ نصب يوم بمضمر نحو اذكر وقوله تعالى: ﴿وما عملت﴾ أي: عملته ﴿من سوء﴾ مبتدأ خبره ﴿تودّ لو أنّ بينها﴾ أي: النفس ﴿وبينه﴾ أي: السوء ﴿أمداً بعيداً﴾ أي: غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها، وكرّر : ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ، قال البيضاوي: للتأكيد والتذكير وقال التفتازاني: الأحسن ما قيل أنّ ذكره أوّلاً للمنع من موالاة الكافرين وثانياً للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشرّ وقوله تعالى: ﴿وا رؤف بالعباد﴾ إشارة إلى أنه تعالى: إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة إصلاحهم. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي رؤوف بقصر الهمزة والباقون بالمدّ وورش على أصله في المدّ والتوسط والقصر ونزل في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقف النبيّ ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وهم يسجدون لها فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسمعيل» فقال له قريش: إنما نعبدها
стр. 207
حباً لله تعالى ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام لتقرّبكم إليه فاتبعوني يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم أي: اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم وا غفور﴾ لمن اتبعني ما سلف من ذنبه قبل ذلك ﴿رحيم﴾ به. وعن الحسن زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عملهم، فمن ادّعى محبته وخالف سنة رسوله ﷺ فهو كذاب وكتاب الله يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكره ويطرب وينعر ويصعق فلا شك أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا؛ لأنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله وادّعائه ثم صفق وطرب ونعر وصعق عند تصوّرها وربما رأيت المنيّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته وحمقى العامة حواليه قد ملؤوا أذقانهم بالدموع لما رأوه من حاله.
ولما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى نزل قوله تعالى:
﴿قل﴾ لهم ﴿أطيعوا الله والرسول﴾ فيما يأمركم به من التوحيد ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن الطاعة ﴿فإنّ الله لا يحب الكافرين﴾ أي: لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم وإنما أتى بالظاهر ولم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أنّ التولي كفر وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأنّ محبته مخصوصة بالمؤمنين، ولما أوجب الله طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبيّن أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً على الطاعة فقال تعالى:
﴿إن الله اصطفى﴾ أي: اختار ﴿آدم ونوحاً وآل إبراهيم﴾ وهم إسمعيل وإسحق وأولادهما الرسل وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله ﷺ ﴿وآل عمران﴾ موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر ﴿على العالمين﴾ بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم وبهذه الآية استدل على فضل الرسل على الملائكة وقيل: آل عمران عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة وقيل: آل إبراهيم وآل عمران أنفسهما وقوله تعالى:
﴿ذرّية﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿بعضها من﴾ ولد ﴿بعض﴾ منهم وقيل: بعضها من بعض في الدين والذرّية تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى ﴿وا سميع﴾ لأقوال الناس ﴿عليم﴾ بأحوالهم فيصطفي من كان منهم مستقيم القول والحال، واذكر.
﴿إذ قالت امرأت عمران﴾ وهي حنة بنت فاقوذ أمّ مريم، وعمران هو عمران بن ماثان رئيس بني إسرائيل وليس هو عمران أبا موسى وهرون إذ كان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة كما مرّ وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.
فائدة: رسمت امرأة بالتاء المجرورة ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء، والباقون بالتاء، ووقف الكسائيّ بالفتح والإمالة وإذا وقف حمزة سهل الهمزة.
وروي أنّ حنة كانت عاقراً عجوزاً فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهمّ إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدّق به على بيت
стр. 208
المقدس فيكون من خدمه فحملت، فلما أحست بالحمل قالت: يا ﴿رب إني نذرت﴾ أن أجعل ﴿لك ما في بطني محرّراً﴾ أي: عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدّس، وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم في الغلمان فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في همّ من ذلك وهلك عمران وحنة حامل بمريم ﴿فتقبل مني﴾ ما نذرته ﴿إنك أنت السميع﴾ لقولي ﴿العليم﴾ بنيتي.
﴿فلما وضعتها﴾ أي: ولدتها جارية والضمير لما في بطنها، وإنما أنث على المعنى؛ لأنّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله أو على تأويل النفس أو النسمة ولم يكن يحرّر إلا الغلمان وكانت ترجو أن يكون غلاماً ولذلك نذرت تحريره ﴿قالت﴾ معتذرة يا ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ .
فإن قيل: كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها وهو كقوله وضعت الأنثى أنثى؟ أجيب: بأنّ الأصل وضعته أنثى وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأنّ الحال وصاحبها بالذات واحد وأما على تأويل النفس أو النسمة فهو ظاهر كأنها قالت: إني وضعت النفس أو النسمة أنثى ﴿وا أعلم﴾ أي: عالم ﴿بما وضعت﴾ قرأ ابن عامر وشعبة بسكون العين وضم التاء فيكون من كلامها قالته تسلية لنفسها أي: ولعل لله فيه سرّاً وحكمة ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر، وقرأ الباقون بفتح العين وسكون التاء فيكون من كلام الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بقدر ما وهب لها منه ومعناه والله أعلم بالأنثى التي وضعت وما علق به من عظائم الأمور وأن يجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت. وقرأ أبو عمرو والله أعلم بسكون الميم وإخفائها عند الباء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار وقوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ بيان لما في قوله: ﴿وا أعلم بما وضعت﴾ من التعظيم للموضوع والرفع منه ومعناه وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها واللام فيهما للعهد أمّا معهود لام الأنثى ففي قولها إني وضعتها أنثى وأمّا معهود لام الذكر ففي قولها محرّراً ويجوز أن يكون معنى قولها وليس الذكر كالأنثى أي: وليس الذكر والأنثى سيين فيما نذرت لما يعتري الأنثى من الحيض والنفاس فتكون اللام للجنس وقوله تعالى: ﴿وإني سميتها مريم﴾ عطف على ﴿إني وضعتها أنثى﴾ وما بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (الواقعة، ٧٦) وإنما ذكرت ذلك لربها تقرّباً إليه وطلباً؛ لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإنّ مريم في لغتهم بمعنى العابدة.
تنبيه: في قوله تعالى: حكاية عنها ﴿سميتها مريم﴾ دليل على أنّ الإسم والمسمّى والتسمية أمور متغايرة أو معنى سميتها مريم جعلت اسم المولود مريم ﴿وإني أعيذها﴾ أي: أجيرها ﴿بك﴾ أي: بحفظك ﴿وذرّيتها﴾ أي: أولادها ﴿من الشيطان الرجيم﴾ أي: المطرود. روى الشيخان: «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها» ولا يبعد كما قال الطيبي اختصاص عيسى وأمّه بهذه الفضيلة دون الأنبياء لجواز أن يمكن الله تعالى الشيطان من مسهم مع عصمتهم من الإغواء ولا يمتنع كما قال التفتازاني: أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع وليست تلك المسة للإغواء ليدفع أنه لا يتصوّر في حق المولود حيث يولد وحينئذٍ فقول البيضاويّ معناه أنّ الشيطان يطمع في إغواء كل مولود أي:
стр. 209
لا يمسه فيه إخراج الحديث عن ظاهره، وتبع فيه الزمخشريّ وهو ما سلكه المعتزلة حيث أنكروا هذا الحديث وقدحوا في صحته؛ لأنّ الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ «كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعنه فطعنه في الحجاب» .
﴿فتقبلها ربها﴾ أي: قبل مريم من أمّها ورضي بها في النذر مكان الذكر ﴿بقبول حسن﴾ وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى ﴿وأنبتها نباتاً حسناً﴾ أي: أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام ﴿وكفلها زكريا﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائيّ بتشديد الفاء وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أنّ الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي: جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها فلا بدّ من تقدير مضاف في الآية وهو مصالح؛ لأنّ كفالة البدن لا معنى لها، وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ومدّوا زكريا مرفوعاً على الفاعلية.
روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد الأقصى ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم الأعظم في العلم والصلاح فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأنّ خالتها عندي، فقالت الأحبار: لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمّها التي ولدتها لكنا نقترع فيها فتكون عند من خرج سهمه وكانوا تسعة وعشرين رجلاً فانطلقوا إلى نهر الأردن وألقوا فيه أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها غرفة في المسجد وجعل بابها في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره.
وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء كما قال تعالى: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ أي: الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدّمها وكذلك هو من المسجد ويقال أيضاً للمسجد محراب قال المبرّد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرج ﴿وجد عندها رزقاً﴾ قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فإذا وجد عندها ذلك.
﴿قال يا مريم أنّى لك هذا﴾ أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك ﴿قالت﴾ وهي صغيرة ﴿هو من عند الله﴾ يأتيني به من الجنة قيل: تكلمت في المهد وهي صغيرة كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد ولم ترضع ثدياً قط، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة وفي هذا دليل وأي دليل على كرامة الأولياء وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة؛ لأنّ ذلك مدفوع باشتباه الأمر عليه حتى قال لها: أنى لك هذا؟ ولو كان معجزة له لادعاها وقطع بها؛ لأنّ النبيّ شأنه ذلك ويدل عليها غير ذلك كقصة أصحاب الكهف ولبثهم في الكهف سنين عدداً بلا طعام ولا شراب وقصة آصف من إتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف ورؤية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر جيشه بنهاوند حين قال: يا سارية الجبل وسماع سارية ذلك وكان بينهما مسافة شهر، وشرب خالد رضي الله تعالى عنه السم من غير أن يضره، وبالجملة فكرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة
стр. 210
وليس بعجيب إنكارها من أهل البدع والأهواء إذا لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء، فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقونهم ويسمونهم بالجملة المتصوّفة ولم يعرفوا أنّ مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة، وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم بن أدهم أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة أنّ من اعتقد جواز ذلك يكفر والإنصاف ما ذكره الإمام النسفيّ حين سئل عما يحكى أنّ الكعبة كانت تزور بعض الأولياء هل يجوز القول به؟ فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة.
وروي أن النبيّ ﷺ جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله تعالى عنها رغيفين وبضعة لحم في طبق مغطى آثرته به فرجع بذلك إليها وقال: «هلمي يا بنية» فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنّ ذلك نزل من عند الله فقال لها رسول الله ﷺ «أنى لك هذا؟» قالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال لها ﵊: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل» ثم جمع ﷺ علياً والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة على جيرانها» . فهذه كرامة لفاطمة رضي الله تعالى عنها وفي هذه الرواية دليل على أنّ قوله تعالى: ﴿إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ أي: رزقاً واسعاً بلا تبعة من كلام مريم رضي الله تعالى عنها ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى.
ولما رأى زكريا كرامة مريم ومنزلتها عند الله قال: إنّ الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب قادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر فطمع في الولد وذلك أنّ أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد قال الله :
﴿هنالك دعا زكريا ربه﴾ أي: في ذلك المكان أو الوقت، قال الزمخشريّ: قد تستعار هنا، وثم وحيث للزمان أي: لمشابهة الزمان للمكان في الظرفية فاستعير له فدخل زكريا المحراب وناجى ربه في جوف الليل ﴿قال﴾ يا ﴿ربّ هب لي﴾ أي: أعطني ﴿من لدنك﴾ أي: من عندك ﴿ذرية طيبة﴾ كما وهبتها لحنة العجوز العاقر أي: ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً، والذرّية يكون واحداً وجمعاً ذكراً وأنثى وهو هنا واحد بدليل قوله: ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني﴾ (مريم، ٦) وإنما قال طيبة لتأنيث لفظ الذرّية ﴿إنك سميع﴾ أي: مجيب ﴿الدعاء﴾ لمن دعاك فلا تردّني خائباً ﴿فنادته الملائكة﴾ أي: جنسهم كقولهم: فلان يركب الخيل فإنّ المنادى كان هو جبريل وحده، وقرأ حمزة والكسائيّ فناداه بالإمالة والتذكير، والباقون بالتاء ﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ أي: المسجد وذلك أنّ زكريا كان هو الحبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول فبينما هو قائم يصلي في المحراب والناس ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول، فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض، ففزع منه فناداه وهو جبريل.
وقرأ ﴿إن الله يبشرك بيحيى﴾ ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة على إرادة القول، أو لأنّ النداء نوع من القول، والباقون بالفتح على بأن، وقرأ حمزة والكسائيّ بفتح الياء من يبشرك وسكون الباء الموحدة وضمّ الشين
стр. 211
مخففة، والباقون بضمّ الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين المشدّدة، واختلفوا في أنه لِمَ سمي يحيى قال ابن عباس: لأنّ الله أحيا به عقر أمّه وقال قتادة: لأنّ الله أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأنّ الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى أنه لم يهم بمعصية وهو اسم أعجمي منع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى وقيل: عربي ومنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كينسى، وجمعه يحيون كموسون وعيسون ﴿مصدّقاً بكلمة﴾ كائنة ﴿من الله﴾ أي: بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة كن وقيل: لأنّ الله أخبر الأنبياء بكلامه في كتابه أنه يخلق نبياً بلا أب فسماه بكلمة لحصول ذلك الوعد، وكان يحيى أوّل من آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليهما الصلاة والسلام، وقول البيضاويّ وكان يحيى وعيسى ابن خالة من الأب فيه تجوز إذ يحيى ابن خالة أمّ عيسى لا ابن خالته وعيسى ابن بنت خالة يحيى لا ابن خالته ﴿وسيداً﴾ أي: يسود قومه فيصير متبوعاً. وقال الضحاك: السيد الحسن الخلق. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه وقال سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم ﴿وحصوراً﴾ أي: مبالغاً في حبس النفس على الشهوات والملاهي.
روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه للعب فقال: ما للعب خلقت. وقال سعيد بن المسيب: الحصور هو المعسر الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ممنوع من النساء وقيل: كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوّج مع ذلك ليكون أغض لبصره، وقيل: هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول لوجهين: أحدهما أنّ الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء ﴿ونبياً﴾ ناشئاً ﴿من الصالحين﴾ لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين فمن على هذا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (البقرة، ١٣٠) .
﴿قال رب أنى﴾ أي: كيف ﴿يكون لي غلام﴾ أي: ابن ﴿وقد بلغني الكبر﴾ أي: أدركني كبر السن وأثر فيّ وكان عمره مائة وعشرين سنة وقيل: تسعاً وتسعين سنة ﴿وامرأتي عاقر﴾ أي: لا تلد من العقر وهو القطع؛ لأنها ذات عقر من الأولاد وكانت بنت ثمان وتسعين سنة.
فإن قيل: كيف قال زكريا بعدما وعده الله تعالى أن يكون له غلام أنى يكون لي غلام أكان شاكاً في وعد الله وفي قدرته؟ أجيب: بأنه قال ذلك استبعاداً من حيث العادة كما قالت مريم أو استعظاماً وتعجباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه أي: أتجعلني وامرأتي شابين أوترزقنا ولداً على الكبر منا أو ترزقني امرأة أخرى؟ وقيل: إنّ زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إنّ الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعاً للوسوسة ﴿قال﴾ الأمر ﴿كذلك﴾ أي: من خلق غلام منكما ﴿الله يفعل ما يشاء﴾ لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به.
﴿قال رب اجعل لي آية﴾ أي: علامة أعرف بها حمل امرأتي لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿قال آيتك﴾ عليه ﴿أن لا تكلم الناس﴾ أي: تمتنع من كلامهم ﴿ثلاثة أيام﴾ أي: بلياليها كما في سورة مريم ثلاث ليال ﴿إلا رمزاً﴾ أي: إشارة بيد أو رأس والاستثناء منقطع وقيل: متصل والمراد بالكلام حينئذٍ
стр. 212
ما دل على ما في الضمير وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذلك قال: ﴿واذكر ربك كثيراً وسبح﴾ أي: صل ﴿بالعشيّ﴾ وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ﴿والإبكار﴾ وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.
فإن قيل: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ أجيب: بأنه إنما فعل به ذلك لتخلص المدّة المذكورة لذكر الله تعالى لا يشغل لسانه بغيره توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها التي طلب الآية من أجله كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام.
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قالت الملائكة﴾ أي: جبريل قال لها شفاهاً: ﴿يا مريم إنّ الله اصطفاك﴾ أي: اختارك بأن تقبلك من أمّك ولم يقبل قبلك أنثى وفرغك للعبادة وأغناك برزق الجنة عن الكسب وتكليمه لها شفاها كرامة لها. وقيل: كان معجزة لزكريا، وقيل: كان إرهاصاً أي: تأسيساً لنبوّة عيسى ﷺ بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا ﷺ قبل البعثة بطريق الشام وإنما حمل على هذا التأويل؛ لأنها ليست بنبية على الأصح بل حكى البيضاويّ الإجماع على أنه تعالى لم ينبىء امرأة لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً﴾ (الأنبياء، ٧) لكن نوزع في دعوى الإجماع؛ لأنّ الخلاف ثابت في نبوّة نسوة خصوصاً مريم إذ القول بنبوّتها مشهور ﴿وطهرك﴾ أي: مسيس الرجال ومما يستقذر من النساء ﴿واصطفاك﴾ ثانياً ﴿على نساء العالمين﴾ بهدايتك وإرسال الملائكة إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب ولم يكن لأحد من النساء.
فائدة: أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية إذ قيل بنوّتها ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم خديجة أمّها ثم عائشة ثم آسية امرأة فرعون.
فإن قيل: روى الطبرانيّ: «خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد ﷺ ثم آسية امرأة فرعون» أجيب: بأنّ خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة.
﴿يا مريم اقنتي لربك﴾ أي: أطيعيه ﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ أي: وصلي مع المصلين في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم.
فإن قيل: لم قدم السجود على الركوع؟ أجيب: باحتمال أنه كان كذلك في تلك الشريعة وقيل: بل كان السجود قبل الركوع في الشرائع كلها أو للتنبيه على أنّ الواو لا تقتضي الترتيب.
﴿ذلك﴾ أي: ما قصصناه عليك يا محمد من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﴿من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾ أي: من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي ﴿وما كنت لديهم﴾ أي: عندهم ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾ في الماء أي: سهامهم التي طرحوها فيه وعليها علامة على القرعة وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركاً بها ليعلموا ﴿أيهم يكفل مريم﴾ أي: يحضنها ويربيها، فأيّ متعلق بمحذوف كما علم من التقدير ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته
стр. 213
من جهة الوحي.
فإن قيل: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم من غير شبهة وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ أجيب: بأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربيّ﴾ (القصص، ٤٤) ﴿وما كنت بجانب الطور﴾ (القصص، ٢٦) ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ (يوسف، ١٠٢) واذكر.
﴿إذ قالت الملائكة﴾ أي: جبريل ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ أي: بابن ﴿اسمه المسيح عيسى بن مريم﴾ وإنما خاطبها بنسبته إليها تنبيهاً على أنها تلده بلا أب إذ عادة الأبناء نسبتهم إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم وبنسبته إليها فضلت واصطفيت على نساء العالمين.
فإن قيل: هذه ثلاثة أشياء: الإسم منها عيسى، وأمّا المسيح والابن فلقب وصفة أجيب: بأنّ الإسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلاثة، والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك لقوله: ﴿وجعلني مباركاً أينما كنت﴾ واشتقاقه من المسح؛ لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدهن، أو لأنّ جبريل مسحه بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، أو لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له. وقال ابن عباس: سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برىء، ويسمى الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين وعيسى معرب إيشوع وهو بالشين المعجمة السيد. قال البيضاويّ اشتقاقه من العيس وهو بياض تعلوه حمرة وهو تكلف لا طائل تحته وقوله تعالى: ﴿وجيهاً﴾ أي: ذا جاه حال مقدّرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة.
فإن قيل: لم ذكر ضمير الكلمة أجيب: بأنّ المسمى بها مذكر ﴿في الدنيا﴾ أي: بالنبوّة والتقدّم على الناس ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ بالشفاعة والدرجات العلى ﴿ومن المقرّبين﴾ عند الله تعالى لعلوّ درجته في الجنة ورفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
﴿ويكلم الناس في المهد﴾ أي: صغيراً قبل أوان الكلام كما ذكر في سورة مريم قال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ (مريم، ٣٠) الآية. وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثني وحدّثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. والمهد ما يمهد للصبيّ من مضجعه وقوله تعالى: ﴿وكهلاً﴾ عطف على في المهد أي: ويكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولية وحال الكهولية التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء، وقد رفع بعد كهولته، وقيل: إنه رفع شاباً وعلى هذا المراد كهلاً بعد نزوله وذكر تعالى أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية.
فإن قيل: فما فائدة البشارة بكلامه كهلاً والناس في ذلك سواء؟ أجيب: بأنه بشرها بأنه يبقى إلى أن يتكهل وبعدم التفاوت بين الحالين كما مرّ وقوله تعالى: ﴿ومن الصالحين﴾ أي: من عباد الله الصالحين حال من كلمة أو من ضميرها الذي في يكلم.
فإن قيل: لم ختم الصفات المذكورة بقوله: ﴿ومن الصالحين﴾ بعد كونه وجيها في الدنيا وفسرت بالنبوّة ولا شك أنّ النبوّة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحاً؟ أجيب: بأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على المنهج الأصلح وذلك يتناول جميع
стр. 214
المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ولهذا قال نبيّ الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعد النبوّة ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ (النمل، ١٩) فلما عدّد صفات عيسى ﵊ أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات.
﴿قالت ربّ﴾ أي: يا سيدي فقولها لله وقيل: قالته لجبريل قاله البغويّ وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل بمعنى يا سيدي ﴿أنى﴾ أي: كيف ﴿يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ أي: ولم يصبني رجل بتزوّج ولا غيره، قالت ذلك تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد مولود بلا أب أو استفهاماً عن أن يكون بتزوّج أو بغيره ﴿قال﴾ الأمر ﴿كذلك﴾ من خلق ولد منك بلا أب ﴿الله يخلق ما يشاء﴾ القائل جبريل أو الله وجبريل حكى لها وقوله تعالى ﴿إذا قضى أمراً﴾ أي: أراد كون شيء ﴿فإنما يقول له كن﴾ صر وقرأ ﴿فيكون﴾ ابن عامر بفتح النون، والباقون بضمها أي: فهو يكون؛ لأنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرّجاً بأسباب وموادّ يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه هناك وقوله تعالى:
﴿ونعلمه الكتاب﴾ أي: الكتابة ﴿والحكمة﴾ أي: العلم المقترن بالعمل ﴿والتوراة والإنجيل﴾ كلام مستأنف ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم حين علمت أنها تلد من غير زوج وقيل: المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان لفضلهما، وقرأ نافع وعاصم بالياء والباقون بالنون.
﴿و﴾ نجعله ﴿رسولاً إلى بني إسرائيل﴾ إما في الصبا أو بعد البلوغ وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثه إليهم وللردّ على من زعم أنه مبعوث إلى غيره.
فائدة: كان أوّل أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم الصلاة والسلام، ولما بعث إليهم قال لهم: إني رسول الله إليكم ﴿أني﴾ أي: بأني ﴿قد جئتكم بآية﴾ أي: علامة ﴿من ربكم﴾ تصدّق قولي، وإنما قال بآية وقد أتى بآيات؛ لأنّ الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة.
ولما قال ذلك لبني إسرائيل قالوا: وما هي؟ قال: هي ﴿إني﴾ قرأ نافع وحده بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتح الياء من إني نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون ﴿أخلق﴾ أي: أصوّر ﴿لكم من الطين كهيئة الطير﴾ أي: مثل صورته فيصير طيراً كسائر الطيور وحياً طياراً، والكاف اسم مفعول وقرأ ورش بالمدّ على الياء من هيئة والتوسط كما تقدّم في شيء ﴿فأنفخ فيه﴾ الضمير للكاف أي: في ذلك المماثل للطير أي: في فيه ﴿فيكون طيراً بإذن الله﴾ أي: بإرادته نبه بذلك على أن إحياءه من الله تعالى لا منه، وقرأ نافع بألف بعد الطاء بعدها همزة مكسورة ورقق ورش الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف فقراءة الجمع نظراً إلى أنه خلق طيراً كثيراً وقراءة المفرد نظراً إلى أنه نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقاً؛ لأنّ له أسناناً وللأنثى ثدياً وتحيض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله وليعلم أنّ الكمال لله .
﴿وأبرىء﴾ أي: أشفي ﴿الأكمه﴾ وهو الذي ولد أعمى أو ممسوح العينين. قال الزمخشريّ: ويقال لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير» ولعل هذا على التفسير
стр. 215
الثاني ﴿والأبرص﴾ وهو الذي به برص وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته وإنما خص هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما أعييا الأطباء وكان الغالب في زمن عيسى الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك، قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده على شرط الإيمان.
وإنما قال ثانياً ﴿وأحيي الموت بإذن الله﴾ وكرّر بإذن الله دفعاً لتوهّم الألوهية، فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية، قال ابن عباس: قد أحيا عيسى أربعة أنفس: عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ﵇، فأمّا عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى ﵇ إنّ أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله فقام وخرج من قبره وبقي وولد له، وأما ابن العجوز فمرّ به ميتاً على عيسى يحمل على سرير فدعا الله تعالى عيسى فجعل على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له، وأما ابنة العاشر فكان رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس فدعا الله تعالى فأحياها فبقيت وولد لها، وأما سام بن نوح فإنّ عيسى ﵇ جاء إلى قبره ودعا فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة وما كانوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ فقال: لا ولكن قد دعوت الله تعالى فأحياك، ثم قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى ففعل به ما قال.
﴿وأنبئكم﴾ أي: أخبركم ﴿بما تأكلون﴾ بما لم أعاينه ﴿وما تدّخرون﴾ أي: تخبئون ﴿في بيوتكم﴾ حتى تأكلوه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما أكل اليوم وبما ادّخره للعشاء، وقال السدي: كان عيسى في الكتاب يحدث الغلمان بما تصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا قال: فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا لهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا ههنا قال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير قال عيسى: كذلك يكونوا ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمّه حملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمنّ والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد فخانوا وخبؤوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وادّخروا منها فمسخهم الله خنازير ﴿إن في ذلك﴾ الذي ذكرته لكم ﴿لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مصدّقين للحق غير معاندين وقوله تعالى:
﴿ومصدّقاً﴾ منصوب بإضمار فعل يدل عليه قد جئتكم أي: وجئتكم مصدّقاً ﴿لما بين يدي﴾ أي: قبلي ﴿من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم﴾ فيها في شريعة موسى ﵊ فأحل لهم أكل الشحوم والثروب وهو شحم رقيق يغشى الكرش والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت وقيل: أحل الجميع فبعض بمعنى كل كقول لبيد:
следующие страницы →