← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تنبيه: إيراد هذا التقسيم بعد قوله: ﴿ولا تأكلوها﴾ يدل على أنه نهي للأغنياء منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئاً، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا منها شيئاً بغير المعروف، كما أنّ قوله: ﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا﴾ يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافاً ومبادرة لكبرهم ﴿فإذا دفعتم إليهم﴾ أي: اليتامى ﴿أموالهم فأشهدوا﴾ ندباً ﴿عليهم﴾ بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة وهو مذهب الشافعيّ ومالك خلافاً لأبي حنيفة ﴿وكفى با حسيباً﴾ أي: حافظاً الأعمال خلقه ومحاسبتهم. ﴿للرجال﴾ أي: الذكور ﴿نصيب﴾ أي: حظ ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ أي: المتوفون ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه﴾ أي: المال ﴿أو كثر﴾ جعله الله ﴿نصيباً مفروضاً﴾ أي: مقطوعاً بتسليمه إليهم. روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة ـ بضمّ الكاف والحاء المشدّدة ـ وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرجال ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أمّ كحة إلى رسول الله ﷺ في مسجد الفضيخ ـ وهو بالضاد والخاء المعجمتين، موضع بالمدينة، قيل: لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة؛ لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى ـ فشكت إليه فقالت: يا رسول الله إنّ أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئاً، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلأ ولا ينكي عدوّاً، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهنّ الميراث فقال رسول الله ﷺ «لا تقربا من مال أوس شيئاً فإنّ الله جعل لبناته نصيباً مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهنّ» فأنزل الله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فأعطى ﷺ أمّ كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العمّ» وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب ﴿وإذا حضر القسمة﴾ للميراث ﴿أولو القربى﴾ أي: ذوو القرابة ممن لا يرث ﴿واليتامى والمساكين فارزقوهم﴾ أي: أعطوهم ﴿منه﴾ أي: المقسوم شيئاً قبل القسمة تطييباً لقلوبهم وتصدّقاً عليهم، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة، وقيل: أمر وجوب. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم: هي منسوخة بآية المواريث كالوصية، وعن سعيد بن جبير: إنّ ناساً يقولون: نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً كأن يقولون: بورك فيكم. ﴿وليخش﴾ أي: وليخف على اليتامى ﴿الذين لو تركوا﴾ أي: قاربوا أن

стр. 282

يتركوا ﴿من خلفهم﴾ أي: بعد موتهم ﴿ذرّية ضعافاً﴾ أي: أولاداً صغاراً ﴿خافوا عليهم﴾ أي: الضياع ﴿فليتقوا الله﴾ في أمر اليتامى وغيرهم، وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم ﴿وليقولوا﴾ أي: للمريض ﴿قولاً سديداً﴾ أي: عدلاً وصواباً بأن يأمروه أن يتصدّق بدون ثلثه، ويترك الباقي لورثته، ولا يتركهم عالة، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته: انظر لنفسك فإنّ أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً قدّم لنفسك أعتق وتصدّق وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته. ﴿إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ أي: بغير حق ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال الشاعر: *كلوا في بعض بطنكم تعفوا* ومعنى يأكلون ناراً يأكلون ما يجرّ إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة. روي «أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا» . وروي أنه ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما.... على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً» . ﴿وسيصلون سعيراً﴾ أي: ناراً شديدة يحترقون فيها، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء والباقون بالفتح. ﴿يوصيكم الله﴾ أي: يأمركم ﴿في أولادكم﴾ أي: في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله ﴿للذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ﴾ أي: نصيب ﴿الأنثيين﴾ إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا يلزم الأنثى من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما، وله حاجتان: حاجة لنفسه وحاجة لزوجته، والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالباً مستغنية بالتزويج عن الإنفاق من مالها، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأنّ الرغبة تقل فيها إذا لم يكن لها مال جعل لها حظاً من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها. فإن قيل: هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ أجيب: بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك؛ ولأنّ قوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصداً إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه؛ ولأنهم كانوا يورّثون الرجال دون النساء والصبيان، وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ (النساء، ٣٣) ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء﴾ (الأنفال، ٧٢) ثم نسخ ذلك كله بالآية الكريمة، واختلف في سبب نزولها، فعن جابر أنه قال: «جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة» فنزلت، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أمّ كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد، وترك

стр. 283

امرأة وبنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال، فأتت امرأة سعد إلى النبيّ ﷺ بابنتي سعد فقالت: يا رسول الله إنّ هاتين ابنتا سعد وإن سعداً قتل يوم أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال ﷺ «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» فنزلت، فدعا رسول الله ﷺ عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمّهما الثمن وما بقي فهو لك» فهذا أوّل ميراث قسم في الإسلام، وكأنه قيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، ولا يضارون في حظهنّ حتى يحرمن مع إدلائهنّ مع القرابة مثل ما يدلون به. فإن قيل: حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان؟ أجيب: بأنّ المراد حالة الاجتماع كما مرّ أما في حالة الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أنّ الغرض حكم الاجتماع أنه اتبعه حكم الانفراد بقوله تعالى: ﴿فإن كنّ﴾ أي: إن كان الأولاد ﴿نساء﴾ خلصاً ليس معهنّ ذكر، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات وقوله تعالى: ﴿فوق اثنتين﴾ خبر ثان أو صفة لنساء أي: نساء زائدات على اثنتين. فإن قيل: قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: ﴿فإن كن نساء﴾ وهو لبيان حظ الإناث؟ أجيب: بأنه وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم منه حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً فلذلك صح أن يقال: فإن كنّ نساء ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ أي: المتوفى منكم ويدل عليه المعنى ﴿وإن كانت﴾ أي: المولودة ﴿واحدة فلها النصف﴾ وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان التامّة، والباقون بالنصب على كان الناقصة. واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: حكمهما حكم الواحدة؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوقهما؛ لأنه تعالى لما بين أنّ حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى، وهو الثلثان، اقتضى ذلك أنّ فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿فإن كنّ نساء فوق اثنتين﴾ ويؤيد ذلك أنّ البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع أخت مثلها، ويؤيده أيضاً إنّ البنتين أمسّ رحماً من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله: ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ وقيل: فوق صلة وقيل: لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر ﴿ولأبويه﴾ أي: الميت وقوله تعالى: ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون للأب ضعف ما للأم أخذاً من قوله تعالى: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وبهذا اندفع كما قال التفتازاني إنّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وهنا لو قيل: لأبويه السدس لم يستقم هذا ﴿إن كان له﴾ أي: الميت ﴿ولد﴾ ذكر أو غيره وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجدّ ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾ أي: فقط بقرينة المقام ﴿فلأمه الثلث﴾ مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب؛ لأنه لما فرض أنّ الوارث أبواه فقط، وعين نصيب الأمّ علم أنّ الباقي للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثاً، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ثلث ما بقي بعد فرضه كما قال الجمهور

стр. 284

لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو كما قال البيضاوي خلاف وضع الشرع ﴿فإن كان له إخوة﴾ أي: اثنان فصاعداً ذكور أو إناث كما عليه الجمهور ﴿فلأمّه السدس﴾ والباقي للأب ولا شيء للإخوة. وقال ابن عباس: لا يحجب الأمّ من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور، أخذاً بظاهر اللفظ، وإطلاق اللفظ يدلّ على أنّ الإخوة يردّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئاً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمّ. وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمّه بكسر الهمزة فراراً من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين، والباقون بضمها، وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ متعلق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلها أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد وصية أو وفاء دين، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومفردين. فإن قيل: لم قدّمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع عنه؟ أجيب: بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي مستحبة لكل مكلف بخلاف الدين فإنه: لا يكون على كل مكلف فقدّمت لذلك، وقرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة (يوصى) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في الحرف الثاني، والباقون بكسر الصاد فيهما، وقوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ مبتدأ خبره ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً﴾ أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظنّ أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظنّ أنّ الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وإنما العالم بذلك هو الله تعالى، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته ﴿فريضة﴾ أي: ما قدر من المواريث فرض فريضة ﴿من الله إنّ الله كان عليماً﴾ بأمور عباده ﴿حكيماً﴾ فيما قضى وقدّر أي: لم يزل متصفاً بذلك. ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد﴾ ذكر أو غيره منكم أو من غيركم ﴿فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً ﴿ولهنّ﴾ أي: الزوجات تعددن أو لا ﴿الربع مما تركتم إن لم يكم لكن ولد فإن كان لكم ولد﴾ منهنّ أو من غيرهنّ ﴿فلهنّ الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وولد الابن كالولد في ذلك إجماعاً، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة ﴿وإن كان رجل﴾ أي: الميت ﴿يورث﴾ أي: منه من ورث، صفة رجل وخبر كان ﴿كلالة،﴾ أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد له ولا والد، قال الشعبي: سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن كان

стр. 285

صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد، والولد فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر. وذهب طاوس أنّ الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس وأحد القولين عن عبد الله بن عمر، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا؟ سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله ﷺ شيء ما أعضلت بهم الكلالة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ثلاث لأن يكون النبيّ بينهنّ لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. وقال سعيد بن أبي طلحة: خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن» وقوله: «ألا يكفيك آية الصيف» أراد أنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أوّل سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها. وقوله تعالى: ﴿أو امرأة﴾ عطف على رجل أي: أو امرأة تورث كلالة ﴿وله﴾ أي: الرجل ﴿أخ أو أخت﴾ واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل والمرأة ﴿فلكل واحد منهما السدس﴾ وقد أجمعوا على أنّ المراد به الأخ والأخت من الأم ﴿فإن كانوا﴾ أي: الأخت والأخوات من الأم ﴿أكثر من ذلك﴾ أي: من واحد ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ يستوي فيه ذكورهم وإناثهم؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وقوله تعالى: ﴿غير مضارّ﴾ حال من ضمير يوصى أي: غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث، وعن قتادة: كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن المضارّة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه، ومعناه الإقرار، وقوله تعالى: ﴿وصية من الله﴾ مصدر مؤكد ليوصيكم أي: يوصيكم بذلك وصية كقوله: ﴿فريضة من الله﴾ (النساء، ١١) ﴿وا عليم﴾ بما دبره لخلقه من الفرائض ﴿حليم﴾ بتأخير العقوبة عمن خالفه. تنبيه: خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق.u ﴿تلك﴾ أي: الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث ﴿حدود الله﴾ أي: شرائعه التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدّوها ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ فيما حكما به ﴿يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً ﴿وذلك الفوز العظيم﴾ . ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده﴾ أي: الله ﴿يدخله ناراً﴾ وقوله تعالى: ﴿خالداً فيها﴾ حال كما مرّ، ولا يجوز أن يكون (خالدين) و (خالداً) صفتين لجنات ونار؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها هذا على مذهب البصريين، أما على مذهب الكوفيين فهو جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا، وهو الراجح كما جرى عليه ابن مالك وغيره ﴿وله عذاب مهين﴾

стр. 286

أي: ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. وقرأ نافع وابن عامر (ندخله جنات) و (ندخله ناراً) بالنون فيهما على الالتفات، والباقون بالياء. ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ أي: الزنا ﴿من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم﴾ أي: من رجال المسلمين، وهذا خطاب للحكام أي: فاطلبوا عليهنّ أربعة من الشهود، وفيه بيان أنّ الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود ﴿فإن شهدوا﴾ عليهنّ بها ﴿فأمسكوهنّ﴾ أي: احبسوهنّ ﴿في البيوت﴾ واجعلوها سجناً لهنّ وامنعوهنّ عن مخالطة الناس، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضمّ الباء والباقون بكسرها ﴿حتى يتوفاهنّ الموت﴾ أي: ملائكته ﴿أو﴾ إلى أن ﴿يجعل الله لهنّ سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى الخروج منها أمروا بذلك أوّل الإسلام، ثم جعل لهنّ سبيلاً بجلد البكر مئة وتغريبها عاماً ورجم المحصنة، وفي الحديث، لما بين الحدّ قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً» . رواه مسلم ﴿واللذان﴾ أي: الزاني والزانية، وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف ﴿يأتيانها﴾ أي: فاحشة الزنا ﴿منكم﴾ أي: الرجال ﴿فآذوهما﴾ بالسب والضرب بالنعال ﴿فإن تابا﴾ أي: منها ﴿وأصلحا﴾ أي: العمل ﴿فأعرضوا عنهما﴾ ولا تؤذوهما ﴿إنّ الله كان توّاباً﴾ على من تاب ﴿رحيماً﴾ به، وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحدّ. روى ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فردّ عليك» وجلد ابنه مئة وغرّبه عاماً. أي: لأنه كان غير محصن وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إنّ الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ورعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أنّ الزاني إذا كان محصناً وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرّية والإصابة بالنكاح الصحيح، فحدّه الرجم مسلماً كان أو ذميّاً، وعند أبي حنيفة أنّ الإسلام من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذميّ، ويردّه ما صح عن رسول الله ﷺ «أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا» وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو مجنوناً فلا حد عليه وإن كان حرّاً عاقلاً بالغاً غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مئة وتغريب عام وإن كان رقيقاً فعليه جلد خمسين وتغريب نصف عام. ومثل الزنا

стр. 287

اللواط عند الشافعيّ رضي الله تعالى عنه لكن المفعول به لا رجم عليه وإن كان محصناً بل يجلد ويغرّب، وقيل: نزلت آية ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ في المساحقات وآية ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ في اللواطين. ﴿إنما التوبة على الله﴾ أي: إن قبول التوبة كالمحتوم على الله تفضلاً منه بمقتضى وعده؛ لأنه تعالى وعد بقبول التوبة فإذا وعد شيئاً لا بدّ أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده محال ﴿للذين يعملون السوء﴾ أي: المعصية وقوله تعالى: ﴿بجهالة﴾ في موضع الحال أي: يعملون السوء جاهلين أي: سفهاً فإن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه السفه والشهوة لا ما تدعو إليه الحكمة والعقل، وعن مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع أي: يخرج من جهالته، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى الله تعالى فهو جاهل ﴿ثم يتوبون من﴾ زمن ﴿قريب﴾ أي: قبل أن يغرغروا لقوله تعالى: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ وقوله ﷺ «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وحسنه. وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة، وعن الحسن إن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال: وعزتي وجلالي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. والغرغرة تردّد الروح في الحلق. تنبيه: معنى (من) في قوله تعالى ﴿من قريب﴾ التبعيض أي: يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمناً قريباً؛ لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ (النساء، ٧٧) ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ﴿فأولئك يتوب الله عليهم﴾ أي: يقبل توبتهم. فإن قيل: ما فائدة ذلك بعد قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله﴾ ؟ أجيب: بأنّ ذلك وعد بالوفاء بما وعد به وكتبه على نفسه كما يعد العبد الوفاء بما عليه ﴿وكان الله عليماً﴾ بخلقه ﴿حكيماً﴾ في صنعه بهم. ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيآت﴾ أي: الذنوب ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ أي: أخذ في النزع ﴿قال﴾ عند مشاهدة ما هو فيه ﴿إني تبت الآن﴾ حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ (غافر، ٨٥) ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ أي: إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا ينفعهم ذلك، ولا تقبل توبتهم، فسوى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم؛ لأنّ حضور الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما أن المصرين على الكفر قد فاتتهم التوبة على اليقين فكذلك المسوف إلى حضور الموت لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار وقوله تعالى: ﴿أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً تأكيد لعدم قبول توبتهم وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة، وقيل: أصله أعددنا أبدلت الدال الأولى تاء. ﴿يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء﴾ أي: ذواتهنّ ﴿كرهاً﴾ نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة وللرجل عصبة وألقى ثوبه على امرأة الميت أو على خبائها صار أحق بها من نفسها ومن غيره، ثم إن شاء تزوّجها بصداقها الأوّل وإن

стр. 288

شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها عصبة الميت ثوبه فهي أحق بنفسها، وكانوا على هذا حتى توفي أبو القيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفدي نفسها منه، فأتت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ «اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله» فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف، والباقون بفتحها قال الكسائي: وهما لغتان، وقال الفرّاء: الكره بالفتح ما أكره عليه، وبالضم المشقة، وقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ﴾ عطف على (أن ترثوا) أي: لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ ولا رغبة لكم فيهنّ ضراراً لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر، وقيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح كما قال البغوي: إنه خطاب للأزواج، قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون له المرأة وهو كاره صحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله تعالى عن ذلك. قال الزمخشريّ: والعضل الحبس والضيق ومنه عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ كالزنا والنشوز وسوء العشرة، فحينئذٍ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود، وقرأ ابن كثير وشعبة بفتح الياء المثناة تحت والباقون بالكسر وقوله تعالى: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾ قال الحسن: رجع إلى أوّل الكلام يعني وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة وعاشروهنّ بالمعروف وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له ﴿فإن كرهتموهنّ﴾ فاصبروا ولا تفارقوهنّ ﴿فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ أي: فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير وأحبت ما هو بضدّ ذلك وليكن نظركم ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير فلعل أن يرزقكم الله تعالى منهنّ ولداً صالحاً أو يعطفكم الله عليهنّ وقد بينت الآية جواز إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين: أحدهما أنّ الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح: والثاني أنّ الإنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره فليصبر على ما يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى: *ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب* *ومن يتتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب* ولما كان الرجل إذا طمحت عينه إلى استظراف امرأة بهت بالتي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى زوج غيرها نزل. ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ أي: أخذها بدلها بأن طلّقتموها ﴿و﴾ قد ﴿آتيتم إحداهنّ﴾ أي: الزوجات ﴿قنطاراً﴾ أي: مالاً كثيراً صداقاً ﴿فلا تأخذوا منه﴾ أي: القنطار ﴿شيئاً﴾ وقوله تعالى: ﴿أتأخذونه بهتاناً﴾

стр. 289

أي: ظلماً ﴿وإثماً مبيناً﴾ أي: بيناً حال أي: أتأخذونه باهتين وآثمين، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قام خطيباً فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله تعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهنّ قنطاراً﴾ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول ولا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء. وقوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه﴾ استفهام توبيخ وإنكار أي: تأخذونه بأي وجه ﴿وقد أفضى﴾ أي: وصل ﴿بعضكم إلى بعض﴾ بالجماع المقرّر للمهر وكنى الله تعالى عن الجماع بالإفضاء وهو الوصول إلى الشيء من غير واسطة تعليماً لعباده؛ لأنه مما يستحيا منه ﴿وأخذن منكم ميثاقاً﴾ أي: عهداً ﴿غليظاً﴾ أي: شديداً وهو ما أخذه الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعن النبيّ ﷺ «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وقد قيل: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج. ولما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه وكان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم فقالت: إني أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ أستأمره فأتته وأخبرته بذلك فنزل. ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وإنما عبر بما دون من؛ لأنه أريد به صفة ذات معينة وهي كونهنّ منكوحات الآباء، وقيل: ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء من المعنى اللازم للنهي فكأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف أو من اللفظ للمبالغة في التحريم، والمعنى: لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوه ولا يمكن ذلك والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قوله تعالى: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (الأعراف، ٤٠) أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه وقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: نكاحهنّ ﴿كان فاحشة ومقتاً﴾ علة للنهي أي: إنه فاحشة فكان مزيدة أي: قبيحاً عند الله تعالى ما رخص فيه لأمّة من الأمم ممقوتاً عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: المقتى ويسمي به الرجل المذكور أيضاً قال في «القاموس» : نكاح المقت أن يتزوّج امرأة أبيه بعده فالمقتى ذلك المتزوّج أو ولده أي: ومن ثم قيل: ومقتاً كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين ﴿وساء﴾ أي: بئس ﴿سبيلاً﴾ أي: طريقاً ذلك، روي عن البراء بن عازب أنه قال: «مرّ بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوّج امرأة أبيه آتيه برأسه» . واعلم أن أسباب التحريم المؤبد ثلاثة: قرابة ورضاع ومصاهرة وضابط المحرمات بالنسب والرضاع أن يقال: محرم نساء القرابة إلا من دخلت تحت ولد العمومة أو ولد الخؤولة وقد بدأ الله بالسبب الأوّل وهو القرابة فقال: ﴿حرّمت عليكم

стр. 290

أمهاتكم﴾ أي: العقد عليهنّ وكذلك يقدّر في الباقي؛ لأن تحريم نكاحهنّ هو الذي يفهم من تحريمهنّ كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. والأمّهات جمع أمّ وأصلها أمّهة، قاله الجوهريّ. وضابط الأمّ هي كل من ولدتك فهي أمّك حقيقة أو ولدت من ولدك ذكراً كان أو أنثى كأم الأب وإن علت وأمّ الأمّ كذلك فهي أمّك مجازاً، وإن شئت قلت: هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك ﴿وبناتكم﴾ جمع بنت وضابطها هو كل من ولدتها فهي بنتك حقيقة أو ولدت من ولدها ذكراً كان أو أنثى كبنت ابن وإن نزل وبنت بنت وإن نزلت فبنتك مجازاً وإن شئت قلت: كل أنثى ينتهي إليك نسبها، وخرج بالبنت المخلوقة من ماء زنا الرجل فإنها تحل له؛ لأنها أجنبية عنه بدليل منع الإرث بالإجماع فلا تتبعض الأحكام ويحرم على المرأة ولدها من زنا بالإجماع كما أجمعوا على أنه يرثها. والفرق أن الابن كالعضو منها وانفصل منها إنساناً ولا كذلك النطفة التي خلقت منها البنت بالنسبة للأب ﴿وأخواتكم﴾ جمع أخت وضابطها هو كل من ولدها أبواك أو أحدهما فهي أختك ﴿وعماتكم﴾ جمع عمة، وضابطها: هو كل من هي أخت ذكر ولدك بلا واسطة فعمتك حقيقة أو بواسطة كعمة أبيك فعمتك مجازاً وقد تكون العمة من جهة الأمّ كأخت أبي الأمّ ﴿وخالاتكم﴾ جمع خالة وضابطها هو كل من هي أخت أنثى ولدتك بلا واسطة فخالتك حقيقة، أو بواسطة كخالة أمّك فخالتك مجازاً، وقد تكون الخالة من جهة الأب كأخت أمّ الأب ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ من جميع الجهات وبنات أولادهم وإن سفلن. ثم ثنى بالسبب الثاني وهو الرضاع فقال: ﴿وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ وضابط أمّك من الرضاع هو: كل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو صاحب اللبن أو أرضعت من ولدك بواسطة أو غيرها أو ولدت مرضعتك بواسطة أو غيرها أو صاحب لبنها وهو الفحل بواسطة أو غيرها فأمّ رضاع ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ وضابط أخت الرضاع هو كل من أرضعتها أمّك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل ويلحق بذلك بالسنة باقي السبع لخبر الصحيحين: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» ، وفي رواية: «حرموا من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، وفي رواية: «حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب» . وضابط بنت الرضاع هو كل أنثى ارتضعت لبنك أو لبن من ولدته بواسطة أو غيرها أو أرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو غيرها وكذا بناتها من نسب أو رضاع وإن سفلن، وضابط عمة الرضاع هو كل أخت للفحل أو أخت ذكر ولد الفحل بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع. وضابط خالة الرضاع هو كل أخت للمرضعة أو أخت أنثى ولدت المرضعة بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع، وضابط بنات الإخوة وبنات الأخوات من الرضاع: كل أنثى من بنات أولاد المرضعة والفحل من الرضاع والنسب، وكذا كل أنثى أرضعتها أختك أو ارتضعت بلبن أخيك وبناتها وبنات أولادها من نسب أو رضاع، وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين﴾ (البقرة، ٢٣٣) ولقوله ﷺ «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء» ، وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم

стр. 291

«لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم» وإنما يكون هذا في حال الصغر، وعند أبي حنيفة مدّة الرضاع ثلاثون شهراً لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ (الأحقاف، ١٥) وهي عند الأكثرين لأقل مدّة الحمل وأكثر مدّة الرضاع وأقل مدّة الحمل ستة أشهر وابتداء الحولين من تمام انفصاله. والشرط الثاني: أن توجد خمس رضعات متفرّقات، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن أي: يقرؤهنّ من لم يبلغه نسخهنّ فقد نسخت تلاوتهنّ وبقي حكمهنّ، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة، ويقوي الأوّل قوله ﷺ «لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان» . ثم ثلث بالسبب الثالث وهو النكاح فقال تعالى: ﴿وأمّهات نسائكم﴾ أي: بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع سواء أدخل بزوجته أم لا لإطلاق الآية ﴿وربائبكم﴾ جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره وسميت ربيبة؛ لأنه يربيها كما يربي ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه وسميت بذلك وإن لم يربها وقوله تعالى: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ أي: تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ﴾ أي: جامعتموهنّ سواء أكان ذلك بعقد صحيح أم فاسد لإطلاق الآية ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم﴾ أي: في نكاح بناتهنّ إذا فارقتموهنّ. فإن قيل: لم أعيد الوصف إلى الجملة الثانية ولم يعد إلى الجملة الأولى ﴿وهي وأمّهات نسائكم﴾ مع أنّ الصفات عقب الجمل تعود إلى الجميع؟ أجيب: بأنّ نساءكم الثاني مجرور بحرف الجرّ، ونساءكم الأول مجرور بالإضافة، وإذا اختلف العامل لم يجز الإتباع وتعين القطع واعترض بأنّ المعمول الجرّ وهو واحد. تنبيه: قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يعتبر في الدخول أن يقع في حياة الأمّ فلو ماتت قبل الدخول ووطئها بعد موتها لم تحرم بنتها؛ لأنّ ذلك لا يسمى دخولاً وإن تردّد فيه الروياني. فإن قيل: لِمَ لم يعتبر الدخول في تحريم أصول البنت واعتبر في تحريمها الدخول؟ أجيب: بأنّ الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمّها عقب العقد لترتيب أموره فحرمت بالعقد ليسهل ذلك عليه بخلاف بنتها واستدخال الماء المحترم يثبت المصاهرة كالوطء، وتحرم البنت المنفية باللعان وإن لم يدخل بأمّها؛ لأنها لا تنتفي عنه قطعاً ﴿وحلائل﴾ أي: أزواج ﴿أبنائكم﴾ واحدتها حليلة والذكر حليل سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك؛ لأن كل واحد يحلّ إزار صاحبه من الحل وهو ضدّ العقد وقوله تعالى: ﴿الذين من أصلابكم﴾ احتراز عن حليلة المتبنى فإنها لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبيّ ﷺ تزوّج امرأة زيد بن حارثة وكان تبناه ﷺ لا عن حليلة ولده من الرضاع فإنها تحرم عليه، ولا عن حلائل أبناء الولد وإن سفلوا.x تنبيه: كل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين والوطء بشبهة النكاح، فإذا وطىء امرأة بشبهة أو جارية بملك اليمين حرم على الواطىء أمّها وبنتها، وتحرم الموطوءة على أبي الواطىء وابنه،

стр. 292

ولو زنى بامرأة لم تحرم أمّها ولابنتها على الزاني ولا تحرم الزانية على أبي الزاني وابنه كما قاله ابن عباس، وإليه ذهب مالك والشافعيّ، وذهب قوم إلى التحريم. يروي ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي. وهل المباشرة بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح من مذهب الشافعيّ لا؛ لأنّ ذلك لا يوجب العدّة، فكذا لا يوجب الحرمة. والثاني: نعم؛ لأنّ ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة؛ ولأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء. ثم ذكر تحريم الجمع بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ أي: ولا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع سواء أنكحهما معاً أم مترتباً، فإذا نكح امرأة، ثم طلقها بائناً جاز له نكاح أختها، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين، فإنه جائز لكن لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرّم الأولى على نفسه، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع ولو بواسطة، قال ﷺ «لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى» ، رواه الترمذي وغيره وصححوه؛ ولما فيه من قطيعة الرحم، وإن رضيت بذلك، فإن الطبع يتغير وإليه أشار ﷺ في خبر النهي عن ذلك بقوله: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهنّ» . كما رواه ابن حبان وغيره، وضابط تحريم الجمع ابتداء ودواماً هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت إحداهما ذكراً حرم الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين، وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة، فكأنه قال تعالى: تؤاخذون بذلك إلا ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من نكاح بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿إنّ الله كان غفوراً﴾ لما سلف منكم قبل النهي ﴿رحيماً﴾ بكم في ذلك، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر من رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون بالإدغام. ﴿و﴾ حرمت ﴿المحصنات﴾ أي: ذوات الأزواج ﴿من النساء﴾ أن تنكحوهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ سواء أكن حرائر أم لا، مسلمات أم لا، قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ هاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهنّ أزواج، فتزوّجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله المسلمين عن نكاحهنّ، ثم استثنى فقال: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ أي: من الإماء بالسبي فلكم وطؤهنّ وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء؛ لأنّ بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها، قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ وتحرجوا فأنزل الله هذه الآية. فائدة: قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر الصاد إلا هذا الحرف فإنه فتح الصاد موافقة للجميع، ووجه تسميتهنّ بذلك؛ لأنهنّ أحصن فروجهنّ بالتزويج فهنّ محصنات، ومحصنات بالكسرة في غير هذه الآية وقوله تعالى: ﴿كتاب الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي

стр. 293

قبله وهي حرمت عليكم إلخ.. أي: كتب الله ﴿عليكم﴾ تحريم هؤلاء كتاباً وقوله تعالى: ﴿وأحل لكم﴾ عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله إذا قرىء بالبناء للفاعل كما قرأه غير حفص وحمزة والكسائي، وأمّا هم فقرؤوه بالبناء للمفعول عطفاً على حرمت ﴿ما وراء ذلكم﴾ أي: سوى ما حرم عليكم من النساء وقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلك إرادة أن تبتغوا أي: تطلبوا النساء بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين أي: متزوّجين غير مسافحين أي: زانين؛ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني من السفح وهو صبّ المني، وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني ماذيني من المذي. والأموال المهور وما يخرج في المناكح. تنبيه: يجوز أن يكون مفعول تبتغوا مقدراً وهو النساء كما قدّرته لك، قال الزمخشري: والأجود أن لا يقدر وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم ويجوز أن يكون أن تبتغوا بدلاً مما وراء ذلكم بدل اشتمال؛ لأنّ المبدل منه ذات والمبدل معنى والذات مشتملة عليه ﴿فما﴾ أي: فمن ﴿استمتعتم﴾ أي: تمتعتم ﴿به منهنّ﴾ أي: ممن تزوجتم بالوطء ﴿فآتوهنّ أجورهنّ﴾ أي: مهورهنّ، فإنّ المهر في مقابلة الاستمتاع، وقوله تعالى: ﴿فريضة﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي: إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم﴾ أنتم وهنّ ﴿به من بعد الفريضة﴾ فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسول الله ﷺ ثم نسخت كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك ويقضي منها وطره ثم يسرحها سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن النبيّ ﷺ أنه أباحها ثم أصبح يقول: «يأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أنّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا أوتى برجل تزوّج بامرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة» . وعن ابن عباس أنه قال: هي محكمة أي: تنسخ وكان يقرأ: فما استمتعتم به إلى أجل مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقيل: إنها أبيحت مرّتين وحرمت مرّتين ﴿إنّ الله كان عليماً﴾ بخلقه ﴿حكيماً﴾ فيما دبره لهم. ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾ أي: غنى وأصل الطول الفضل يقال: لفلان على فلان طول أي: زيادة فضل وقد طاله طولاً فهو طائل كما قال القائل: *لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل* ومنه قولهم: هذا أمر ما تحته طائل أي: شيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه الطول في الجسم؛ لأنه زيادة فيه كما أنّ القصر قصور فيه ونقصان، والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة ﴿أن ينكح المحصنات﴾ أي: الحرائر وقوله تعالى: ﴿المؤمنات﴾ جرى على الغالب، فلا مفهوم له فإن الحرائر الكتابيات كذلك ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ أي: إمائكم المؤمنات

стр. 294

أي: ومن لم يقدر على مهر الحرّة المؤمنة أي: أو الكتابية كما مرّ فليتزوّج الأمة المؤمنة، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرّة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً، وأوّل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهنّ على أنّ النكاح هو الوطء وحمل قوله: (من فتياتكم المؤمنات) على الأفضل كما حمل عليه قوله: (المحصنات المؤمنات) . ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوّز نكاح الأمة لمن قدر على الحرّة والكتابية دون المؤمنة حذراً من مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين، وأمّا وطؤها بملك اليمين فجائز باتفاق. فائدة: قوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت﴾ من مقطوعة عن ما ﴿وا أعلم بإيمانكم﴾ أي: بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم بالسرائر ﴿بعضكم من بعض﴾ أي: أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهنّ ﴿فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ﴾ أي: مواليهنّ ﴿وآتوهنّ أجورهنّ﴾ أي: أدوا إليهنّ مهورهنّ بإذن أهلهنّ فحذف بإذن لتقدّم ذكره، أو أدوا إلى مواليهنّ فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد؛ لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدّى إليه، وقال مالك: المهر للأمة ذاهباً إلى ظاهر الآية ﴿بالمعروف﴾ أي: من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى: ﴿محصنات﴾ أي: عفيفات حال من ضمير فانكحوهنّ وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ﴿غير مسافحات﴾ أي: زانيات جهراً ﴿ولا متخذات أخدان﴾ أي: أخلاء يزنون بها سراً جمع خدن وهو الصديق في السر، وقيل: المسافحات اللاتي يزنين مع أي رجل، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في الجاهلية. ﴿فإذا أحصن﴾ قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء للفاعل أي: تزوّجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي: زوّجن، ﴿فإن أتين بفاحشة﴾ أي: زنا ﴿فعليهنّ نصف ما على المحصنات﴾ أي: الحرائر الأبكار إذا زنين ﴿من العذاب﴾ أي: الحدّ فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة، ويقاس عليهنّ العبد. فإن قيل: ما فائدة وجوب تنصيف الحدّ عليهنّ بتقييده بتزوّجهنّ إذ تنصيف العذاب لازم للأمة الزانية تزوّجت أم لا؟ أجيب: بأنّ فائدة ذلك بيان أن لا رجم عليهنّ أصلاً وبأنه إنما ذكر لبيان جواب سؤال إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم عرفوا مقدار حد الأمة قبل التزوّج دون مقداره بعده، فسألوا عنه النبيّ ﷺ فنزلت الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوّج من المماليك إذا زنا أخذاً بظاهر الآية. وروي أنه ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحدّ ولا يثربن عليها ثم إن عادت فليجلدها الحد ولا يثربن عليها، فإن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» ﴿ذلك﴾ أي: نكاح الإماء عند عدم الطول ﴿لمن

стр. 295

خشي﴾ أي: خاف ﴿العنت﴾ أي: الزنا، وأصله المشقة سمي به الزنا؛ لأنه سببها بالحدّ في الدنيا أو العقوبة في الأخرى ﴿منكم﴾ أيها الأحرار بخلاف من لم يخفه أمّا العبيد فيجوز لهم نكاح الإماء مطلقاً لكن إن كان العبد مسلماً فلا بد أن تكون الأمة مسلمة ﴿وإن تصبروا﴾ عن نكاح الإماء متعففين ﴿خير لكم﴾ لئلا يصير الولد رقيقاً، وعن النبيّ ﷺ «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت» ﴿وا غفور﴾ لمن لم يصبر ﴿رحيم﴾ بأن وسع له في ذلك ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ شرائع دينكم ومصالح أموركم ﴿ويهديكم﴾ أي: يرشدكم ﴿سنن﴾ أي: شرائع ﴿الذين من قبلكم﴾ من الأنبياء في التحريم والتحليل فتتبعوهم ﴿ويتوب عليكم﴾ أي: ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ﴿وا عليم﴾ بكم ﴿حكيم﴾ فيما دبره لكم. ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ إن وقع منكم تقصير في دينه ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات﴾ قال السدي: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المجوس؛ لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت فلما حرمهنّ الله قالوا: فإنكم تحلون بنات الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، وقال مجاهد: هم الزناة ﴿أن تميلوا﴾ أي: تعدلوا عن الحق ﴿ميلاً عظيماً﴾ بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي: يسهل عليكم أحكام الشرع، وقد سهل كما قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ (الأعراف، ١٥٧) وقال ﷺ «بعثت بالحنيفية السمحة» أي: السهلة ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات، وعن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ثمان آيات في سورة النساء خير لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس وغربت، (يريد الله ليبين لكم) (والله يريد أن يتوب عليكم) (يريد الله أن يخفف عنكم) (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم) (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة) (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) (ما يفعل الله بعذابكم) . ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي: بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة﴾ استثناء منقطع أي: لكن أن تقع تجارة على قراءة الرفع وهي قراءة غير عاصم وحمزة والكسائي وأمّا هؤلاء فقرؤوا بالنصب على كان الناقصة وإضمار الاسم أي: إلا أن تكون الأموال تجارة ﴿عن تراض منكم﴾ أي: فلكم أن تأكلوها ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أي: بارتكاب ما يؤدّي إلى هلاكها في الدنيا والآخرة، وقال الحسن: يعني إخوانكم أي: لا يقتل بعضكم بعضاً أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. روي أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة» . وروي أنّ الله تعالى يقول: «بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة» . وعن عمرو بن العاص أنه تأوّله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه ﷺ ﴿إنّ الله كان بكم﴾ يا أمّة محمد ﴿رحيماً﴾ حيث أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه. ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي: ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات،

стр. 296

وقوله تعالى: ﴿عدواناً﴾ حال أي: متجاوزاً للحلال وقوله تعالى: ﴿وظلماً﴾ تأكيد وقيل: أراد بالعدوان التعدّي على الغير وبالظلم ظلم الشخص نفسه بتعريضها للعقاب ﴿فسوف نصليه﴾ أي: ندخله ﴿ناراً﴾ يحترق فيها ﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ أي: هيناً لا عسر عليه فيه. ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ أي: كلاً منها وفسر جماعة الكبيرة بأنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جماعة: هي المعصية الموجبة للحدّ، والأوّل أولى؛ لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها، وقال الإمام: هي كل جريمة تؤذن أي: تعلم بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، واحتج بقوله ﷺ «ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمّة محمد إنّ الله قد عفا عنكم جميعاً المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي» . وهي أشياء كثيرة، قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، وقال سعيد بن جبير: هي إلى السبعمائة أقرب أي: باعتبار أصناف أنواعها ﴿نكفر عنكم سيآتكم﴾ أي: الصغائر وهي ما عدا الكبائر أي: نكفر بفعل الطاعات كالصلاة والصوم. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر» . ولا بأس بذكر شيء من النوعين فمن الأوّل تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن، واليأس من رحمة الله وأمن مكره تعالى، والقتل عمداً أو شبه عمد، والكفر، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا، واللواط، وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة، والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم، والكذب على رسول الله ﷺ وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والنميمة، وأمّا الغيبة فإن كانت في أهل العلم أو حملة القرآن فهي من الكبائر، وإلا فهي صغيرة، ومن الصغائر النظر المحرم، وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات إلا إن راعى حق الشرع فيها، والضحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناساً لهم، وإدخال مجانين وصبيان يغلب تنجيسهم ونجاسة المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وقيل: الكبائر الشرك وما عداه من الصغائر قال الله تعالى: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء، ٤٨ ـ ١١٦) ﴿وندخلكم مدخلاً﴾ قرأ نافع بفتح الميم أي: موضعاً ﴿كريماً﴾ أي: حسناً وهو الجنة، وقرأ الباقون بضمها على المصدر بمعنى الإدخال مع الكرامة. ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ من جهة الدنيا والدين؛ لئلا يؤدّي إلى التحاسد والتباغض؛ لأنّ ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾ (الشورى، ٢٧) فعلى كل

стр. 297

أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأنّ ما قسم له هو المصلحة ولو كان خلافه لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه. قال مجاهد: قالت أمّ سلمة: يا رسول الله إنّ الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالاً غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا فنزلت هذه الآية، وقيل: لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث قالت النساء: نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال، فإنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت. وقال قتادة والسديّ: لما أنزل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهنّ في الميراث فأنزل الله تعالى ﴿للرجال نصيب﴾ أي: ثواب ﴿مما اكتسبوا﴾ أي: بسبب ما عملوا من الجهاد ﴿وللنساء نصيب ما اكتسبن﴾ أي: من حفظ فروجهنّ وطاعة الله وطاعة أزواجهنّ، فالرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أنّ الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك الرجال والنساء، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا ﴿واسألوا الله من فضله﴾ أي: لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد، فنهى الله عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد، أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز، قال ﷺ «لا حسد ـ أي: لا غبطة ـ إلا في اثنتين» الحديث ﴿إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً﴾ فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان. ﴿ولكل﴾ من الرجال والنساء ﴿جعلنا موالي﴾ أي: عصبة يعطون ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة مما ترك أي: من الذين تركهم فتكون ما بمعنى من، ثم فسر الموالي فقال: الوالدان والأقربون أي: هم الوالدان والأقربون، فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ والمعاقدة المعاهدة والمحالفة، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ومحالفتهم أنّ الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ (النساء، ١٠٩) أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال/ ٧٥.w وسورة الأحزاب، ٦) وقال مجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا الآية غير منسوخة لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (المائدة، ١) وقوله ﷺ في خطبته يوم فتح مكة: «لا تحدثوا حلفاً في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا شدّة» قال الزمخشريّ: وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعيّ رحمه الله تعالى اه. وقرأ غير عاصم وحمزة والكسائي: عاقدت بألف بين العين والقاف، وأمّا هؤلاء الثلاثة فقرأوا: (عقدت) بغير ألف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف

стр. 298

إليه مقامه، ثم حذف كما حذف في القراءة الأولى ﴿إنّ الله كان على كل شيء شهيداً﴾ أي: مطلعاً فخافوه ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾ أي: يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين: أحدهما وهبيّ والآخر كسبيّ، وقد ذكر الأوّل بقوله تعالى: ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي: بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوّة والأمانة والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ في نكاحهنّ كالمهر والنفقة. روي أنه ﷺ قال: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» . وروي أنّ سعيد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: «لتقتص منه» فنزلت فقال: «أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير» ورفع القصاص ﴿فالصالحات﴾ منهنّ ﴿قانتات﴾ أي: مطيعات لأزواجهنّ ﴿حافظات للغيب﴾ أي: لما يجب عليهنّ حفظه في حال غيبة أزواجهنّ من الفروج والبيوت والأموال، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» ﴿بما حفظ الله﴾ أي: بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه، وأمر رسول الله ﷺ فقال: «استوصوا بالنساء خيراً» أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة ﴿واللاتي تخافون﴾ أي: تعلمون ﴿نشوزهنّ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً﴾ (البقرة، ١٨٢) ﴿فعظوهنّ﴾ أي: خوفوهنّ كأن يقول لزوجته: اتقي الله في الحق الواجب لي عليك واحذري العقوبة ويبيّن لها أنّ النشوز يسقط النفقة والقسم ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ أي: اعتزلوهنّ في الفراش ﴿واضربوهنّ﴾ وإن لم يتكرّر النشوز إن أفاد الضرب وإلا فلا يضرب كما لا يضرب ضرباً مبرّحاً ولا وجهاً ولا مهالك ومع ذلك فالأولى له العفو، وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته فقط إما بقول كأن صارت تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضاً وعبوساً بعد تلطف وطلاقة وجه، فإنه يعظها بلا هجر وبلا ضرب لعلها تبدي عذراً أو تتوب عما وقع منها بغير عذر، وخرج بالمضجع الهجر بالكلام، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام ويجوز فيها للخبر الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» إن قصد بهجرها ردّها لحظ نفسه فإن قصد به ردّها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم إذ النشوز حينئذ عذر شرعيّ، والهجر له في الكلام جائز مطلقاً، ومنه هجره ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم ﴿فإن أطعنكم﴾ فيما يراد منهنّ ﴿فلا تبغوا﴾ أي: لا تطلبوا ﴿عليهنّ سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى ضربهنّ ظلماً

стр. 299

واجعلوا ما كان بينهنّ كأن لم يكن، «فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ، رواه الطبرانيّ وابن ماجة وغيرهما ﴿إنّ الله كان علياً كبيراً﴾ فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهنّ فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. ﴿وإن خفتم﴾ أي: علمتم ﴿شقاق﴾ أي: خلاف ﴿بينهما﴾ أي: بين المرء وزوجه وذكرهما بضميرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدلّ عليهما وهو الرجال والنساء، وإضافة الشقاق إلى الظرف إمّا لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار، أو الفاعل كقولهم نهارك صائم ﴿فابعثوا﴾ أي: أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما إليهما لكن برضاهما ﴿حكماً من أهله﴾ أي: أقاربه ﴿وحكماً﴾ آخر ﴿من أهلها﴾ أي: أقاربها لينظرا في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما، أو يفرّقا إن عسر الإصلاح على ما يأتي، فإنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح. تنبيه: بعث الحكمين على سبيل الوجوب، وكونهما من الأقارب على سبيل الندب وهما وكيلان لهما فاشترط رضاهما لا حكمان من جهة الحاكم؛ لأنّ الحال يؤدّي إلى الفراق، والبضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان فلا يولي عليهما في حقهما، فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع، وتوكل هي حكمها ببذل عوض وقبول طلاق، ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من بعثهما، له وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه، ويسنّ كونهما ذكرين ولا يكفي حكم واحد ﴿إن يريدا﴾ أي: الحكمان ﴿إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ أي: الزوجين أي: إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى بورك في وساطتهما وأوقع الله بطيب أنفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والإلفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة، وقيل: الضمير الأوّل للزوجين، والثاني للحكمين أي: إن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى يعملا بالصلاح، وقيل: الضميران للحكمين أي: إن قصدا الإصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما، وقيل: للزوجين أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق: أوقع الله بينهما الإلفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه، وإن لم يرضيا ببعثهما ولم يتفقا على شيء أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم حقه ﴿إنّ الله كان عليماً﴾ بكل شيء ﴿خبيراً﴾ بالبواطن كالظواهر، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق قال تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألف بينهم﴾ (الأنفال، ٦٣) . ﴿واعبدوا الله﴾ أي: وحدوه وأطيعوه ﴿ولا تشركوا به شيئاً﴾ أي: شيئاً من الإشراك جلياً كان أو خفياً، وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فقال: «هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله تعالى إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنّ حق الناس على الله أن لا يعذبهم» قال قلت: يا رسول الله ألا أبشر الناس؟ قال: «دعهم يعملون» ﴿و﴾ أحسنوا ﴿بالوالدين إحساناً﴾ أي: برّاً ولين جانب ﴿وبذي القربى﴾ أي: صاحب القرابة ﴿واليتامى والمساكين﴾ ويدخل في المساكين

стр. 300

الفقراء. روي أنه ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة» وفي رواية: «من مسح رأس يتيم ولم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمرّ عليها يداه حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه» ﴿والجار ذي القربى﴾ أي: القريب منك في النسب أو الجوار ﴿والجار الجنب﴾ أي: البعيد عنك في النسب أو الجوار. روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً» . وروي أنه ﷺ قال لأبي ذر: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها» . وروي أنه ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورّثه» . ﴿والصاحب بالجنب﴾ أي: الرفيق في السفر كما قاله ابن عباس ومجاهد، أو المرأة تكون معه إلى جنبه كما قاله علي والنخعي، أو الذي يصحبك رجاء نفعك في تعلم علم أو حرفة أو نحو ذلك كما قاله ابن جريج وابن زيد ﴿وابن السبيل﴾ أي: المسافر؛ لأنه يلازم السبيل، أو الضيف كما عليه الأكثر. روي أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» . وفي رواية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة» ، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحلّ له أن يثوي عنده حتى يخرجه ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ أي: من الأرقاء من عبيد وإماء. روي أنه ﷺ قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه» ، وفيه رواية أنه ﷺ كان يقول في مرضه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه ﴿إنّ الله لا يحبّ من كان مختالاً﴾ أي: متكبراً على الناس من أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا يلتفت إليهم ﴿فخوراً﴾ أي: يتفاخر عليهم بما آتاه الله. روي أنه ﷺ قال: «بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء» . وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿يبخلون﴾ أي: بما يجب عليهم ﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾ بذلك ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ من العلم والمال وهم اليهود بخلوا ببيان صفته ﷺ وكتموها وكانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويخالطونهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وخبر المبتدأ محذوف تقديره لهم وعيد شديد ويصح أن يكون (الذين) بدلاً من قوله: من كان، أو منصوباً على الذم أو مرفوعاً عليه أي: هم الذين، وقرأ حمزة والكسائي (بالبخل) بفتح الباء والخاء، والباقون بضمّ الباء وسكون الخاء ﴿وأعتدنا للكافرين﴾ بذلك وبغيره ﴿عذاباً مهيناً﴾ أي: ذا إهانة وضع الظاهر فيه موضع المضمر إظهاراً بأنّ من هذا شأنه فهو كافر بالله لكتمانه صفة النبيّ ﷺ وكافر بنعمة الله عليه. وروي عنه ﷺ أنه قال: «إذا أنعم الله على عبد نعمة

стр. 301

أحبّ أن ترى نعمته على عبده» . وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إنّ الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه، وقوله تعالى: ﴿والذين﴾ عطف على الذين قبله ﴿ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾ أي: مرائين لهم ﴿ولا يؤمنون با ولا باليوم الآخر﴾ أي: كالمنافقين ومشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة النبيّ ﷺ ﴿ومن يكن الشيطان له قريناً﴾ أي: صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء ﴿فساء﴾ أي: فبئس ﴿قريناً﴾ هو حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر وزينه لهم كقوله تعالى: ﴿إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ (الإسراء، ٢٧) والمراد: إبليس وأعوانه الداخلة في باطن الإنسان والخارجة عنه، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار. ﴿وماذا عليهم لو آمنوا با واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ أي: أيّ ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار، ولو مصدرية أي: لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه وقوله تعالى: ﴿وكان الله بهم عليماً﴾ وعيد لهم فيجازيهم بما عملوا. ﴿إنّ الله لا يظلم﴾ أحداً ﴿مثقال﴾ أي: وزن ﴿ذرّة﴾ وهي أصغر نملة، ويقال: لكل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة، أي: لا ينقص قدر ذلك من حسناته ولا يزيده في سيئاته كما قال تعالى: ﴿إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً﴾ (يونس، ٤٤) ، وفي ذكر المثقال إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعها ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة ﴿وإن تك حسنة﴾ أي: وإن يك المثقال حسنة ﴿يضاعفها﴾ أي: ثوابها من عشر إلى أكثر من سبعمائة، وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة: بلغني عنك أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا بل سمعته يقول «إنّ الله يعطيه ألفي ألف حسنة» . ثم تلا هذه الآية. وروي أنه ﷺ قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة» قال: وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً. وفي رواية: «إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار قال: فيقول اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتون فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه فيخرجونهم فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ذرّة، قال أبو سعيد: فمن لم يصدّق فليقرأ هذه ﴿إنّ الله﴾ إلخ.. قال: فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق أحد في النار فيه خير ثم يقول الله : شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفعت المؤمنون وبقي أرحم الراحمين قال: فيقبض قبضة من النار أو قال قبضتين ناساً لم يعملوا خيراً حتى احترقوا حتى صاروا حمماً فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ـ وهي بكسر

стр. 302

الحاء المهملة وتجمع على حبب ـ قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين قال: فيقول الله تعالى: فإنّ لكم عندي أفضل منه فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً» . فإن قيل: لم أنث الضمير مع أنه راجع للمثقال وهو مذكر؟ أجيب: بأنه أنثه لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وقيل: إنّ الضمير راجع إلى ذرّة وهي مؤنثة لا إلى مثقال وحذفت النون تشبيهاً بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير: حسنة برفع التاء على كان التامّة والباقون بنصبها على كان الناقصة، وقرأ ابن كثير وابن عامر (يضعفها) بتشديد العين ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف العين وألف قبلها ﴿ويؤت﴾ أي: يعط صاحب الحسنة ﴿من لدنه﴾ أي: من عند الله على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل ﴿أجراً عظيماً﴾ أي: عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً؛ لأنه تابع للأجر مزيد عليه لا يثبت إلا بثباته. ﴿فكيف﴾ حال الكفار؟ ﴿إذا جئنا من كل أمّة بشهيد﴾ يشهد عليها بعملها وهو نبيها لقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ (المائدة، ١١٧) ﴿وجئنا بك﴾ يا محمد ﴿على هؤلاء﴾ الشهداء ﴿شهيداً﴾ أي: شاهداً تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك على مجامع قواعدهم، وقيل: هؤلاء إشارة إلى المؤمنين لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ (البقرة، ١٤٣) وقيل: إلى الكافرين المستفهم عن حالهم. وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ فبكى رسول الله ﷺ وقال: «حسبك» . ﴿يومئذٍ﴾ أي: المجيء وهو يوم القيامة ﴿يودّ﴾ أي: يتمنى ﴿الذين كفروا وعصوا الرسول لو﴾ أي: أن ﴿تسوّى بهم الأرض﴾ كالموتى أو لم يبعثوا أو لم يخلفوا وكانوا هم والأرض سواء، وقال الكلبيّ يقول الله للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كونوا تراباً فتسوّى بهنّ الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أنه لو كان تراباً كما قال تعالى: ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ (النبأ، ٤٠) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: تسوّى بضم التاء للبناء للمفعول، والباقون بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل، وشدّد السين نافع وابن عامر، وخففها الباقون. ﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ أي: مما عملوه؛ لأنّ جوارحهم تشهد عليهم، وقال الحسن: إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى: ﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن شيئاً يختلف عليّ فقال: هات ما اختلف عليك قال: قال الله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ (المؤمنون، ١٠١) وقال تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ (الطور، ٢٥) وقال تعالى: ﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ (النساء، ٤٢) وقال: ﴿وا ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام، ٢٣) فقد كتموا، وقال تعالى: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ (النازعات، ٣٠) فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى ﴿طائعين﴾ (فصلت، ١١) فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال

стр. 303

تعالى: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (الفتح، ١٤) وقال: ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ (الفتح، ١٩) فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض﴾ ﴿فلا أنساب﴾ عند ذلك ﴿ولا يتساءلون﴾ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة ﴿ثم أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ (المؤمنون، ١٠١) وأمّا قوله: والله ربنا ما كنا مشركين، ولا يكتمون الله حديثاً، فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون: تعالوا نقل: لم نك مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يكتم حديثاً، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهنّ في يومين آخرين، ثم دحا الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال: خلق الأرض في يومين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين، وكان الله غفوراً رحيماً أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإنّ كلاً من عند الله. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ أي: لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها ﴿وأنتم سكارى﴾ من الشراب ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ بأن تصحوا منه كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ (الإسراء، ٣٢) ﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ (الأنعام، ١٥١) . روي أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ حين كان الخمر مباحاً فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت صلاة المغرب فقدّموا أحدهم يصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها.v وقيل: أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد. وقيل: أراد بالسكر سكر النوم ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال ﷺ «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنّ أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» . وقوله تعالى: ﴿ولا جنباً﴾ منصوب على الحال أي: ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب بإيلاج أو إنزال، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب؛ لأنه يجري مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل؛ لأنّ فعله أجنب فمصدره إجناباً لا جنباً، وأصل الجنابة البعد وسمي جنباً؛ لأنه يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل ﴿إلا عابري﴾ أي: مجتازي ﴿سبيل﴾ أي: طريق أو مسافرين ﴿حتى تغتسلوا﴾ أي: فلكم أن تصلوا، واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي. وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غياه بقوله: (حتى تغتسلوا) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوّز للجنب عبور المسجد، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي: مرضاً يخاف معه من استعمال الماء فإنّ الواجد كالفاقد ﴿أو على سفر﴾ أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي: أحدثتم

стр. 304

بخروج الخارج من أحد السبيلين، والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة ﴿أو لامستم النساء﴾ ، قرأ حمزة والكسائيّ بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف، واختلف في معنى اللمس والملامسة فقال قوم: هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدلّ الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ اللمس ينقض الوضوء، وقال قوم: هما المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة كني باللمس عن الجماع؛ لأنّ باللمس يوصل إلى الجماع ﴿فلم تجدوا ماء﴾ تطهرون به للصلاة بعد الطلب؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب وهذا راجع إلى ما عدا المرض ﴿فتيمموا﴾ أي: بعد دخول الوقت ﴿صعيداً طيباً﴾ أي: تراباً طاهراً أي: طهوراً أمّا المرضى فيتيممون مع حضور الماء؛ لأنّ وجوده بالنسبة إليهم كالعدم ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ مع المرفقين منه بضربتين كما ثبت في الحديث وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجاب عن قوله تعالى في آية المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ أي: بعضه وهو لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه بأنّ من لابتداء الغاية، قال الزمخشريّ: وقولهم: إنها لابتداء الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قال: والإذعان للحق أحق من المراء، والتيمم من خصائص هذه الأمّة. روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» وكان بدء التيمم ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس على ماء وليس معهم ماء؟ فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرته ولا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته» . وفي رواية أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبيّ ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة، وقوله تعالى:

стр. 305

﴿إنّ الله كان عفوّاً غفوراً﴾ كناية عن الترخيص والتيسير؛ لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر ما كان ميسوراً غير معسر. ﴿ألم تر﴾ أي: تنظر ﴿إلى الذين أوتوا نصيباً﴾ أي: حظاً يسيراً ﴿من الكتاب﴾ أي: من علم التوراة وهم أحبار اليهود ﴿يشترون﴾ أي: يختارون ﴿الضلالة﴾ على الهدى ﴿ويريدون أن تضلوا﴾ أيها المؤمنون ﴿السبيل﴾ أي: تخطئون طريق الحق لتكونوا مثلهم. ﴿والله أعلم﴾ منكم ﴿بأعدائكم﴾ فيخبركم بهم لتجتنبوهم ولا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم ﴿وكفى با ولياً﴾ أي: حافظاً ﴿وكفى با نصيراً﴾ أي: مانعاً لكم من كيدهم وقوله تعالى: ﴿من الذين هادوا﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب؛ لأنهم يهود ونصارى وقوله تعالى: ﴿وا أعلم بأعدائكم وكفى با ولياً وكفى با نصيراً﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً أي: ينصركم من الذين هادوا كقوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ (الأنبياء، ٧٧) أو خبر مبتدأ محذوف صفته ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾ أي: ومن الذين هادوا قوم يحرّفون أي: يغيرون الكلم الذي أنزل في التوراة من نعت محمد ﷺ عن مواضعه التي وضع عليها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، وفي المائدة ﴿من بعد مواضعه﴾ (المائدة، ٤١) والمعنيان متقاربان، قال ابن عباس: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيسألونه عن الأمر فيخبرهم ويرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه ﴿ويقولون﴾ للنبيّ ﷺ إذا أمرهم ﴿سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا﴾ أمرك ﴿واسمع غير مسمع﴾ بمعنى الدعاء أي: لا سمعت بصمم أو بموت، أو بمعنى اسمع منا ولا نسمع منك، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه ﴿و﴾ يقولون له: ﴿راعنا﴾ يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه ﷺ بها وهي كلمة سب بلغتهم ﴿لياً﴾ أي: تحريفاً ﴿بألسنتهم﴾ أي: يحرفون ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير نفاقاً ﴿وطعناً﴾ أي: قدحاً ﴿في الدين﴾ أي: الإسلام ﴿ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا﴾ بدل وعصينا ﴿واسمع﴾ أي: فقط ﴿وانظرنا﴾ أي: انظر إلينا بدل راعنا ﴿لكان خيراً لهم﴾ مما قالوه ﴿وأقوم﴾ أي: أعدل وأصوب ﴿ولكن لعنهم الله﴾ أي: أبعدهم عن رحمته ﴿بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ أي: إيماناً قليلاً لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفراً قليلاً منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. ﴿ياأيها الذين أوتوا الكتاب﴾ يخاطب اليهود ﴿آمنوا بما نزلنا﴾ أي: القرآن ﴿مصدّقاً لما معكم﴾ أي: التوراة وذلك أنّ النبيّ ﷺ كلم أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال: «يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» قالوا: ما نعرف ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت ﴿من قبل أن نطمس وجوهاً﴾ أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم ﴿فنردّها على أدبارها﴾ أي: فنجعلها كالأقفاء مطموسة مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة. روي أنّ عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبيّ ﷺ قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحوّل وجهي في قفاي وكذلك

стр. 306

كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية. فإن قيل: قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟ أجيب: بأنّ هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة، أو أنّ هذا كان وعيداً بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن الباقين، وقيل: أراد به في القيامة، وقال مجاهد: أراد بقوله: نطمس وجوهاً أي: نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب والردّ عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة ﴿أو نلعنهم﴾ أي: نمسخهم قردة وخنازير ﴿كما لعنا﴾ أي: مسخنا ﴿أصحاب السبت﴾ منهم قردة وخنازير ﴿وكان أمر الله﴾ أي: قضاؤه ﴿مفعولاً﴾ أي: نافذاً وكائناً فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا. ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ أي: لا يغفر الإشراك به، قال عمر رضي الله تعالى عنهما: لما نزل ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ (الزمر، ٥٣) قالوا: يا رسول الله والشرك فنزلت. ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله فقال: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا، ورهب بقوله: إعلاماً بأنه مختار لا يجب عليه شيء ﴿لمن يشاء﴾ . وقال الكلبيّ: نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة وذهب إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول الله ﷺ إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ (الفرقان، ٦٨) الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرّم الله قتلها وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً﴾ (مريم، ٦٠) الآيتين فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم فلما قرؤوهما كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فنزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فبعث بها إليهم فبعثوا إليه إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (الزمر، ٥٣) الآية فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبيّ ﷺ فقبل منهم ثم قال لوحشيّ «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلما أخبره قال: «ويحك غيب وجهك عني» فلحق وحشيّ بالشأم فكان بها إلى أن مات ﴿ومن يشرك با فقد افترى﴾ أي: ارتكب ﴿إثماً عظيماً﴾ أي: كبيراً فالافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذا الاختلاق. روي أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الموجبات؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» . وروى أبو ذر أنه ﷺ قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ قال الحسن وقتادة: نزلت في اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ﴿وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾ (البقرة، ١١١) ، وقال الكلبيّ: نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول الله

стр. 307

صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: «لا» قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار. ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف ﷺ ﴿اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم﴾ (يوسف، ٥٥) ، وقوله ﷺ «إني أمين في السماء أمين في الأرض» حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة إكذاباً لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، ولكن شتان بين من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم ﴿بل الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿يزكي من يشاء﴾ أي: بماله من العلم التامّ والقدرة الشاملة والحكمة البالغة، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً ﴿ولا يظلمون﴾ أي: ينقصون من أعمالهم ﴿فتيلاً﴾ أي: قدر ما يكون في شق النواة قاله عكرمة عن ابن عباس، فهو اسم لما في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، وقيل: الفتيل من الفتل وهو ما يحصل بين الإصبعين من الوسخ عند الفتل. ولما أخبر أنّ التزكية إنما هي إليه قال لنبيه ﷺ ﴿انظر﴾ متعجباً ﴿كيف يفترون﴾ أي: يتعمدون ﴿على الله﴾ الذي لا يخفى عليه شيء ولا بعجزه شيء ﴿الكذب﴾ من غير خوف منهم لذلك عاقبة ذلك ﴿وكفى به﴾ أي: بهذا الكذب ﴿إثماً مبيناً﴾ أي: بيناً واضحاً. ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ وهما صنمان بمكة لقريش وذلك أنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أمّيون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم فقال أبو سفيان: نحن ولاة البيت نسقي الحجاج الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد فأنزل الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً﴾ أي: حظاً من الكتاب وهم كعب بن الأشرف وأصحابه يؤمنون بالجبت والطاغوت إي الصنمين ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ وهم أبو سفيان وأصحابه ﴿هؤلاء﴾ أي: أنتم ﴿أهدى من الذين آمنوا﴾ وهم محمد وأصحابه ﴿سبيلاً﴾ أي: أقوم ديناً وأرشد طريقاً. ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ أي: طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً﴾ أي: مانعاً يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها. تنبيه: في ﴿هؤلاء أهدى﴾ همزتان من كلمتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، قرأ نافع وابن كثير

стр. 308

وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء خالصة، والباقون بالتحقيق. ﴿أم﴾ منقطعة أي: بل ﴿لهم نصيب﴾ أي: حظ ﴿من الملك﴾ ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم شيء من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أنّ الملك سيصير لهم ولو كان لهم نصيب منه ﴿فإذاً﴾ أي: فيتسبب عن ذلك أنهم ﴿لا يؤتون الناس﴾ أي: واحداً منهم ﴿نقيراً﴾ ومرّ أنه النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير، والمراد بالملك إما ملك الدنيا وإما ملك الله كقوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ وهذا مبالغة في شحهم فإنهم بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء منقادين ويصح أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك وإنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. ﴿أم﴾ أي: بل ﴿يحسدون الناس﴾ أي: محمداً ﷺ الذي جمع فضائل الناس الأوّلين والآخرين ﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾ أي: من النبوّة والكتاب والنصرة والإعزاز وكثرة النساء أي: يتمنون زواله عنه ويقولون: لو كان نبياً لاشتغل عن النساء ﴿فقد آتينا آل إبراهيم﴾ وهو جدّ النبيّ ﷺ ومن آل إبراهيم موسى وداود وسليمان ﴿الكتاب﴾ أي: ما أنزل إليهم ﴿والحكمة﴾ أي: النبوّة ﴿وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾ فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى مثل ما آتاهم فكان لداود تسع وتسعون امرأة وكان لسليمان ألف وثلاثمائة حرّة وسبعمائة سريّة. وقيل: المراد بالناس الناس جميعاً، وقيل: العرب. وحسدوهم لأنّ النبيّ الموعود منهم وقيل: النبيّ وأصحابه لأنّ من حسد على النبوّة فكأنما حسد الناس كلهم على كمالهم ورشدهم. ﴿فمنهم﴾ أي: اليهود ﴿من آمن به﴾ أي: بمحمد ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿ومنهم من صدّ﴾ أي: أعرض ﴿عنه﴾ فلم يؤمن به ﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ أي: عذاباً لمن لم يؤمن وقوله تعالى: ﴿إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم﴾ أي: ندخلهم ﴿ناراً﴾ كالبيان والتقرير لذلك ﴿كلما نضجت﴾ أي: احترقت ﴿جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها﴾ بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى. روي أنّ هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر للقارىء: أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها: يبدله الله تعالى في ساعة مائة مرّة قال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ وقال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرّة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. فإن قيل: كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ أجيب: بأن المعاد إنما هو الجلد الأوّل وإنما قال: جلوداً غيرها لتبدل صفتها كما تقول: صنعت من خاتمي خاتماً غيره فالخاتم الثاني هو الأوّل لا أنّ الصناعة والصفة تبدلت. روي أنّ ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. وروي أنّ ضرسه أو نابه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث ﴿ليذوقوا العذاب﴾ أي: ليقاسوا شدّته، وقيل: يخلق مكان ذلك الجلد جلد آخر والمعذب في الحقيقة على كل حال هي النفس العاصية القائمة بالبدن؛ لأنها المدركة دونه ﴿إنّ الله كان﴾ ولم يزل ﴿عزيزاً﴾ أي: لا يعجزه شيء ﴿حكيماً﴾ في خلقه يعاقب على وفق حكمته. ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان ﴿وعملوا الصالحات سندخلهم﴾ أي: بوعد لا خلف

стр. 309

فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف كما في الكافرين أنهم أقصر الأمم مدّة أو أنهم أقصرهم أعماراً راحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف ﴿جنات﴾ أي: بساتين ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: إنّ أرضها في غاية الري كل موضع صالح لأن يجري منه نهر. ولما ذكر قيامها وما به دوامها أتبعه بما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال ﴿خالدين فيها أبداً﴾ وإنما قدّم تعالى ذكر الكفار ووعيدهم؛ على ذكر المؤمنين ووعدهم لأنّ الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض، ولما وصف تعالى حسن الدار ذكر حسن الجار فقال تعالى: ﴿لهم فيها أزواج مطهرة﴾ أي: من الحيض والقذر. فإن قيل: المطرد في وصف جمع القلة لمن يعقل أن يكون بالألف والتاء فيقال مطهرات، أجيب: بأنه عدل عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهنّ لشدّة الموافقة في الطهر كذات واحدة ﴿وندخلهم﴾ أي: فيها ﴿ظلاً﴾ عظيماً وأكده تعالى بقوله: ﴿ظليلاً﴾ أي: متصلاً لا فرج فيه منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما لا حرّ فيه ولا برد بل هو في غاية الاعتدال، وهو ظل الجنة، جعلنا الله تعالى ومن يحبنا ونحبه من أهلها السابقين مع النبيين والصدّيقين. وقوله تعالى: ﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ خطاب يعم المكلفين، والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة وصعد السطح فطلب رسول الله ﷺ المفتاح ليدخلها فأبى وقال: لو علمت أنه رسول لم أمنعه المفتاح فلوى عليّ رضي الله تعالى عنه يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسول الله ﷺ علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر ففعل ذلك وقال: هاك خالدة تالدة، فعجب من ذلك وقال عثمان: أكرهت وأذيت، ثم جئت ترفق؟ فقال: قد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فهبط جبريل وأخبر رسول الله ﷺ أن السدانة تكون في أولاد عثمان أبداً فلما مات عثمان دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أيديهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، فالآية، وإن وردت في سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع ﴿وإذا حكمتم بين الناس﴾ أي: قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم ﴿أن تحكموا بالعدل﴾ أي: بالسواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له فإنّ ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» ، الحديث. وروي: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذاباً إمام جائر» . ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: ﴿إنّ الله نعما﴾ فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصوفة أي: نعم شيئاً ﴿يعظكم به﴾ وهو تأدية الأمانة والحكم بالعدل، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، وكسرها الباقون، واختلس كسر العين قالون

стр. 310

وأبو عمرو وشعبة ﴿إنّ الله كان﴾ أي: ولم يزل ولا يزال ﴿سميعاً﴾ لكل ما يقال ﴿بصيراً﴾ بكلّ ما يفعل. ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: ﴿أطيعوا الله﴾ أي: فيما أمركم به ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي: فيما بينه لكم ﴿و﴾ أطيعوا ﴿أولي﴾ أي: أصحاب ﴿الأمر﴾ أي: الولاة ﴿منكم﴾ أي: إذا أمروكم بإطاعة الله ورسوله، وسواء كان ذلك في عهد رسول الله ﷺ أم بعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. روي أنه ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وروي أنه ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله وصلوا رحمكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» . وقيل: «المراد بأولي الأمر أبو بكر وعمر لقوله ﷺ «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقال عطاء هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى: ﴿والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان﴾ (التوبة، ١٠٠) روي أنه ﷺ قال: «مثل أصحابي وأمّتي كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح» ، قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح وقيل: المراد علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم﴾ (النساء، ٨٣) ﴿فإن تنازعتم﴾ أي: اختلفتم ﴿في شيء فردوه إلى الله﴾ أي: كتابه ﴿والرسول﴾ أي: مدّة حياته وبعد وفاته إلى سنته أي: اكشفوا عليه منهما والردّ إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الرد إلى الله والرسول أن يقول لما لا يعلم: الله ورسوله أعلم ﴿إن كنتم تؤمنون با واليوم الآخر﴾ أي: فإن الإيمان يوجب هذا ﴿ذلك﴾ أي: من الردّ إليهما ﴿خير﴾ لكم من التنازع والقول بالرأي ﴿وأحسن تأويلاً﴾ أي: تأويلكم بلا رد أو عاقبة. ﴿س٤ش٦٠/ش٦٥ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُوا? بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو?ا? إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو?ا? أَن يَكْفُرُوا? بِهِ? وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَا? بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا? إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ? بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِ? إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُو?لَا??ـ?ِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى? أَنفُسِهِمْ قَوْ? بَلِيغًا * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِ s لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ? وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُو?ا? أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا? اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا? اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَ وَرَبِّكَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجِدُوا? فِى? أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا? تَسْلِيمًا﴾ ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم ﴿بما أنزل إليك﴾ أي: القرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ أي: التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل أي: الزعم في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق يقال: زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ أي: الباطل المغرق في البطلان، وقيل: هو كعب بن الأشرف. روي عن ابن عباس أنّ بشراً المنافق خاصم يهودياً فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد ﷺ وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم فقال لهما عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، وقال جبريل ﵇: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل فقال له النبيّ ﷺ «أنت الفاروق» . والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك

стр. 311

لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه ﴿وقد﴾ أي: والحال إنهم قد ﴿أمروا﴾ ممن له الأمر في كل ما أنزل إليك من كتاب ما قبله ﴿أن يكفروا به﴾ أي: بالشيطان فمتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين كافرين بالله وهو معنى قوله: ﴿ويريد الشيطان﴾ أي: بإرادتهم ذلك التحاكم إليه ﴿أن يضلهم﴾ أي: المتحاكم إليه ﴿ضلالاً بعيداً﴾ أي: بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى، ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي قائل كان، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بالكسر وتقدّم ذكر الإدغام لأبي عمرو ﴿تعالوا﴾ أي: أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم ﴿إلى ما أنزل الله﴾ أي: الذي عنده كل شيء ﴿وإلى الرسول﴾ أي: الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة ﴿رأيت المنافقين يصدون﴾ أي: يعرضون ﴿عنك﴾ إلى غيرك وأكد ذلك بقوله: ﴿صدوداً﴾ أي: هو أعلى طبقات الصدود. ﴿فكيف﴾ يكون حالهم ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ أي: عقوبة كقتل عمر رضي الله تعالى عنه المنافق ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ أي: من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك من الكفر بغير ذلك أي: أيقدرون على الإعراض والفرار منها؟ لا وتم الكلام ههنا، وقوله تعالى: ﴿ثم جاؤك﴾ أي: حين يصابون للاعتذار معطوف على يصدون وما بينهما اعتراض ﴿يحلفون با إن﴾ أي: ما ﴿أردنا﴾ أي: بالمحاكمة إلى غيرك ﴿إلا إحساناً﴾ أي: صلحاً ﴿وتوفيقاً﴾ أي: تأليفاً بين الخصمين ولم نرد مخالفتك، وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق. ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ أي: من النفاق والبغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه وكذبهم في حلفهم وعذرهم ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: عن عتابهم بالصفح؛ لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب ﴿و﴾ لكن ﴿عظهم﴾ أي: خوّفهم الله القادر على استئصالهم ﴿وقل لهم في أنفسهم﴾ أي: في شأنها أو خالياً بهم فإن النصح في السر أنجع ﴿قولاً بليغاً﴾ أي: مؤثراً فيهم أي: ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال. ولما أمر الله تعالى بطاعة رسول الله ﷺ وذم من حاكم إلى غيره وهدده وختم تهديده بأمر النبيّ ﷺ بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا للرفق بالأمّة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة عطف عليه قوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع﴾ أي: فيما يأمر به ويحكم؛ لأن منصبه الشريف يقتضي ذلك ﴿بإذن الله﴾ أي: بإرادته من أنه يطاع فلا يعصي ولا يخالف ﴿ولو أنهم إذ﴾ أي: حين ﴿ظلموا أنفسهم﴾ أي: بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ﴿جاؤك﴾ أي: تائبين ﴿فاستغفروا الله﴾ بالتوبة والإخلاص ﴿واستغفر﴾ أي: شفع ﴿لهم الرسول﴾ أي: اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعاً، وإنما عدل عن الخطاب تفخيماً لشأنه ﴿لوجدوا الله توّاباً﴾ عليهم ﴿رحيماً﴾ بهم، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام بخلاف عنه. ﴿فلا وربك﴾ أي: فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم ﴿لا يؤمنون﴾ أي: يوجدون هذا

стр. 312

الوصف ويجدونه ﴿حتى يحكموك﴾ أي: يجعلوك حكماً ﴿فيما شجر﴾ أي: اختلف واختلط ﴿بينهم﴾ من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجرة في التداخل والتضايق ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً﴾ أي: نوعاً من الضيق ﴿مما قضيت﴾ به عليهم ﴿ويسلموا تسليماً﴾ أي: وينقادوا لك انقياداً بظواهرهم وبواطنهم، وفي الصحيح: إنّ الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار وقد شهد بدراً في شراج من الحرة كانا يستقيان بها النخل فقال النبيّ ﷺ للزبير: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله: أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك» وقيل: نزلت في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر. ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل، أو تعرّضوا بها للقتل بالجهاد، وإن مصدرية أو مفسرة؛ لأنّ (كتبنا) في معنى أمرنا، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر النون في الوصل، والباقون بالضم ﴿أو اخرجوا من دياركم﴾ أي: التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم توبة لربكم ﴿ما فعلوه﴾ أي: المكتوب عليهم أي: إنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الله ورسوله والرضا بحكمه ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار ما كان يفعله ﴿إلا قليل منهم﴾ قال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم القليل والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ النبيّ ﷺ ذلك فقال: «إنّ من أمّتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» ، وقرأ ابن عامر قليلاً بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على البدل ﴿ولو أنهم﴾ أي: هؤلاء المنافقين ﴿فعلوا ما يوعظون به﴾ من طاعة الرسول ﷺ ﴿لكان خيراً لهم﴾ في عاجلهم وآجلهم مما اختاروه لأنفسهم ﴿وأشدّ تثبيتاً﴾ أي: تحقيقاً لإيمانهم. ﴿وإذاً﴾ أي: لو ثبتوا ﴿لآتيناهم من لدنا﴾ أي: من عندنا ﴿أجراً عظيماً﴾ وهو الجنة ﴿ولهديناهم صراطاً مستقيماً﴾ يصلون بسلوكه جنات القدس وتفتح لهم أبواب الغيب قال ﷺ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» رواه أبو نعيم في حليته. روي أنّ ثوبان مولى رسول الله ﷺ كان شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله ﷺ «ما غير لونك؟» فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً فأنزل الله تعالى ﴿ومن يطع الله﴾ في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره ﴿والرسول﴾ أي: في كل ما أراده فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك لا سيما من بلغ نهايتها ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ أي: معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليهم بسهولة، وقوله تعالى: ﴿من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين﴾ بيان للذين حال منه أو من ضميره، قسمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل وحث كافة الناس على

стр. 313

أن لا يتأخروا عنهم، وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حدّ الكمال إلى درجة التكميل، ثم الصدّيقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليه، ثم الشهداء الذين أدّى بهم الحرص على الطاعة والجدّ في إظهار الحق حتى بذلوا مهجتهم في إعلاء كلمة الله تعالى، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته ﴿وحسن﴾ أي: وما أحسن ﴿أولئك﴾ أي: العالون الأخلاق السابقون ﴿رفيقاً﴾ من الرفق وهو لين الجانب ولطافة الفعل، وهو مما يستوي واحده وجمعه أي: رفيقاً في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم ورؤيا ربهم والحضور معهم وإن كان مقرّهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم. روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله الرجل يحب قوماً ولم يلحق بهم قال النبيّ ﷺ «المرء مع من أحب» . وروي أيضاً أن رجلاً قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» فلم يذكر كثيراً إلا أنه يحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره ﴿الفضل من الله﴾ أي: تفضل به عليهم لا إنهم نالوه بطاعتهم ﴿وكفى با عليماً﴾ أي: بجزاء من أطاعه أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قاربوا وسدّدوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان ﴿خذوا حذركم﴾ من عدوّكم أي: احترزوا منه، وتيقظوا له والحذر الحذر كالأثر الأثر ﴿فانفروا﴾ أي: اخرجوا إلى قتاله مسرعين ﴿ثبات﴾ أي: جماعات متفرّقين سرية في أثر سرية جمع ثبة، وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة ﴿أو انفروا جميعاً﴾ أي: مجتمعين كوكبة واحدة، قال البيضاوي: والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات. ﴿وإنّ منكم﴾ الخطاب لعسكر النبيّ ﷺ المؤمنين منهم والمنافقين ﴿لمن ليبطئن﴾ أي: ليتأخرن وليتثاقلن عن القتال وهم المنافقون كعبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام لا في حقيقة الإيمان ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾ كقتل وهزيمة ﴿قال﴾ هذا المتبطىء جهلاً منه وغلظة ﴿قد أنعم الله عليّ إذ﴾ أي: حين ﴿لم أكن معهم شهيداً﴾ أي: حاضراً فأصاب. ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿أصابكم فضل﴾ أي: فتح وظفر وغنيمة ﴿من الله﴾ الذي كل شيء بيده ﴿ليقولنّ﴾ نادماً على ما فاته من الأغراض الدنيوية، وأكده تنبيهاً على فرط تحسره وقوله تعالى: ﴿كأن﴾ مخففة واسمها محذوف أي: كأنه ﴿لم تكن بينكم وبينه مودّة﴾ أي: معرفة وصداقة رجع إلى قوله: ﴿قد أنعم الله عليّ﴾ اعتراض بين القول ومقوله وهو ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتني كنت معهم فأفوز﴾ أي: بمشاركتهم في ذلك ﴿فوزاً عظيماً﴾ أي: آخذ حظاً وافراً من الغنيمة، وقرأ ابن كثير وحفص بالتاء في تكن على التأنيث والباقون بالياء على التذكير، ولما بين أن محط رحال القاعد عن الجهاد الدنيا علم أن قصد المجاهد الآخرة فقال تعالى: ﴿فليقاتل في سبيل الله﴾ أي: لإعلاء

стр. 314

دينه ﴿الذين يشرون﴾ أي: يبيعون برغبة ﴿الحياة الدنيا بالآخرة﴾ وهم المؤمنون، والمعنى: إن تباطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المجاهدون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ويشرون أي: يأخذون وهم المتباطئون فيختارونها على الآخرة، والمعنى: حثهم على ترك ما حكي عنهم، وفي هذا استعمال للمشترك في مدلوليه ﴿ومن يقاتل في سبيل الله﴾ لإعلاء دينه ﴿فيقتل﴾ أي: يستشهد ﴿أو يغلب﴾ أي: يظفر بعدوّه ﴿فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ أي: ثواباً جزيلاً، وإنما وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب ترغيباً في القتال وتكذيباً لقول المتبطىء ﴿قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً﴾ وإنما قال: فيقتل أو يغلب تنبيهاً على أنّ المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعدّ نفسه بالشهادة أو الدين بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء كلمة الحق وإظهار الدين. روي أنّ رسول الله ﷺ قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . وروي أنه ﷺ قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله إنما يرجعه من غنيمة وأجر أو يتوفاه فيدخله الجنة» وقوله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون﴾ استفهام توبيخ أي: لا مانع لكم من القتال ﴿في سبيل الله﴾ لإعلاء دينه وقوله تعالى: ﴿والمستضعفين﴾ عطف على إسم الله أي: وفي سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ وقوله تعالى: ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس: كنت أنا وأمي منهم وإنما ذكر الوالدان مبالغة في الحث وتنبيهاً على تناهي المشركين بحيث بلغ أذاهم الولدان وإن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. وقيل: المراد بهم العبيد والإماء وهم جمع وليد ﴿الذين يقولون﴾ أي: داعين يا ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ أي: بالكفر ﴿واجعل لنا من لدنك﴾ أي: من عندك ﴿ولياً﴾ يتولى أمرنا ﴿واجعل لنا من لدنك نصيراً﴾ يمنعنا منهم وقد استجاب الله تعالى دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة له ﷺ فتولاهم ونصرهم، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وكان حينئذ ابن ثمان عشرة سنة، والقرية مكة، والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن إسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه. ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله﴾ أي: في طاعته الله ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾ أي: في طاعة الشيطان ﴿فقاتلوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أولياء الشيطان﴾ أي: حزبه وجنوده وهم الكفار ﴿إن كيد الشيطان﴾ أي: مكره بالمؤمنين ﴿كان ضعيفاً﴾ بالإضافة إلى كيد الله تعالى بالكافرين لا يعتدّ به، فلا تخافوا أولياءه فإن اعتمادهم على أضعف شيء أوهنه كما فعل الشيطان يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن تأخذه فهرب وخذلهم. ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ أي: عن قتال الكفار، وهم جماعة من الصحابة كانوا يلقون

стр. 315

من المشركين أذى كثيراً قبل أن يهاجروا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله ﷺ «كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم» ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ . فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم كما قال تعالى: ﴿فلما كتب﴾ أي: فرض ﴿عليهم القتال﴾ قرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم في الوصل، وأمّا الوقف فالجميع يسكنون الميم، وحمزة بضم الهاء على أصله، وكسرها الباقون ﴿إذا فريق منهم يخشون﴾ أي: يخافون ﴿الناس كخشية الله﴾ أي: كخشيتهم من الله ﴿أو أشدّ خشية﴾ من خشيتهم له. تنبيه: نصب أشدّ على الحال، وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي: فاجاءتهم الخشية ﴿وقالوا﴾ جزعاً من الموت ﴿ربنا لم كتبت علينا القتال لولا﴾ أي: هلا ﴿أخرتنا إلى أجل قريب﴾ وهو الموت أي: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل: قاله قوم من المنافقين؛ لأن قوله: ﴿لم كتبت علينا القتال﴾ لا يليق بالمؤمنين؟ وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفاً وجبناً لا اعتقاداً، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون فيه، وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلما كتب عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد، وقرأ البزي في الوقف (لمه) بهاء بعد الميم بخلف عنه، والباقون بالميم بغير هاء والهاء ساقطة في الوصل للجميع ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿متاع الدنيا﴾ أي: ما يتمتع به فيها والاستمتاع بها ﴿قليل﴾ أي: آيل إلى الزوال ﴿والآخرة﴾ أي: ثوابها وهو الجنة والنظر إلى الله تعالى ﴿خير لمن اتقى﴾ عقاب الله بترك معاصيه. روي أنه ﷺ قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» ﴿ولا تظلمون﴾ أي: تنقصون من أعمالكم ﴿فتيلاً﴾ أي: قدر ما يكون في شق النواة كما مرّ عن عكرمة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب، ونزل في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ (آل عمران، ١٥٦) . ﴿أينما تكونوا﴾ أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم ﴿يدرككم الموت﴾ أي: فإنه طالب لا يفوته هارب. واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما مقطوعة من أين ومنهم من وصلها ﴿ولو كنتم في بروج﴾ أي: حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم داخل برج ﴿مشيدة﴾ أي: مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا القتال خوف الموت. ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبيّ ﷺ المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه ﴿وإن تصبهم﴾ أي: اليهود ﴿حسنة﴾ أي: خصب ورخص في السعر ﴿يقولون هذه من عند الله﴾ لنا لا مدخل لك فيها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي: جدب وغلاء في الأسعار ﴿يقولون هذه من عندك﴾ أي: من شؤم محمد وأصحابه وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولون: هذه من عندك أي: أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول المنافقين ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿كل﴾ أي: الحسنة والسيئة ﴿من عند الله﴾ ثم عيرهم بالجهل فقال: ﴿فما لهؤلاء القوم﴾ أي: اليهود أو المنافقين ﴿لا يكادون

стр. 316

يفقهون﴾ أي: لا يقاربون أن يفهموا ﴿حديثاً﴾ يوعظون به وهو القرآن؛ لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أنّ الكل من عند الله، أو حديثاً ما يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه. ﴿ما أصابك﴾ أي: أيها الإنسان ﴿من حسنة﴾ أي: نعمة دنيوية أو أخروية ﴿فمن الله﴾ أتتك تفضلاً منه والإيمان أحسن المحسنات، قال الإمام: إنهم اتفقوا على أنّ قوله: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ (فصلت، ٣٣) المراد به كلمة الشهادة ﴿وما أصابك من سيئة﴾ أي: بلية وأمر تكرهه ﴿فمن نفسك﴾ أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ وبين قوله ﴿فمن نفسك﴾ ؟ أجيب: بأنّ قوله: ﴿قل كل من عند الله﴾ أي: الخصب والجذب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله: ﴿فمن نفسك﴾ أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى، ٣٠) ، وقيل: إنّ هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله﴾ ﴿وأرسلناك﴾ يا محمد ﴿للناس﴾ أي: كافة وقوله تعالى: ﴿رسولاً﴾ حال قصد بها التأكيد ﴿وكفى با شهيداً﴾ على إرسالك بنصب المعجزات، ولما قال النبيّ ﷺ «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم» نزل. ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى ﴿ومن تولى﴾ أي: أعرض عن طاعتك فلا يهمنك ﴿فما أرسلناك﴾ يا محمد ﴿عليهم حفيظاً﴾ أي: حافظاً لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. ﴿ويقولون﴾ أي: المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك ﴿طاعة﴾ أي: أمرنا وشأننا طاعة أي: نطيعك فيما تأمرنا به ﴿فإذا برزوا﴾ أي: خرجوا ﴿من عندك بيت طائفة منهم﴾ أي: أضمرت ﴿غير الذي تقول﴾ لك في حضورك من الطاعة أي: عصتك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها عندهما ساكنة أي: التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها، والباقون بالإظهار فإن التاء عندهم مفتوحة ﴿وا يكتب﴾ أي: يأمر بكتب ﴿ما يبيتون﴾ أي: ما يسرون من النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: قلل المبالاة بهم ﴿وتوكل على الله﴾ أي: ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم لك منهم ﴿وكفى با وكيلاً﴾ أي: مفوّضاً إليه. ﴿أفلا يتدبرون﴾ أي: يتأمّلون ﴿القرآن﴾ وما فيه من المعاني البديعة ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي: ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار ﴿لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ أي: تناقضاً في معانيه وتبايناً في نظمه، فكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفاً عن الصدق في الإخبار عن الغيب بما كان وما يكون، أفلا يتفكرون فيه؟ فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف، والمراد من التقييد بالكثير المبالغة في إثبات الملازمة أي: لو كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه اختلاف كثير فضلاً عن

стр. 317

القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل. ﴿وإذا جاءهم﴾ أي: المنافقين ﴿أمر﴾ أي: خبر عن سرايا النبيّ ﷺ ﴿من الأمن﴾ أي: الغنيمة ﴿أو الخوف﴾ أي: القتل والهزيمة ﴿أذاعوا به﴾ أي: أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى التحدّث، وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدّثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبيّ ﷺ ﴿ولو ردّوه﴾ أي: ذلك الخبر ﴿إلى الرسول﴾ أي: لم يحدثوا به حتى يكون النبيّ ﷺ هو الذي يحدث به ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ أي: ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ﴿لعلمه﴾ على أي: وجه يذكر أي: ﴿الذين يستنبطونه منهم﴾ أي: يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ بالإسلام ﴿ورحمته﴾ لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن ﴿لاتبعتم الشيطان﴾ فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي ﴿إلا قليلاً﴾ أي: منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله بما وهبهم الله من صحيح العقل، والعصمة تقال في حق غير الأنبياء أيضاً؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق النبيّ معصوم، وفي حق غيره محفوظ. ﴿فقاتل﴾ يا محمد ﴿في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ فلا تهتم بتخلفهم عنك أي: قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس النصر إلا بيده وما كان ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض كلهم، وذلك أن رسول الله ﷺ واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. تنبيه: الفاء في قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾ قال البغوي: جواب عن قوله تعالى: ﴿ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ فتأمّل انتهى.. ﴿وحرّض المؤمنين﴾ أي: حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض ﴿عسى الله أن يكف بأس﴾ أي: حرب ﴿الذين كفروا﴾ وعسى في كلام الله وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق ﴿وا أشدّ بأساً﴾ أي: صولة منهم ﴿وأشدّ تنكيلاً﴾ أي: عقوبة منهم، فقال النبيّ ﷺ «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي» فخرج بسبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما تقدّم في ورة آل عمران. ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضرراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء وجه الله، ومنها الدعاء للمسلم قال ﷺ «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثله» أي: مثل ذلك أي: ودعاء الملك لا يردّ ﴿يكن له نصيب﴾ أي: أجر ﴿منها﴾ أي: بسببها قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله ﷺ جالساً إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء» ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ مخالفة للشرع ﴿يكن له كفل﴾ أي: نصيب من الوزر ﴿منها﴾ أي: بسببها ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ قال ابن

стр. 318

عباس مقتدراً مجازياً قال الشاعر: وذي ضغن (أي: رب صاحب حقد) كففت الضغن عنه وكنت على إساءته (أي: إساءتي لذي الضغن) مقيتاً أي: مقتدراً وقال مجاهد: شاهداً وقال قتادة: حفيظاً، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتاً أي: يوصل القوت إليه، وجاء في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» . ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ التحية هي دعاء الحياة، ولكن جمهور المفسرين على أن ذلك في السلام أي: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم فإذا قال: السلام عليكم، فيزيد الرادّ: ورحمة الله، فإذا قال: ورحمة الله، فيزيد الرادّ: وبركاته ﴿أو ردّوها﴾ أي: بأن تردّ عليه بمثل ما سلم. روي أنّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ السلام عليك فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: «وعليك أي: السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل: نقصتني أي: الفضل على سلامي، فأين ما قال الله أي: من الفضل؟ وتلا الآية فقال: «لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله» لأنّ ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثبوتها، وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به إنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء إنه يكفي، وتحمل الآية على أنه الأكمل وابتداء السلام على المسلم سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة، وردّه فرض عين إذا كان المسلم عليه واحداً، وكفاية من الجماعة، ويشترط في الردّ الفور، والجوب مستفاد من الأمر، والفور من الفاء، وأمّا كونه كفاية فلخبر أبي داود «يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم» والراد منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن الباقين، وإن أجابوا كلهم كانوا مؤدّين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرّقين كصلاة الجنازة، ولا يسقط الفرض بردّ الصبيّ المميز. فإن قيل: قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة، أجيب: بأن المقصود من الصلاة الدعاء والصبيّ أقرب إلى الإجابة والمقصود من السلام الأمان والصبيّ ليس من أهله، ولا يسقط أيضاً بردّ من لم يسمع، ولو سلم على امرأة إن كان يباح له النظر إليها كمحرمة وزوجته يسنّ له السلام عليها، ووجب عليها الردّ وإلا كره له ابتداء وردّاً وحرم عليها ابتداء وردّ هذا إذا كانت مشتهاة، فإن كانت عجوزاً أو جماعة نسوة لم يكره، ويجب الردّ لانتفاء خوف الفتنة، ولا يسنّ ابتداؤه على قاضي حاجة ولا على آكل ولا على من في حمام ولا على مصلّ ومؤذن وخطيب وملب ومستغرق القلب بالدعاء، ولا يجب الجواب عليهم، ويحرم ابتداؤه على الكافر، ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط، وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه في شرح المنهاج ﴿إنّ الله كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء حسيباً﴾ أي: محاسباً فيجازي عليه، وقال مجاهد: حفيظاً، وقال أبو عبيدة: كافياً، يقال: حسبي هذا أي: كفاني وقوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ مبتدأ وخبر وقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم﴾ اللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم الله من قبوركم ﴿إلى﴾ في ﴿يوم القيامة﴾ وسميت بذلك؛ لأنّ الناس يقومون من قبورهم قال تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث

стр. 319

سراعاً﴾ (المعارج، ٤٣) وقيل: لقيامهم إلى الحساب قال تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (المطففين، ٦) ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: في ذلك اليوم أو في الجمع ﴿ومن أصدق من الله حديثاً﴾ أي: قولاً. فإن قيل: الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال: هذا الصدق أصدق من هذا الصدق كما لا يقال: هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب: بأنّ الصدق صفة للقائل لا صفة للحديث أي: لا أحد غير الله أصدق منه؛ لأنّ غيره يتطرّق إلى خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائيّ بإشمام الصاد أي: بحرف متولد بين الصاد والزاي ﴿فما لكم﴾ أي: فما شأنكم صرتم ﴿في المنافقين﴾ أي: في أمرهم ﴿فئتين﴾ أي: فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد: هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، وقال قوم: في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام. ﴿وا أركسهم﴾ أي: نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردّهم إلى حكم الكفرة ﴿بما كسبوا﴾ من الكفر والمعاصي ﴿أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله﴾ أي: أتعدّونهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: ومن يضله الله ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي: طريقاً إلى الهدى. ﴿ودّوا﴾ أي: تمنوا ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون﴾ أنتم وهم ﴿سواء﴾ في الكفر. تنبيه: قوله تعالى: ﴿فتكونون﴾ لم يرد به جواب التمني؛ لأنّ جوابه بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي: ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله: ﴿ودّوا لو تدهن فيدهنون﴾ (القلم، ٩) أي: ودّوا لو تدهن وودّوا لو يدهنون ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء﴾ أي: فلا توالوهم وإن أظهروا الإيمان ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ معكم هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ (النساء، ١٠٠) ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله ﷺ صابراً محتسباً لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال رسول الله ﷺ «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ﴿فإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ أي: في حلّ أو في حرم كسائر الكفرة ﴿ولا تتخذوا منهم ولياً﴾ توالونه ﴿ولا نصيراً﴾ تنتصرون به على عدوّكم أي: بل جانبوهم مجانبة كلية، وقوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون﴾ استثناء من قوله: ﴿فخذوهم واقتلوهم﴾ أي: إلا الذين يصلون أي: ينتهون ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبيّ ﷺ وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى:

стр. 320

﴿أو جاؤكم﴾ عطف على الصلة أي: أو الذين جاؤوكم، وقوله تعالى: ﴿حصرت﴾ أي: ضاقت حال بإضمار قد أي: وقد ضاقت ﴿صدورهم أن يقاتلوكم﴾ أي: عن قتالكم مع قومهم ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ معكم أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرّضوا لهم بأخذ ولا قتل، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها الباقون ﴿ولو شاء الله﴾ تسليطهم عليكم ﴿لسلطهم عليكم﴾ بأن يقوّي قلوبهم ويبسط صدورهم ويزيل الرعب ﴿فلقاتلوكم﴾ ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم﴾ أي: بأن لم يتعرّضوا لكم ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أي: الاستسلام والانقياد ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ أي: طريقاً بالأخذ أو القتل. ﴿ستجدون﴾ أي: عن قريب بوعد لا شك فيه ﴿آخرين﴾ أي: من المنافقين. روي عن ابن عباس أنه قال: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبيّ ﷺ قالوا: إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين كما قال تعالى: ﴿يريدون أن يأمنوكم﴾ بإظهار الإيمان عندكم ﴿ويأمنوا قومهم﴾ بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم ﴿كلما ردّوا﴾ أي: دعوا ﴿إلى الفتنة﴾ أي: الكفر ﴿اركسوا﴾ أي: انقلبوا منكوسين ﴿فيها﴾ أي: الفتنة أقبح قلب ﴿فإن لم يعزلوكم﴾ أي: بترك قتالكم ﴿ويلقوا﴾ أي: ولم يلقوا ﴿إليكم السلم ويكفوا﴾ أي: ولم يكفوا ﴿أيديهم﴾ عن قتالكم ﴿فخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي: وجدتموهم ﴿وأولئكم﴾ أي: أهل هذه الصفة ﴿جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً﴾ أي: حجة واضحة في التعرّض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم. ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً﴾ أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق ﴿إلا خطأ﴾ أي: مخطئاً في قتله من غير قصد، نزلت في عياش بن ربيعة، وذلك إنه أتى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن يظهر الإسلام لأهله فخرج هارباً إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت أمّه لذلك جزعاً شديداً وقالت لإبنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه لأمّه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتيا به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشاً وهو في الأطم وقالوا له: انزل فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له ذلك أي: جزع أمّه وأوثقوا بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت له: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثوقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي أنت عليه؟ فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إنّ عياشاً بعد ذلك أسلم وهاجر، ثم أسلم الحارث بن زيد بعده، وهاجر إلى رسول الله ﷺ وليس عياش حاضراً يومئذٍ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش بظهر قباء إذ لقي الحارث، فقتله، فقال
следующие страницы →