← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مخففة، والباقون بضمّ الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين المشدّدة، واختلفوا في أنه لِمَ سمي يحيى قال ابن عباس: لأنّ الله أحيا به عقر أمّه وقال قتادة: لأنّ الله أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأنّ الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى أنه لم يهم بمعصية وهو اسم أعجمي منع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى وقيل: عربي ومنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كينسى، وجمعه يحيون كموسون وعيسون ﴿مصدّقاً بكلمة﴾ كائنة ﴿من الله﴾ أي: بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة كن وقيل: لأنّ الله أخبر الأنبياء بكلامه في كتابه أنه يخلق نبياً بلا أب فسماه بكلمة لحصول ذلك الوعد، وكان يحيى أوّل من آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليهما الصلاة والسلام، وقول البيضاويّ وكان يحيى وعيسى ابن خالة من الأب فيه تجوز إذ يحيى ابن خالة أمّ عيسى لا ابن خالته وعيسى ابن بنت خالة يحيى لا ابن خالته ﴿وسيداً﴾ أي: يسود قومه فيصير متبوعاً. وقال الضحاك: السيد الحسن الخلق. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه وقال سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم ﴿وحصوراً﴾ أي: مبالغاً في حبس النفس على الشهوات والملاهي. روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه للعب فقال: ما للعب خلقت. وقال سعيد بن المسيب: الحصور هو المعسر الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ممنوع من النساء وقيل: كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوّج مع ذلك ليكون أغض لبصره، وقيل: هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول لوجهين: أحدهما أنّ الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء ﴿ونبياً﴾ ناشئاً ﴿من الصالحين﴾ لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين فمن على هذا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (البقرة، ١٣٠) . ﴿قال رب أنى﴾ أي: كيف ﴿يكون لي غلام﴾ أي: ابن ﴿وقد بلغني الكبر﴾ أي: أدركني كبر السن وأثر فيّ وكان عمره مائة وعشرين سنة وقيل: تسعاً وتسعين سنة ﴿وامرأتي عاقر﴾ أي: لا تلد من العقر وهو القطع؛ لأنها ذات عقر من الأولاد وكانت بنت ثمان وتسعين سنة. فإن قيل: كيف قال زكريا بعدما وعده الله تعالى أن يكون له غلام أنى يكون لي غلام أكان شاكاً في وعد الله وفي قدرته؟ أجيب: بأنه قال ذلك استبعاداً من حيث العادة كما قالت مريم أو استعظاماً وتعجباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه أي: أتجعلني وامرأتي شابين أوترزقنا ولداً على الكبر منا أو ترزقني امرأة أخرى؟ وقيل: إنّ زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إنّ الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعاً للوسوسة ﴿قال﴾ الأمر ﴿كذلك﴾ أي: من خلق غلام منكما ﴿الله يفعل ما يشاء﴾ لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به. ﴿قال رب اجعل لي آية﴾ أي: علامة أعرف بها حمل امرأتي لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿قال آيتك﴾ عليه ﴿أن لا تكلم الناس﴾ أي: تمتنع من كلامهم ﴿ثلاثة أيام﴾ أي: بلياليها كما في سورة مريم ثلاث ليال ﴿إلا رمزاً﴾ أي: إشارة بيد أو رأس والاستثناء منقطع وقيل: متصل والمراد بالكلام حينئذٍ

стр. 212

ما دل على ما في الضمير وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذلك قال: ﴿واذكر ربك كثيراً وسبح﴾ أي: صل ﴿بالعشيّ﴾ وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ﴿والإبكار﴾ وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. فإن قيل: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ أجيب: بأنه إنما فعل به ذلك لتخلص المدّة المذكورة لذكر الله تعالى لا يشغل لسانه بغيره توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها التي طلب الآية من أجله كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قالت الملائكة﴾ أي: جبريل قال لها شفاهاً: ﴿يا مريم إنّ الله اصطفاك﴾ أي: اختارك بأن تقبلك من أمّك ولم يقبل قبلك أنثى وفرغك للعبادة وأغناك برزق الجنة عن الكسب وتكليمه لها شفاها كرامة لها. وقيل: كان معجزة لزكريا، وقيل: كان إرهاصاً أي: تأسيساً لنبوّة عيسى ﷺ بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا ﷺ قبل البعثة بطريق الشام وإنما حمل على هذا التأويل؛ لأنها ليست بنبية على الأصح بل حكى البيضاويّ الإجماع على أنه تعالى لم ينبىء امرأة لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً﴾ (الأنبياء، ٧) لكن نوزع في دعوى الإجماع؛ لأنّ الخلاف ثابت في نبوّة نسوة خصوصاً مريم إذ القول بنبوّتها مشهور ﴿وطهرك﴾ أي: مسيس الرجال ومما يستقذر من النساء ﴿واصطفاك﴾ ثانياً ﴿على نساء العالمين﴾ بهدايتك وإرسال الملائكة إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب ولم يكن لأحد من النساء. فائدة: أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية إذ قيل بنوّتها ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم خديجة أمّها ثم عائشة ثم آسية امرأة فرعون. فإن قيل: روى الطبرانيّ: «خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد ﷺ ثم آسية امرأة فرعون» أجيب: بأنّ خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. ﴿يا مريم اقنتي لربك﴾ أي: أطيعيه ﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ أي: وصلي مع المصلين في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. فإن قيل: لم قدم السجود على الركوع؟ أجيب: باحتمال أنه كان كذلك في تلك الشريعة وقيل: بل كان السجود قبل الركوع في الشرائع كلها أو للتنبيه على أنّ الواو لا تقتضي الترتيب. ﴿ذلك﴾ أي: ما قصصناه عليك يا محمد من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﴿من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾ أي: من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي ﴿وما كنت لديهم﴾ أي: عندهم ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾ في الماء أي: سهامهم التي طرحوها فيه وعليها علامة على القرعة وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركاً بها ليعلموا ﴿أيهم يكفل مريم﴾ أي: يحضنها ويربيها، فأيّ متعلق بمحذوف كما علم من التقدير ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته

стр. 213

من جهة الوحي. فإن قيل: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم من غير شبهة وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ أجيب: بأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربيّ﴾ (القصص، ٤٤) ﴿وما كنت بجانب الطور﴾ (القصص، ٢٦) ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ (يوسف، ١٠٢) واذكر. ﴿إذ قالت الملائكة﴾ أي: جبريل ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ أي: بابن ﴿اسمه المسيح عيسى بن مريم﴾ وإنما خاطبها بنسبته إليها تنبيهاً على أنها تلده بلا أب إذ عادة الأبناء نسبتهم إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم وبنسبته إليها فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قيل: هذه ثلاثة أشياء: الإسم منها عيسى، وأمّا المسيح والابن فلقب وصفة أجيب: بأنّ الإسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلاثة، والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك لقوله: ﴿وجعلني مباركاً أينما كنت﴾ واشتقاقه من المسح؛ لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدهن، أو لأنّ جبريل مسحه بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، أو لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له. وقال ابن عباس: سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برىء، ويسمى الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين وعيسى معرب إيشوع وهو بالشين المعجمة السيد. قال البيضاويّ اشتقاقه من العيس وهو بياض تعلوه حمرة وهو تكلف لا طائل تحته وقوله تعالى: ﴿وجيهاً﴾ أي: ذا جاه حال مقدّرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة. فإن قيل: لم ذكر ضمير الكلمة أجيب: بأنّ المسمى بها مذكر ﴿في الدنيا﴾ أي: بالنبوّة والتقدّم على الناس ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ بالشفاعة والدرجات العلى ﴿ومن المقرّبين﴾ عند الله تعالى لعلوّ درجته في الجنة ورفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. ﴿ويكلم الناس في المهد﴾ أي: صغيراً قبل أوان الكلام كما ذكر في سورة مريم قال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ (مريم، ٣٠) الآية. وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثني وحدّثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. والمهد ما يمهد للصبيّ من مضجعه وقوله تعالى: ﴿وكهلاً﴾ عطف على في المهد أي: ويكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولية وحال الكهولية التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء، وقد رفع بعد كهولته، وقيل: إنه رفع شاباً وعلى هذا المراد كهلاً بعد نزوله وذكر تعالى أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية. فإن قيل: فما فائدة البشارة بكلامه كهلاً والناس في ذلك سواء؟ أجيب: بأنه بشرها بأنه يبقى إلى أن يتكهل وبعدم التفاوت بين الحالين كما مرّ وقوله تعالى: ﴿ومن الصالحين﴾ أي: من عباد الله الصالحين حال من كلمة أو من ضميرها الذي في يكلم. فإن قيل: لم ختم الصفات المذكورة بقوله: ﴿ومن الصالحين﴾ بعد كونه وجيها في الدنيا وفسرت بالنبوّة ولا شك أنّ النبوّة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحاً؟ أجيب: بأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على المنهج الأصلح وذلك يتناول جميع

стр. 214

المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ولهذا قال نبيّ الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعد النبوّة ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ (النمل، ١٩) فلما عدّد صفات عيسى ﵊ أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات. ﴿قالت ربّ﴾ أي: يا سيدي فقولها لله وقيل: قالته لجبريل قاله البغويّ وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل بمعنى يا سيدي ﴿أنى﴾ أي: كيف ﴿يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ أي: ولم يصبني رجل بتزوّج ولا غيره، قالت ذلك تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد مولود بلا أب أو استفهاماً عن أن يكون بتزوّج أو بغيره ﴿قال﴾ الأمر ﴿كذلك﴾ من خلق ولد منك بلا أب ﴿الله يخلق ما يشاء﴾ القائل جبريل أو الله وجبريل حكى لها وقوله تعالى ﴿إذا قضى أمراً﴾ أي: أراد كون شيء ﴿فإنما يقول له كن﴾ صر وقرأ ﴿فيكون﴾ ابن عامر بفتح النون، والباقون بضمها أي: فهو يكون؛ لأنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرّجاً بأسباب وموادّ يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه هناك وقوله تعالى: ﴿ونعلمه الكتاب﴾ أي: الكتابة ﴿والحكمة﴾ أي: العلم المقترن بالعمل ﴿والتوراة والإنجيل﴾ كلام مستأنف ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم حين علمت أنها تلد من غير زوج وقيل: المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان لفضلهما، وقرأ نافع وعاصم بالياء والباقون بالنون. ﴿و﴾ نجعله ﴿رسولاً إلى بني إسرائيل﴾ إما في الصبا أو بعد البلوغ وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثه إليهم وللردّ على من زعم أنه مبعوث إلى غيره. فائدة: كان أوّل أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم الصلاة والسلام، ولما بعث إليهم قال لهم: إني رسول الله إليكم ﴿أني﴾ أي: بأني ﴿قد جئتكم بآية﴾ أي: علامة ﴿من ربكم﴾ تصدّق قولي، وإنما قال بآية وقد أتى بآيات؛ لأنّ الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة. ولما قال ذلك لبني إسرائيل قالوا: وما هي؟ قال: هي ﴿إني﴾ قرأ نافع وحده بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتح الياء من إني نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون ﴿أخلق﴾ أي: أصوّر ﴿لكم من الطين كهيئة الطير﴾ أي: مثل صورته فيصير طيراً كسائر الطيور وحياً طياراً، والكاف اسم مفعول وقرأ ورش بالمدّ على الياء من هيئة والتوسط كما تقدّم في شيء ﴿فأنفخ فيه﴾ الضمير للكاف أي: في ذلك المماثل للطير أي: في فيه ﴿فيكون طيراً بإذن الله﴾ أي: بإرادته نبه بذلك على أن إحياءه من الله تعالى لا منه، وقرأ نافع بألف بعد الطاء بعدها همزة مكسورة ورقق ورش الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف فقراءة الجمع نظراً إلى أنه خلق طيراً كثيراً وقراءة المفرد نظراً إلى أنه نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقاً؛ لأنّ له أسناناً وللأنثى ثدياً وتحيض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله وليعلم أنّ الكمال لله . ﴿وأبرىء﴾ أي: أشفي ﴿الأكمه﴾ وهو الذي ولد أعمى أو ممسوح العينين. قال الزمخشريّ: ويقال لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير» ولعل هذا على التفسير

стр. 215

الثاني ﴿والأبرص﴾ وهو الذي به برص وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته وإنما خص هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما أعييا الأطباء وكان الغالب في زمن عيسى الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك، قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده على شرط الإيمان. وإنما قال ثانياً ﴿وأحيي الموت بإذن الله﴾ وكرّر بإذن الله دفعاً لتوهّم الألوهية، فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية، قال ابن عباس: قد أحيا عيسى أربعة أنفس: عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ﵇، فأمّا عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى ﵇ إنّ أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله فقام وخرج من قبره وبقي وولد له، وأما ابن العجوز فمرّ به ميتاً على عيسى يحمل على سرير فدعا الله تعالى عيسى فجعل على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له، وأما ابنة العاشر فكان رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس فدعا الله تعالى فأحياها فبقيت وولد لها، وأما سام بن نوح فإنّ عيسى ﵇ جاء إلى قبره ودعا فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة وما كانوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ فقال: لا ولكن قد دعوت الله تعالى فأحياك، ثم قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى ففعل به ما قال. ﴿وأنبئكم﴾ أي: أخبركم ﴿بما تأكلون﴾ بما لم أعاينه ﴿وما تدّخرون﴾ أي: تخبئون ﴿في بيوتكم﴾ حتى تأكلوه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما أكل اليوم وبما ادّخره للعشاء، وقال السدي: كان عيسى في الكتاب يحدث الغلمان بما تصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا قال: فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا لهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا ههنا قال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير قال عيسى: كذلك يكونوا ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمّه حملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمنّ والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد فخانوا وخبؤوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وادّخروا منها فمسخهم الله خنازير ﴿إن في ذلك﴾ الذي ذكرته لكم ﴿لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مصدّقين للحق غير معاندين وقوله تعالى: ﴿ومصدّقاً﴾ منصوب بإضمار فعل يدل عليه قد جئتكم أي: وجئتكم مصدّقاً ﴿لما بين يدي﴾ أي: قبلي ﴿من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم﴾ فيها في شريعة موسى ﵊ فأحل لهم أكل الشحوم والثروب وهو شحم رقيق يغشى الكرش والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت وقيل: أحل الجميع فبعض بمعنى كل كقول لبيد:

стр. 216

*ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها* يعني كل النفوس. فإن قيل: كيف يكون مصدّقاً للتوراة والإحلال يدل على أنّ شرعه كان ناسخاً لشرع موسى؟ أجيب: بأنه لا تناقض كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بالتناقض والتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وإنما كرر ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ للتأكيد وليبني عليه ﴿فاتقوا الله﴾ أي: في مخالفة أمره أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء والإنباء بالخفيات وبغيره من ولادتي من غير أب ومن كلامي في المهد وغير ذلك، فهي في الحقيقة آيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته ﴿وأطيعون﴾ فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وطاعته، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: ﴿إنّ الله ربي وربكم﴾ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ﴿فاعبدوه﴾ أي: لازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر والإنتهاء عن المناهي ﴿هذا﴾ الذي دعوتكم إليه ﴿صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ أي: هو المشهود له بالإستقامة. روى الإمام أحمد وغيره أنّ رجلاً قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . ولما قال لهم ذلك كذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: ﴿فلما أحس عيسى﴾ أي: علم ﴿منهم﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس ﴿الكفر قال من أنصاري﴾ قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالسكون أي: أعواني وقوله: ﴿إلى الله﴾ متعلق بمحذوف حال من الياء أي: من أنصاري ذاهباً إلى الله تعالى ملتجئاً إليه تعالى لأنصر دينه وقيل: إلى هنا بمعنى مع أو في أو اللام ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ أي: أعوان دينه واختلفوا في الحواريين، فقال السدي: لما بعث الله تعالى عيسى إلى بني إسرائيل كذبوه وأخرجوه فخرج هو وأمه يسبحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوماً مهتماً حزيناً فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيباً؟ قالت: لا تسأليني قالت: أخبريني لعل الله يفرّج كربته قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً أن يطعمه وجنوده ويسقيهم خمراً فإن لم يفعل عاقبه واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة قالت: فقولي له لا تهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك، فقالت مريم لعيسى في ذلك قال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شرّ قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى: قولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك فدعا الله عيسى فتحوّل ماء القدور مرقاً ولحماً وماء الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط، فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا قال: فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى فلما خلط على الملك شدّد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً، فلما أحضره وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق إليه فقال: إنّ رجلاً دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً ليجأ به إليّ حتى يحيي ابني فدعي بعيسى إليه فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا أفعل فإنه إن عاش وقع شرّ. قال الملك: لا عليك.

стр. 217

قال عيسى: إن أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟ قال: نعم فدعا الله تعالى فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمّه فمرّوا بالحواريين وهم يصطادون السمك فقال: ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك قالوا: ومن أنت؟ قال: عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فقالوا: ﴿آمنا﴾ أي: صدقنا ﴿با واشهد﴾ يا عيسى ﴿بأنا مسلمون﴾ لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم. ﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾ من الإنجيل ﴿واتبعنا الرسول﴾ عيسى ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ لك بالوحدانية أو مع النبيين الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمّة محمد ﷺ فإنهم شهداء على الناس وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب أي: يبيضونها، وعلى الأوّل سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر فقال: يا عيسى إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان وقد علمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغاً منها عند قدومي، وخرج فطبخ عيسى جباً واحداً على لون واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله تعالى على ما أريد منك فقدم الحواري والثياب كلها في الجب فقال: ما فعلت؟ قال: فرغت منها قال: أين هي؟ قال: في الجب قال: كلها؟ قال: نعم قال: لقد أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر فأخرج عيسى ثوباً أصفر وثوباً أخضر وثوباً أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب وعلم أنّ ذلك من الله تعالى، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن هو وأصحابه وهم الحواريون وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى أوّل من آمن به وكانوا اثني عشر من الحور وهو البياض الخاص، وحواري الرجل صفوته وخالصته. وقيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهنّ ونظافتهن قال القائل: *فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح* قال الله تعالى: ﴿ومكروا﴾ أي: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر به، وذلك أن عيسى ﵊ بعد إخراج قومه إياه وأمّه عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ووكلوا به من يقتله غيلة ـ وهي بالكسر ـ أن يخدع غيره فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله فذلك مكرهم إذ المكر من المخلوق الخبث والخديعة والحيلة، وأمّا من الخالق وهو قوله تعالى: ﴿ومكر الله﴾ أي: بهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أي: أعلمهم به، فقال الزجاج: مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الإبتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾ (البقرة، ١٥) وهو خادعهم ومكر الله تعالى بهم في هذه الآية بأن ألقى شبهه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل. روي أنّ عيسى استقبل رهطاً من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير، فلما رأى ذلك

стр. 218

يهودا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه فبعث الله تعالى إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها كوة فرفعه الله تعالى إلى السماء من تلك الكوة فأمر يهودا رأس اليهود رجلاً من أصحابه أن يدخل الخوخة ويقتله فلما دخل لم ير عيسى فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه، فلما صلب جاءت أمّ عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله تعالى من الجنون يبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى فقال لهما: على من تبكيان؟ إنّ الله تعالى رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شبه لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد بكاها ولم يحزن حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى الله ، فأهبطه الله تعالى إليها فاشتعل حين أهبط نور فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله تعالى إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون تحدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى ﵊ إليهم. وروي أنّ الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها: إنّ القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، وقالت أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشر سنة وولدته لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، فأوحى الله تعالى إليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين وعاشت أمّه بعد رفعه ست سنين وقوله تعالى: ﴿إذ قال الله﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو لمضمر مثل اذكر ﴿يا عيسى إني متوفيك﴾ أي: مستوفي أجلك ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكافر ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم أو قابضك من الأرض. من توفيت مالي أي: قبضته أو متوفيك نائماً كما قال تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ (الأنعام، ٦٠) أي: يميتكم، إذ روي أنه رفع نائماً أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت ﴿ورافعك إليّ﴾ أي: إلى محل كرامتي ومقرّ ملائكتي، إذ روي أنّ الله تعالى رفعه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وكان إنسياً سماوياً أرضياً، وقال محمد بن إسحاق: النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه. وقال الضحاك: إنّ في الآية تقديماً وتأخيراً معناه إني رافعك إليّ ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ أي: مخرجك من بينهم ومنجيك منهم ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . وروى الشيخان حديث: «أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية» وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين، وفي حديث عند أبي داود والطيالسي «أربعين سنة» ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، فيحمل على أنّ مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده أربعون، وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد نزول

стр. 219

عيسى في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ (آل عمران، ٤٦) وهو لم يتكهل في الدنيا وإنما معناه كهلاً بعد نزوله من السماء انتهى. وهذا إنما يأتي على القول بأنه رفع شاباً، وأما على القول بأنه رفع بعد ثلاث وثلاثين فلا دليل فيه إذ الكهولة من الثلاثين إلى الأربعين ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ أي: صدقوا بنبوّتك من النصارى ومن المسلمين؛ لأنه متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع ﴿فوق الذين كفروا﴾ بك من اليهود والنصارى أي: يغلبونهم بالحجة والسيف ﴿إلى يوم القيامة﴾ وقيل: المراد بالذين اتبعوه النصارى وبالذين كفروا اليهود إذ لم نسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة وملك النصارى قائم إلى قريب من قيام الساعة وعلى هذا يكون الإتباع بمعنى الإدعاء في المحبة لا اتباع الدين ﴿ثم إليّ مرجعكم﴾ الضمير لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به وغلب المخاطب على الغائبين ﴿فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون﴾ من أمر الدين ثم بين الحكم بقوله: ﴿فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا﴾ بالقتل والسبي والجزية والذلة ﴿و﴾ أعذبهم في ﴿الآخرة﴾ بالنار. فإن قيل: الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة فكيف يصح في تبيينه العذاب في الدنيا؟ أجيب: بأنّ المقصود التأييد من غير نظر إلى الدنيا والآخرة كما في قوله: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي: مانعين منه. ﴿وأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم﴾ أي: أجور أعمالهم، وقرأ حفص بالياء، والباقون بالنون ﴿وا لا يحب الظالمين﴾ أي: لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سبق من خبر عيسى ومريم وامرأة عمران وهو مبتدأ خبره ﴿نتلوه﴾ أي: نقصه ﴿عليك﴾ يا محمد وقوله تعالى: ﴿من الآيات﴾ خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو حال من الهاء ﴿والذكر الحكيم﴾ أي: القرآن وصف بصفة من هو سببه أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. وقيل: هو اللوح المحفوظ وهو معلق بالعرش من درة بيضاء. ولما قال وفد نجران للرسول ﷺ مالك سببت صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب، نزل. ﴿إنّ مثل عيسى﴾ أي: شأنه وحالته الغريبة ﴿عند الله كمثل آدم﴾ أي: كشأنه في خلقه من غير أب وقوله تعالى: ﴿خلقه﴾ أي: آدم ﴿من تراب﴾ جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثم أب ولا أم فكذلك حال عيسى. فإن قيل: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم؟ أجيب: بأنّ مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأنّ الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له قالوا: كان يحيي الموتى قال فخر قيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة أنفس؟ قيل ثمانية آلاف فقالوا: كان يبرىء

стр. 220

الأكمه والأبرص قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً. ومعنى خلق آدم من تراب أي: صوّر جسده من تراب ﴿ثم قال له كن﴾ أي: أنشأه بشراً بأن نفخ فيه الروح كقوله تعالى: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ (المؤمنون، ١٤) وقوله تعالى: ﴿فيكون﴾ حكاية حال ماضية أي: فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان ويجوز أن تكون ثم لتراخي الخبر لا لتراخي المخبر عنه وقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: أمر عيسى وقوله تعالى: ﴿فلا تكن من الممترين﴾ أي: الشاكين خطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره فحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ممترياً. ﴿فمن حاجك﴾ أي: جادلك من النصارى ﴿فيه﴾ أي: عيسى ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ أي: من البينات الموجبة للعلم بأنّ عيسى عبد الله ورسوله ﴿فقل﴾ لهم ﴿تعالوا﴾ أي: هلموا بالرأي والعزم ﴿ندع﴾ جزم في جواب الأمر وعلامة جزمه سقوط الواو ﴿أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ أي: ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وإنما قدّمهم على النفس؛ لأنّ الرجل يخاطر بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم فنجمعهم ﴿ثم نبتهل﴾ أي: نتضرع في الدعاء ونبالغ فيه ﴿فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾ بأن نقول: اللهم إلعن الكاذب بأمر عيسى، فلما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غداً، فخلا بعضهم ببعض وقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكنّ، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها ﵂ وهو ﷺ يقول لهم: «إذا أنا دعوت فأمنوا» فقال أسقف نجران ـ وهو اسم سرياني لرئيس النصارى وعاملهم وهو غير العاقب: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأيت أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله ﷺ «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا فقال: «إني أنابذكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تحنفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب تؤديها للمسلمين وعارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يؤدّوها، فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إنّ العذاب تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر» ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا كلهم. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ خرج وعليه

стр. 221

مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ » (الأحزاب، ٣٣) ، وفي ذلك دليل على نبوّته ﷺ وعلى فضل أهل الكساء رضي الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين. فائدة: رسمت لعنة هنا بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي عليها بالهاء، والباقون بالتاء. ﴿إن هذا﴾ أي: الذي قص عليك من نبأ عيسى ﴿لهو القصص﴾ أي: الخبر ﴿الحق﴾ الذي لا شك فيه، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء من لهو والباقون بالرفع حيث جاء وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها وإمّا مبتدأ والقصص الحق خبره والجملة خبران. فإن قيل: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ أجيب: بأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ وأصلها أن تدخل على المبتدأ ﴿وما من إله إلا الله﴾ إنما صرح فيه بمن المزيدة للإستغراق تأكيداً للردّ على النصارى في تثليثهم ﴿وإن الله لهو العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه فلا أحد يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة فلا يشاركه في الألوهية. ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان ﴿فإنّ الله عليم بالمفسدين﴾ فيجازيهم وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أنّ التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين والإعتقاد المؤدّي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. ولما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود واختصموا في إبراهيم ﷺ فزعمت النصارى أنه كان نصرانياً وهم على دينه وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهودياً وهم على دينه وأولى الناس به، فقال النبيّ ﷺ «كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام» فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، نزل. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ وهو يعم أهل الكتابين وهم اليهود والنصارى ﴿تعالوا إلى كلمة﴾ العرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنها سميت القصيدة كلمة، وقوله تعالى: ﴿سواء﴾ مصدر بمعنى مستو أمرها لا تختلف فيها الرسل والكتب ﴿بيننا وبينكم﴾ هو نعت الكلمة؛ لأنّ المصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مدّت وإذا كسرت أو ضمت قصرت كقوله تعالى: ﴿مكاناً سوى﴾ (طه، ٥٨) ثم فسر الكلمة بقوله: ﴿أن لا نعبد إلا الله﴾ أي: نوحده بالعبادة ونخلص له فيها ﴿ولا نشرك به شيئاً﴾ أي: ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً؛ لأن يعبد ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾ أي: ولا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا. روى الترمذي لما نزل قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال: «أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم قال: هو ذلك» أي: أخذكم بقولهم ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن التوحيد ﴿فقولوا﴾ أنتم لهم ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾ أي: موحدون دونكم فقد لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بذلك، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو نحو ذلك:

стр. 222

اعترف بأني الغالب وسلم لي الغلبة. قال البيضاوي: تنبيه: انظر ما راعى أي: الله في هذه القصة من المبالغة والإرشاد وحسن التدرج في الحجاج أولاً لأحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح أي: يزيل شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الإنقياد عاد إليهم بالإرشاد وسلك طريقاً أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم لما لم يجد أي: ينفع ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك، وقال: اشهدوا بأنا مسلمون. ﴿يا أهل الكتاب﴾ وقد مرّ أنه يعم أهل الكتابين اليهود والنصارى ﴿لم تحاجون﴾ أي: تخاصمون ﴿في إبراهيم﴾ بزعمكم أنه على دينكم ﴿وما أنزلت التوراة﴾ على موسى ﴿والإنجيل﴾ على عيسى ﴿إلا من بعده﴾ أي: بزمن طويل إذ كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية ﴿أفلا تعقلون﴾ بطلان قولكم حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. ﴿ها أنتم﴾ يا ﴿هؤلاء﴾ ها للتنبيه وأنتم مبتدأ خبره ﴿حاججتم﴾ أي: جادلتم ﴿فيما لكم به علم﴾ من أمر موسى وعيسى وزعمتم أنكم على دينهما ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ من شأن إبراهيم وليس له ذكر في كتابكم ﴿وا يعلم﴾ ما حاججتم فيه ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي: جاهلون به، ثم قال تعالى تبرئة لإبراهيم: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً﴾ أي: مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيّم ﴿مسلماً﴾ أي: موحداً منقاداً لله تعالى وليس المراد أنه كان على دين الإسلام وإلا لاشترك الإلزام؛ لأنهم يقولون: ملة الإسلام حدثت بعد نزول القرآن على محمد ﷺ وكان إبراهيم قبله بمدّة طويلة فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن، فعلم أن المراد يكون إبراهيم مسلماً أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة ﴿وما كان من المشركين﴾ كما لم يكن منكم أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم عزيراً والمسيح. ﴿إنّ أولى الناس﴾ أي: أحقهم ﴿بإبراهيم﴾ من أمّته ﴿للذين اتبعوه﴾ من أمّته ﴿وهذا النبيّ والذين آمنوا وا وليّ المؤمنين﴾ أي: ناصرهم وحافظهم ولما دعا اليهود معاذاً وحذيفة وعماراً إلى دينهم نزل. ﴿ودّت﴾ أي: تمنت ﴿طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم﴾ عن دينكم ويردّونكم إلى الكفر ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ أي: أمثالهم أو إن أثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه ﴿وما يشعرون﴾ بذلك. ﴿يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوّة محمد ﷺ ﴿وأنتم تشهدون﴾ أنها آيات الله أو بالقرآن العزيز وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق. ﴿يأهل الكتاب لم تلبسون الحق﴾ أي: القرآن المشتمل على نعت محمد ﷺ ﴿بالباطل﴾ أي: بالتحريف والتزوير ﴿وتكتمون الحق﴾ أي: نعت محمد ﷺ ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه حق. ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ أي: اليهود قالوا لجماعة منهم ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ أي: القرآن أي: أظهروا الإيمان به ﴿وجه النهار﴾ أي: أوّله وإنما سمي أوّله وجهاً لأنه أحسنه ولأنه أوّل ما يرى

стр. 223

بعد الليل ﴿واكفروا﴾ به ﴿آخره لعلهم﴾ أي: المؤمنين ﴿يرجعون﴾ عن دينهم إذا رأوكم رجعتم واختلف في هذه الطائفة، فقال الحسن والسديّ: هي اثنا عشر من يهود خيبر وقيل: قريظة تواطؤوا، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك فظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه واتهموه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم. وقال مجاهد ومقاتل والكلبيّ: هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما تحوّلت القبلة وشق ذلك على اليهود آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أوّل النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا. ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع﴾ أي: وافق ﴿دينكم﴾ أي: ولا تقرّوا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أولى وأهمّ فأطلع الله رسوله ﷺ على سرّهم. تنبيه: قال البغويّ: اللام في لمن صلة أي: لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى: ﴿عسى أن يكون ردفاً لكم﴾ (النمل، ٧٢) أي: ردفكم ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنّ الهدى هدى الله﴾ الذي هو الإسلام وما عداه ضلال وقوله تعالى: ﴿أن يؤتى﴾ بمعنى الجحد أي: ما يؤتى ﴿أحد مثل ما أوتيتم﴾ يا أمّة محمد ﴿أو يحاجوكم﴾ أي: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم وقوله تعالى: ﴿عند ربكم﴾ أي: عند فعل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والكلبيّ ومقاتل والحسن وهو حسن، وقال الفرّاء: ويجوز أن تكون أو بمعنى حتى كما يقال تعلق به أو يعطيك حقك أي: حتى يعطيك حقك ويكون معنى الآية ما أعطى أحد مثل ما أعطيتم يا أمّة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم أي يوم القيامة. وقال مجاهد قوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ كلام معترض بين كلامين وما بعد متصل بالكلام الأوّل إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب والآيات من المنّ والسلوى وفلق البحر وغيرها من الكرامات ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح ديناً منهم، وقرأ ابن كثير وحده بهمزة واحدة، وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون هدى الله بدلاً من الهدى وأن يؤتى أحد خبر أن على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم، قال: ويجوز أن ينتصب أن يؤتى بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ كأنه قيل: قل إنّ الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأنّ قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم إنكار، لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا قال تعالى: ﴿قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾ من عباده ﴿وا واسع﴾ أي: كثير الفضل ﴿عليم﴾ بمن هو أهله ﴿يختص برحمته﴾ أو نبوّته ﴿من يشاء وا ذو الفضل العظيم﴾ ففي ذلك ردّ وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة. ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار﴾ أي: بمال كثير ﴿يؤدّه إليك﴾ كعبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية

стр. 224

ذهباً فأدّاه إليه ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك﴾ كفنحاص بن عازوراء استودعه رجل آخر من قريش ديناراً فجحده ﴿إلا ما دمت عليه قائماً﴾ أي: إلا إن أودعته واسترجعته منه وأنت قائم على رأسه لم تفارقه ردّه إليك وإن فارقته وأخرته نكل ولم يردّه، وقيل: المأمون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم، وقرأ حمزة وأبو عمرو وشعبة يؤدّه ولا يؤدّه إليك بإسكان الهاء فهو وصل بنية الوقف فهو سكون وقف بالنية لا بالفعل وقالون باختلاس حركة الهاء، وحفص والكسائي بالحركة الكاملة والألف في قنطار ودينار بالإمالة لأبي عمرو والدوري عن الكسائي وورش بينَ بين والباقون بالفتح ﴿ذلك﴾ أي: ترك الأداء المدلول عليه بقوله تعالى لا يؤدّه ﴿بأنهم قالوا﴾ أي: بسبب قولهم ﴿ليس علينا في الأمّيين﴾ أي: العرب ﴿سبيل﴾ أي: إثم لاستحلالهم ظلم من خالفهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى قالوا: لن يجعل الله لهم في التوراة حرمة فكذبهم الله بقوله عز من قائل ﴿ويقولون على الله الكذب﴾ أي: في نسبة ذلك إليه ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجلاً من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق ولا عندنا قضاء؛ لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فكذبهم الله تعالى في ذلك. روى الطبراني وغيره أنه ﷺ قال عند نزول هذه «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي» أي: منسوخ متروك إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر أي: والديون من الأمانة؛ لأنّ المراد من الأمانة الرضا بالذمّة وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه أي: بلى على اليهود في الأمّيين سبيل ثم ابتدأ فقال: ﴿من أوفى بعهده﴾ أي: ولكن من أوفى بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن وأداء الأمانة ﴿واتقى﴾ الله بترك المعاصي وفعل الطاعات ﴿فإن الله يحب المتقين﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: يحبهم بمعنى يثيبهم. فإن قيل: فأين الضمير الراجع من الخبر إلى من؟ أجيب: بأنّ عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. ونزل في أحبار من اليهود حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد ﷺ وحكم الأمانة وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. ﴿إن الذين يشترون﴾ أي: يستبدلون ﴿بعهد الله﴾ إليهم في الإيمان للنبيّ ﷺ والوفاء بأداء الأمانة ﴿وإيمانهم﴾ أي: حلفهم به تعالى كاذباً من قولهم: والله لنؤمننّ ولننصرنه ﴿ثمناً قليلاً﴾ من الدنيا ﴿أولئك لا خلاق﴾ أي: لا نصيب ﴿لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله﴾ أي: بما يسرّهم أو بشيء أصلاً وأنّ الملائكة يسألونهم يوم القيامة ﴿ولا ينظر إليهم﴾ أي: ولا يرحمهم ﴿يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ أي: ولا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به وقيل: نزلت في جماعة من اليهود جاؤوا إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين فقال لهم: أتعلمون أنّ هذا الرجل رسول الله قالوا: نعم قال: لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً فقالوا: لعله اشتبه علينا فرويداً حتى نلقاه فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته ثم رجعوا إليه

стр. 225

وقالوا: لقد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا ففرح ومارهم، وعن الأشعث بن قيس: «نزلت فيّ كان بيني وبين رجل خصومة في بئر وأرض، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: شاهداك أو يمينه فقلت: إذا يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك هذه الآية» . وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبيّ ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرّات فقال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» وفي رواية المسبل إزاره، وعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم رجل حلف على يمين على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف يميناً بعد صلاة العصر أنه أعطى بسلعته أكثر مما أعطى وهو كاذب ورجل منع فضل ماء، فإنّ الله تعالى يقول: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» . أي: أهل الكتاب ﴿لفريقاً﴾ أي: طائفة ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب ﴿يلوون ألسنتهم بالكتاب﴾ أي: يقتلونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبيّ ﷺ وآية الرجم وغير ذلك يقال: لوى لسانه عن كذا أي: غيره ﴿لتحسبوه﴾ أي: المحرف المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿يلوون﴾ ﴿من الكتاب﴾ الذي أنزل الله ﴿وما هو من الكتاب﴾ قرأ ابن عامر وعاصم بفتح السين والباقون بكسرها، وقوله تعالى: ﴿ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ تأكيد لقوله ﴿وما هو من الكتاب﴾ وزيادة تشنيع عليهم به وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحاً لا تعريضاً أي: ليس هو نازلاً من عنده. فإن قيل: نفى الله تعالى كون التحريف من عنده وهو فعل العبد فلا يكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى وإلا لما صح نفيه عنه تعالى أجيب: بأنّ المنفي هو الإنزال كما تقرّر ولا كون التحريف غير مخلوق لله تعالى بكسب العبد وقوله تعالى: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ تأكيد أيضاً وتسجيل عليهم بالكذب والتعمد فيه واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ما كان﴾ أي: ما ينبغي ﴿لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم﴾ أي: الفهم للشريعة ﴿والنبوّة﴾ أي: المنزلة الرفيعة بالإنباء ﴿ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله﴾ فقال مقاتل والضحاك: نزلت في نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه رباً فقال تعالى: ﴿ما كان لبشر﴾ أي: عيسى ﴿أن يؤتيه الله الكتاب﴾ أي: الإنجيل، وقال ابن عباس وعطاء: ما كان لبشر أي: محمد أن يؤتيه الله الكتاب أي: القرآن وذلك «أن أبا رافع القرظي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله ﷺ أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال: «معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني» فنزلت. وقيل: «قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: «ما ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» والبشر جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم ويوضع موضع الجمع والواحد ﴿ولكن﴾ يقول: ﴿كونوا ربانيين﴾ أي: علماء عاملين منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيماً كما يقال رقباني

стр. 226

ولحياني وهو الشديد التمسك بدين الله تعالى وطاعته، وقيل: الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل: الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء والربانيون الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس. وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء، وحكي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال: هو الذي يربي علمه بعمله. وقال محمد بن الحنفية: يوم مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: اليوم مات رباني هذه الأمّة ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ أي: بسبب كونكم تعلمون الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإنّ فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل فيكتفي بذلك دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جميع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ويجوز أن يكون معناه: تدرسونه على الناس كقوله تعالى: ﴿لتقرأه على الناس﴾ وفيه أنّ من علم ودرس العلم ولم يعمل، فليس من الله في شيء وأنّ السبب بينه وبين الله تعالى منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام مخففة، والباقون بضمّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشدّدة. ﴿ولا يأمركم﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب الراء عطفاً على يقول أي: البشرط والباقون برفع الراء على أنه استئناف أي: الله ﴿أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً﴾ كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيراً والنصارى عيسى وقوله تعالى: ﴿أيأمركم بالكفر﴾ إنكار والضمير فيه للبشر أو لله على الوجهين السابقين وقوله تعالى: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ دليل على أنّ الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون على أن يسجدوا له. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿أخذ الله ميثاق النبيين﴾ أي: عهدهم ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة﴾ . قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام من لما فتكون متعلقة بأخذ، والباقون بالفتح على الإبتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وما موصولة على الوجهين أي: للذي آتيتكموه لتؤمننّ به، وقرأ نافع: آتيناكم بالنون مفتوحة بعد الياء بعدها ألف، والباقون بتاء مضمومة ﴿ثم جاءكم﴾ تقدّم أنّ حمزة وابن ذكوان يميلان الألف محضة، والباقون بالفتح ﴿رسول مصدّق لما معكم﴾ من الكتاب والحكمة وهو محمد ﷺ وقوله تعالى: ﴿لتؤمننّ به ولتنصرنه﴾ جواب القسم أي: إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك. وقيل: المراد أولاد النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكماً لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوّة من محمد؛ لأنا أهل كتاب والنبيون كانوا منا ﴿قال﴾ الله تعالى لهم: ﴿أأقررتم﴾ بذلك قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وألف بينها وبين الهمزة الأولى وابن كثير كذلك إلا أنه لا يدخل ألفاً بينهما، ولورش وجهان: أحدهما كابن كثير والثاني أنه يبدل الثانية حرف مدّ ولهشام في الهمزة التحقيق والتسهيل مع دخول ألف بينهما، والباقون بتحقيق الهمزتين من غير دخول ألف بينهما ﴿وأخذتم﴾ أي: قبلتم تقدّم أن ابن كثير وحفصاً يظهران الذال المعجمة عند التاء من أخذتم والباقون بالإدغام ﴿على ذلكم إصري﴾ أي: عهدي سمي به؛ لأنه مما يؤصر أي: يشدّ ويعقد ومنه الآصار الذي يعقد به ﴿قالوا أقررنا قال فاشهدوا﴾ على أنفسكم وأتباعكم بذلك ﴿وأنا معكم

стр. 227

من الشاهدين﴾ عليكم وعليهم وهو توكيد وتحذير عظيم من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض، وقيل: الخطاب للملائكة. ﴿فمن تولى﴾ أي: أعرض ﴿بعد ذلك﴾ أي: الميثاق والتوكيد بالإقرار والشهادة ﴿فأولئك الفاسقون﴾ أي: المتمرّدون من الكفرة. روي «أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم ﵊ وكل واحد من الفريقين ادّعى أنه أولى به فقال رسول الله ﷺ «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ دينك فنزل. ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ » وهذه الجملة معطوفة على الجملة المتقدّمة وهي ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ والهمزة متوسطة بينهما للإنكار ويجوز أن تعطف على محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله؛ لأنه أهمّ من حيث أن الإنكار الذي معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل، وقرأ أبو عمرو وحفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب على تقدير وقل لهم: ﴿وله﴾ : ﴿أسلم﴾ أي: خضع وانقاد ﴿من في السموات والأرض طوعاً﴾ أي: بالنظر في الأدلة واتباع الحجة والإنصاف من نفسه ﴿وكرهاً﴾ بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون وقومه والإشراف على الموت لقوله تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا با وحده﴾ (غافر، ٨٤) وقال الحسن: أسلم أهل السموات طوعاً وأهل الأرض بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً خوفاً من السيف والسبي وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ (الأعراف، ١٧٢) فقال بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً قال قتادة: المسلم أسلم طوعاً فنفعه، والكافر كرهاً في وقت البأس فلم ينفعه قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ (غافر، ١٥) وانتصب طوعاً وكرهاً على الحال بمعنى الطائعين ومكروهين ﴿وإليه ترجعون﴾ قرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿آمنا با وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط﴾ أي: أولاده ﴿وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم﴾ بالتصديق والتكذيب أمر رسول الله ﷺ أن يخبر عن نفسه وعمن تبعه بالإيمان، فلذلك وحد الضمير في قل وجمعه في آمنا وعلينا؛ لأن القرآن كما هو منزل عليه منزل على متابعيه بتوسط تبليغه إليهم أو بأن يتكلم عن نفسه بالجمع على طريقة الملوك إجلالاً له. فإن قيل: لم عدي أنزل في هذه الآية بعلى وفيما تقدّم من مثلها في سورة البقرة بإلى؟ أجيب: بأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فعدي تارة بإلى؛ لأنه ينتهي إلى الرسل وتارة بعلى؛ لأنه من فوق وما قيل: من أنه إنما خص ما هنا بعلى وما هناك بإلى؛ لأن ما هنا خطاب للنبيّ وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان بعلى المختصة بالعلوّ، وما هناك خطاب للأمّة وقد وصل إليهم بواسطة النبيّ الذي هو من البشر فناسب الإتيان بإلى المختصة بالإتصال. قال الزمخشري: فيه تعسف ألا ترى إلى قوله: ﴿بما أنزل إليك﴾ و ﴿أنزلنا إليك الكتاب﴾ (النساء، ١٠٥) وإلى قوله تعالى: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ (آل عمران، ٧٢) . فإن قيل: لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل؟ أجيب: بأنه إنما قدم؛ لأن المنزل عليه هو المعرّف للمنزل على سائر الرسل، ولأنه أفضل الكتب

стр. 228

المنزلة ﴿ونحن له مسلمون﴾ أي: موحدون مخلصون له في العبادة لا نجعل له شريكاً فيها. ونزل فيمن ارتدّ ولحق بالكفار وهم اثنا عشر رجلاً ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً منهم الحارث بن سويد الأنصاري. ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ أي: غير التوحيد والإنقياد لحكم الله فهو مشتمل على الإيمان بهذا التقدير وديناً تمييز مبين للإسلام والدين يشتمل على التصديق والأعمال الصالحة فالإسلام كذلك؛ لأنّ المبين لا يخالف المبين وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله تعالى: ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران، ١٩٩) والدين هو الوضع الإلهي السائق لكل خير ﴿فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ لمصيره إلى النار المؤبدة عليه وقوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم﴾ لفظه استفهام ومعناه جحد أي: لا يهديهم الله لما علم من تصميمهم على كفرهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم ﴿و﴾ بعدما ﴿شهدوا أن الرسول حق و﴾ قد ﴿جاءهم البينات﴾ أي: الحجج الظاهرة على صدق النبيّ ﷺ ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: الكافرين. ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ والمراد بالناس المؤمنون أو العموم، فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه. تنبيه: دلت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم. قال البيضاوي: ولعلّ الفرق أنهم أي: هؤلاء مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدي مايوسون عن الرحمة بخلاف غيرهم أي: فلا يلعن الكافر الأصلي المعين حياً ولا ميتاً ما لا يعلم موته على الكفر، وكالأصلي المرتدّ وأمّا لعن الكافر على العموم فيجوز. ﴿خالدين فيها﴾ أي: اللعنة أو النار أو العقوبة المدلول باللعنة عليها ﴿لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ أي: يمهلون. ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ عملهم تصديقاً لتوبتهم ﴿فإنّ الله غفور﴾ لهم يقبل توبتهم ﴿رحيم﴾ بهم يتفضل عليهم وذلك «أنّ الحرث بن سويد لما ارتدّ ولحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فأقبل إلى المدينة فتاب وقبل رسول الله ﷺ توبته» . ونزل في اليهود. ﴿إنّ الذين كفروا﴾ بعيسى والإنجيل ﴿بعد إيمانهم﴾ بموسى والتوراة ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ بمحمد ﷺ والقرآن وقيل: كفروا بمحمد بعدما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والطعن فيه والصدّ عن الإيمان ونقض الميثاق ﴿لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ أي: الثابتون على الضلال. فإن قيل: قد وعد الله تعالى قبول توبة من تاب فما معنى قوله تعالى: ﴿لن تقبل توبتهم﴾ ؟ أجيب: بأنّ محل القبول إذا كان قبل الغرغرة وهؤلاء توبتهم كانت بعدها وإنهم لم يتوبوا أصلاً فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها أو أنّ توبتهم لا تكون إلا نفاقاً. ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء﴾ أي: مقدار ما يملؤها من ﴿الأرض﴾ شرقها إلى غربها ﴿ذهباً﴾ تغليظاً في شأنهم وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة. فإن قيل: لم قال في الآية الأولى لن تقبل بغير فاء وفي هذه بقوله: فلن يقبل بالفاء أجيب:

стр. 229

بأن الفاء إنما دخلت في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذاناً بتسبب امتناع الفدية على الموت على الكفر بخلافه في الآية الأولى لا دليل فيه على السبب كما تقول: الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سبباً لاستحقاق الدرهم بخلاف قولك: فله درهم ونصب ذهباً على التمييز كقولهم: عشرون درهماً وقوله تعالى: ﴿ولو افتدى به﴾ محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تقرّب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: ﴿ولو أنّ للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم كقوله: ضربته ضرب زيد وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله ﴿أولئك لهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي: مانعين عنهم العذاب ومن مزيدة للإستغراق. روى أنس عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به فيقول: نعم فيقول: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي» ﴿لن تنالوا البر﴾ أي: لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر الله تعالى الذي هو الرحمة والرضا والجنة ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة الله تعالى والنفس في سبيله، وقال الحسن: لن تكونوا أبراراً. روي أنه ﷺ قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» وكان السلف ﵏ إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله. روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء ـ وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المدّ والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ـ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله ﷺ «بخ بخ ذاك مال رابح ـ أو قال رائح ـ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه» قوله ﷺ بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وهي مبنية على السكون، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شدّدت وقوله: رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان: مال رائح بالياء أي: يروح نفعه إليه ورابح بالباء الموحدة أي: ذو ربح كقولك لابن وتامر أي: ذو لبن وذو تمر. وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيداً وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدّق به، فقال رسول الله ﷺ «أما إن الله قد قبلها منك» وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعريّ أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن الله قال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران، ٩٢)

стр. 230

فأعتقها وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ أي: من أي شيء تحبونه أو غيره ومن بيان لما ﴿فإنّ الله به عليم﴾ فيجازيكم بحسبه. ولما قالت اليهود لرسول الله ﷺ إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست أنت على ملته، فقال النبيّ ﷺ «كان ذلك حلالاً لإبراهيم» فقالوا: كل ما نحرّمه اليوم كان حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا» نزل. ﴿كل الطعام﴾ أي: المطعومات أو كل أنواع الطعام ﴿كان حلاً﴾ أي: حلالاً أكله ﴿لبني إسرائيل﴾ والحل مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع قال تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (الممتحنة، ١٠) ﴿إلا ما حرم إسرائيل﴾ وهو يعقوب ﷺ ﴿على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾ أي: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم بل كان الكل حلالاً له ولبني إسرائيل وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة فليس في التوراة حرمتها. واختلفوا في الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه وفي سببه، فقال مقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام لحمان الإبل وألبانها وسبب ذلك أنه مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان ذلك أحب إليه فحرمه، وقال ابن عباس والضحاك: هي العروق وسبب ذلك أنه اشتكى عرق النسا ـ وهو بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ ـ وكان أصل وجعه أنه كان نذر إن وهبه الله اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا ثم قال له: أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة؛ لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت ولدك فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجاً فكان لا ينام بالليل من الوجع فحلف يعقوب لئن عافاه الله تعالى أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فحرّمه على نفسه وكان بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق يخرجونها من اللحم. وقال ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرّمها يعقوب على نفسه، ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرّم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي: حرّم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها. وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراماً عليهم وإنما حرموا على أنفسهم اتباعاً لأبيهم ثم أضافوا تحريمه إلى الله وأكذبهم الله تعالى فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ ليتبين صدق قولكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه فبهتوا ولم يأتوا بها وفي إخباره ﷺ عما في التوراة دليل على نبوّته قال الله تعالى: ﴿فمن افترى﴾ أي: ابتدع ﴿على الله الكذب من بعد ذلك﴾ أي: ظهور الحجة بأنّ التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ أي: المتجاوزون الحق إلى الباطل وقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿صدق الله﴾ تعريض بكذبهم أي: ثبت أنّ الله صادق في هذا كجميع ما أخبر به وأنتم الكاذبون ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ أي: ملة الإسلام التي أنا عليها التي هي في الأصل ملة

стр. 231

إبراهيم حتى تخلصوا من اليهودية التي وطنتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله تعالى لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله تعالى لإبراهيم ﵇ ومن تبعه ﴿حنيفاً﴾ أي: مائلاً عن كل دين إلى دين الإسلام وقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ فيه إشارة إلى أن اتباع إبراهيم ﷺ واجب في التوحيد الصرف، والاستقامة في الدين والتجنب عن الإفراط وهو تحريف التوراة وعن التفريط وهو ترك العمل وفيه إشارة إلى التعريض بشرك اليهود.d ولما قالت اليهود للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل نزل. ﴿إن أوّل بيت وضع للناس﴾ أي: جعله الله متعبداً لهم وهو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين. ولما أهبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام وقيل: أوّل من بناه آدم فانطمس في الطوفان ثم بناه إبراهيم وقيل: كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح ـ بضاد معجمة وحاء مهملة ـ سمي بذلك؛ لأنه ضرّح من الأرض أي: بعد ويطوف به الملائكة، فلما أهبط أمر بأن يحجه ويطوف حوله، ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات. قال البيضاوي: وهذا القول لا يلائم ظاهر الآية وقيل: أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش ﴿للذي﴾ أي: للبيت الذي ﴿ببكة﴾ بالباء لغة في مكة سميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة أي: تدقها فلم يرمها جبار بسوء إلا وقسمه الله وسميت مكة بالميم لقلة مائها من قول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وتدعى أم رحم؛ لأنّ الرحمة تنزل بها وقوله تعالى: ﴿مباركاً﴾ حال من الذي أي: ذا بركة لأنه كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجوا واعتمره واعتكف عنده أو طاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب ﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأنّ فيه آيات عجيبة كما قال تعالى: ﴿فيه آيات بينات﴾ كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار فلا تعلو فوقه وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرّض لها، وإذا قصدت الجارحة صيداً فدخلت الحرم كفت عنه وأنه بلد صار إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار، وإنّ الصلاة فيه تضاعف بمائة ألف وإن كان جبار قصده بسوء قهره الله تعالى كأصحاب الفيل، وجملة فيه آيات بينات مفسرة لهدى أو حال كمباركاً وهدى وقوله تعالى: ﴿مقام إبراهيم﴾ مبتدأ حذف خبره أي: منها مقام إبراهيم أو خبر مبتدأ محذوف أي: أحدها أو بدل من آيات بدل بعض من كل وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﵊ وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ولعل الذي اندرس بعضه فإني رأيت أثر القدمين فيه، وفي هذا دلالة على قدرة الله تعالى وبنوّة إبراهيم ﵊؛ لأنّ تأثير القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين، ولأنه بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحفظه

стр. 232

مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين معجزة عظيمة، واختلف في سبب هذا الأثر على قولين: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر، فغاصت به قدماه وهذا هو المشهور، والقول الثاني أنه لما جاز إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حوّلته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. قال البيضاوي: وقيل عطف بيان وردّ هذا القول بأنّ آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين وقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي: ومنها أمن من دخله وذلك بدعوة إبراهيم ﵊: ﴿رب اجعل هذا البلد آمناً﴾ (إبراهيم، ٣٥) ، وفي الإقتصار على ذكر هاتين الآيتين وطيّ ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما، ونحوه في طي الذكر قول جرير: *كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها ومنه قوله ﷺ «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة، والأمن من العذاب يوم القيامة» قال ﵊: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً» رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما. وروي أنه ﷺ قال: «الحجون والبقيع يؤخذا بأطرافهما وينثران في الجنة» والحجون مقبرة مكة والبقيع مقبرة المدينة. وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لم يتعرّض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتل، وكان عمر بن الخطاب يقول: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وعند الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: لا يلجأ إلى الخروج بل يقتل للأمر في خبر الشيخين بقتل ابن خطل وقد كان ارتدّ وتعلق بأستار الكعبة وأمّا قوله: ومن دخله كان آمناً وخبر من دخل المسجد فهو آمن فمعناه جمعاً بين الأدلة أنّ من دخله بغير استحقاق قتل كان آمناً، ومن دخله بعد استحقاق قَتل قُتل، وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفى منه بالإتفاق ﴿وعلى الناس حج البيت﴾ أي: قصده للزيارة على وجه مخصوص وهو أحد أركان الإسلام، قال ﷺ «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» وقرأ حفص وحمزة والكسائي بكسر الحاء وهي لغة نجد وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل الحجاز وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد وقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه﴾ أي: الحج أو البيت ﴿سبيلاً﴾ أي: طريقاً بدل من الناس مخصص له «وفسر رسول الله ﷺ الإستطاعة بالزاد والراحلة» رواه الحاكم وغيره ﴿ومن كفر﴾ أي: بما فرضه الله من الحج أو كفر بالله ﴿فإنّ الله غني عن العالمين﴾ أي: الإنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم وقيل: وضع كفر موضع لم يحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه

стр. 233

ولذلك قال ﷺ «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» رواه الترمذي وضعفه ونحوه في التغليظ: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» . تنبيه: في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله تعالى: ﴿وعلى الناس حج البيت﴾ أي: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه من استطاع إليه سبيلاً وفيه ضربان من التوكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أنّ الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها ذكر الإستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان ومنها قوله: عن العالمين ولم يقل عنه وفيه من الدلالة على الإستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الإستغناء لا محالة ولأنه يدل على الإستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وعلى الناس حج البيت﴾ جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إنّ الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل وهم المشركون واليهود والنصارى والصابئون والمجوس، قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل: ومن كفر إلخ» . وعنه ﷺ «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرّتين ويرفع في الثالثة» . وروي: «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البرّ جانبه» ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت» أي: ماتت. ﴿قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ الدالة على صدق محمد ﷺ فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما ﴿وا شهيد﴾ أي: والحال إنّ الله تعالى شهيد ﴿على ما تعملون﴾ فيجازيكم عليه ﴿قل يأهل الكتاب لم تصدّون﴾ أي: تصرفون ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام ﴿من آمن﴾ بتكذيبكم النبيّ ﷺ وكتمكم نعته، وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدّهم عن دين الله ويمنعون من أراد الدخول فيه جهدهم وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العدوان والحروب ليعودوا لمثله، وإنما كرر الخطاب والإستفهام مبالغة في التوبيخ ونفي العذر لهم وإشعاراً بأنّ كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب وقوله تعالى: ﴿تبغونها﴾ أي: السبيل ﴿عوجاً﴾ حال من الواو أي: باغين طالبين لها اعوجاجاً أي: ميلاً عن القصد والإستقامة بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أنّ في دين الإسلام عوجاً عن الحق بمنع النسخ وبتغيير صفة رسول الله ﷺ ونحوهما. فائدة: قال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل وبالفتح في الجدار وكل شخص قائم ﴿وأنتم شهداء﴾ أي: عالمون بأنّ الدين المرضي هو دين الإسلام كما في كتابكم ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ من الكفر

стр. 234

والتكذيب وإنما يؤخركم لوقتكم فيجازيكم. فإن قيل: لم ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿وا شهيد على ما تعملون﴾ وهذه الآية بقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ ؟ أجيب: بأنه لما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله تعالى: ﴿وا شهيد على ما تعملون﴾ ولما كان في هذه الآية صدهم المؤمنين عن الإسلام كانوا يخفونه ويحتالون فيه قال: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ . ولما مر شاس بن قيس اليهوديّ ـ وكان شيخاً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم يتحدّثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث ـ وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ـ ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف به بينكم؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين» نزل. ﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: شاساً وأصحابه ﴿يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ قال جابر: ما رأيت يوماً قط أقبح أوّلاً وأحسن آخراً مثل ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ. ﴿وكيف تكفرون﴾ أي: ولم تكفرون ﴿وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ محمد ﷺ والمعنى من أين يتطرّق إليكم الكفر والحال إنّ آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان النبيّ ﷺ غضة طرية وبين أظهركم رسول الله ﷺ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ﴿ومن يعتصم با﴾ أي: ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره ﴿فقد هدى﴾ أي: فقد حصل له الهدى لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كان الهدي قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً ومعنى التوقع في قد ظاهر لأنّ المعتصم بالله متوقع للهدي كما أنّ قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده ﴿إلى صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ أي: واضح. ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ أي: واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. وقال ابن مسعود: بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. وروي مرفوعاً لما نزلت هذه الآية «قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ . وقال مقاتل: ليس في آل عمران منسوخ إلا هذه الآية ﴿ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾ أي: موحدون والمعنى: لا تكونن على حال سوى حالة الإسلام إذا أدرككم الموت، فإنّ النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات إلى القيل تارة وإلى المقيد أخرى وإلى المجموع منهما وهو هنا إلى المقيد كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ ولا تأتني إلا وأنت على حصان بكسر الحاء فلا تناه عن الإتيان

стр. 235

ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان، فالنهي هما متوجه إلى القيد وحده، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، الآية فلو أنّ قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو طعامهم وليس لهم طعام غيره» . ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ أي: بدينه وهو دين الإسلام استعار له الحبل من حيث إنّ التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أنّ التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردي أو بكتابه وهو القرآن لقوله ﷺ «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» وقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ حال أي: مجتمعين عليه ﴿ولا تفرقوا﴾ أي: ولا تتفرقوا بعد الإسلام بوقوع الإختلاف بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضاً ويحاربه. ﴿واذكروا نعمة الله﴾ أي: إنعامه ﴿عليكم﴾ التي من جملتها الهداية والتوفيق للإسلام المؤدّي إلى التآلف ﴿إذ كنتم أعداء﴾ في الجاهلية بينكم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بالإسلام وقذف فيها المحبة ﴿فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد وهو الأخوّة في الله وقيل: هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت بينهما العداوة بسبب قتيل وتطاولت الحروب والعداوة بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله ﷺ ﴿وكنتم على شفى﴾ أي: طرف ﴿حفرة من النار﴾ أي: حفرة ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفاراً ﴿فأنقذكم منها﴾ بالإسلام والضمير للحفرة أو النار أو الشفى وأنثه لتأنيث ما أضيف إليه كقول الشاعر: *كما شرقت صدر القناة من الدم* ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك البيان البليغ ﴿يبين الله لكم آياته﴾ أي: دلائله ﴿لعلكم تهتدون﴾ إرادة أن تزدادوا هدى. ﴿ولتكن منكم أمة﴾ أي: طائفة ﴿يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ فمن للتبعيض؛ لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإنّ الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وعلى هذا فالمخاطب به الكل على الأصح ويسقط بفعل البعض الحرج عن الباقين وهكذا كل ما هو فرض كفاية، فإن تركوه أصلاً أثموا جميعاً وقيل: من زائدة وقيل: للتبيين بمعنى وكونوا أمة تأمرون بالمعروف كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف﴾ ﴿وأولئك﴾ أي: الداعون الآمرون الناهون ﴿هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بكمال الفلاح. روى الإمام أحمد وغيره «أنه ﷺ سئل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم» . وروي أنه ﷺ قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» . وروي أنه ﷺ قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» . وروي أنه ﷺ قال: «والذي نفسي

стр. 236

بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم» . وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (المائدة، ١٠٥) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه» . وروي أنه ﷺ قال: «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرّ بالماء على الذي في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك فقال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجباً فواجب، وإن كان مندوباً فمندوب، وأمّا النهي عن المنكر ـ أي: الحرام ـ فواجب كله لأنّ جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه؛ لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا وإنما يجب الأمر والنهي على المكلف إذا لم يخش ضرراً ويجب أن يدفع بالأخف فالأخف كدفع الصائل. فإن قيل: الدعاء للخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك فهو شامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما فائدة ذكر ذلك؟ أجيب: بأنه من عطف الخاص على العام إيذاناً بفضله كقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (البقرة، ٢٣٨) ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾ عن دينهم ﴿واختلفوا﴾ فيه وهم اليهود والنصارى ﴿من بعدما جاءهم البينات﴾ أي: الآيات والحجج الموجبة للإتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق، وقيل: هم مبتدعة هذه الأمة وهم المشبهة والجبرية والحشوية وأشباههم وقوله تعالى: ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ وعيد للذين تفرقوا وتهديد للمتشبه بهم. ﴿يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه﴾ هو يوم القيامة ونصب يوم بالظرف وهو لهم لما فيه من معنى الفعل أو بإضمار اذكروا والبياض من النور والسواد من الظلمة فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه ويمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله ﴿فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ فهم الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخاً ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ واختلفوا في كيف كفروا بعد إيمانهم فقال أبي بن كعب: أراد به الإيمان يوم الميثاق حين قال لهم: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ (الأعراف، ٧٢) يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وعلى هذا هم جميع الكفرة وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة أنهم أهل الكتابين آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى

стр. 237

الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال قتادة: هم أهل البدع. وقال أبو أسامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال كلاب: أهل النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء وخير قتلى تحت أديم الأرض الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ فقال: بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرّة قال: فما شأنك دمعت عيناك قال: رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده فقال: إنّ بأرضك منهم كثيراً فأعاذك الله تعالى منهم وقوله تعالى: ﴿فذوقوا العذاب﴾ أمر إهانة ﴿بما كنتم تكفرون﴾ أي: بسبب كفركم أو جزاء كفركم فالباء متعلقة بذوقوا على الأول وبمحذوف على الثاني. ﴿وأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله﴾ أي: جنته عبر عنها بالرحمة تنبيهاً على أنّ المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله. فإن قيل: كان حق الترتيب أن يقدّم ذكرهم أجيب: بأنّ القصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾ بعد قوله ﴿ففي رحمة الله﴾ أجيب: بأنّ فائدته أنه أخرج مخرج الإستئناف والتأكيد كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقال: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. ﴿تلك﴾ أي: هذه الآيات الواردة في الوعد والوعيد ﴿آيات الله نتلوها عليك﴾ يا محمد ﴿بالحق﴾ أي: متلبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء ﴿وما الله يريد ظلماً للعالمين﴾ إذ يستحيل الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يجب عليه شيء بل هو المالك على الإطلاق كما قال تعالى: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً ﴿وإلى الله ترجع﴾ أي: تصير ﴿الأمور﴾ فيجازي كلاً بما وعد له وأوعد. ﴿كنتم﴾ يا أمة محمد ﷺ في علم الله تعالى ﴿خير أمة أخرجت﴾ أي: أظهرت ﴿للناس﴾ وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به. روي أنه ﷺ قال: «ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي خيرها وأكرمها على الله تعالى» . وروي أنه ﷺ قال: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره» . وروي أنه ﷺ قال: «إنّ الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمّتي» . وروي أنه ﷺ قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة» وقوله تعالى: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ استئناف بين به كونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو خبر ثان لكنتم وقوله تعالى: ﴿وتؤمنون با﴾ يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به؛ لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتدّ بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله. فإن قيل: لم أخر تؤمنون بالله وحقه أن يقدم؟ أجيب: بأنه إنما أخر؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله تعالى وتصديقاً به وإظهاراً لدينه. تنبيه: استدل بهذه الآية على أنّ إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام فيها للإستغراق فلو أجمعوا على باطل كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك ﴿ولو آمن

стр. 238

أهل الكتاب﴾ بالله ورسوله ﷺ ﴿لكان﴾ الإيمان ﴿خيراً لهم﴾ مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام ﴿منهم المؤمنون﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وأكثرهم الفاسقون﴾ أي: المتمرّدون في الكفر. ﴿لن يضروكم﴾ أي: اليهود يا معشر المسلمين بشيء ﴿إلا أذى﴾ أي: ضرراً يسيراً كسب وطعن في الدين وتهديد ونحو ذلك ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار﴾ منهزمين ولا يضرّوكم بقتل أو أسر ﴿ثم لا ينصرون﴾ عليكم بل لكم النصر عليهم. وفي هذا تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذونهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى إلى ضرر يبالي به مع أنه تعالى وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل. فإن قيل: هلا جزم المعطوف في قوله: ﴿ثم لا ينصرون﴾ ؟ أجيب: بأنه عدل به عن حكم الجزاء؛ إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون والفرق بين رفعه وجزمه في المعنى أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها أو أبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر كما أخبر عن حال بني قريظة والنضير ويهود خيبر. فإن قيل: ما معنى التراخي في ثم أجيب: بأنّ معناه التراخي في الرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. ﴿ضربت عليهم الذلة﴾ أي: هدر النفس والمال والأهل أو ذل التمسك بالباطل والجزية ﴿أينما ثقفوا﴾ أي: حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام في سائر أحوالهم ﴿إلا﴾ في حال اعتصامهم ﴿بحبل من الله﴾ أي: بذمّة الله أو كتابه ﴿وحبل من الناس﴾ أي: بذمّة المسلمين أو بدين الإسلام واتباع سبيل المؤمنين أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوا من الجزية أو دين الإسلام ﴿وباؤا﴾ أي: رجعوا ﴿بغضب من الله﴾ أي: مستوجبين له ﴿وضربت عليهم المسكنة﴾ كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها يظهرون الفقر والمسكنة. وفسر أكثر المفسرين المسكنة بالجزية وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه قال البيضاوي: واليهود في غالب الأمر فقراء مساكين اه. ﴿ذلك﴾ أي: ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب كائن ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك﴾ أي: الكفر والقتل ﴿بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ أي: كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى فإنّ الإصرار على الصغائر يقضي إلى الكبائر والإصرار على الكبائر يقضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى. ﴿ليسوا﴾ أي: أهل الكتاب ﴿سواء﴾ أي: مستوين، وقوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمّة قائمة﴾ أي: مستقيمة ثابتة على الحق استئناف لبيان نفي الإستواء وهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿يتلون آيات الله﴾ أي: يقرؤون كتاب الله ﴿آناء الليل﴾ أي: في ساعاته وقوله تعالى: ﴿وهم يسجدون﴾ حال أي: يصلون؛ لأنّ التلاوة لا تكون في السجود، واختلفوا في معناها فقال

стр. 239

بعضهم: هي قيام الليل. وقال ابن مسعود: هي صلاة العتمة؛ لأنّ أهل الكتاب لا يصلونها لما روي: «أنه ﵊ أخرها ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما إنه ـ أي: الشأن ـ ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم» رواه الإمام أحمد والنسائيّ وغيرهما وقوله: غيركم بالنصب خبر ليس ومن أهل الأديان حال من أحد قاله التفتازاني. ثم وصف الله تعالى تلك الأمة القائمة بصفات أخر فقال: ﴿يؤمنون با واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك﴾ أي: الموصوفون بما ذكر ﴿من الصالحين﴾ أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناه أي: والأمة الأخرى غير قائمة بل منحرفون عن الحق غير متعبدين بالليل مشركون بالله ملحدون في صفاته واصفون لليوم الآخر بغير صفته متباطئون عن الخيرات فترك هذه اكتفاء بذكر أحد الفريقين. ﴿وما تفعلوا من خير فلن تكفروه﴾ أي: تعدموا ثوابه بل تجازون عليه، وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ بالياء فيهما أي: الأمة القائمة والباقون بالتاء على الخطاب أي: أيها الأمة القائمة وقوله تعالى: ﴿وا عليم بالمتقين﴾ بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل وأنّ الفائز عند الله هو أهل التقوى. ﴿إنّ الذين كفروا لن تغني﴾ أي: تدفع ﴿عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله﴾ أي: من عذابه ﴿شيئاً﴾ وخص الأموال والأولاد بالذكر لأنّ الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي: ملازموها ﴿هم فيها خالدون مثل﴾ أي: صفة. ﴿ما ينفقون﴾ أي: الكفار ﴿في هذه الحياة الدنيا﴾ في عداوة النبيّ ﷺ ونحوها ﴿كمثل ريح فيها صرّ﴾ قال أكثر المفسرين: فيها برد شديد وحكي عن ابن عباس أنها السموم الحارّة التي تقتل وقيل: فيها صرّ أي: صوت ﴿أصابت حرث﴾ أي: زرع ﴿قوم ظلموا أنفسهم﴾ بالكفر والمعاصي ﴿فأهلكته﴾ عقوبة لهم؛ لأنّ الإهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ والمعنى مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح الزرع فلم ينتفعوا به فكذلك نفقة هؤلاء ذاهبة لا ينتفعون بها ﴿وما ظلمهم الله﴾ بضياع نفقاتهم ﴿ولكن أنفسهم يظلمون﴾ بالكفر الموجب لضياعها ويجوز أن يعود الضمير لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم أي: وما ظلمهم الله تعالى بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة﴾ أي: أصفياء تطلعونهم على سرّكم ثقة بهم شبهوا ببطانة الثوب كما شبهوا بالشعار قال ﵊: «الأنصار شعار والناس دثار» رواه الشيخان والشعار ما يلي الجسد والدثار فوقه وقوله تعالى: ﴿من دونكم﴾ أي: من دون المسلمين متعلق بلا تتخذوا أو بمحذوف هو صفة بطانة أي: كائنة من دونكم أي: غيركم من الكفار المنافقين ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ أي: لا يقصرون لكم في الفساد والألو التقصير وأصله أن يعدّى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحاً على تضمين معنى المنع أو النقص والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه ﴿ودّوا﴾ أي: تمنوا ﴿ما عنتم﴾ أي: عنتكم وهو شدّة الضرر وما مصدرية أي: تمنوا أن يضرّوكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه ﴿قد بدت﴾ أي: ظهرت ﴿البغضاء من أفواههم﴾ أي: في كلامهم بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين

стр. 240

على سركم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، وعن قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك ﴿وما تخفي صدورهم﴾ من العداوة والغيظ ﴿أكبر﴾ أي: أعظم مما بدا؛ لأنّ بدوّه ليس عن روية واختيار ﴿قد بينا لكم الآيات﴾ الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين ﴿إن كنتم تعقلون﴾ ما بين لكم فلا توالوهم. فإن قيل: كيف موقع هذه الجمل وهي لا يألونكم وودّوا ما عنتم وقد بدت البغضاء وقد بينا لكم الآيات أجيب: بأنها مستأنفات على وجه التعليل بمعنى إنّ كلا علة للنهي عن اتخاذهم بطانة. ﴿ها أنتم أولاء﴾ ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين وأولاء اسم للمشار إليهم وهم المؤمنون وقوله تعالى: ﴿تحبونهم﴾ أي: هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي منكم من القرابة والرضاع والمصاهرة ﴿ولا يحبونكم﴾ لمخالفتهم لكم في الدين بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ أي: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، وفي هذا توبيخ شديد للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ونحو هذا قوله تعالى: ﴿فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾ (النساء، ١٠٤) . ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا﴾ أي: نفاقاً وتغريراً ﴿وإذا خلوا﴾ أي: خلا بعضهم ببعض ﴿عضوا عليكم الأنامل﴾ أي: أطراف الأصابع ﴿من الغيظ﴾ أي: شدّة الغضب لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ويعبر عن شدّة الغضب بَعض الأنامل مجازاً، وإن لم يكن ثم عض فيوصف المغتاظ والنادم بَعض الأنامل والبنان والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري: *فأقتل أقواماً لئاماً أذلة ... يعضون من غيظ رؤوس الأباهم* ﴿قل موتوا بغيظكم﴾ أي: ابقوا إلى الممات بغيظكم فلن تروا ما يسركم وقوله تعالى: ﴿إنّ الله عليم بذات الصدور﴾ أي: بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء يحتمل أن يكون من المقول أي: وقل لهم: إنّ الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظاً وأن يكون خارجاً عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. ﴿إن تمسسكم﴾ أي: تصبكم أيها المؤمنون ﴿حسنة﴾ أي: نعمة كنصر وغنيمة وخصب في معاشكم وتتابع الناس في دينكم ﴿تسؤهم﴾ أي: تحزنهم ﴿وإن تصبكم سيئة﴾ أي: إساءة كهزيمة وجدب واختلاف يكون بينكم ﴿يفرحوا بها﴾ وجملة الشرط متصلة بالشرط، قيل: وما بينهما اعتراض والمعنى إنهم متناهون في عداوتكم فلم توالونهم فاجتنبوهم. فإن قيل: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟ أجيب: بأنّ المس مستعار بمعنى الإصابة فكان المعنى واحد ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ (النساء، ٧٩) ﴿وإن تصبروا﴾ على أذاهم ﴿وتتقوا﴾ الله في موالاتهم وغيرها ﴿لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين وهذا تعظيم من الله تعالى وإرشاداً إلى أنه يستعان على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكيد من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بكسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره، والباقون بضم الضاد وضم الراء مشدّدة للإتباع

стр. 241

كضمة مدّ وهي ضمة الأمر المضاعف وكل مجزوم من المضاعف المضموم العين، فإنه يجوز ضمه للإتباع كما يجوز فتحه للخفة وكسر لأجل تحريك الساكن ﴿إن الله بما تعملون محيط﴾ أي: عالم فيجازيكم به. ﴿و﴾ اذكر يا محمد ﴿إذ غدوت من أهلك﴾ أي: من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿تبوّىء﴾ أي: تنزل ﴿المؤمنين مقاعد﴾ أي: مراكز يقفون فيها ﴿للقتال وا سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بأحوالكم. روي «أنّ المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ ابن سلول ولم يدعه قط قبلها واستشاره، فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ـ أي: بكسر الباء وهو مكان لا ماء فيه ولا طعام ـ وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرأي وقال بعض أصحابه: اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا. وقال رسول الله ﷺ «إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم» فقال رجال من المسلمين قد فاتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل، فلبس لأمته أي: درعه فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال: «لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال سنة ثلاث من الهجرة ونزل في عدوة الوادي ـ أي: بالعين المهملة وهي جانبه ـ وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس خمسين من الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل وقال: انضحوا علينا بالنبل لا يأتون من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا» . ﴿إذ﴾ بدل من إذ قبله ﴿همت طائفتان منكم﴾ بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما جناحا العسكر ﴿أن تفشلا﴾ أي: تجبنا عن القتال وترجعا. روي «أنه ﷺ خرج في زهاء ألف رجل ووعدهم النصر إن صبروا وكان المشركون ثلاثة آلاف فلما بلغوا عند جبل أحد بالمدينة انعزل ابن أبيّ المنافق في ثلاثمائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال ابن أبيّ: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم فهمّ الحيان باتباعه فثبتهم الله ومضوا مع رسول الله ﷺ قال الزمخشريّ: إنها ما كانت إلا همة وحديث نفس وكما لا تخلو النفس عند الشدّة من بعض الهلع ثم يردّها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه كما قال عمرو بن الإطنابة: *أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي* ﴿وا وليهما﴾ أي: ناصرهما فما لهما تفشلان ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أي: ليثقوا به دون

стр. 242

غيره فينصرهم كما نصرهم ببدر، ونزل لما هزموا من أحد تذكرة لهم بنعمة الله تعالى. ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ وهو ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به وقوله تعالى: ﴿وأنتم أذلة﴾ أي: بقلة العدد والسلاح والمال حال من الضمير. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وأنتم أذلة﴾ وقد قال تعالى: ﴿والعزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ أجيب: بأنه بمعنى القلة وضعف الحال وقلة السلاح والمال كما مرّ فإن نقيض ذلك العز وهو القوّة والغلبة. روي أنّ المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ولم يكن فيهم إلا فرس واحد وأكثرهم كانوا رجالة وربما كان الجمع منهم يركبون جملاً واحداً والكفار كانوا قريباً من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدّة الكاملة ﴿فاتقوا الله﴾ في الثبات وعدم المخالفة ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي: بتقواكم نعمه التي أنعم بها عليكم من نصرته وقوله تعالى: ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ أي: توعدهم تطميناً ظرف لنصركم وقوله تعالى: ﴿ألن يكفيكم أن يمدّكم﴾ أي: يعينكم ﴿ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ إنكار أن لا يكفيهم ذلك وإنما جيء بلن إشعاراً بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوّة العدوّ وكثرتهم. وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد لن أي: بلى يكفيكم. فإن قيل: قد قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿إني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين﴾ فكيف قال هنا بثلاثة آلاف؟ أجيب: بأنه مدهم أولاً بألف ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى: ﴿إن تصبروا﴾ أي: على لقاء العدوّ ﴿وتتقوا﴾ الله في المخالفة ﴿ويأتوكم﴾ أي: المشركون ﴿من فورهم﴾ أي: من وقتهم ﴿هذا﴾ والفور العجلة والسرعة ومنه فارت القدر اشتدّ غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين﴾ أي: معلمين وقد صبروا واتقوا وأنجز الله وعده بأن قاتل معهم الملائكة على خيل يلف عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم، وعن عرفة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك، وعن الضحاك معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن مجاهد مجزوزة أذناب خيلهم. قال أكثر المفسرين: إن الملائكة لم تقاتل في غير يوم بدر. روي أنه ﷺ قال لأصحابه: «تسوموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو والباقون بفتحها. ﴿وما جعله الله﴾ أي: الإمداد ﴿إلا بشرى﴾ أي: بشارة ﴿لكم﴾ أي: بالنصر ﴿ولتطمئن﴾ أي: ولتسكن ﴿قلوبكم به﴾ فلا تجزعوا من كثرة عدوّكم وقلة عددكم كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ لا من العدّة والعدد وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد الملائكة وإنما أمدّهم ووعدهم به بشارة لهم وربطاً على قلوبهم من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر ﴿العزيز﴾ الذي لا يغالب ﴿الحكيم﴾ الذي ينصر ويخذل من يشاء بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة وقوله تعالى: ﴿ليقطع﴾ متعلق بنصركم أي: ليهلك ﴿طرفاً﴾ أي: طائفة ﴿من الذين كفروا﴾ بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم

стр. 243

﴿أو يكبتهم﴾ أي: لم ينالوا ما راموه وأو للتنويع لا للترديد. ونزل لما كسرت رباعيته ﷺ وشج وجهه يوم أحد وقال: «كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم» . ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ بل الأمر كله لله فاصبر إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «اللهمّ العن الحارث بن هشام اللهمّ إلعن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الآية، وقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلاً من القرّاء بعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد عليهم رسول الله ﷺ وجداً شديداً وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين وقوله تعالى: ﴿أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ عطف على قوله أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم، فإمّا أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا ﴿فإنهم ظالمون﴾ بالكفر، وقيل: إنّ أو يتوب عليهم بمعنى إلى أن يتوب عليهم.H ﴿وما في السموات وما في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً فله الأمر كله والمقصود من هذا تأكيد ما ذكره أوّلاً من قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ والمعنى: إنما يكون ذلك لمن له الملك وليس هو لأحد إلا لله تعالى. فإن قيل: ظاهر ما ذكر يدل على أنّ ذلك ورد للمنع من أمر كان ﷺ يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى فكيف يمنعه منه وإن كان بغير أمره فكيف يصح مع قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (النجم، ٣) أجيب: بأنّ ذلك كان من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده الله تعالى إلى اختيار الأولى نظيره قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبروا وما صبرك إلا با﴾ (النحل، ١٢٧) فكأنه تعالى قال أوّلاً: إن كان ولا بدّ أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانياً وإن تركته كان ذلك أولى. ثم أمره أمراً جازماً بتركه فقال: واصبر وما صبرك إلا بالله ﴿يغفر لمن يشاء﴾ مغفرته ﴿ويعذب من يشاء﴾ تعذيبه. ولما كان له فعل ذلك إلا أن جانب المغفرة والرحمة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل التفضل والإحسان قال: ﴿وا غفور﴾ لأوليائه ﴿رحيم﴾ بعباده فلا تبادر بالدعاء عليهم. ولما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً﴾ وهو جمع ضعف. ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بقوله: ﴿مضاعفة﴾ بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب والتخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل منهم يرابي إلى أجل ثم يزيد في الدين زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء اللطيف مال الديون وإلا فالربا حرام بلا مضاعفة بل هو من الكبائر مطلقاً، وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين ولا ألف قبلها، والباقون بتخفيف العين وألف قبلها ﴿واتقوا الله﴾ بترك ما نهيتم عنه

стр. 244

﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تفوزون ثم خوّفهم فقال تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدّت للكافرين﴾ بالتحرّز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه باجتناب محارمه وفي الآية تنبيه على أنّ النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة على عادته تعالى المستمرّة في القرآن، قال محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد ولعلّ وعسى في أمثال ذلك دليل على عزة التوصل إلى ما جعل خيراً لهما ومن تأمّل هذه الآيات وأمثالها لم يحدّث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى. ﴿وسارعوا﴾ أي: بادروا وأقبلوا ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾ أي: إلى ما تستحق به المغفرة كالإسلام والتوبة وأداء الفرائض والهجرة والجهاد والتكبيرة الأولى والأعمال الصالحات. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو قبل السين والباقون بواو قبلها ﴿و﴾ إلى ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾ أي: عرضها كعرضهما كقوله تعالى: ﴿عرضها كعرض السماء والأرض﴾ (الحديد، ٢١) وإنما جمعت السماء وأفردت الأرض لأنها أنواع قيل: بعض فضة وبعض غير ذلك، والأرض نوع واحد وذكر العرض للمبالغة في وصف الجنة بالسعة؛ لأنّ العرض دون الطول كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿بطائنها من إستبرق﴾ (الرحمن، ٥٤) على أن الظهارة أعظم يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى وهذا على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل معناه كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ (هود، ١٠٧) أي: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. وعن ابن عباس: الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وعنه أيضاً إنّ لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة. وروي أنّ ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه أنه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي السماء أم في الأرض وأيّ أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش، وقال قتادة: كانوا يرون أنّ الجنة فوق السموات السبع وأنّ جهنم تحت الأرضين السبع. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ وأراد بالذي وعدنا الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ما ذكر؟ أجيب: بأنّ باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى: ﴿أعدّت﴾ هيئت ﴿للمتقين﴾ الله بعمل الطاعات وترك المعاصي وفي ذلك دليل على أنّ الجنة مخلوقة الآن وقيل: إنّ الجنة والنار يخلقان بعد قيام الساعة. ثم وصف الله تعالى المتقين بصفات فقال: ﴿الذين ينفقون﴾ أي: في طاعة الله ﴿في السرّاء والضرّاء﴾ أي: في العسر واليسر أو الأحوال كلها؛ لأنّ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي: لا يخلون عن حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن

стр. 245

عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدّقت بحبة عنب. فأول ما ذكر من أوصافهم الموجبة للجنة ذكر السخاء. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «السخيّ قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار والبخيل بعيد من الله قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل» ﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي: الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة. روي أنه ﷺ قال: «من كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» . وروي: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً» . وروي: «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» ﴿والعافين عن الناس﴾ أي: التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته. روي أنه ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه. وروي أنه ﷺ قال: «إنّ هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله» وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون منقطعاً وهو ظاهر وأن يكون متصلاً لما في القلة من معنى العدم كأنه قيل: إن هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلا من عصم الله فإنه يوجد في أمّتي وقوله تعالى: ﴿وا يحب المحسنين﴾ يجوز أن تكون اللام فيه للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء وقوله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ أي: ذنباً قبيحاً كالزنا ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾ أي: بما دون الزنا كالقبلة وقيل: الفاحشة ما يتعدّى وظلم النفس ما ليس كذلك ﴿ذكروا الله﴾ أي: ذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾ بالندم والتوبة عطف على المتقين أو على الذين ينفقون. واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال عطاء: نزلت في أبي سعيد التمار؛ أتته إمرأة حسنة تبتاع منه تمراً فقال لها: إنّ هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبيّ ﷺ وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفيّ لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً، وقال الأنصاري: هلكت وذكر القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أنّ الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم أتيا عمر، فقال عمر: مثل ذلك ثم أتيا النبيّ ﷺ فقال: مثل مقالهما فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ومن﴾ أي: أحد ﴿يغفر الذنوب إلا الله﴾ استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين والمراد به وصفه بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الإستغفار والوعد بقبول

стр. 246

التوبة ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم بل أقلعوا عنه مستغفرين. روي عنه ﷺ أنه قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» . وروي: «لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» وقوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ حال من يصروا أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به وقوله تعالى: ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إشارة إلى الفريقين ويجوز أن يكون والذين مبتدأ وأولئك خبره وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدّرة أي: مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها. تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، فقول الزمخشري في «الكشاف» وفي هذه الآيات بيان قاطع على أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصرون وأنّ الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الإعتزال من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرّاً لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه وقوله تعالى: ﴿ونعم أجر العاملين﴾ المخصوص فيه بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك أي: المغفرة والجنات. روي أنه ﷺ قال: «ما من عبد مؤمن أذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» . وروي: «أيّ عبد أذنب ذنباً فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أنّ له رباً يغفر الذنوب ويؤاخذ بها فغفر له فمكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي قال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويؤاخذ به قد غفرت له فليعمل ما شاء ـ أي: ويستغفر ـ فأغفر له» . وروي أنه ﵎ قال: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئاً، ابن آدم إنك إن تذنب ذنباً حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك» . وروي أنّ الله ﵎ قال: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً» قال ثابت البناني: بلغني أنّ إبليس بكى حين نزلت هذه ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ إلى آخرها. وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵊: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي» . وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، وعن الحسن يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم» ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد: *ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس* ونزل في هزيمة أحد. ﴿قد خلت﴾ أي: مضت ﴿من قبلكم سنن﴾ جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء ﵊ أي: قد مضت من قبلكم

стр. 247

طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم ﴿فسيروا﴾ أيها المؤمنون ﴿في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم. ﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿بيان للناس﴾ عامّة ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وموعظة للمتقين﴾ خاصة ﴿ولا تهنوا﴾ أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح يوم أحد. ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذٍ من المهاجرين خمسة: منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلاً ﴿وأنتم الأعلون﴾ أي: وحالكم أنكم أعلى شأناً منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات، ١٧٣) وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على أنّ صحة الإيمان توجب قوّة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة. ﴿إن يمسسكم قرح﴾ جهد من جرح ونحوه يوم أحد ﴿فقد مس القوم﴾ الكفار ﴿قرح مثله﴾ يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون، وقيل: كلا المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ وقرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين، والباقون بالفتح وهما لغتان بمعنى، وقال الفرّاء: القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه ﴿وتلك الأيام﴾ تلك مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى: ﴿نداولها﴾ خبره ويصح أنّ تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة أي: نصرّفها ﴿بين الناس﴾ قال البغوي: فيوماً عليهم ويوماً لهم. قال في «الكشاف» كقوله وهو من أبيات الكتاب: *فيوم علينا ويوماً لنا ... ويوم نُساءُ ويوماً نُسَر* تقديره فيوماً يكون الأمر علينا أي: بالأضرار ويوماً لنا أي: بالنفع فيكون يوماً ظرفاً ملائماً لقوله: ويوماً نُساء ويوماً نسر قاله الشيخ سعد الدين. أي: أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين. روي أنه ﷺ جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً، فقال: «إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ» فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبيّ ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين وكان النبيّ ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيراً وسبعين

стр. 248

قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرّات فنهاهم النبيّ ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرّات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرّات، ثم رجع إلى أصحابه وهو يقول: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله إنّ الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة ثم أخذ يرتجز: *اعل هبل اعل هبل* فقال النبيّ ﷺ «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله ما نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل قال: إنّ لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبيّ ﷺ «ألا تجيبوه» فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ فقال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» . وفي حديث ابن عباس: قال أبو سفيان: يوم بيوم وإنّ الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» وإنما كانت الدولة يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم لأمر رسول الله ﷺ ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ أي: أخلصوا إيمانهم من غيرهم. فإن قيل: ظاهر هذه الآية أنّ الله تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم وذلك في حقه تعالى محال ونظير هذا الإشكال قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ (آل عمران، ١٤٢) وقوله تعالى: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾ (،) وقوله: ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا﴾ (الكهف، ١٢) وقوله: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ (محمد، ٣١) وقوله: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ (البقرة، ١٤٣) وقوله: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (الملك، ٢) فظاهر هذه الآيات يدل على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها، وأجاب المتكلمون عنها بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدرة مجاز مشهور يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدّد العلم فالمراد تجدّد المعلوم وإذا عرف هذا فهذه الآية محتملة لوجوه أحدها: ليظهر المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر وثانيها: ليعلم أولياء الله وأضاف إلى نفسه تفخيماً وثالثها: ليحكم بالإمتياز فأوقع العلم مكان الحكم بالامتياز؛ لأنّ الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً كما كان يعلم أنه سيقع؛ لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لا يوجد ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ ويكرم ناساً منكم بالشهادة وهم المتشهدون يوم أحد أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما وجد منهم من الثبات والصبر على الشدائد كما قال تعالى: لتكونوا شهداء على الناس وقوله تعالى: ﴿وا لا يحب الظالمين﴾ قال ابن عباس أي المشركين كقوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهو اعتراض بين بعض التعاليل وبعض وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يظفرهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين. ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ أي: ليطهرهم من الذنوب بما أصابهم ﴿ويمحق﴾ أي: يهلك ﴿الكافرين﴾ أي: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والإستشهاد والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم. ﴿أمّ﴾ منقطعة مقدّرة ببل ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل أ ﴿حسبتم

стр. 249

أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ في الشدائد وقد مرّ معنى يعلم. تنبيه: قال البيضاوي: والفرق بين لما يعلم ولم أنّ في لما توقع الفعل فيما يستقبل لكن قال أبو حيان: لا أعلم أحداً من النحويين ذكره بل ذكروا أنك إذا قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار، وأمّا أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا انتهى. لكن قال الفرّاء: لما لتعريض الوجود بخلاف لم. ﴿ولقد كنتم تمنون﴾ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل أي: تتمنون ﴿الموت﴾ أي: الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله ﷺ مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج ﴿من قبل أن تلقوه﴾ أي: تشاهدوه وتعرفوا شدّته ﴿فقد رأيتموه﴾ أي: الحرب أو الموت حتى قتل دونكم من قتل من إخوانكم ﴿وأنتم تنظرون﴾ أي: بصراء تتأملون الحال كيف هم فلم انهزمتم. ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأنّ الحمد لا يستوجبه إلا الكافل والتحيمد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال وأكرم الله تعالى نبيه وصفيه ﷺ باسمين مشتقين من اسمه جل وعلا محمد وأحمد وفيه يقول حسان بن ثابت: *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* وقوله تعالى: ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ إنكار لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه ﷺ بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ شك وهو على الله محال؟ أجيب: بأن المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجود الإرتداد، قال ابن عباس وأصحاب المغازي: لما رأى خالد بن الوليد الرماة يوم أحد اشتغلوا بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين ثم حمل على أصحاب النبيّ ﷺ من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله ابن قمئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ «أوجب طلحة» ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبيّ ﷺ فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية النبيّ ﷺ فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبيّ ﷺ فرجع وقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخاً، ألا إن محمداً قد قتل فقيل: إن ذلك الصارخ كان إبليس فانكفأ الناس وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد

стр. 250

بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله ﷺ كنانته فقال: «ارم فداك أبي وأمي» . وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثاً، فكان الرجل يمرّ ومعه جعبته من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة وكان إذا رمى يشرف النبيّ ﷺ فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وقى بها رسول الله ﷺ وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ مكانها، فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت، لا نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ «دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد واحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي: أقتلك فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف» . قال ابن عباس: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ، واشتدّ غضب الله على من رمى رسول الله ﷺ قال: وفشا في الناس أن محمداً قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن مالك بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله ﷺ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ﷺ وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل ثم إن رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأوّل من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ «فأشار إليّ أن أمسك» فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم رسول الله ﷺ على الفرار، فقالوا: يا نبيّ الله فديناك بآبائنا وأمّهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإن قيل: إنه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنه ﵊ لا يقتل فقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (الزمر، ٣٠) وقال: ﴿وا يعصمك من الناس﴾ (المائدة، ٦٧) وقال: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ (التوبة، ٣٣) وإذا علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل؟ أجيب: بأن هذا ورد على سبيل الإلزام، فإن موسى ﵊ مات ولم ترجع أمّته عن دينه، والنصارى زعموا أن عيسى ﵊ قتل ولم يرجعوا عن دينه فكذا ههنا ﴿ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً﴾ بارتداده وإنما يضرّ نفسه ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ على نعمة الإسلام بالثبات عليه
следующие страницы →