Полный текст (2 552 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
التوبة ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم بل أقلعوا عنه مستغفرين.
روي عنه ﷺ أنه قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» .
وروي: «لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» وقوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ حال من يصروا أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به وقوله تعالى:
﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إشارة إلى الفريقين ويجوز أن يكون والذين مبتدأ وأولئك خبره وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدّرة أي: مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها.
تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، فقول الزمخشري في «الكشاف» وفي هذه الآيات بيان قاطع على أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصرون وأنّ الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الإعتزال من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرّاً لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه وقوله تعالى: ﴿ونعم أجر العاملين﴾ المخصوص فيه بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك أي: المغفرة والجنات.
روي أنه ﷺ قال: «ما من عبد مؤمن أذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» .
وروي: «أيّ عبد أذنب ذنباً فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أنّ له رباً يغفر الذنوب ويؤاخذ بها فغفر له فمكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي قال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويؤاخذ به قد غفرت له فليعمل ما شاء ـ أي: ويستغفر ـ فأغفر له» .
وروي أنه ﵎ قال: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئاً، ابن آدم إنك إن تذنب ذنباً حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك» .
وروي أنّ الله ﵎ قال: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً» قال ثابت البناني: بلغني أنّ إبليس بكى حين نزلت هذه ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ إلى آخرها.
وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵊: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي» . وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، وعن الحسن يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم» ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد:
*ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس*
ونزل في هزيمة أحد.
﴿قد خلت﴾ أي: مضت ﴿من قبلكم سنن﴾ جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء ﵊ أي: قد مضت من قبلكم
стр. 247
طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم ﴿فسيروا﴾ أيها المؤمنون ﴿في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم.
﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿بيان للناس﴾ عامّة ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وموعظة للمتقين﴾ خاصة ﴿ولا تهنوا﴾ أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح يوم أحد.
﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذٍ من المهاجرين خمسة: منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلاً ﴿وأنتم الأعلون﴾ أي: وحالكم أنكم أعلى شأناً منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات، ١٧٣) وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على أنّ صحة الإيمان توجب قوّة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.
﴿إن يمسسكم قرح﴾ جهد من جرح ونحوه يوم أحد ﴿فقد مس القوم﴾ الكفار ﴿قرح مثله﴾ يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون، وقيل: كلا المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ وقرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين، والباقون بالفتح وهما لغتان بمعنى، وقال الفرّاء: القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه ﴿وتلك الأيام﴾ تلك مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى: ﴿نداولها﴾ خبره ويصح أنّ تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة أي: نصرّفها ﴿بين الناس﴾ قال البغوي: فيوماً عليهم ويوماً لهم. قال في «الكشاف» كقوله وهو من أبيات الكتاب:
*فيوم علينا ويوماً لنا ... ويوم نُساءُ ويوماً نُسَر*
تقديره فيوماً يكون الأمر علينا أي: بالأضرار ويوماً لنا أي: بالنفع فيكون يوماً ظرفاً ملائماً لقوله: ويوماً نُساء ويوماً نسر قاله الشيخ سعد الدين. أي: أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين.
روي أنه ﷺ جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً، فقال: «إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ» فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبيّ ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين وكان النبيّ ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيراً وسبعين
стр. 248
قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرّات فنهاهم النبيّ ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرّات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرّات، ثم رجع إلى أصحابه وهو يقول: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله إنّ الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة ثم أخذ يرتجز:
*اعل هبل اعل هبل*
فقال النبيّ ﷺ «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله ما نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل قال: إنّ لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبيّ ﷺ «ألا تجيبوه» فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ فقال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» . وفي حديث ابن عباس: قال أبو سفيان: يوم بيوم وإنّ الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» وإنما كانت الدولة يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم لأمر رسول الله ﷺ ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ أي: أخلصوا إيمانهم من غيرهم.
فإن قيل: ظاهر هذه الآية أنّ الله تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم وذلك في حقه تعالى محال ونظير هذا الإشكال قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ (آل عمران، ١٤٢)
وقوله تعالى: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾ (،)
وقوله: ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا﴾ (الكهف، ١٢)
وقوله: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ (محمد، ٣١)
وقوله: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ (البقرة، ١٤٣)
وقوله: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (الملك، ٢)
فظاهر هذه الآيات يدل على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها، وأجاب المتكلمون عنها بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدرة مجاز مشهور يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدّد العلم فالمراد تجدّد المعلوم وإذا عرف هذا فهذه الآية محتملة لوجوه أحدها: ليظهر المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر وثانيها: ليعلم أولياء الله وأضاف إلى نفسه تفخيماً وثالثها: ليحكم بالإمتياز فأوقع العلم مكان الحكم بالامتياز؛ لأنّ الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً كما كان يعلم أنه سيقع؛ لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لا يوجد ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ ويكرم ناساً منكم بالشهادة وهم المتشهدون يوم أحد أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما وجد منهم من الثبات والصبر على الشدائد كما قال تعالى: لتكونوا شهداء على الناس وقوله تعالى: ﴿وا لا يحب الظالمين﴾ قال ابن عباس أي المشركين كقوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهو اعتراض بين بعض التعاليل وبعض وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يظفرهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين.
﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ أي: ليطهرهم من الذنوب بما أصابهم ﴿ويمحق﴾ أي: يهلك ﴿الكافرين﴾ أي: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والإستشهاد والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.
﴿أمّ﴾ منقطعة مقدّرة ببل ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل أ ﴿حسبتم
стр. 249
أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ في الشدائد وقد مرّ معنى يعلم.
تنبيه: قال البيضاوي: والفرق بين لما يعلم ولم أنّ في لما توقع الفعل فيما يستقبل لكن قال أبو حيان: لا أعلم أحداً من النحويين ذكره بل ذكروا أنك إذا قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار، وأمّا أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا انتهى. لكن قال الفرّاء: لما لتعريض الوجود بخلاف لم.
﴿ولقد كنتم تمنون﴾ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل أي: تتمنون ﴿الموت﴾ أي: الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله ﷺ مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج ﴿من قبل أن تلقوه﴾ أي: تشاهدوه وتعرفوا شدّته ﴿فقد رأيتموه﴾ أي: الحرب أو الموت حتى قتل دونكم من قتل من إخوانكم ﴿وأنتم تنظرون﴾ أي: بصراء تتأملون الحال كيف هم فلم انهزمتم.
﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأنّ الحمد لا يستوجبه إلا الكافل والتحيمد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال وأكرم الله تعالى نبيه وصفيه ﷺ باسمين مشتقين من اسمه جل وعلا محمد وأحمد وفيه يقول حسان بن ثابت:
*وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد*
وقوله تعالى: ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ إنكار لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه ﷺ بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ شك وهو على الله محال؟ أجيب: بأن المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجود الإرتداد، قال ابن عباس وأصحاب المغازي: لما رأى خالد بن الوليد الرماة يوم أحد اشتغلوا بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين ثم حمل على أصحاب النبيّ ﷺ من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله ابن قمئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ «أوجب طلحة» ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبيّ ﷺ فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية النبيّ ﷺ فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبيّ ﷺ فرجع وقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخاً، ألا إن محمداً قد قتل فقيل: إن ذلك الصارخ كان إبليس فانكفأ الناس وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد
стр. 250
بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله ﷺ كنانته فقال: «ارم فداك أبي وأمي» .
وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثاً، فكان الرجل يمرّ ومعه جعبته من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة وكان إذا رمى يشرف النبيّ ﷺ فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وقى بها رسول الله ﷺ وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ مكانها، فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت، لا نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ «دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد واحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي: أقتلك فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف» .
قال ابن عباس: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ، واشتدّ غضب الله على من رمى رسول الله ﷺ قال: وفشا في الناس أن محمداً قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن مالك بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله ﷺ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ﷺ وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل ثم إن رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأوّل من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ «فأشار إليّ أن أمسك» فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم رسول الله ﷺ على الفرار، فقالوا: يا نبيّ الله فديناك بآبائنا وأمّهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
فإن قيل: إنه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنه ﵊ لا يقتل فقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (الزمر، ٣٠)
وقال: ﴿وا يعصمك من الناس﴾ (المائدة، ٦٧)
وقال: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ (التوبة، ٣٣)
وإذا علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل؟ أجيب: بأن هذا ورد على سبيل الإلزام، فإن موسى ﵊ مات ولم ترجع أمّته عن دينه، والنصارى زعموا أن عيسى ﵊ قتل ولم يرجعوا عن دينه فكذا ههنا ﴿ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً﴾ بارتداده وإنما يضرّ نفسه ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ على نعمة الإسلام بالثبات عليه
стр. 251
كأنس وأضرابه.
﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ أي: بقضائه ومشيئته أو بإذنه لملك الموت في قبضه روحه وقوله تعالى: ﴿كتاباً﴾ مصدر أي: كتب الله ذلك ﴿مؤجلاً﴾ أي: مؤقتاً لا يتقدّم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة.
ونزل في الذين تركوا المركز يوم أحد طلباً للغنيمة ﴿ومن يرد﴾ أي: بعمله ﴿ثواب الدنيا نؤته منها﴾ ما نشاء مما قدّرناه له كما قال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وفي الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا ﴿ومن يرد﴾ أي: بعمله ﴿ثواب الآخرة نؤته منها﴾ أي: من ثوابها ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ أي: الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.
روي أنه ﷺ قال: «من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» وقال ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وقوله تعالى:
﴿وكأين﴾ أصله أي: دخلت الكاف عليها فصارت مركبة من كاف التشبيه ومن أي: وحدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية ومثلها في التركيب وإفهام التكثير كذا في قولهم: عندي كذا كذا درهماً وأصله كاف التشبيه، وذا الذي هو إسم إشارة فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد، والنون تنوين في المعنى أثبت في الخط على غير قياس. قال البغوي: لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة وقرأ ابن كثير بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة، والباقون بهمزة بعد الكاف مفتوحة بعدها ياء مشدّدة، ووقف أبو عمرو على الياء والباقون على النون وسهل حمزة الهمزة وحققها الباقون وقوله تعالى: ﴿من نبيّ﴾ تمييز لكأين لأنها مثل كم الخبرية وقوله تعالى: ﴿قتل﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم القاف وكسر التاء ولا ألف بين القاف والتاء والباقون بفتح القاف والتاء وألف بين القاف والتاء وقوله تعالى: ﴿معه﴾ خبر مبتدؤه ﴿ربيون﴾ وهم جمع ربي وهو العالم المتقي منسوب إلى الرب، وإنما كسرت راؤه تغييراً في النسب وقيل: لا تغيير فيه وهو منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة وقوله تعالى: ﴿كثير﴾ صفة لربيون وإن كان بلفظ الإفراد لأنّ معناه جمع ﴿فما وهنوا﴾ أي: ضعفوا ﴿لما أصابهم في سبيل الله﴾ من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم ﴿وما ضعفوا﴾ عن الجهاد ﴿وما استكانوا﴾ أي: خضعوا لعدوّهم كما فعلتم حين قيل: قتل نبيكم ﴿وا يحب الصابرين﴾ على الشدائد فيثيبهم ويعظم أجرهم.
﴿وما كان قولهم﴾ عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم وكونهم ربانيين ﴿إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا﴾ أي: تجاوزنا الحدّ وقولهم: ﴿في أمرنا﴾ إيذان بأنّ ما أصابهم لسوء فعلهم وهضماً لأنفسهم ﴿وثبت أقدامنا﴾ أي: بالقوّة على الجهاد ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ أي: فهلا قلتم وفعلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد ﷺ
﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا﴾ أي: بالنصر والغنيمة والعز وحسن الذكر ﴿وحسن ثواب الآخرة﴾ أي: بالجنة والنعيم المقيم وخص ثوابها
стр. 252
بالحسن إشعاراً بفضله وأنه المعتدّ به عند الله ﴿وا يحب المحسنين﴾ أي: فيكثر لهم الثواب.
﴿س٣ش١٤٩/ش١٥٣ يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُو?ا? إِن تُطِيعُوا? الَّذِينَ كَفَرُوا? يَرُدُّوكُمْ عَلَى? أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا? خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَـ?ـاكُمْ? وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا? الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا? بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ? سُلْطَانًا? وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ? وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ?? إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ?? حَتَّى? إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى ا?مْرِ وَعَصَيْتُم مِّن? بَعْدِ مَآ أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ? مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ا?خِرَةَ? ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ? وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ? وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَتَلْوُ?نَ عَلَى? أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى? أُخْرَ?ـاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّ?ابِغَمٍّ لِّكَيْ تَحْزَنُوا? عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَمَآ أَصَابَكُمْ? وَاللَّهُ خَبِيرُ? بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾ أي: اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وقال علي: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ولو كان محمد نبياً لما قتل ﴿يردّوكم على أعقابكم﴾ أي: إلى الكفر ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ الدنيا والآخرة أمّا خسران الدنيا فلأنّ أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الإنقياد إلى العدوّ وإظهار الحاجة إليه وأمّا خسران الآخرة، فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.
﴿بل الله مولاكم﴾ أي: ناصركم وحافظكم على دينكم ﴿وهو خير الناصرين﴾ فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره.
﴿سنلقي﴾ أي: سنقذف ﴿في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ أي: الخوف وذلك أنّ الكفار لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفرّوا منهم من غير سبب، حتى روي أنّ أبا سفيان صعد الجبل ونادى يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال ﵊: «إن شاء الله» وقيل: لما ذهبوا متوجهين إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق ندموا وقالوا: ما صنعنا شيئاً قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بالسكون ﴿بما أشركوا﴾ أي: بسبب إشراكهم ﴿با ما لم ينزل به سلطاناً﴾ أي: حجة على عبادته وهو الأصنام وهذا كقوله: ولا ترى الضبّ بها ينحجر، أي: ليس بها ضب فلا ينحجر فكذلك هؤلاء ليس لهم حجة أصلاً، وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة بحدة اللسان ﴿ومأواهم النار وبئس مثوى﴾ أي: مأوى ﴿الظالمين﴾ أي: الكافرين هي.
﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ لأنّ النصر كان للمسلمين في الابتداء كما قال تعالى: ﴿إذ تحسونهم﴾ أي: تقتلونهم من حسه إذا أبطل حسه وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء والباقون بالإدغام ﴿بإذنه﴾ أي: بإرادته ﴿حتى إذا فشلتم﴾ أي: جبنتم عن القتال ﴿وتنازعتم﴾ أي: اختلفتم ﴿في الأمر﴾ أي: أمر النبيّ ﷺ بالمقام في سفح الجبل للرمي حين انهزم المشركون، فقال بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا وقال آخرون: لا تخالفوا أمر النبيّ فاثبتوا مكانكم، فثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهبى وهو المعنى بقوله تعالى: وعصيتم أي: أمر النبي وتركتم المركز لطلب الغنيمة ﴿من بعدما أراكم﴾ أي: الله ﴿ما تحبون﴾ من الظفر والغنيمة وانهزام العدوّ وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله أي: منعكم نصره ويجوز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم وذلك أنّ رسول الله ﷺ جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا سواء كانت الدولة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا
стр. 253
والمسلمون على آثارهم، ثم اشتغل بعضهم بالغنيمة كما قال تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم التاركون المركز للغنيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا.
فإن قيل: فإذا كان البعض هو المخالف فكيف جاء العتاب عاماً بقوله: ﴿وعصيتم﴾ أجيب: بأنّ اللفظ وإن كان عاماً فقد جاء المخصص بعده وهو قوله: ﴿منكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم صرفكم﴾ أي: ردّكم بالهزيمة ﴿عنهم﴾ أي: الكفار عطف على ما قبله والجملتان من قوله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة اعتراض بين المتعاطفين وقيل: عطف على جواب إذا المقدّر ﴿ليبتليكم﴾ أي: ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره ﴿ولقد عفا عنكم﴾ ما ارتكبتموه من مخالفة أمر النبيّ ﷺ وميلكم إلى الغنيمة تفضلاً منه تعالى.
فإن قيل: إنّ ظاهر الآية يدل على أنّ الذنب من الصغائر لصحة العفو عنه من غير توبة لقيام الدليل على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل العفو والمغفرة أجيب: بأنّ هذا الذنب لا شك أنه كبيرة لأنهم خالفوا صريح نص الرسول ﷺ وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين فلا بدّ من إضمار توبتهم ﴿وا﴾ أي: المتفضل المنعم ﴿ذو فضل على المؤمنين﴾ أي: يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها سواء أجعلت الدولة لهم أم عليهم إذ الإبتلاء أيضاً رحمة وقوله تعالى:
﴿إذ﴾ العامل فيها مضمر أي: اذكر إذ ﴿تصعدون﴾ أي: تبعدون في الأرض هاربين ﴿ولا تلوون﴾ أي: تعرجون ﴿على أحد﴾ أي: لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره ﴿والرسول يدعوكم﴾ أي: يقول: إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة ﴿في أخراكم﴾ أي: من ورائكم ﴿فأثابكم﴾ أي: جازاكم ﴿غماً﴾ بالهزيمة ﴿بغمّ﴾ أي: بسبب غمكم الرسول بالمخالفة. وقيل: الباء بمعنى على أي: مضاعفاً على غمّ فوت الغنيمة.
والغموم كانت هناك كثيرة أحدها: غمهم بما نالهم من العدوّ في الأنفس والأموال وثانيها: غمهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول ﷺ ورابعها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الإنهزام وذلك من أشق الأشياء؛ لأنّ الإنسان بعد انهزامه يضعف قلبه ويجبن فإذا أمر بالمعاودة فإن فعل خاف القتل، وإن لم يفعل خاف عقاب الآخرة وخامسها: غمهم حين سمعوا أن محمداً قد قتل وسادسها: غمهم حين أشرف عليهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وسابعها: غمهم حين أشرف عليهم أبو سفيان.
وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق يومئذٍ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه وأراد أن يرميه فقال: «أنا رسول الله» ففرحوا حين وجدوه وفرح ﷺ حين رأى من يمتنع به فأقبلوا على المشركين يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم، فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله ﷺ «ليس لهم أن يعلونا اللهمّ إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ثم بدت أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، وإذا عرفت ذلك فلا يضر اختلاف المفسرين، فإن بعضهم
стр. 254
فسر هذين الغمين بغمين من هذه وبعضهم بخلافه وقال القفال: وعندي أن الله تعالى ما أراد بقوله غماً بغمّ اثنين وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها أي: إن الله تعالى عاقبكم بغموم كثيرة مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، فكأنه تعالى قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زجراً لكم عن الإقدام على المعصية والإشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. والغمّ التغطية ومنه غمّ الهلال إذا لم ير وقوله تعالى ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ أي: من الغنيمة متعلق بعفا أو بأثابكم فلا زائدة ﴿ولا ما أصابكم﴾ أي: من القتل والهزيمة ﴿وا خبير بما تعملون﴾ أي: عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها.
﴿ثم أنزل عليكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿من بعد الغمّ أمنة﴾ أي: أمناً والأمن والأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف ههنا قائماً وقوله تعالى: ﴿نعاساً﴾ بدل من أمنة، وأمنة مفعول أو نعاساً هو المفعول وأمنة حال منه متقدّمة ﴿يغشى طائفة منكم﴾ وهم المؤمنون. وقرأ حمزة والكسائيّ بالتاء على التأنيث ردّاً إلى الأمنة والباقون بالياء على التذكير ردّاً إلى النعاس ﴿وطائفة﴾ وهم المنافقون ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ أي: حملتهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا إنجاءها دون النبيّ ﷺ وأصحابه فلم يناموا، فإن الذين كانوا مع رسول الله ﷺ يوم أحد فريقان أحدهما: الجازمون بنبوّة محمد ﷺ فهؤلاء كانوا قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين وأن هذه الوقعة لا تؤدّي إلى الاستئصال فلا جرم كانوا آمنين وبلغ ذلك الأمن إلى أن غشيهم النعاس فإن النوم لا يجيء مع الخوف، قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس. قال الزبير: كنت مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ الخوف، فأرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن بشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا﴾ . والفريق الثاني: هم المنافقون كانوا شاكين في نبوّته ﷺ وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتدّ جزعهم وعظم خوفهم. قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله والفراغ من الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.
فإن قيل: ما فائدة هذا النعاس؟ أجيب: بأنّ له فوائد: الأولى: أنّ السهر يوجب الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوّة والنشاط والثانية: أنّ الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله تعالى النوم على الباقين لئلا يشاهدوا قتل غيرهم فيشتدّ خوفهم والثالثة: أنّ الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع السلامة في تلك المعركة من أدل الدلائل على أنّ الله تعالى يحفظهم ويعصمهم وذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم ويورّثهم الأمن.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وطائفة﴾ مبتدأ والخبر ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ .
فإن قيل: كيف جاز الإبتداء بالنكرة؟ أجيب: بأنه جاز لأحد
стр. 255
أمرين: إمّا للإعتماد على واو الحال وقد عدّه بعضهم مسوّغاً وإن كان الأكثر لم يذكروه وأنشد:
*سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كل شارق*
وإمّا لأنّ الموضع موضع تفصيل، فإنّ المعنى يغشى طائفة وطائفة لم يغشاهم فهو كقوله:
*إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشق عندنا لم يحوّل*
وقوله تعالى: ﴿يظنون با غير الحق﴾ أي: أن لا ينصر الله محمداً صفة أخرى لطائفة وغير الحق نصب على المصدر أي: يظنون بالله غير الظنّ الحق الذي يحق أن يظنّ به ﴿ظنّ﴾ أي: كظنّ ﴿الجاهلية﴾ حيث اعتقدوا أنّ النبيّ ﷺ قتل أو لا ينصر وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ أي: لرسول الله ﷺ بدل من يظنون ﴿هل لنا﴾ أي: ما لنا لفظه استفهام ومعناه جحد ﴿من الأمر﴾ أي: النصر الذي وعدناه ﴿من شيء﴾ أي: شيء ومن صلة زيدت للتأكيد وهو إمّا مبتدأ خبره لنا وإمّا فاعل للنا لاعتماده على الإستفهام ومن الأمر حال من المبتدأ أو الفاعل وهو شيء لكونه مرفوعاً حقيقة لا مجروراً، وقيل: إنّ عبد الله بن أبيا بنُ سلول لما شاوره النبيّ ﷺ في هذه الوقعة أشار إليه بأن لا يخرج من المدينة ثم إنّ بعض الصحابة ألحوا على النبيّ ﷺ في أن يخرج إليهم فغضب ابن أبيّ من ذلك، فقال: عصاني وأطاع الولدان ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع ابن أبي فقيل له: قتل بنو الخزرج فقال: هل لنا من الأمر من شيء يعني أنّ محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن لا يخرج من المدينة والمعنى: هل لنا أمر يطاع فهو استفهام على سبيل الإنكار ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿إنّ الأمر كله﴾ أي: الغلبة الحقيقية لله ولأوليائه، فإنّ حزب الله هم الغالبون أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقرأ أبو عمرو برفع اللام بعد الكاف على أنه مبتدأ والخبر لله والباقون بالنصب على أنه توكيد.l
تنبيه: هذه الآية تدل على أنّ جميع المحدثات خلق الله تعالى بقضائه وقدره؛ لأنّ المنافقين قالوا: لو أنّ محمداً قبل منا رأينا ونصحنا لما وقع في هذه المحنة، فأجابهم الله تعالى بأنّ الأمر كله لله. وهذا إنما ينتظم إذا كانت أفعال العباد بقضائه وقدره، إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب رافعاً لشبهة المنافقين وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون﴾ أي: يظهرون ﴿لك﴾ حال من ضمير يقولون، وقل إنّ الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال أي: يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ بيان لما قبله ﴿لو كان لنا من الأمر شيء﴾ أي: كما وعد محمد وزعم أنّ الأمر كله لله ولأوليائه أو لو كان الإختيار إلينا لم نخرج كما كان رأي ابن أبيّ وغيره ﴿ما قتلنا ههنا﴾ أي: لما غلبنا ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة.
﴿قل﴾ لهم ﴿لو كنتم في بيوتكم﴾ وفيكم من كتب الله تعالى عليه القتل ﴿لبرز﴾ أي: خرج ﴿الذين كتب﴾ أي: قضى ﴿عليهم القتل﴾ منكم ﴿إلى مضاجعهم﴾ أي: مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم؛ لأنّ قضاء الله تعالى كائن لا محالة فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه وقرأ أبو عمرو وحفص وورش بضم الباء في بيوتكم والباقون بالكسر قوله تعالى: ﴿وليبتلي﴾ أي: ليختبر ﴿الله ما في صدوركم﴾ أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق
стр. 256
علة فعل محذوف تقديره فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي وقيل: معطوف على علة محذوفة تقديره ليقضي الله أمره وليبتلي وقوله تعالى: ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنّ هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات وتظهرها والثاني: إنها تصير كغارة لذنوبكم فيمحصكم من تبعات المعاصي والسيئات.
فإن قيل: قد سبق ذكر الإبتلاء في قوله تعالى: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ فلِمَ أعاده؟ أجيب: بأنه أعيد إما لطول الكلام بينهما وإما لأنّ الإبتلاء الأوّل هزيمة للمؤمنين والإبتلاء الثاني بسائر الأحوال ﴿وا عليم بذات الصدور﴾ أي: بما في القلوب قبل إظهارها وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه تعالى: غني عن الإبتلاء وإنما يبتلي ليظهر للناس حال المؤمنين من حال المنافقين.
﴿إنّ الذين تولوا منكم﴾ عن القتال ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبيّ ﷺ إلا ثلاثة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ أي: طلب منهم الزلل بوسوسته ﴿ببعض ما كسبوا﴾ من الذنوب بترك المركز والحرص على الغنيمة ومخالفة النبيّ ﷺ فأطاعوه فمنعوا التأييد وقوّة القلب حتى تولوا ﴿ولقد عفى الله عنهم﴾ لتوبتهم واعتذارهم ﴿إنّ الله غفور﴾ للذنوب ﴿حليم﴾ لا يعاجل بعقوبته المذنب كي يتوب.
﴿يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا﴾ أي: المنافقين وهم ابن أبي وأصحابه ﴿وقالوا لإخوانهم﴾ أي: في شأنهم ومعنى إخوانهم اتفاقهم في النفاق والكفر وقيل: في النسب ﴿إذا ضربوا في الأرض﴾ أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها فماتوا ﴿أو كانوا غزا﴾ أي: غزاة جمع غاز فقتلوا ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ أي: لا تقولوا كقولهم ﴿ليجعل الله ذلك﴾ القول في عاقبة أمرهم ﴿حسرة في قلوبهم﴾ أي: لأنهم إذا ألقوا تلك الشبهة على المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. وقيل: إنّ اجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحسرة والخيبة وضيق الصدر وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً﴾ (الأنعام، ١٢٥)
فإن قيل: كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا؟ أجيب: بأنّ ذلك هي حكاية الحال الماضية قال التفتازاني معناه: إنك تقدّر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى: حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض وقوله تعالى: ﴿وا يحيي ويميت﴾ ردّ لقولهم. أي: هو المؤثر في الحياة والممات لا الإقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والمغازي ويميت المقيم والقاعد ﴿وا بما تعملون بصير﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة ردّاً على الذين كفروا، والباقون بتاء الخطاب ردّاً على قوله: ولا تكونوا وهو خطاب للمؤمنين وفيه تهديد لهم على أن يماثلوهم.
﴿ولئن قتلتم﴾ اللام هي الموطئة لقسم محذوف ﴿في سبيل الله﴾ أي: الجهاد ﴿أو متم﴾ أي: أتاكم الموت في سبيل الله وجواب القسم قوله تعالى: ﴿لمغفرة﴾ كائنة ﴿من الله﴾ وحذف جواب الشرط
стр. 257
لسد جواب القسم مسدّه لكونه دالاً عليه ﴿ورحمة﴾ أي: من الله فحذف صفتها لدلالة الأولى عليها ولا بد من حذف آخر مصحح للمعنى تقديره لمغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم.
فإن قيل: المغفرة هي الرحمة فلم كررها ونكرها؟ أجيب: بأنه إنما نكرها إيذاناً بأن أدنى خير وأقلّ شيء خير من الدنيا وما فيها وهو المراد بقوله: ﴿خير مما تجمعون﴾ من الدنيا وأما التكرير فغير مسلم؛ لأنّ المغفرة مترتبة على الرحمة فيرحم ثم يغفر.
فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعون أصلاً؟ أجيب: بأنّ الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيراً وأيضاً هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات.
﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ على أيّ وجه اتفق هلاككم ﴿لا إلى الله﴾ لا غيره ﴿تحشرون﴾ في الآخرة فيجازيكم وقرأ نافع وحمزة ﴿متم﴾ بكسر الميم والباقون بالضم، وقرأ حفص ﴿يحشرون﴾ بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب ورسمت لا إلى الله بألف بعد اللام.
فإن قيل: هنا ثلاثة مواضع فقدّم الموت على القتل في الأوّل والأخير وقدّم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنّ الأوّل لمناسبة ما قبله من قوله: ﴿إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا﴾ فرجع الموت لمن ضرب في الأرض والقتل لمن غزا، وأمّا الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدّم الأهم الأشرف، وأمّا الأخير فلأن الموت أغلب.
﴿فبما رحمة﴾ أي: فبرحمة ﴿من الله لنت لهم﴾ فما مزيدة للتأكيد والجار والمجرور مقدّم للدلالة على أنّ لينه ﷺ ما كان إلا برحمة من الله، ومعنى الرحمة توفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه ﴿ولو كنت فظاً﴾ أي: سيىء الخلق ﴿غليظ القلب﴾ أي: جافياً ﴿لانفضوا﴾ أي: تفرّقوا ﴿من حولك﴾ أي: عنك وذلك؛ لأنّ المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيماً بهم كريماً يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء. وحمل القفال هذه الآية على واقعة أحد قال: فبما رحمة من الله لنت لهم يوم أحد حين عادوا إليك بعد الإنهزام، ولو كنت فظاً غليظ القلب فشافهتهم بالملامة على ذلك الإنهزام لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الإنهزام، فكان ذلك مما يطمع العدوّ فيك وفيهم ﴿فاعف﴾ أي: تجاوز ﴿عنهم﴾ أي: ما أتوه ﴿واستغفر لهم﴾ ذنوبهم حتى أشفعك فيهم فأغفر لهم.
واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ على وجوه أحدها: إنّ ذلك يقتضي شدّة محبته لهم فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة لهم فيحل سوء الخلق والفظاظة وثانيها: إنه ﵊ وإن كان أكمل الناس عقلاً إلا أنّ عقول الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر ببال آخر لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال ﵊: «أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» ولهذا السبب قال ﷺ «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» وثالثها: قال الحسن
стр. 258
وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة ورابعها: أنه ﵊ شاورهم في وقعة أحد أشاروا عليه بالخروج وكان ميله أن لا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم شيء، فأمر الله تعالى بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة وخامسها: أمره بالمشاورة لا ليستفيد منهم رأياً ولكن ليعلم مقادير عقولهم ومحبتهم له. وذكروا أيضاً وجوهاً أخر، وفي هذا القدر كفاية واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور الأمّة فيه؛ لأنّ النص إذا جاء بطل الرأي ﴿فإذا عزمت﴾ أي: قطعت الأمر على إمضاء ما تريد بعد المشاورة ﴿فتوكل على الله﴾ أي: ثق به لا بالمشاورة فليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل بمراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الله تعالى ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ عليه فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح.
﴿إن ينصركم الله﴾ أي: يعنكم على عدوّكم كيوم بدر ﴿فلا غالب لكم﴾ أي: فلا يغلبكم أحد ﴿وإن يخذلكم﴾ بترك نصركم كيوم أحد ﴿فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ أي: من بعد خذلانه أي: لا أحد ينصركم. وفي هذا تنبيه على المقتضي للتوكل وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجاب خذلانه ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أي: فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه؛ لأنّ إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه.
﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ أي: ما صح لنبيّ أن يخون في الغنائم فإنّ النبوّة تنافي الخيانة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض المنافقين لعل رسول الله ﷺ أخذها، وقال مقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله ﷺ من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر، فقال لهم النبيّ ﷺ «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟» فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال لهم ﷺ «بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم؟» وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول ما كان لنبي أن يكتم شيئاً من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة، كان ﷺ يقرأ القرآن وفيه سب دينهم وسب آلهتهم فسألوا أن يترك ذلك فنزلت.
وروي أنه ﷺ غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم وتأخرت القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم وقالوا: ألا نقسم غنائمنا؟ فقال ﵊: «لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست عليكم منه درهماً أتحسبون أني أغلكم مغنمكم» فنزلت وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول والمعنى على هذا وما صح لنبي أن يوجد غالاً أو ينسب إلى الغلول ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ قال أكثر المفسرين: إنّ هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله تعالى في مانعي الزكاة ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ (التوبة، ٣٥)
ويدل له قوله ﷺ «لا ألقين أحدكم يجيء على رقبته يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها نغاء فينادي: يا محمد فأقول: لا أملك لك
стр. 259
من الله شيئاً قد بلغتك» قال المحققون: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك المغلول ازدادت فضيحته. وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: انزل إليه فخذه فينزل إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه فيخرجه ففعل ذلك به. وعن أبي هريرة: قتل لرسول الله ﷺ عبد فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله ﷺ «كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه ناراً» فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «شراك من النار أو شراكان من نار» وقال أبو مسلم: ليس المقصود من الآية ظاهرها بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل كقوله تعالى: ﴿إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله﴾ (لقمان، ١٦)
فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أنّ الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد والمعنى أنّ الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرّره عليه يوم القيامة ويجازيه به؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبيّ ﷺ على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمّه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ منها أحد شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو» ثم رفع يديه حتى رؤيت عفرة إبطه ثم قال: «اللهمّ هل بلغت اللهمّ هل بلغت» ﴿ثم توفى كل نفس﴾ أي: تعطى جزاء ﴿ما كسبت﴾ أي: عملت وافياً الغال وغيره.
فإن قيل: هلا قيل: ثم يوفى أي: الغال ما كسب؟ أجيب: بأنه عم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى ﴿وهم لا يظلمون﴾ شيئاً فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى:
﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف والتقدير أفمن اتقى فاتبع رضوان الله ﴿كمن باء﴾ أي: رجع ﴿بسخط من الله﴾ بسبب المعاصي ﴿ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ أي: المرجع هي أي: ليس مثله واختلف في المراد من هذه الآية، فقال الكلبي والضحاك: فمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وقال الزجاج: لما حل المشركون على المسلمين دعا النبيّ ﷺ أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ففعله بعضهم وتركه آخرون فقوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ هم الذين امتثلوا أمره كمن باء بسخط من الله هم الذين لم يقبلوا قوله.
وقيل: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ بالإيمان به والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والإشتغال بمعصيته، قال القاضي: وكل واحد من هذه الوجوه صحيح ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه؛ لأنّ اللفظ عام فيجب أن يتناول الكل وإن كانت الآية نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل
стр. 260
بخصوص السبب.
تنبيه: الفرق بين المصير والمرجع أنّ المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع فإنه قد يوافق المبدأ، وقرأ شعبة ﴿رضوان﴾ بضم الراء والباقون بالكسر وقوله تعالى:
﴿هم درجات﴾ مبتدأ وخبر أي: الفريقان درجات ولا بد من تأويل في الأخبار بالدرجات عن هم؛ لأنها ليست إياهم فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة، والمعنى: إنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم كما أنّ الدرجات متفاوتة فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة أي: هم مثل الدرجات في التفاوت ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي: ذوو درجات أي: أصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب ﴿عند الله﴾ فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب ﴿وا بصير بما يعملون﴾ أي: عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها.
﴿لقد منّ الله على المؤمنين﴾ أي: أنعم على من آمن مع النبيّ ﷺ ووجه هذه المنة أن الرسول ﷺ يدعوهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه كقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء، ١٠٧)
فإن قيل: لم خصهم بالنعمة مع أن البعثة عامّة؟ أجيب: بأنهم هم المنتفعون بها كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ ﴿إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم﴾ أي: من جنسهم عربياً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به ويشرفوا به لا ملكاً ولا عجمياً وقرىء شاذاً من أنفسهم بفتح الفاء أي: من أشرفهم؛ لأنه كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم وقد خطب أبو طالب لما تزوّج ﷺ خديجة رضي الله تعالى عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسمعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش الإرجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل. ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول ﷺ وقراءة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها ﴿يتلو عليهم آياته﴾ أي: القرآن بعدما كانوا جهالاً لم يسمعوا الوحي ﴿ويزكيهم﴾ أي: ويطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والأعمال ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: السنة من بعدما كانوا من أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم كما قال تعالى: ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي: قبل بعثته ﷺ ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي: بين ظاهر.
﴿أو لما﴾ أي: حين ﴿أصابتكم مصيبة﴾ بأحد بقتل سبعين منكم ﴿قد أصبتم مثليها﴾ ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين ﴿قلتم﴾ متعجبين ﴿أنى﴾ أي: من أين لنا ﴿هذا﴾ القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا، والجملة الأخيرة محل الإستفهام الإنكاري ﴿قل﴾ لهم ﴿هو من عند أنفسكم﴾ أي: هو مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز، فإن الوعد كان مشروطاً بالثبات في المركز والمطاوعة في الأمر، وعن علي رضي الله تعالى عنه لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم.
روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم
стр. 261
الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدّموا ـ أي: الأسارى ـ فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عددهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل نأخذ منهم فداهم فنتقوّى به على قتال أعدائنا ويستشهد منا عدّتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر» وهذا معنى قوله: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ أي: بأخذكم الفداء واختياركم للقتل ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ فيقدر على النصر وعلى منعه وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى.
﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان﴾ أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة ﴿فبإذن الله﴾ أي: فهو كائن بقضائه وإرادته ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم ﴿وليعلم المؤمنين﴾ وقد تقدّم أنّ معنى وليعلم الله كذا أي: يميز أو يظهر للناس ما كان في علمه.
﴿وليعلم الذين نافقوا﴾ قال الواحدي: يقال نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الإيمان وأضمر خلافها. قال أبو عبيدة: مشتق من نافقاء اليربوع؛ لأنّ جحر اليربوع له بابان القاصعاء والنافقاء فإن طلب من أيهما كان يخرج من الآخر فقيل للمنافق: إنه منافق وهم اسم إسلامي؛ لأنه صنع لنفسه طريقين إظهار الإسلام وإضمار الكفر فمن أيهما طلب خرج من الآخر وقوله تعالى: ﴿وقيل لهم﴾ عطف على نافقوا أي: وليعلم الذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال وقالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل فرجعوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ ﴿تعالوا قاتلوا في سبيل الله﴾ الكفار ﴿أو ادفعوا﴾ عنا أي: إن كان في قلبكم حب الإيمان فقاتلوا للدين، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم، وقال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدوّ بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا؛ لأنّ الكثرة أحد أسباب الهيبة.
روي عن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوّهم قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال: لقوله تعالى: ﴿أو ادفعوا﴾ أراد أكثروا سوادهم واختلفوا في القائل فقال الأصم: إنه الرسول ﷺ كان يدعوهم إلى القتال وقيل: أبو جابر الأنصاري قال لهم: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدوّ ﴿قالوا لو نعلم﴾ أي: نحسن ﴿قتالاً لاتبعناكم﴾ فيه قال تعالى تكذيباً لهم: ﴿هم للكفر يومئذٍ﴾ أي: يوم إذ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴿أقرب منهم للإيمان﴾ أي: لانقطاعهم وارتدادهم وكلامهم، فإنّ ذلك أوّل إمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل: المعنى على حذف مضاف أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان بما أظهروه من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر.
تنبيه: فضلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يجز تقول زيد قاعداً أفضل منه قائماً أو زيد قاعداً اليوم أفضل منه قاعداً غداً ولو قلت: زيد اليوم قاعداً أفضل منه اليوم قاعداً لم يجز ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ أي: يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإيمان فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر.
تنبيه:
стр. 262
إضافة القول إلى الأفواه تصوير لنفاقهم، فإنّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط وبهذا انتفى كونه للتأكيد، كما قيل به لتحصيل هذه الفائدة وقال ابن عادل: والظاهر أنّ القول يطلق على اللساني وعلى النفساني فتقييده بأفواههم تقييد لأحد محمليه اللهمّ إلا أن يقال إطلاقه على النفساني مجاز ﴿وا أعلم بما يكتمون﴾ أي: عالم بما في ضمائرهم وبما يخلو به بعضهم إلى بعض فإنه يعلم ذلك مفصلاً بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملاً بإمارات وجوّزوا في موضع.
﴿الذين قالوا﴾ ألقاب الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجرّ، فالرفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مرفوعاً على خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين، الثاني: أنه بدل من واو يكتمون، الثالث: إنه مبتدأ والخبر قوله ﴿قل فادرؤا﴾ ولا بد من حذف عائد تقديره قل لهم فادرؤا، والنصب من ثلاثة أوجه أيضاً: أحدها: النصب على الذمّ أي: أذم الذين قالوا، الثاني: أنه بدل من الذين نافقوا، الثالث: إنه صفة لهم، والجرّ من وجهين: أحدهما أنه بدل من الضمير في بأفواههم، والثاني: أنه بدل من الضمير في قلوبهم. كقول الفرزدق:
*على حالة لو أنّ في القوم حاتماً ... على جوده لضنّ بالماء حاتم*
بجرّ حاتم على أنه بدل من الهاء في جوده وضن مبني للمفعول وهو بالماء أي: ولو أن حاتماً مستقرّاً في القوم كائناً على جوده، وهم بتلك الحالة لبخل بالماء ﴿لإخوانهم﴾ أي: لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب أو في سكنى الدار أو في عداوة النبيّ ﷺ وقوله تعالى: ﴿وقعدوا﴾ حال مقدّرة بقد أي: قالوا: قاعدين عن القتال ﴿لو أطاعونا﴾ في القعود ﴿ما قتلوا﴾ كما لم نقتل. واختلف في قائل ذلك، فقال أكثر المفسرين: هو ابن أبي وأصحابه، وقول الأصم هذا لا يجوز؛ لأنّ ابن أبي خرج مع النبيّ ﷺ في الجهاد يوم أحد وهذا القول واقع ممن تخلف فيه نظر لاحتمال أنّ المراد بالقعود القعود عن القتال لا عن الخروج إلى القتال ﴿قل:﴾ لهم ﴿فادرؤا﴾ أي: ادفعوا ﴿عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ في أن القعود ينجي منه لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة ولا بد لكم أن يتعلق بكم بعضها.
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة: سبعون منافقاً.
فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلال فإن التحرز عن القتل ممكن وأمّا التحرز عن الموت فغير ممكن؟ أجيب: بأن الكل بقضاء الله وقدره فلا فرق بين الموت والقتل وفي قوله تعالى: ﴿فادرؤا عن أنفسكم الموت﴾ استهزاء بهم أي: إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا، ونزل في شهداء أحد كما رواه الحاكم: وكانوا سبعين رجلاً: أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شاس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار.
﴿ولا تحسبن﴾ أي: ولا تظنن ﴿الذين قتلوا في سبيل الله﴾ أي: لأجل دينه والخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد ﴿أمواتاً بل﴾ هم ﴿أحياء عند ربهم﴾ أي: ذوو زلفى منه فليس المراد القرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه لعدم مناسبة المقام له بل بمعنى القرب شرفاً ورتبة.
قال البيضاوي وقيل: نزلت في شهداء بدر أي: وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، قال شيخنا القاضي زكريا: وهو غلط إنما نزل فيهم آية البقرة
стр. 263
﴿يرزقون﴾ من ثمار الجنة.
روى ابن عباس أنه ﵊ قال: «أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش» .
وروي أنّ الله تعالى يطلع عليهم ويقول: سلوني ما شئتم فيقولون: يا رب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئاً قالوا: نسألك أن تردّ أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك لما رأوا من النعيم، كما قال تعالى:
﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله والتمتع بنعيم الجنة ﴿ويستبشرون﴾ أي: ويفرحون ﴿بالذين لم يلحقوا بهم﴾ من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فلذلك يستبشرون ﴿من خلفهم﴾ أي: الذين من خلفهم زماناً أو رتبة وأبدل من الذين ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿لا خوف عليهم﴾ أي: الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة والمعنى: إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة لا يكدّرون بخوف وقوع محذور ولا بحزن فوات محبوب وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة والجدّ في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه؛ لأنّ الله تعالى مدحهم على ذلك.
﴿يستبشرن بنعمة من الله وفضل﴾ لما بين تعالى أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم بين هنا أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم لذلك أعاد لفظ الإستبشار.
فإن قيل: أليس ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الإستبشار فلزم التكرار؟ أجيب: بأن الإستبشار هو الفرح التامّ فلا يلزم التكرار بأنّ المراد حصول الفرح بما حصل في الحال وحصول الإستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة والفرق بين النعمة والفضل أن النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل الزائد.
فإن قيل: لم قال يستبشرون من غير عطف؟ أجيب: بأنه تأكيد للأوّل؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلق الإستبشار الأول ﴿وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ لما ذكر إيصال الثواب العظيم إلى الشهداء بين أنّ ذلك ليس مخصوصاً بهم بل كل مؤمن يستحق شيئاً من الأجر والثواب، فإنّ الله تعالى يوصل ثوابه إليه ولا يضيعه وقوله تعالى:
﴿الذين استجابوا والرسول﴾ أي: دعاءه مبتدأ ﴿من بعد ما أصابهم القرح﴾ بأحد وخبر المبتدأ ﴿للذين أحسنوا منهم﴾ بطاعته ﴿واتقوا﴾ مخالفته ﴿أجر عظيم﴾ هو الجنة.
روي أنّ أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال: «لا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج ﷺ مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد» وهي من المدينة على ثمانية أميال وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر.
стр. 264
#خطأ
روي أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال ﷺ «إن شاء الله» فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مرّ الظهران فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وإنّ هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليه، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهل بن عمرو ويضمنها، فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي ذلك وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟ قال: نعم، فخرج نعيم حتى أتى المدينة، فوجد الناس يجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد، فكره بعض أصحاب رسول الله ﷺ الخروج، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي ولو لم يخرج معي أحد» فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل ولم يلتفتوا إلى ذلك القول كما قال تعالى: ﴿فزادهم﴾ ذلك القول ﴿إيماناً﴾ أي: تصديقاً بالله ويقيناً ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ أي: كافينا أمرهم ﴿ونعم الوكيل﴾ أي: المفوّض إليه الأمر هو حتى وافوا بدراً الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم يريدون أن يرهبوا المسلمين فيقول المسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حين ألقي في النار، حتى بلغوا بدراً
وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحداً من المشركين ووافوا السوق وكان معهم تجارات فباعوها واشتروا
стр. 265
أدماً وزبيباً وأصابوا الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى:
أي: انصرفوا ﴿بنعمة من الله﴾ أي: بعافية لم يلقوا عدوّاً ﴿وفضل﴾ أي: تجارة وربح وهو ما أصابوا في السوق ﴿لم يمسسهم سوء﴾ أي: لم يصبهم أذى ولا مكروه، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق.
تنبيه: الناس الأول المثبطون والآخرون أبو سفيان وأصحابه.
فإن قيل: المثبط هو أبو نعيم فكيف قيل: الناس؟ أجيب: بأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد، وبرد واحد ولأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يثبطون مثل تثبيطه بل قيل: إنهم كانوا جماعة فقد مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم.
فإن قيل: كيف زادهم القول إيماناً؟ أجيب: بأنهم لما سمعوا ذلك وأخلصلوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم كما يزداد الإيمان والإيقان بتناصر الحجج، ولأن خروجهم على أثر التثبيط إلى وجه العدو طاعة عظيمة والطاعات تزيد الإيمان فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا: يا رسول الله إنّ الإيمان يزيد وينقص قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيماناً، وعنه رضي الله تعالى عنه: «لو وزن إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه بإيمان هذه الأمّة لرجح به» ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم ﴿وا ذو فضل عظيم﴾ قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدوّ بالحفظ على كل من يسوءهم وإصابة النفع من ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من الله وفضل وفيه تحسر المتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به.
﴿إنما ذلكم﴾ أي: المثبط أو أبو سفيان ﴿الشيطان يخوّف أولياءه﴾ أي: القاعدين عن الخروج مع النبيّ ﷺ أو يخوّفكم أولياءه وهم أبو سفيان وأصحابه، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ في مخالفة أمري فجاهدوا مع رسولي ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ حقاً فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً.
﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ أي: يقعون فيه وقوعاً سريعاً حرصاً عليه، وهم المنافقون من المتخلفين أو قوم ارتدوا عن الإسلام أي: لا تهتم لكفرهم ﴿إنهم لن يضرّوا الله شيئاً﴾ بفعلهم وإنما يضرّون به أنفسهم، وقرأ نافع يحزنك بضمّ الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله تعالى في الأنبياء ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ (الأنبياء، ١٠٣)
فإنه على فتح الياء وضمّ الزاي فيه والباقون كذلك في الكل من حزنه لغة في أحزنه ﴿يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً﴾ أي: نصيباً ﴿في الآخرة﴾ أي: الجنة فلذلك خذلهم وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر ﴿ولهم﴾ مع حرمان الثواب ﴿عذاب عظيم﴾ في النار.
﴿إنّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾ أي: أخذوه بدله ﴿لن يضروا الله﴾ بكفرهم ﴿شيئاً ولهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم وكرّر ذلك للتأكيد أو هو تعميم للكفرة بعد تخصيص من نافق
стр. 266
من المتخلفين أو ارتدوا من الأحزاب.
ونزل في مشركي مكة كما قاله مقاتل أو في قريظة أو النضير كما قاله عطاء:
﴿ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي﴾ أي: نمهل ﴿لهم﴾ بتطويل الأعمار ﴿خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ بكثرة المعاصي ﴿ولهم عذاب مهين﴾ أي: ذو إهانة.
روي أنه ﷺ سئل: أيّ الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قيل: فأيّ الناس شرّ؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» وقرأ حمزة: ﴿ولا تحسبنّ الذين كفروا﴾ و ﴿لا تحسبنّ الذين يبخلون﴾ بالتاء فيهما على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة.
﴿ما كان الله ليذر﴾ أي: ليترك ﴿المؤمنين على ما أنتم عليه﴾ أيها الناس من اختلاط المسلم بغيره ﴿حتى يميز﴾ أي: يفصل ﴿الخبيث﴾ أي: المنافق ﴿من الطيب﴾ ، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبيّ: قالت قريش: يا محمد تزعم أنّ من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأنّ من اتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن؟ فنزلت وقال السديّ: قال رسول الله ﷺ «عرضت عليّ أمّتي في صورتها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر» فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعده ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام على المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «حذافة» فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبياً فاعف عنا عفا الله تعالى عنك، فقال النبيّ ﷺ «فهل أنتم منتهون؟» ثم نزل عن المنبر فنزلت.
فإن قيل: لمن الخطاب في أنتم؟ أجيب: بأنه للمصدّقين جميعاً من أهل النفاق والإخلاص كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فيختبر بها بواطنكم ويستدلّ بها على عقائدكم ففعل ذلك يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله ﷺ وقرأ حمزة والكسائي يميز بضم الياء وفتح الميم وتشديد الياء بعد الميم مع كسرها، والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء بعد الميم ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز ﴿ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء﴾ فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ينصب له ما يدل عليها ﴿فآمنوا با ورسله﴾ أي: بصفة الإخلاص أو بأن تعلموا أنّ الله وحده مطلع على الغيب وتعلموا أنهم عباد مجتبون لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحى إليهم.
روي أنّ الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن ومن يكفر فنزلت الآية ﴿وإن تؤمنوا﴾ حق الإيمان ﴿وتتقوا﴾ النفاق ﴿فلكم أجر عظيم﴾ أي: لا يقادر قدره.
﴿ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو﴾ أي: بخلهم ﴿خيراً لهم بل هو﴾ أي: بخلهم ﴿شرّ لهم﴾ لاستجلاب
стр. 267
العقاب إليهم، واختلفوا في المراد بهذا البخل، فقال أكثر العلماء: المراد به منع الواجب واستدلوا بوجوه: أحدها: أنّ الآية دالة على الوعيد الشديد وذلك لا يليق إلا بالواجب وثانيها: أنّ الله تعالى ذمّ البخل، والتطوّع لا يذمّ على تركه وثالثها: قال ﵊: «وأي داء أدوأ من البخل» ، وتارك التطوّع لا يليق به هذا الوصف وإنفاق الواجب على أقسام منها: إنفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين تلزمه مؤنتهم ومنها: الزكوات ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدوّ يقصد أنفسهم وأموالهم فيجب عليهم إنفاق الأموال على من يدفعهم عنهم ومنها: دفع ما يسدّ رمق المضطرّ.
﴿سيطوّقون﴾ أي: سوف يطوّقون ﴿ما بخلوا به يوم القيامة﴾ اختلفوا في هذا الوعيد، فقال ابن عباس وابن مسعود: يجعل ما منعه من الزكاة حية يطوّقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه وتنقر رأسه تقول: أنا مالك. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية» ، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ـ أو الذي لا إله غيره أو كما حلف ـ ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقها إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت عليه أخراها ردّت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس» وقال مجاهد: معنى سيطوّقون سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة أي: يؤمرون بأداء ما منعوا فلا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ونبوّته وأراد بالبخل كتمان العلم كما في سورة النساء: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ (النساء، ٣٧)
ومعنى قوله: على هذا سيطوّقون أي: يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: ﴿يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ (الأنعام، ٣١)
وقوله تعالى: ﴿وميراث السموات والأرض﴾ في معناه وجهان أحدهما: أنّ له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فهو الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ونحوه قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد، ٧)
والثاني: وبه قال الأكثرون: إنّ معناه أنه يفنى أهل السموات والأرض ويفنى الأملاك ولا مالك لها إلا الله فجرى هذا مجرى الوراثة، قال ابن الأنباري: يقال: ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركاً فيه، وقال تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ (النمل، ١٦)
لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه.
﴿وا بما تعملون﴾ من المنع والإعطاء ﴿خبير﴾ فيجازيكم به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب.
﴿س٣ش١٨١//ش١٨٦ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُو?ا? إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا? وَقَتْلَهُمُ ا?ن?بِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا? عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُو?ا? إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَ s نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ? قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ? وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ? وَمَا الْحياةُ الدُّنْيَآ إِ s مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِى? أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُو?ا? أَذًى كَثِيرًا? وَإِن تَصْبِرُوا? وَتَتَّقُوا? فَإِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ ا?مُورِ﴾
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ قال الحسن ومجاهد لما نزل قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ (البقرة، ٢٤٥)
قالت اليهود: إنّ الله فقير ويستقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أنّ قائل هذه المقالة حييّ بن أخطب، وقال عكرمة والسديّ ومقاتل ومحمد بن إسحق: «كتب النبيّ ﷺ مع أبي بكر الصدّيق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
стр. 268
وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد أناساً كثيراً من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أنّ محمداً ﷺ قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فآمن وصدّق وأقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أنّ ربنا يستقرض من أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقاً فإنّ الله إذن لفقير ونحن أغنياء وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً ما أعطانا الربا يعني في قوله: ﴿فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ (،)
فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله إنّ عدوّ الله قال قولاً عظيماً زعم أنّ الله فقير وهم أغنياء فغضبت لله فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله ردّاً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: ﴿لقد سمع الله﴾ الآية» .
وهذا لا يدل على أنّ غيره لم يقل ذلك؛ لأنّ الآية دالة على أنّ القائل جماعة لقوله تعالى: الذين قالوا: ﴿سنكتب﴾ أي نأمر بكتب ﴿ما قالوا﴾ من الإفك والفرية في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ونحوه وإنا له كاتبون أو سنحفظه في علمنا لا نهمله؛ لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله واستهزاء بالله والرسول ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء كما قال تعالى: ﴿وقتلهم﴾ أي: وسنكتب قتلهم ﴿الأنبياء بغير حق﴾ وفي نظمه به تنبيه على أنه ليس أوّل جريمة ارتكبوها وأنّ من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول ﴿ويقول﴾ أي: الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ أي: النار وهي بمعنى المحرق كما يقال عذاب أليم أي: مؤلم وقرأ حمزة: سيكتب بالياء المثناة تحت بعد السين مضمومة وفتح التاء بعد الكاف وضمّ اللام من قتلهم وبالياء في ويقول والباقون بالنون بعد السين مفتوحة وضمّ التاء بعد الكاف ونصب اللام من قتلهم وبالنون في ونقول ويقال لهم: إذا ألقوا في النار.
﴿ذلك﴾ أي: العذاب ﴿بما قدّمت أيديكم﴾ من الإفتراء وقتل الأنبياء وغير ذلك من المعاصي وعبر بالأيدي عن الأنفس؛ لأنّ أكثر أعمالها بهنّ ﴿وأنّ الله ليس بظلام﴾ أي: بذي ظلم ﴿للعبيد﴾ فيعذبهم بغير ذنب.
فإن قيل: ظلام للمبالغة المقتضية للتكثير فهو أخص من ظالم ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعمّ أجيب: بأنه لما قوبل بالعبيد وهم كثيرون ناسب أن يقابل الكثير بالكثير وبأنه إذا نفي الظلم الكثير ينفى القليل؛ لأنّ الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه فيمن يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أترك وبأن ظلام للنسب كما قدّرته في الآية الكريمة، كما في بزاز وعطار أي: لا ينسب إليه ظلم البتة وقوله تعالى:
﴿الذين﴾ نعت للذين قبله ﴿قالوا﴾ لمحمد ﷺ تزعم أنّ الله بعثك بالحق رسولاً وأنزل عليك كتاباً وأن نؤمن بك أي: وقالوا ﴿إنّ الله﴾ قد ﴿عهد إلينا﴾ أي: أمرنا
стр. 269
وأوصانا في كتبه ﴿أن لا نؤمن لرسول﴾ أي: لا نصدّق رسولاً أنه قد جاء من عند الله ﴿حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾ أي: حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل، فيكون دليلاً على صدقه والقربان كل ما يتقرّب به العبد إلى الله من نسيكة وعمل صالح وكانوا إذا قرّبوا قرباناً أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وهفيف فتأكل ذلك القربان وتأكل الغنيمة. ومعنى أكلها أن تحيل ذلك إلى طبعها بالإحراق فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يتقبل بقي على حاله وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم؛ لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات في ذلك سواء، وقال السديّ: هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط آخر وهو أنّ الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدّقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات﴾ أي: بالمعجزات ﴿وبالذي قلتم﴾ من القربان كزكريا ويحيى فقتلتموهم ﴿فلم قتلتموهم﴾ والخطاب لمن في زمن نبينا وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به ﴿إن كنتم صادقين﴾ في أنكم تؤمنون بالرسل عند الإتيان بذلك.
ثم قال الله تعالى تسلية لنبيه ﷺ من تكذيب قومه واليهود:
﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات﴾ أي: المعجزات ﴿والزبر﴾ أي: الصحف كصحف إبراهيم ﴿والكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل ﴿المنير﴾ أي: الواضح فاصبر كما صبروا، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام، وقرأ ابن عامر وبالزبر بالباء الموحدة والباقون بغير باء بعد الواو، وقرأ هشام وبالكتاب بالباء الموحدة بعد الواو والباقون بغير باء وقوله تعالى:
﴿كلّ نفس ذائقة الموت﴾ زيادة تأكيد في تسليته ﷺ ومبالغة في إزالة الحزن عن قلبه، فإنّ من علم أن عاقبته إلى الموت زالت عن قلبه الغموم والأحزان.
روي أنّ الله تعالى لما خلق آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها أن يردّ فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي أخذ منها، ولأنّ بعد هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن من المسيء والمحق من المبطل ويجازى كلّ بما يستحقه كما قال تعالى: ﴿وإنما توفون أجوركم﴾ أي: جزاء أعمالكم ﴿يوم القيامة﴾ إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ ﴿فمن زحزح﴾ أي: بعد ﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ بالنجاة ونيل المراد والفوز بالظفر بالبغية بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم ﴿وما الحياة الدنيا﴾ أي: العيش فيها ﴿إلا متاع الغرور﴾ أي: الباطل يتمتع به قليلاً ثم يفنى.
روي أنّ الله تعالى يقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» اقرؤوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ (السجدة، ١٧)
وإنّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم ﴿وظل ممدود﴾ (الواقعة، ٣٠)
ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرؤوا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار﴾ الآية» .
وروي: «من أحبّ أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤتي الناس ما يحبّ أن يؤتى
стр. 270
إليه» أي: يفعل بهم ما يحبّ أن يفعل به.
وقوله تعالى: ﴿لتبلونّ﴾ جواب قسم محذوف تقديره والله لنبلونّ وحذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع وحذفت واو الرفع لالتقاء الساكنين أي: لتختبرنّ ﴿في أموالكم﴾ بالفرائض فيها والجوائح ﴿و﴾ في ﴿أنفسكم﴾ بالعبادات والبلاء والأسر والجراح وغير ذلك ﴿ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أي: مشركي العرب ﴿أذى كثيراً﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون: عزير ابن الله والمسيح ابن الله وثالث ثلاثة وكانوا يطعنون في النبيّ ﷺ بكل ما يقدرون عليه وهجاه كعب بن الأشرف وكانوا يحرضون الناس على مخالفته ﷺ ويجمعون العساكر لمحاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته ﴿وإن تصبروا﴾ على ذلك ﴿وتتقوا﴾ الله ﴿فإنّ ذلك من عزم الأمور﴾ أي: من صواب التدبير والرشد الذي ينبغي لكل عاقل أن يقدم عليه، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن جريج والكلبيّ ومقاتل: نزلت في أبي بكر وفنحاص وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي ليستمدّه وكتب إليه كتاباً لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع إليّ فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: احتاج ربك إلى أن نمدّه فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف فتذكر أبو بكر قول النبيّ ﷺ وكف عنه، فنزلت وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله ﷺ في شعره ويسب المسلمين ويحرض المشركين على النبيّ ﷺ وعلى أصحابه في شعره ويتشبب بنساء المسلمين.
تنبيه: في الآية تأويلان: أحدهما: المراد بالمصابرة أمر الرسول ﷺ بالصبر على الإبتلاء في النفس والمال وتحمل الأذى وترك المعارضة والمقاتلة وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين كقوله تعالى: ﴿فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ (طه، ٤٤)
وقال تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ (الجاثية، ١٤)
وقال تعالى: ﴿وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً﴾ (الفرقان، ٧٢)
وقال تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ (الأحقاف، ٣٥)
وقال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم﴾ (فصلت، ٣٤) ، قال الواحدي: وهذا قبل نزول آية السيف، وقال القفال: والذي عندي أنّ هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحد والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول ﵊ من طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة. التأويل الثاني: إنّ المراد الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم، فالصبر عبارة عن احتمال المكروه والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي.
اذكر ﴿إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: العهد عليهم في التوراة أي: على علمائهم ﴿ليبيننه﴾ أي: الكتاب ﴿للناس ولا يكتمونه﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بالياء في الفعلين على الغيبة؛ لأنّ أهل الكتاب المخاطبين بذلك غيب، والباقون بالتاء على الخطاب حكاية لمخاطبتهم ﴿فنبذوه﴾ أي: طرحوا الميثاق ﴿وراء ظهورهم﴾ أي: لم يعملوا به ولم يلتفتوا إليه ونقيض هذا جعله نصب عينيه ﴿واشتروا به﴾ أي: أخذوا بدله ﴿ثمناً قليلاً﴾ من حطام
стр. 271
الدنيا وأعراضها من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوتها عليهم وقوله تعالى: ﴿فبئس ما يشترون﴾ العائد محذوف تقديره يشترونه، قال قتادة رضي الله تعالى عنه: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم شيئاً فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة» ، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية وقال: قال رسول الله ﷺ «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وقال أبو الحسن بن عمارة رضي الله تعالى عنه: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدّثني فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إمّا أن تحدّثني وإمّا أن أحدّثك فقال: حدّثني فقلت: حدّثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخراز قال: سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدّثني أربعين حديثاً.
﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ أي: فعلوا من إضلال الناس ﴿ويحبون أن يحمدوا﴾ بما أوتوا من علم التوراة و ﴿بما لم يفعلوا﴾ من التمسك بالحق وهم على ضلال وهذا أيضاً من جملة أذاهم، لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البرّ والصدق والتقوى ولا شك أنّ الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال فأمر النبيّ ﷺ بالصبر عليها.
روي أنه ﷺ سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله تعالى رسوله ﷺ على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي: لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل: هم قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به، وقيل: هم المنافقون فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد بما ليس فيه وقوله تعالى: ﴿فلا تحسبنهم﴾ تأكيد ﴿بمفازة﴾ أي: مكان ينجون فيه ﴿من العذاب﴾ في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم فيها وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة والباقون بالكسر، ومفعولا تحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فلا يحسبنهم بالياء على الغيبة وضم الباء الموحدة والباقون بالتاء على الخطاب وفتح الباء الموحدة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة كما تقدّم.
﴿وملك السموات والأرض﴾ فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات وغير ذلك ﴿وا على كل شيء قدير﴾ ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين.
﴿إنّ في خلق السموات والأرض﴾ وما فيهما من العجائب ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحة على قدرته تعالى: وباهر حكمته ﴿لأولي الألباب﴾
стр. 272
لذوي العقول الذين يفتحون بصائرهم للنظر والإستدلال والإعتبار ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر، وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلها في جملة هذه العجائب متفكراً في قدرة مقدرها متدبراً حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ويحال بينك وبين النظر. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من أمر رسول الله ﷺ فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب أتاني ليلة فدخل في لحافي حتى التصق جلده بجلدي ثم قال: «يا عائشة هل لك أن تأذني الليلة في عبادة ربي؟» فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه، فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر فقال: «يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً؟» ثم قال: «وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿إنّ في خلق السموات والأرض﴾ ـ ثم قال: ـ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» .
وروي: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها» ، وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إنّ في خلق السموات والأرض، وحكي أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك فقال: ما أذكر؟ قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر قال: لعل، قالت: فما أوتيت إلا من ذاك. وقوله تعالى:
﴿الذين﴾ نعت لما قبله أو بدل ﴿يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ أي: مضطجعين أي: يذكرونه دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين؛ لأنّ الإنسان قلّ أن يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث.
وروى الطبرانيّ وغيره: أنه ﷺ قال: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذا في الصلاة يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب، وعن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض فقال: «يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب» .
تنبيه: قياماً وقعوداً حالان من فاعل يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضاً فيتعلق بمحذوف، والمعنى يذكرون قياماً وقعوداً ومضطجعين فعطف الحال المؤوّلة على الصريحة عكس الآية الأخرى وهي قوله: دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً حيث عطف الصريحة على المؤوّلة ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله تعالى ويعرفون أنّ لهما مدبراً حكيماً. قال بعض العلماء: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث في القلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة.
وروي عنه ﷺ «لا تفضلوني على يونس بن متى» ـ أي: تفضيلاً يؤدي إلى تنقيصه وإلا فهو ﷺ سيد ولد آدم ـ فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض. قالوا: وإنما كان ذلك
стр. 273
التفكر في أمر الله تعالى الذي هو عمل القلب، لأنّ أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض، وقال ﷺ «لا عبادة كالتفكر» أي: لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق لكن الحديث رواه البيهقيّ وغيره وضعفوه وقال ﷺ «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً اللهمّ اغفر لي فنظر الله تعالى إليه فغفر له» رواه الثعلبيّ بسند فيه من لا يعرف قال البيضاوي: وهذا دليل واضح على شرف علم أصول الدين وفضل أهله وقوله تعالى: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ على إرادة القول أي: يتفكرون قائلين ذلك، وهذا إشارة إلى الخلق بمعنى المخلوق من السموات والأرض أو إلى السموات والأرض؛ لأنهما في معنى المخلوق والمعنى ما خلقته عبثاً وضائعاً من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك.
تنبيه: نصب باطلاً على الحال من هذا وهي حال لا يستغنى عنها لو حذفت لاختل الكلام وهي كقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ (الدخان، ٣٨)
وقيل: على إسقاط حرف الخفض وهو الباء والمعنى ما خلقتهما بباطل بل بحق وقدرة ﴿سبحانك﴾ أي: تنزيهاً لك عن العبث وهو معترض بين قوله ﴿ربنا﴾ وبين قوله ﴿فقنا عذاب النار﴾ أي: للإختلال بالنظر في خلق السموات والأرض والقيام بما يقتضيه قال أبو البقاء: ودخلت الفاء لمعنى الجزاء والتقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا قال ابن عادل: ولا حاجة إليه بل التسبب فيها ظاهر تسبب عن قولهم ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك﴾ طلبهم وقاية النار.
﴿ربنا إنك من تدخل النار﴾ أي: للخلود فيها ﴿فقد أخزيته﴾ أي: أهنته ﴿وما للظالمين﴾ أي: للكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بتخصيص الخزي بهم ﴿من أنصار﴾ أي: أنصار فمن زائدة زيدت لتأكيد النفي.
﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي﴾ أي: يدعو الناس ﴿للإيمان﴾ أي: إليه وهو محمد ﷺ أو القرآن العظيم ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿آمنوا بربكم فآمنا﴾ به.
فإن قيل: أي فائدة في الجمع بين منادياً وينادي؟ أجيب: بأنه ذكر المبدأ مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيماً لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة المكروب أو نحو ذلك وكذا الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك، فإذا قلت: ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا﴾ أي: الكبائر منها ﴿وكفر عنا سيآتنا﴾ أي: الصغائر منها أو يكون ذلك من باب التعميم والإستيعاب كقوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ولأنّ الإلحاح والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم وهم الأنبياء والصالحون وفيه تنبيه على إنهم يحبون لقاء الله تعالى «ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه» ، رواه الشيخان.
﴿ربنا وآتنا﴾ أي: أعطنا ﴿ما وعدتنا﴾ به ﴿على﴾ ألسنة ﴿رسلك﴾ من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك، وإن كان وعده تعالى لا يتخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه؛
стр. 274
لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها وتكرير ربنا مبالغة في التضرّع. وفي الآثار: من جزبه أي أصابه أمر فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد ﴿ولا تخزنا﴾ أي: ولا تعذبنا ولا تفضحنا ولا تهنا ﴿يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ أي: الموعد بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، وعن ابن عباس: الميعاد البعث بعد الموت.
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? بَعْضُكُم مِّن? بَعْضٍ? فَالَّذِينَ هَاجَرُواوَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـ?َاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ? وَاللَّهُ عِندَهُ? حُسْنُ الثَّوَابِ *لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ? وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَاكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِّنْ عِندِ اللَّهِ? وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِـ?َايَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَا?ئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوااصْبِرُوا وَصَابِرُواوَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
دعاءهم وهو أخص من أجاب؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه؛ لأنّ كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدّى بنفسه وباللام ﴿أني﴾ أي: بأني ﴿لا أضيع عمل عامل منكم﴾ وقوله تعالى: ﴿من ذكر أو أنثى﴾ بيان عامل ﴿بعضهم من بعض﴾ أي: يجمع ذكركم وأنثاكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر أي: الذكور من الإناث والإناث من الذكور وقيل: المراد وصلة الإسلام وهذه الجملة وهي بعضكم من بعض معترضة بين عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى وما فصل به عمل عامل من قوله: ﴿فالذين هاجروا﴾ إلخ.. بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله تعالى عباده العاملين.
روي أنّ أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «يا رسول الله أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت» وقوله تعالى: ﴿فالذين هاجروا﴾ أي: من مكة إلى المدينة ﴿وأخرجوا من ديارهم﴾ تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارّين إلى الله تعالى بدينهم من دار الفتنة واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤوا ﴿وأوذوا في سبيلي﴾ أي: ديني ﴿وقاتلوا﴾ الكفار ﴿وقتلوا﴾ في الجهاد، وقرأ حمزة والكسائي بتقديم قتلوا وتأخير قاتلوا وشدد ابن كثير وابن عامر التاء من قتلوا للتكثير ﴿لأكفرن عنهم سيئاتهم﴾ أي: أسترها بالمغفرة ﴿ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً﴾ أي: أثيبهم بذلك إثابة ﴿من عند الله﴾ أي: تفضلاً منه تعالى فهو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿لأكفّرن عنهم ولأدخلنهم﴾ في معنى لأثيبنهم ﴿وا عنده حسن الثواب﴾ أي: الجزاء.
ولما كان المشركون في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون، وقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل.
﴿لا يغرنك تقلب﴾ أي: تصرف ﴿الذين كفروا في البلاد﴾ للتجارات وأنواع المكاسب والخطاب للنبيّ ﷺ والمراد منه غيره وقوله تعالى:
﴿متاع قليل﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك التقلب متاع قليل يتمتعون به في الدنيا يسيراً ويغني فهو قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب قال ﷺ «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» رواه مسلم، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «جئت فإذا رسول الله ﷺ في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» ﴿ثم مأواهم﴾ أي: مصيرهم ﴿جهنم وبئس المهاد﴾ أي: الفراش هي.
﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فيها نزلاً من عند الله﴾ وهو ما يعد للضيف ونصبه
стр. 275
على الحال من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيها معنى الظرف ﴿وما﴾ أي: والذي ﴿عند الله﴾ من الثواب لكثرته ودوامه ﴿خير للأبرار﴾ مما يتقلب فيه الكفار من متاع الدنيا لقلته وسرعة زواله، واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن با﴾ فقال جابر وابن عباس وأنس: نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل ﵊ للنبيّ ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» فقالوا: ومن هو؟ قال: «النجاشي» فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبّر عليه أربع تكبيرات واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصرانيّ لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، وقال عطاء: نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبيّ ﷺ وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب ﴿وما أنزل إليكم﴾ أي: القرآن ﴿وما أنزل إليهم﴾ أي: التوراة والإنجيل وقوله تعالى: ﴿خاشعين﴾ حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من لأنها في معنى الجمع أي: متواضعين ﴿لا يشترون﴾ أي: لا يستبدلون ﴿بآيات الله﴾ التي عندهم في التوراة والإنجيل من نعت النبيّ ﷺ ﴿ثمناً قليلاً﴾ من الدنيا بأن يكتموها خوفاً على الرياسة كما فعل غيرهم من اليهود ﴿أولئك لهم أجرهم﴾ أي: ثواب أعمالهم ﴿عند ربهم﴾ وهو ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ وقوله تعالى: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ ﴿إن الله سريع الحساب﴾ لنفوذ علمه في كل شيء فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر بحساب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا.
﴿يأيها الذين آمنوا اصبروا﴾ على مشاق الطاعة وما يصيبكم من الشدائد وعن المعاصي ﴿وصابروا﴾ أي: غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب فلا يكونوا أشد صبراً منكم ﴿ورابطوا﴾ أي: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين للغزو قال الله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم﴾ (الأنفال، ٦٠)
وروي أنه ﷺ قال: «من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» .
وروي أنه ﷺ قال: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» ﴿واتقوا الله﴾ في جميع أحوالكم ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تفوزون بالجنة وتنجون من النار وقال بعض العلماء: اصبروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا له الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء.
روى الطبريّ لكن بإسناد ضعيف: من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس أي: تغيب وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشري وتبعهما ابن عاد من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أماناً على جسر جهنم» فهو من الأحاديث الموضوعة على أبي بن كعب في فضائل السور فليتنبه لذلك ويحذر منه، وقد نبه أئمة الحديث قديماً وحديثاً على ذلك وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم والله تعالى أعلم.
стр. 276
سورة النساء
مدنية
مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية وثلاثة آلافوخمس وأربعون كلمة وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الظاهر الملك العلام ﴿الرحمن﴾ الذي عم عباده بالأنعام ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ولايته بدار السلام وقوله تعالى:
﴿يأيها الناس﴾ خطاب يعم المكلفين من أولاد آدم من الذكور والإناث الموجودين منهم في زمن نبينا ﷺ من العرب وغيرهم، وقيل: يختص بالعرب منهم لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ إذ المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم فيقولون: أنشدك بالله وبالرحم، وأجيب بأنّ خصوص آخر الآية لا يمنع عموم أوّلها ﴿اتقوا ربكم﴾ أي: عذابه بأن تطيعوه ﴿الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ أي: فرّعكم من أصل واحد، وهو نفس آدم أبيكم.
وقوله تعالى: ﴿وخلق منها زوجها﴾ معطوف على «خلقكم» أي: خلقكم من شخص واحد هو آدم، وخلق منها أمكم حوّاء بالمدّ من ضلع من أضلاعه اليسرى، أو معطوف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء، وهو تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وقوله تعالى: ﴿وبث منهما﴾ أي: من آدم وحوّاء ﴿رجالاً كثيراً ونساء﴾ أي: كثيراً بيان لكيفية تولدهم منهما.
والمعنى: وبث أي: نشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة، وذكر كثيراً حملاً على الجمع ولا تكرار في الآية؛ لأن خلقكم من نفس واحدة مغاير لخلق حوّاء منها؛ لأنها خلقت من ضلعه وهم من مائهما ولبث الرجال والنساء؛ لأنه بين به أن خلقهم من نفس واحدة معناه من نفس آدم وحوّاء مع زيادة التصريح بالرجال والنساء ﴿واتقوا الله الذي تساءلون﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في السين أي: تتساءلون ﴿به﴾ فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله، وأنشدك بالله.
فإن قيل: الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها؟ أجيب: بأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على ذلك كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدّي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه؛ ولأنه يدل على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها، والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف السين والباقون بتشديدها ﴿و﴾ اتقوا ﴿الأرحام﴾ أي: بأن تصلوها ولا تقطعوها، وكانوا يتناشدون بالرحم، وقد نبه إذ قرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكان منه تعالى.
روى الشيخان أنه ﷺ قال: «الرحم معلقة
стр. 277
بالعرش تقول: ألا من وصلني وصله الله تعالى ومن قطعني قطعه الله تعالى» ، وقرأ غير حمزة بالنصب عطفاً على الله تعالى فالعامل فيه اتقوا كما قدرته أو معطوف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمراً، وأما حمزة فقرأه بالجر عطفاً على الضمير المجرور، وقول البيضاوي: وهو ضعيف أي: كما هو مذهب البصريين ممنوع، والحق أنه ليس بضعيف فقد جوّزه الكوفيون، وكيف يكون ضعيفاً والقراءة به متواترة؟ فيجب أن يضعف كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب العالمين، وتعليلهم عدم الجواز بكونه كبعض كلمة لا يقتضي إلحاقه به في عدم جواز العطف إذ حذف الشيء مع القرينة جائز ومنه:
*رسم دار وقفت في طلله*
أي: ورب رسم دار وقول الشاعر:
*اذهب فما بك والأيام من عجب
﴿إنّ الله كان عليكم رقيباً﴾ أي: حافظاً لأعمالكم فيجازيكم بها أي: لم يزل متصفاً بذلك ﴿وآتوا اليتامى﴾ أي: بعد البلوغ والرشد ﴿أموالهم﴾ وسموا اليتامى بعد البلوغ مع أنّ اليتيم في عرف الشرع صغير لا أب له على معنى أنهم كانوا يتامى، وإن كان اليُتْيم في اللغة الانفراد، ومنه الدرّة اليتيمة، وقيل: اليتيم في الإناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطير من قبلهما، والخطاب للأولياء والأوصياء.
روي أنّ رجلاً كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال من عمه فمنعه فترافعا إلى النبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله، فقال النبيّ ﷺ «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحله داره» أي: جنته، وسيأتي تفسير الحوب الكبير، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبيّ ﷺ «ثبت الأجر وبقي الوزر» فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده» أي: ولعله كان لا يخرج زكاته ﴿ولاتتبدلوا الخبيث﴾ أي: الحرام ﴿بالطيب﴾ أي: الحلال أي: لا تأخذوه بدله كما تفعلون في أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه.
قال الزمخشريّ: وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل، قال التفتازانيّ: لأن معنى تبدلت هذا بذاك أنك أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت؛ لأنّ معنى بدلت هذا بذاك أخذت ذاك وأعطيت هذا قال تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ (البقرة، ١٠٨)
فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد فقد أعطى الخبيث وأخذ الطيب كما لو أخذ الخبيث وترك الطيب؛ ليكون تبدل الخبيث بالطيب، فالحاصل أنّ في التبدل ما دخلته الباء متروك، وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ وفي التبديل بالعكس اه. وقد أوضحت ذلك في «شرح المنهاج» ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى﴾ أي: مع ﴿أموالكم﴾ كقوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (آل عمران، ٥٢)
أي: مع الله، أي: لا تنفقوهما معاً، ولا تسووا بينهما، فأكلكم أموالكم حلال لكم، وأكلكم أموالهم حرام عليكم، فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم.
فإن قيل: قد حرم الله عليهم أكل مال اليتيم وحده ومع أموالهم فلم ورد النهي عن أكله معها؟ أجيب: بأنهم كانوا يفعلون كذلك فأنكر عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم؛ ولأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال، وهم مع ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم
стр. 278
أحق ﴿إنه﴾ أي: أكلها ﴿كان حوباً﴾ أي: ذنباً ﴿كبيراً﴾ أي: عظيماً ولما نزلت هذه الآية في اليتامى، وما كان في أكل أموالهم من الحوب الكبير خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك العدل في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست ولا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهنّ نزل.
﴿وإن خفتم﴾ أي: خشيتم ﴿أن لا تقسطوا﴾ أي: تعدلوا ﴿في اليتامى﴾ فتحرّجتم من أمورهم فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات ﴿فانكحوا ما طاب﴾ أي: حلّ ﴿لكم من النساء﴾ ؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ أي: تزوّجوا اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً؛ لأنّ من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب؛ لأنه إنما وجب أن يتحرّج من الذنب ويتاب عنه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب وإنما عبر عنهنّ بما ومن يعقل إنما يعبر عنه بمن ذاهباً إلى الصفة؛ لأنه إنما يفرق بين من وما في الذوات لا في الصفات أو أجراهنّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنّ، وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الحوب في حق اليتامى، فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تجولوا حول المحرّمات، وقيل: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال فيتزوّجها ضناً ـ أي: بخلاً ـ بها فربما يجتمع عنده منهنّ عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهنّ.
فإن قيل: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع حتى إنّ بعض الرافضة قال: للشخص أن يتزوّج بثمانية عشر؟ أجيب: بأنّ الخطاب للجمع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قيل: لم جاء العطف بالواو دون أو حتى قال بعض الرافضة: إنّ له أن يتزوج بتسعة؟ أجيب: بأنه لو عطف بأو لذهب معنى تجويز أنواع الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليها الواو ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا﴾ بين هذه الأعداد أيضاً بالقسم والنفقة ﴿فواحدة﴾ أي: فانكحوا واحدة وذروا الجمع ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ أي: اقتصروا على ذلك سواء بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري؛ لخفة مؤنتهنّ وعدم وجوب القسم بينهنّ.
تنبيه: هذا في حق الحر أما من فيه رق فلا يتزوّج أكثر من ثنتين بإجماع الصحابة وقد يعرض للحر عوارض لا يزاد فيها على واحدة كجنون أو سفه ﴿ذلك﴾ أي: نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري ﴿أدنى﴾ أقرب إلى ﴿أن لا تعولوا﴾ أي: تجوروا، يقال: عال الحاكم في حكمه إذا جار.
وروي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علي وقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ «أن لا تعولوا، أن لا تجوروا» ، وحكي عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنه فسر «أن لا تعولوا» بأن لا تكثروا عيالكم قال البغويّ: وما قاله أحد إنما يقال: من كثرة العيال أعال يعيل إعالة إذا كثرت عياله، وقال الزمخشريّ: ووجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، ثم قال: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن
стр. 279
به تحريف تعيلوا إلى تعولوا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا تظننّ بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وكان الشافعيّ رحمه الله تعالى أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا اه.
﴿وآتوا﴾ أي: أعطوا ﴿النساء صدقاتهنّ﴾ جمع صدقة أي: مهورهنّ ﴿نحلة﴾ أي: عطية يقال: نحله كذا نحلة أي: أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ونصبها على المصدر؛ لأنّ النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وأنحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، قال الكلبيّ وجماعة: والخطاب للأولياء، وذلك أنّ وليّ المرأة كان إذا زوّجها، فإن كان معهم في العشيرة فلم يعطها من مهرها شيئاً، وإن زوجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه﴾ أي: الصداق وقوله تعالى: ﴿نفساً﴾ محوّل عن الفاعل أي: إن طابت نفسهنّ لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم ﴿فكلوه﴾ أي: فخذوه وأنفقوه ﴿هنيئاً﴾ أي: طيباً ﴿مريئاً﴾ أي: محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة.
روي أنّ ناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته، فقال الله تعالى: إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئاً مريئاً.
قال الزمخشريّ وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل: «فإن طبن» ، ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن إعلاماً بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وعن الشعبي: إنّ رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: ردّ عليها، فقال الرجل: أليس الله تعالى قد قال: ﴿فإن طبن لكم﴾ ؟ قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.
وحكي أنّ رجلاً من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة بها نفسها فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها ﴿ولا تأخذوا منه شيئاً﴾ أردد عليها. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
﴿ولا تؤتوا﴾ أيها الأولياء ﴿السفهاء﴾ أي: المبذرين من الرجال والنساء ﴿أموالكم﴾ أي: أموالهم وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء؛ لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وقيل: نهي إلى كل أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله من المال فيعطيه امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقلهم واستهجاناً لجعلهم قوّاماً وهذا أوفق لقوله تعالى: ﴿التي جعل الله لكم قياماً﴾ أي: تقوم بمصالحكم ومصالح أولادكم فيضعوها في غير وجهها، وعلى القول الأولّ يؤوّل بأنّ أموال السفهاء التي من جنس ما جعل الله لكم قياماً، وسمى الله ما به القيام قياماً للمبالغة.
وقرأ نافع وابن عامر «قيماً» بغير ألف بعد الياء والقيم جمع قيمة ما يقوّم به الأمتعة، والباقون بالألف مصدر قام و ﴿وارزقوهم﴾ أي: أطعموهم ﴿فيها واكسوهم﴾ فيها، وإنما قال تعالى: «فيها» لجعله الأموال ظروفاً للرزق، فيكون الإنفاق من الربح لا من الأموال التي هي الظروف بأن يتجروا فيها ويحصلوا من ربحها ما يحتاجون إليه، ولو قيل: منها لكان الإنفاق من نفس الأموال ﴿وقولوا لهم قولاً
стр. 280
معروفاً﴾ أي: عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه فهو منكر، وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإذا غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً، وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل له: عافانا الله وإياك بارك الله فيك. وقيل: لا يختص ذلك بالأولياء بل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبيّ رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه فيما لا ينبغي ويفسده.
﴿وابتلوا﴾ أي: اختبروا ﴿اليتامى﴾ في دينهم وتصرفهم بأن تختبروا ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوّام بها، والمرأة فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرّة ونحوها وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدّة في خبز وماء ولحم ونحوها، كل ذلك على العادة في مثله، ويشترط تكرار الاختبار مرّتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظنّ برشده، ووقت الاختبار قبل البلوغ ولا يصح عقده بل يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الوليّ ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ أي: صاروا أهلاً له إمّا بالسنّ وهو استكمال خمس عشرة سنة تحديدية لخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «عرضت على النبيّ ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت» ، رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها من انفصال جميع الولد، قيل: عرض عليه ﷺ سبعة عشر من الصحابة وهم أبناء أربع عشرة فلم يجزهم وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم.
وإما بخروج المنيّ في وقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تحديدية سواء أخرج في نوم أم يقظة بجماع أو غيره وتزيد المرأة على هذين الأمرين الحيض لوقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تقريبية فيغتفر فيها زمن لا يسع حيضاً وطهراً، والولادة لأنها يسبقها الإنزال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء وإنبات شعر العانة الخشن دليل للبلوغ في حق الكفار لا في حق المسلمين ولا عبرة بإنبات شعر الإبط واللحية.
﴿فإن آنستم﴾ أي: أبصرتم ﴿منهم رشداً﴾ وهو صلاح الدين والمال، أما صلاح الدين فلا يرتكب محرّماً يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة ويعتبر في رشد الكافر دينه، وأما صلاح المال فلا يضيعه بإلقائه في بحر أو يصرفه في محرم، أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها، وليس صرفه في الخير بتبذير ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وشراء الجواري والاستمتاع بهنّ؛ لأنّ المال يتخذ لينتفع به، نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له حرم عليه ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ من غير تأخير ﴿ولا تأكلوها﴾ أيها الأولياء وقوله تعالى: ﴿إسرافاً﴾ أي: بغير حق ﴿وبداراً﴾ حالان أي: مسرفين ومبادرين إلى إنفاقها مخافة ﴿أن يكبروا﴾ رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم ﴿ومن كان﴾ من الأولياء ﴿غنياً فليستعفف﴾ أي: يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله ﴿ومن كان فقيراً فليأكل﴾ منه ﴿بالمعروف﴾ أي: بقدر الأقلّ من حاجته وأجرة سعيه كما مرّ، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الوليّ له حق في مال الصبي.
وروى النسائيّ وغيره أنّ رجلاً قال للنبيّ ﷺ إنّ في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف» .
стр. 281
تنبيه: إيراد هذا التقسيم بعد قوله: ﴿ولا تأكلوها﴾ يدل على أنه نهي للأغنياء منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئاً، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا منها شيئاً بغير المعروف، كما أنّ قوله: ﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا﴾ يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافاً ومبادرة لكبرهم ﴿فإذا دفعتم إليهم﴾ أي: اليتامى ﴿أموالهم فأشهدوا﴾ ندباً ﴿عليهم﴾ بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة وهو مذهب الشافعيّ ومالك خلافاً لأبي حنيفة ﴿وكفى با حسيباً﴾ أي: حافظاً الأعمال خلقه ومحاسبتهم.
﴿للرجال﴾ أي: الذكور ﴿نصيب﴾ أي: حظ ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ أي: المتوفون ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه﴾ أي: المال ﴿أو كثر﴾ جعله الله ﴿نصيباً مفروضاً﴾ أي: مقطوعاً بتسليمه إليهم.
روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة ـ بضمّ الكاف والحاء المشدّدة ـ وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرجال ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أمّ كحة إلى رسول الله ﷺ في مسجد الفضيخ ـ وهو بالضاد والخاء المعجمتين، موضع بالمدينة، قيل: لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة؛ لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى ـ فشكت إليه فقالت: يا رسول الله إنّ أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئاً، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلأ ولا ينكي عدوّاً، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهنّ الميراث فقال رسول الله ﷺ «لا تقربا من مال أوس شيئاً فإنّ الله جعل لبناته نصيباً مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهنّ» فأنزل الله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فأعطى ﷺ أمّ كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العمّ» وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب ﴿وإذا حضر القسمة﴾ للميراث ﴿أولو القربى﴾ أي: ذوو القرابة ممن لا يرث ﴿واليتامى والمساكين فارزقوهم﴾ أي: أعطوهم ﴿منه﴾ أي: المقسوم شيئاً قبل القسمة تطييباً لقلوبهم وتصدّقاً عليهم، وهو أمر ندب للبلغ من
الورثة، وقيل: أمر وجوب.
واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم: هي منسوخة بآية المواريث كالوصية، وعن سعيد بن جبير: إنّ ناساً يقولون: نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً كأن يقولون: بورك فيكم.
﴿وليخش﴾ أي: وليخف على اليتامى ﴿الذين لو تركوا﴾ أي: قاربوا أن
стр. 282
يتركوا ﴿من خلفهم﴾ أي: بعد موتهم ﴿ذرّية ضعافاً﴾ أي: أولاداً صغاراً ﴿خافوا عليهم﴾ أي: الضياع ﴿فليتقوا الله﴾ في أمر اليتامى وغيرهم، وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم ﴿وليقولوا﴾ أي: للمريض ﴿قولاً سديداً﴾ أي: عدلاً وصواباً بأن يأمروه أن يتصدّق بدون ثلثه، ويترك الباقي لورثته، ولا يتركهم عالة، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته: انظر لنفسك فإنّ أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً قدّم لنفسك أعتق وتصدّق وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته.
﴿إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ أي: بغير حق ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال الشاعر:
*كلوا في بعض بطنكم تعفوا*
ومعنى يأكلون ناراً يأكلون ما يجرّ إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة.
روي «أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا» .
وروي أنه ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما.... على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً» . ﴿وسيصلون سعيراً﴾ أي: ناراً شديدة يحترقون فيها، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء والباقون بالفتح.
﴿يوصيكم الله﴾ أي: يأمركم ﴿في أولادكم﴾ أي: في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله ﴿للذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ﴾ أي: نصيب ﴿الأنثيين﴾ إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا يلزم الأنثى من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما، وله حاجتان: حاجة لنفسه وحاجة لزوجته، والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالباً مستغنية بالتزويج عن الإنفاق من مالها، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأنّ الرغبة تقل فيها إذا لم يكن لها مال جعل لها حظاً من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها.
فإن قيل: هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ أجيب: بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك؛ ولأنّ قوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصداً إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه؛ ولأنهم كانوا يورّثون الرجال دون النساء والصبيان، وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ (النساء، ٣٣)
ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء﴾ (الأنفال، ٧٢)
ثم نسخ ذلك كله بالآية الكريمة، واختلف في سبب نزولها، فعن جابر أنه قال: «جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة» فنزلت، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أمّ كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد، وترك
стр. 283
امرأة وبنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال، فأتت امرأة سعد إلى النبيّ ﷺ بابنتي سعد فقالت: يا رسول الله إنّ هاتين ابنتا سعد وإن سعداً قتل يوم أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال ﷺ «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» فنزلت، فدعا رسول الله ﷺ عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمّهما الثمن وما بقي فهو لك» فهذا أوّل ميراث قسم في الإسلام، وكأنه قيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، ولا يضارون في حظهنّ حتى يحرمن مع إدلائهنّ مع القرابة مثل ما يدلون به.
فإن قيل: حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان؟ أجيب: بأنّ المراد حالة الاجتماع كما مرّ أما في حالة الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أنّ الغرض حكم الاجتماع أنه اتبعه حكم الانفراد بقوله تعالى: ﴿فإن كنّ﴾ أي: إن كان الأولاد ﴿نساء﴾ خلصاً ليس معهنّ ذكر، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات وقوله تعالى: ﴿فوق اثنتين﴾ خبر ثان أو صفة لنساء أي: نساء زائدات على اثنتين.
فإن قيل: قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: ﴿فإن كن نساء﴾ وهو لبيان حظ الإناث؟ أجيب: بأنه وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم منه حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً فلذلك صح أن يقال: فإن كنّ نساء ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ أي: المتوفى منكم ويدل عليه المعنى ﴿وإن كانت﴾ أي: المولودة ﴿واحدة فلها النصف﴾ وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان التامّة، والباقون بالنصب على كان الناقصة.
واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: حكمهما حكم الواحدة؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوقهما؛ لأنه تعالى لما بين أنّ حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى، وهو الثلثان، اقتضى ذلك أنّ فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿فإن كنّ نساء فوق اثنتين﴾ ويؤيد ذلك أنّ البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع أخت مثلها، ويؤيده أيضاً إنّ البنتين أمسّ رحماً من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله: ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ وقيل: فوق صلة وقيل: لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر ﴿ولأبويه﴾ أي: الميت وقوله تعالى: ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون للأب ضعف ما للأم أخذاً من قوله تعالى: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وبهذا اندفع كما قال التفتازاني إنّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وهنا لو قيل: لأبويه السدس لم يستقم هذا ﴿إن كان له﴾ أي: الميت ﴿ولد﴾ ذكر أو غيره وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجدّ ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾ أي: فقط بقرينة المقام ﴿فلأمه الثلث﴾ مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب؛ لأنه لما فرض أنّ الوارث أبواه فقط، وعين نصيب الأمّ علم أنّ الباقي للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثاً، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ثلث ما بقي بعد فرضه كما قال الجمهور
стр. 284
لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو كما قال البيضاوي خلاف وضع الشرع ﴿فإن كان له إخوة﴾ أي: اثنان فصاعداً ذكور أو إناث كما عليه الجمهور ﴿فلأمّه السدس﴾ والباقي للأب ولا شيء للإخوة.
وقال ابن عباس: لا يحجب الأمّ من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور، أخذاً بظاهر اللفظ، وإطلاق اللفظ يدلّ على أنّ الإخوة يردّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئاً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمّ.
وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمّه بكسر الهمزة فراراً من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين، والباقون بضمها، وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ متعلق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلها أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد وصية أو وفاء دين، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومفردين.
فإن قيل: لم قدّمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع عنه؟ أجيب: بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي مستحبة لكل مكلف بخلاف الدين فإنه: لا يكون على كل مكلف فقدّمت لذلك، وقرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة (يوصى) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في الحرف الثاني، والباقون بكسر الصاد فيهما، وقوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ مبتدأ خبره ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً﴾ أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظنّ أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظنّ أنّ الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وإنما العالم بذلك هو الله تعالى، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته ﴿فريضة﴾ أي: ما قدر من المواريث فرض فريضة ﴿من الله إنّ الله كان عليماً﴾ بأمور عباده ﴿حكيماً﴾ فيما قضى وقدّر أي: لم يزل متصفاً بذلك.
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد﴾ ذكر أو غيره منكم أو من غيركم ﴿فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً ﴿ولهنّ﴾ أي: الزوجات تعددن أو لا ﴿الربع مما تركتم إن لم يكم لكن ولد فإن كان لكم ولد﴾ منهنّ أو من غيرهنّ ﴿فلهنّ الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وولد الابن كالولد في ذلك إجماعاً، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة ﴿وإن كان رجل﴾ أي: الميت ﴿يورث﴾ أي: منه من ورث، صفة رجل وخبر كان ﴿كلالة،﴾ أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد له ولا والد، قال الشعبي: سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن كان
стр. 285
صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد، والولد فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر.
وذهب طاوس أنّ الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس وأحد القولين عن عبد الله بن عمر، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا؟ سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله ﷺ شيء ما أعضلت بهم الكلالة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ثلاث لأن يكون النبيّ بينهنّ لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. وقال سعيد بن أبي طلحة: خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن» وقوله: «ألا يكفيك آية الصيف» أراد أنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أوّل سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها.
وقوله تعالى: ﴿أو امرأة﴾ عطف على رجل أي: أو امرأة تورث كلالة ﴿وله﴾ أي: الرجل ﴿أخ أو أخت﴾ واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل والمرأة ﴿فلكل واحد منهما السدس﴾ وقد أجمعوا على أنّ المراد به الأخ والأخت من الأم ﴿فإن كانوا﴾ أي: الأخت والأخوات من الأم ﴿أكثر من ذلك﴾ أي: من واحد ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ يستوي فيه ذكورهم وإناثهم؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وقوله تعالى: ﴿غير مضارّ﴾ حال من ضمير يوصى أي: غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث، وعن قتادة: كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه.
وعن الحسن المضارّة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه، ومعناه الإقرار، وقوله تعالى: ﴿وصية من الله﴾ مصدر مؤكد ليوصيكم أي: يوصيكم بذلك وصية كقوله: ﴿فريضة من الله﴾ (النساء، ١١)
﴿وا عليم﴾ بما دبره لخلقه من الفرائض ﴿حليم﴾ بتأخير العقوبة عمن خالفه.
تنبيه: خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق.u
﴿تلك﴾ أي: الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث ﴿حدود الله﴾ أي: شرائعه التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدّوها ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ فيما حكما به ﴿يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً ﴿وذلك الفوز العظيم﴾ .
﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده﴾ أي: الله ﴿يدخله ناراً﴾ وقوله تعالى: ﴿خالداً فيها﴾ حال كما مرّ، ولا يجوز أن يكون (خالدين) و (خالداً) صفتين لجنات ونار؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها هذا على مذهب البصريين، أما على مذهب الكوفيين فهو جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا، وهو الراجح كما جرى عليه ابن مالك وغيره ﴿وله عذاب مهين﴾
следующие страницы →