Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قربها.
﴿إلا الساعة﴾ وقوله تعالى: ﴿أن تأتيهم﴾ أي: الكافرين بدل اشتمال من الساعة أي: ليس الأمر إلا أن تأتيهم ﴿بغتة﴾ أي: فجأة من غير شعور بها، ولا استعداد لها. وقوله تعالى: ﴿فقد جاء أشراطها﴾ جمع شرط بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود:
*فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراطاً وله تبدو*
والأشراط: العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أموراً قال أوس:
*فأشرط فيها نفسه وهو يقسم ... فألقى بأسباب له وتوكلا*
والشرط: القطع أيضاً، مصدر شرط الجلد يشرطه شرطاً قال السهيلي عن ابن سعد عن أنس قال «رأيت النبيّ ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» وعن أنس قال: «لأحدّثنكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: أنّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الربا، ويشرب الخمر، وتقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» وعن أبي هريرة قال: «بينما النبيّ ﷺ في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة فقيل: كيف إضاعتها قال: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة» .
ومن أشراطها انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها، وغير ذلك وما بعد مقدّمات الشيء إلا حضوره.
﴿فأنى﴾ أي: فكيف وأين ﴿لهم﴾ أي التذكر والاتعاظ والتوبة ﴿إذا جاءتهم ذكراهم﴾ أي: الساعة لا تنفعهم.
نظيره قوله تعالى ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ ولما علم بذلك أنّ الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل، أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال:
﴿فاعلم أنه﴾ أي: الشأن العظيم ﴿لا إله﴾ أي: لا معبود بحق ﴿إلا الله﴾ أي: إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة وقيل: الخطاب مع النبيّ ﷺ والمراد غيره وقال الحسن بن الفضل: فازدد علماً إلى علمك وقال أبو العالية وابن عيينة معناه إذا جاءتهم الساعة، فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله، ﴿واستغفر لذنبك﴾ أي: لأجله، أمر بذلك مع عصمته لتستن به أمته وقد فعله قال ﷺ «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وقيل: معنى قوله ﴿لذنبك﴾ أي: لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات الذين ليسوا من أمتك بأهل بيت وقيل: المراد النبيّ، والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك قال ﷺ «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» وقيل: هو كل مقام عال ارتفع منه إلى أعلى منه. وقوله تعالى: ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فيه إكرام من الله تعالى لهذه الأمّة؛ حيث أمر نبيه ﷺ أن يستغفر لذنوبهم ﴿والله﴾ المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يعلم متقلبكم﴾ أي: تصرّفكم لأشغالكم بالنهار، ومكانه وزمانه
стр. 1962
﴿ومثواكم﴾ أي: مأواكم إلى مضاجعكم بالليل أي: هو عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم، وقيل: يعلم متقلبكم في أعمالكم، ومثواكم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى وأن يستغفر ويسترحم، وعن سفيان ابن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فأمر بالعمل بعد العلم وقال: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ (الحديد: ٢٠)
الآية.
﴿ويقول الذين آمنوا﴾ طلباً للجهاد.
﴿لولا﴾ أي: هلا، ولا التفات إلى قول بعضهم أن لا زائدة والأصل لو ﴿نزلت سورة﴾ أي سورة كانت، نسرّ بسماعها، ونتعبد بتلاوتها، ونعمل بما فيها ﴿فإذا أنزلت سورة﴾ أي: قطعة من القرآن، تكامل نزولها كلها تدريجاً، أو جملة وزادت على مطلوبهم في الحسن بأنها ﴿محكمة﴾ أي: مبينة، لا يلتبس شيء منها بنوع إجمال، ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة. وهي أشدّ القرآن على المنافقين ﴿وذكر فيها القتال﴾ أي: الأمر به ﴿رأيت الذين في قلوبهم مرض﴾ أي: شك وهم المنافقون. ﴿ينظرون إليك﴾ شرراً بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد، وجبنا منهم عن لقاء العدوّ ﴿نظر المغشيّ﴾ والأصل نظراً مثل نظر المغشي ﴿عليه من الموت﴾ الذي هو: نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه، بل شاخص لا يطرف كراهية القتال؛ من الجبن والخوف. والمعنى: أنّ المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها وأمّا المنافق، فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ذلك فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل وقوله تعالى ﴿فأولى لهم﴾ وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه الدعاء عليه بأن يليهم المكروه.
وقوله تعالى:
﴿طاعة وقول معروف﴾ مستأنف، أي: طاعة ومعروف خير لهم وأمثل، أي: لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً لكان أمثل وأحسن، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت بدليل قوله تعالى: ﴿وقول معروف﴾ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة وقول معروف خير، وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية، أي: أمرنا طاعة أو منا طاعة وقول معروف حسن، وقيل: متصل بما قبله واللام في قوله تعالى ﴿لهم﴾ بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقوله: معروف بالإجابة أولى بهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. ثم سبب عنهما قوله تعالى مسنداً إلى الأمر ما هو لأهله تأكيداً لمضمون الكلام: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ ، أي: فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أوّل السورة وغيره من الأوامر أمراً مجزوماً به مقروحاً عليه ﴿فلو صدقوا الله﴾ أي: الملك الأعظم في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل ﴿لكان﴾ أي: صدقهم له ﴿خيراً لهم﴾ أي: من تعللهم، وجملة لو جواب إذا، نحو: إذا جاءني طعام فلو جئتني لأطعمتك، وقيل: محذوف، وتقديره: فاصدق كذا قدّره أبو البقاء وعزم الأمر على سبيل المجاز، كقوله: قد جدّت الحرب فجدوا، أو يكون على حذف مضاف أي عزم أهل الأمر.
وقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم﴾ فيه التفات عن الغيبة، أي: لعلكم ﴿إن توليتم﴾ أي: أعرضتم عن الإيمان والجهاد ﴿أن تفسدوا﴾ أي:
стр. 1963
توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجدّده ﴿في الأرض﴾ بالمعصية والبغي وسفك الدماء الذي يسخط الله تعالى، ويغضبه أشدّ غضب على فاعله، وتكونوا في غاية الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. وقرأ نافع بكسر السين والباقون بفتحها ﴿وتقطعوا﴾ أي: تقطيعاً كثيراً ﴿أرحامكم﴾ أي: تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض وغير ذلك، قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن، وقال بعضهم: هو من الولاية. قال الفراء: يقول فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم نزلت في بني أمية وبني هاشم.
﴿أولئك﴾ أي: المفسدون ﴿الذين لعنهم الله﴾ أي: طردهم أشدّ الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى ﴿فأصمهم﴾ أي: عن الانتفاع بما سمعوه ﴿وأعمى أبصارهم﴾ أي عن الانتفاع بما يبصرون فليس سماعهم سماع إدراك، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع ولا إبصار.
﴿أفلا يتدبرون﴾ بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير ﴿القرآن﴾ أي: يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير، الفارق بين الحق والباطل، حتى لا يجسروا على المعاصي
فإن قيل قال تعالى: ﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ فكيف يمكنهم التدبر في القرآن؟ وهو كقول القائل للأعمى: أبصر وللأصم اسمع، أجيب بثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض؛ الأول: تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر من علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم، ويعميهم، ويذمهم على ترك التدبر.
الثاني: أن قوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ المراد منه الناس.
الثالث: أن يقال أنّ هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدّمة، كأنه تعالى قال ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ أي: أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام فإذا هم بين أمرين: إمّا لا يتدبرون القرآن، فيبعدون عنه لأنّ الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منها هو الصنف الأعلى بل النوع الأشرف.
وإمّا يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعدين ﴿أم﴾ أي: بل ﴿على قلوب﴾ أي: من قلوب الفاعلين لذلك ﴿أقفالها﴾ فلا تعي شيئاً ولا تفهم أمراً، ولا تزداد إلا غباوة وعناداً لأنها لا تقدر على التدبير قال القشيري: فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب. والباب إذا كان مغلقاً فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه فلا كفرهم يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل. ا. هـ فإن قيل ما الفائدة في تنكير القلوب.
أجاب الزمخشري بقوله: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً، لأنّ النكرة بالوصف أولى من المعرفة كأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة
الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأنّ النكرة لا تعم تقول: جاءني رجال فيفهم البعض، وجاءني الرجال فيفهم الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأنّ القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً، لأنّ القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة، فكأنه لا يعرف قلباً
стр. 1964
فلا يكون قلباً يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك يقال: هذا ليس بقلب، هذا حجر، وإذا علم هذا، فالتعريف إمّا بالألف واللام، وإما بالإضافة بأن يقال على قلوبهم أقفالها، وهي لعدم عود فائدة إليهم كأنها ليست لهم.
فإن قيل قد قال تعالى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ (البقرة: ٧)
وقال تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم﴾ (الزمر: ٢٢)
أجيب بأنّ الأقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿أقفالها﴾ بالإضافة؟ ولم يقل أقفال كما قال: ﴿قلوب﴾ .
أجيب بأنّ الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم، وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، أو يقال: أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد ولما أخبر تعالى بأقفال قلوبهم بين منشأ ذلك.
فقال تعالى:
﴿إنّ الذين ارتدوا﴾ أي: من أهل الكتاب وغيرهم ﴿على أدبارهم﴾ أي: رجعوا كفارا ﴿من بعدما تبين﴾ أي: غاية البيان ﴿لهم الهدى﴾ أي: بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين ﴿الشيطان سوّل لهم﴾ أي: زين وسهل لهم اقتراف الكبائر ﴿وأملى﴾ أي: ومدّ الشيطان ﴿لهم﴾ في الآمال والأماني بإرادته تعالى فهو المضل لهم وقرأ أبو عمرو: بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء والباقون: بفتح الهمزة واللام وسكون الألف المنقلبة وأمالها حمزة والكسائي محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح قال في الكشاف: فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد ﷺ من بعدما تبين لهم الهدى وهو نعته في التوراة وقيل: هم المنافقون.
﴿ذلك﴾ أي: إضلالهم ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قالوا﴾ أي: المنافقون ﴿للذين كرهوا﴾ أي: وهم المشركون ﴿ما﴾ أي: جميع ما ﴿نزل الله﴾ أي: الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع، تنزيلاً في إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها، مع السهولة في النطق، والعذوبة في السمع، والملاءمة للطبع ﴿سنطيعكم في بعض الأمر﴾ أي: أمر المعاونة على عداوة النبي ﷺ وتثبيط الناس عن الجهاد معه قالوا ذلك سراً، فأظهره الله تعالى، ﴿والله﴾ أي: قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة ﴿يعلم﴾ أي: على ممر الأوقات ﴿أسرارهم﴾ أي: كلها؛ هذا الذي أفشاه عليهم، وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم ولعلهم لم يعلموه فضلاً عن أقوالهم التي تحدثت بها أنفسهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الهمزة مصدراً والباقون بفتحها جمع سر.
﴿فكيف﴾ أي: حالهم ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾ أي: قبضت رسلنا، وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم كاملة وقوله تعالى: ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له وعن ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره. وقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿اتبعوا﴾ أي: عالجوا فطرتهم الأولى في أن اتبعوا ﴿ما أسخط الله﴾ أي: الملك الأعظم، وهو الكفر وكتمان نعت الرسول ﷺ وعصيان الأمر ﴿وكرهوا﴾ بالإشراك ﴿رضوانه﴾ بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن الطاعات أكره؛ لأنّ ذلك ظاهر غاية الظهور في أنّ فاعله غير معذور في ترك
стр. 1965
النظر فيه.
﴿فأحبط﴾ أي: فلذلك تسبب عنه أنه أفسد.
﴿أعمالهم﴾ أي: الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلاً لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق؛ من القرى والأخذ بيد الضعيف والتصدّق والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق.
﴿أم حسب الذين﴾ وكان الأصل أم حسبوا لضعف عقولهم كما أفهمه التعبير بالحسبان ولكنه عبر تعالى بما دلّ على الآفة التي أدّتهم إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿في قلوبهم﴾ أي: التي إذا أفسدت فسد جميع أجسادهم ﴿مرض﴾ أي: آفة لا طب لها حسباناً هو في غاية الثبات كما دل عليه التأكيد في قوله تعالى: ﴿أن لن يخرج الله﴾ أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول ﷺ والمؤمنين على سبيل التجديد والاستمرار وقوله تعالى: ﴿أضغانهم﴾ جمع ضغن، وهي الأحقاد أي أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا نفاقهم وكانت صدورهم تغلي حنقاً عليهم.
﴿ولو نشاء لأريناكهم﴾ من رؤية البصر وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز وقال الرازي الإراءة هنا بمعنى التعريف وقوله تعالى ﴿فلعرفتهم﴾ عطف على جواب لو ﴿بسيماهم﴾ أي: بسبب علاماتهم التي نجعلها غالبة عليهم عالية لهم في إظهار ضمائرهم غلبة لا يقدرون على مدافعتها بوجه ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن وقوله تعالى ﴿ولتعرفنهم﴾ جواب قسم محذوف ﴿في لحن القول﴾ أي: الصادر منهم، ولحنه فحواه أي معناه وما يدل عليه ويلوح عليه من ميله عن حقائقه إلى عواقبه، وما يؤول إليه أمره مما يخفى على غيرك قال أنس: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وعن ابن عباس: لحن القول هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا وقيل اللحن أن تلحن بكلامك أي تميله إلى نحو من الانحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال:
*ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب*
وقيل للمخطىء: لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال أبو حيان: كانوا اصطلحوا على ألفاظ يخاطبون بها الرسول ﷺ مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح ﴿والله﴾ أي: بما له من الكمال ﴿يعلم أعمالكم﴾ كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها علماً ثابتاً غيبياً وعلماً راسخاً شهودياً يتجدّد بحسب تجدّدها مستمرّاً باستمرار ذلك.
﴿ولنبلونكم﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلى، بأن نخالطكم بما لنا من العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس والنواهي الكريهة إليها. ﴿حتى نعلم﴾ أي: بالابتلاء علماً شهودياً يشهده غيرنا مطابقاً لما كنا نعلمه علماً غيبياً، فنستخرج من سرائركم ما جبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه حق علمه ﴿المجاهدين منكم﴾ في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالاً للأمر بذلك ﴿والصابرين﴾ أي: على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد قال القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ويفتضح المماذق وينكشف المنافق ا. هـ.
وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا ﴿ونبلو أخباركم﴾ أي: نخالطها
стр. 1966
بأن: نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحاً وقبيحها حسنا ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان، فإنّ العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أنّ ذلك إحسان من الله تعالى إليه فيستحي منه ويرجع، وإذا سمى حسنه باسم القبيح وأشهر به علم أنّ ذلك لطف من الله تعالى به لكي لا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح، لأنّ شهرته عند الناس محط نظره ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخير.
﴿إنّ الذين كفروا﴾ أي: غطوا ما دلتهم عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول ﷺ المؤيد بواضح المعجزات ﴿وصدّوا﴾ أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم ﴿وشاقوا الرسول﴾ أي: الكامل في الرسالة المعروف غاية المعرفة. ﴿من بعد ما تبين﴾ أي: غاية البيان بالمعجز ﴿لهم الهدى﴾ بحيث صار ظاهراً بنفسه غير محتاج ما أظهره الرسول من الآيات الظاهرة وهم قريظة والنضير والمطعمون يوم بدر ﴿لن يضروا الله﴾ أي ملك الملوك ﴿شيئاً﴾ بما هم عليه من الكفر والصدّ أو لن يضرّوا رسوله ﷺ بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته ﴿وسيحبط﴾ أي: يفسد فيبطل بوعد لا خلف فيه ﴿أعمالهم﴾ من المحاسن لبنائها على غير أساس.
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بألسنتهم ﴿أطيعوا الله﴾ أي: الملك الأعظم تصديقاً لدعواكم طاعة لشدّة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول ﷺ بإفراده فقال تعالى: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ لأنّ طاعته من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حصنتم أنفسكم وأعمالكم، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر، ليستكمل العمل صورة وروحاً ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ قال عطاء بالشك والنفاق. وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وقال أبو العالية: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضرّ مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية» فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله ﷺ فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد. قال تعالى ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ (البقرة: ٢٦٤)
وعن حذيفة فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً حتى ﴿نزل ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨)
فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة: رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. وعن ابن عباس: لا تبطلوا بالرياء والسمعة أعمالكم. وعنه أيضاً: بالشك والنفاق. وقيل بالعجب، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
﴿إن الذين كفروا﴾ أي: أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دل عليه العقل من آيات الله المرئية والمسموعة ﴿وصدّوا عن سبيل الله﴾ أي: الملك الأعلى عن الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراد بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم ﴿ثم ماتوا﴾ بعد المدّ لهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم ﴿وهم﴾ أي:
стр. 1967
والحال أنهم ﴿كفار فلن يغفر الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال الذي يمنع من تسوية المسيء بالمحسن ﴿لهم﴾ فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل يفضح سرائرهم ويردّهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه، لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة فلم يبق لهم ما يغفر لهم تسببه، وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أنّ إحباط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر قيل: نزلت في أصحاب القليب قال الزمخشريّ: والظاهر العموم ثم رغب تعالى في لزوم الجهاد محذراً من تركه بقوله تعالى:
﴿فلا تهنوا﴾ أي: تضعفوا ضعفاً يؤدّي بكم إلى الهوان والذلّ ﴿وتدعوا﴾ أعداءكم ﴿إلى السلم﴾ أي: المسالمة وهي الصلح ﴿وأنتم﴾ أي: والحال أنكم ﴿الأعلون﴾ أي: الظاهرون الغالبون قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات. وأصل الأعلون الأعليون فأعلّ وقرأ حمزة وشعبة بكسر السين والباقون بفتحها ثم عطف على الحال قوله تعالى ﴿والله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا يعجزه شيء ولا كفء له ﴿معكم﴾ أي: بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكريم إذا كان مع عبده ومن علم أنه سيده وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلاً ﴿ولن يتركم﴾ أي: ينقصكم ﴿أعمالكم﴾ أي: ثوابها كما يفعل مع أعدائكم في إحباط أعمالهم، لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم.
﴿إنما الحياة﴾ وأشار إلى دناءتها تنفيراً عنها بقوله: ﴿الدنيا﴾ أي: الاشتغال بها ﴿لعب﴾ أي: أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ما يسرع اضمحلاله فيبطل من غير ثمرة ﴿ولهو﴾ أي: مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغناء ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ أي: تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية من جهاد أعدائه، وذلك من أعمال الآخرة ﴿يؤتكم﴾ أي: الله سبحانه الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة ﴿أجوركم﴾ أي: ثواب كل أعمالكم ببنائها على الأساس، ولأنه غنيّ لا ينقصه الإعطاء ﴿ولا يسألكم﴾ أي: الله في الدنيا ﴿أموالكم﴾ أي: لنفسه ولا كلها لغيره، بل يقتصر على جزء يسير مما تفضل به عليكم كربع العشر وعشره.
﴿إن يسألكموها﴾ أي: كلها ﴿فيحفكم﴾ أي: يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه استأصله ﴿تبخلوا﴾ فلا تعطوا شيئاً ﴿ويخرج أضغانكم﴾ أي: ما تضغنون على رسول الله ﷺ والضمير في يخرج لله تعالى أو الرسول أو السؤال، أو البخل، واقتصر عليه الجلال المحلي، قال قتادة: علم الله تعالى أنّ في مسألة الأموال خروج الأضغان يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير.
﴿هاأنتم﴾ وحقر أمرهم بقوله تعالى: ﴿هؤلاء﴾ أي: أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، وقوله تعالى ﴿تدعون لتنفقوا في سبيل الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي يرجى خيره ولا يخشى غيره استئناف مقرّر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرها ﴿فمنكم من يبخل﴾ أي: ناس يبخلون، وحذف القسم الآخر وهو ومنكم من يجود، لأنّ المراد الاستدلال على ما قبله من البخل ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه لينفع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله تعالى: ﴿ومن﴾ أي:
стр. 1968
والحال أنه من ﴿يبحل﴾ بذلك ﴿فإنما يبخل﴾ بماله بخلا ضارّاً ﴿عن نفسه﴾ فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدّي فإنه إمساك عمن يستحق ﴿والله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿الغني﴾ وحده عن نفقتكم ﴿وأنتم﴾ أيها المكلفون خاصة ﴿الفقراء﴾ لاحتياجكم في جميع أحوالكم إليه ﴿وإن تتولوا﴾ عطف على ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ ﴿يستبدل قوماً غيركم﴾ أي: يخلق قوماً سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ في التولي عنه والزهد في الإيمان كقوله تعالى ﴿ويأت بخلق جديد﴾ قيل: هم الملائكة. وقيل الأنصار وعن ابن عباس: كندة والنخع وعن الحسن: العجم وعن عكرمة: فارس والروم «وسئل رسول الله ﷺ عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس» رواه الترمذي والحاكم وصححاه وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة محمد كان حقاً على الله تعالى أن يسقيه من أنهار الجنة» حديث موضوع.
سورة الفتح
مكية وهي تسع وعشرون آية وخمسمائة وستون كلمةوألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفا
﴿بسم الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلما ﴿الرحمن﴾ الذي عم خلقه بنعمه ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل وداده بمزيد فضله روى زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كان يسير مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه قال عمر فحركت بعيري حتى تقدّمت أمام الناس وخشيت أن يكون نزل فيّ قرآن فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ» .
﴿إنا فتحنا لك﴾ أي: بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال ﴿فتحناً مبينا﴾ أي: لا لبس فيه على أحد. واختلفوا في هذا الفتح فروى عن أنس أنه فتح مكة. وقال مجاهد: فتح خيبر. والأكثرون على أنه صلح الحديبية. قال أنس: نزلت على النبيّ ﷺ إنا فتحنا لك إلى آخر الآية عند مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطوا الحزن والكآبة فقال: «نزلت علي آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعها» فلما تلاها نبيّ الله ﷺ قال رجل من القوم هنيأً مريئاً قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنان جنّات تجري من تحتها الأنهار﴾ حتى ختم الآية. وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف واللسان. وقيل: الفتح الحكم لقوله تعالى ﴿فافتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ (سورة الأعراف، آية: ٨٩)
وقوله تعالى ﴿ثم يفتح بيننا بالحق﴾ (سورة سبأ، آية: ٢٦)
فمن قال هو فتح مكة قال لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه أحدها أنه تعالى لما قال ﴿ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله﴾ إلى أن قال ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾ بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل
стр. 1969
لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم.
ثانيها: لما قال تعالى: ﴿والله معكم﴾ (محمد: ٣٥)
وقال تعالى ﴿وأنتم الأعلون﴾ (محمد: ٣٥)
بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. ثالثها لما قال تعالى ﴿فلا تنهوا وتدعوا إلى السلم﴾ (محمد: ٣٥)
وكان معناه لا تسألوا الصلح بل اصبروا فإنكم تسألوا الصلح كما كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت. فكيف قال تعالى: ﴿فتحنا﴾ بلفظ الماضي أجيب من وجهين: أحدهما فتحنا في حكمنا وتقديرنا.
ثانيهما: ما قدّره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر واقع لا دافع له. وأمّا حجة قول الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناء فتوضأ ثم تمضمض ودعا وصبه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه» وقيل: جاش حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ قال فتح الحديبية غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر واطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال الزهري: ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام.
وقال البغوى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ أي: قضينا لك قضاءً مبيناً. وقال الضحاك: أي بغير مال وكان الصلح من الفتح. واختلف قول المفسرين في معنى اللام في قوله تعالى:
﴿ليغفر لك الله﴾ أي: الملك الأعظم. فقال البيضاوي: علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة وقال البغوي: قيل: اللام لام كي معناه ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. وقال الجلال المحلي: اللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب. وقال بعضهم: إنها لام القسم. والأصل ليغفرن فكسرت اللام تشبيهاً بلام كي وحذفت النون وردّ هذا: بأنّ اللام لا تكسر وبأنها لا تنصب المضارع، قال ابن عادل: وقد يقال إنّ هذا ليس بنصب، وإنما هو بقاء الفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها ولكنه قول مردود. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للمغفرة والثواب ا. هـ قال ابن عادل: وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية، فإنّ اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معللاً بالمغفرة ثم يقول لم يجعل معللاً ا. هـ وقيل غير ذلك والأسلم ما اقتصر عليه الجلال المحلي واختلف أيضاً
стр. 1970
في الذنب في قوله تعالى: ﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ فقال البقاعي: أيّ الذي تقدّم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو ما تنتقل عنه من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنباً. وكذا قوله تعالى: ﴿وما تأخر﴾ وقال الرازي: المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقال عطاء الخراساني: ﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك وما تأخر ذنوب أمّتك بدعوتك.
وقال سفيان الثوري: ﴿ما تقدّم﴾ ما عملت في الجاهلية ﴿وما تأخر﴾ كل شيء لم تعمله. قال البغوي: ويذكر مثل ذلك على سبيل التأكيد، كما يقال أعطى من رآه ومن لم يره. وقيل: ما تقدّم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد.
وقيل: المراد به ترك الأفضل. وقيل: الصغائر على طريق من جوّز الصغائر على الأنبياء وقيل المراد بالمغفرة: العصمة ومعنى قوله تعالى: ﴿وما تأخر﴾ قيل: إنه وعد للنبي ﷺ بأنه لا يذنب بعد النبوّة. وقيل: ما تقدم على الفتح وما تأخر عنه وقيل: المراد ذنب المؤمنين. وقيل: غير ذلك. والأولى في ذلك: هو الأوّل واختلف أيضاً في النعمة في قوله تعالى ﴿ويتم نعمته عليك﴾ فقال البقاعي: بنقلتك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل.
وقال البيضاوي: بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوّة. وقال الجلال المحلي: بالفتح المذكور. وقيل: إن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج وهو آخر التكاليف والتكليف نعمة. وقيل: بإجلاء الأرض لك عن معانديك فإنّ من يوم الفتح لم يبق للنبيّ ﷺ عدو فإنّ بعضهم قتل يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل ويتمّ نعمته عليك في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فباستجابة دعائك في طلب الفتح.
وفي الآخرة بقبول شفاعتك. وقيل غير ذلك والأوّل أولى واختلف أيضاً في معنى الهداية في قوله تعالى: ﴿ويهديك صراطاً﴾ أي: طريقاً ﴿مستقيماً﴾ أي: واضحاً جلياً. فقال البقاعي: أي بهداية جميع قومك.
ولما كانت هدايتهم من هدايته أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجنابه الشريف سروراً له وقال البيضاوي: في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة. وقيل: يهدي بك. وقيل: يديمك على الصراط المستقيم. وقيل: جعل الفتح سبب الهداية إلى الصراط المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بفوائده العاجلة والآجلة. وقيل: المراد التعريف، أي لتعرف أنك على صراط مستقيم.
﴿وينصرك الله﴾ أي: على ملوك الأمم نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم ﴿نصراً عزيزاً﴾ أي: يغلب المنصور به كل من ناوأه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذّل بعده لأنّ الأمّة التي تتصف به لا يظهر عليها أحد والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء، فإن قيل: إنّ الله تعالى وصف النصر بكونه عزيزاً والعزيز من له النصر أجيب من وجهين:
أحدهما: قال الزمخشري: إنه يحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأوّل: معناه نصراً ذا عزة كقولك في عيشة راضية أي ذات رضا ثانيها: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له: كلام صادق. كما يقال له متكلم صادق. ثالثها: المراد نصراً عزيزاً صاحبه.
الوجه الثاني: أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشري إذا
стр. 1971
قلنا العزة في الغلبة والعزيز الغالب، وأما إذا قلنا العزيز هو النفيس القليل النظير أو المحتاج إليه القليل الوجود يقال عز الشيء في سوق كذا أي قل وجوده مع أنه محتاج إليه فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله تعالى من الكفار المقيمين فيه من غير عدد ولا عدد.
﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الذي أنزل﴾ أي: في يوم الحديبية وغيره ﴿السكينة﴾ أي: الثبات على الدين والطمأنينة ﴿في قلوب المؤمنين﴾ أي: الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صدّ الكفار ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا حتى عمر مع أنه فاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد فما الظنّ بغيره، وكان عند الصديق من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به أنه لم يسابق ثم ثبتهم الله تعالى أجمعين. وقال الرازي: السكينة الثقة بوعد الله والصبر على حكم الله. وقيل: السكينة ههنا معنى يجمع فوزاً وقوة وروحاً يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين.
وأثر هذه السكينة غير السكينة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم﴾ (البقرة: ٢٤٨)
ويحتمل أن تكون هي تلك لأنّ المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلب ﴿ليزدادوا﴾ أي بتصديق الرسول ﷺ حين قال لهم: إنه لا بدّ أن تدخلوا مكة وتطوفوا بالبيت ﴿إيماناً﴾ عند التصديق بالغيب ﴿مع إيمانهم﴾ الثابت من قبل هذه الواقعة أو بشرائع الدين مع إيمانهم بالله واليوم الآخر وقال القشيري: بطلوع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. وقال ابن عباس: بعث الله رسوله ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدّقوا زادهم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم وقيل: ازدادوا إيماناً استدلالاً مع إيمانهم الفطري. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في حق الكفار ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ (آل عمران: ١٧٨)
ولم يقل مع كفرهم، وقال في حق المؤمنين ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ ؟ أجيب بأنّ كفر الكافر عنادي وليس في الوجود كفر فطري ولا في الإمكان كفر غير عنادي لينضم إلى الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عناداً وكذلك الكفر بالفروع، لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول، لأنّ من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد. ولهذا قال تعالى ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ .
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴿جنود السموات والأرض﴾ فهو قادر على إهلاك عدوّه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب وجنود السموات والأرض الملائكة. وقيل: جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الجنّ والحيوانات. وقيل: الأسباب السماوية والأرضية ﴿وكان الله﴾ أي: الملك الأعظم أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي: بالذوات والمعاني ﴿حكيماً﴾ في إتقان ما يصنع. وقوله تعالى:
﴿ليدخل﴾ متعلق
стр. 1972
بمحذوف أي: أمر بالجهاد ليدخل ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ الذين جبلتهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين، ولو سلط على الكفار جنوده من أوّل الأمر فأهلكوهم أو دمّر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية ﴿جنات﴾ أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ فأي موضع أردت أن تجري منه نهراً قدرت على ذلك؛ لأنّ الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها ﴿خالدين فيها﴾ أي لا إلى آخر، فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين والمؤمنات وفي بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون: ١)
وقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ (البقرة: ٢٢٣)
أجيب بأنه في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالخير الموعود به مع مشاركة المؤمنات لهم ذكرهنّ الله تعالى صريحاً وفي المواضع التي فيها ما لا يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ولما كان ههنا قوله تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين﴾ متعلقاً بالأمر بالقتال والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها فصرح الله تعالى بذكرهنّ ﴿ويكفر﴾ أي يستر ستراً بليغاً ﴿عنهم سيئاتهم﴾ فلا يظهرها، فإن قيل: تكفير السيئات قبل الإدخال فكيف ذكره بعده أجيب بأنّ الواو لا تقتضي الترتيب بأنّ تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الادخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة ﴿وكان ذلك﴾ أي: الإدخال والتكفير ﴿عند الله﴾ أي: الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام ﴿فوزاً عظيماً﴾ لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع ودفع ضر.
تنبيه: ﴿عند﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿فوزاً﴾ ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدوّ وكان العدوّ الكاتم أشدّ من المجاهر المراغم. قال تعالى:
﴿ويعذب المنافقين﴾ المخفين للكفر المظهرين الإيمان أي: فيزيل كل ما لهم من العذوبة ﴿والمنافقات﴾ لما غاظهم من ازدياد الإيمان ﴿والمشركين والمشركات﴾ أي: المظهرين الكفر للمؤمنين وقدّم المنافقين على المشركين في كثير من المواضع؛ لأنهم كانوا أشدّ على المؤمنين من الكفار المجاهرين؛ لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي أسراره وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» ولهذا قال الشاعر:
*احذر عدوّك مرّة ... واحذر صديقك ألف مرّة*
*فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أخبر بالمضرّة*
وقوله تعالى: ﴿الظانين بالله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال صفة للفريقين وأما قوله تعالى ﴿ظنّ السوء﴾ فقال أكثر المفسرين: هو أن لا ينصر محمداً ﷺ والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين ﴿عليهم دائرة السوء﴾ أي: دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم لا يتخطاهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بضم السين والباقون بالفتح. وهما لغتان كالكره والكره والضعف والضعف من ساء إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كل شيء،
стр. 1973
وأمّا السوء فجار مجرى الشرّ الذي هو نقيض الخير ﴿وغضب الله﴾ أي: الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه ﴿عليهم﴾ وهو أنه تعالى يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به ﴿ولعنهم﴾ أي: طردهم طرداً أنزلوا به أسفل السافلين فبعدوا به عن كل خير ﴿وأعد﴾ أي: هيأ ﴿لهم﴾ الآن ﴿جهنم﴾ تلقاهم بالعبوسة والتغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب والحرّ والبرد والإحراق وغير ذلك من أنواع المشاق ﴿وساءت﴾ أي: جهنم ﴿مصيراً﴾ أي: مرجعاً. وقوله تعالى:
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿جنود السموات والأرض﴾ تقدم تفسيره.
وفائدة الإعادة التأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم من هو للعذاب وقدّم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين ملائكة الرحمة فتبشرهم على الصراط وعند الميزان، فإذا دخلوا الجنة أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء وأخرّ ذكر جنود السموات والأرض بعد ذكر تعذيب الكفار والمنافقين ليكون معهم جنود السخط فلا يفارقونهم أبداً كما قال تعالى ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم﴾ (التحريم: ٦)
فإن قيل: قال الله تعالى ﴿وكان الله عليماً حكيماً﴾ (النساء: ١٧)
وقال هنا ﴿وكان الله﴾ أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه أزلاً وأبداً ﴿عزيزاً﴾ أي: يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً﴾ أي: يضع الشيء في أحكم مواضعه فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه أجيب: بأنه لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة ومن هو للعذاب وعلم الله تعالى ضعف المؤمنين ناسب أن تكون خاتمة الآية الثانية ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ .
﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العز والحكمة ﴿أرسلناك﴾ أي: بما لنا من العظمة إلى الخلق كافة ﴿شاهداً﴾ على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائباً عنك فبكتابك مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة الكرام ﴿ومبشراً﴾ أي: لمن أطاع بأنواع البشائر ﴿ونذيراً﴾ أي مخوّفاً لمن خالفك وعصى أمرك بالنار. ثم بين تعالى فائدة الإرسال.
بقوله سبحانه: ﴿ليؤمنوا بالله﴾ أي: لا يسوغ لأحد من خلقه. والكل خلقه التوجه إلى غيره ﴿ورسوله﴾ أي: الذي أرسله من له كل شيء ملكاً وخلقاً إلى جميع خلقه ﴿ويعزروه﴾ أي يعينوه وينصرونه والتعزير نصر مع تعظيم ﴿ويوقروه﴾ أي: يعظموه والتوقير التعظيم والتبجيل ﴿ويسبحوه﴾ من التسبيح الذي هو التنزيه عن جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري: والضمائر لله : والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ومن فرّق الضمائر فقد أبعد. وقال غيره: الكنايات في قوله ﴿ويعزروه ويوقروه﴾ راجعة إلى رسول الله ﷺ وعندها تم الكلام فالوقف على ﴿ويوقروه﴾ وقف تامّ ثم يبتدئ بقوله تعالى: ﴿ويسبحوه﴾ ﴿بكرةً وأصيلاً﴾ أي غدوةً وعشياً أي دائماً وعن ابن عباس صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر على أنّ الكناية في ﴿ويسبحوه﴾ راجعة إلى الله وقال البقاعي: الأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى لأنّ من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائداً على المذكور وإمّا أن يكون جعل الأسمين واحداً إشارة إلى اتحاد المسميين
стр. 1974
في الأمر فلما اتحد أمرهما وحد الضمير إشارة إلى ذلك ا. هـ فعنده أنه يصح رجوع الثلاثة إلى رسول الله ﷺ فإنه فسر ﴿ويسبحوه﴾ بقوله ينزهوه عن كل وخيمة باختلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء في الأربعة على الغيبة رجوعاً إلى قوله تعالى ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات﴾ والباقون بالتاء على الخطاب ولما بين تعالى أنه مرسل ذكر أنّ من بايع رسوله فقد بايعه. فقال تعالى:
﴿إنّ الذين يبايعونك﴾ يا أشرف الرسل بالحديبية على أن لا يفروا ﴿إنما يبايعون الله﴾ أي: الملك الأعظم لأنّ عملك كله من قول أو فعل له تعالى وما ينطق عن الهوى وسميت مبايعة لأنهم باعوا أنفسهم فيها من الله تعالى بالجنة قال الله تعالى: ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة﴾ (التوبة: ١١١)
الآية «وروى يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع على أيّ شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية قال: على الموت» وعن معقل بن يسار قال: «لقد رأيتني يوم الشجرة والنبيّ ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربعة عشر مائة قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرّ» قال أبو عيسى: معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت. أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل وبايعه آخرون وقالوا: لا نفر. وقوله تعالى: ﴿يد الله﴾ أي: المتردّي بالكبرياء ﴿فوق أيديهم﴾ أي: في المبايعة يحتمل وجوهاً وذلك أنّ اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد وإمّا أن تكون بمعنيين فإن كانت بمعنى واحد ففيه وجهان: أحدهما قال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة كما قال تعالى: ﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ (الحجرات: ١٧)
ثانيهما: قال ابن عباس ومجاهد: يد الله بالوفاء بما وعدهم من النصر والخير أقوى وأعلى من نصرتهم إياه. يقال: اليد لفلان أي الغلبة والقوة. وإن كانت بمعنيين ففي حق الله تعالى بمعنى الحفظ. وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة. قال السدّي: كانوا يأخذون بيد رسول الله ﷺ ويبايعونه ويد الله تعالى فوق أيديهم في المبايعة وذلك أنّ المتبايعين إذا مدّ أحدهما يده إلى الآخر في البيع وبينهما ثالث يضع يده على أيديهما ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر لكي يلزم العقد ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سبباً لحفظ البيعة فقال تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين. قال البقاعي: فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد وعلى من تبعهم على ذلك من الذين شاقوا الله ورسوله ﵊ وسائر الأئمة الأعلام ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين وناهيك به من ضلال مبين ا. هـ وقد مرّ أنّ التأويل في الآيات المتشابهات مذهب الخلف، ومذهب السلف السكوت عن التأويل وإمرار الصفات على ما جاءت وتفسيرها قراءتها والإيمان بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. ﴿فمن نكث﴾ أي: نقض البيعة في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء والحبل البالي الذي ينقض ﴿فإنما ينكث﴾ أي: يرجع وبال نقضه ﴿على نفسه﴾ أي: فلا يضرّ إلا هي ﴿ومن أوفى﴾ أي: فعل الإتمام والإكثار والإطالة ﴿بما عاهد﴾ وقدم الظرف في قوله
стр. 1975
﴿عليه الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من هذه المبايعات وغيرها اهتماماً به. وقرأ حفص بضم الهاء قبل الاسم الجليل والباقون بكسر الهاء والترقيق ﴿فسيؤتيه﴾ بوعد مؤكد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً﴾ لا تسع عقولكم شرح وصفه. قال ابن عادل: والمراد به الجنة وقرأ أبو عمرو والكوفيون بالياء التحتية والباقون بالنون.
ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن ذكر من غاب عن ذلك الجناب وأبطأ عن حضرة تلك العمرة. بقوله تعالى:
﴿سيقول﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿لك﴾ أي: لأنهم يعلمون شدّة رحمتك ورفقك وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين ﴿المخلفون﴾ أي: الذين خلفهم الله تعالى عنك فلم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان لأنه لا فائدة فيه فلا يعبأ به. وقال تعالى: ﴿من الأعراب﴾ ليخرج من تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم ممن كان حاضراً معه ﷺ بالقلب. قال ابن عادل وابن عباس ومجاهد: يعني بالأعراب أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم. «وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب والبوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً فتثاقل كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل فأنزل الله تعالى فيهم ﴿سيقول لك المخلفون﴾ » أي: الذي خلفهم الله تعالى من الأعراب عن صحبتك إذا رجعت إليهم من عمرتك وعاتبتهم على التخلف ﴿شغلتنا﴾ أي: عن إجابتك في هذه العمرة ﴿أموالنا وأهلونا﴾ أي: النساء والذراري فأنا لو تركناهم لضاعوا لأنه لم يكن لنا من يقوم بهم وأنت قد نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم ﴿فاستغفر﴾ أي اطلب المغفرة ﴿لنا﴾ من الله تعالى إن كنا أخطأنا وقصرنا فكذبهم الله تعالى في اعتذارهم بقوله ﴿ويقولون بألسنتهم﴾ أي: في الشغل والاستغفار وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفياً للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله تعالى: ﴿ما ليس في قلوبهم﴾ لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال
الاستغفار فإنهم لا يبالون استغفر لهم الرسول أم لا ﴿قل﴾ يا أشرف الرسل لهؤلاء الأغبياء واعظاً لهم مسبباً عن مخادعتهم لمن لا تخفى عليه خافية إشارة إلى أنّ العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عواقبه ﴿فمن يملك لكم﴾ أي: أيها المخادعون ﴿من الله﴾ أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفء له ﴿شيأ﴾ يمنعكم ﴿إن أراد بكم ضرّاً﴾ أي: نوعاً من أنواع الضرّ عظيماً أو حقيراً فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظها فلم ينفعها حضوركم وأهلككم أنتم.
وقرأ حمزة والكسائي: بضم الضاد والباقون بفتحها ﴿أو أراد بكم نفعاً﴾ يحفظهما به في غيبتكم فلا يضرّهم بعدكم عنهم ويحفظكم في أنفسكم ﴿بل كان الله﴾ أي: المحيط أزلاً وأبداً بكل شيء قدرةً وعلماً ﴿بما تعملون﴾ أي أيها الجهلة ﴿خبيراً﴾ يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها.
﴿س٤٨ش١٢/ش١٥ بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى? أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَالِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمَ?ابُورًا * وَمَن لَّمْ يُؤْمِن? بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ? فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَا?رْضِ? يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ? يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا? كَلَامَ اللَّهِ? قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَالِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ? فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا? بَلْ كَانُوا? يَفْقَهُونَ إِ s قَلِي?﴾
﴿بل ظننتم﴾ أي: فأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ليس
стр. 1976
لكم نفوذ إلى البواطن. وقرأ الكسائي: بإدغام اللام في الظاء والباقون بالإظهار وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم بقوله تعالى ﴿أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً﴾ أي: ظننتم أنّ العدوّ يستأصلهم ولا يرجعون لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم ما هم في قريش إلا أكلة رأس، فإن قيل: ما الفرق بين حرفي الإضراب أجيب: بأنّ الإضراب الأول إضراب معناه ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوه وإثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين أي وصفهم بما هو أعمّ منه وهو الجهل وقلة الفقه ﴿وزين ذلك﴾ أي: الأمر القبيح الذي هو خراب الدنيا ﴿في قلوبكم﴾ حتى قلتموه ﴿وظننتم﴾ أي: بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرّع عنه ﴿ظنّ السوء﴾ أي: الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به وقوله تعالى: ﴿وكنتم قوماً بوراً﴾ جمع بائر أي هالكين عند الله تعالى بهذا الظنّ وهذا بالنظر إلى الجمع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير وثبتوا ولم يرتدّوا.
﴿ومن لم يؤمن﴾ أي: منكم ومن غيركم ﴿بالله﴾ أي: الذي لا موجود على الحقيقة سواه ﴿ورسوله﴾ أي: الذي أرسله لإظهار دينه ﴿فإنا﴾ على مالنا من العظمة ﴿اعتدنا﴾ أي: له هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى معلللاً للحكم بالوصف ﴿للكافرين﴾ إيذاناً بأنه لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر وأعدّ له ﴿سعيراً﴾ أي: ناراً شديدة.
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿ملك السموات والأرض﴾ أي: من الجنود وغيرها يدبر ذلك كله كيف يشاء ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ أي: لا اعتراض لأحد عليه لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافئه أحد وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة وعلم من هذا أنّ منهم من يرتدّ فيعذبه ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يسئل عما يفعل وملكه تامّ فتصرفه فيه عدل كيف كان ﴿وكان الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال أزلاً وأبداً لم يتجدّد له شيء لم يكن ﴿غفوراً﴾ أي: لذنوب المسيئين ﴿رحيماً﴾ أي: مكرماً ما بعد الستر بما لا تسعه العقول وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام.
﴿سيقول﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿المخلفون﴾ أي: الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿إذا انطلقتم﴾ أي: سرتم أيها المؤمنون ﴿إلى مغانم لتأخذوها﴾ أي: مغانم خيبر. وذلك أنّ المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم يصيبوا من المغانم شيئاً وعدهم الله تعالى فتح خيبر وجعل غنائمها لم شهد الحديبية خاصة عوضاً عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم شيئاً ﴿ذرونا﴾ أي: على أيّ حالة شئتم من الأحوال الدنيئة ﴿نتبعكم﴾ أي: إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المخلفين عن الحديبية حيث قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في الغنيمة وهنا قالوا ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة ﴿يريدون﴾ أن بذهابهم معكم ﴿أن يبدّلوا كلام الله﴾ أي: يريدون أن يغيروا مواعيد الملك الأعظم لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة وهذا قول جمهور المفسرين.
وقال مقاتل: يعني أمر الله تعالى لنبيه ﷺ حيث أمره أن لا يسير معه منهم أحد
стр. 1977
إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو أنّ النبيّ ﷺ لما تخلف القوم أطلعه الله تعالى على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبيّ ﷺ ﴿فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ (التوبة: ٨٣)
وقرأ حمزة والكسائي: بكسر اللام بعد الكاف ولا ألف بعد اللام والباقون بفتح اللام وألف بعدها ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء المبعدين إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك فإنّ غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهمّ قولاً مؤكداً ﴿لن تتبعونا﴾ أي: وإن اجتهدتم في ذلك وساقه مساقه النفي وإن كان المراد به النهي مع كونه آكد ليكون علماً من أعلام النبوّة وهو أزجر وأدل على استهانتهم ﴿كذلكم﴾ أي مثل هذا القول البديع الشأن العالي الرتبة ﴿قال الله﴾ أي: الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا ﴿من قبل﴾ أي: من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئاً من هذه الأقوال بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية سبب عن قوله لهم ذلك قوله تعالى تنبيهاً على جلافتهم وفساد ظنونهم ﴿فسيقولون﴾ ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله تعالى ﴿بل﴾ إنما قلتم ذلك لأنكم ﴿تحسدوننا﴾ فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء وقرأ هشام وحمزة والكسائي بإدغام اللام في التاء والباقون بالإظهار. ﴿بل كانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿لا يفقهون﴾ أي: لا يفهمون فهم الحاذق الماهر ﴿إلا قليلاً﴾ أي: في أمر دنياهم ومن ذلك اقرارهم باللسان لأجلها، وأمّا أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئاً.
﴿قل﴾ أي: يا أشرف الرسل ﴿للمخلفين﴾ وزاد في ذمّهم بنسبتهم إلى الجلافة بقوله تعالى ﴿من الأعراب﴾ أي: أهل غلظ الأكباد ﴿ستدعون﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿إلى قوم أولي﴾ أي: أصحاب ﴿بأس شديد﴾ أي: شدّة في الحرب وشجاعة قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل فارس. وقال كعب: الروم. وقال الحسن: فارس والروم. وقال: سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد قال ابن الخازن: وأقوى هذه الأقوال قول من قال أنهم هوازن وثقيف، لأنّ الداعي هو رسول الله ﷺ وبعده قول من قال أنهم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب وقوله تعالى ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ فيه إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما المقاتلة منكم وإمّا الإسلام منهم فإن لم يسلموا كان القتال لا غير وإن أسلموا لم يكن قتال لأنّ الغرض ليس إلا إعلاء كلمة الله تعالى ﴿فإن تطيعوا﴾ أي: توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك ﴿يؤتكم الله﴾ أي: الذي له الإحاطة ﴿أجراً حسناً﴾ دنيا وهو الغنيمة وأخرى وهي الجنة ﴿وإن تتولوا﴾ أي تعرضوا عن الجهاد ﴿كما توليتم من قبل﴾ أي عام الحديبية ﴿يعذبكم﴾ أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ﴿عذاباً أليماً﴾ لأجل تكرّر ذلك منكم فلما أنزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة كيف بنا يا رسول الله فأنزل الله .
стр. 1978
﴿ليس على الأعمى﴾ أي: في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبيّ ﷺ أو مع غيره من أئمة الهدى ﴿حرج﴾ أي: ميل بثقل الإثم لأنه لا يمكنه الإقدام على العدوّ والطلب ولا يمكنه الاحتراز منه ولا الهرب ﴿ولا على الأعرج﴾ وإن كان نقصه أدنى من نقص الأعمى ﴿حرج﴾ وفي معنى الأعرج الزمن المقعد والأقطع ﴿ولا على المريض﴾ أي: بأي مرض كان يمنعه ﴿حرج﴾ وفي معناه صاحب السعال الشديد والطحال الكبير والذين لا يقدرون على الكرّ والفرّ فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر كتمريض المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه.
تنبيه: جعل تعالى كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم وقدم الأعمى على الأعرج لأنّ عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف الأعرج وقدم الأعرج على المريض لأنّ عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قرب.
﴿ومن يطع الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفاً. المانع منها من يشاء وإن كان قوياً ﴿ورسوله﴾ من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه بأيّ طاعة كانت ﴿يدخله﴾ أي: الله الملك الأعظم جزاء له ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: من أيّ موضع أردت أجريت نهراً ﴿ومن يتولّ﴾ أي يعرض عن الطاعة ويستمّر على الكفر والنفاق ﴿يعذبه﴾ أي على توليه في الدارين أو إحداهما ﴿عذاباً أليماً﴾ أي مؤلماً وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء التحتية ولما بين تعالى حال المخلفين بعد قوله تعالى ﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ عاد إلى حال بيان المبايعين. بقوله تعالى:
﴿لقد رضي الله﴾ أي: الذي له الجلال والكمال ﴿عن المؤمنين﴾ أي: الراسخين في الإيمان أي فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدّر لهم من الثواب وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعدّ لهم في الآخرة فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة وقوله تعالى ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿يبايعونك﴾ منصوب برضى واللام في قوله تعالى ﴿تحت الشجرة﴾ للعهد الذهني وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبيّ ﷺ نازلاً به في الحديبية ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان وقصتها «أنّ النبيّ ﵊ حين نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش واحدها حبوش وهو الفوج من قبائل شتى فلما رجع دعا عمر ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي لما أعرف من عدواتي إياهم وما بمكة عدوي يمنعني ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل فقال ما أفعل قبل أن يطوف به رسول الله ﷺ فاحتبس عندهم فأرجف أنهم قتلوه فقال رسول الله ﷺ لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة» روى البغوي من طريق الثعلبي «أنّ النبيّ ﷺ قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» وقال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت
стр. 1979
الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وروي أنّ عمر مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين كانت فجعل بعضهم يقول ههنا وبعضهم يقول ههنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن عبد الله قال: «قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفاً وأربعمائة
ولو كنت اليوم مبصراً لأريتكم مكان الشجرة» .
وقيل: «كان رسول الله ﷺ جالساً في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائماً على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه فرفعت الغصن عن ظهره وبايعوه على الموت دونه على أن يفرّوا فقال لهم رسول الله ﷺ أنتم اليوم خير أهل الأرض» وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين. وروى سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة. وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة. ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم سبب عنه قوله تعالى ﴿فعلم﴾ أي: بما له من الإحاطة ﴿ما في قلوبهم﴾ أي: من الصدق والوفاء فيما بايعوا عليه ﴿فأنزل السكينة﴾ أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح ﴿عليهم﴾ أو بالتشجيع وسكون النفس في كل حالة ترضي الله ورسوله فلم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ﴿وأثابهم﴾ أي: أعطاهم جزاء لهم على ما وهبوه من الطاعة ﴿فتحاً قريباً﴾ هو فتح خيبر عقب انصرافهم. وعن الحسن: فتح هجر، ونبه تعالى بصيغة منتهى الجموع في قوله تعالى.
﴿ومغانم﴾ على أنها عظيمة ثم صرّح بذلك بقوله تعالى ﴿كثيرة تأخذونها﴾ وهي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم ﴿وكان الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿عزيزاً﴾ يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً﴾ أي: يقضي ما يريد فلا ينقض فحكم لكم بالغنائم ولإعدائكم بالهلاك على أيديكم ليثيبكم عليه.
﴿وعدكم الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿مغانم﴾ وحقق معناها بقوله تعالى: ﴿كثيرة تأخذونها﴾ أي: فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر. وليس المغانم كل الثواب بل الجنة والنظر إلى وجهه الكريم قدّامهم. وإنما هي كعاجلة عجل بها ولهذا قال تعالى: ﴿فعجل لكم﴾ أي: من الغنائم ﴿هذه﴾ أي: مغانم خيبر ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ «وذلك أنّ النبيّ ﷺ لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة فكف الله تعالى أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم فنكصوا» وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح. وقوله تعالى: ﴿ولتكون﴾ أي: هذه المعجلة عطف على مقدّر أي لتشكروه ولتكون ﴿آية﴾ أي: علامة في غاية الوضوح ﴿للمؤمنين﴾ أي: أنهم من الله تعالى بمكان أو صدق الرسول ﷺ في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية أو وعدهم الغنم أو عنواناً لفتح مكة.
﴿ويهديكم صراطاً﴾ أي: طريقاً ﴿مستقيماً﴾ أي: يثبتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقيناً بصلح الحديبية وفتح خيبر. «وذلك أنّ رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرّم ثم خرج في سنة سبع إلى خيبر» روى أنس بن مالك «أنّ النبيّ ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن
стр. 1980
يغزو بنا حتى يصبح ينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبنا وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبيّ ﷺ قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: والله محمد والخميس أي الجيش فلما رآهم رسول الله ﷺ قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» وروى إياس بن سلمة قال: حدّثني أبي قال: «خرجنا إلى خبير مع رسول الله ﷺ قال فجعل عمي عامر يرنجز بالقوم ثم قال:
*تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّينا ولا صلينا*
*ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا*
* ... وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله ﷺ من هذا، قال: أنا عامر فقال: غفر لك ربك وما استغفر رسول الله ﷺ لأحد إلا استشهد قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبيّ الله لولا متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
*قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب*
* ... إذا الحروب أقبلت تلتهب
قال: فبرز له عامر بن عثمان فقال:
*قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مقامر*
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فرجع سيف عامر على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال: فأتيت النبيّ ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر. فقال رسول الله ﷺ من قال ذلك قلت ناس من أصحابك قال: من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى عليّ وهو أرمد فقال: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله ﷺ فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وخرج مرحب وقال:
*أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب*
فقال علي كرّم الله تعالى وجهه:
*أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة*
* ... أكيلكم بالسيف كيل السندرة*
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه» ومعنى أكيلكم بالسيف كيل السندره أي: أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسندرة مكيال واسع. قيل: يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسي. والسندرة أيضاً العجلة والنون زائدة قال ابن الأثير وذكرها الجوهري في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها. وروي فتح خيبر من طرق أخر في بعضها
стр. 1981
زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. وقوله تعالى:
﴿وأخرى﴾ صفة مغانم مقدّراً مبتدأ وقيل: هي مبتدأ والخبر ﴿لم تقدروا عليها﴾ وهي كما قال ابن عباس: فارس والروم وما كانت العرب تقدر تقاتل فارس والروم بل كانوا خولاً لهم حتى قدروا عليهما بالإسلام. وقال الضحاك: هي خيبر وعدها الله تعالى نبيه ﷺ قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال البقاعي: هي والله أعلم غنائم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ﴿قد أحاط الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرةً وعلماً ﴿بها﴾ أي: علم أنها ستكون لكم ﴿وكان الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء﴾ منها ومن غيرها ﴿قديراً﴾ أي: بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم.
﴿ولو قاتلكم الذين كفروا﴾ وهم أهل مكة ومن وافقهم وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدّموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم ولم يكن أسلم بعد ﴿لولوا﴾ أي: بغاية جهدهم ﴿الأدبار﴾ منهزمين ﴿ثم﴾ أي: بعد طول الزمان وكثرة الأعوان ﴿لا يجدون﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿ولياً﴾ أي: من يفعل معهم فعل القريب من الشفقة ﴿ولا نصيراً﴾ ينصرهم ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم ﴿وإنّ جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات: ١٧٣)
قال تعالى: ﴿سنة الله﴾ أي: سنّ المحيط بكل شيء علماً غلبة أنبيائه وأتباعهم ﴿التي قد خلت من قبل﴾ أي: فيمن مضى من الأمم. كما قال تعالى: ﴿لأغلبنّ أنا ورسلي﴾ (المجادلة: ٢١)
﴿ولن تجد﴾ أيها السامع ﴿لسنة الله﴾ أي: الذي لا يخلف قوله، لأنه محيط بجميع صفات الكمال ﴿تبديلاً﴾ أي: تغييراً من مغيّر ما يغيرها بما يكون بدلها ثم عطف على ما تقديره هو الذي سنّ هذه السنة العامة.
قوله تعالى: ﴿وهو الذي كف﴾ أي: وحده ﴿أيديهم﴾ أي: الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم. فإنّ الكف مشروع لكل أحد ﴿عنكم وأيديكم﴾ أيها المؤمنون ﴿عنهم ببطن مكة﴾ أي: بالحديبية وقيل التنعيم. وقيل وادي مكة. وقيل: داخل مكة ﴿من بعد أن أظفركم﴾ أي: أظهركم ﴿عليهم﴾ وهذا تبيين لما تقدّم من قوله تعالى: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار﴾ (الفتح: ٢٢)
بتقدير أنه كما كف أيديهم عنكم بالفرار وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم روى ثابت عن أنس بن مالك «أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة النبي ﷺ وأصحابه فأخذهم سلماً فاستحياهم فنزلت هذه الآية» . وقال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبيّ الله ﷺ فأخذ الله أبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله ﷺ جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أماناً قالوا: اللهم لا فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت وقيل: إن ذلك كان يوم فتح مكة وبه استشهد أبو حنيفة على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحاً ﴿وكان الله﴾ أي: المحيط بالجلال والإكرام أزلاً وأبداً وقرأ ﴿بما يعملون﴾ أبو عمرو: بالياء
стр. 1982
التحتية أي الكفار.
والباقون بالتاء الفوقية، أي: أنتم ﴿بصيرا﴾ أي: محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره ولما كان ما مضى من وصف الكفار يشمل كفار مكة وغيرهم عينهم بسبب كفهم النبيّ ﷺ والمؤمنين عن البيت الحرام.
بقوله تعالى: ﴿هم﴾ أي: أهل مكة ومن لاقهم ﴿الذين كفروا﴾ أي: أوغلوا في هذا الوصف ببواطنهم وظواهرهم ﴿وصدّوكم﴾ زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية ﴿عن المسجد الحرام﴾ أي: منعوكم الوصول إلى مكة ونفس المسجد والكعبة للإحلال مما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة.
روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم كل منهما يصدق حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله ﷺ من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش فسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الإشطاط قريباً من عسفان أتاه عتبة الخزاعي.
وقال: إنّ قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت الحرام.
فقال النبيّ ﷺ أشيروا عليّ أيها الناس أترون أني أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر يا رسول الله إنما جئت عامداً لهذا البيت لا نريد قتال أحد ولا حرباً فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله فنفروا قال النبيّ ﷺ إنّ خالداً بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال الناس: حل حل فألحت فقالوا: خلأت أي حرنت القصواء.
فقال النبيّ ﷺ ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس تبرضاً فلم تلبث الناس أن نزحوه وشكا الناس إلى النبيّ ﷺ العطش فنزع سهماً من كنانته وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبيّ ﷺ فنزل في البئر فغرزه في جوفه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلا مع جمع أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت الحرام فقال النبي ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدّة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن أبوا
стр. 1983
فو الذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري. هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره فقال بديل: سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد. قالوا: بلى قال: أولست بالولد. قالوا بلى. فقال فهل تتهموني قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال:
فإنّ هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال له النبيّ ﷺ نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت أحداً من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فو الله إني أرى وجوهاً وأشواباً من الناس خليقاً أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر الصدّيق: امصص بظر اللات والعزى أنحن نفر عنه وندعه. فقال: من ذا. قالوا: أبو بكر فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة قائم على رأس النبيّ ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه وقال: من هذا قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك. وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم.
فقال النبي ﷺ أمّا الإسلام فهدم ما قبله وأمّا المال فلست منه في شيء ثم إنّ عروة جعل يرمق أصحاب النبيّ ﷺ بعينيه قال: فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن أي ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً والله إن أي ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يجدون النظر إليه تعظيماً له وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا: ائته فلما أشرف على النبيّ ﷺ وأصحابه قال النبيّ ﷺ هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدّوا عن البيت.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش. فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إنّ هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه
стр. 1984
فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صدّه. الهدي في قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله.
قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابيّ لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظماً له والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد.
فقالوا: مه كف عنايا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل يقال له مكرز بن حفص. فقال: دعوني آته فقالوا له ائته فلما أشرف عليهم قال النبيّ ﷺ هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاءه سهيل بن عمر. وقال عكرمة: لما رآه النبي ﷺ قال: قد سهل لكم من أمركم قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات نكتب بيننا وبينك كتاباً فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: أمّا الرحمن فلا أدري من هو ولكن اكتب باسمك اللهمّ كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبيّ ﷺ لعلي: اكتب باسمك اللهمّ. ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ أني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله.
قال الزهري: وذلك لقوله ﷺ «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» . فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن الناس فيه ويكف بعضهم عن بعض فقال له النبي ﷺ وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل: والله لا تتحدّث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من العام المقبل. فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً. وروى ابن إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله فقال: والله لا أمحوك أبداً فقال فأرينه فأراه إياه فمحاه النبيّ ﷺ بيده.
وفي رواية فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله قال البراء: صالح على ثلاثة أشياء على أنّ من أتى من المشركين يردّه إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه على أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه. وروى في صلح الحديبية طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. وقوله تعالى ﴿والهدي﴾ معطوف على كم من صدوكم أي وصدوا الهدي وهو البدن التي ساقها رسول الله ﷺ وكانت سبعين.
وقوله تعالى: ﴿معكوفاً﴾ أي: محبوساً حال وقوله تعالى:
стр. 1985
﴿أن يبلغ محله﴾ أي: مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال ﴿ولولا رجال﴾ أي: مقيمون بين أظهر الكفار بمكة ﴿مؤمنون﴾ أي: غريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلاً للوصف بالرجولية ﴿ونساء مؤمنات﴾ أي: كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأنّ الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أنّ ذلك شامل لمن جبله الله تعالى على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت كافراً ﴿لم تعلموهم﴾ أي: لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوّة التمييز منهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب ثم أبدل من الرجال والنساء قوله تعالى: ﴿أن تطؤهم﴾ أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحو ذلك.
ومنه قوله ﷺ «اللهمّ أشدد وطأتك على مضر» ﴿فتصيبكم﴾ أي: فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم ﴿منهم﴾ أي: من جهتهم وبسببهم ﴿معرّة﴾ أي: مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتغيير الكفار بذلك والإثم بالتقصير في البحث مفعلة من عرّه إذا عراه ما يكرهه وقوله تعالى: ﴿بغير علم﴾ متعلق بأن تطؤوهم أي: غير عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه.
والمعنى ولولا كراهة أن تهلكوا أناساً مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم.
فإن قيل: أي: معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، أجيب: بأنهم يصيبهم وجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير.
وقوله تعالى: ﴿ليدخل الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال متعلق بمقدّر أي كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. قال البغوي: اللام في ﴿ليدخل﴾ متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله ﴿في رحمته﴾ أي: في إكرامه وإنعامه ﴿من يشاء﴾ بعد الصلح قبل أن يدخولها من المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق وجه. وقوله تعالى: ﴿لو تزيلوا﴾ يجوز أن يعود على المؤمنين فقط أو على الكافرين أو على الفريقين والمعنى لو تميز هؤلاء من هؤلاء ﴿لعذبنا﴾ أي: بأيديكم بتسليطنا لكم عليهم بالقتل والسبي ﴿الذين كفروا﴾ أي: أوقعوا ستر الإيمان ﴿منهم﴾ أي: أهل مكة ﴿عذاباً أليماً﴾ أي شديد الإيجاع. قال قتادة: في الآية أنّ الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكافرين كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب بين وقته وفيه بيان العلة.
فقال تعالى: ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿جعل الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما تراءى من الحق في مرائي عقولهم وقوله تعالى: ﴿في قلوبهم﴾ أي: في قلوب أنفسهم يجوز أن يتعلق بجعل على أنها بمعنى ألقى فتتعدّى لواحد أي إذ ألقى الكافرون في قلوبهم الحمية وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدّم على أنها بمعنى صير ﴿الحمية﴾ أي: المنع الشديد والإباء الذي هو في شدّة حرّه ونفوذه في أشدّ الأجسام كالسمّ والنار وأنشدوا:
*إلا إنني منهم وعرضي عرضهم ... كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما*
وقرأ أبو عمر وفي الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي: بضم الهاء والميم والباقون: بكسر
стр. 1986
الهاء وضم الميم وأظهر الذال عند الجيم نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون وقوله تعالى: ﴿حمية الجاهلية﴾ بدل من الحمية قبلها ووزنها فعلية وهي مصدر يقال حميت من كذا حمية وحمية الجاهلية: هي التي مدارها مطلق المنع سواء كان بحق أم باطل فتمنع من الإذعان للحق ومبتاها على التشفي على مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرّفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء. قال مقاتل: قال أهل مكة قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخول علينا فتتحدّث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم.
﴿فأنزل الله﴾ أي: الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم ﴿سكينته﴾ أي: الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدوّ والنصر عليه انزالاً كافياً ﴿على رسوله﴾ الذي عظمته من عظمته ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى على أتم ما يرضيه ﴿وعلى المؤمنين﴾ أي: الغريقين في الإيمان لأنهم أتباع رسوله وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره وحماهم من همزات الشياطين ولم يدخلهم ما دخل الكفار من الحمية فيقاتلوا غضباً لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع ﴿وألزمهم﴾ أي: المؤمنين إلزام إكرام وتشريف لا إلزام إهانة وتعنيف ﴿كلمة التقوى﴾ فإنها السبب الأقوى وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وأعلاه كلمة الإخلاص المتقدّمة في القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق ولا بدّ من قول محمد رسول الله وإلا لم يتم إسلامه وعن الحسن: كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى إنها سبب التقوى وأساسها، وقيل: كلمة أهل التقوى وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله ﴿وكانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿أحق بها﴾ أي: كلمة التقوى من الكفار ﴿وأهلها﴾ أي: وكانوا أهلها في علم الله تعالى لأنّ الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير ﴿وكان الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرةً ﴿بكل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ أي: محيط العلم وروي «أنه ﷺ رأى في المنام في المدينة عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدّهم الكفار بالحديبية رجعوا وشق عليهم ذلك وراب بعض المنافقين فأنزل الله» .
قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله﴾ أي: الذي لا كفؤ له المحيط بجميع صفات الكمال ﴿رسوله﴾ الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الأخبار عما لا يكون أنه يكون فيكف إذا كان المخبر رسوله ﴿الرؤيا﴾ التي هي من الوحي أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوّاً كبيراً. فحذف الجار وأوصل الفعل. كقوله تعالى: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (الأحزاب: ٢٣)
وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري «قال شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس قالوا: أوحى إلى رسول الله ﷺ قال: فخرجنا نرجف فوجدنا النبيّ ﷺ واقفاً على راحلته على كراع الغميم فلما اجتمع عليه الناس قرأ ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده» ففيه دليل على أن
стр. 1987
المراد بالفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال جل ذكره ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ فيه أربعة أوجه.
أحدها: أنه يتعلق بصدق. ثانيها: أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض. ثالثها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق. رابعها: له قسم وجوابه ﴿لتدخلن﴾ أي بعد هذا دخولاً قد تحتم أمره ﴿المسجد﴾ أي: الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا بدخول الحرم ﴿الحرام﴾ أي: الذي أجاره من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم. قال الزمخشري: وعلى تقديره قسماً إمّا أن يكون قسماً بالله تعالى فإنّ الحق من أسمائه تعالى وأمّا أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل.
فإن قيل: ما وجه دخول ﴿إن شاء الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال أجيب بأوجه
أحدها: أنه تعالى ذكره تعليماً لعباده الأدب لأن يقولوا في غداتهم مثل ذلك متأدبين بآداب الله ومقتدين بسنته لقوله تعالى ﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣ ـ ٢٤)
ثانيها: أن يريد لتدخلنّ جميعاً إن شاء الله. ولم يمت منكم أحد.
ثالثها: أن ذلك كان على لسان ملك فأدخل الملك إن شاء الله.
رابعها: إنها حكاية ما قال رسول الله ﷺ لأصحابه وقص عليهم. وقال أبو عبيدة: أن بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله. كقوله تعالى ﴿إن كنتم تعلمون﴾ (الجمعة: ٩)
خامسها: إنها للتبرّك وقيل هي متعلقة بآمنين فالاستثناء مواقع على الأمن لا على الدخول لأن الدخول لم يكن فيه شك كقوله ﷺ عند دخول المقبرة وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت. وقوله تعالى: ﴿آمنين﴾ حال من فاعل لتدخلن وكذا ﴿محلقين رؤوسكم﴾ أي: كلها ﴿ومقصرين﴾ أي: بعضها أي منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين لا تخشون إلا الله تعالى وفيه إشارة إلى أنهم يتمون الحج من أوّله إلى آخره فقوله ﴿لتدخلن﴾ فيه إشارة إلى الأوّل وقوله ﴿محلقّين﴾ ﴿ومقصرين﴾ إشارة إلى الآخر فإن قيل محلقين حال الداخلين والداخل لا يكون إلا محرماً والمحرم لا يكون محلقاً أجيب بأنّ قوله آمنين معناه متمكنين من أن تتموا الحج محلقين ومقصرين وأشار بصيغة التفعيل إلى الكثرة فيهما غير أن التقديم يفهم أنّ الأول أكثر.
وقوله تعالى: ﴿لا تخافون﴾ أي: لا يتجدّد لكم خوف بعد ذلك يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً ثالثة أمّا من فاعل لتدخلنّ أو من ضمير آمنين أو محلقين أو مقصرين فإن كانت حالاً من آمنين أو حالاً من فاعل لتدخلنّ فهي حال للتوكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدّرة إلا قوله ﴿لا تخافون﴾ إذا جعل حالاً فإنها مقدّرة أيضاً فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لا تخافون﴾ معناه غير خائفين وذلك يحصل بقوله تعالى: ﴿آمنين﴾ أجيب: بأنّ فيه كمال الأمن لأنّ بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم. فقال تدخلون آمنين وتحلقون ويبقى أمنكم بعد خروجكم من الإحرام ﴿فعلم﴾ أي: الله في الصلح من المصلحة ﴿ما لم تعلموا﴾ من المصالح فإنّ الصلاح
стр. 1988
كان في الصلح وإنّ دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين والمؤمنات وهو قوله تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ (الفتح: ٢٥)
الآية.
فإن قيل: الفاء في قوله تعالى: ﴿فعلم﴾ فاء التعقيب فقوله تعالى: ﴿فعلم﴾ وقع عقب ماذا أجيب: بأنه إن كان المراد من ﴿فعلم﴾ وقت الدخول فهو عقب صدق وإن كان المراد فعلم المصلحة فالمراد علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب والتقدير لما حصلت المصلحة في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة المتجدّدة ﴿فجعل﴾ أي: بسبب إحاطة علمه ﴿من دون﴾ أي: أدنى رتبة من ﴿ذلك﴾ أي: الدخول العظيم في هذا العام ﴿فتحاً قريباً﴾ يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض الموجب لإسلام ناس كثيرة تتقوون بهم فتكون تلك الكثرة والقوّة بسبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال فقتل القتلى ترفقاً بأهل حرم الله إكراماً لهذا النبيّ الكريم ﷺ
u
وقوله تعالى:
﴿هو الذي أرسل رسوله﴾ أي: الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه ﴿بالهدى﴾ أي: الكامل الذي يقتضي أن يهتدي به أكثر الناس تأكيداً لبيان صدق الله تعالى للرّؤيا لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي لا يريه ما لا يكون فيحدث الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سبباً للضلال.
فإن قيل: الرؤيا للواقع قد تقع لغير المرسل أجيب: بأنّ ذلك قليل لا يقع لكل أحد تنبيه الهدي يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى: ﴿أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ (البقرة: ١٨٥)
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ودين الحق﴾ هو ما فيه من الأصول والفروع ويحتمل أن يكون الهدي هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة فيكون قوله تعالى ﴿ودين الحق﴾ إشارة إلى ما شرع والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى: ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾ وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هدى تنبيه دين الحق يحتمل أن يكون المراد دين الله لأنّ الحق من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يكون الحق نقيض الباطل فكأنه قال ودين الأمر الحق ﴿ليظهره﴾ أي: دينه ﴿على الدين كله﴾ أي: جميع باقي الأديان ﴿وكفى بالله﴾ أي: الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿شهيداً﴾ أي: على أنك مرسل بما ذكر كما قال تعالى.
﴿محمد رسول الله﴾ أي: الملك الذي لا كفؤ له فهو الرسول الذي لا رسول يساويه فإنه رسول إلى جميع الخلق من أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدّمه بالقوّة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم وأشار بذكر هذا الاسم بخصوصه في سورة الفتح إلى أنه ﷺ هو الخاتم بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج واستنبط بعض العلماء من محمد ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً فقال فيه ثلاث ميمات وإذا بسطت كل منهما قلت فيه م ي م وعدّتها بحساب الجمل الكبير تسعون فيحصل منها مائتان وسبعون وإذا بسطت الحاء والدال قلت دال بخمسة وثلاثين، وحاء بتسعة فالجملة ما ذكر والاسم واحد فتم عدد الرسل كما قيل أنهم ثلاثمائة وخمسة عشر وقد تقدّم الكلام على أولي العزم منهم في سورة الأحقاف.
تنبيه: يجوز أن يكون محمد خبر مبتدأ مضمر لأنه لما تقدّم هو الذي أرسل رسوله دل على ذلك المقدّر أي هو أي الرسول بالهدى
стр. 1989
محمد. ورسول الله بدل أو بيان أو نعت وأن يكون محمد مبتدأ وخبره رسول الله وقيل غير ذلك.
ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى ﴿والذين معه﴾ أي: بمعية الصحبة من الصحابة وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان ﴿أشدّاء﴾ أي: غلاظ ﴿على الكفار﴾ منهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته لأنّ الله تعالى أمرهم بالغلظة عليهم لا يرحمونهم ﴿رحماء بينهم﴾ أي: متعاطفون متوادّون كالوالد مع الولد.
كما قال تعالى ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ (المائدة: ٥٤)
وعن الحسن بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل وهذا التعطف فيشددوا على من ليس من دينهم ويتحاموه ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام متعطفين بالبر والصلة والمعونة وكف الأذى والاحتمال منهم.
تنبيه: والذين معه مبتدأ خبره أشدّاء على الكفار ورحماء بينهم خبر ثان وقيل غير ذلك. ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله ﴿تراهم﴾ أي: أيها الناظر لهم ﴿ركعاً سجداً﴾ أي: دائمين الخشوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملكية على صفاتهم الحيوانية فكانت الصلاة آمرة بالخير مصينة عن كل نقص وضير.
ثم أشار إلى إخلاصهم بقوله تعالى ﴿يبتغون﴾ أي: يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم تغليباً لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم ﴿فضلاً﴾ أي: زيادة من الخير ﴿من الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال من الجلال والجمال الذي أعطاهم ملكة العظمة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرأفة على أوليائه ﴿ورضواناً﴾ أي: رضاً منه عظيماً بما نالهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيداً غيره ولا محسن سواه.
ثم بين كثرة صلاتهم. بقوله تعالى: ﴿سيماهم﴾ أي: علامتهم التي لا تفارقهم ﴿في وجوههم﴾ ثم بين تعالى العلامة بقوله ﴿من أثر السجود﴾ وهو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى ﴿يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه﴾ (آل عمران: ١٠٦)
رواه عطية العوفيّ عن ابن عباس. وعن أنس هو استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال مجاهد هو السمت الحسن والخشوع والتواضع والمعنى أنّ السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: هو صفرة الوجه. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال عكرمة: هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الثياب. وقال عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لأنّ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
قال بعضهم: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. قال البقاعي: ولا يظن أنّ من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته فإنّ ذلك من سيما الخوارج. وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثقات ومنه حديث أبي الدرداء أنه رأى رجلاً بين عينيه مثل ثغنة البعير فقال: لو لم يكن هذا كان خيراً يعني كان على جبهته أثر السجود
стр. 1990
وإنما كرهها خوفاً من الرياء عليه. وعن أنس عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود» وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري أثقلت الرؤوس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق ثم أشار تعالى إلى علو مرتبة ذلك الوصف بقوله سبحانه:
﴿ذلك﴾ أي: هذا الوصف العالي جداً البديع المثال البعيد المنال ﴿مثلهم﴾ أي: صفتهم ﴿في التوراة﴾ وههنا تم الكلام فإن مثلهم: مبتدأ وخبره في التوراة وقوله تعالى: ﴿ومثلهم في الإنجيل﴾ أي: الذي نسخ الله تعالى به بعض أحكام التوراة مبتدأ وخبره ﴿كزرع﴾ أي: مثل زرع ﴿أخرج شطأه﴾ أي: فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير أو لا يختص خلاف مشهور قال الشاعر:
*أخرج الشطأ على وجه الثرى
... ومن الأشجار أفنان الثمر
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان: بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان كالنهر والنهر وأدغم أبو عمرو الجيم في الشين بخلاف عنه ثم سبب عن هذا الإخراج قوله تعالى: ﴿فآزره﴾ أي: قواه وأعانه. وقرأ ابن ذكوان: بقصر الهمزة بعد الفاء والباقون بالمدّ. ﴿فاستغلظ﴾ أي: فطلب المذكور من الزرع والشطء الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله ﴿فاستوى﴾ أي: قوى واستقام وقوله تعالى: ﴿على سوقه﴾ متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالاً أي كائناً على سوقه أي قائماً عليها، هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد ﷺ في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون.
قال قتادة: مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: الزرع محمد ﷺ والشطء: أصحابه والمؤمنون. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال محمد رسول الله ﷺ والذين معه أبو بكر الصدّيق. أشدّاء على الكفار: عمر بن الخطاب. رحماء بينهم: عثمان بن عفان. تراهم ركعاً سجداً: علي بن أبي طالب يبتغون فضلاً من الله العشرة المبشرون بالجنة كمثل زرع محمد ﷺ أخرج شطأه أبو بكر فآزره عمر، فاستغلظ عثمان يعني استغلظ عثمان بالإسلام، فاستوى على سوقه علي بن أبي طالب رضى الله عنه استقام الإسلام بسيفه.
﴿يعجب الزرّاع﴾ قال: المؤمنون ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا يعبد الله سراً بعد اليوم روى أنس بن مالك عن النبيّ ﷺ قال: «أرحم أمّتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبيّ، وأعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل، ولكل أمّة أمين وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح» وفي رواية أخرى وأقضاهم علي وروى بريدة عن النبيّ ﷺ قال: «من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة» .
تنبيه: يعجب حال أي معجباً وهنا تم الكلام.
وقوله تعالى ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق بمحذوف دل عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم وقوّتهم. قال الزمخشري: أي شبههم الله تعالى بذلك ليغيظ. ثانيها: أنه متعلق بما دل
стр. 1991
عليه قوله تعالى ﴿أشدّاء﴾ متعلق على الكفار الخ أي: جعلهم بهذه الصفات ليغيظ. ثالثها: أنه متعلق بقوله تعالى: ﴿وعد الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿الذين آمنوا﴾ لأنّ الكفار إذا سمعوا بعزة المؤمنين في الدنيا وما أعدّ الله لهم في الآخرة غاظهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ فيه إشارة إلى تصديق دعواهم ومن في قوله تعالى: ﴿منهم﴾ للبيان لا للتبعيض لأنهم كلهم كذلك فهي كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (الحج: ٣٠)
ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصراً عما يجب لله تعالى من العبادة. أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿مغفرة﴾ أي: لما يقع منهم من الذنوب والهفوات ﴿وأجراً عظيماً﴾ بعد ذلك الستر وهو الجنة. وهما أيضاً لمن بعدهم ممن يأتي.
فائدة قد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلوّ نصرهم رضى الله عنهم وحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه وكرمه.
قال: وهذا آخر القسم الأوّل من القرآن، وهو المطوّل وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبيّ ﷺ وحاصلهما: الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهراً. كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما: نصره له ﷺ بالحال على من قصده بالضر باطناً وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة» حديث موضوع. وقال ابن عادل: روى أنّ من قرأ في أوّل ليلة من رمضان ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ في التطوّع حفظ في ذلك العام ولم أره لغيره ا. هـ.
سورة الحجرات
مدنية وهي: ثمان عشرة آية وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمةوألف وأربعمائة وستة وسبعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الجبار المتكبر الذي أعز رسوله ﷺ ﴿الرحمن﴾ الذي من عموم رحمته الآداب للتوصل إلى حسن المآب ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولي الألباب بالإقبال على ما يوجب لهم دار الثواب.
ولما نوّه سبحانه في القتال بذكر النبيّ ﷺ وصرّح في ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به وملأ سورة الفتح بتعظيمه وختمها باسمه ومدح أتباعه لأجله افتتح هذه السورة باشتراط الأدب معه في القول والفعل فقال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان ﴿لا تقدّموا﴾ من قدم بمعنى تقدّم أي لا تتقدّموا وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه، فيذهب الوهم كل مذهب ويجوز أن يكون حذفه من غير قصد إليه أصلاً بل يكون النهي موجهاً إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل ﴿بين يدي الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا يطاق انتقامه ﴿ورسوله﴾ أي: الذي عظمته ظاهرة جدّاً لا نهاية له، لأنّ عظمته من عظمته، ولذلك قرن اسمه باسمه واختلف في سبب نزول ذلك. فقال الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة. أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ وذلك «أن أناساً ذبحوا قبله ﷺ فأمرهم أن يعيدوا الذبح» وقال: «من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من
стр. 1992
النسك في شيء» .
وعن مسروق عن عائشة رضى الله عنها: أنه في النهي عن صوم يوم الشك. أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وعن ابن الزبير: «أنه قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية» . قال ابن الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وعن ابن أبي مليكة: نزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ وهذا أنسب. وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين أي لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله. قال الرازي: والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدّم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة.
تنبيه: معنى بين يدي الله ورسوله أي: بحضرتهما لأنّ ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه ناظر إليه. وحقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً. كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة هنا على ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً.
وقيل: المراد بين يدي رسول الله ﷺ وذكر الله تعالى تعظيم له وإشعار بأنه من الله تعالى بمكان يوجب إجلاله ﴿واتقوا الله﴾ اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإنّ التقوى مانعة من أن تضيعوا حقه وتخالفوا أمره أو تقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه ﴿إن الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بأعمالكم.
ونزل فيمن رفع صوته عند النبيّ ﵊.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ أي: في شيء من الأشياء عند النطق إذا نطقتم ﴿فوق صوت النبيّ﴾ إذا نطق.
تنبيه: في إعادة النداء فوائد: منها أنّ في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه: ﴿يا بنيّ لا تشرك بالله﴾ (لقمان: ١٣) ، ﴿يا بنيّ إنها إن تك﴾ (لقمان: ١٦) ، ﴿يا بنيّ أقم الصلاة﴾ (لقمان: ١٧) ، لأنّ النداء تنبيه للمنادي ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانياً غير المخاطب أولاً فإن من الجائز أن يقول القائل: يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو. فإذا أعاد مرة أخرى وقال: يا زيد قل يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولاً هو المخاطب ثانياً. ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيداً للأوّل كقولك: يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق وأنه لا يحسن أن يقول يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم، كما يحسن عند اختلاف المطلوبين ﴿ولا تجهروا له بالقول﴾ أي: إذا كلمتموه سواء كان ذلك مثل صوته أو أخفض من صوته، فإنّ ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾ أي: ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من ذلك فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبيّ ﷺ وبين غيره.
فإن قيل: ما الفائدة في ولا تجهروا بعد لا ترفعوا؟.
أجيب: بأن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النبيّ ﷺ وصوته والنهي عن الجهر منع من المساواة.
стр. 1993
أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا ثم حذرهم بقوله تعالى: ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تحبط﴾ أي: تفسد فتسقط ﴿أعمالكم﴾ التي هي الأعمال بالحقيقة، وهي الحسنات كلها ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ أي: بأنها حبطت فإنّ ذلك إذا أجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استخف واظب عليه، وإذا واظب عليه أو شك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر، روى أنس بن مالك قال: «لما نزل قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبيّ ﷺ فسأل النبيّ ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت: نزلت هذه الآية وقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد لنبيّ ﷺ فقال بل هو من أهل الجنة» .
وروي لما نزلت هذه الآية «قعد ثابت في الطريق يبكي فمّر به عاصم بن عدي فقال: وما يبكيك يا ثابت. قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى رسول الله ﷺ وغلب ثابتاً البكاء فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبيّ ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرشي فسدّي عليّ الضبة بمسمار فضربت عليه بمسمار وقال لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله ﷺ فأتى عاصم رسول الله ﷺ فأخبره خبره فقال: اذهب فادعه لي فجاءه عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرش.
فقال له: إنّ رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة فأتيا رسول الله ﷺ فقال له النبيّ ﷺ ما يبكيك يا ثابت فقال: أنا ميت فأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ فقال له رسول الله ﷺ أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة. فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله ﷺ فأنزل الله .
﴿إنّ الذين يغضون﴾ أي: يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة من هيبة حضرته قال الطبريّ وأصل الغض الكف في لين ﴿أصواتهم﴾ تخشعاً وتخضعاً ورعايةً للأدب وتوقيراً ﴿عند رسول الله﴾ أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام، لأنه مبلغ عن الملك الأعظم وعبر بعند الذي للظاهر إشارة إلى أنّ أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب ﴿أولئك﴾ أي عالو الرتبة ﴿الذين امتحن الله﴾ أي: فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر ﴿قلوبهم للتقوى﴾ أي: اختبرها وأخلصها لتظهر منهم من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. فإنّ الامتحان اختبار بليغ يؤدّي إلى خبر فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة والتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوماً للخلق في عالم الشهادة، كما كان له سبحانه في عالم الغيب. ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لهفواتهم وزلاتهم ﴿وأجر عظيم﴾ لغضهم وسائر
стр. 1994
طاعاتهم. والتنكير للتعظيم.
قال أنس: فكنا أي بعد نزول هذه الآية في حق ثابت ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان في يوم حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الإنكسار فانهزمت طائفة منهم فقال: أفّ لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله ﷺ مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام فقال له: اعلم أن فلاناً رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عند فرس يستنّ في طوله، وقد وضع على درعي ثوبه فائت أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ وقل له: إن عليّ ديناً حتى يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالداً فوجد درعه والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤية فأجاز أبو بكر وصيته قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه.
واختلف في سبب نزول قوله :
﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ فقال ابن عباس رضى الله عنهما: «بعث رسول الله ﷺ سرية إلى بني النضير وأمر عليهم عتبة بن حصن الغزاوي فلما علموا هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عتبة وقدم بهم على رسول الله ﷺ فجاءهم بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله ﷺ قائلاً في أهله، فلما رأتهم الذراري اجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله ﷺ حجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم.l
فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا. فنزل جبريل ﵇ فقال إنّ الله ﵎ يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً. فقال لهم رسول الله ﷺ أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم فقالوا: نعم. فقال شبرمة: أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد وهو الأعور بن بسامة فرضوا به فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله ﷺ قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم» فأنزل الله تعالى ﴿إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ جمع حجرة وهي ما تحجره من الأرض بحائط ونحوه. كان كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أيها مناداة الأعراب بغلظة وجفاء ﴿أكثرهم﴾ أي: المنادي والراضى دون الساكت لعذر ﴿لا يعقلون﴾ أي: محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم، فلم يصبروا بل فعلوا معه ﷺ كما يفعل بعضهم ببعض.
﴿ولو أنهم﴾ أي: المنادي والراضي ﴿صبروا﴾ أي: حبسوا أنفسهم ومنعوها من مناداتهم والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، وهو حبس فيه شدّة وصبر. ﴿حتى تخرج إليهم﴾ من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق ﴿لكان﴾ أي: الصبر ﴿خيراً لهم﴾ أي: من استعجالهم إيقاظك في الهاجرة.
ومما لو قرعوا الباب بالأظافر كما كان يفعل غيرهم من الصحابة. قال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الأولى والعقبى ا. هـ فإنهم لو تأدّبوا لربهم لزادهم ﷺ في الفضل فأعتق جميع سبيهم
стр. 1995
وأطلقهم بلا فداء. ﴿والله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: ستور ذنب من تاب من جهله ﴿رحيم﴾ أي: يعاملهم معاملة الراحم، فيسبغ عليهم نعمه. وقال قتادة: «نزلت في ناس من أعراب تميم جاءوا إلى النبيّ ﷺ فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمّنا شين فخرج إليهم رسول الله ﷺ وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك.
فقال رسول الله ﷺ ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا. فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبيّ ﷺ قم فأجبه فأجابه. وقام شاعر فذكر أبياتاً فقال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: أجبه فأجابه. فقام الأقرع بن حابس فقال: إنّ محمداً المولى تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً ثم دنا من رسول الله ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ ما يضرّك ما كان من قبل هذا ثم أعطاهم رسول الله ﷺ وكساهم، وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن الأهيم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ فنزل فيهم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ﴾ الآيات الأربع إلى قوله تعالى: ﴿غفور رحيم﴾ وقال زيد بن أرقم جاء ناس من العرب إلى رسول الله ﷺ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعش في جناحه. فجاؤوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات يا محمد. فأنزل الله تعالى ﴿إنّ الذين ينادونك﴾ الآية وقيل: المراد بأكثرهم كلهم. لأنّ العرب تذكر الأكثر وتريد الكل احتراز عن الكذب واحتياطاً في الكلام. لأنّ الكل ما لا يحيط به علم الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل.
ثم إنّ الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم وفيه إشارة إلى لطيفة، وهي أنّ الله تعالى يقول مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم استحساناً لتلك العادة، وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلاً قاطعاً على رضاي بذلك منكم.
تنبيه: جعل الزمخشري أنهم من ولو أنهم فاعلاً بفعل مقدر أي ولو ثبت صبرهم وجعل اسم كان ضميراً عائداً على هذا الفاعل. ولكن مذهب سيبويه أنها في محل رفع بالابتداء وحينئذ يكون اسم كان ضميراً عائداً على صبرهم المفهوم وجرى على الأوّل البيضاوي، وعلى الثاني الجلال المحلى واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿فاسق﴾ أي: خارج من ربقة الديانة ﴿بنبأ﴾ أي: خبر يعظم خطبه فيثير شرّاً ﴿فتبينوا﴾ صدقه من كذبه. فقال أكثر المفسرين: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمه. «وذلك أنّ النبيّ ﷺ بعثه إلى بني المصطلق بعد الوقعة والياً ومصدقاً أي يأخذ منهم الصدقة وكان بينه
стр. 1996
وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله ﷺ فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى. فغضب رسول الله ﷺ وهمّ أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله ﷺ وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكره وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار. ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر» فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ ﴿أن تصيبوا﴾ أي: بأذى ﴿قوماً﴾ أي: هم مع قوّتهم النافعة لأهل الإسلام برآء مما نسب إليهم ﴿بجهالة﴾ أي: مع الجهل بحال استحقاقهم لذلك ﴿فتصبحوا﴾ أي: فتصيروا ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته ﴿على ما فعلتم﴾ أي: من إصابتهم ﴿نادمين﴾ أي: غريقين في الأسف على ما
فات مما يوقع الله تعالى في نفوسكم من أمور ترجف القلوب. وقال الرازي: هذا ضعيف لأنّ الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا والنبيّ ﷺ لم ينقل عنه أنه قال وردت الآية لبيان ذلك حسب غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية مما يصدق ذلك ويؤيده أنّ إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقاً فكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (المنافقون: ٦)
وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف: ٥٠)
وقوله تعالى: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ الآية إلى غير ذلك ا. هـ وقال ابن الخازن في تفسيره: وقيل هو عام نزلت لبيان التثبيت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهذا أولى من حكم الآية على رجل بعينه.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿أن تصيبوا﴾ مفعول له كقوله تعالى: ﴿أن تحبط﴾ (الحجرات: ٢)
قال الرازي: معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا وعلى مذهب البصريين كراهة أن تصيبوا وقرأ حمزة والكسائي: بعد التاء المثناة بثاء مثلثة وبعد الباء الموحدة بتاء مثناة فوق من التثبت أي: فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال. والباقون بعد التاء المثناة بباء موحدة وبعدها ياء تحتية وبعدها نون من البيان.
﴿واعلموا﴾ أي: أيتها الأمة ﴿أن فيكم﴾ أي: على وجه الاختصاص بكم ويا له من شرف ﴿رسول الله﴾ أي: الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام فلا تقولوا الباطل فإنّ الله يخبره بالحال ﴿لو يطيعكم﴾ وهو لا يحب عنتكم ولا شيئاً يشق عليكم ﴿في كثير من الأمر﴾ أي: الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم، وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له فينقلب حينئذ الحال ويصير المتبوع تابعاً، والمطاع طائعاً، ﴿لعنتم﴾ أي:
стр. 1997
لأثمتم دونه وهلكتم. لأنّ من أراد أن يكون أمر الرسول ﷺ تابعاً لأمره فقد زين له الشيطان الكفران وقوله تعالى: ﴿ولكن الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه﴾ أي: حسنه ﴿في قلوبكم﴾ فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته استدراك من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لبيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكرهتهم للكفر كما قال تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ حملهم على ذلك ما سمعوا قول الوليد أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إخماداً لفعلهم وتعريضاً بذم من فعل. قال الرازي: هذه الأمور الثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل المزين وهو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فقوله تعالى ﴿كرّه إليكم الكفر﴾ وهو التكذيب وهو في مقابلة التصديق بالجنان وأمّا الفسوق فقيل هو الكذب كما قاله ابن عباس قال تعالى ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ فسمى الكاذب فاسقاً وقال البيضاوي: الكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد والعصيان الامتناع عن الانقياد. وقال بعضهم: الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة والعصيان هو الصغيرة ﴿أولئك﴾ أي: الذين أعلى الله تعالى مقاديرهم ﴿هم الراشدون﴾ أي: الكاملون في الرشد الثابتون الاستقامة وعلى دينهم وفي تفسير الأصفهاني الرشد هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه.
وقوله تعالى: ﴿فضلاً﴾ مصدر منصوب بفعله المقدّر أي فضل وقيل: تعليل لكرّه أو حبب، وما بينهما اعتراض فهو امتنان عظيم ودرجة عالية ﴿من الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي بيده كل شيء ﴿ونعمة﴾ أي: وعيشاً حسناً ناعماً وكرامة ﴿والله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿عليم﴾ أي: محيط العلم يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل. ﴿حكيم﴾ أي: بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها فكذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته ونزل في قضية.
﴿وإن طائفتان من المؤمنين﴾ الآية وهي أنّ النبيّ ﷺ ركب حماراً ومرّ علي ابن أبيّ فبال الحمار فسدّ ابن أبيّ أنفه فقال ابن رواحة لبول حماره: أطيب ريحاً من مسكك فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف. وعن أنس قال: «قيل للنبيّ ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبيّ فانطلق إليه النبيّ ﷺ وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون معه وهو بأرض سبخة فلما أتاه النبيّ ﷺ فقال: إليك عني فوالله لقد أذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم» .
ويروى أنهما لما نزلت قرأها رسول الله ﷺ فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض. وعن قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مدارأة في حق فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبيّ ﷺ فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف.
وعن سفيان عن السدي قال: كانت امرأة
стр. 1998
من الأنصار يقال لها أمّ زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقى بها إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء قومه واقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت.
وجمع تعالى قوله سبحانه: ﴿اقتتلوا﴾ نظراً للمعنى لأنّ كل طائفة جماعة وثنى الضمير في قوله تعالى: ﴿فأصلحوا﴾ أي: أوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح ﴿بينهما﴾ نظراً للفظ أي: أصلحوا بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى ﴿فإن بغت﴾ أي: أوقعت الإرادات السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ﴿إحداهما﴾ أي: الطائفتين ﴿على الأخرى﴾ فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق ﴿فقاتلوا﴾ أي: اطلبوا وأوجدوا مقاتلة ﴿التي تبغي﴾ أي توقع الإرادة السيئة وتصرّ عليها وأديموا القتال لها ﴿حتى تفيء﴾ أي: ترجع عما صارت إليه من حرّ القطيعة الذي كأنه حرّ الشمس حتى نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البرد والخير الذي هو كالظل الذي نسخته الشمس.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿إلى أمر الله﴾ أي: التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم بل لا بدّ من أن يقاصصه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء والباقون بتحقيقهما ﴿فإن فاءت﴾ أي: رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل ﴿فأصلحوا﴾ أي: أوقعوا الإصلاح ﴿بينهما بالعدل﴾ أي: بالإنصاف ولا يحملنكم القتال على الحقد على المقاتلين فتحيفوا ﴿وأقسطوا﴾ أي: وأزيلوا القسط بالفتح وهو الجور، بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل الذي لا جور فيه في ذلك، وفي جميع أموركم ثم علله ترغيباً فيه بقوله تعالى مؤكداً تنبيهاً على أنه من أعظم ما يتمادح به ورداً على من لعله يقول أنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده الأضعف ﴿إن الله﴾ أي: الذي بيده النصر والخذلان ﴿يحب المقسطين﴾ أي: يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب.
﴿إنما المؤمنون﴾ أي: كلهم وإن تباعدت أنسابهم وبلادهم ﴿إخوة﴾ أي: في الدين لانتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان ولما كانت الأخوة داعية ولا بدّ إلى الإصلاح تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فأصلحوابين أخويكم﴾ كما تصلحون بين أخويكم من النسب ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمور مبالغة في التقرير والتحضيض وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق. وعن أبي عثمان الحيري: أنّ أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإنّ أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب ﴿واتقوا الله﴾ أي: الملك الأعظم في مخالفة حكمه والإهمال فيه ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي: لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم أن يكرمكم الذي لا قادر على الإكرام في الحقيقة غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوانكم بإكرامكم عن إفساد ذات البين.
وعن الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» .
تنبيه: في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنّ الله تعالى سماهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين يدل عليه ما روى عن عليّ بن أبي طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل
стр. 1999
البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون. فقال: لا من الشرك فرّوا فقيل: أمنافقون هم فقال: لا إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: فما حالهم قال: إخواننا بغوا علينا.
والباغي في الشرع هو الخارج عن الإمام العدل بتأويل محتمل وشوكة لهم ومطاع تحصل به قوّة الشوكة، وإن لم يكن لهم إمام والحكم فيهم أن يبعث إليهم الإمام أميناً فطناً ناصحاً ينصحهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها وإن أصروا نصحهم ثم أعلمهم بالقتال، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صواباً.
والحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت عائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة، ولو أقاموا حدّ أو أخذوا زكاة وجزية وخراجاً وفرّقوا أسهم المرتزقة على جندهم صح ما فعلوه، وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن كان بسبب قتال فلا ضمان على واحد منهما، وإلا فعلى المتلف الضمان. قال ابن سهل: كانت في تلك الفتنة دماء يغرق في بعضها القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم مالاً أتلفه ولو أظهر قوم رأي الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة ولم يقاتلوا فلا نتعرّض لهم.
روي أنّ علياً سمع رجلاً يقول في ناحية المسجد. لا حكم إلا لله تعالى. فقال عليّ ﵁: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاثة لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دام أيديكم مع أيدينا ولا نبدئكم بقتال فإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق، وتفريعات أحكام البغاة مذكورة في الفقه. وفي هذا القدر كفاية.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا الإقرار بالتصديق ﴿لا يسخر﴾ أي: لا يهزأ والسخرية: هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته ﴿قوم﴾ أي: ناس فيهم قوة المحاولة وهم الرجال وفي التعبير بذلك تنبيه على قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص منكراً لما أعطاه الله تعالى من القوّة ﴿من قوم﴾ أي: من رجال، فإنّ ذلك يوجب الشرّ لأنّ أضعف الناس إذا استهزئ به قوي لما يثور عنده من حظ النفس.
فقال ابن عباس: «نزلت في ثابت بن قيس كان في أذنه وقر أي ثقل فكان إذا أتى رسول الله ﷺ وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف النبيّ ﷺ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضنّ أي بخل كل رجل منهم بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلساً قام قائماً فلما فرغ ثابت من صلاته أقبل نحو رسول الله ﷺ يتخطى رقاب الناس ويقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى لرسول الله ﷺ وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح فقال الرجل: قد أصبت مجلساً فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضباً فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا. فقال له: أنا فلان فقال له ثابت: ابن فلانة ذكر أمّاً له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه فاستحيا فأنزل الله تعالى هذه الآية» .
وقال الضحاك نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون
стр. 2000
بفقراء أصحاب النبيّ ﷺ مثل عمار وخبيب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوا من رثاثة حالهم. ومعنى الآية: لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ثم علل النهي بقوله تعالى: ﴿عسى﴾ أي: لأنه جدير وخليق لهم ﴿أن يكونوا﴾ أي: المستهزأ بهم ﴿خيراً منهم﴾ فينقلب الأمر عليهم وتكون لهم سوء العاقبة. قال ابن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أحوّل كلباً وقال القشيري: ما استصغر أحد أحداً إلا سلط عليه ولا ينبغي أن يغتر بظاهر أحوال الناس، فإنّ في الزوايا خبايا. والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة وكذا في الخبر كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.
﴿ولا﴾ يسخر ﴿نساء من نساء﴾ ثم علل النهي بقوله تعالى: ﴿عسى﴾ أي: ينبغي أن يخفن من ﴿أن يكن﴾ أي: المسخور بهنّ ﴿خيراً منهنّ﴾ أي الساخرات. روي أنها نزلت في نساء النبيّ ﷺ عيرن أمّ سلمة بالقصر. وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء يهودية بنت يهوديين.
تنبيهان: أحدهما: قال الرازي: القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم. والقائم بالأمور هم الرجال وعلى هذا ففي أفراد الرجال والنساء.
فائدة: وهي أنّ عدم الالتفات والاستحقار أن يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال لأنّ المرأة في نفسها ضعيفة، قال ﷺ «النساء لحم على وضم» فالمرأة لا يوجد منها استحقار لرجل لأنها مضطرّة إليه في رفع حوائجها، وأمّا الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فإنه يوجد فيهنّ ذلك.
الثاني: في حكمه قوله تعالى: ﴿عسى أن يكونوا خيراً منهم﴾ هي أنهم إذا وجدوا منهم التكبر المقتضى إلى إحباط العمل جعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم، وقال: أنا خير منه فصار هو خيراً منه. ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿يكونوا﴾ أي يصيروا فإنّ من استحقر إنساناً لفقره أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويقوى الضعيف ﴿ولاتلمزوا﴾ أي تعيبوا على وجه الظهور الخفية ﴿أنفسكم﴾ بأن يعيب بعضكم بعضاً بإشارة أو نحوها فكيف إذا كان على وجه فإنّكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة أو يعمل الإنسان ما يعاب به فيكون الإنسان قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سبباً لأن يبحث عن عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي: ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء فإنّ النبز يختص بلقب السوء.k
واختلف في هذا اللقب فقال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. وقال الحسن: كان اليهوديّ والنصرانيّ يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقال عطاء: هو أن يقول الرجل لأخيه يا حمار يا خنزير
وعن ابن عباس: التنابز بالألقاب: هو أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله والحاصل أنه يحرم تلقيب الشخص بما يكره وإن كان فيه كالأعور والأعمش ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لا يعرفه إلا به وأمّا ألقاب المدح فنعما هي فقد لقب الصديق بعتيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بن الوليد بسيف الله، ومازالت الألقاب
следующие страницы →