← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله ﷺ فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى. فغضب رسول الله ﷺ وهمّ أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله ﷺ وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكره وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار. ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر» فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ ﴿أن تصيبوا﴾ أي: بأذى ﴿قوماً﴾ أي: هم مع قوّتهم النافعة لأهل الإسلام برآء مما نسب إليهم ﴿بجهالة﴾ أي: مع الجهل بحال استحقاقهم لذلك ﴿فتصبحوا﴾ أي: فتصيروا ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته ﴿على ما فعلتم﴾ أي: من إصابتهم ﴿نادمين﴾ أي: غريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله تعالى في نفوسكم من أمور ترجف القلوب. وقال الرازي: هذا ضعيف لأنّ الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا والنبيّ ﷺ لم ينقل عنه أنه قال وردت الآية لبيان ذلك حسب غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية مما يصدق ذلك ويؤيده أنّ إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقاً فكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (المنافقون: ٦) وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف: ٥٠) وقوله تعالى: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ الآية إلى غير ذلك ا. هـ وقال ابن الخازن في تفسيره: وقيل هو عام نزلت لبيان التثبيت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهذا أولى من حكم الآية على رجل بعينه. تنبيه: قوله تعالى: ﴿أن تصيبوا﴾ مفعول له كقوله تعالى: ﴿أن تحبط﴾ (الحجرات: ٢) قال الرازي: معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا وعلى مذهب البصريين كراهة أن تصيبوا وقرأ حمزة والكسائي: بعد التاء المثناة بثاء مثلثة وبعد الباء الموحدة بتاء مثناة فوق من التثبت أي: فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال. والباقون بعد التاء المثناة بباء موحدة وبعدها ياء تحتية وبعدها نون من البيان. ﴿واعلموا﴾ أي: أيتها الأمة ﴿أن فيكم﴾ أي: على وجه الاختصاص بكم ويا له من شرف ﴿رسول الله﴾ أي: الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام فلا تقولوا الباطل فإنّ الله يخبره بالحال ﴿لو يطيعكم﴾ وهو لا يحب عنتكم ولا شيئاً يشق عليكم ﴿في كثير من الأمر﴾ أي: الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم، وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له فينقلب حينئذ الحال ويصير المتبوع تابعاً، والمطاع طائعاً، ﴿لعنتم﴾ أي:

стр. 1997

لأثمتم دونه وهلكتم. لأنّ من أراد أن يكون أمر الرسول ﷺ تابعاً لأمره فقد زين له الشيطان الكفران وقوله تعالى: ﴿ولكن الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه﴾ أي: حسنه ﴿في قلوبكم﴾ فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته استدراك من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لبيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكرهتهم للكفر كما قال تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ حملهم على ذلك ما سمعوا قول الوليد أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إخماداً لفعلهم وتعريضاً بذم من فعل. قال الرازي: هذه الأمور الثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل المزين وهو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فقوله تعالى ﴿كرّه إليكم الكفر﴾ وهو التكذيب وهو في مقابلة التصديق بالجنان وأمّا الفسوق فقيل هو الكذب كما قاله ابن عباس قال تعالى ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ فسمى الكاذب فاسقاً وقال البيضاوي: الكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد والعصيان الامتناع عن الانقياد. وقال بعضهم: الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة والعصيان هو الصغيرة ﴿أولئك﴾ أي: الذين أعلى الله تعالى مقاديرهم ﴿هم الراشدون﴾ أي: الكاملون في الرشد الثابتون الاستقامة وعلى دينهم وفي تفسير الأصفهاني الرشد هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. وقوله تعالى: ﴿فضلاً﴾ مصدر منصوب بفعله المقدّر أي فضل وقيل: تعليل لكرّه أو حبب، وما بينهما اعتراض فهو امتنان عظيم ودرجة عالية ﴿من الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي بيده كل شيء ﴿ونعمة﴾ أي: وعيشاً حسناً ناعماً وكرامة ﴿والله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿عليم﴾ أي: محيط العلم يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل. ﴿حكيم﴾ أي: بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها فكذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته ونزل في قضية. ﴿وإن طائفتان من المؤمنين﴾ الآية وهي أنّ النبيّ ﷺ ركب حماراً ومرّ علي ابن أبيّ فبال الحمار فسدّ ابن أبيّ أنفه فقال ابن رواحة لبول حماره: أطيب ريحاً من مسكك فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف. وعن أنس قال: «قيل للنبيّ ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبيّ فانطلق إليه النبيّ ﷺ وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون معه وهو بأرض سبخة فلما أتاه النبيّ ﷺ فقال: إليك عني فوالله لقد أذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم» . ويروى أنهما لما نزلت قرأها رسول الله ﷺ فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض. وعن قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مدارأة في حق فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبيّ ﷺ فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. وعن سفيان عن السدي قال: كانت امرأة

стр. 1998

من الأنصار يقال لها أمّ زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقى بها إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء قومه واقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت. وجمع تعالى قوله سبحانه: ﴿اقتتلوا﴾ نظراً للمعنى لأنّ كل طائفة جماعة وثنى الضمير في قوله تعالى: ﴿فأصلحوا﴾ أي: أوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح ﴿بينهما﴾ نظراً للفظ أي: أصلحوا بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى ﴿فإن بغت﴾ أي: أوقعت الإرادات السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ﴿إحداهما﴾ أي: الطائفتين ﴿على الأخرى﴾ فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق ﴿فقاتلوا﴾ أي: اطلبوا وأوجدوا مقاتلة ﴿التي تبغي﴾ أي توقع الإرادة السيئة وتصرّ عليها وأديموا القتال لها ﴿حتى تفيء﴾ أي: ترجع عما صارت إليه من حرّ القطيعة الذي كأنه حرّ الشمس حتى نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البرد والخير الذي هو كالظل الذي نسخته الشمس. وهو معنى قوله تعالى: ﴿إلى أمر الله﴾ أي: التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم بل لا بدّ من أن يقاصصه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء والباقون بتحقيقهما ﴿فإن فاءت﴾ أي: رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل ﴿فأصلحوا﴾ أي: أوقعوا الإصلاح ﴿بينهما بالعدل﴾ أي: بالإنصاف ولا يحملنكم القتال على الحقد على المقاتلين فتحيفوا ﴿وأقسطوا﴾ أي: وأزيلوا القسط بالفتح وهو الجور، بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل الذي لا جور فيه في ذلك، وفي جميع أموركم ثم علله ترغيباً فيه بقوله تعالى مؤكداً تنبيهاً على أنه من أعظم ما يتمادح به ورداً على من لعله يقول أنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده الأضعف ﴿إن الله﴾ أي: الذي بيده النصر والخذلان ﴿يحب المقسطين﴾ أي: يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب. ﴿إنما المؤمنون﴾ أي: كلهم وإن تباعدت أنسابهم وبلادهم ﴿إخوة﴾ أي: في الدين لانتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان ولما كانت الأخوة داعية ولا بدّ إلى الإصلاح تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فأصلحوابين أخويكم﴾ كما تصلحون بين أخويكم من النسب ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمور مبالغة في التقرير والتحضيض وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق. وعن أبي عثمان الحيري: أنّ أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإنّ أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب ﴿واتقوا الله﴾ أي: الملك الأعظم في مخالفة حكمه والإهمال فيه ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي: لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم أن يكرمكم الذي لا قادر على الإكرام في الحقيقة غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوانكم بإكرامكم عن إفساد ذات البين. وعن الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» . تنبيه: في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنّ الله تعالى سماهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين يدل عليه ما روى عن عليّ بن أبي طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل

стр. 1999

البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون. فقال: لا من الشرك فرّوا فقيل: أمنافقون هم فقال: لا إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: فما حالهم قال: إخواننا بغوا علينا. والباغي في الشرع هو الخارج عن الإمام العدل بتأويل محتمل وشوكة لهم ومطاع تحصل به قوّة الشوكة، وإن لم يكن لهم إمام والحكم فيهم أن يبعث إليهم الإمام أميناً فطناً ناصحاً ينصحهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها وإن أصروا نصحهم ثم أعلمهم بالقتال، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صواباً. والحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت عائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة، ولو أقاموا حدّ أو أخذوا زكاة وجزية وخراجاً وفرّقوا أسهم المرتزقة على جندهم صح ما فعلوه، وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن كان بسبب قتال فلا ضمان على واحد منهما، وإلا فعلى المتلف الضمان. قال ابن سهل: كانت في تلك الفتنة دماء يغرق في بعضها القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم مالاً أتلفه ولو أظهر قوم رأي الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة ولم يقاتلوا فلا نتعرّض لهم. روي أنّ علياً سمع رجلاً يقول في ناحية المسجد. لا حكم إلا لله تعالى. فقال عليّ ﵁: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاثة لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دام أيديكم مع أيدينا ولا نبدئكم بقتال فإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق، وتفريعات أحكام البغاة مذكورة في الفقه. وفي هذا القدر كفاية. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا الإقرار بالتصديق ﴿لا يسخر﴾ أي: لا يهزأ والسخرية: هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته ﴿قوم﴾ أي: ناس فيهم قوة المحاولة وهم الرجال وفي التعبير بذلك تنبيه على قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص منكراً لما أعطاه الله تعالى من القوّة ﴿من قوم﴾ أي: من رجال، فإنّ ذلك يوجب الشرّ لأنّ أضعف الناس إذا استهزئ به قوي لما يثور عنده من حظ النفس. فقال ابن عباس: «نزلت في ثابت بن قيس كان في أذنه وقر أي ثقل فكان إذا أتى رسول الله ﷺ وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف النبيّ ﷺ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضنّ أي بخل كل رجل منهم بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلساً قام قائماً فلما فرغ ثابت من صلاته أقبل نحو رسول الله ﷺ يتخطى رقاب الناس ويقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى لرسول الله ﷺ وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح فقال الرجل: قد أصبت مجلساً فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضباً فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا. فقال له: أنا فلان فقال له ثابت: ابن فلانة ذكر أمّاً له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه فاستحيا فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وقال الضحاك نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون

стр. 2000

بفقراء أصحاب النبيّ ﷺ مثل عمار وخبيب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوا من رثاثة حالهم. ومعنى الآية: لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ثم علل النهي بقوله تعالى: ﴿عسى﴾ أي: لأنه جدير وخليق لهم ﴿أن يكونوا﴾ أي: المستهزأ بهم ﴿خيراً منهم﴾ فينقلب الأمر عليهم وتكون لهم سوء العاقبة. قال ابن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أحوّل كلباً وقال القشيري: ما استصغر أحد أحداً إلا سلط عليه ولا ينبغي أن يغتر بظاهر أحوال الناس، فإنّ في الزوايا خبايا. والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة وكذا في الخبر كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. ﴿ولا﴾ يسخر ﴿نساء من نساء﴾ ثم علل النهي بقوله تعالى: ﴿عسى﴾ أي: ينبغي أن يخفن من ﴿أن يكن﴾ أي: المسخور بهنّ ﴿خيراً منهنّ﴾ أي الساخرات. روي أنها نزلت في نساء النبيّ ﷺ عيرن أمّ سلمة بالقصر. وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء يهودية بنت يهوديين. تنبيهان: أحدهما: قال الرازي: القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم. والقائم بالأمور هم الرجال وعلى هذا ففي أفراد الرجال والنساء. فائدة: وهي أنّ عدم الالتفات والاستحقار أن يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال لأنّ المرأة في نفسها ضعيفة، قال ﷺ «النساء لحم على وضم» فالمرأة لا يوجد منها استحقار لرجل لأنها مضطرّة إليه في رفع حوائجها، وأمّا الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فإنه يوجد فيهنّ ذلك. الثاني: في حكمه قوله تعالى: ﴿عسى أن يكونوا خيراً منهم﴾ هي أنهم إذا وجدوا منهم التكبر المقتضى إلى إحباط العمل جعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم، وقال: أنا خير منه فصار هو خيراً منه. ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿يكونوا﴾ أي يصيروا فإنّ من استحقر إنساناً لفقره أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويقوى الضعيف ﴿ولاتلمزوا﴾ أي تعيبوا على وجه الظهور الخفية ﴿أنفسكم﴾ بأن يعيب بعضكم بعضاً بإشارة أو نحوها فكيف إذا كان على وجه فإنّكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة أو يعمل الإنسان ما يعاب به فيكون الإنسان قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سبباً لأن يبحث عن عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي: ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء فإنّ النبز يختص بلقب السوء.k واختلف في هذا اللقب فقال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. وقال الحسن: كان اليهوديّ والنصرانيّ يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقال عطاء: هو أن يقول الرجل لأخيه يا حمار يا خنزير وعن ابن عباس: التنابز بالألقاب: هو أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله والحاصل أنه يحرم تلقيب الشخص بما يكره وإن كان فيه كالأعور والأعمش ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لا يعرفه إلا به وأمّا ألقاب المدح فنعما هي فقد لقب الصديق بعتيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بن الوليد بسيف الله، ومازالت الألقاب

стр. 2001

الحسنة في الجاهلية والإسلام. قال الزمخشري: إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع حتى لقبوا السفلة بالألقاب العلية وهب أنّ العذر مبسوط فما أقول لمن ليس من الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين لعمري والله إنها الغصة التي لا تساغ. ومعنى اللقب: اسم زائد على الاسم يشعر بضعة المسمى أو رفعته والمقصود به الشهرة فما كان مكروهاً نهى عنه، ويسنّ أن يكنى أهل الفضل الرجال والنساء وإن لم يكن لهم ولد وأمّا التكني بأبي القاسم فهو حرام. وقيل: إنما يحرم في زمانه ﷺ فقط وقيل: إنما يحرم على من اسمه محمد ولا يكنى كافر ولا فاسق ولا مبتدع لأنّ الكنية للتكرمة وليسوا من أهلها بل أمرنا بالإغلاظ عليهم إلا لخوف فتنة من ذكره باسمه أو تعريفه كما قيل به في قوله تعالى: ﴿تبت يد أبي لهب﴾ (المسد: ١) واسمه عبد العزى ولا بأس بكنية الصغير. ويسنّ أن يكنى من له أولاد بأكبر أولاده ويسنّ لولد الشخص وتلميذه وغلامه أن لا يسميه باسمه والأدب أن لا يكني الشخص نفسه في كتاب أو غيره إلا إن كان لا يعرف بغيرها أو كانت أشهر من الاسم. تنبيه: ذكر في الآية ثلاثة أمور مرتبة بعضها دون بعض كما علم من تقريرها ﴿بئس الاسم﴾ أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز. وقوله تعالى: ﴿الفسوق﴾ أي: الخروج من ربقة الدين ﴿بعد الإيمان﴾ بدل من الاسم لإفادة أنه فسق لتكرّره عادة. وروي أنّ الآية «نزلت في صفية بنت حيي أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنّ النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال: هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ﷺ ﴿ومن لم يتب﴾ أي: يرجع عما نهى الله عنه فخفف على نفسه ما كان شدّد عليها ﴿فأولئك﴾ أي: البعداء من الله تعالى ﴿هم الظالمون﴾ أي الغريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها. وأدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء. واختلف عن خلاد والباقون بالإظهار. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أوّل مراتبه ﴿اجتنبوا﴾ أي: كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ﴿كثيراً من الظنّ﴾ أي: في الناس وغيرهم واحتاطوا في كل ظنّ ولا تتمادوا معه حتى تجزموا بسببه. تنبيه: أفهم ذلك أنّ من الظنّ ما لا يجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع وكما في ظنّ الخير في الله تعالى: ففي الحديث «أنا عند ظنّ عبدي بي فلا يظنّ بي إلا خيراً» بل قد يجب كما في قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً﴾ (النور: ١٢) وقيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما. «وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدّم لهما إلى المنزل فيهيء لهما طعامهما وشرابهما فضمّ سلمان الفارسيّ إلى رجلين في بعض أسفاره فتقدّم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيء لهما فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئاً، قال: لا غلبتني عينايّ، قالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاطلب لنا منه طعاماً فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ وسأله طعاماً فقال له رسول الله ﷺ انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عندك فضل من طعام فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله ﷺ وعلى رحله فأتاه فقال: ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما

стр. 2002

فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئاً فلما رجع قالا له: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ فلما جاءا رسول الله ﷺ قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحماً. قال ظلتم تأكلون لحم أسامة وسلمان فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن﴾ . وقوله تعالى: ﴿إن بعض الظنّ إثم﴾ تعليل مستأنف للأمر قال ﷺ «إياكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث» والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه وجعل الزمخشري همزه بدلاً من واو قال: لأنه يتم الأعمال أي يكسرها قال ابن عادل: وهذا غيره مسلم بل تلك مادّة أخرى. قال سفيان الثوري: الظنّ ظنان: أحدهما: إثم وهو أن يظنّ ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظنّ ولا يتكلم به. وقوله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ حذف منه إحدى التاءين أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها قال ﷺ «لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً» وقال ﵊: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك. وقيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً فقال: إنا نهينا عن التجسس وإن يظهر لنا شيئاً نأخذه به. تنبيه: قرأ ولا تنابزوا ولا تجسسوا ولتعارفوا البزي في الوصل بتشديد التاء والباقون بغير تشديد ولما كانت الغيبة أعمّ من التجسس قال: ﴿ولا يغتب﴾ أي: ولا يتعمد أن يذكر ﴿بعضكم بعضاً﴾ أي: في غيبته بما يكره. قال القشيري: وليس تحصل الغيبة للخلق إلا من الغيبة عن الحق وقال أبو حيان: قال ابن عباس: الغيبة إدام كلاب الناس. وعن أبي هريرة «أنّ رسول الله ﷺ قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقوله قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً فقالوا لا نأكل حتى يطعم ولا نرحل حتى يرحل فقال النبيّ ﷺ «اغتبتموه فقالوا: إنما حدّثنا بما فيه قال: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه» وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن فإنّ تمزيق عرض الإنسان كتمزيق أديمه ولحمه كما قال تعالى: ﴿أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه﴾ وقرأ ﴿ميتاً﴾ نافع بتشديد الياء والباقون بالسكون. ولما كان الجواب قطعاً لا يحب أحد ذلك أشار إليه بما سببه من قوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾ أي: بسبب ما ذكر طبعاً فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرّمة عقلاً لأنّ داعي العقل بصير عالم وداعي الطبع أعمى جاهل. تنبيه: في هذا التشبيه إشارة إلى أنّ عرض الإنسان كدمه ولحمه لأنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا

стр. 2003

من باب القياس الظاهر لأنّ عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك أشدّ ألماً وقوله تعالى لحم أخيه آكد في المنع لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ وفي قوله تعالى: ﴿ميتاً﴾ إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال: إنّ الشتم في الوجه يؤلم فيحرم وأمّا الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم، فيقال لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم ومع هذا هو في غاية القبح كما أنه لو اطلع عليه لتألم فإنّ الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف وهو أنّ الاغتياب أكل لحم الآدمي ميتاً ولا يحل أكله إلا للمضطرّ بقدر الحاجة والمضطرّ إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي فكذلك المغتاب إذا وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب. قال مجاهد: لما قيل لهم أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً قالوا: لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً. قال الزجاج: تأويله أنّ ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. قال الرازي: وفي ضمير فكرهتموه وجوه: أظهرها: أن يعود إلى الأكل. وثانيها: أن يعود إلى اللحم أي: فكرهتم اللحم. وثالثها: أن يعود إلى الميت في قوله تعالى ميتاً تقديره أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه فكأنه صفة لقوله ميتاً ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني الميتة إن أكلت في الندرة تستطاب نادراً ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً. فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة وذلك يحقق الكراهة ويوجب النفرة إلى حدّ لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذاً كراهية شديدة. وكذلك حال الغيبة. وعنه ﵊ أنه قال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافير من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» وقال ميمون بن سنان: بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي كل هذا قلت يا عبد الله ولم آكل هذا قال إنك اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيراً ولا شرّاً قال ولكن سمعت ورضيت فكان ميمون لا يغتاب أحد ولا يدع أحداً يغتاب عنده. وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي: اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بطاعته معطوف على ما تقدّم من الأوامر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا الله ﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿توّاب﴾ أي: مكرّر للتوبة وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرّر الذنب فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت ﴿رحيم﴾ يزيده على ذلك بأن يكرمه غاية الإكرام. تنبيه: ختم الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ وقال ههنا ﴿إنّ الله تواب رحيم﴾ لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ذكر النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيراً﴾ فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ أي: كافة المؤمن وغيره ﴿إنا﴾ أي: على مالنا من العظمة ﴿خلقناكم﴾ أي: أوجدناكم من العدم على ما أنتم عليه من المقادير

стр. 2004

﴿من ذكر وأنثى﴾ الآية مبين ومقرّر لما تقدّم، لأنّ السخرية من الغير وغيبته إن كان ذلك بسبب غير الدين والإيمان فلا يجوز لأنّ الناس بعمومهم كافرهم ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به المفتخر، لأنّ التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنياً والمؤمن فقيراً وبالعكس. وإن كان بسبب النسب فالكافر قد يكون نسيباً والمؤمن مولى وعبداً أسود وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون ومتقاربون ولا يؤثر شيء من ذلك مع عدم التقوى. كما قال تعالى: ﴿إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ أي آدم وحوّاء فأنتم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. قال ابن عباس: «نزلت في ثابت بن قيس. وقوله للرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة فقال النبيّ ﷺ من الذاكر فلانة. قال ثابت: أنا يا رسول الله فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود. قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى» فنزلت هذه الآية ونزل في الذي لم يفسح له ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس﴾ (المجادلة: ١١) الآية وقال قتادة: «لما كان فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالاً حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد أغبر من هذا الغراب الأسود مؤذناً. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبره به رب العالمين رب السموات فأتى جبريل رسول الله ﷺ فأخبره بما قالوه فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى في هذه الآية» وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء. تنبيه: الحكمة في اختيار النسب مع أنّ غيره من جملة أسباب التفاخر ولم يذكر الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لأنّ النسب أعلاها لأنّ المال قد يحصل للفقير فيبطل افختار الغني المفتخر به عليه والسمن والحسن وغير ذلك لا يدوم. والنسب ثابت مستمر غير مقدوراً التحصيل لمن ليس له ذلك فاختاره الله تعالى للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بطريق الأولى فإن قيل: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى: ﴿إنا خلقناكم﴾ أجيب: بأنّ فائدته أنّ كل شيء يترجح على غيره فأمّا أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه بعد وجوده. وأمّا أن يترجح عليه بأمر قبله فالذي بعده كالحسن والقوّة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء. وأمّا الذي قبله فأما راجع إلى أصله الذي وجد فيه أو إلى الفاعل الذي أوجده فالأول كقولك هذا من نحاس وهذا من فضة، والثاني كقولك هذا عمل فلان وهذا عمل فلان. فقال تعالى: لا ترجيح بالنسبة إلى فاعلكم لأنكم كلكم خلق الله تعالى فإن كان عناكم تفاوت فهو بأمور تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها التقوى. ولما كان تفصيلهم إلى فرق كل منها يعرف به أمراً باهراً عبر فيه بنون العظمة فقال تعالى: ﴿وجعلناكم﴾ أي بعظمتنا ﴿شعوباً﴾ جمع شعب بفتح الشين وهو أعلى طبقات الإنسان مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ﴿وقبائل﴾ أي: تحت

стр. 2005

الشعوب وذلك أنّ طبقات النسل التي عليها العرب سبعة الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة والعشيرة وكل واحد يدخل فيما قبله فالقبائل تحت الشعوب والعمائر تحت القبائل والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل خزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصيّ بطن وعبد مناف فخذ وهاشم فصيلة والعباس عشيرة. قال البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف ا. هـ. وسمى الشعب شعباً لتشعب القبائل منه واجتماعهم به كتشعب أغصان الشجرة والشعب من الأضداد يقال شعب أي: جمع ومنه شعب القدح وشعب أي: فرّق والقبائل واحدها قبيلة سميت بذلك لتقابلها شبهت بقبائل الرأس وهي قطع متقابلة. وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني اسرائيل وقيل: الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب والنسبة إلى الشعب شعوبية بفتح الشين وهم جيل يبغضون العرب والعمائر واحدتها: عمارة بفتح العين والبطون واحدتها: بطن. والفصائل: واحدتها فصيلة. والعشائر: واحدتها: عشيرة. وقال أبو روق الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. ثم ذكر تعالى علة الشعب بقوله تعالى: ﴿لتعارفوا﴾ أي: ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له لا لتفاخروا ﴿إن أكرمكم﴾ أي المتفاخرون ﴿عند الله﴾ أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أخبركم بكرمه ولا كمال لأحد سواه ﴿أتقاكم﴾ أي: أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم. قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى وألام الؤم الفجر وقال ﵊ «الحسب المال والكرم التقوى» وقال ابن عباس «كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى» وعن ابن عمر «أنّ رسول الله ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه وهو عصا محنية الرأس فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها الناس رجل تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وعن أبي هريرة قال «سئل رسول الله ﷺ أيّ الناس أكرم. قال: أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيّ الله بن نبيّ الله بن نبيّ الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني قالوا: نعم. قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» بضم القاف على المشهور وحكى كسره ومعناه إذا تعلموا أحكام الشرع. وقال ﷺ «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» قال الرازي في المراد بالآية: وجهان: الأول أنّ التقوى تفيد الإكرام. الثاني: أنّ الإكرام يورث التقوى كما يقال المخلصون على خطر والأول أشهر، والثاني أظهر فإن قيل: التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله ﷺ «لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد» أجيب: بأنّ التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨) فلا تقوى

стр. 2006

إلا للعالم فالتقي العالم أثمر علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمر لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من التي لا تثمر، بل هي حطب. قال الحسن البصري: إنما الفقيه العامل بعلمه أي وهو المراد من قوله ﷺ «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ومن قوله عز من قائل ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: ٩) فإن قيل: خطاب الناس بقوله تعالى ﴿أكرمكم﴾ يقتضي اشتراك الكل في الإكرام ولا كرامة لكافر فإنه أضلّ من الأنعام أجيب بأنّ ذلك غير لازم مع أنه حاصل لدليل قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (الإسراء: ٧٠) لأنّ كل من خلق فقد اعترف بربه ثم من استمرّ عليه وزاد زيد في كرامته ومن رجع عنه أزيل عنه أكثر الكرامة ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿عليم﴾ أي: بالغ العلم بظواهركم يعلم أنسابكم ﴿خبير﴾ أي: محيط العلم ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فجعلوا التقوى رداءكم ولما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ والتقى لا يكون إلا بعد حصول التقوى وأصله الإيمان والإتقاء من الشرك. ﴿قالت الأعراب﴾ أي: أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء ﴿آمنا﴾ أي: بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ولنا النسب الخالص فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق تكذيباً لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب ﴿لم تؤمنوا﴾ أي: لم تصدّق قلوبكم لأنكم لو آمنتم لم تمنوا لأنّ الإيمان التصديق بجميع ما لله من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان فله ولرسوله الذي كان ذلك على يديه المنّ والفضل ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ أي: أظهرنا الانقياد في الظاهر للأحكام الظاهرة وأمنا من أن نكون حرباً للمؤمنين وعوناً للمشركين، فأخبر الله تعالى أنّ حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وإن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيماناً دون التصديق بالقلب والإخلاص فالإسلام هو الدخول في السلم كما يقال أشتى إذا دخل في الشتاء وأصاف إذا دخل في الصيف وأربع إذا دخل في الربيع فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان كقوله لإبراهيم ﴿أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ (البقرة: ١٣١) ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله تعالى: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ ﴿ولما يدخل الإيمان﴾ أي: المعرفة التامّة لم تدخل إلى هذا الوقت ﴿في قلوبكم﴾ فلا يعدّ إقرار اللسان إيماناً إلا لمواطأة القلب قال ابن برجان: فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين. وعن سعد بن أبي وقاص «قال أعطى رسول الله ﷺ رهطاً وأنا جالس فيهم فترك رسول الله ﷺ رجلاً منهم لم يعطه وهو أعجبهم إليّ فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته. فقلت: مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمناً. فقال ﷺ أو مسلماً ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه» . وقال الرازي: المسلم والمؤمن واحد عند أهل السنة. فنقول الفرق بين العام والخاص: أنّ الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان فالإسلام أعمّ لكن العامّ في صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون أمراً آخر غيره. مثاله الحيوان في صورة الإنسان أمر لا ينفك عن

стр. 2007

الإنسان فلا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيواناً ولا يكون إنساناً فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود، وكذلك المؤمن والمسلم، وسيأتي زيادة على ذلك في الذاريات إن شاء الله تعالى. وقال الرازي: في الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم ضعيفاً فيقال لهم: لم تؤمنوا لأنّ الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبهم وسيدخل بإطلاعهم على محاسن الإسلام انتهى. بل الإيمان دخل في قلوبهم ولكن لم يتألفوا بأهل الإسلام؟. تنبيه: التعبير بلما يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن في القلب لا نفي مطلق الدخول بدليل إنما المؤمنون دون إنما الذين آمنوا ﴿وإن تطيعوا الله﴾ أي: الملك الذي من خالفه لم يأمن عقوبته ﴿ورسوله﴾ أي: الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر الظاهر فتؤمن قلوبكم ﴿لا يلتكم﴾ أي: لا ينقصكم ﴿من أعمالكم شيئاً﴾ بل يعطيكم ما يليق به من الجزاء لأنّ من حمل إلى ملك فاكهة طيبة قدر ثمنها في السوق ردهم فأعطاه الملك درهماً انتسب الملك إلى البخل فهو يعطي ما تتوقعون بأعمالكم وزيادة من غير نقص فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدلّ عليه من الأقوال والأفعال. وقرأ الدوري: عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ألفاً والباقون بغير همز ولا ألف. ولما كان الإنسان مبنياً على النقص وإن اجتهد غاية اجتهاده قال الله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته ولغيره إن شاء فلا عتاب ولا عقاب ﴿رحيم﴾ أي: يزيد على الستر عظيم الإكرام ثم بين تعالى لهم حقيقة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون﴾ أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب. قال القشيري: والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس والنفوس لا تموت ولكنها تعيش ﴿الذين آمنوا﴾ أي: صدّقوا معترفين ﴿بالله﴾ معتقدين بجميع ماله من صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ شاهدين برسالته وهذا الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما قبل الكمال المطلق وإلا لقال تعالى إنما الذين آمنوا ﴿ثم لم يرتابوا﴾ أي: لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأنّ الإيمان إيقان. تنبيه: ثم للتراخي في الحكاية كأنه يقول آمنوا ثم أقول شيئاً آخر لم يرتابوا ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فيما نقل النبيّ ﷺ من الحشر والنشر ﴿وجاهدوا﴾ أي: أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفوس فيه تصديقاً لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان ﴿بأموالهم﴾ وذلك هو النية وقوله تعالى: ﴿وأنفسهم﴾ أعمّ من النية وغيرها وذلك هو الشجاعة قدم الأموال لقلتها عند العرب ﴿في سبيل الله﴾ أي: طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون شغلتنا أموالنا وأهلونا. قال القشيري: جعل الله تعالى الإيمان مشروطاً بخصال ذكرها وذكر بلفظ إنما وهي للتحقيق يقتضي الطرد والعكس فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله: ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿هم الصادقون﴾ أي: في قولهم وفعلهم أنهم مؤمنون. ولما نزل هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله ﷺ يحلفون بالله أنهم مؤمنون صادقون

стр. 2008

وعلم الله منهم غير ذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الأعراب مجهلاً لهم ومبكتاً ﴿أتعلمون الله﴾ أي: أتخبرون أخباراً عظيماً الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً ﴿بدينكم﴾ أي بقولكم آمنا ﴿والله﴾ أي: والحال أن الملك المحيط بكل شيء ﴿يعلم ما في السموات﴾ كلها على عظمتها وكثرة ما فيها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء﴾ أي مما ذكر ومما لم يذكر ﴿عليم﴾ أي: لا تخفي عليه خافية وهو تجهيل لهم وتوبيخ ﴿يمنون عليك﴾ أي: يذكرون ذكر من اصطنع صنيعة وأسدى إليك نعمة ﴿أن أسلموا﴾ أي: من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال منهم ولما كان المنّ هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: في جواب قولهم هذا ﴿لا تمنوا عليّ إسلامكم﴾ لو فرض أنكم كنتم متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع اذعان الباطن أي لا تذكروا الامتنان أصلاً لأنّ الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله تعالى فلا ينبغي عدّه صنيعة على أحد فإنّ ذلك يفسده ﴿بل الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه ﴿يمن عليكم﴾ أي: بذكر أنه أسدى إليكم نعمة ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿هداكم للإيمان﴾ أي: فهو المانّ عليكم لا أنتم عليه وعلي. فإن قيل: كيف منّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا. أجيب بأوجه: أحدها: أنه تعالى لم يقل بل الله يمنّ عليكم أن رزقكم الإيمان بل قال أن هداكم للإيمان ثانيها: أنه تعالى منّ عليهم بما زعموا فكأنه تعالى قال أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار. فقال تعالى ﴿هداكم﴾ في زعمكم ولهذا قال تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: في قولكم آمنا فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله تعالى وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم. قال القشيري: من لاحظ شيئاً من أحواله فإن رآها من نفسه كان مشركاً وإن رآها لنفسه كان مكراً فكيف يمنّ العبد بما هو شرك أو مكر والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة هذا لعمري فضيحة والمنة تكدّر الصنيعة إذا كانت من المخلوقين وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله تعالى. ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يعلم غيب السموات﴾ أي: ما غاب فيها كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون ﴿بصير﴾ أي: عالم أتم العلم ﴿بما تعملون﴾ أي: من ظاهر إسلامكم في الماضي والحاضر والآتي سواء أكان ظاهراً أم باطناً سواء أكان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان مفروزاً في جبلاتكم وهو خفيّ عنكم. وقرأ ابن كثير: بالياء التحتية على الغيبة نظراً لقوله تعالى: ﴿يمنون﴾ وما بعده والباقون بالفوقية على الخطاب نظراً إلى قوله تعالى: ﴿لا تمنوا عليّ إسلامكم﴾ إلى آخره وفي هذه الآية إشارة إلى أنه يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» حديث موضوع.

стр. 2009

سورة ق مكية إلا قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض﴾ الآيةمدنية، وهي خمس وأربعون آية وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمةوألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ أي: الذي أحاط علمه بجيمع خلقه العاكف منهم والبادي ﴿الرحمن﴾ أي الذي عمّ خلقه برحمته حين أرسل إليهم بشرائعه أصدق العباد ﴿الرحيم﴾ أي: الذي خص بالفوز في دار القرار أهل الرشاد واختلف في تفسير قوله عز من قائل: ﴿ق﴾ فقال ابن عباس: هو قسم. وقيل: هو اسم للسورة. وقيل: اسم من أسماء القرآن. وقال القرطبي: هو مفتاح اسمه قدير وقادر وقاهر وقريب وقابض. وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ومنه خضرة السماء والسماء مغيبة عليه وعليه كنفاها ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة قيل: متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء كهيئة القبة وعليه كنفاها. قال الرازي: وهذا القول ضعيف لوجوه: أحدها: أنّ أكثر القرّاء يقف عليها ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأنّ من قال ذلك قال: إنّ الله تعالى أقسم به. ثانيها: أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب عين جارية ويكتب ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (الزمر: ٣٦) وفي جميع المصاحف تكتب حرف ق. ثالثها: أنّ الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في ص ون وحم وهي حروف لا كلمات فكذلك في ق فإن قيل: هو منقول عن ابن عباس نقول: المنقول عنه أنّ القاف اسم جبل، وأمّا أنّ المراد ههنا ذلك فلا ا. هـ. وقيل: معناه قضى الأمر وقضى ما هو كائن كما قالوا في ﴿حم﴾ وفي ﴿ص﴾ صدق الله. قال الرازي: وقد ذكرنا أنّ الحروف تنبيهات قدّمت على القرآن ليكون السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الإسماع فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق وذكرنا أيضاً أنّ العبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية ظاهرة ووجد في الجارحية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعقل معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ووجد في القلبية ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر وصفات الله تعالى وصدق الرسل ووجد فيها ما لم يعقل ولا يمكن التصديق به لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر. والميزان الذي توزن به الأعمال. فكذلك ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلاً منه وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كل حروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد للأمر لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولك: ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به تعبداً محضاً. ويؤيد هذا وجه آخر: وهو أنّ هذه الحروف مقسم بها لأنّ الله تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفاً لهما فإذا أقسم بالحروف التي هل أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى، وإذا عرفت هذا فنقول القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى: ﴿والعصر﴾ (العصر: ١) وقوله تعالى: ﴿والنجم﴾ (النجم: ١) بحرف واحد كما في قوله تعالى: ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾ ووقع بأمرين كما في قوله تعالى: ﴿والضحى﴾ (الضحى: ١) ﴿والليل﴾ (الليل: ١) وفي قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾ (الطارق: ١) بحرفين كما قال في قوله تعالى:

стр. 2010

﴿طه﴾ (طه: ١) و ﴿طس﴾ (النمل: ١) و ﴿حم﴾ (غافر: ١) ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى: ﴿والصافات، فالزاجرات، فالتاليات﴾ (الصافات: ١ ـ ٣) وقوله تعالى: ﴿والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود﴾ (البروج: ١ ـ ٣) بثلاثة أحرف كما في قوله تعالى: ﴿ألم﴾ (البقرة: ١) و ﴿طسم﴾ (الشعراء: ١) ﴿الر﴾ (يونس: ١) ووقع بأربعة أمور كما في قوله تعالى: ﴿والذاريات فالحاملات فالجاريات فالمقسمات﴾ (الذاريات: ٤) وفي قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين﴾ (التين: ١ ـ ٣) وبأربعة أحرف كما في قوله تعالى: ﴿المص﴾ (الأعراف: ١) و ﴿المر﴾ (الرعد: ١) ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى: ﴿والطور وكتاب مسطور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور﴾ (الطور: ١ ـ ٦) وفي قوله تعالى: ﴿والمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات فالملقيات﴾ (المرسلات: ١ ـ ٥) وفي النازعات وفي الفجر وبخمسة أحرف كما في قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ (مريم: ١) و ﴿حم عسق﴾ (الشورى: ١ ـ ٢) ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي ﴿والشمس وضحاها﴾ (الشمس: ١) ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال: ﴿والطور والنجم والشمس﴾ وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل وحم وق لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً به فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحرف وغيره ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخل بالنظم. وقوله تعالى: ﴿والقرآن﴾ أي: الكتاب الجامع الفارق ﴿المجيد﴾ أي: الذي له العلوّ والشرف والكرم والعظمة على كل كلام قسم وفي جوابه أوجه. أحدها: قوله تعالى ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ ثانيها ﴿ما يبدل القول لديّ﴾ ثالثها: ﴿ما يلفظ من قول﴾ رابعها ﴿إنّ في ذلك لذكرى﴾ خامسها ﴿بل عجبوا﴾ وهو قول كوفيّ قالوا لأنّ معناه قد عجبوا. سادسها: أنه محذوف قدّره الزجاج والمبرد والأخفش لتبعثنّ وغيرهم لقد جاءكم منذر وقدره الجلال المحلي بقوله ما آمن كفار مكة بمحمد ﷺ تنبيه: جوابات القسم سبعة أنّ المشدّدة كقوله تعالى: ﴿والعصر إنّ الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: ١ ـ ٢) وما النافية كقوله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودّعك ربك﴾ (الضحى: ١ ـ ٣) واللام المفتوحة كقوله تعالى: ﴿فو ربك لنسألنهم أجمعين﴾ (الحجر: ٩٢) وإن الخفيفة كقوله تعالى ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين﴾ (الشعراء: ٩٧) ولا النافية كقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ (النحل: ٣٨) وقد كقوله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ (الشمس: ١) ﴿قد أفلح من زكاها﴾ (الشمس: ٩) وبل كقوله تعالى ﴿والقرآن المجيد﴾ بل أي أنّ تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجدك ولا إنكار صدقك. ﴿بل﴾ لأنهم ﴿عجبوا﴾ أي: الكفار وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر شيء خارج عن سنن الاستقامة انصرف إليهم العجب تغير النفس لأمر خارج عن العادة ﴿إن جاءهم منذر منهم﴾ أي: رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث واقتصر على الإنذار لأنّ المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله ﷺ أو منّ عليه بإسلام أو غيره ولتخويف من أنكر البعث والعجب منهم هو العجب لأنّ العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان لنذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير وهو أحدهم خص بالرسالة دونهم ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم فلذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم تعانداً وحسداً لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي رفعه الله تعالى بها عليهم قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من دركات السفه

стр. 2011

وخفة الأحلام، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشراً وأوجبوا أن يكون الإله حجراً، وعجبوا أن يعادوا من تراب لم يكن له أصل في الحياة ولذلك سبب عنه قوله تعالى: ﴿فقال﴾ أي: بسبب إنذاره بالبعث ﴿الكافرون﴾ وصرح به في موضع الإضمار إيذاناً بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره ولكنهم ستروا تعدّياً برأي عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة وعبر بما دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها ﴿هذا﴾ أي كون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت ﴿شيء عجيب﴾ أي: بليغ في الخروج عن عادة أشكاله وقد كذبوا في ذلك أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم وقليل منهم من كان غريباً ممن أرسل إليه وأمّا من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جداً. ولما كان المتعجب منه مجملاً أوضحه بقوله تعالى حكاية عنهم مبالغين في الإنكار بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري. ﴿أءذا متنا﴾ ففارقت أرواحنا أبداننا ﴿وكنا تراباً﴾ لا فرق بينه وبين تراب الأرض ولما كان العامل في الظرف ما تقديره نرجع دل عليه بقوله تعالى دالاً بالإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم ﴿ذلك﴾ أي: الأمر الذي في غاية البعد وهو مضمون الخبر برجوعنا ﴿رجع﴾ أي: ردّ إلى ما كنا عليه ﴿بعيد﴾ جدّاً لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب وقرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وهي المكسورة وإدخال ألف بينها وبين الهمزة الأولى المفتوحة وقرأ ورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وقرأ الباقون بتحقيقهما وأدخل هشام بينهما ألفاً بخلاف عنه والباقون بغير إدخال وكسر الميم من متنا نافع وحفص وحمزة والكسائي والباقون بالضم وقوله تعالى: ﴿قد علمنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿ما تنقص الأرض منهم﴾ أي: تأكل من أجزائهم المتحللة من أبدانهم بعد الموت. وقبله رد لاستبعادهم لأنّ من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجزاء الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادراً على رجعهم أحياءً كما كانوا وعنه ﵊ «كل ابن آدم يبلي إلا عجب الذنب» وعن السدّي ما تنقص الأرض منهم من يموت منهم ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه لأنّ الله تعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر قادر على الجمع والتأليف فليس الرجع منه ببعيد وهذا كقوله تعالى: ﴿وهو الخلاق العليم﴾ (يس: ٨١) حيث جعل للعلم مدخلاً في الإعادة وهذا جواب ما كانوا يقولون أئذا ضللنا في الأرض أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعيدهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون ﴿وعندنا﴾ أي: على مالنا من الغنى من كل شيء ﴿كتاب﴾ أي: جامع لكل شيء ﴿حفيظ﴾ أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء جل أودق وقيل محفوظ من الشياطين ومن أن يندرس أو يغير وعلى الحالين الحفيظ هو اللوح المحفوظ. قال الرازي: والأوّل هو الأصح لأنّ الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن قال الله تعالى: ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ (الأنعام: ١٠٤) وقال تعالى ﴿حفيظ عليهم﴾ (الشورى: ٦) ولأن الكتاب للتمثيل

стр. 2012

ومعناه العلم عندي كما يكون في الكتاب فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ. وقوله تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي لا أثبت منه إضراب ثان قال الزمخشري: إضراب أتبع للإضراب الأوّل للدّلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحقّ ﴿لما﴾ أي: حين ﴿جاءهم﴾ أي: لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس حسداً منهم من غير تأمّل لما قالوه ولا تدبر ولا نظر فيه ولا تذكر فلذلك قالوا ما لا يعقل من أنّ من قدر على إيجاد شيء من العدم وابدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه له ﴿فهم﴾ أي: لأجل مبادرتهم إلى هذا القول السفساف ﴿في أمر مريج﴾ أي: مضطرب جدّاً مختلط من المرج الذي هو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة فهم تارة يقولون سحر وتارة كهانة وتارة شعر وتارة كذب وتارة غير ذلك، لا يثبتون على شيء واحد. والاضطراب موجب للاختلاف وذلك أدل دليل على الإبطال كما أنّ الثبات والخلوص موجب للاتفاق وذلك أدل دليل على الحقية قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وكذا قال قتادة وزاد والتبس عليهم دينهم. ثم ذكر تعالى الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد بقوله تعالى: ﴿أفلم ينظروا﴾ أي: بعين البصر والبصيرة ﴿إلى السماء﴾ أي: المحيطة بهم ﴿فوقهم﴾ فإن غيرها إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل ﴿كيف بنيناها﴾ أي: أوجدناها على مالنا من المجد والعز مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد ﴿وزيناها﴾ أي بما فيها من الكواكب الكبار والصغار السيارة والثابتة ﴿وما﴾ أي: والحال أن ما ﴿لها﴾ وأكد النفي بقوله تعالى: ﴿من فروج﴾ أي: فتوق وطاقات وشقوق بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء.H ﴿والأرض﴾ أي: المحيطة بهم التي هم عليها ﴿مددناها﴾ أي: بسطناها بما لنا من العظمة ﴿وألقينا﴾ أي: بعظمتنا ﴿فيها رواسي﴾ أي جبالاً ثوابت كانت سبباً لثباتها وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق والمراسي التي تعالجونها أنتم من تحت ﴿وأنبتنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي الأرض وعظم قدرته بالتبعيض فقال تعالى: ﴿من كل زوج﴾ أي صنف من النبات تزاوجت أشكاله ﴿بهيجٍ﴾ أي هي في غاية الرونق والإعجاب فكان مع كونه رزقاً منتزهاً. ﴿تبصرةً﴾ أي: جعلنا هذه الأشياء كلها لأجل أن تنظروا بأبصاركم وتتفكروا ببصائركم فتعبروا منها إلى صانعها فتعلموا ما له من العظمة ﴿وذكرى﴾ أي: ولتذكروا بها تذكراً عظيماً بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل شيء من ذلك أنّ صانعها لا يعجزه شيء وأنه محيط بجميع صفات الكمال وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بالإمالة محضة. وقرأ ورش: بالإمالة بين بين والباقون بالفتح. تنبيه: قال الرازي: يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى السماء والأرض أي خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ويدل على ذلك أنّ السماء وزينتها غير مستجدّة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان. وأمّا الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفها فتذكر فالسماء تبصرة والأرض تذكرة ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً في كل واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك. والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أنّ فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجدّدة مذكرة عند التناسي ﴿لكل عبدٍ﴾ أي:

стр. 2013

لتبصر وتذكر كل عبد بماله من النقص وبمادل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه ﴿منيبٍ﴾ أي: رجاع عما خطه إليه طبعه إلى ما يغلبه عليه عقله فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود الصفات إلى علم الذات. ثم ذكر تعالى دليلاً بقوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء﴾ أي: المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر ﴿ماء﴾ أي شيئاً فشيئاً في أوقات وعلى سبيل التقاطر ولولا عظمتنا التي لا تضاهي لغلب بما له من الثقل والميوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المسرّة وعادت المنفعة مضرّة ﴿مباركاً﴾ أي: نافعاً جدّاً كثير لبركة وفيه حياة كل شيء، وهو المطر فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إنزال الماء من فوق وإخراج النبات من تحت ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من القدرة الباهرة ﴿به جناتٍ﴾ من الشجر والثمر والزرع والريحان وغيره مما تجمعه البساتين فتجن أي تستر الداخل فيها ﴿وحب الحصيد﴾ أي: النجم الذي من شأنه أنه يحصد كالبر والشعير ونحوهما وقوله تعالى: ﴿والنخل﴾ منصوب عطفاً على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل وقوله تعالى ﴿باسقات﴾ أي: طوالاً حال مقدّرة لأنها وقت الإثبات لم تكن طوالاً والبسوق الطول يقال بسق فلان على أصحابه أي طال عليهم في الفضل ومنه قول أبي نوفل في ابن هبيرة: *يا ابن الذين بمجدهم ... بسقتهم قيس فزاره* وهو استعارة والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسق بسوقاً أي طالت قال الشاعر: *لنا خمر وليست خمر كرم ... ولكن من نتاج الباسقات* *كرام في السماء ذهبن طولا ... وفات ثمارها أيدي الجناة* وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج. وقال سعيد بن جبير: باسقات: مستويات وأفردها بالذكر لفرط ارتفاعها ﴿لها طلع﴾ يجوز أن تكون الجملة حالاً من النخل أو من الضمير في باسقات ويجوز أن يكون الحال وحده لها وطلع فاعل به وقوله تعالى: ﴿نضيد﴾ بمعنى منضود بعضها فوق بعض في أكمامها كما في سنبلة الزرع وهو عجيب فإنّ الأشجار الطوال ثمارها بارزة بعضها على بعض لكل واحدة منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز والطلع كالسنبلة الواحدة تكون على أصل واحد وقوله تعالى: ﴿رزقا﴾ يجوز أن يكون حالاً أي مرزوقاً ﴿للعباد﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً له وللعباد إمّا صفة وإمّا متعلق بالمصدر، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى عند ذكر خلق السماء والأرض تبصرة وذكرى وفي الثمار قال رزقاً والثمار أيضاً فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة. أجيب: بأنّ الاستدلال وقع لوجود أمرين: أحدهما: الإعادة. والثاني: البقاء بعد الإعادة فإنّ النبيّ ﷺ كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم والعقاب الدائم وأنكروا ذلك فقال: أما الأوّل فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء وأما الثاني فلأنّ البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأولّ تبصرة وتذكرة بالخلق. والثاني: تذكرة بالبقاء والرزق ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى

стр. 2014

﴿تبصرة وذكرى﴾ حيث ذكر ذلك بين الآيتين ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإثبات النبات تنبيه: لم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيده في قوله تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ لأنّ التذكرة لا تكون إلا للمنيب والرزق يعمّ كل أحد غير أنّ المنيب يأكل ذاكراً أو شاكراً للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص بقيد ولما كان في ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث وبجميع صفات الكمال أتبعه ماله من التذكير بالبعث بخصوصية فقال تعالى ﴿وأحيينا به﴾ أي: الماء بعظمتنا ﴿بلدةً﴾ بالتأنيث إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى النبات والخلوّ عنه وذكر ﴿ميتاً﴾ للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها أو حملاً على معنى المكان فإن قيل: ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ (يس: ٣٣) حيث أثبت الهاء هناك أجيب: بأنّ الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة: لأنّ معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأنّ الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط التاء لأنّ معنى الفاعلية غير ظاهر فتثبت فيه الهاء وإذا كان معنى الفاعل لم يظهر لا تثبت فيه الهاء. ويحقق هذا القول قوله تعالى ﴿بلدة طيبةً﴾ (سبأ: ١٥) حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعل ولم يثبت حيث لم يظهر ﴿كذلك﴾ أي: مثل الإخراج العظيم ﴿الخروج﴾ من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا إذ لا فرق بين خروج النبات بعد ما تهشم وتفتت في الأرض وصار تراباً كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره وأزرقه إلى غير ذلك وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما كانوا في الدنيا تنبيه: قال أبو حيان: ذكر تعالى في السماء ثلاثة البناء والتزيين ونفي الفروج وفي الأرض ثلاثة المدّ وإلقاء الرواسي والإنبات فقابل المدّ بالبناء لأنّ المدّ وضع والبناء رفع وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاب كل واحد منها أي على سطح ما هو فيه والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج فلا شق فيها ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة وعلى ما اختلط من جنسين فبعض الثمار فاكهة لا قوت وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت وقوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم﴾ الآية فيه تسلية للرسول ﷺ وتنبيه بأنّ حاله كحال من تقدّمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله تعالى مكذبيهم ونصرهم. ولما لم يكن لهؤلاء المكذبين شهرة يعرفون بها قال تعالى: ﴿قوم نوح﴾ الذين كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان نزل عليهم ماء السماء وطلع عليهم ماء الأرض فأغرقهم ووسم الفعل بالتاء إشارة إلى هو أنهم في جنب هذا المجد وأسقط الجار من قوله تعالى: ﴿قبلهم﴾ إشارة إلى أنّ هؤلاء الأحزاب لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل الأرض قد استغرقوا مكانها وزمانها ثم أتبع قوم نوح بمشابهيهم بقوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾ أي: البئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيهم قيل: حنظلة بن صفوان وقيل غيره فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم وبكل مالهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. ثم أتبع أصحاب الرس بقوم صالح ﵇ فقال ﴿وثمود﴾ لأنّ الرجفة التي أخذتهم مبدأ الخسف ثم أتبع ثمود بقوم هود ﵇ فقال تعالى: ﴿وعادٌ﴾ لأنّ الريح التي أهلكتهم أثرت بها صيحة ثمود وقال تعالى: ﴿وفرعون﴾ ولم يقل قوم فرعون لأنه ليس في قادة هذه

стр. 2015

الفرق كافر غيره والنص عليه يفهم عظمته وأنه استخف قومه فأطاعوه ﴿وإخوان لوط﴾ أي: أصهاره الذين صار بينه وبينهم مع المصاهرة المناصرة بملوكهم على من قاواهم بنفسه وعمه خليل الله إبراهيم ﵉ ومع ذلك عاملوه بالخيانة والتكذيب. ﴿وأصحاب الأيكة﴾ أي: الغيضة. وهم قوم شعيب، والغضة الشجرة الملتف بعضه على بعض ولما كان تبع الحميري واسمه سعد وكنيته أبو كرب مع كونه في قومه ملكاً قاهراً وخالفوه مع ذلك، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل الظالم ختم بهم فقال تعالى: ﴿وقوم تبع﴾ مع كونه ملكاً وهو يدعوهم إلى الله تعالى فلا يظنّ أنّ التكذيب مخصوص بمن كان قوياً لمن كان مستضعفاً بل هو واقع بمن شئنا من قوي وضعيف لا يخرج شيء عن مرادنا ﴿كلٌ﴾ أي من هذه الفرق ﴿كذب الرسل﴾ أي كلهم بتكذيب رسولهم فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار المعجز والدعاء إلى الله تعالى ﴿فحق﴾ أي: فتسبب عن تكذيبهم لهم أن ثبت عليهم ووجب ﴿وعيد﴾ أي: الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه فجعلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكاً عامّاً كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى يوم البعث فثبت بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسلّ بإخوانك المرسلين وتأس بهم وليحذر قومك ما حل بمن كذبهم أن أصرّوا. ﴿أفعيينا بالخلق﴾ أي: أحصل لنا مع ما لنا من العظمة الإعياء وهو العجز بسبب الخلق في شيء من إيجاده أو إعدامه ﴿الأوّل﴾ أي: من السموات والأرض وما بينهما حين ابتدأناه اختراعاً من العدم ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان مجدّداً في كل أوان في الأطوار المشاهدة على هذه التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة، ومن إعدامه بعد خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجاً كغيرهم ﴿بل هم في لبسٍ﴾ أي: شك شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه أجمل ﴿من﴾ أي: لأجل ﴿خلقٍ جديدٍ﴾ أي: بالإعادة ولما ذكر الخافقين أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيهما. فقال تعالى: ﴿ولقد﴾ أي: والحال أنا قد ﴿خلقنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ وهو أعجب خلقاً وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان والذكر والنسيان والجهل والعرفان والطاعة والعصيان وغير ذلك من عجيب الشان. ووكلنا به من جنودنا من يحفظ فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله ﴿ونعلم﴾ والحال أنا نعلم بما لنا من الإحاطة ﴿ماتوسوس﴾ أي: تكلم على وجه الخفاء ﴿به﴾ أي: الآن وفيما بعد ذلك ﴿نفسه﴾ مما لم نقدح بعد من خزائن الغيب إلى سرّ النفس كما علمنا ما تكلم نفسه وهي الخواطر التي تعرض له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول به ﷺ وامتيازه وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرياسة على الإنكار باللسان، حتى صار لهم ذلك خلقاً وتمادوا فيه، حتى غطى على عقولهم فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب ونحن أي بما لنا من العظمة ﴿أقرب إليه﴾ أي: قرب علم وشهود من غير

стр. 2016

مسافة ﴿من حبل الوريد﴾ لأنّ أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً ولا يحجب علم الله تعالى شيء والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدّمها متصلان من الرأس إلى الوتين وهو عرق متصل بالقلب إذا قطع مات صاحبه. وهذا مثل في فرط القرب وإضافته مثل مسجد الجامع أي حبل العرق الوريد أو لأن الحبل أعمّ فأضيف للبيان نحو بئر ساقية أو يراد حبل العاتق وأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لأنهما ما في عضو واحد. وقال البغوي: حبل الوريد: عرق الفرق وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين يتفرّق في البدن والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. قال القشيري: وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم وروح وأنس وسكون قلب لقوم. وقوله تعالى: ﴿إذ يتلقى﴾ ظرف لأقرب ويجوز أن يكون منصوباً باذكر أي واذكر إذ يتلقى أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود ﴿المتلقيان﴾ أي: الملكان الموكلان بعمل الإنسان ومنطقه يحفظانه ويكتبانه حال كونهما ﴿عن اليمين﴾ لكل إنسان ﴿وعن الشمال﴾ أي: أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وقوله تعالى: ﴿قعيد﴾ أي: قاعدان. مبتدأ وخبره ما قبله لأنّ فعيلاً يطلق على الواحد والمتعدّد كقوله تعالى: ﴿بعد ذلك ظهير﴾ (التحريم: ٤) قال ابن عادل: والأجود أن يدع حذف إما من الأوّل أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد وإما من الثاني فيكون قعيد الملفوظ به للأوّل ومثله قوله: *رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطويّ رماني* وقال مجاهد: القعيد المرصد. ونحن أعلم منهما وأقرب وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم. ﴿ما يلفظ﴾ أي: يرمي ويخرج المكلف من فيه وعمم في النفي بقوله تعالى ﴿من قول﴾ جل أو قل ﴿إلا لديه﴾ أي: الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة من أغرب المستغرب ﴿رقيب﴾ من حفظتنا شديد المراعاة في كل من أحواله ﴿عتيد﴾ أي: حاضر مراقب غير غافل بوجه قال الجلال المحلي: وكل منهما بمعنى المثنى أي رقيبان عتيدان. روى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» . تنبيه: اختلف فيما يكتبان فقال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر أو يوزر فيه. فائدتان: إحداهما: قال الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند حالتين عند غائطه وعند جماعه. الثانية: قال الضحاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك ومثله عن الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته ﴿وجاءت﴾ أي: أتت وحضرت ﴿سكرة الموت﴾ أي: حالته عند النزع وشدّته وغمرته يصير المريض بها السكران لا يعي وتخرج بها أقواله وأفعاله عن قانون الاعتدال مجيئاً ملتبساً بالحق أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه. وقيل: للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال ﴿ذلك﴾ أي: هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجهد ﴿ما﴾ أي: الأمر الذي ﴿كنت﴾ أي: جبلةً

стр. 2017

وطبعاً ﴿منه تحيد﴾ أي: تميل وتنفر وتروغ وتهرب. تنبيه: قيل الخطاب مع النبيّ ﷺ قال الرازي: وهو منكر وقيل مع الكافر قال ابن عادل: والأقوى أن يقال هو خطاب عام مع السامع وهذا أولى وقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت﴾ وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ للموت العامّ والبعث العامّ عند التكامل وانقطاع أوان التعامل وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى وهو ﵇ قد التقم الصور من حين بعث النبي ﷺ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فيالها من عظمة ما أغفلنا وعنها أنساناً لها والمراد بهذه نفخة البعث وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله نفخ لأنّ الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ذلك الزمان العظيم الأهوال والأوجال ﴿يوم الوعيد﴾ أي: للكفار بالعذاب. ﴿وجاءت﴾ أي: فيه ﴿كل نفس﴾ أي مكلفة ﴿معها سائق﴾ أي ملك يسوقها إليه ﴿وشهيد﴾ يشهد عليها بعملها. قال الضحاك: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم وهو الأيدي والأرجل وغيرها وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضى الله عنهما وقيل: هما جميعاً من الملائكة، فالسائق كما قيل لا تعلق له بالشهادة لئلا تقول تلك النفس أنه خصم والخصم لا تقبل شهادته وقيل السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده. والشهيد هو الكاتب والسائق لازم للبرّ والفاجر أما البر فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار قال تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا﴾ (الزمر: ٧١) وقال تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا﴾ (الزمر: ٧٣) والشهيد يشهد عليها بما عملت. تنبيه: يجوز في جملة معها سائق وشهيد أن تكون في موضع جر صفة لنفس، وأن تكون في موضع رفع صفة لكل، وأن تكون في موضع نصب على الحال من كل. ويقال للكافر. ﴿لقد كنت﴾ أي: كوناً كأنه جبلة لك ﴿في غفلة﴾ أي: عظيمة محيطة بك ناشئة لك ﴿من هذا﴾ أي: من تصوّر هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب والجزاء بالثواب أو العقاب لأنه على شدّة جلائه خفي على من اتبع الشهوات ﴿فكشفنا﴾ بعظمتنا بالموت ثم البعث ﴿عنك غطاءك﴾ الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك من الغفلة بالآمال في الحال والمآل وسائر الحظوظ والشهوات ﴿فبصرك اليوم﴾ أي بعد البعث ﴿حديد﴾ أي في غاية الحدّة والنفوذ فلذا تقرّ بما كنت تنكر في الدنيا. وقال مجاهد: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك. والمعنى: أزلنا غفلتك فبصرك اليوم جديد وكان من قبل كليلاً. واختلف في القرين في قوله تعالى: ﴿وقال قرينه﴾ فأكثر المفسرين على أنه الملك الموكل به فيقول ﴿هذا ما﴾ أي: الذي ﴿لدي عتيد﴾ أي: حاضر ونقل الكرماني عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد فزين له الكفر والعصيان. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ (فصلت: ٢٥) وقال تعالى: ﴿نقيض له شيطاناً فهو له قرين﴾ (الزخرف: ٣٦) وقال تعالى ﴿فبئس القرين﴾ فالإشارة بهذا إلى المسوق المرتكب الفجور والفسوق. والعتيد معناه المعتدّ للنار ومعناه أن الشيطان يقول هذا العاصي هو شيء عندي معتدّ لجهنم أعددته لها بالإغواء والإضلال وقوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم﴾ أي: النار التي تلقى الملقي فيها بما كان يعامل به عباد الله تعالى من الكبر والعبوسة ﴿كل كفار﴾ خطاب من

стр. 2018

الله تعالى للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة النار أو الواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كأنه قيل ألقي ألقي وقيل: أراد ألقيا بالنون الخفيفة فأبدلها ألفاً إجراءً للوصل مجرى الوقف وقيل العرب: تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين تأكيداً كقوله: *فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر ... وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا* قال ابن عادل وقيل المأمور مثنى وهذا هو الحق لأنّ المراد ملكان يفعلان ذلك ا. هـ وهو القول المتقدّم ﴿عنيد﴾ وهو المبالغ في ستر الحق والمعاداة لأهله بغير حجة حمية وأنفة نظراً إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبراً وتكبراً على ما عند غيره ازدراء له كائناً من كان. ﴿مناعٍ﴾ أي: كثير المنع ﴿للخير﴾ من المال وغيره من كل معروف يعلق بالمال والمقال والفعال. وقيل المراد الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه ﴿معتدٍ﴾ أي: مجاوز للحدود ﴿مريبٍ﴾ أي: داخل في الريب وهو الشك والتهمة في أهل الدين. وقوله تعالى: ﴿الذي جعل مع الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿إلهاً آخر﴾ يجوز أن يكون منصوباً على الذمّ أو على البدل من كل وأن يكون مجروراً بدلاً من كفار أو مرفوعاً بالابتداء والخبر ﴿فألقياه في العذاب﴾ أي: الذي يزيل كل عذوبة ﴿الشديد﴾ ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الذي جعل ويكون فألقياه تأكيداً. ﴿قال قرينه﴾ منادياً بإسقاط الأداة كدأب أهل القرب إيهاماً أنه منهم ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم ﴿ما أطغيته﴾ أي: ما أوقعته فيما كان فيه من الطغيان فإني لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك ﴿ولكن كان﴾ أي: بجبلته وطبعه ﴿في ضلال بعيد﴾ أي: محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله تعالى. تنبيه: هذا جواب لكلام مقدّر فإن الكافر حينما يلقى في النار يقول ربنا أطغاني شيطاني فيقول ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى: ﴿لا تختصموا لدي﴾ لأنّ المخاصمة تستدعي كلاماً من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة ص ﴿قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم﴾ (ص: ٦٠) إلى قوله تعالى ﴿إنّ ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ (ص: ٦٤) قال الزمخشري: وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدّمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد. قال الرازي: وجاءت هذه الآية بلا واو وفي الأولى بواو عاطفة لأن الأولى إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين فإن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول وفي الثانية لم يجد هنا معنيان مجتمعان حتى تذكر الواو فإن الفاء في قوله تعالى: ﴿فألقياه في العذاب﴾ لا تناسب قوله تعالى: ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته﴾ فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف. فإن قيل: كيف قال ما أطغيته مع أنه قال لأغوينهم أجمعين. أجيب: بأن المراد من قوله لأغوينهم أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة فلا تتركها يقال أنه يضله كذا هنا فقوله ما أطغيته أي ما كان ابتداء الغي مني. وقوله تعالى: ﴿قال﴾ أي: الله تعالى المحيط علماً وقدرة الذي حكم عليهم بذلك في الأزل ﴿لا تختصموا﴾ أي: لا توقعوا الخصومة بهذا الجدّ والاجتهاد استئناف كان قائلاً يقول فماذا قال الله تعالى. فأجيب: يقال لا تختصموا وقوله تعالى: ﴿لدي﴾ أي

стр. 2019

في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين يديّ. وقوله تعالى: ﴿وقد قدّمت إليكم بالوعيد﴾ أي: التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفر والعدوان جملة حالية ولا بدّ من تأويلها وذلك أن النهي في الآخرة وتقدّمه الوعيد في الدنيا. فاختلف الزمان فكيف يصح جعلها حالية وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قدّمت وزمان الصحة وزمان النهي واحد وقدّمت يجوز أن يكون بمعنى تقدمت فتكون الواو للحال ولا بدّ من حذف مضاف أي: وقد تقدّم قولي لكم ملتبساً بالوعيد ويجوز أن يكون قدمت على حاله تعدياً والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد. كقوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ (المؤمنون: ٢) على قول من قال بزيادتها هناك وقيل الباء هنا للمصاحبة كقولك اشتريت الفرس بلجامه أي معه فكأنه قال تعالى قدّمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه والإنذار. ﴿ما يبدّل﴾ أي: يغير بوجه من الوجوه ﴿القول لدّي﴾ أي: الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحيط بها أحد من خلقي وعبر بما التي هي للحاضر دون لا التي للمستقبل لأن الأوقات كلها عنده حاضرة ﴿وما أنا﴾ وأكد النفي بقوله تعالى: ﴿بظلام للعبيد﴾ فأعذبهم بغير ظلم. فإن قيل: الظلام مبالغة في الظلم ويلزم من انتفائه إثبات أصل الظلم فإذا قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كثير الكذب، ولا يلزم من نفيه نفي أصل الكذب، لجواز أن يقال ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحياناً. فقوله تعالى ﴿ما أنا بظلام﴾ لا يفهم منه نفي أصل الظلم وأنّ الله ليس بظالم. أجيب بأربعة أجوبة: أحدها: أنّ الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر فتكون اللام في قوله تعالى ﴿للعبيد﴾ لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم لقوله تعالى: ﴿لا ظلم اليوم﴾ (غافر: ١٧) ثانيها: قال الزمخشري: إن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول لو ظلمت عبدي الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم وما أنا بذلك فيلزم من نفي كونه ظلاماً نفي كونه ظالماً ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال الله تعالى: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي: في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق فيّ طاقة بهم ولم يبق فيّ موضع لهم فهل من مزيد استفهام استنكار. ثالثها: أنه لمقابلة الجمع بالجمع والمعنى أنّ ذلك اليوم مع أني ألقي في جهنم عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم لأنه تعالى قال: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ . ﴿يوم نقول﴾ أي على مالنا من العظمة ﴿لجهنم﴾ ولم يقل ما أنا بظلام في جميع الأزمان وخصص بالعبيد ولم يطلق فلذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ولم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت لأنّ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه لأنه نفي كونه ظلاماً ولم يلزم منه كونه ظالماً ونفي كونه ظلاماً للعبيد ولم يلزم منه كونه ظلاماً لغيرهم. تنبيه: يحتمل أن يكون المراد بالعبيد الكفار كقوله تعالى: ﴿يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول﴾ (يس: ٣٠) الآية والمعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين. والمعنى أنّ الله تعالى يقول: لو بدّلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف العباد ظالماً لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم فلو كان ينال من لم يأت بما أتى به المؤمن ما يناله

стр. 2020

المؤمن لكان إتيان المؤمن بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ (الحشر: ٢٠) ويحتمل أن يكون المراد التعميم وهذا أظهر. وقوله تعالى لجهنم أي التي هي دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم ﴿هل امتلأت﴾ استفهام تحقيق لوعده عليها وهو قوله تعالى ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود: ١١٩) ﴿وتقول﴾ بصورة الاستفهام كالسؤال ﴿هل من مزيد﴾ أي: قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ فهو استفهام إنكار. وقيل بمعنى الاستزادة رواه أبو صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله تعالى هل امتلأت قبل دخول جميع أهلها فيها. وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما «أنّ الله تعالى سبقت كلمته لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها فتقول ألست قد أقسمت لتملأني فيضع قدمه عليها فيقول هل امتلأت فتقول هل من مزيد قط قط قد امتلأت وليس فيّ مزيد» وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش وفي رواية رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعد ذلك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله تعالى لها خلقاً فيسكنهم فضول الجنة» ولأبي هريرة رضى الله عنه نحوه ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحداً. تنبيه: هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله مذهبان: أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في تأويلها بل نفوّض بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها أولها معنىً يليق بها وظاهرها غير مراد. المذهب الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين أنها تؤوّل بحسب ما يليق بها فعلى هذا اختلفوا في تأويل الحديث فقيل المراد بالقدم التقدّم وهو شائع في اللغة والمعنى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب. وقيل: المراد به قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم. وقيل: يحتمل أن في المخلوقات من يسمى بهذه التسمية وخلقوا لها. قال القاضي عياض أظهر التأويلات أنهم استحقوها وخلقوا لها. قال المتكلمون: ولا بدّ من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل العقلي القطعي على استحالة الجارحة على الله تعالى وقولها قط قط أي حسبي حسبي قد اكتفيت وفيها ثلاث لغات إسكان الطاء وكسرها منوّنة وغير منوّنة ولما ذكر النار التي هي دار الفجار وقدّمها لأنّ المقام للإنذار اتبعها دار الأبرار. فقال تعالى سارّاً لهم بإسقاط مؤنة المسير وطي مشقة البعد. ﴿وأزلفت الجنة﴾ أي: قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة ﴿للمتقين﴾ أي: الغريقين في هذا الوصف فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه في الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا. وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم غير هذا الوصف فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر. وقوله تعالى: ﴿غير بعيد﴾ يجوز أن يكون حالاً من الجنة ولم يؤنث لأنها بمعنى البستان أو لأنّ فعيلاً لا يؤنث لأنه بزنة المصادر قاله الزمخشري. ومنعه أبو حيان وتقدّم الكلام على ذلك في قوله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ (الأعراف: ٥٦) ويجوز أن يكون منصوباً على الظرف المكاني أي مكاناً غير بعيد ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف

стр. 2021

أي إزلافاً غير بعيد وظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال أو شيئاً غير بعيد فإن قيل: ما وجه التقريب والجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب. أجيب: من أوجه. أوّلها: أنّ الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانتقام إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب. فإن قيل: فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة فما فائدة قوله تعالى: ﴿أزلفت الجنة﴾ أجيب بأن ذلك إكرام للمؤمن وبيان لشرفه وأنه ممن يمشي إليه ثانيها: قريب من الحصول في الدخول لا بمعنى القرب المكاني. ثالثها: أنّ الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن. ويحتمل أنها أزلفت بمعنى جمعت محاسنها لأنها مخلوقة وأما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة طيبة وحسنة وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها. وقوله تعالى: ﴿هذا﴾ أي: الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم ﴿ما﴾ أي: الأمر الذي ﴿توعدون﴾ أي: وقع الوعد لكم به في الدنيا يجوز فيه وجهان. أحدهما: أن يكون معترضاً بين البدل والمبدل منه وذلك أنّ ﴿لكل أوّاب﴾ أي: رجاع إلى طاعة الله تعالى بدل من المتقين بإعادة العامل. ثانيهما: أن يكون منصوباً بقول مضمر ذلك القول منصوب على الحال أي مقولاً لهم. وقرأ ابن كثير: بالياء على الغيبة. والباقون: بالتاء على الخطاب ونسب أبو حيان قراءة الياء لابن كثير ولأبي عمرو وإنما هي لابن كثير فقط. وقال سعيد بن المسيب: الأوّاب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبيّ ومجاهد هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال ابن عباس رضى الله عنهما وعطاء: هو المسبح من قوله تعالى ﴿يا جبال أوّبي معه﴾ (سبأ: ١٠) وقال قتادة: هو المصلي. وقوله تعالى ﴿حفيظ﴾ اختلف فيه. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أيضاً: الحفيظ لأمر الله. وقال قتادة: الحفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه. والأوّاب والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ ثم أبدل من كلٍ تنميماً لبيان المتقين قوله تعالى: ﴿من خشي﴾ أي: خاف ونبه على كثرة خشيته بقوله تعالى: ﴿الرحمن﴾ لأنه إذا خافه مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى وقال القشيري: التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع، قال: ولذلك لم يقل الجبار أو القهار. ويقال الخشية ألطف من الخوف فكأنها قريبة من الهيبة وقوله تعالى: ﴿بالغيب﴾ حال أي غائباً عنه فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما. وقيل الباء للمصاحبة أي مصاحب له من غير أن يطلب آية أو أمراً يصير به إلى حد المكاشفة بل استغنى بالبراهين القطيعة التي منها أنه مربوب وهو أيضاً بيان لبليغ خشيته ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشى أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب ومعنى الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. وقال الحسن: إذا أرخى الستور وأغلق الباب. وقوله تعالى ﴿وجاء﴾ أي: بعد الموت ﴿بقلب منيب﴾ أي: راجع إلى الله تعالى صفة مدح لأنّ شأن الخائف أن يهرب فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه

стр. 2022

لا ينجي الفرار منه والباء في ﴿بقلب﴾ إما للتعدية وإما للمصاحبة وإما للسببية، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى: ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ (الصافات: ٨٤) من الشرك والضمير في قوله تعالى. ﴿ادخلوها﴾ عائد إلى الجنة وقوله تعالى: ﴿بسلام﴾ حال من فاعل ادخلوها أي سالمين من العذاب والهموم فهي حال مقارنة أو بسلام من الله تعالى وملائكته عليهم فهي حال مقدرة كقوله تعالى ﴿فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٣) كذا قيل. قال ابن عادل: وفيه نظر إذ لا مانع من مقارنة تسليم الملائكة عليهم حال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد الدخول ﴿ذلك﴾ أي: اليوم الذي حصل فيه الدخول ﴿يوم الخلود﴾ أي: الدوام في الجنة الذي لا آخر له ولا نفاد لشيء من لذاته أصلاً ولذلك وصل به قوله تعالى جواباً لمن قال على أيّ وجه خلودهم. ﴿لهم﴾ بظواهرهم وبواطنهم ﴿ما يشاؤون﴾ أي: تتجدد مشيئتهم أو يمكن مشيئتهم له ﴿فيها﴾ أي: الجنة ﴿ولدينا﴾ أي: عندنا من الأمور التي هي في غاية الغرابة عندهم وإن كان كل ما عندهم مستغرباً ﴿مزيد﴾ أي: مما لا يدخل تحت أوهامهم ليشاؤوه فإن شياق الامتنان يدل على أنّ تنوينه للتعظيم والتعبير ب ﴿لدي﴾ يؤكد ذلك فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال: ﴿ادخلوها بسلام﴾ على المخاطبة ثم قال لهم ولم يقل لكم أجيب: من وجوه أولها: أن قوله تعالى: ﴿ادخلوها﴾ فيه مقدر أي فيقال لهم ادخلوها فلا يكون التفاتاً. ثانيها: أنه التفات والحكمة الجمع بين الطرفين كأنه تعالى يقول غير مخلّ بهم في غيبتهم وحضورهم ففي حضورهم الحبور في غيبتهم الحور والقصور. ثالثها: أنه يجوز أن يكون قوله تعالى لهم كلاماً مع الملائكة يقول للملائكة توكلوا بخدمتهم واعلموا أنّ لهم ما يشاءون فيها فأحضروا بين أيديهم ما يشاؤون وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا تقدرون أنتم عليه. والمزيد يحتمل أن يكون معناه الزيادة كقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس: ٢٦) ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول أي عندنا ما نزيده على ما يرجون ويأملون. قال أنس وجابر: وهو النظر إلى وجه الله الكريم. قيل يتجلى لهم الرب ﵎ في كل ليلة جمعة في دار كرامته فهذا هو المزيد. ولما ذكر تعالى أوّ ل السورة تكذيب الأمم السابقة ذكر هنا إهلاك قرون ماضية. بقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿قبلهم من قرن﴾ أي: جيل هم في غاية القوة وزاد في بيان القوّة قوله تعالى: ﴿هم أشدّ منهم﴾ أي: من قريش ﴿بطشاً﴾ أي: قوّة وأخذاً لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدّة. تنبيه: كم منصوب بما بعده وقدم إما لأنه استفهام وإما لأن كم الخبرية تجري مجرى كم الاستفهامية في التصدير ومن قرن تمييز هم أشد صفة إمّا لكم وإما لقرن والفاء في قوله تعالى: ﴿فنقبوا﴾ عاطفة على المعنى كأنه قيل اشتدّ بطشهم فنقبوا: ﴿في البلاد﴾ والضمير في نقبوا ما للقرن المتقدّم وهو الظاهر وإما لقريش والتنقيب التنقير والتفتيش ومعناه التطواف في البلاد قال الحارث بن حلزة: *نقبوا في البلاد من حذر المو ... ت وجالوا في الأرض كل مجال* وقال امرؤ القيس: *وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب*

стр. 2023

ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم توجه سؤال تنبيه للغافل الذاهل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله تعالى ﴿هل من محيص﴾ أي: معدل ومحيد ومهرب وإن دق من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في ردّ أمرنا. ﴿إن في ذلك﴾ أي: فيما ذكر في هذه السورة من الأساليب العجيبة والطرق الغريبة ﴿لذكري﴾ أي: تذكيراً عظيماً جدّاً ﴿لمن كان﴾ أي: كوناً عظيماً ﴿له قلب﴾ أي عقل في غاية العظمة فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتبر به ومن لم يكن كذلك فلا قلب له سليم بل له قلب لاه ﴿أو ألقى السمع﴾ أي: استمع الوعظ بغاية إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه في حال إلقائه ﴿شهيد﴾ أي: حاضر بكليته فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه فيتذكر وعطف على قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها ﴿السموات والأرض﴾ أي: على ما هما عليه من الكبر وكثرة المنافع ﴿وما بينهما﴾ من الأمور التي لا ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها ﴿في ستة أيام﴾ الأرض في يومين. ومنافعها في يومين والسموات في يومين ولو شاء لكان ذلك في أقل من لمح البصر ولكنه تعالى سنّ لنا التأنّي بذلك ﴿وما مسنا﴾ لأجل مالنا من العظمة أدنى مس. وعمم في النفي فقال تعالى: ﴿من لغوب﴾ أي: إعياء فإنه لو كان لاقتضى ضعفاً فاقتضى فساداً فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه فكأن تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرّف. ﴿فاصبر﴾ يا أشرف الخلق ﴿على ما يقولون﴾ أي: اليهود وغيرهم من إنكار البعث والتشبيه وغير ذلك فإنّ من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على البعث وغيره ﴿وسبح﴾ أي: أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي: بإثبات الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه البراهين التي خصك بها مفضلاً لك على جميع الخلق وقوله تعالى: ﴿قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ إشارة إلى طرفي النهار. وقوله تعالى: ﴿ومن الليل فسبحه﴾ إشارة إلى زلفى من الليل وتقريره أنه ﷺ كان مشتغلاً بأمرين أحدهما عبادة الله تعالى والثاني هداية الخلق فإذا لم يهتدوا قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة قبل الطلوع وقبل الغروب، لأنهما وقتا اجتماعهم ويكون المراد بقوله تعالى: ومن الليل أوّله لأنه أيضاً وقت اجتماعهم وقال أكثر المفسرين قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان والتهجد ﴿وأدبار السجود﴾ التنقل بعد المكتوبات وقيل: الوتر بعد العشاء وقال مجاهد ومن الليل: يعني صلاة الليل أيّ وقت صلى. وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بكسر الهمزة على أنه مصدر قام مقام ظرف الزمان كقولهم آتيك خفوق النجم وخلافة الحجاج ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انقضائها وتمامها والباقون بالفتح جمع دبر وهو آخر الليل وعقبها ومنه قول أوس: *على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع*

стр. 2024

ولم يختلفوا في وأدبار النجوم وقوله تعالى: وأدبار معطوف إما على قبل الغروب وإما على من الليل وقال عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب ﵄: إدبار السجود الركعتان بعد صلاة المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر وهي رواية العوفيّ عن ابن عباس ﵄ وروي عنه مرفوعاً. قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين عن عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح» وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» يعني بذلك سنة الفجر وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه «ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» وعن مجاهد وأدبار السجود: هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات. وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين فذاك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» وعنه أيضاً «أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم فقال ﷺ وما ذاك فقالوا: صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون به من قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد مثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون في دبر كل صلاة عشراً وتحمدون عشراً وتكبرون عشراً» . وقوله تعالى: ﴿واستمع﴾ أي: لما أخبرك به من أحوال القيامة فيه تهويل وتعظيم للمخبر به والمحدّث عنه. كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل «يا معاذ اسمع ما أقول ثم حدّثه بعد ذلك» وقوله تعالى ﴿يوم﴾ ظرف لاستمع أي استمع ذلك في يوم ﴿ينادي المنادي﴾ أي: إسرافيل يقف على صخرة ببيت المقدس فينادي بالحشر فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: المنادي جبريل ﴿من مكان قريب﴾ بحيث يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب يكونون في السماع سواء، لا تفاوت بينهم أصلاً. واختلف في ذلك المكان القريب. فأكثر المفسرين: أنه صخرة بيت المقدس فإنها أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية. وقوله تعالى: ﴿يوم يسمعون الصيحة﴾ بدل من يوم ينادي والصيحة النفخة الثانية وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ حال من الصحية أي متلبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون ملتبسين بسماع حق ﴿ذلك﴾ أي: اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين الجدّ ﴿يوم الخروج﴾ أي: الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى المحشر وهو من أسماء يوم القيامة. ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نحن﴾ أي: خاصة ﴿نحيي ونميت﴾ أي: نجدد ذلك شيئاً بعد شيء سنة مستقرّة

стр. 2025

وعادة مستمرّة كما تشاهدونه فقد كان منا بالإحياء الأوّل المبدأ ﴿وإلينا﴾ أي: خاصة بالإماتة ثم الأحياء ﴿المصير﴾ أي: في الآخرة. وقيل تقديره نميت في الدنيا ونحيي في الآخرة للبعث. وإلينا المصير بعد البعث وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ يدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض. وقرأ ﴿تشقق الأرض﴾ نافع وابن كثير وابن عامر بتشديد الشين والباقون بالتخفيف ﴿عنهم﴾ أي: مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء حال كونهم ﴿سراعاً﴾ أي: إجابة منادينا وهو جمع سريع وأشار إلى عظمة الأمر بقوله تعالى ﴿ذلك﴾ أي: الإخراج العظيم جدّاً ﴿حشر﴾ أي: جمع بكره وزاد في بيان عظمة هذا الأمر بدلالته على اختصاصه بتقدم الجار فقال تعالى: ﴿علينا﴾ أي: خاصة ﴿يسير﴾ فكيف يتوقف فيه عاقل فضلاً عن أن ينكره وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك بوجه. تنبيه: علينا متعلق بيسير ففصل بمعمول الصفة بينها وبين موصوفها ولا يضرّ ذلك. وقال الزمخشريّ: التقديم للاختصاص وهو ما أشرت إليه أي لا يتيسر ذلك إلا على الله تعالى وحده وهو إعادة جواب قولهم ذلك رجع بعيد. وقوله تعالى: ﴿نحن أعلم﴾ أي: عالمون ﴿بما يقولون﴾ أي: في الحال والاستقبال من التكذيب بالبعث وغيره تسلية النبي ﷺ وتهديد لهم ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ أي: بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما أنت منذر وقد فعلت ما أمرت به ونحن القادرون على ردهم بما لنا من العلم المحيط وهذا قبل الأمر بالقتال ﴿فذكر﴾ أي: بطريق البشارة والنذارة ﴿بالقرآن﴾ أي: الجامع بمجده لكل خير المحيط بكل صلاح ﴿من يخاف وعيد﴾ فإنه لا ينتفع به غيره وهم المؤمنون. وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الدال وصلاً لا وقفاً وحذفها الباقون وصلا ووقفاً وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال «من قرأ سورة ق هوّن الله عليه ثأرات الموت وسكراته» حديث موضوع وثأرات الموت بمثلثة وهمزة مفتوحة أهواله. سورة الذاريات مكية وهي ستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف ومائتان وتسعة وثمانون حرفاً ﴿بسم الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال فهو لا يخلف الميعاد ﴿الرحمن﴾ الذي عم الخلائق بنعمة الإيجاد ﴿الرحيم﴾ الذي خص من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من المراد ولما ختم الله ق بالتذكير بالوعيد افتتح هذا بالقسم البالغ على صدقه، فقال عز من قائل مناسباً بين القسم والمقسم عليه. ﴿والذاريات﴾ أي: الرياح تذرو التراب وغيره، وقيل: النساء الوالدات، فإنهنّ يذرين الأولاد، وقوله تعالى ﴿ذروا﴾ منصوب على المصدر المؤكد والعامل فيه فرعه وهو اسم الفاعل والمفعول محذوف اقتصاراً، يقال: ذرت الريح التراب وأذرته. ﴿فالحاملات﴾ أي: السحب تحمل الماء وقيل: الرياح الحاملة للسحاب وقيل النساء الحوامل وقوله تعالى: ﴿وقراً﴾ أي: ثقلاً مفعول به بالحاملات كما يقال حمل فلان عدلاً ثقيلاً، قال الرازي: ويحتمل أن يكون اسماً أقيم مقام المصدر كقوله: ضربته سوطاً. ﴿فالجاريات﴾ أي: السفن، وقيل: الرياح الجارية

стр. 2026

في مهابها، وقيل الكواكب التي تجري في منازلها، وقوله تعالى: ﴿يسراً﴾ أي: بسهولة، مصدر في موضع الحال أي ميسرة. ﴿فالمقسّمات﴾ أي الملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد وقوله تعالى: ﴿أمراً﴾ يجوز أن يكون مفعولاً به كقولك: فلان قسم الرزق أو المال، وأن يكون حالاً، أي: مأمورة، وهذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به، قال الزمخشريّ: ويجوز أن يراد الرياح وحدها؛ لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً، وعلى هذا يكون من عطف الصفات والمراد واحد فتكون الفاء على هذا لترتيب الأمور في الوجود وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر: سلوني، قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي فقام ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟ قال: الرياح، قال: فالحاملات وقراً قال: السحاب، قال: فالجاريات يسراً، قال: الفلك قال: فالمقسمات أمراً، قال: الملائكة وكذا عن ابن عباس وعن الحسن المقسمات السحاب يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد الرياح لا غير، لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. فإن قيل: إن كان وقراً مفعولاً فلم لم يجمع؟ وقيل: أوقاراً أجيب بأن جماعة من الرياح قد تحمل وقراً واحداً وكذا القول في المقسمات أمراً إذا قيل إنه مفعول به لأنّ جماعة من الملائكة قد تجتمع على أمر واحد. فائدة: أقسم الله تعالى بجمع السلامة المؤنث في خمس سور ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورة أصلاً فلم يقل والصالحين من عبادي ولا المقربين إلى غير ذلك مع أنّ المذكر أشرف لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل ولما كانوا يكذبون بالوعيد أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال تعالى: ﴿إنّ ما توعدون لصادق﴾ أي مطابق الإخبار به للواقع وسترون مطابقته له. تنبيه: ما يجوز أن تكون إسمية وعائدها محذوف أي توعدونه وأن تكون مصدرية فلا عائد على المشهور وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنياً من الوعد وأن يكون مبنياً من الوعيد، لأنه يصلح أن يقال أوعدته فهو يوعد ووعدته فهو يوعد لا يختلف فالتقدير: إن وعدكم أوان وعيدكم ﴿وإن الدين﴾ أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث ﴿لواقع﴾ لا بدّ منه وإن أنكرتم. ﴿والسماء ذات الحبك﴾ قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد ما أحسن حبكه، وقال سعيد بن جبير: ذات الزينة، أي: المزينة بزينة الكواكب، قال الحسن: حبكتها النجوم وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطريق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد وهو آثار تثنيه وتكسره قال زهير: *مكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك* والحبك يحتمل أن يكون مفرده حبيكة كطريقة وطرق أو حباك نحو حمار وحمر قال الشاعر: *كأنما جللها الحوّاك ... ظننته في وشيها حباك* وأصل الحبك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدرع: محبوكة. وجواب القسم ﴿إنكم﴾ يا معشر

стр. 2027

قريش ﴿لفي قول﴾ محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق ﴿مختلف﴾ فتقولون في القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد ﷺ ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكاذب. ﴿يؤفك﴾ أي يصرف ﴿عنه﴾ أي عن النبيّ ﷺ أو القرآن أي عن الإيمان بذلك ﴿من أفك﴾ أي صرف عن الهداية في علم الله تعالى ومعناه حينئذ الذم، وقيل: إنه مدح للمؤمنين ومعناه يصرف عن القول المختلف من يصرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي. ﴿قتل﴾ أي لعن ﴿الخراصون﴾ أي الكذابون وهم الذين لا يجزمون بأمر بل هم شاكون متحيرون وهم أصحاب القول المختلف. ثم وصفهم الله تعالى فقال تعالى: ﴿الذين هم﴾ أي خاصة ﴿في غمرة﴾ أي جهل يغمرهم ﴿ساهون﴾ أي غريقون في السهو وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب إلى غير ما يهمه، ففاعل ذلك ذو ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة كربه. ﴿يسألون﴾ النبيّ استهزاءً ﴿أيان﴾ أي متى وأي حين ﴿يوم الدين﴾ أي وقوع الجزاء الذي تخبرنا به ولولا أنهم بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم أنه ليس أحد منهم يترك عبيده وإجراءه في عمل من الأعمال إلا وهو يحاسبهم على أعمالهم، وينظر قطعاً في أحوالهم ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم فكيف الظن بأحكم الحاكمين أن يترك عبيده الذين خلقهم على هذا النظام المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين وهيأ لأجلهم فيهما كل ما يحتاجون إليه فيتركهم سدى ويوجدهم عبثاً؟. وقوله تعالى: ﴿يوم هم﴾ منصوب بمضمر، أي: الجزاء كائن يوم هم ﴿على النار يفتنون﴾ أي يعذبون فيها جواب لسؤالهم أيان يوم الدين، وقال الرازي يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون جواباً عن قولهم أيان يقع فكما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب للعلم، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين، بل قال ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأوّل، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى، فلو قال قائل: متى يقدم زيد فلو أجيب بقوله: يوم يقدم رفيقه، ولا يعلم يوم قدوم الرفيق لم يصح هذا الجواب. ثانيهما: أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه في قوله تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ أي تعذيبكم فإن قيل: هذا يفضي إلى الإضمار أجيب: بأن الإضمار لا بدّ منه لأنّ قوله تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ لا يتصل بما قبله إلا بإضمار يقال ﴿هذا﴾ أي العذاب الملون ﴿الذي كنتم به تستعجلون﴾ في الدنيا استهزاء. ولما بين تعالى حال المجرمين بين بعده حال المتقين فقال تعالى: ﴿إن المتقين﴾ أي الذين كانت التقوى لهم وصفاً ثابتاً ﴿في جنات﴾ أي بساتين عظيمة تجن داخلها أي تستره من كثرة ظلالها لكثرة أشجارها وعظمها ﴿وعيون﴾ جارية في خلال الجنان. تنبيه: المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك وأعلاها أن يتقي الدنيا والآخرة، وأدنى درجات المتقي الجنة فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائيّ بكسر العين والباقون بالضم. وقوله تعالى: ﴿آخذين﴾ حال من الضمير في خبر إن. وقوله تعالى: ﴿وما آتاهم ربهم﴾ أي المحسن إليهم المدبر لهم بتمام علمه وشامل قدرته إن كان مما في الجنة فتكون حالاً حقيقية وإن كان مما آتاهم من أمره ونهيه في الدنيا فتكون حالاً محكية لاختلاف الزمانين. تنبيه: اعلم أن الله تعالى وحد الجنة

стр. 2028

تارة قال تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ (الرعد: ٣٥) وأخرى جمعها كقوله تعالى هنا: ﴿إنّ المتقين في جنات﴾ وتارة ثناها قال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرحمن: ٤٦) والحكمة فيه أنّ الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فإنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنات لا يحصرها عدد وأما تثنيتها فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في سورة الرحمن وهو قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرحمن: ٤٦) فقيل: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته، وقيل جنة لخائف الإنس وجنة لخائف الجن فيكون من باب التوزيع قال الرازي: غير أنا نقول ههنا إنّ الله تعالى عند الوعد وحد الجنة وكذلك عند الشراء فقال تعالى ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة: ١١١) وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجنات ثم يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود. ومعنى آخذين: قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له وقيل: قابلين قبول رضا كقوله تعالى ﴿ويأخذ الصدقات﴾ (التوبة: ١٠٤) أي يقبلها قاله الزمخشريّ وقوله تعالى: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ إشارة إلى أنهم أخذوها بثمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة وإما لإيتاء الله تعالى وإمّا ليوم الدين والإحسان يكون في معاملة الخالق والخلائق وقيل: هو قول لا إله إلا الله ولهذا قيل. في معنى كلمة التقوى: إنها لا إله إلا الله وفي قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ (فصلت: ٣٣) وقوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (الرحمن: ٦٠) هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. ثم فسر إحسانهم معبراً عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله تعالى: ﴿كانوا﴾ أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعين فيه ﴿قليلاً من الليل﴾ الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات ﴿ما يهجعون﴾ أي يفعلون الهجوع وهو النوع الخفيف القليل بالليل فما ظنك بما فوقه فما مزيدة ويهجعون خبر كان وقليلاً ظرف أي: ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره، وقال ابن عباس ﵁ كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أوّلها أو من وسطها، وعن أنس بن مالك كانوا يصلون من المغرب إلى العشاء، وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة، وقال مطرف بن عبد الله: قلّ ليلة أتت عليهم هجوعاً كلها وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. ووقف بعضهم على قليلاً ليؤاخي بها قوله تعالى ﴿وقليل ما هم﴾ (ص: ٢٤) و ﴿قليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ: ١٣) ويبتدئ من الليل ما يهجعون أي ما يهجعون من الليل والمعنى: كانوا من الناس قليلاً ثم ابتدأ فقال: ما يهجعون من الليل وجعله جحداً أي لا ينامون بالليل البتة بل يقومون للصلاة والعبادة وهو قول الضحاك ومقاتل، وقيل: إنّ ما بمعنى الذي وعائدها محذوف تقديره: كانوا قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعونه وهذا فيه تكلف ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصراً. قال تعالى دالاً على ذلك وعلى أن تهجدهم متصل بآخر الليل. ﴿وبالأسحار﴾ قال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل ﴿هم﴾ أي: دائماً بظواهرهم وبواطنهم ﴿يستغفرون﴾ أي: يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد ﷺ «لا أحصي ثناء

стр. 2029

عليك» وإبراز الضمير دلّ على أنّ غيرهم لو فعل هذا ليلة لا عجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه، وعلى أنّ استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظنّ أنهم أحق بالتذلل من المصرّين على المعاصي، فإنّ استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ماله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه تعالى لا يقدر حق قدره. تنبيه: بالأسحار متعلق بيستغفرون والباء بمعنى في وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل. وقال الكلبي ومجاهد: بالأسحار يصلون وذلك أنّ صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة روى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى السماء كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول أنا الملك أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه من الذي يستغفرني فأغفر له» وهذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان: أحدهما: وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمّر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل وترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب سبحانه عن صفات الأجسام. المذهب الثاني: وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أنّ الصعود والنزول من صفات الأجسام فالله تعالى منزه عن ذلك فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة والألطاف الإلهية والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل، لأنّ ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس وعن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهمّ لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت» وزاد في رواية «وما أنت أعلم به مني أنت المقدّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك» زاد النسائي «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . ولما ذكر تعالى معاملتهم للخالق أتبعه المعاملة للخلائق تكميلاً لحقيقة الإحسان فقال تعالى: ﴿وفي أموالهم﴾ أي كل أصنافها ﴿حق﴾ أي نصيب ثابت ﴿للسائل﴾ أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف ﴿والمحروم﴾ وهو المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس ولا يُفطن له ليُتصدّق عليه وهذه صفة أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم، فالمحسنون يعرفون صاحب الوصف لما لهم من ناقد البصيرة ولله تعالى بهم العناية، وقدم السائل لأنه يعرف بسؤاله أو يكون إشارة إلى كثرة العطاء فيعطي السؤال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلاً ومسؤولاً. وقيل قدّم السائل لتجانس رؤوس الآي. وقيل: السائل هو الآدمي، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة قال ﷺ «في كل كبد حراء أجر» وهذا ترتيب حسن لأنّ الآدمي مقدّم على البهائم، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب: السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهم ولا يجري عليه من الفيء شيء، وقال قتادة والزهري: المحروم

стр. 2030

المتعفف الذي لا يسأل الناس وقال زيد بن أسلم: المحروم هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته وهو قول محمد بن كعب القرظي قال: المحروم صاحب الجائحة ثم قرأ ﴿إنا لمغرومون بل نحن محرومون﴾ (الواقعة: ٦٦ ـ ٦٧) ﴿وفي الأرض﴾ أي من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها ﴿آيات﴾ أي دلالات على قدرة الله تعالى ووحدانيته ﴿للموقنين﴾ أي الذين صار الإيقان لهم غريزة ثابتة فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها قال القشيري: من الآيات فيها أنها تحمل كل شيء، فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحداً أو تبرم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الخلق بعين التفرقة، وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومن الآيات فيها أنه يلقي عليها كل قذر وقمامة فتنبت كل زهر ونور فكذلك العارف بتشرّب ما يسقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل خلق حسن عليّ وشيمة زكية. ﴿وفي أنفسكم﴾ آيات أيضاً من مبدإ خلقكم إلى منتهاه، وما في تركيب خلقكم من العجائب ﴿أفلا تبصرون﴾ أي: بأبصاركم وبصائركم فتتأمّلوا ما في ذلك من الآيات فمن تأمّلها علم أنه عبد، ومتى علم ذلك علم أن له ربّاً غير محتاج إلى أحد. ﴿وفي السماء﴾ أي: جهة العلو ﴿رزقكم﴾ بما يأتي من المطر والرياح والحرّ والبرد وغير ذلك مما رتبه لمنافع العباد، وقال ابن عباس يعني بالرزق المطر لأنه سبب الأرزاق، وقيل: في السماء رزقكم مكتوب وقيل تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت ﴿وما توعدون﴾ قال عطاء: من الثواب والعقاب وقال مجاهد: من الخير والشرّ وقال الضحاك: من الجنة والنار. ثم أقسم بنفسه فقال عز من قائل: ﴿فوربّ﴾ أي: مبدع ومدبر ﴿السماء والأرض﴾ أي: وما أودع فيهما مما علمتموه وما لم تعلموه ﴿إنه﴾ أي: الذي توعدونه من الخير والشرّ والجنة والنار وما ذكر من أمر الرزق وما تقدّم الإقسام عليه ﴿لحق﴾ أي ثبات يطابقه الواقع ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ أي مثل نطقكم كما أنه لا شك في أنكم تنطقون ينبغي لكم أن لا تشكوا في تحقيق ذلك وقال بعض الحكماء: معناه أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكن أن ينطق بلسان غيره، كذلك كل أحد يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره وأنشدوا في المعنى: *ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكون* *سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة مكمد مغبون* وقيل: معناه إنّ القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما تتكلمون، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة برفع اللام على أنه نعت لحق، وما مزيدة وأنكم مضاف إليه أي لحق مثل نطقكم ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة لأنها لا تتعرف بذلك لإبهامها، والباقون بالنصب على أنه نعت لحق أيضاً كما في القراءة الأولى: وإنما بنى الاسم لإضافته إلى غير ممكن كما بناه القائل في قوله: *فتداعى منخراه بدم ... مثل ما أثمر حماض الجبل* يفتح مثل مع أنها نعت لدم وقيل أنها نعت لمصدر محذوف أي لحق حقاً مثل نطقكم. وقوله

стр. 2031

تعالى: ﴿هل أتاك﴾ أي يا أكمل الخلق ﴿حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ تسلية للنبيّ ﷺ وتبشير له بالفرج وسماهم ضيفاً؛ لأنه حسبهم كذلك ويقع على الواحد والجمع لأنه مصدر، وسماهم مكرمين عند الله تعالى، أو لأنّ إبراهيم ﵇ أكرمهم بأن عجل قراهم وأجلسهم في أكرم المواضع واختيار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبيّ ﷺ مأموراً بأن يتبع ملته وكان إبراهيم ﵇ أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لأنّ إبراهيم ﵇ خدمهم بنفسه، وعن ابن عباس سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين، وقال ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» . فإن قيل: إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية الضيافة؟ أجيب: بأنّ في ذلك إشارة إلى أنّ الفرج في حق الأنبياء والبلاء على الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا كقوله تعالى: ﴿فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ (الزمر: ٢٥) فلم يكن عند إبراهيم ﵇ خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته قال القشيري: وقيل كان عددهم اثني عشر ملكاً وقيل: جبريل ﵇ وكان معه تسعة وقيل: كانوا ثلاثة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها. ﴿إذ﴾ أي حديثهم حين ﴿دخلوا عليه﴾ أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية الضيوف، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند الدال والباقون بالإدغام. تنبيه: اختلف في العامل في إذ على أربعة أوجه: أحدها: أنه حديث أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. ثانيها: أنه منصوب بما في ضيف من معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر ولذلك استوى فيه الواحد المذكر وغيره، كأنه قيل: الذين أضافهم في وقت دخولهم عليه. ثالثها: أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم ﵇ أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول: أكرموا إذ دخلوا. رابعها: أنه منصوب بإضمار اذكر، ولا يجوز نصبه بأتاك لاختلاف الزمانين. فإن قيل: إنما أرسلوا إلى قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم ﵇؟ أجيب من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم ﵇ شيخ المرسلين ولوط من قومه، وعادة الملك إذا أرسل رسولاً لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له: اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. ثانيهما: أن إبراهيم ﵇ كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمّة عظيمة، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم ﵇ شفقة منه على العباد، فقال لهم: بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف من هلك ويكون من صلبه فروع الأنبياء ﵈ ﴿فقالوا سلاماً﴾ أي هذا اللفظ. ﴿قال سلامٌ﴾ أي: هذا اللفظ، والمشهور أنّ السلام الأوّل المراد به التحية أن نسلم سلاماً، وقيل: إن سلاماً معناه حسناً؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو ويأثم، فكأنهم قالوا قولاً حسناً سليماً من الإثم فيكون مفعولاً به، لأنه في معنى القول، وأمّا رفع الثاني فالمشهور أنه التحية فهو مبتدأ وخبره محذوف أي عليكم، وقيل: إنه السلامة، أي: أمري سلام لأني لا أعرفكم، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام والباقون بفتح السين واللام وألف بعدها والمعنى واحد.

стр. 2032

وقوله تعالى: ﴿قوم منكرون﴾ أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ابن عباس خبر مبتدأ مقدّر أي هؤلاء. وقيل: إنما أنكر أمرهم؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان وقال أبو العالية: أنكر إسلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. ﴿فراغ﴾ أي ذهب في خفية من ضيفه، فإنّ من آداب المضيف أن يبادر بالقرى حذراً من أن يكفه الضيف أو يصير منتظراً ﴿إلى أهله﴾ أي الذين عندهم بقرة ﴿فجاء بعجل﴾ أي فتى من أولاد البقر لأنه كان عامة ماله البقر ﴿سمين﴾ قد شواه وأنضجه كما قال تعالى في سورة هود ﴿حنيذ﴾ (هود: ٦٦) أي: مشوي. ﴿فقرّبه إليهم﴾ بأن وضعه بين أيديهم ليأكلوا فلم يأكلوا ﴿قال ألا تأكلون﴾ والهمزة إمّا للإنكار عليهم في عدم أكلهم، وإمّا للعرض وإمّا للتحضيض فلم يجيبوا. ﴿فأوجس﴾ أي أضمر في نفسه ﴿منهم خيفة﴾ لما رأى إعراضهم على طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشرّ. وقيل: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا بعذاب فلما عرفوا منه ذلك ﴿قالوا﴾ مؤنسين له ﴿لا تخف﴾ وأعلموه أنهم رسل الله ﴿وبشروه بغلام﴾ يأتيه على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السنّ بعد عقمها وهو إسحاق ﵇ ﴿عليم﴾ أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه، فإنّ جميع الأنبياء بعده من ذريته إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من ذرية إسماعيل ﵇. تنبيه: ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف ولقاءه بالوجه الحسن والمبالغة في الإكرام بقوله سلام وهو آكد وسلامهم بالمصدر في قوله سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم، لأنّ الامتناع من الطعام يدل على العداوة، والغدر لا يليق بالأنبياء فقال: سلام أي امرئ مسالمة ثم فيها من آداب المضيف تعجيل الضيافة فإنّ الفاء في قوله فراغ تدل على التعقيب وإخفائها. لأن الروغان يقتضي الإخفاء وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح ويأتي بما يمنعه الحياء منه ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله سمين، ويقدّم الطعام للضيف في مكانه ولا ينقل الضيف للطعام لقوله قربه إليهم، ويعرض الأكل عليه ولا يأمره لقوله تعالى ﴿قال ألا تأكلون﴾ ولم يقل كلوا وسروره بأكله لا كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاماً كثيراً، ويجعل نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه لقوله تعالى: ﴿فأوجس منهم خيفة﴾ لعدم أكلهم. ومن آداب الضيف إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرّاً به أو يكون ضعيف القوّة عن هضم ذلك الطعام أن لا يقول هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل يأتي بعبارة حسنة ويقول: فيّ مانع من أكل الطعام لأنهم أجابوه بقولهم ﴿لا تخف﴾ ولم يذكروا في الطعام شيئاً ولا أنه يضر بهم بل بشروه بالولد إشعاراً بأنهم ملائكة وبشروه بالأشرف وهو الذكر، حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال؛ لأنّ العلم أشرف الصفات ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسرّه دفعة واحدة لأنه يورث مرضاً لأنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم ثم قالوا نبشرك فإن قيل: قال تعالى في سورة هود ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ (هود: ٧٠) فدل على أنّ إنكاره، حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال ﴿فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ ثم قال ﴿فراغ إلى أهله﴾ بفاء التعقيب وذلك يدل على أنّ تقريب الطعام منهم

стр. 2033

بعد حصول إنكاره فما وجهه؟ أجيب بأن يقال لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة ولذلك قال ﴿قوم منكرون﴾ أي عند كل أحد واشترك إبراهيم ﵇ وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتم بل قال: أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا، ثم لما امتنعوا من الطعام تأكد الإنكار لأنّ إبراهيم تفرّد بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأوّل وحكاية الحال في سورة هود أبسط مما ذكره ههنا، فإنه هنا لم يبين المبشر به وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إنّ القوم قوم من، وهناك قال: قوم لوط. ولما كانا بعيدين عن قبول الولد تسبب عن ذلك قوله تعالى دالاً على أنّ الولد إسحاق مع الدلالة على أنّ خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات. ﴿فأقبلت﴾ أي: من سماع هذا الكلام ﴿امرأته﴾ سارة قيل: لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان بل كانت في البيت، فهو كقول القائل: أقبل يفعل كذا إذا أخذ فيه وقوله تعالى: ﴿في صرّة﴾ أي: صيحة حال، أي: جاءت صائحة لأنها قد امتلأت عجباً ﴿فصكت﴾ قال ابن عباس: لطمت ﴿وجهها﴾ واختلف في صفته فقيل: هو الضرب باليد مبسوطة وقيل: هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب، وهي عادة النساء إذا أنكرن شيئاً، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. وقيل: جمعت أصابعها وضربت جبهتها عجباً وذاك من عادة النساء أيضاً إذا أنكرن شيئاً ﴿وقالت﴾ تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أو من غيرها ﴿عجوز﴾ قال القشيري: قيل إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة ومع ذلك ﴿عقيم﴾ فهي حال شبابها لم تكن تقبل الحبل فلم تلد قط. ولما قالت ذلك قالوا مجيبين لها. ﴿قالوا كذلك﴾ أي مثل ما قلنا من هذه البشرى العظيمة ﴿قال ربك﴾ أي المحسن إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله ﷺ ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿الحكيم﴾ أي: الذي يضع الأشياء في أحق مواضعها ﴿العليم﴾ المحيط العلم، فهو لذلك لا يعجزه شيء. ثم بين ما كان من حال إبراهيم وحال الملائكة بعد ذلك بقوله تعالى. ﴿قال﴾ أي إبراهيم ﵇ مسبباً عما رأى من حالهم وأنّ اجتماع الملائكة على تلك الحالة لم يكن لهذه البشارة فقط ﴿فما خطبكم﴾ أي: خبركم العظيم ﴿أيها المرسلون﴾ أي لأمر عظيم وهذا أيضاً من آداب المضيف إذا بادر الضيف بالخروج قال له: ما هذه العجلة وما شأنك لأنّ في سكوته ما يوهم اشتغاله، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسرّ عن الصديق شيئاً وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم ﵇ على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق ﵇. فإن قيل: فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال: ما هذا الاستعجال وما خطبكم المعجل لكم. أجيب: بأنه لما أوجس منهم خيفة لو خرجوا من غير بشارة وإيناس فلما آنسوه قال: فما خطبكم، أي: بعد هذا الأنس العظيم ما هذا الإ يحاش الأليم. ﴿قالوا﴾ قاطعين بالتأكيد بأنّ مضمون خبرهم حتم لا بدّ منه ولا مدخل للشفاعة فيه ﴿إنا أرسلنا﴾ أي: بإرسال من تعلم ﴿إلى قوم مجرمين﴾ أي: هم في غاية القوّة على ما يحاولونه، وقد صرفوا ما أنعم الله تعالى به عليهم من القوّة في قطع ما يحق وصله، ووصل ما يحق قطعه يعنون قوم لوط. ﴿لنرسل عليهم﴾ أي: من السماء التي فيها

стр. 2034

ما وعد العباد به وتوعدوا ﴿حجارةً من طين﴾ أي: مهيأ للإحراق والاحتراق. ﴿مسوّمة﴾ أي: معلمة بعلامة العذاب المخصوص عليها اسم من يرمي بها وقوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ أي: المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها ظرف المسوّمة، أي: معلمة عنده ﴿للمسرفين﴾ أي: المتجاوزين الحدود غير قانعين بما أبيح لهم فالمسرف المتمادي ولو في الصغائر، فهم مجرمون أي: مسرفون. والمجرم قال ابن عباس: هو المشرك لأنّ الشرك أعظم الذنوب. وهنا لطيفة: وهي أنّ الحجارة سوّمت للمصرّ المسرف الذي لا يترك الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى فلذلك قال ﴿عند ربك للمسرفين﴾ . ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا ﴿إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ واللام في المسرفين لتعريف العهد أي لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوّمة، وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين وفي هذا دليل على رجم اللائط، والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي فيه الواحد منهم إذ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما أهلك النمروذ بالبعوض، وكما أهلك فرعون بالقمل والجراد بل بالريح التي بها الحياة إظهاراً للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهاراً لعظيم قدرته. تنبيه: قوله تعالى: ﴿من طين﴾ أي ليس من البرد والفاعل لذلك هو الله تعالى لا كما تقول الحكماء فإنهم يقولون: إنّ البرد يسمى حجارة فقوله تعالى: ﴿من طين﴾ يدفع ذلك التوهم قال الرازي: إن بعض من يدّعي العقل يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدوّرات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة قالوا: وسبب ذلك أنّ الإعصار تصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق ذلك إلى هواء ندي فيصير ذلك طيناً رطباً، والرطب إذا نزل وتفرّق استدار، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته يقطر كرات مدوّرات كاللآلىء الكبار، ثم في النزول إن اتفق أن تضربه النيران التي في الجوّ جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل فيصيب من هيأ الله تعالى هلاكه، وقد ينزل كثيراً في المواضع التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدري به فلهذا قال: ﴿من طين﴾ ، لأنّ ما لا يكون من طين كالحجر الذي يكون في الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر وهذا تعسف، لأنّ ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع لحادث آخر لزم التسلسل ولا بدّ من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بدّ وأن يكون فاعلاً مختاراً، والمختار له أن يفعل ذلك وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار لكن العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه، وما لا يصل العقل إليه لا يؤخذ إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أنّ نزول حجارة الطين من السماء أغرب وأعجب من غيرها. ولما أراد الله تعالى أن يهلك المجرمين ميز المؤمنين بقوله تعالى: ﴿فأخرجنا﴾ أي: بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط ﵇ محاورات معروفة لم يدع الحال هنا إلى ذكرها ﴿من كان فيها﴾ أي: قرى قوم لوط ﴿من المؤمنين﴾ أي: المصدّقين بقلوبهم لأنا لا نسوّيهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوّة المخالفين وكثرتهم. ﴿فما وجدنا فيها﴾ أي: تلك القرى، أسند الأمر إليه تشريفاً

стр. 2035

لرسله وإعلاماً بأنّ فعلهم فعله تعالى ﴿غير بيت﴾ أي: واحد وهو بيت ابن أخي إبراهيم ﵉، وقيل: كانت عدّة الناجين منهم ثلاثة عشر ﴿من المسلمين﴾ أي: العريقين في إسلام الظاهر والباطن لله تعالى من غير اعتراض أصلاً، وهم إبراهيم وآله ﵈ وإنهم أوّل من وجد منهم الإسلام الأتم وتسموا به كما مرّ في سورة البقرة، وسموا به أتباعهم فكان هذا البيت الواحد صادقاً عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الإنقياد قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم يعني لما بينهما من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصفهاني: وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر وقيل: هم لوط وابنتاه وصفوا بالإيمان والإسلام أي هم مصدّقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات. تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ومثاله: أنّ العالم كالبدن، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم والواردة عليه الضارة، ثم إنّ البدن إذا خلا عن النافع وفيه الضار هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن وجدا فيه معاً فالحكم للأغلب، وإطلاق الخاص على العام لا مانع منه لأنّ المسلم أعم من المؤمن، فإذا سمى المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. ﴿وتركنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب ﴿آية﴾ أي علامة عبرة على هلاكهم كالحجارة أو الماء المنتن، فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجوّ كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت واتبعت بالحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبهه شيء من مياه الأرض، كما أنّ جنايتهم لم تكن تشبه جناية أحد ممن تقدّمهم من أهل الأرض ﴿للذين يخافون العذاب الأليم﴾ أي: أن يحل بهم كما حل بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه، وما ادّخر لهم في الآخرة أعظم وخص الذين يخافون بالذكر لأنهم المعتبرون بها. وقوله تعالى: عطف على قوله تعالى: ﴿فيها﴾ بإعادة الجار، لأنّ المعطوف عليه ضمير مجرور فيتعلق بتركنا من حيث المعنى ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية ﴿إذ أرسلناه﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿إلى فرعون بسلطان مبين﴾ أي بحجة واضحة وهي معجزاته الظاهرة كاليد والعصا ومع ذلك لم ينتفع بها، ولذلك سبب عنها وعقب بها قوله تعالى: k ﴿فتولى﴾ أي: كلف نفسه الإعراض عنها بعدما دعاه علمها إلى الإقبال إليها وأشار إلى قواه بقوله تعالى: ﴿بركنه﴾ أي: بسبب ما يركن إليه من القوّة في نفسه وبأعوانه وجنوده، لأنهم له كالركن وقيل: بجميع بدنه كناية عن المبالغة في الإعراض ﴿وقال﴾ معلماً بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر ﴿ساحر﴾ ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله ﴿أو مجنون﴾ أي: لاجترائه علىّ مع مالي من عظيم الملك
следующие страницы →